المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899034
يتصفح الموقع حاليا : 329

البحث

البحث

عرض المادة

مرج البحرين يلتقيان

مرج البحرين يلتقيان

الشيخ عاطف السيد

الحمد لله رب العالمين على آلائه، وهو أهل الحمد والنعم، ذي الملك والملكوت، الواحد الصمد، المهيمن، مبدئ الخلق من عدم، من علَّم الناس ما لا يعلمون، وبالبيان أنطقهم، والخط بالقلم.

ثم الصلاة على المختار، أفضل مبعوث بخير هدي، في أفضل الأمم، والآل والصحب والأتباع قاطبة، ومن سار بخير على نهجهم ما لاح نجم، وما شمس الضحى طلعت، وعدد أنفاس ما في هذا الكون من نسم.

وبعد، من يرد الله العظيم به خيرًا يفقهه في دينه القيِّم.

حياكم الله وبياكم، مشاهدي الأكارم، في هذا اللقاء المتجدد من برنامجكم "الشيعة في الميزان". نستكمل ما تبقى من سلسلة براهين الحلي، وإن شاء الله سأحاول أن أتعجل فيها حتى أنتقل منها إلى غيرها.

مع البرهان الثلاثون، قوله تعالى: مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان، من تفسير الثعلبي، سورة الرحمن، الآية 19 و20.

قال الحلي، وطريق أبي نعيم عن ابن عباس في قوله: مرج البحرين يلتقيان، قال: علي وفاطمة، بينهما برزخ لا يبغيان، النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، الحسن والحسين، ولم يحصل لغيره من الصحابة هذه الفضيلة، فيكون أولى بالإمامة.

يعني قبل أن أتطرق لرد شيخ الإسلام؛ لأنه هو من أحسن ما قيل في هذا الباب، ما وجدت أحسن من رد شيخ الإسلام في "منهاج السنة" على هذا البرهان تحديدًا، على كلام ابن المطهر الحلي.

هل يفهم أحد بشكل تلقائي أن هذا الكلام ذكر فيه علي، أو حتى بينهما برزخ لا يبغيان هو النبي عليه الصلاة والسلام، أو مرج البحرين يلتقيان علي وفاطمة؟ من قال هذا في الدنيا؟ وأي تفسير غريب عجيب ذكر هذا الكلام؟

الشيعة يعمدون لأفهامهم ويفسرون القرآن بهواهم فقط، ينزلون الآيات في غير موضعها، ولا يحققون بها مناط الاستدلال، ويحدثون بينها ربطًا عجيبًا جدًا غريبًا، ثم يفسرون تبعًا للهوى. ابن المطهر الحلي هذا يفسر تبعًا للهوى، ويقلده أتباعه جهلة. ولذلك يقول شيخ الإسلام في رده على هذا الكلام في "منهاج سنته":

قال: والجواب أن هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن. صدق والله. هذا الكلام هذيان، تشعر أنه كان يكتب وهو يشرب الخمر أو عنده شيء من الهذيان.

وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة إلى القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه.

وحتى بعض الجهال المنتسبين للسنة لهم تفاسير في الخلفاء الأربعة، وهي وإن كانت باطلة فهي أمثل من هذا، كقولهم: الصابرين محمد، والصادقين أبو بكر، والقانتين عمر، والمنفقين عثمان، والمستغفرين بالأسحار علي. وكقولهم...

هذا الكلام لبعض المنتسبين إلى السنة. البعض يحدثني منذ قليل قبل أن أدخل الحلقة يقول: بعض أهل السنة يقول بأنني أبغض علي بن أبي طالب. نحن نقول هذا الكلام من باب الإنصاف. قلنا: هذه فرقة تسمى النواصب، مشهورة موجودة، ينتسبون كذبًا إلى السنة، لكنهم يريدون النيل من علي عليه الصلاة والسلام الذي جاء فضله في السنة النبوية. علي هو الذي رباه النبي عليه الصلاة والسلام، وزوجه ابنته فاطمة رضي الله عنها. يعني لو قيل من باب: لو أن التبني حلال، لقلنا بأن عليًا هو ابن النبي. أخذه وهو لسه في نعومة أظفاره، ابن سبع سنوات، ورباه في بيته. فكيف تبغضه وتبغض فاطمة وتبغض الحسنين، أحب الناس إلى قلوب أهل السنة؟

فهنا إشكالات كثيرة.

