المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899033
يتصفح الموقع حاليا : 333

البحث

البحث

عرض المادة

موقف القرآن من ذوي الأحلام من المكذبين .....وتشويقه للمتقين.... وإفحامه الطاغين

د / احمد نصير

موقف القرآن من ذوي الأحلام من المكذبين .....وتشويقه للمتقين.... وإفحامه الطاغين

 

تمهيد :

 

تزامن نزول سورة الطور بعدما توالت أحداث شديدة أصابت النبي r ، ذلك أنها من أواخر ما نزل من السور المكية [1]، وكانت الحرب على الإسلام قد اشتدت في أواخر العهد المكي ، قال ابن إسحاق‏:‏ لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله r من الأذى ما لم تطمع به -في حياة أبي طالب- حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابًا ، ودخل بيته والتراب على رأسه ، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكى، ورسول الله r يقول لها‏:‏ ‏(‏لا تبكى يا بنية ، فإن الله مانع أباك‏)‏‏ ، قال‏:‏ ويقول بين ذلك‏:‏ ‏(‏ما نالت منى قريش شيئًا أكرهه حتى مات أبو طالب‏)[2]‏‏.

 

ولذلك دعت الحاجة إلى أن تتنزل آيات من الله تعالى لتبنى أسلوبا هجوميا في دعوة الكفار ، من هنا جاء القسم بالطور وهو المكان الذي أنزلت فيه التوراة على موسى ، ورفع الله جبل الطور على بني إسرائيل ليأخذوه بقوة ،
, ولذلك أقسم بالكتاب– كذلك-في أول السورة ، كما أقسم بالبيت المعمور التي تطوف حوله الملائكة ، والسقف المرفوع الحاجز عن الغيوب ، وآخرها القسم بالبحر المسجور المتقد نارا ، فهو قسم يتناسب مع جو السورة والذي بدأ بالتهديد بوقوع العذاب ثم الترغيب بالجنة ونعيمها ثم مجادلة الذين كفروا في اتهاماتهم والدفاع عن النبي r ثم تحديهم فكريا ثم مهاجمتهم في أظهر أوجه الضعف في معتقداتهم الباطلة ، ثم تهديدهم مرة أخرى بوقوع العذاب  ،  لتختتم السورة بتوصية للنبي r تتضمن الإعراض عمن صم أذنه منهم ، والانشغال بعبادة ربه فهو خير أنيس ، وخير حفيظ (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) ، مستعينا بظلمة الليل للاجتهاد في العبادة ونصب الأقدام فهي أشد وطأ وأقوم قيلا ، (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)(الطور/49).

 

 فتحدي القرآن الطاغين ، رغم أن منهم من لا يأبه لهذا الأمر ، ولا يهتم بدعوة الإسلام ، ولا ينشغل بالبحث حتى عن الدين الحق ، حيث لا يزال يخوض في غمار الدنيا يلعب ويمرح ، ولا يلقي لمسألة الدين بالا ، فهؤلاء إن تركوا على ما هم عليه ، فسيظل بينهم وبين دعوة الإسلام حواجز كثيرة ، ومنها أن تصادف الدعوة آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا ، ولو وصل الخطاب الدعوي إليهم ليِّنا لما غيَّر من حالهم شيئا ، ولذلك كان من الضروري مهاجمتهم في أصول معتقداتهم حتي تستبين الأمور لهم ولغيرهم ممن يتخلقون بمحاسن الأخلاق وإن كانوا لا يزالون على الكفر والشرك ، ذلك أن من بين هؤلاء المشركين ممن وصفوا بالحلم والرشد واشتهر عنهم ذلك ، فإذا اشتد الخطاب الدعوى عليهم لكان ذلك بمثابة من ألقى إليهم حبلا يشدهم به فينشلهم من الغرق إلى النجاة ، وكذلك في هؤلاء المشركين من هو بحاجة إلى من ينتشلهم مما يخوضون فيه وهم على مشارف الغرق ، وبحاجة إلى من يتألفهم ليستقر الإيمان في قلوبهم .

 

ولذلك لا تعجب عندما تعلم أن من هؤلاء من أصابت السورة قلوبهم وهو لا يزال على الشرك كـ " الجبير بن مطعم بن عدي " ، (كان من حلماء قريش وساداتهم وكان يؤخذ عنه النسب)[3]، (أعطاه النبي r مائة من الإبل تأليفا لقلبه) [4]، (وكان أبوه ذا نسب في الجاهلية ، وعرف عن أبيه مواقف تحسب له تدل على شيم خلقه ومروءته ، فقد أجار رسول الله حين رجع من الطائف ، وكان سببا في نقض صحيفة القطيعة ، وكان يحنو على أهل الشِعب ، ويصلهم في السر) [5]  ، فلما أسر النبي r مشركي مكة في بدر لم يجد المشركين أحدا يكلم النبي في الأسرى إلا ابنه جبير بن مطعم ، فعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (فِي أُسَارَى بَدْرٍ لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) [6] ، فلما قدم ابنه جبير بن مطعم ليكلمه في أسارى بدر وجد النبي r يقرأ في المغرب بسورة الطور ، يقول سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ) قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ) [7] ، قال الخطابي كان انزعاجه عند سماع الآية لحسن تلقيه معناها ومعرفته بما تضمنته من بليغ الحجة)[8] ، قال بن حجر : (وزاد الإسماعيلي من طريق معمر وهو يومئذ مشرك ..، وعن الزهري فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن واستدل به على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة) [9].

 

يقول صاحب الظلال ( إن في هذا القرآن سراً ، يشعر به كل من يواجه نصوصه ابتداء، قبل أن يبحث عن مواضع الإعجاز فيها ، إنه يشعر بسلطان خاص في عبارات هذا القرآن، يشعر أن هنالك شيئاً ما وراء المعاني التي يدركها العقل من التعبير، وأن هناك عنصراً ما ينسكب في الحس بمجرد الاستماع لهذا القرآن يدركه بعض الناس واضحاً، ويدركه بعض الناس غامضاً ، ولكنه على كل حال موجود ، هذا العنصر الذي ينسكب في الحس يصعب تحديد مصدره :أهو العبارة ذاتها ؟ أهو المعنى الكامن فيها ؟ أهو الصور والظلال التي تشعّها ؟ أهو الإيقاع القرآني الخاص المتميّز من إيقاع سائر القول المصوغ من اللّغة ؟ أهي هذه العناصر كلها مجتمعة ؟ أم إنها هي وشيء آخر وراءها غير محدود ؟ ذلك سر مودع في كلّ نصّ قرآنيّ، يشعر به كل من يواجه نصوص هذا القرآن ابتداء ثم تأتي وراءه الأسرار المدركة بالتدبّر والنّظر والتّفكير في بناء القرآن كله ) [10].

 

والشاهد من هذه القصة أن المشركين والكفار ليسوا على درجة واحدة من الناحية الدعوية ، فمنهم من صم أذنه وأغلق عينه عن الحق ، ومنهم من أشفق على المؤمنين لا باعتبارهم مؤمنين ولكن باعتبار أن لهم حقوق الآدميين أو لأنهم ظُلموا وينبغي نصرتهم ، وإن لم يملكوا الجراءة الكاملة لتأييدهم أو إعلان إسلامهم ، أو لأنهم لا يزالون مترددين ....إلى غير ذلك من الآعذار الواهية التي جاءت سورة الطور لتقطعها ، فلا يبقى لهم عذر ، ليستفيقوا من غفلتهم ، وليتجرأوا فيعلنوا إسلامهم وكفرهم بالطاغوت .

 

 


وقفة على الأساليب اللغوية التي تضمنتها  سورة الطور

 

تضمنت السورة إخبار تقريري عن أربعة أمور  :- تقرير العذاب بوجه عام ، تقرير الجزاء يوجه عام ، تقرير الجنة والنعيم للمتقين ، تقرير العذاب للظالمين) .

 فالأمر الأول في قوله تعالى (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) (7) ثم استطردت في شرح ألوان هذا العذاب ، لتختم هذا الاستطراد بتقرير آخر وهو قوله تعالى (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (16)  

وتلا ذلك إخبار بالحال المقابل ، في قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) (17) واستطردت في وصف هذا النعيم

 وفي آخر السورة أخبرت بالعذاب المستعجل في الدنيا في قوله تعالى (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (47) .

 

 كما تضمنت خسمة أوامر ، تمثلت في قوله تعالى (فَذَكِّرْ ... (29) فَذَرْهُمْ ... (45) وَاصْبِرْ .. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) ، وكلها مخاطب بها النبي r ، ومن سار على دربه في طريق الدعوة إلى الله تعالى .

