ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
البرهان 26 الصديقون ثلاثة
البرهان 26 الصديقون ثلاثة
الشيخ عاطف السيد
الحمد لله رب العالمين على آلائه، وهو أهل الحمد والنعم، ذي الملك والملكوت، الواحد الصمد، المهيمن، مبدئ الخلق من عدم، من علَّم الناس ما لا يعلمون، وبالبيان أنطقهم، والخط بالقلم.
ثم الصلاة على المختار، أفضل مبعوث بخير هدي، في أفضل الأمم، والآل والصحب والأتباع قاطبة، ومن سار بخير على نهجهم ما لاح نجم، وما شمس الضحى طلعت، وعدد أنفاسي ما في هذا الكون من نسم.
وبعد، من يرد الله العظيم به خيرًا يفقهه في دينه القيم. حياكم الله وبياكم، مشاهدينا الأكارم، في هذا اللقاء المتجدد من برنامجكم "الشيعة في الميزان".
توقفنا في الحلقات السابقة في سلسلة براهين الحلي عند البرهان الخامس، الذي جاء في سورة المائدة، في الآية رقم 54 تحديدًا، في قول الله عز وجل: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه.
وقلنا إن هذه الآيات، على قول الشيعة، يقولون: من أسباب نزول هذه الآيات أنها نزلت في علي بن أبي طالب، هو الذي يحبه الله، وبذلك يكون هو الأفضل، فيكون هو الإمام. هذا الفهم الشيعي لهذه الآيات. لماذا؟ لأن الشيعة تنتزع الآيات من سياقها كعادتهم. الشيعة لا تعمل السياق أبدًا، فتنتزع الآيات من سياقها لتستدل بها على مرادها، هكذا حالهم. وقد مر معنا في هذه السلسلة آيات كثيرة انتزعها الشيعة من سياقها حتى يثبتوا فضيلة لعلي، أو يستدلوا من خلالها على إمامة علي بن أبي طالب المزعومة.
اتفاقًا، الآية وسياقها يقولان في قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. فاتفاقًا بين جماهير المسلمين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأصحابه الذين قاتلوا المرتدين ومانعي الزكاة، ولم تنزل في علي. ما علاقة الموضوع هنا؟ السياق: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه، الكلام عن الردة. ولذلك رد شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" حول هذه الآية، كله كان يتكلم عن السياق في الأصل.
فانتزاع الآية من سياقها، ويأخذون الكلمات منفصلة والجمل منفصلة حتى يثبتوا، يقولون: فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، وهي لم تنزل في علي، والرواية باطلة كما بينت، وذكرت من كلام تفاسير علماء المسلمين أهل السنة الكبار المعروفة، وأيضًا بعض التفاسير الشيعية نقلت كيف أن كلام الشيعة كذب في نقلهم أنها نزلت في علي من أسباب النزول، وحتى الحلي لما نقل عن الثعلبي هذا الكلام بينته بالمقاطع الفيديو في الحلقة قبل الأخيرة، بينت بيانًا شافيًا كيف كذب الحلي على الثعلبي في هذا الباب، والثعلبي لم يقل كما قال الحلي. وقلت إن الرجل عنده خلل، يظن أننا لن نقرأ، ولن نستخرج، ولن نبين، ولن نكشف كذبه وعواره للناس. فبينت كذبه في نقله عن الثعلبي.
واليوم إن شاء الله تعالى أتكلم عن البرهان الذي يليه، البرهان السادس والعشرين من هذه السلسلة. قال الحلي في قول الله عز وجل: والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم، في سورة الحديد، الآية رقم 19.
قال: روى أحمد بن حنبل بإسناده عن أبي ليلى، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار، مؤمن آل ياسين الذي قال: يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب الثالث، وهو أفضلهم. ونحوه روى ابن المغازلي الفقيه الشافعي، وصاحب كتاب "الفردوس". وهذه فضيلة تدل على إمامته.