شيخ الإسلام يقول معلقًا: يقول هناك بعض الجهال المنتسبين إلى السنة لهم تفاسير أيضًا أشبه بتفاسير الشيعة وتفاسير الملاحدة والقرامطة الباطنية الغلاة، فيقول: كقولهم والتين أبو بكر، والزيتون عمر، وطور سينين عثمان، وهذا البلد الأمين علي. وكقولهم: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا أبو بكر، وعملوا الصالحات عمر، وتواصوا بالحق عثمان، وتواصوا بالصبر علي.

من أين أتى بهذا الكلام؟ من أين أتى؟ من عند نفسه. وإلا فتفاسير المسلمين ليس فيها هذا الكلام.

فهذه التفاسير، اسمع ماذا يقول شيخ الإسلام: من جنس تلك التفاسير، تفاسير الشيعة، تفاسير الملاحدة، تفاسير الباطنية والقرامطة والغلاة، وهي أمثل من إلحاد الرافضة، كقولهم: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين أي علي، ووإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم، أنه علي بن أبي طالب، والشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية.

وللأسف هناك كتب مؤلفة في هذا الباب موجودة، لا نريد أن نسمي أسماء أصحابها حتى لا يحاجونا بعد ذلك. هذه كتب موجودة: الشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية. معاذ الله من هذا الإفك.

وأمثال هذا الكلام لا يقوله من يرجو لله وقارًا، ولا يقوله من يؤمن بالله وكتابه. هذا كلام شيخ الإسلام.

وكذلك في قول القائل: مرج البحرين يلتقيان علي وفاطمة، بينهما برزخ لا يبغيان النبي صلى الله عليه وسلم، هذا البرهان الثلاثون، يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين. وكل من له أدنى علم وعقل يعلم بالاضطرار بطلان هذا التفسير، وأن ابن عباس لم يقل هذا، وهذا من التفسير الذي في تفسير الثعلبي، وذكره بإسناد رواته مجهولون لا يعرفون، عن سفيان الثوري، وهو كذب على سفيان.

قال الثعلبي، وساق شيخ الإسلام السند، ثم قال: حدثنا فلان من كتابه وأنا أسمع، حدثنا الحسن بن علويه القطان، قرأ علي من أول السند، قال: حدثنا موسى بن محمد بن علي، قال: قرأ على أبي محمد بن الحسن بن علويه القطان من كتابه وأنا أسمع، حدثنا بعض أصحابنا عن رجل من أهل مصر يقال له: طا س م، حدثنا أبو حذيفة عن أبيه عن سفيان الثوري قال: مرج البحرين يلتقيان... الحديث.

قال: وهذا الإسناد ظلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء. هذا كلام شيخ الإسلام بن تيمية.

قلت: لم أجد أحسن من كلام شيخ الإسلام في رده على هذا البرهان، وتعلمون منهجية الرجل، يأتي على أصل الشبهة فيضربها في إسنادها أولها. إن كان الإسناد صحيحًا وقف معه، وإن كان الإسناد باطلًا ضرب إسناده، ثم بدأ يستدرك على ما في المتن.

قال: ومما يبين به كذب ذلك من وجوه:

أحدها: أن هذا في سورة الرحمن، وهي مكية بإجماع المسلمين، والحسن والحسين إنما ولدا بالمدينة. هذا أول شيء. هذا كذب. الحسن والحسين ولدا بالمدينة، وكانا صغارًا، والسورة أصلًا مكية قبل مولد الحسن والحسين أصلًا.

ثانيًا: أن تسمية هذين بحرين، وهذا لؤلؤ وهذا مرجان، وهذا الكلام الذي جاء في التفسير الذي ورد عندهم في سورة الرحمن، من أن الحسن والحسين هما كذا، وأن علي بن أبي طالب وفاطمة، وأن اللؤلؤ والمرجان، وبينهما برزخ، والمقصود به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الكلام، كذب على الله، وعلى القرآن، وكذب على اللغة، لا يتناسق ولا يتناسب مع اللغة، فضلًا عن أن يكون ذلك في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى.