كما أعلنت السورة التحدي للكافرين ومباراة المكذبين في ثلاثة مواقف ، في قوله تعالى (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ .. (16) ، وقوله تعالى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (34) ، وقوله تعالى (فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (38) .

 

وأسهبت في الأسئلة الاستنكارية حتى بلغت خمسة عشر سؤالا غرضها التهكم ، جاءت واحدة منها في أول السورة في قوله تعالى (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) (15) ، ثم توالت الأربعة عشر سؤالا الأخرى كالسيل في آخر السورة ، وجميعها مخاطب بها الذين كفروا  ، فبينت زيف عقائدهم الباطلة  .

  • أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ ..
  • أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا ..
  • أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ..
  • أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ..
  • أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ
  • أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
  • أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ..
  • أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ
  • أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ..
  • أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ
  • أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ
  • أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ
  • أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
  • أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ

 

وقد اختتمت السورة بتوجيه التهديد الصاعق لهؤلاء المكذبين ثم بتوصية تربوية للنبي r وأمته بالصبر على الدعوة والتزام الذكر والعبادة .

 

 

محاور السورة

 

تدور محاور السورة علي ثمانية : -

الأول : القسم بإنزال العذاب على من ترك الكتاب ولم يتمسك به ، الآيات من (1-8)

والثاني : تصوير بعض مشاهد يوم القيامة ، لتهديد المكذبين ، الآيات من (9-16)

والثالث : بشارة الله للمشفقين من عذابه بالنعيم التام في الآخرة ، الآيات من (17-28)

والرابع : سرد افتراءات المشركين وكشف خططهم بالطعن في شخص النبي ومنهج النبوة ، الآيات من (29-33)

والخامس : تحدي الكفار والملحدين في (المنهج والإيجاد والخلق والتدبير) ، الآيات من (34-37)

والسادس : مهاجمة الملحدين بإظهار نقاط ضعف معتقداتهم وممارساتهم ، الآيات من (38-43)

والسابع : تهديد أصحاب المكائد برد كيدهم واستئصالهم سنة كونية ، الآيات من (44-47)

والثامن : وصايا تربوية لنبي الأمة ومن اتبعه بالصبر والعبادة ، الآيات من (48-49)

 

لكننا فضلنا تقسيمها لثلاثة محاور على النحو التالي :-

مقدمة سورة الطور : دلالات القسم بالكتاب ونشره وإظهار شعائر الله في بيته على وقوع العذاب بالمكذبين

المحور الأول : تصوير الويل للمكذبين الخائضين 

المحور الثاني : التصديق بما أعده الله - بمنته - للمتقين وذريتهم الصالحين

المحور الثالث : تحدي القرآن للكافرين وإفحامه للطاغين

الأول : استظهار تخبط الكفار والمشككين في وصف الرسول وتقييم المنهج

الثاني : إعجاز الكفار والملحين

الثالث : محاصرة الكفار والمحدين فكريا

الرابع : تهديدهم بالصاعقة

خاتمة سورة الطور :

 

فهيا بنا نشرع في استخراج بعض الدلالات التربوية لعلها تدرك قلبا تائها فيسترشد بها.

 

 

مقدمة سورة الطور

دلالات القسم بالكتاب وجهود العلماء في نشره وإظهار شعائر الدين في بيت الله

 على وقوع العذاب بالمكذبين

 

أولا : المقسم به – (الرسالة والعبادة)

 

قال تعالى : ( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) (1-8)

 

استهلت السورة بقسم بأمور  خمس (الطور – الكتاب المسطور – البيت المعمور – السقف المرفوع – البحر المسجور) ، يقول الشيخ الشعراوي (القسم بهذه الأشياء هو قسم بالقيم بينما جاء القسم في سورة الذاريات بأمور مادية ، فالطور جبل كلم الله عليه موسى وأنزل عليه التوراة ورفعه الله فوق بني إسرائيل ليأخذوا الكتاب (التوراة) التي هي الألواح ، أما كون الكتاب المسطور في رق منشور فيه إشارة إلى القرآن الكريم ، لأن القرآن كان يسطر في رقائق ولم يكتب على الألواح كما في التوراة .قال زيد بن ثابت الذي جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الرِّقَاعِ وَالْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ)[11]، (الرقاع) : جمع رقعة من أديم أو ورق أو غيرهما ، والأكتاف: جمع كتف، أي كتف الشاة ونحوها ، و(العُسُب): جمع عسيب، جريد النخل ، (وصدور الرجال) : الذين يحفظونه كلا أو بعضا)[12].

والبيت المعمور فوق سبع سماوات يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لا يعودون ، قال جبريل لمحمد r (الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ) [13]

والسقف المرفوع إشارة إلى السماء السابعة ، وفيه تعريض برحلة الإسراء والمعراج ، وقد فرض الله تعالى فريضة الصلوات الخمس بعدما ارتقى النبي r إلى سدرة المنتهى حيث جنة المأوى .

 

 وقد صادف ذلك العام أحداث  محزنة ، حيث وفاة زوجته خديجة رفيقة دربه وأكثر مؤيديه في الدعوة وناصريه ، ووفاة عمه أبي طالب الذي كان حائط الصد في الدفاع عنه ضد هجوم قريش عليه ، وبوفاته تجرأت قريش أكثر في الهجوم عليه ، فسُمي هذا العام – من قبل بعض المؤرخين - بعام الحزن لأجل هذه الأحداث ، لذا كان النبي بحاجة إلى هذه الرحلة ليسرى عنه ، ولا غضاضة في القول بأن هذه الرحلة تلت نزول هذه السورة ، ذلك أن الإخبار بالغيب كثير في القرآن ، لما لا وآخر سورة الطور شديد التعلق بأول سورة النجم في قوله تعالى (ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم) ، وسورة (والنجم إذا هوى) وردت فيها بعض أحداث رحلة المعراج ، أما البحر المسجور ففيه إشارة إلى التهديد بالعذاب واقتراب القيامة .

 

ولعل القاسم المشترك بين هذه الأشياء الإشارة إلى درجات العبادة والتغيير ، فالناظر إلى جبل الطور يتذكر تقاعس بني إسرائيل في الأخذ بالتوراة ، فلما تهددهم الله تعالى برفع الطور فوقهم أخذوه لكنهم نبذوه وراء ظهورهم ، لرفضهم ما به من أحكام كحكم القصاص ، يقول سبحانه " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ " (البقرة/93) ، في حين أن الصحابة رضوان الله عليهم تباروا في كتابة الوحي -القرآن الكريم- واهتموا بجمعه من الرقاق والرقاع ونشروه في الأمصار حتى أضحى كتاب الله تعالى في كل مكان ، كما أن الناظر إلى عبادة الملائكة يجد أنها تطوف بالبيت المعمور فوق سبع سماوات لا يعصون الله ما أمرهم ، والناظر إلى عبادة النبي r يعلم أنه ارتقى إلى السماء السابعة ثم دنى من ربه لما وصل إلى سدرة المنتهى ، فلما وصل إليها سري عنه وتغير حاله من حال إلى حال ، وكذلك من تبعه من المؤمنين فإن الله تعالى يباهي بهم الملائكة - وهي في البيت المعمور - لينظروا إلى عباده وهم يعمرون مساجد الله تعالى والمسجد الحرام بالصلاة والذكر ، فتحفهم الملائكة بأجنحتها ، وتفتح لهم أبواب السماء لتصعد أعمالهم ، فأعمالهم تصعد للسماء ولا تزال أجسادهم على الأرض .

 

 أما البحر المسجور : أي المملوء نارا ، أي الموقود[14] ، إشارة إلى العذاب به ، ومنه قوله (وإذا البحار سجرت) ،وقوله (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) (غافر72) ، فكأنها إشارة إلى أن من لم يأخذ الكتاب بقوة ولم يقم بمدارسته مع العلماء -كما هو الحال في شأن القرآن الكريم - ولم يتغير حاله بزيارة بيت الله الحرام ، وتعمير بيوت الله تعالى بالصلاة والتزام حلق الذكر ، فحُرِم من مباهاة الله به الملائكة ، فإنه حتما ولابد وأن يتعظ لما تنزل عليه آيات الله تتهدده بالعذاب فيحمله ذلك على أن يتغير ، ولعله يتصور بحرا مشتعلا بالنار يكون آخر علامات يوم القيامة ، فإن لم يتصوره فهو مدرك العذاب لا محالة .