طيب، أنا أسأل سؤالًا لمشاهدي الكرام: هل من المعقول أن يقول رجل في دنيا الناس اليوم إن أبا بكر الصديق ليس هو الصديق الأكبر، لكن الصديق الأكبر هو علي بن أبي طالب؟ أين النصوص التي تدل على هذا الكلام؟ من قال هذا في الدنيا إلا الشيعة ومن يقلدهم في ذلك؟
يعني نحن إذا قلنا: عمر بن الخطاب، نقول عمر الفاروق. إذا قلنا: عثمان بن عفان، نقول عثمان ذي النورين. إذا قلنا: علي، نقول علي رضي الله عنه أبو تراب. أما أبو بكر الصديق فنقول: أبو بكر الصديق. وهذه ليست اسمه، هذا ليس اسمه، هذه كنيته، وما اشتهر إلا بها أصلًا. ما اشتهر إلا بها. اسمه عبد الله بن قحافة بن عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي، كما قال البخاري في لفظ التيمية.
إذًا من يقول في دنيا الناس إن أبا بكر الصديق ليس هو الصديق الأكبر، إنما الصديق هو علي؟ هو ما اشتهر أصلًا إلا بكنيته: أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
نستمع سويًا إلى هذا الفيديو ثم نعود للتعليق:
سيدنا علي بن أبي طالب هو الصديق الأكبر، هو الصديق، أيه؟ الأكبر، الأكبر. قال له النبي عليه الصلاة والسلام: وأنت الصديق الأكبر. يقول أبو ذر: سمعت رسول الله يقول لعلي: يا علي، أنت الصديق الأكبر. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: الصديقون ثلاثة. الصديقون، أيه؟ ثلاثة، ثلاثة: مؤمن آل ياسين، ومؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب، وعلي أفضلهم. وقف رضي الله عنه وأرضاه ذات مرة على المنبر وقال: أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا الصديق الأكبر، ولا يقولها غيري إلا كاذب. فقام رجل من الناس وقال: أنا عبد الله وأنا أخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر. قالوا: فخنق هذا الرجل في التو واللحظة، وحمل، وكانت هذه من كرامات سيدنا علي بن أبي طالب.
كما سمعتم، أنا لا أدري هذا صاحب المقطع شيعي أو لا، لا أدري والله، لكن الذي يقوله هو كلام الشيعة طبعًا. هو يورد الحديث ولا يذكر لذلك سنده، يورد وينقل نقلًا كده ولا يذكر له سندًا، ويقول بأن الصديق الأكبر هو علي بن أبي طالب. كيف ذلك؟
هذا الذي استدل به هو حديث مكذوب، نسب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وإلى زيد بن أرقم رضي الله عن الجميع. ونص الحديث قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواب مشرعة في المسجد، فقال يومًا: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي. فتكلم في ذلك الناس، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقال فيه قائلكم، واني والله ما سددت شيئًا ولا فتحته، ولكن أُمرت بشيء فاتبعته.
خذ بالك من نفس الفكرة القائمة عند الشيعة: يسحبون أو ينزعون كل فضيلة للصديق أو عمر، على وجه الخصوص، لينزلوها لعلي، يجعلونها في علي لإثبات الإمامة المزعومة، هكذا، دون النظر إلى علم الحديث، أو إلى الإسناد، أو إلى قول النبي الأكرم عليه الصلاة والسلام، ولا أي شيء. إذا وجدوا فضيلة تميز بها أحد الصحابة الكبار، لا سيما أبو بكر وعمر رضي الله عن الجميع، ينزعونها ليجعلونها في علي هكذا، دون علم أو دين أو ورع أو أي شيء.
فالحديث هم يقابلون ما جاء في صحة، أو ما ثبتت صحته في أبي بكر رضي الله عنه: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، بهذا الحديث الباطل: سدوا الأبواب إلا باب علي. وقد سبق أن بينا بطلانه سندًا ومتنًا.
والحديث أصلًا كما لا يخفى عليكم نزل في أبي بكر رضي الله عنه، كما عند البخاري في كتاب فضائل الصحابة. الإمام البخاري أصلًا لما تكلم عن الصحابة في المجلد الخامس من صحيحه، بوب بابًا كبيرًا بعنوان: باب فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. نحن نسميه "كتاب فضائل الصحابة" كمجلد، لكن الإمام البخاري بوب هذا الباب وتحته أبواب فرعية.