الثالث: أنه ليس في هذا شيء زائد على ما يوجد في سائر بني آدم. هل كل من تزوج بزوجة أنجبت له ولدين كان اتصف بهذه الصفة مثلًا: مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان أو يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان؟ كل إنسان تزوج وولد له ولدان يتصفون جميعًا بهذه الصفة، بهذا التفسير الذي تم؟ لا يمكن أبدًا.

ولو قلنا مثلًا إن هذه الفضيلة تثبت للزوجين، فمن باب أولى أنها تثبت لمن؟ لإبراهيم وإسحاق ويعقوب، كلهم أفضل من علي، وكلهم أنبياء، ذرية بعضها من بعض. في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الناس أكرم؟ فقال: أتقاهم. فقالوا: ليس عن هذا نسألك. فقال: يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله. فهم من باب أولى، وهم أفضل جميعًا من علي.

رابعًا: أن الله ذكر، على التقدير الذي قدره هؤلاء، أيضًا وهم أنبياء، أنبياء ولا شك، والأنبياء أفضل الخلق، وبعضهم يأتي الخلفاء الراشدين.

رابعًا أيضًا: أن الله ذكر أنه مرج البحرين في آية أخرى، قال في سورة الفرقان: وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. فلو أريد بذلك علي وفاطمة لكان ذلك قدحًا أو ذمًا لأحدهما، وهذا باطل بإجماع السنة والشيعة. إذا كانت الآية المقصود بها علي، ففي موضع آخر جاءت بصورة الذم، أو بصيغة الذم: هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، فيلزم من ذلك أن يكون أحدهما مذمومًا بناء على هذا الفهم.

الخامس: أنه قال: بينهما برزخ لا يبغيان. فلو أريد بذلك علي وفاطمة، لكان البرزخ الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم أو غيره هو المانع لأحدهما أن يبغي على الآخر، وهذا الأمر في تفسير هؤلاء بالذم أشبه منه بالمدح.

السادس: أن أئمة التفسير متفقون على خلاف هذا، كما ذكره ابن جرير وغيره. فقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض، المقصود يعني إذا المطر نزل على البحر: مرج البحرين يلتقيان، هذا يحدث كل عام. وقال الحسن: مرج البحرين يعني بحر فارس وبحر الروم، وبينهما برزخ الجزائر. هذه تفاسير أهل السنة، لكن ما أحد ذكرها بأشخاص، ولا جعلها مخصوصة في علي وفاطمة والحسنين والنبي وهذا الكلام أبدًا من علماء الإسلام.

يعني الموضوع ليس له علاقة لا بعلي ولا بفاطمة ولا بالحسن ولا الحسين.

وقوله: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان، قال الزجاج في تفسيره: إنما يخرج ذلك من البحر المالح، وفيه قولان: إن المرجان هو اللؤلؤ الصغير، واللؤلؤ العظام، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس وقتادة والضحاك. وقال الزجاج: اللؤلؤ اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر.

فما دخل علي بالموضوع أصلًا؟ وما دخلت فاطمة؟ لا علاقة لهما بذلك كما يقول هؤلاء القوم. وبطل استدلالهم.

وهذه الآية كيف تكون دليلًا على إمامة علي بن أبي طالب، أو تقديم علي على الشيخين أبي بكر وعمر وعلى عثمان رضي الله عنهم جميعًا؟ ليس فيها مستند للقوم أبدًا، لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحًا ولا تلميحًا.

مع البرهان الحادي والثلاثين في قول الله تعالى: ومن عنده علم الكتاب، في سورة الرعد، في الآية 43.

من طريق أبي نعيم عن ابن الحنفية قال: هو علي بن أبي طالب.

من الذي عنده علم الكتاب؟ قال: علي بن أبي طالب. طبعًا الذي جاء في القرآن قال: الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، قبل أن يرتد إليك طرفك. طيب، هل جاء في القرآن أن من عنده علم الكتاب هو علي؟ أبدًا. من قال هذا في الدنيا إلا الشيعة؟

كل شيء، كل فضيلة يجعلونها في علي حتى يسحبون الأدلة الثابتة الواضحة البينة الصريحة. إذا كانت هناك فضيلة لأحد من الصحابة أو جاءت في القرآن أو حتى لأحد، لا أريد أن أقول من الأنبياء، سحبوها وانتزعوها وجعلوها لعلي حتى يثبتوا له فضلًا. وعلي لا يحتاج أصلًا، لا يحتاج له عندنا من الفضائل الجمة في كتب السنة ما يغنيه عن الكذب عليه رضي الله عنه وأرضاه.