 

ففي قوله (وَالطُّورِ) أقسم الله بجبل الطور الذي كلم الله عليه موسى تكليما ، قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) {القصص/29-30} ، فعليه ظهرت التجليات الإلهية ، قال تعالى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )(الأعراف/143) ، وعلي هذا الجبل وأنزلت التوراة علي موسى وأخذ الألواح ، قال تعالى (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ * وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ {الأعراف/144-145}

 

 كما قد هدد الله بني إسرائيل بجبل الطور أن يقع عليهم ، ليحملهم على أخذ الكتاب والعمل به ، قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) {البقرة/63}، فنتقه عليهم لإرهابهم لما تلكئوا في أخذ التوارة والعمل بها ، قال تعالى (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) {الأعراف/171}.

 

وكما هو معلوم أن الدجال لا يقرب مسجد الطور ، فهو في البقعة المباركة ، فعن النَّبِيُّ r قَالَ (أَنْذَرْتُكُمْ الدَّجَّالَ ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا قَدْ أَنْذَرَهُ أُمَّتَهُ وَإِنَّهُ فِيكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ وَإِنَّهُ جَعْدٌ آدَمُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ وَمَعَهُ جَبَلٌ مِنْ خُبْزٍ وَنَهْرٌ مِنْ مَاءٍ وَإِنَّهُ يُمْطِرُ الْمَطَرَ وَلَا يُنْبِتُ الشَّجَرَ وَإِنَّهُ يُسَلَّطُ عَلَى نَفْسٍ فَيَقْتُلُهَا وَلَا يُسَلَّطُ عَلَى غَيْرِهَا وَإِنَّهُ يَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا يَبْلُغُ فِيهَا كُلَّ مَنْهَلٍ وَلَا يَقْرَبُ أَرْبَعَةَ مَسَاجِدَ مَسْجِدَ الْحَرَامِ وَمَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَمَسْجِدَ الطُّورِ وَمَسْجِدَ الْأَقْصَى وَمَا يُشَبَّهُ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)[15].

 

والطور هو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون بعدما يقتل المسيح بن مريم الدجال ، فيتحصنون فيه من يأجوج ومأجوج ، ففي حديث النبي r (إِذْ هَبَطَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بِشَرْقِيِّ دِمَشْقَ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَّانٌ كَاللُّؤْلُؤِ ، قَالَ وَلَا يَجِدُ رِيحَ نَفْسِهِ يَعْنِي أَحَدًا إِلَّا مَاتَ وَرِيحُ نَفْسِهِ مُنْتَهَى بَصَرِهِ-يعني يموت الكافر من مسافة منتهى بصره- ، قَالَ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ –يطلب عيسى المسيح الدجال فيدركه في مكان اسمه باب لد – فَيَقْتُلَهُ ،  قَالَ فَيَلْبَثُ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ ثُمَّ يُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ حَوِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ ، فَإِنِّي قَدْ أَنْزَلْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ)[16]، فقوله (حَوِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ) كناية عن عدم اقتراب يأجوج ومأجوز من هذه المنطقة .

 

مما تقدم يبين أن  الطور جبل مقدس أنزل الله فيه رسالة التوراة ، وهو آية دالة على قدرة الله تعالى أظهرها لنبيه ورسوله عليه السلام ، كما أنه أداة لترهيب وتخويف الظالمين ومنهم الدجال ، فهو مكان مبارك  وآية وآلة للترهيب ، وملاذ المجاهدين آخر الزمان ، وعليه دارت الأحداث بشأن إنزال الكتاب وفهم كلام الله والعمل به والدعوة إلى ما فيه من خير ، ولذلك كان من المناسب أن يقسم الله تعالى بـ (الكتاب المسطور) بعدما أقسم بجبل الطور .

 

وفي قوله (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ) قيل هو التوراة ، لأنه الأنسب للذكر بعد ذكر جبل الطور ، وقيل هو القرآن ، لأن القرآن ناسخ لما في التوراة ، ولفظ "كتاب" عام يفيد الشمول ، فيقتضي المعنى شمول الكتب المنزلة جميعها ، قال العلماء : والقسم بالطور توطئة للقسم بالتوراة التي أنزل أولها على موسى في جبل الطور[17] ، لكن تخصيص الكتاب بأنه مسطور في رق منشور أكد على أن المقصود بالذكر هو القرآن ، لأن التوراة أنزلت في ألواح ، والقرآن كتب على الرقاق والعساف .

ودلالة القسم بالكتاب المسطور على وقوع العذاب ظاهرة وبينة كما في قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا) (الإسراء 58) .

 

وقوله (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ) فيه تخصيص للمقصود بهذا الكتاب ، بأنه القرآن الكريم ، ذلك أن التوراة كانت في الألواح فلما ألقاها موسى كسرت ، ولو كانت في رقائق لما كسرت ، قال r (إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح ، فلما عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت) [18].

 

وفي ذلك دلالة على أن كتاب الله ليس محفوظا في الصدور وحسب  ، بل إنه لمحفوظ في السطور كذلك ، أي محفوظ على الورق أو الرقائق والرقاع ، كما أنه كتاب منشور يتداول بين الناس ، وليس نسخة محفوظة في المتاحف ، أي كتب ونشر ، فخير وسيلة لحفظ أي كتاب من التبديل والتحريف هي نشره للناس ، فالكتابة لا تستغني عن الحفظ ، والحفظ لا يستغني عن الكتابة .

 

 وهو قسم من الله بجمع القرآن وإخبار بما سوف يقع ، وقد وقع بعد وفاة النبي r ، ففي عهده r لم يكن القرآن قد جمع في  كتاب واحد ، وإنما كان كتبة الوحي يكتبون ما يسمعون تلاوته من النبي r ، أي أن الآيات والسور كانت تكتب بين يدي رسول الله r على الرقاق والرقاع ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ r نُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ مِنْ الرِّقَاعِ [19] ، وذلك نظرا لنزول القرآن الكريم مفرقا ، أي بحسب الأحداث والمواقف ، فإنه لم يجمع مسطورا في رق واحد - أي كتاب واحد - في عهد النبي r مثلما هو الشأن في التوراة ، يقول سبحانه " وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ"(الأعراف/145).

 

قال الحاكم في المستدرك ‏:‏ جمع القرآن لم يكن مرة واحدة فقد جمع بعضه بحضرة رسول الله r ثم جمع بعضه بحضرة أبي بكر الصديق والجمع الثالث هو في ترتيب السورة كان في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين [20].

 

فالجمع الأول كان في عهد النبي r ، حيث اكتفى  بكون القرآن المحفوظ في صدور الرجال ، فضلا عما هو مفرق منه في الرقاق ، قال البيهقي‏:‏ المراد تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورتها وجمعها فيها بإشارة النبي r ، ثم كانت مثبتة في الصدور مكتوبة في الرقاع واللخف والعسب فجمعت منها في صحف بإشارة أبي بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار[21].

 

لكن بعد ذلك ظهرت الحاجة لجمع القرآن في كتاب واحد بعدما استحر القتل بأهل القرآن في معركة اليمامة ، فجمعوا ما كان مثبتا في الكتب التي كتبت بين يدي النبي r كما أشرنا ، ثم جاء عثمان بن عفان فجمع النسخ جميعها وأبقى على رسم واحد منها فقط[22].

 

وقصة جمع القرآن ثابتة في رواية زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ لِعُمَرَ كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ  rقَالَ عُمَرُ هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قَالَ زَيْدٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ "حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏ [23] ، قال زيد ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله r يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فألحقناها في سورتها في المصحف‏ [24].

 

وأما عن كيفية جمعه فعن يحيي بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "أراد عمر بن الخطاب أن يجمع القرآن، فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول الله r شيئا من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان [25] .

 قال السيوطي : " هذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوباً حتى يشهد به من تلقاه سماعاً مع كون زيد كان يحفظ فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط‏ " [26]‏ .

 قال ابن حجر: (أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله r أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي r لا من مجرد الحفظ) ، وقال في قوله ‏( لم أجدها مع أحد غيره) أي مكتوبة ، لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة [27].

 

 قال الحاكم : والجمع الثالث الذي حصل في زمن عثمان‏ فهو ترتيب السور وتوحيد الرسم ، فعن أنس: أن عثمان دعا زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف وقال عثمان للرهط القرشين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ، ففعلوا ذلك [28] .

