المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 418789
يتصفح الموقع حاليا : 303

البحث

البحث

عرض المادة

التهور والاندفاع

 

لتهور والاندفاع

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

فالتأني والحلم والرفق والوقار  ومجاهدة النفس دليل رجاحة العقل  واتزان النفس  وعلى العكس والنقيض فإن التهور والاندفاع  والطيش  والهوى  والسفه  والعجلة دليل خفة العقل  وجهالة النفس .

وقد يظهر ذلك في سرعة الغضب من يسير الأمور  والمبادرة بالطيش  والإيقاع بالمؤْذَى والسرف في العقوبة  وإظهار الجزع من أدنى ضرر  والسب الفاحش  أو استعمال العبد قواه فيما لا ينبغي وكما لا ينبغي.

والتهور خُلُقٌ مستقبح من كل أحد إلاَّ أنه من الملوك والرؤساء أقبح  وعلى هذا فإذا ترتب على الطيش محرم كان محرمًا  و إذا ترتب عليه مكروه كان مكروهًا  وهو على كل حال مستقبح  وفي كل وقت مسترذل  فكم من اندفاعة في غير موضعها أورثت حزنًا طويلاً  وكم من قول أو فعل متهور طائش أهلك صاحبه  وحرمه النجاة  وألقى به في عداد الظلمة الفسقة.

ومن ذلك إساءة الظن بالمسلمين وعدم التثبت في نقل الأخبار  وإشاعة الاتهام في حق الأبرياء دون بيّنة أوضح من شمس النهار  قال تعالى: ( إذً تّلّقَّوًنّهٍ بٌأّلًسٌنّتٌكٍمً وّتّقٍولٍونّ بٌأّفوّاهٌكٍم مَّا لّيًسّ لّكٍم بٌهٌ عٌلًم وّتّحًسّبٍونّهٍ هّيٌَنْا وّهٍوّ عٌندّ اللَّهٌ عّظٌيم <15> ) [النور: 15].

وفي صحيح مسلم: «أن المسيح ا  رأى رجلاً يسرق  فقال: سرقت  فقال الرجل: والله ما سرقت. فقال المسيح  آمنت بالله وكذبت عيني» .

ومن ذلك التهور في تكفير المسلمين الذين ورثوا الإسلام وجهلوا معانيه بزعم التحاكم للطاغوت  وغير ذلك من شبهات غلاة التكفير  ومن المعلوم أن الإنسان متى خرج من الملة لا يُصلَّى عليه ولا يُدفَنُ في مقابر المسلمين  ولا يورث  ويُفسخ عقده مع امرأته ويفقد ولايته على أولاده.. إلى غير ذلك من الأمور التي تدعو إلى التثبت والسعي في درء الشبهات وإقامة الحجة الرسالية التي يكفر مخالفها على يد عالم أو ذي سلطان مطاع.

ومن ذلك التهور في إيقاع الطلاق مع الاستثارة أو وقت الانفعال والغضب  ثم الندم بعد فوات الأوان وتخريب البيوت وتشريد الأولاد.

ومن ذلك : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون مراعاة الضوابط الشرعية  فتجد من يصنع من نفسه قاضيًا وجلادًا ومجنيًا عليه في نفس الوقت  ومن يتصرف وكأنه دولة داخل الدولة  فيُقيم الحدود الشرعية بلا ضابط ولا رابط.

ومع كثرة الشبهات وواقع الغربة وانجرار المفاسد الكبيرة من وراء ذلك.

والثالث قد يكسر عضوًا أو يقبح أو يضرب الوجه  بزعم أن الزوجة أو الولد ارتكب كذا  أو صنع كذا  وكأن الغاية تُبرر الوسيلة  والرابع قد يهدم قبرًا مشرفا  فيُعاد بناؤه في نفس اليوم   ويُنسب من فعل ذلك لانتهاك حرمة الموتى  ويتعدى الأذى إلى الأبرياء من الأهل والإخوان والأصدقاء.

وقد تُسْتَثْمَرُ هذه السلوكيات في التنفير من الدعوة وفي الصد عن سبيل الله.