قال في تفسير الثعلبي عن عبد الله بن سلام، وابن الحنفية، عن عبد الله بن سلام قال: ذلك علي بن أبي طالب. وهذا يدل على أنه أفضل، فيكون هو الإمام.

قال شيخ الإسلام أيضًا: والجواب من وجوه:

أحدها: كما تعودنا، المطالبة بصحة النقل عن ابن سلام وابن الحنفية.

الثاني: أنه بتقدير ثبوته ليس بحجة مع مخالفة الجمهور لها.

الثالث: أن هذا كذب عليهما.

الرابع: أن هذا باطل قطعًا، وذلك أن الله تعالى قال: قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب. ولو أريد بذلك علي، لكان المراد أن محمدًا يستشهد على ما قال بابن عمه، وهذا غير مناسب أصلًا في هذا الوقت. قل كفى بالله شهيدًا بيني وبينكم، يستشهد على الأعداء برجل منه، هو الذي رباه، بابن عمه؟ سيقال: هذا ابن عمه، ومنه، ويداهنه، فشهادته مجروحة غير مقبولة.

الأولى مثلًا أن يستشهد، إذا كان هناك استشهاد بأشخاص، خاصًا بأبي بكر وعمر وليس بعلي. لماذا؟ لأن عليًا كان صغيرًا، وأبو بكر وعمر لا يتهمان في النبي عليه الصلاة والسلام، ليس بينهما قرابة كعلي، علي بن عمه، وكان صغيرًا وقتها. فليس من المعقول أن يستشهد بعلي، سيقولون: هذا من المداهنة، هذا من المداهنة، فيظن بعلي المحاباة والمجاملة والمداهنة، لكن أبا بكر وعمر أبدًا، أولًا عاصرا شيئًا من تصديقه، وقبل ذلك من دعوته صلى الله عليه وسلم، وسمعوا من أهل الكتاب ومن الكهان أشياء علموها من غير جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فلذلك شهادتهما كانت أنفع على النبي عليه الصلاة والسلام لو كان المقصود بذلك شخصًا.

يبقى ثانيًا قال: ومن عنده علم الكتاب، هذه الآية: قل بالله شهيدًا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب، المقصود ليس عليًا. لو جئنا نسحب هذه الآية مع الآية التي سبقت في سورة الرعد حتى نحتس شيئًا من المقارنة، لقلنا بأن الأولى كان أن يستشهد على دعوته ونبوته بأبي بكر وعمر وليس بعلي؛ لأن عليًا يظن به المحاباة والمداهنة والمجاملة، وكان صغير السن وابن عمه. إذًا المقصود ليس الاستشهاد بعلي رضي الله عنه.

فهذا الجاهل، قال شيخ الإسلام، الذي جعل هذا فضيلة لعلي، قدح بها في النبي، الذي صار به علي من المؤمنين، وفي الأدلة الدالة على الإسلام، ولا يقول هذا إلا زنديق أو جاهل مفرط في الجهل. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم.

نستكمل هذه البراهين سريعًا مع البرهان الثاني والثلاثين في قول الله تعالى: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، في سورة التحريم، في الآية الثامنة.

روى أبو نعيم مرفوعًا إلى ابن عباس قال: أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم عليه السلام بخلته من الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صفوة الله، ثم علي يزف بينهما إلى الجنان. ثم قرأ ابن عباس: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، قال: علي وأصحابه. وهذا يدل على أنه أفضل من غيره، فيكون هو الإمام.

شوف أنت المقدمات التي قدم بها. وإحنا قلنا قبل ذلك بأن هذا الرجل ابن المطهر الحلي يعتمد على مقدمات باطلة فيصل حتمًا بالنهاية إلى نتائج باطلة.

المقدمة الأولى يقول بأن هذا الكلام موجود في كتب السنة، وهذا كذب طبعًا. وإذا كان موجودًا فموجود على سبيل النقد أو موجود على سبيل الحكاية.