وسبب الجمع هذه المرة هو منع الناس الاختلاف في القراءة من مصاحف شتى مختلفة في الرسم ، فجمع المصحف مسطورا برسم واحد منعا للاختلاف ، فوعن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان‏:‏ أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إلى حفصة فأمر زيد ابن ثابت عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف .. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق[29] قال ابن حجر‏:‏ وكان ذلك في سنة خمس وعشرين‏.‏

 

قال ابن التين وغيره‏:‏ الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحد فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي r ، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئه بعض ، فخشى من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة[30]‏.‏

 

وعليه فقد كان جمع أبي بكر للقرآن نقلًا لما كان مفرَّقًا في الرِّقاع والأكتاف والعسب ، وجمعًا له في مصحف واحد مرتب الآيات والسور ، مقتصرًا على ما لم تُنسخ تلاوته، مشتملًا على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ، أما جمع عثمان للقرآن كان نسخًا له على حرف واحد من الحروف السبعة، حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد[31]، وكان الباعث لدى أبي بكر -رضي الله عنه- لجمع القرآن خشية ذهابه بذهاب حملته، حين استحر القتل بالقرَّاء ، والباعث لدى عثمان -رضي الله عنه- كثرة الاختلاف في وجوه القراءة، حين شاهد هذا الاختلاف في الأمصار وخطَّأ بعضهم بعضًا[32].

 

إذن معنى أن القرآن مسطور أنه سطر بين يدي النبي r من كتبة الوحي ، وليس ذلك بكافي لإثباته في المصحف الذي نقرأه اليوم ، وإنما جاء زيد بن ثابت رضي الله عنه بكل آية سطرت على عهد النبي r بشهيدين على تلاوتها كما سُطِّرت وكُتِبت وسُمِعت من النبي r ، ثم تم جمعه في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه قراءة ورسما ، فسمي بالمصحف العثماني ، فأضحى التثبت في القرآن بما وافق الرسم العثماني وما اتفق مع حفظ العلماء له متواترا بسنده عن النبي r ، وبذلك أضحى القرآن الكريم مقطوع بصحته كتابة وتلاوة معا ، ولذلك  استخرج العلماء - مما تقدم - شروط القراءة الصحيحة للقرآن الكريم وهي ثلاثة [33] :-

الأولى : أن تكون موافقة للغة العربية

الثانية أن توافق الرسم العثماني

الثالثة : صحة السند ، بمعنى تواتر نقلها عن النبي r من صدور العلماء الذين قرؤوا بها .

 

مما تقدم نفهم معنى قسم الله بتعالى بالكتاب المسطور ، فهو قسم بهذا المجهود العظيم الذي قام به جيل الصحابة رضوان الله عليهم لحفظ كتاب الله في السطور مثلما حفظوه في الصدور .

 

وفي قوله (..مَنْشُورٍ[34]) دلالة على أنه غير مطوي وغير مخبأ عند الأحبار والرهبان ، وإنما هو كتاب أُخبر به الكافة ، ولذلك فهو منشور يقرأه العالم والجاهل ، فأما العالم فيزداد به علما ، وأما الجاهل فيزول -بقراءته - جهله ، وهو في متناول الجميع ، ولا حاجة لأي يجتهد الناس في البحث عنه ، فأي شخص يريد أن يتعلم هذا الكتاب يجده منشورا بين يديه في أي مكان في العالم ، ومهما بعد عن مكة ، فإن النور الذي نزل على النبي محمد r لا يزال ممتدا ليشمل أقطار الأرض جميعا .

 

 ونحن في الدولة القانونية نعلم يقينا أن القانون أو القرار اللائحي لا يعتد به إلا بالنشر ، فإن لم يُنشر فهو والعدم سواء ، إذ يتعذر على الكافة العلم به دون نشر ، لاسيما وأن المخاطب به ليس فردًا أو جهة معينة ، بل تتسم القاعدة القانونية بالعمومية والتجريد ،ولذلك لابد من نشرها حتى تكون حجة عليهم ، وبدون النشر لا تنفذ القاعدة القانونية في مواجهة الأفراد ، النشر هو حجة بالعلم مفترضة على الكافة للقاعدة القانونية حتى لو لم تصادف علما فعليا للناس ، فإن تم النشر فلا يحتج بجهلها ، فتطبق القاعدة علي الكافة وإن تقاعس البعض عن قراءتها والإطلاع عليها ، أو التواصل مع المجتمع والإلمام بما يجري من الأحداث العامة التي تطرأ كل يوم ، فمن تقاعس عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه ولا يُعذر بجهله طالما أنه لم يكن له ثمة عذر قهري حال بينه وبين العلم بها .

 

 وكذلك الحال بالنسبة لكتاب الله تعالى ، فقد جعله المولى سبحانه منشورا قريبا من الناس ، فلا يوجد في العالم كتاب أكثر نسخا ومترجما معانيه بكل اللغات المختلفة ولا أوسع انتشارا من القرآن الكريم ، عَنْ النَّبِيّ r قَالَ (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً..)[35].

كذلك فإن هذا الكتاب مشروح تفسيره من أكثر من عالم سواء كتابة أو تسجيلا صوتيا أو مرئيا ، يقول سبحانه

(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران/18) ،  وليس ذلك فحسب بل إن التسجيل الصوتي للقرآن الكريم تسجيلا لقراءته كاملا بقراءة صحيحة أكثر انتشرا في العالم .

 

قوله (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ) قسم بالمكان الذي تطوف حوله الملائكة ، فهذا البيت في السماء السابعة فوق بيت الله الحرام ، ففي حديث المعراج عن النبي r قال "فأتينا السماء السابعة قيل من هذا ؟ قيل جبريل ، قيل من معك؟ قيل محمد ، قيل وقد أرسل إليه مرحبا به ونعم المجيء جاء فأتيت على إبراهيم فسلمت عليه فقال مرحبا بك من ابن ونبي ، فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم" [36] .

 

والغرض من القسم به تخجيل المشركين عن التقاعس عن عبادته سبحانه ،وعند الله من لا يسأمون من عبادته ، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) (الأعراف 206) ، وقال تعالى (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) (فصلت 38).

 

 والبيت المعمور هو بيت في السماء السابعة في مقابلة بيت الله الحرام الذي في الأرض ، يقول المولى سبحانه (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ) (الزخرف/84)، أي أنه يعبد في السماء كما أنه يعبد في الأرض ، فعن النبي r قال لأصحابه : هل تدرون ما البيت المعمور ؟ قالوا الله ورسوله أعلم ، قال : فإنه مسجد في السماء تحته الكعبة لو خر لخر عليها)[37].

 وعن علي رضي الله عنه أنه لما سئل عن البيت المعمور قال " بيت في السماء يقال له الضراح ، وهو بحيال الكعبة من فوقها حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون فيه أبدا "[38]، فهو قبلة الملائكة في السماء كما أن الكعبة هي قبلة الناس على الأرض.

 

 والجدير بالذكر أن لفظ "البيت المعمور" يطلق كذلك على بيوت الله التي في الأرض ، أي المساجد التي تُعمر بالمصلين ، قال تعالى "إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ" {التوبة/18} ، فهذه المساجد تسمى بيوتا ، كما نعتها القرآن في قوله سبحانه "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ "{النور/36-37}.

 

فلا شك أن القسم بالمكان له دلالة على أهميته ، ووجوب التزامه ، والمكث فيه أكثر الأوقات ، والانشغال بتعميره ، فالله تعالى يباهي بعباده المصلين في الأرض الملائكة في السماء ، يقول النبي r (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء ؟ [39] .

 

وفي قوله (وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ) فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى (والسقف المرفوع) قال (السماء)[40] ، فالسماء سقفا ، كما سماها الله (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32) ، كما بين أن السماء مرفوعة ، فقال سبحانه (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) (الرحمن 7) ، قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا..) (الرعد2).

 

فالقسم بالسماء الدنيا  كناية عن قبول العمل الصالح وصعوده لله ، وانشراح النفس به كلما تقبل الله العمل ، قال تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)(فاطر 10) ، وعن رسول الله r أنه خرج على حلقة من أصحابه فقال ما أجلسكم ؟ قالوا جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا قال آلله ما أجلسكم إلا ذاك ؟ قالوا والله ما أجلسنا إلا ذاك قال أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله عز وجل يباهي بكم الملائكة)[41] .

 

 والله تعالى أخبر بأن السماء سبع سماوات ، وقد عُـرِج بالنبي r من السماء الأولى إلى السماء السابعة حيث البيت المعمور ، فوصل إلى سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى ، وهنا فرضت عليه الصلوات الخمس ثم هبط إلى المسجد الحرام ، فعن النبي r قال " ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَقَالُوا لَهُ .... ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ......... ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ..... فَقَالَ الْجَبَّارُ يَا مُحَمَّدُ قَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ كَمَا فَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ......قَالَ فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ قَالَ وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ " [42] .