وبالجملة فصور التهور والاندفاع كثيرة  ومن شأنها أن تستجلب المضرة والمفسدة  وتفوت المصلحة.

وفي الحديث: «إن الله عز وجل ليُعطي على الرفق ما لا يعطي على الخَرق  وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق  وما من أهل بيت يُحرمون الرفق إلاَّ حُرموا» [رواه الطبراني ورجاله ثقات].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التأني من الله والعَجَلَة من الشيطان  وما أحد أكثر معاذير من الله» [الحديث رواه أبو يعلى والبيهقي وحسّنه الألباني].

وورد في الحديث: «يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان (صغار) سفهاء الأحلام (ضعفاء العقول) يقولون من قول خير البرية  يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمية  لا يُجاوز إيمانهم حناجرهم  فأينما لقيتموهم فاقتلوهم  فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» [رواه البخاري]  وقد ظهر الخوارج بهذه الصفات  وقاتلهم عليٌّ صلى الله عليه وسلم .

ولما اشتكى بعض الرعية من عمال عمر  فأمرهم أن يوافوه  فلما أتوه قام  فحمد الله وأثنى عليه  ثم قال: «أيها الناس  أيتها الرعية  إن لنا عليكم حقًا: النصيحة بالغيب  والمعاونة على الخير. أيها الرعاة  إن للرعية عليكم حقًا  فاعلموا أنه لا شيء أحب إلى الله ولا أعز من حلم إمام ورفقه  وليس جهلٌ أبغض إلى الله ولا أغم من جهل إمام وخرقه» .

وقال أبو منصور: الأناة حصن السلامة والعجلة مفتاح الندامة»  وقال: «التأني مع الخيبة خيرٌ من التهور مع النجاح».

وقال: «الشباب مظنّةُ الجهلِ ومطية الذنوب» .

فالتهور والاندفاع قريب من الشباب  وصغر السن  وبسبب الجهل الملازم لهذه المرحلة في الأعم الأغلب  ولذلك قالوا: تفقهوا قبل أن ترأسوا  وقالوا: تفقهوا قبل أن تسودوا .

وكان ابن مسعود صلى الله عليه وسلم يقول لأهل زمانه: «أنتم في زمان خيركم المسارع في الأمر  وسيأتي على الناس زمان خيرهم المتوقف المتثبت لكثرة الشبهات».

فالإنسان طبعه العجلة ( وّكّانّ الإنسّانٍ عّجٍولاْ <11> ) [الإسراء: 11]

 فيعجل بسؤال الشر كما يعجل بسؤال الخير  ويُؤثر العاجل وإن قل على الآجل وإن جلّ  وقد يفعل الشيء قبل وقته اللائق به.

ولذلك ذُمَّت العجلة التي هي من مقتضيات الشهوة في جميع القرآن حتى قيل: العجلة من الشيطان  بعكس ما كان في طلب الآخرة فهو محمود  قال تعالى عن نبيّه موسى ا:

 ( وّعّجٌلًتٍ إلّيًكّ رّبٌَ لٌتّرًضّى  <84> ) [طه: 84].

وقال عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم: الرَّويَّةُ في كل أمر خير إلاَّ ما كان من أمر الآخرة.

وقد عدَّ الحافظ ابن حجر العجلة وترك التثبت في الأمور من الكبائر .

وجاء في الحديث: «العجلة من الشيطان» لأنه عندها يُروّج شره على الإنسان من حيث لا يشعر بخلاف من تمهَّل وتروَّى عند الإقدام على عمل يريده  فإنه تحصل له بصيرة به  ومتى لم تحصل تلك البصيرة فلا ينبغي الاستعجال  بل حتى فيما يتعلق بالصالحات.

فالعجلة تُفَوِّت قدرًا من الأجر والثواب  ولذلك قالوا: رحم الله عبدًا وقف مع أول همه  فإن كان و أمضاه  وإن كان لغيره توقف.

والعجلة دليل على عدم تقدير الأمور  والجهل بحقائقها يوضح ذلك قوله تعالى: ( أّفّبٌعّذّابٌنّا يّسًتّعًجٌلٍونّ<204> ) [الشعراء: 204].