الباب الأول: أول ما تكلم فيه تحت هذا الباب مباشرة قال: منهم أبو بكر. باب فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم الباب الأول: باب مناقب المهاجرين والأنصار، وعلى طول مباشرة: ومنهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه. أول ما تكلم في هذا الكتاب، افتتح تحت هذا الباب، باب مناقب المهاجرين وفضلهم، تكلم عن أبي بكر رضي الله عنه، أول المهاجرين. ثم قال: منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وبدأ يتكلم عن أبي بكر وصحبته للنبي في الغار وهذا الكلام.
الباب الثاني مباشرة: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر. على طول الباب الثاني مباشرة.
الباب الثالث: باب فضل أبي بكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
الباب الرابع: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذًا خليلًا.
والباب الخامس، من المعروف كما لا يخفى على شريف علمكم، إذا ذكر في الترجمة كلمة "باب" وسكت، إنما يقصد أن هذا الباب له تعلق بما قبله. وذكر فيه سبعة عشر حديثًا في فضائل الصديق رضي الله عنه. بينما لما تكلم عن علي ذكر ستة أحاديث.
الصديق، والصديق الأكبر، صاحب الفضائل الجمة الكثيرة التي لا تحصى، تكلم في فضل علي في ستة أحاديث في صحيحه طبعًا. يعني نقول ما هو الصحيح كله كلامه هو، لكن محل الشاهد أنه حين بدأ بأكابر الصحابة في كتاب مناقب الصحابة، بوب أبوابًا أربعة أو خمسة، تكلم فيها كلها عن أبي بكر رضي الله عنه.
والذي يهمني، ومحل الشاهد هنا، هو الباب الثاني: باب ما جاء في سد الأبواب في المسجد إلا باب أبي بكر رضي الله عنه.
ونرى إن شاء الله هذه الوثيقة على الشاشة حتى نبين من هذا الحديث وما جاء فيه.
قال عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله. قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر.
واضحة المسألة.
وحدث أيضًا أبو سعيد الخدري في الصحيح في موضع آخر، قال في خاتمته: لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر رضي الله عنه.
فيأتي الشيعي بعد هذا كله ويحاول أن ينزع هذه الفضيلة ليجعلها في علي، لإثبات إمامة مزعومة. من أين أتى بهذا الكلام؟ سألناه: من أين أتيت يا حلي بهذا الكلام؟ قال: هذا الحديث موجود في "مسند الإمام أحمد". وهذا كلام كذب، غير موجود في "مسند الإمام أحمد" كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.
الذين تأولوا للحلي ممن ينقل عنه قالوا: إذًا موجود في كتاب "فضائل الصحابة". قلنا: أولًا، هذا الحديث فيه من جهة الإسناد ميمون أبو عبد الله، هو البصري الكندي، الذي روى الحديث عن زيد بن أرقم، وهي الرواية التي جاءت عند الإمام أحمد نفسه. يعني أنت تقول بأنها جاءت عند الإمام أحمد، نعم، أين؟ لا تدري. تقول: في المسند؟ غير موجودة في المسند. موجودة في "الفضائل"؟ نعم. طيب، هذه الرواية التي جاءت عند الإمام أحمد في "فضائل الصحابة"، وانظر ماذا قال أحمد في هذا الراوي ميمون أبي عبد الله.
قال أحمد عن ميمون: أحاديثه مناكير. وقال ابن معين: ليس بشيء. وكان يحيى القطان لا يحدث عنه. وضعفه ابن المديني. إذًا ابن المديني إمام من أئمة العلل، ويحيى القطان كذلك ضعفه، وابن معين، وأبو داود، والنسائي، وأبو أحمد الحاكم. وقال الأثرم عن أحمد: أحاديثه مناكير. وقد أورد ابن الجوزي عدة روايات على هذا النحو ثم قال: هذه الأحاديث كلها من وضع الرافضة، قابلوا بها الحديث المتفق على صحته: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، أو إلا باب أبي بكر، وسدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر.
هذا الوجه الأول من جهة الإسناد. يبقى الإمام أحمد نقل الحديث في كتاب "الفضائل" إن كان نقله، وسنبين أن الكلام في "الفضائل" كلام لا يعتد به إلا عند التحقيق؛ لأن غالب روايات "الفضائل" زيدت من رواية غير الإمام أحمد. ولو جاءت في كتاب الإمام أحمد فإن الإمام أحمد حكم بنفسه، ومن كلام أهل الصنعة الحديثية: ابن المديني، وابن معين، وأبو داود، وأبو الحاكم، وكل هؤلاء كبار علماء العلل، قالوا عن ميمون أبي عبد الله: أحاديثه مناكير. إذًا رواية باطلة.