 

فإذا كانت رحلة معراج النبي r دليل على أن الله تعالى تقبل عمله ودعوته قومه وصبره على أذاهم ، وكانت تلك الجائزة هو في أشد الحاجة إليها ليسري الله عنه ، فكذلك المؤمنون بحاجة إلى مثل هذه الرحلة ، وكذلك بحاجة لأن يتقبل الله تعالى منهم أعمالهم ، ولذلك شرعت الصلوات الخمسون في أم الكتاب وهي خمس كما نعرفها ، فبها تعرج الصالحات من الأعمال ، ويباهي الله بالمصلين ملائكته ، فعن عبد الله بن عمرو قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ، فرجع من رجع ، وعقب من عقب ، فجاء رسول الله r مسرعا .. فقال (أبشروا ، هذا ربكم قد فتح بابا من أبواب السماء يباهي بكم الملائكة ، يقول انظروا إلى عبادي قد قضوا فريضة وهم ينتظرون أخرى) [43].

 

كما ورد عن النبي r قال (إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضُلًا يَتَتَبَّعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا مَعَهُمْ وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ حَتَّى يَمْلَئُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ فَيَقُولُونَ جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الْأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ قَالَ وَمَاذَا يَسْأَلُونِي قَالُوا يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا لَا أَيْ رَبِّ قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي قَالُوا وَيَسْتَجِيرُونَكَ قَالَ وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونَنِي قَالُوا مِنْ نَارِكَ يَا رَبِّ قَالَ وَهَلْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا لَا قَالَ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي قَالُوا وَيَسْتَغْفِرُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا قَالَ فَيَقُولُونَ رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ فَيَقُولُ وَلَهُ غَفَرْتُ هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) [44] .

 

وللقسم بـ«السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ» دلالات على أن البشر يغيب عنهم كثير من العلوم التي لا يمكنهم إدراكها ، وإن أدرك طرفا منها ، فإن ما يجهله أكثر بكثير مما يعلمه ، وما أدركه هو في الحقيقة طرف في قدرة الله المطلقة ، حيث جعل السماء سقفا محفوظا ، تحمي الأرض من النيازك والأشعة الضارة ، فالقدرة الإلهية في خلق السماء مطلقة تعجز العقول عن الإحاطة بكنهها ، وقد عجز الإنسان عن الإحاطة بدلالات هذا القسم ، لكنه انتبه إلى عظيم قدرة الله سبحانه في تدبير الكون والإحاطة به .

 

كذلك فإن الله سبحانه حفظ السماء من استراق الجن والشياطين ، فحفظ الوحي كما حفظ الغيب ، وقد تحدى الله الكافرين بأن ينفذوا من أقطار السماوات والأرض ، فلم يستطيعوا ، كما تحداهم بأن يأتوا بشيء مما غاب عنهم فقال (أم عندهم الغيب فهم يكتبون؟) .

 

وفي قوله (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ[45]) انتقال من القسم بالدلائل المادية على قبول الطاعات (تلقي موسى التوراة على جبل الطور – وجمع الصحابة للقرآن الكريم – وتعمير المؤمنين لبيوت الله تعالى – وصعود أعمالهم للسماء ) إلى القسم بالدلائل المادية على اقتراب الساعة ، أي تكملة للمقسم به ، فهو إشارة إلى آخر علامات الساعة كما في قوله تعالى (وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ) (التكوير6)

 

 فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ اطَّلَعَ النَّبِيُّ r عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ فَقَالَ مَا تَذَاكَرُونَ قَالُوا نَذْكُرُ السَّاعَةَ قَالَ إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْنَ قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ فَذَكَرَ الدُّخَانَ وَالدَّجَّالَ وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ r وَيَأَجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ " [46]، وقد مال إلى هذا التفسير الشنقيطي فقال (وسيضطرم البحر يوم القيامة نارا) .

 

وقد أثبت علماء الجيولوجيا أنه لا يمنع من انتشار النار في الأرض كلها – كآخر علامات الساعة - وجود البحار، لأن البحار -عندئذ- تتفجر نارا ، إذ يؤكد العلماء إن جميع بحار الدنيا يوجد في قاعها شقوق تتدفق منها الحجارة المنصهرة[47]، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَاذَا تَأْمُرُنَا قَالَ عَلَيْكُمْ بِالشَّأَمِ)[48] ،  أي خذوا طريقها، ألزموا فريقها ، فإنها سالمة من وصول النار إليها لحفظ الملائكة إياها ، فهي أرض المحشر التي عليها تقام مقتلة عظيمة ويثبت فيها الفئة المؤمنة ، يقول النبي r (إنكم تحشرون إلى بيت المقدس ثم تجتمعون يوم القيامة ) [49].

ومن أعجب ما أذهلهم أن يلتقي الماء والنيران على قيعان هذه المحيطات وأعداد من البحار، ولا يستطيع الماء على كثرته أن يطفئ هذه النيران بالكامل، ولا هذه النيران على شدتها 1000 درجة مئوية أو أكثر تستطيع أن تبخر هذا الماء بالكامل، وهذا التوازن بين الأضداد يشهد لله الخالق بطلاقة القدرة وبديع الصنعة وبإحكام الخلق[50].

 

كما أنهم اكتشفوا أن أعظم بركان خامد على الأرض هو بركان عدن ، الذي يقع في اليمن – كما أخبر بذلك النبي r – ، (وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قُعْرَةِ عَدَنٍ تَرْحَلُ النَّاسَ) [51]، وقد نشرت مجلة متخصصة Readers Digest 1979 بحثاً كاملاً ، أجراه البروفيسور البريطاني (.G.Gass)في العام 1964 مع بعثة ملكية بريطانية لعلوم البراكين، قام بدراسة بركان عدن الخامد، وخلصت البعثة إلى اعتبار بركان عدن هو أقوى بركان عرفته البشرية على الإطلاق، ووصفه البرفيسور في ختام الورقة البحثية بـ (أن البراكين الحالية ما هي إلا ألعاب نارية أمام بركان عدن)[52].

 

ولعل دلالة هذا القسم هو تعريف الناس بأحداث الساعة ، وأن منها انحياز الناس إلى أهل الحق اضطرارا ، وقد مضت أزمان وهم يخذلونهم ويخالفونهم ، ففي أحداث الدجال تقول (أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أَبِي الْعَكَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ قَالَ هُمْ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمْ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الصُّبْحَ فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي الْقَهْقَرَى لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ)[53].

 

وقيل هي نار جهنم ، كما في قوله (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ) (غافر 72) أي يعذبون بالإلقاء في النار ، فتمتلئ بهم وتقول هل من مزيد ، أي يقع الكافر في بحر من نار ، (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (ق30) كناية عن سعة النار وكثرة داخليها رغم سعتها ، فإنها تكاد أن تكتظ بهم ، والله أعلم ،وكلاهما وقاع .

 

ثانيا : المقسم عليه _(عذاب القيامة)

 

وفي قوله (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ) هذا هو المقسم عليه ، تضمن تأكيدا علي أن عذاب يوم القيامة سوف يقع على شرار الخلق ، فهو أمر واقع وليس بمحتمل ، ووقوعه لا دافع له ولا راد عنه ولا مهرب منه ، يقول سبحانه (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ) (الشورى 35) ، فهي رسالة قصيرة ولكنها تحمل تهديدا عظيما .

 

  وقد وقع هذا التهديد في قلوب الصحابة مبلغا كبيرا  ،حكت كتب التفسير شيئا من التأثير النفسي لخطاب الله تعالى على قلوب الصحابة رضوان الله عليه لما سمعوا تلك الآيات ، يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع قارئا يقرأ والطور وكتاب مسطور قال (هذا قسم حق ، فلما بلغ القارئ إلى قوله عز وجل "إن عذاب ربك لواقع" ظن أن العذاب قد وقع به فغشي عليه)[54] .

وفي رواية قال : (قسم ورب الكعبة حق ، فنزل عن حماره واستند إلى حائط ، فمكث مليا ثم رجع إلى منزله ، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه رضي الله عنه)[55] .

 

 وكذلك كان حال التابعين ، قال هشام بن حسان : (انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ "والطور" حتى بلغ "إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع" فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه)[56].