ثم يأتي بمقدمة ثانية فيقول: وهذه فضيلة تثبت لعلي. ثم المقدمة الثالثة: أنها لم تثبت إلا لعلي، لم تثبت لغيره من الصحابة. ثم مقدمة رابعة يزيدها: وهذه الفضيلة لم تحدث لغيره، فيكون هو الإمام بناء على ما تقدم. فيصل إلى نتائج كارثية في فهمه ومنهجيته.

وأنا تكلمت كثيرًا في منهجية هذا الرجل الذي انبنى عليها كثير من أطروحات ومؤلفات الشيعة المعاصرين. هذا رجل يعتبر مرجعًا بالنسبة لهم. فنقضنا هذا الكلام كله.

يبقى هو يقول بناء على هذا الفهم: هذا يدل على أنه أفضل من غيره، فيكون هو الإمام.

شيخ الإسلام يقول: الجواب من وجوه.

أحدها: المطالبة بصحة النقل، لا سيما في مثل هذا الذي لا أصل له. طب بعض من يسمعني من عوام أهل السنة يقول: أنت قلت بأن هذا الكلام رواه أبو نعيم الأصبهاني. قلنا يا إخوان: نعرج على مثل هذا الكلام بين الفينة والفينة حتى يثبت ويرسخ في ذهن الناس. أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "الحلية" ما أراد أن يجمع فيه أحاديث نظيفة أو صحيحة، إنما جمع في ترجمة علي، وفي كتاب "الحلية"، الغرائب التي لم تكن عند غيره، فأراد بذلك أن يجمع الضعيف والباطل والشاذ والغريب والموضوع في كتاب واحد أسماه "الحلية" أو "حلية الأولياء"، ترجمة على العباد والزهاد.

لماذا لم ينبه على ذلك؟ لأنه يريد من يفهم في مسائل العلل، فيأخذ هذه المنهجية ويشتغل عليها. لا يريد إنسانًا عاديًا يقرأ في كتاب "الحلية" وينقل منه مثل هذا الجاهل. ولذلك هذا الجاهل ابن المطهر الحلي ومن تبعه في ذلك ماذا قالوا؟ قالوا بحماقة: هذا الرجل كان سنيًا ظاهريًا، لكنه كان من خلص الشيعة باطنًا. انظروا إلى هذه الحماقة. لماذا قالوا؟ لأنه ذكر في ترجمة علي ما لم يذكره غيره، ذكر أشياء تفرد بها. هو أراد ذلك أيها الغبي، أراد أن يذكر أشياء يتفرد بها لكنها موضوعة، وهو يعلم ذلك. الرجل كان إمامًا كبيرًا جدًا، يسير في مضمار وقوة الدارقطني في فهمه وإيراده للعلل، ولا يفهم ذلك إلا من عاش في "الحلية"، من الذين يفهمون في علم الحديث وفي العلل، عاش فيها، وجلس فيها، وقام فيها، وقعد فيها، ونام فيها، ومشى مع ترجمتها وأسانيدها بالدراسة والنقد.

قلنا إنه أورد إسنادًا شككنا فيه في أحاديث الشفاعة، الإسناد الثامن، فوجدناه عند مسلم وقد أعله مسلم أصلًا. فما وجدنا في تحقيق كتاب "الحلية" إسنادًا نظيفًا. لماذا لم ينبه على هذه المنهجية؟ لأنه كان يحب الإمام البخاري. البخاري أيضًا لم ينبه على منهجيته في كتاب الصحيح. كان يتبع البخاري في كلامه، فيحب تصنيف البخاري، ويحب الإمام البخاري جدًا، وعليك أنت إن كنت تفهم في العلل أن تجاريه وتفهم منهجية الرجل من خلال كتابه.

والدارقطني نبه على هذا. الإمام الدارقطني شيخه نبه على هذه المسألة حينما وفد إليه من بلاد فارس إلى العراق، إلى بغداد تحديدًا، وطاف به على المشايخ ليأخذ الغريب من هؤلاء، وكان يرى أنه لا فائدة من تكرار الصحيح إلا تعداد الطرق فقط، لا غير. فأراد أبو نعيم الإمام الكبير أن يتفرد بأشياء خاصة لم ينقلها غيره، وهي كلها أسانيد غريبة نقلها عن الطبراني وعن غيره من مشايخه الذين عاصرهم.