الوجه الثاني: قال: لم يعتذر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمره الناس بسد الأبواب في المسجد. النبي صلى الله عليه وسلم كان يبين للناس، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وبين للناس أصلًا أن هذا ليس كلامه، إنما هو كلام الله عز وجل. قال: ما فعلته عن أمري. طب هل يحتاج النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين لأصحابه بأن هذا ليس كلامه، إنما هو كلام الله عز وجل؟ قد أمرنا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم استقلالًا. كلامه من جملة الوحي، والوحي فيما أمره الله تعالى به أن يبلغه للناس. مسائل لا تحتاج منه أن يبين ذلك لأصحابه.
وهذا أيضًا مما يدل على بطلان هذا الكلام.
ثالثًا: لو صح هذا الحديث، لو على سبيل النظرة، لو صح، هل يكون فيه دلالة على الإمامة المزعومة؟ ليس فيه دلالة لا من قريب ولا من بعيد أبدًا. أليس ذلك يحتمل، لو أن الحديث كان صحيحًا ونزل في علي: سدوا الأبواب إلا باب علي، أن يكون ذلك خروجه تسهيلًا لخروجه من المسجد مثلًا لقضاء حاجة فاطمة أو للصلاة مع المسلمين؟ ما وجه دلالة الشيعة من أن هذا الحديث يدل على إمامة علي؟ لا شيء في ذلك.
بل الأفضل من ذلك، والأصرح، هو ما دل عليه النص: سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر، تسهيلًا لخروجه هو للصلاة إمامًا للمسلمين؛ حيث وجوده في المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنده، وثبت عنه، وعند الشيعة كذلك، أنه أوصى أبا بكر ليصلي بالمسلمين في مرضه الذي توفي فيه، فيكون ذلك هو الأولى والأفضل، وهو المناسب أصلًا، سواء للنصوص أو مناسب للصلاة في المسجد، ليصلي بالمسلمين إمامًا فترة مرضه عليه الصلاة والسلام.
فسهولة المجيء إلى المسجد للنيابة عنه...
أعود إلى كلام الحلي وهو يقول: روى أحمد في مسنده قوله: الصديقون ثلاثة: حبيب بن موسى النجار مؤمن آل ياسين، وكذلك الذي قال يا قوم اتبعوا المرسلين، وحزقيل مؤمن آل فرعون الذي قال أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وعلي بن أبي طالب الثالث وهو أفضلهم.
قلنا: أين روى ذلك يا شيعة؟ قالوا: عند أحمد في المسند. قال شيخ الإسلام: هذا كذب، غير موجود في المسند. والمسند بين أيدينا. إذًا أين يا شيعة؟ قالوا: ربما في "فضائل الصحابة". طيب، سلمنا، وهذه نقطة مهمة جدًا جدًا جدًا، مسألة "فضائل الصحابة". لأننا قلت قبل ذلك إن الشيعة حينما ينقلون الأحاديث أو الأدلة التي يستدلون بها من كتب أهل السنة، ينقلون من كتب معروفة واضحة: "حلية" أبي نعيم الأصبهاني، وقد تكلمنا قبل ذلك أن أبا نعيم إنما نقل في "الحلية" نقلًا أراد به جمع الغرائب في مكان واحد، ما أراد به جمع الأحاديث الصحيحة أصلًا، فهو كتاب علل في الأصل، لكن لا يفهم ذلك إلا من عاش في العلل تخريجًا وبحثًا ودراسة.
فأنت تنقل من كتاب علل، زي ما أقول لك كده: أنت تنقل من كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي؟ هل يستقيم لك ذلك؟ هو أصلًا اسمه "كتاب الموضوعات". لكن ابن الجوزي نبه أنه موضوعات، لكن لماذا لم ينبه أبو نعيم؟ هو أراد ذلك أن يكون منهجه منهجًا رصينًا جدًا. إذا كنت طالب علل تفهم ماذا يقول.