 

 

المحور الأول

تصوير الويل للمكذبين الخائضين 

 

قوله تعالى : ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا [57] * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا * فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ * يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (9-16)

 

ففي قوله تعالى (يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا)  تصوير للمشاهد المقلقة والمنذرة باقتراب الساعة ، يبين مدى خروج الكون عن عاداته المألوفة ، فيظهر على غير عادته وتتبدل طبيعته ، يقول المولى سبحانه (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم/48) ، فيضطرب حينئذ كل شيء اضطرابا ، لاسيما السماء التي هي أظهر مشاهد هذا الكون للعيان تتغير تغيرا بيِّنا وتزداد حركتها إلى غير هدى وعلى غير اتجاه محدد ، وليس الأمر بمنعزل عما يحدث في الأرض ، حيث ترى الجبال الشامخات التي هي أشد استقرارا وقرارا على الأرض  يطرأ عليها ما يجعلها أخف من الصوف المنفوش فتكون في من الخفة والهوان لأن يراها الناس تسير سيرا ، أي تسير ، فلا تثبت على الأرض ، ولعل في ذلك إشارة -كذلك- إلى زوال كل العروش ، فلا يستقر ملك ولا يبقى سلطان ولا قصر ، فيزول كل شيء غير الله ، يقول المولى سبحانه (إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(القصص 88)

 

وحين يشاهد الكافر هذا التغير الطارئ للسماء والجبال في آن واحد ، فيرونها في حركة مطردة مضطربة حيث تشهد الأعين لحظة احتضار الكون ، فيفزعون ولا تهدأ أنفسهم ، ولا يغمض لهم الجفن ، وإنما يدب الخوف وتذهل عقولهم ، قال تعالى "وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ {الأنبياء/97} ، وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ)[58] .

 

وفي قوله (فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) تقريع لمن كذب بيوم الدين ، وقد قامت عليه القيامة التي كان يكذب بها ، قال ابن عاشورة "حذف متعلق للمكذبين لعلمه من المقام، أي الذين يكذبون بما جاءهم به الرسول من توحيد الله والبعث والجزاء والقرآن" [59] .

وقد بين القرآن في موضع آخر المقصود بهؤلاء المكذبين في قوله سبحانه (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) {المطففين/10-12} ، فهم لا يكتفون بالتكذيب بيوم القيامة ، وإنما أضافوا إلى ذلك أنهم يعتدون على حقوق غيرهم بالإثم ، فينكرون عليهم مطالبتهم بحقوقهم ويكذبونهم ويجحدونها ظلما وعدوانا ، وهو تلازم واضح لابد وأن يكون في خلقهم فالتكذيب بالبعث والحساب يستلزم العدوان بالأثم على الآخرين .  

 

 وفي ذلك إشارة إلى أن هؤلاء المكذبين هم شرار الخلق ، وعليهم تقوم الساعة ، عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ هُمْ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ .. " ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا كَرِيحِ الْمِسْكِ مَسُّهَا مَسُّ الْحَرِيرِ فَلَا تَتْرُكُ نَفْسًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ الْإِيمَانِ إِلَّا قَبَضَتْهُ ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ " [60]، وعن النبي r قال (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ)[61].

 

فتوجيه قذائف من التهديد والتقريع والتفزيع لهؤلاء يجب أن يحملهم بقوة على التفكر في مصير وعاقبة أمرهم لو ظلوا على ما هم عليه من التكذيب ، مثلما هدد الله بني إسرائيل بأن رفع جبل الطور فوقهم ليأخذوا الكتاب بقوة ، ولكن الله استعمل أسلوب التهديد القولي بذلك القسم على أمة محمد r ، لما علمه منهم من أنها أشد تأثرا بهذا الكتاب عن غيرها من الأمم ، ولو علم الله من حال بني إسرائيل أنها مثل حال أمة محمد لما حمل الجبل فوقهم ليتهددهم ، ولكن الله علم من أمة محمد r استعدادها لتحمل أمانة هذا الدين بمجرد سماع كلام الله ، فعفاهم من أن يهددهم بصواعق والجبال .. مثلما فعل بالأمم السابقة .

 

والمكذب بيوم الدين إما أن يكون تكذيبه نابع عن استكبار أو من عدم التصديق ، فإذا كان تكذيب سببه هو عدم التصديق ، فذلك يمكن إزالته بعرض البراهين والأدلة ، وإن كان مشغولا عن قراءة ما هو معروض له بأي عرض من أعراض الدنيا ، هنا لابد من تخويفه وتهديده لأن ينتبه فينظر في تلك البراهين والأدلة ، فيزيل بنفسه ما علق في ذهنه من أفكار خاطئة غيبت عنه الحقيقة ، فإذا ما انفتح ذهنه لتلك الأدلة واقتنع بها ، هنا كلما سار في طريق الأدلة والبراهين زادت قناعته وقوي إيمانه وتصديقه ، وكلما مارس عمليا ما كان يكذب به ، فظهرت له نتائج إيجابية تدل على أنه يسير في الطريق الصحيح زاد تمسكه بهذا الطريق حتى يصير مصدقا بعد أن كان مكذبا .

 

فالجدير بالذكر أن العلماء يؤكدون أن المنطقة المسؤولة عن الكذب والخطأ في الدماغ هي المنطقة التي تقع في مقدمة الدماغ (الناصية) وهي مسؤولة عن اتخاذ القرارات الهامة ومسؤولة عن التوجه والسلوك، وهذه المنطقة هي ذاتها المسؤولة عن الإبداع والخشوع عند الإنسان، وبالتالي يمكن القول أن المؤمن عندما يمارس الخشوع في عبادة الصلاة ، وفي عمله وفي تفكره وتدبره لكتاب ربه، وحتى في علاقاته الاجتماعية، فإن هذه المنطقة أي الناصية تتنشط وتصبح أكثر قدرة على الإبداع وعلى توجيه الجسد على اتخاذ القرارات الصحيحة، وبالتالي على درء الكذب، إذن الخشوع يساعد على الصدق![62] ، وذلك هو المطلوب .

 

وفي قوله تعالى (الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ) ، جملة موصولة بشرار الخلق الذين كذبوا بيوم الدين ، ولم ينتبهوا للموعظة ، فتصورهم الآيات وهم خائضون في مسارات الدنيا يلعبون ويضحكون ويتفكهون ولا يدينون لله تعالى بشيء ، فلا صلاة يحافظون عليها ، ولا صوم يطيقون ، ولا صدقة يقطعون من أموالهم ، إنما الضحك واللعب شاغلهم ، غير آبهين لما في الآخرة ، ولا مكترثين بعذابها .

 

يقول ابن عجيبة "الذين هم في خوض الدنيا وشهواتها وزخارفها يلعبون ، لا حديث لهم إلا عليها ، ولا فكرة إلا فيها" [63] ، ويقول الزمخشري (غلب الخوض في الاندفاع في الباطل والكذب)[64] ، ومنه قوله تعالى : (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضين) [ المدثر : 45 ] ، وقوله (وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ) [ التوبة : 69 ] ، ويقول سبحانه: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ) [التوبة:65 ] .

 

ولو أن المكذبين من أمة محمد r وقفوا أمام أنفسهم لحظة صدق ، فإنهم لن يظلوا على هذا الحال من التكذيب ، متى كانوا في حياد من أمر الدنيا ولم ينغمسوا فيها ، لأن تكذيبهم ليس نابعا عن استكبار أو عناد ، وإنما عن تردد أو عدم اهتمام كاف ، أو تفكر في الأدلة والبراهين ، بسبب غمرة الدنيا ، فلعل الله يشرح صدورهم للإسلام عندما يسمعون تهديد الله لهم فيخشعون ، قال تعالى "أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"{الزمر/22}

 

وفي قوله (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) اكتظت الآيات بالتهديد والتوبيخ والتهكم والتقريع والتفزيع لهؤلاء المكذبين مبينة لهم سوء عاقبتهم ، وهو ما يكفي لأن ينتبه السامع لهذا اليوم ، والقرآن كله مبنى على تقريع الجاحدين وتبكيت المعاندين وهو كله كلام واحد كأنه معطوف بعضه على بعض[65] .

 

 وقد زعم البعض من أن محمدا لم يأت بآية تدل على نبوته كآيات موسى وعيسى ، وقد رد على هذا الزعم الفيلسوف الفرنسي  فولتير (Voltaire)، فقال (إن محمدا كان يقرأ القرآن خاشعا أواها ، فتفعل قراءته في جذب الناس إلى الإيمان به ما لم تفعله جميع آيات الأنبياء الأولين!)[66] .