( يّسًتّعًجٌلٍونّكّ بٌالًعّذّابٌ وّإنَّ جّهّنَّمّ لّمٍحٌيطّةِ بٌالًكّافٌرٌينّ <54> ) [العنكبوت: 54].

( أّتّى  أّمًرٍ اللَّهٌ فّلا تّسًتّعًجٌلٍوهٍ سٍبًحّانّهٍ وّتّعّالّى  عّمَّا يشًرٌكٍونّ (1) ) [النحل: 1].

وعن أبي هريرة صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل  يقول دعوت فلم يُستجب لي» [رواه البخاري ومسلم].

وفي حديث أم زرع «قالت الثالثة: زوجي العشنق (طول بلا نفع) إن أنطق أُطلق (إن ذكرت عيوبه طلقها لطيشه) وإن أسكت أُعلق (تركها لا عزباء ولا مزوجة)..» [الحديث رواه البخاري ومسلم].

قال الحسن بن علي رضى الله عنه: «اعلموا أن الحلم زينة  والوفاء مروءة  والعجلة سفه  والسفر ضعف  ومجالسة أهل الدناءة شينٌ  ومخالطة أهل الفسق ريبة».

وقالوا: لا يستحق أحد اسم الرئاسة حتى يكون فيه ثلاثة أشياء: العقل  والعلم  والمنطق  ثم يتعرى عن ستة أشياء: عن الحِدَّة  والعجلة  والحسد  والهوى  والكذب  وترك المشورة.

وعاب مالك العجلة في الأمور  وقال: قرأ ابن عمر البقرة في ثمان سنين (بمعنى أنه جمع فيها العلم والعمل معًا  كما هو منهج الصحابة ) وقال أيضًا: العجلة نوع من الجهل والخرق.

وقال أبو حاتم: العجلة تكون من الحدة  وصاحب العجلة إن أصاب فرصته لم يكن محمودًا  وإن أخطأها كان مذمومًا  والعَجِلُ لا يسيرُ إلاَّ مناكبًا للقصد  منحرفا عن الجادة  يلتمس ما هو أنكدُ وأوعر وأخفى مسارًا يحكم حكم الورهاء (الحمق)  يُناسب أخلاق النساء  وإن العجلة مُوكل بها الندم  وما عَجِلَ أحدٌ إلاَّ اكتسب ندامة واستفاد مذمة  لأن الزلل مع العَجل  ولا يكون المحمود محمودًا أبدًا.

وفي وصية الخطاب بن المُعلى المخزومي القرشي لابنه  قال فيها: يا بُني عليك بتقوى الله وطاعته  وتجنب محارمه باتباع سنته ومعالمه  حتى تصح عيوبك  وتقر عينك  فإنها لا تخفى على الله خافية  وإني قد وسمت لك وسمًا  إن أنت حفظته ووعيته وعملت به ملأت عين الملوك وانقاد لك به الصُعلوك  ولم تزل مُرتجى مُشرفا يُحتاج إلىك ويُرغب إلى ما في يديك..

إلى أن قال: وإياك وإخوان السوء  فإنهم يخونون من رافقهم  ويُحزنون من صادقهم  وقُربهم أعدى من الجرب  ورفضهم من استكمال الأدب  واستخفارُ المستجير لؤم  والعَجَلةُ شؤم وسوء التدبير وهن.

فالحذر من التهور والاندفاع  فهو دليل السفه وضعف العقل ويتسبب في كثرة الزلل والوقوع في الخطأ  وصاحبه محروم من السيادة  ومواقع القيادة والريادة  يجلب لنفسه الضرر  ويوقعها في مواضع الندم  حيث لا ينفع الندم.

لابد من وقفة تريث وتمهل وتثبت  لنكون على بصيرة من أمرنا وأمر الناس حتى تستوضح مواضع الأقدام  وتحمد العاقبة.

وآخر دعوانا أن الحمد و رب العالمين.

  • الاثنين PM 03:25
    2021-03-29
  • 2728
Powered by: GateGold