مثل البخاري تمامًا. البخاري في صحيحه لم ينبه على منهجيته، لكن العلماء مع البحث والدراسة استخرجوا لنا منهج الإمام البخاري في كتب ومؤلفات. فلا يستقيم لك الاستدلال بكتاب أبي نعيم؛ لأنه كتاب علل أصلًا. ثم ينقل كذلك من تفسير الثعلبي، ونقلنا كذبه على الثعلبي، وبتره النصوص.
وقلنا: حتى لو نقل نصًا من الثعلبي، تذهب أنت كمحاور سني، فتأتي بأصل النص الذي أحال إليه الثعلبي، حتمًا ستجده مكذوبًا. وأيضًا الثعلبي غير متخصص في علم الحديث يا إخوة، فينقل الكلام نقلًا، كما يقول شيخ الإسلام، وكما يقول ابن كثير، وكما يقول أبو محمد الفتني الهندي، ينقل الكلام نقلًا لأجل المعرفة بذلك، لا أكثر ولا أقل، من دون أن يميز.
تخيل، الثعلبي حينما يقول، الإمام الثعلبي يقول: "وقد قرأت في الكتب كذا وكذا إنها نزلت في علي"، فيأتي ابن المطهر الحلي ويقول: "روى الثعلبي كذا". أذهب إلى أصل المادة، إلى أصل الحديث، فأجد كلام الثعلبي: "وقد قرأت في الكتب". هل هذا يستقيم؟ وهل هذا استدلال؟ لا يجوز.
وإن أورده الإمام الثعلبي غير المتخصص في علم الحديث، والذي لم يستطع ولم ير مسألة التصحيح والتمييز بين الصحيح والضعيف، ولم ينتهج ذلك نهجًا عنده، إنما كان ينقل الكلام نقلًا لأجل المعرفة بذلك، لا أكثر ولا أقل.
إذن قلنا: ينقل من "حلية" أبي نعيم الأصبهاني، وينقل من تفسير الثعلبي، وينقل كذلك من "فضائل الصحابة" لأحمد، وينقل من "الدر المنثور" للسيوطي، وينقل من "مسند الفردوس" للديلمي، وينقل من كلام ابن المغازلي الواسطي. هذه غالب المصادر التي تستقي منها الشيعة أدلتهم، اللي هي المصادر الموسومة بالمصادر السنية. وهي مصادر سنية، لكن ما اشترط أصحابها الصحة أبدًا، ما اشترطوا الصحة فيما يوردونه من أدلة، إنما قصدوا يجمعوا الأدلة. ومنهم من كان يقصد ثم يناقش، كالحاكم مثلًا في "المستدرك". فيأتي الشيعة ويأخذون بحديث مثل "حديث الطير"، "حديث الطير" عند الحاكم، ويقولون: هذا الحديث يدل على إمامة علي بن أبي طالب، من دون فهم أو وعي أو تمحيص للنصوص.
كتاب "فضائل الصحابة" عند أحمد هو منسوب للإمام أحمد، لكن ليس كله من كلام الإمام أحمد. هذا بيان مهم جدًا.
قال: هذا الكتاب، المقصود الأول بالزيادات، إذا قلنا إن كتاب "فضائل الصحابة" فيه زيادات، ما هي هذه الزيادات؟ قال العلماء: المقصود بالزيادات هنا إضافة راوي الكتاب فيه ما ليس منه، من مروياته أو مرويات مؤلفه في مؤلف آخر، مع تمييزها. يبقى تكون هذه الزيادات من تلميذ راوي الكتاب الذي رواه، أو ممن دونه، أما من كلام المؤلف نفسه في مكان آخر، من كلام أحمد في مكان آخر، أو زيادات من كلام من روى هذا الكتاب عن شيخه أو عن مؤلفه.
هذا الكتاب، "فضائل الصحابة"، مقسم إلى ثلاثة أقسام، والمتخصصون يعلمون ذلك جيدًا:
"فضائل الصحابة" لأحمد بن حنبل من كلام الإمام.
زيادات "فضائل الصحابة" لعبد الله بن أحمد بن حنبل، طبعًا رواها القطيعي عنه.