قال محمد رشيد رضا (ومن الشواهد الكثيرة على صحة قول هذا الفيلسوف ما روي أن كبراء قريش اجتمعوا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشئت أمرنا وعاب ديننا، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فجاء النبي r فكلمه .. )[67].

فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : اجتمعت قريش يوما فأتاه عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله r فقال له رسول الله r : أفرغت ؟ قال : نعم فقال رسول الله r: { بسم الله الرحمن الرحيم } { حم * تنزيل الكتاب } حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فقال له عتبة : حسبك حسبك ما عندك غير هذا قال : لا ، فرجع عتبة إلى قريش فقالوا : ما وراءك ؟ فقال : ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا قد كلمته قالوا فهل أجابك ؟ قال : نعم لا والذي نصبها بنبيه ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قالوا : ويلك يكلمك رجل بالعربية ولا تدري ما قال قال : لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة)[68]

 

وهكذا يستبين أن الخطاب القرآن أحيانا يستهدف بعض المخاطبين بنظمه وأسلوبه وبلاغته ، وآخرين يستهدفهم بالمعنى الإجمالي للآيات ، وآخرين بالمعنى التفصيلي ...وهكذا ، فكل واحد ينهل نصيبه من القرآن .

 

فالدَّع في لفظ (يُدَعُّونَ): يعني "الدفع العنيف"[69]، ويفيد التهديد ،وتأكد الفعل باستخدام المفعول المطلق (دعَّا) فتصور الآيات مشهد هؤلاء المكذبين وهم يُدفعون تجاه النار دفعا ، في معاملة أشبه بالمجرمين المحكوم عليهم ، فيدفعهم السجانين بقوة إلى السجون لقضاء عقوبتهم .

 

والإشارة للنار في قوله (هَذِهِ النَّارُ) للتقريب إماءة إلى أنهم بلغوها وهم على شفاها ، وتوطئة لما سيرد بعدها [70]، فقد أضحت النار في مرمى البصر ، وقد أحسوا بخطورة الموقف .

 

والاستفهام التهكمي في قوله (أَفَسِحْرٌ هَذَا) ، والتوبيخ[71] (أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) ، إذ يتهكم القرآن – كعادته – علي المكذبين ، وقد عاينوا نار جهنم يوم القيامة ، وكانوا من قبل يسخرون من الذين آمنوا لما كانوا يحدثونهم عن النار ، بل كانوا يدعون أنهم سحرة وكاذبين ، ويحذرون الناس من الانسياق لهم حتى لا يتأثروا بسحرهم ، فإذا ما انقلبوا إلى الآخرة ، بكتهم الله تعالى وقد رأوا جهنم (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ) .

 

 والتقزيع في قوله (أصلوها) ، و(الإصلاء) يعني مباشرة العذاب فعلا  ، أي إذا ما تحققت لهم رؤية عذاب الله تعالى عيانا ، وقد أوشك على الإحاطة بهم ، فإنه حق عليهم أن يذوقوه ، يقول النبي r (يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ الْكُفَّارِ فَيُقَالُ اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً فَيُغْمَسُ فِيهَا ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَيْ فُلَانُ هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ)[72].

والتقريع في قوله (فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا) ، ونظير ذلك قوله تعالى واصفا حال أهل النار (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ) {إبراهيم/21} ، هنا تتعالى الصرخات ، وتفصيل ذلك ثابت في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)(فاطر36-37) .

 

والتعذيب النفسي بالتيئيس في قوله (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ) ، وعندئذ تنقطع الدعوات ولا مغيث ، يقول سبحانه (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُون) (الزخرف 74-75).

 

والتوبيخ ببيان عاقبة الأعمال (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) ، كل ذلك ليؤكد حقيقة أن الله تعالى خلق النار ليعذب بها المكذبين ، مبشعا فعلهم واستمرارهم في شن حملات التكذيب للمؤمنين ، فقد كُممت الأفواه ، وختمت الأعمال فلا عمل ، فالجزاء من جنس العمل ، يقول سبحانه (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) (الأعراف 51) .

 

فالقرآن الكريم حينما حذر من النار وكرر التحذير ، فإنه يقوم بعمل برمجة لغوية وعصبية تجاه هذا اللفظ حتى يخشع القلب لهذه الحقيقة الواقعة كلما سمع لفظ "النار" وآيات التهديد والتقريع ، فعن عبد الله ابن عمر قال "ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا " [73] ،  فعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r (صَلَّى فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ اسْتَجَارَ وَإِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَنْزِيهٌ لِلَّهِ سَبَّحَ)[74]

 

يقول الدكتور عبد الدايم الكحيل ( ينصح علماء النفس بالتفكير بالنتائج السلبية للعمل السيء لو ظل حال المرء على ما هو عليه دون تغيير ، كذلك ينصحون بالتفكير في ذات الوقت في النتائج الإيجابية لو غير المرء نفسه اتجاه الأفضل ، باعتبار أن ذلك من الأساليب المهمة للتخلص من المعاصي بالتفكير في مخاطرها وعواقبها) [75] .

وقد استخدم  القرآن العظيم هذه الطريقة قبل أن يكتشفها العلماء بأربعة عشر قرناً ، فنجد في نصوصه تصويراً دقيقاً للمشاعر السلبية وما قد تسببه في المستقبل، وبنفس الوقت يصور لنا بدقة النواحي الإيجابية ونتائجها وفوائدها في الدنيا والآخرة [76] ، وتلك هي سنة النبي r في التفاعل مع القرآن الكريم ، فعن حذيفة يصف قراءة رسول الله r في الصلاة يقول (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ)[77].

 

 

 

 المحور الثاني

التصديق بما أعده الله - بمنته - للمتقين وذريتهم الصالحين

 

قال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [78] * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ [79]مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ * وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) (17-28)

 

وكعادة القرآن الكريم لا يذكر النار إلا وذكر الجنة ، بقصد الجمع بين الترغيب والترهيب ، فهما أسلوبان متلازمان حتي ينشط المسلم للطاعة ويرتدع عن المعصية ، أو عن التمادي في الغي والضلال ، (وذلك ببيان سوء العاقبة المعصية وأثرها ، وحسن عاقبة أهل الطاعة وأثر طاعتهم)[80] .

 

وكما خوف الله المكذبين فإنه يسوق البشرى للمصدقين ،  يقول الزمخشري (من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط ، لاكتساب ما يزلف ، والتثبيط عن اقتراف ما يتلف ، فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب ، قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة من فعل الطاعات وترك المعاصي ، وحموها من الإحباط بالكفر والكبائر بالثواب)[81] .

 

ففي قوله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ) (17) وصف جامع لمن استحق النعيم في الآخرة بأنهم "متقون" ، فالنعيم لا يدرك بالنعيم ، وإنما بالتقوى مخافة أن يفتتن بالدنيا وزينتها ، ولذلك قالوا في تعريف التقوى أنها (ترك ما لا بأس فيه مخافة ما به بأس) [82]، قال الحسن (ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام) [83]، أي لم يتركوا الحلال تأثما ، وإنما كي لا يعطلوا واجبات كفائية ألزموا أنفسهم بها وسننًا ونوافل ليزدادوا قربًا ، يقول النبي r (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على يفنى )[84].

 

وكثيرا ما تصف آيات القرآن الكريم النعيم الأخروي ، وكأنه رأي العين ، وكأنهم يعيشون في النعيم الآن رغم أنهم لا يزالون في دار الدنيا ولم يصيروا بعد لحياة الآخرة ،  فجاء لفظ "جنات" ، جامع لكل معنى للجزاء المستحق يوم القيامة ، ومعطوف عليه بلفظ "نعيم" كناية عن الراحة والرفاهية وعدم التعب والنصب ، وذلك حتى تشرئب قلوب المتقين لهذا النعيم ، فتشتد عزائمهم للسير في الطريق الموصل إليه ، ويشمرون سواعدهم ، ويشدون المئزر حتى يدركوا النعيم  ، يقول النبي r (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل إلا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة) [85]  ، لذا قيل (النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم) [86].

 

فهي ليست جنة واحدة ، وإنما هي جنات أو جنان لقوله r " إنها ليست بجنة واحدة إنها جنان كثيرة " [87] ، كما أنها ليست بابا واحدا وإنما لها أبواب ، يقول النبي r ، "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ، قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ" [88].

 

وكونهم في جنات ونعيم ، أفاد (إضافة المتاع النفسي إلى المتاع المادي) [89]، فها هي جنات الدنيا يحوزها التعساء فلا يسعدوا بها ، بينما يسعد المتقون بالجنات والنعيم ، لأن الله أعطاها لهم لكي يسعدوا لا ليبتليهم بها ، كما ابتلي كثير من التعساء بجنات الدنيا ، يقول النبي r (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) [90].