الثاني أو الثالث: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث. إذًا لا يستقيم لك الاستدلال من كلام أبي نعيم الأصبهاني أيها الحلي ومن تبعك في ذلك.

الثالث: إن هذا باطل قطعًا؛ لأن هذا يقتضي أن يكون علي أفضل من إبراهيم ومحمد؛ لأنه وسط وهما طرفان، وأفضل الخلق إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام. فمن فضل عليهما عليًا كان أكفر من اليهود والنصارى. هذا كلام شيخ الإسلام بن تيمية.

الرابع: أنه ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وليس فيه ذكر محمد ولا علي. وتقديم إبراهيم بالكسوة لا يقتضي أنه أفضل من محمد مطلقًا، كما أن قوله: إن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بالعرش، فلا أدري هل أفاق أم كان من الذين استثنى الله. فتجويز أن يكون سبقه في الإفاقة أو لم يصعق بحال لا يمنعنا أن نعلم أن محمدًا أفضل من موسى. إذًا ليست كسوة إبراهيم، أو أولوية إبراهيم بالكسوة، أفضل من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام مطلقًا أو بشكل مطلق يعني.

ولذلك صح قوله عليه الصلاة والسلام: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وآدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر، وكذلك الكلام في تفضيل الصحابة يتقى فيه تنقص أحدهم عن رتبة آخر، أو الغض من درجته، أو دخول الهوى والفرية في ذلك، كما فعلت الشيعة الرافضة والنواصب الذين يبخسون بعض الصحابة حقوقهم.

الخامس: أن قوله تعالى: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير، وقوله: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ذلك هو الفوز العظيم، نص عام في المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وسياق الكلام يدل على عمومه.

والآثار المروية كلها في ذلك تدل على صيغة العموم. قال ابن عباس: ليس من أحد يوم القيامة من المسلمين إلا يعطى نورًا يوم القيامة. لماذا؟ لأن البرهان يقول: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه. استكمل نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. يقولون: علي بن أبي طالب المقصود بها علي. طيب يا أخي هي جمع أصلًا: يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه، لم يقل علي أبدًا.

حتى الذين يقولون بأن عليًا يتوسط الجنة، وإبراهيم ومحمد على الأطراف، ليس عندهم مستند في ذلك أبدًا، ليس عندهم مستند في ذلك، وسياق الكلام يخالف هذا. لم يأتِ في تفسير هذا الكلام أن النبي عليه الصلاة والسلام وإبراهيم ومحمد وعلي بن أبي طالب هم الثلاثة المقصودون في هذا الكلام وحدهم دون غيرهم. كلام عام في المؤمنين جميعًا، في المؤمنين جميعًا.

ليس هناك تعيين لهؤلاء الثلاثة وحدهم، دون غيرهم. لذلك يقول ابن عباس: ليس أحد من المسلمين إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره يوم القيامة، والمؤمن يشفق مما يرى من إطفاء نور المنافق، فهو يقول: ربنا أتمم لنا نورنا.

فالأمر في ذلك على سبيل العموم، يعلم ذلك قطعًا ويقينًا أنه ما أراد إلا العموم، ولم يرد بذلك شخصًا واحدًا.

فكيف يجوز أن يقال إنه علي وحده؟ ولو أن قائلًا قال، كما قال في كل ما جعلوه عليًا، إنه أبو بكر أو عمر أو عثمان، أي فرق كان بين هؤلاء وهؤلاء؟ وجعل هناك فوارق في محض دعواه، فإن هذا باطل، وهذا من افترائه وكذبه، ولا يثبت بذلك لا أفضلية ولا إمامة.

أرجو أن تكون المسألة واضحة في هذا البرهان الذي تكلمنا عنه سريعًا. هذا الكلام يدل على العموم، وليس فيه تخصيص لا لعلي ولا حتى للنبي ولا للخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والرواية أصلها باطل، لا تثبت بها إمامة، ولا تصلح مستندًا أو دليلًا على هذه الإمامة المزعومة، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

نستكمل وإياكم في هذه البراهين في الحلقات القادمة، إن قدر الله لنا بقاءً ولقاءً.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  • السبت PM 04:35
    2026-04-11
  • 42
Powered by: GateGold