زيادات "فضائل الصحابة" للقطيعي، أبو بكر أحمد بن صالح. هذه ليست عن عبد الله بن الإمام ولا عن الإمام أحمد، هذا من كلام القطيعي، فزادها في هذا الكتاب.
في الأولى يكون الإسناد: حدثنا عبد الله قال: حدثني أبي.
وفي الثانية يكون الإسناد: حدثنا عبد الله قال: حدثني شيخ آخر غير أبيه.
وفي الثالثة لا يذكر "حدثنا عبد الله" أصلًا، يذكر "حدثنا"، يقول: طبعًا كلها زيادات القطيعي، أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك البغدادي.
العلماء حينما يستشهدون يعلمون ذلك جيدًا من كتاب "الفضائل" فيذكرون ذلك. فيقولون في هذا الاختلاف: يقولون في الحالة الأولى: رواه أحمد في "فضائل الصحابة"، إذا كان منسوبًا لأحمد، من كلام أحمد. في الحالة الثانية يقولون: رواه عبد الله بن أحمد في "فضائل الصحابة"، إذا الكلام منسوب لعبد الله ابن الإمام أحمد. في الحالة الثالثة يقولون: رواه القطيعي في زوائده على "فضائل الصحابة" لأحمد. وطبعا زيادات القطيعي معظمها فيها ضعيف وموضوع وأباطيل. فيأتي الشيعة ويستدلون من زيادات القطيعي.
ولذلك يقول العلامة الألباني رحمه الله تعالى: قال إن الأحاديث المروية في كتاب "فضائل الصحابة" للإمام أحمد على ثلاثة أنواع:
الأول: من رواية أبي بكر القطيعي عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه.
والثاني: من رواية القطيعي عن شيوخه غير عبد الله بن الإمام أحمد.
والثالثة: من رواية القطيعي عن شيوخه غير عبد الله بن الإمام أحمد.
هذه زيادة بعيدة تمامًا البعد عن الإمام أحمد، حتى بعيدة عن عبد الله ابن الإمام أحمد. ونحن نقول إن عبد الله بن الإمام أحمد زاد أيضًا في "المسند" ما ليس من كلام أبيه. فما بالك إذا جاء القطيعي وزاد زيادات من غير طريق عبد الله ابن الإمام أحمد؟ فكيف ينسب للإمام أحمد ما لم يقله الإمام أحمد، وكان من أورع الناس في تحمل ألفاظ الحديث؟
إذا قال: حدثنا، خلاص تم التحديث. أخبرنا، أنبأنا، تم. كان إمامًا دينا كبيرًا علمًا، فزِيد في "المسند" أو في "الفضائل" على وجه الخصوص ما ليس من كلامه رضي الله عنه.
شوف كلام الشيخ الألباني يقول: ومن لا علم عنده بالأسانيد وطبقات الرواة يتوهم من مجرد رواية الحديث في كتاب الفضائل أنها من رواية أحمد، وليس كذلك، فينبغي التنبه لهذا حتى لا ينسب للإمام أحمد من الحديث ما لم يروه، فيساء إليه. كما في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" في الجزء 12، في صفحة 426.
وذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في "منهاج السنة" في جوابه على كلام الحلي، قال: والجواب من وجوه: أحدها المطالبة بصحة النقل، وأن أحمد روى هذا، فليس هذا في مسند الإمام أحمد ولا في الفضائل، ومجرد روايته في الفضائل لو كان رواه في الفضائل لا يدل على صحته بالاتفاق عند أهل العلم، فما بالك أنه لم يروه أصلًا لا في الفضائل ولا في غيرها.
هنا تجد خيطًا دقيقًا في استدلال الحلي. هذا الخيط الدقيق يستطيع الباحث حين يقرأ مجرد قراءة في كتابه، ثم يعود إلى أصل المصدر، أن يكشف كذبه وتدليسه وبتره للنص وكذبه على علماء المسلمين.
لكن خد قاعدة عندك كده: يستدل من كتاب "الفضائل" لأحمد لأنه عارف أنه كذاب. الحلي كذاب في النقل. يستدل من تفسير الثعلبي ويكذب على الثعلبي ويبتر النص، وربما تجد الثعلبي ينقل الأقوال كثيرة، فتجد كلامه في الأول يقول: نزلت في علي، وبعد سطرين يقول: "وقد أجمعوا أنها نزلت في أبي بكر"، فيحذف هذا الكلام.
بل والله ربما يحذف من الحديث ما يخالف عقيدته ويأخذ النص فقط، وقد أثبتنا هذا في هذه الحلقات. يستدل من "الدر المنثور" للسيوطي، يستدل من كلام ابن المغازلي الواسطي، يستدل من "مسند الفردوس" للديلمي، هذا المسند الذي لم أجد منه إلا نسخة، لما ترجمتها ما وجدت فيه الكلام، نسخة فارسية ما وجدت فيه الكلام الذي يستدل به الحلي في الغالب.
فأصل الاستدلال كاذب، كاذب. فينبغي أن يتنبه لهذا.
ثم قال شيخ الإسلام: لم يروه أحمد في "المسند" ولا في "الفضائل" ولا رواه أبدًا، إنما هو من زيادات أبي بكر القطيعي أحمد البغدادي.
ثم قال شيخ الإسلام: وكل من عرف العلم يعلم أنه ليس كل حديث رواه أحمد في الفضائل ونحوه يقول إنه صحيح، بل ولا كل حديث رواه في مسنده يقول إنه صحيح، بل أحاديث مسنده هي التي رواها الناس عمن هو معروف عند الناس بالنقل ولم يظهر كذبه. يتكلم كلامًا طويلًا، يقول فيه: أما ما رواه في "الفضائل" فليس من هذا الباب عنده. انتهى كلامه رحمه الله.
قال ثانيًا: هذا الحديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أذكر ما هو الحديث: "سد الأبواب إلا باب علي". يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة": هذا الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ثالثًا: الصحيح من غير وجه تسمية غير علي صديقًا. هذا في الحديث "الصديقون ثلاثة". الصحيح من غير وجه تسمية غير علي صديقًا، كتسمية أبي بكر الصديق.
هو يقول: الصديقون الثلاثة: حبيب بن موسى النجار مؤمن آل ياسين، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم، فيكون هو الإمام.
هذا الحديث الذي يزعمونه عن الإمام أحمد، فيأتي شيخ الإسلام ويقول: هذا الحديث مكذوب، والصحيح بخلاف ذلك، بل الصحيح أن أبا بكر كان صديقًا، واستدل بأدلة كثيرة في هذا الباب. قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما صعد أحدًا وتبعه أبو بكر وعمر وعثمان، قال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان.
وفي الصحيح عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، ولا يزال رجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا.
يبقى ليس "الصديقون ثلاثة" كما يقول الحلي في الرواية الباطلة. الصديقون طلعوا كثر، ومريم صديقة، وكذلك في الآيات. قال: سمى الله الأنبياء صديقين، مثل قوله تعالى: واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقًا نبيًا، واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا، وقال عن يوسف: أيها الصديق.
إذن هنا قيد مهم أختم به هذه الحلقة: الصديقون كثر.
طب هل مسألة الصديق، إذا كان الرجل صديقًا، يكون هو الإمام؟ هل كل هؤلاء أئمة؟ يوسف، ومريم، وأبو بكر، وإبراهيم، كلهم يكونون أئمة بما أنهم صديقون؟ ما هذا؟
لو ثبت هذا، فإن النص الذي جاء في الصحاح والسنن والمسانيد جاء يدل على صديقية أبي بكر الصديق، فيكون هو الإمام، من باب أولى يكون هو الإمام وليس علي. علي، النص الذي استدل به الشيعة باطل. تنزلًا، لو قلنا بصحته، فالنصوص الأكثر، والأوفر، والأصح، والأقوى، والأظهر، والأرجح، جاءت في الصحاح في حق أبي بكر رضي الله عنه، فيكون إذًا هو الإمام على هذا الفهم الشيعي.
لكن نحن نقول ختامًا: إنه لا يستلزم كون الرجل، سواء كان نبيًا أو صحابيًا، صديقًا — وهم كثر — لا يستلزم من ذلك إمامة ولا خلافة مزعومة.
نستكمل في هذه السلسلة إن شاء الله تعالى في الحلقات القادمة، إن قدر الله لنا بقاءً ولقاءً.
هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
-
السبت PM 06:19
2026-04-11 - 40