 

وفي قوله تعالى (فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [91](18) ، إظهار لأول صور النعيم ، بالتفكه بما آتاهم الله تعالى من نعيم ، يقول سبحانه (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ){يس/55} ، يقول النبي r  "أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ" [92] .

 

 ويقترن بهذه اللحظة السعيدة من التفكه تذكر نعمة أن الله تعالى وقاهم عذاب الجحيم ، الأمر الذي يزيد من السرور باستشعار نعمة النجاة من النار ، يقول سبحانه (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) {آل عمران/185} ، فالناس في الخلوص من النار درجات ، أقلهم منزلة (من يمر ويحبو على وجهه ويديه ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار ، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها ، فقال الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدا إذ أنجاني منها بعد إذ رأيتها) [93].

 

وفي قوله (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (19) تذكير لأهل الجنة بأعمال الطاعات التي استوجبت التلذذ بطيباتها ،فكثيرا ما يقترن نعيم أهل الجنة بالأكل والشرب الهانئ والرغد ، فالجزاء من جنس العمل ، وطالما أنهم اجتنبوا الحرام من المأكل والمشرب ، وصاموا طاعة لله ،فإن الله يجازيهم في المقابل بالطعام الهانئ والشراب اللذيذ ، يقول النبي r (ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي الصيام لي وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر أمثالها)[94].

 

وفي ذلك دلالة أخرى وهي أن طبيعة الإنسان في الآخرة تظل كما في الدنيا ولن تتغير ، فيظل في حاجة للأكل وللشرب والتلذذ والتفكه بهما ، فكما أن ذلك من أسباب سعادته في الدنيا فإنه كذلك يكون من أسباب سعادته في الآخرة ، وكذلك فإنه لن ينقطع عن العمل والعبادة ، وإنما يكون العمل بلا تكليف وبلا جهد ، فعن النبي r قال (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ قَالَ جُشَاءٌ [95]وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) [96].

 

قال الشوكاني في تصريف طعام أهل الجنة من الجشاء والعرق ( وذلك سبب إنضاحه ، وقد جعل في أجوافهم من الحرارة ما يطبخ الطعام ويلطفه ويهيئه لخروجه عرقا أو جشاء إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تتم المعيشة إلا بها ، والله سبحانه خالق السبب والمسبب ، وهو رب كل شئ والأسباب مظهر أفعاله وحكمه لكنها مختلفة الأحكام في الدارين ، فأفعاله في الآخرة واردة على أسباب غير الأسباب المعهودة والمألوفة في الدنيا)[97].

 

وفي قوله (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ [98]مَصْفُوفَةٍ ..) (20) الاتكاء كناية عن الراحة والأنس والسرور في مقابلة  التعب والغربة والمشقة ، يقول سبحانه (مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا){الكهف/31} ، فهو دليل على انتهاء الجهاد والجهد في العمل ، فقد اجتهد أهل الجنة في العبادة ، وتفطرت أقدامهم قياما ، وكثر سعيهم على اليتامى والمساكين ، وسهرت أعينهم تحرس في سبيل الله بالقرى والميادين ... الخ ، فكان من الطبيعي أن يعلن الله لهم أنه قد انتهى الجهد والنصب ، ولم يبق إلا الجزاء الذي هو من جنس العمل

 

 قال ابن القيم "ذكر مجالسهم وهيئاتهم فيها ، وفي ذكر اصطفافها تنبيه على كمال النعمة عليهم بقرب بعضهم من بعض، ومقابلة بعضهم بعضا كما قال تعالى (مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ){الواقعة/16}، ويقول ابن القيم " فإن من تمام اللذة والنعيم أن يكون مع الإنسان في بستانه ومنزله من يحب معاشرته ويؤثر قربه ، ولا يكون بعيدا منه قد حيل بينه وبينه ، بل سريره إلى جانب سرير من يحبه " [99].

 

وتتفاوت مراتبهم على تلك السرر بقدر تفاوت ما يقبله الله من أعمالهم الصالحات ، يقول النبي r (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم) ، قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال (بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) [100] .

وعن النبي r قال (إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى يَرَاهُمْ مَنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ كَمَا يُرَى الْكَوْكَبُ الطَّالِعُ فِي الْأُفُقِ مِنْ آفَاقِ السَّمَاءِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا)[101].

 

وفي قوله (..وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) (20) إشارة إلي أن سعادة الإنسان لا تكتمل إلا في إطار اجتماعي عام ، يأنس فيه الإنسان برفقة محبيه ، ويتضافر مع ذلك التنعم بحياة أسرية تتم بالخصوصية ، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يقدر أن يعيش وحيدا أو منعزلا مهما أوتي من أسباب الرزق والنعيم ، فإنه يأنس بغيره ، وأول من يأنس به أهل الجنة زوجته من الحور العين ، فلا يكفي نعيم العيش والرغد والطعام الهانئ والمسكن الدافئ والأثاث الناعم لإضفاء السعادة الكاملة للإنسان ، فجعل الله سبحانه الأنس بالأزواج في الجنة من أسباب اكتمال السعادة في الآخرة.

 

وتجدر الإشارة إلى أن الإنسان في الدنيا لم تقر عينه من امرأة قط ، فمهما بلغت زوجته من الحسن والجمال في الدنيا مبلغا ، لابد وأن يرى من هي أجمل منها ، لكن التطبيق العملي لمعنى التقوى يجعله يغض البصر عنها ، ولذلك حذر النبي r من فتنة النساء فقال (اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) [102] ، وهو كسائر البشر يتأثر بما يحيط من حوله من فتن ، ولذلك كان تحصنه بالزواج أدعى إلى الثبات على الطاعة ، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r رَأَى امْرَأَةً فَأَتَى امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ " [103]

 

 فإذا ما التزم المسلم ضابط التقوى نال جزاؤه - في الآخرة - من جنس عمله ، ولذلك يقر الله عينه بالحور العين ، أي كلما غض بصره عن الحرام أقر الله عينه بالحور العين ، قيل ومن هنا جاءت تسميتها بالحور العين ، لأنها من شدة بياضها ووسع عينها وشدة سوادهما قد أقرت واستقرت نفس المؤمن بهن - في الجنة - حتى منتهى الرضا ، وهو ما ارتآه شيخ الأزهر فقال "أى : وزوجناهم بنساء يحار الطرف فيهن لجمالهن وحسنهن ، والحور : جمع حوراء . . وهى التى يحار الطرف فيها لفرط جمالها " [104] .

 

وقد نقل الطبري عن مجاهد أنه قال عن الحُور: (اللاتي يحار فيهنّ الطرف) ، وانتقده قائلا هو قول لا معنى له في كلام العرب، لأن الحُور إنما هو جمع حوراء، كالحمر جمع حمراء، والسود: جمع سوداء، والحوراء إنما هي فعلاء من الحور وهو نقاء البياض[105] ، وهذا أيضا من باب الخلاف اللفظي المتعلق بالتسمية ، ولا عائد منه ، فإن الإجماع قائم على أنهن تحار منهن العيون لقوله r (وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ لَأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا وَلَمَلَأَتْهُ رِيحًا وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)[106].

 

والثابت-كذلك- في السنة الصحيحة أن الواحد من أهل الجنة ليس له زوجة واحدة وإنما له اثنتان غير الشهيد فله أكثر فعن النبي r يقول " أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ... وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا" [107] ، من هذا الحديث نكون قد أعلمنا أنه لا تباغض بين الزوجات من الحور العين لأن الله جعلهن على قلب واحد منشغل بالذكر والتسبيح ، وليس فيه مساحة لأمراض الدنيا

 

 كما أن هذا النعيم ليس خاصا بأول زمرة تدخل الجنة ، بل كل أهل الجنة نصيب الواحد منهم من الحور العين أكثر من واحدة ، فعن النبي r " إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً رَجُلٌ صَرَفَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ قِبَلَ الْجَنَّةِ" - وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ ..- " وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ سَلْ كَذَا وَكَذَا فَإِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ قَالَ ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ قَالَ فَيَقُولُ مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ " [108] .

 

 أما الشهيد فنصيبه اثنتي وسبعون واحدة من الحور العين ، فعن النبي r أنه قال "لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنُ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ" [109].

 

وفي ذلك دلالة على أن تعدد الزوجات هو الأمر الشائع والمعتاد في الآخرة ، بلا نغص ولا كدر ولا حزن ، ورغم ذلك يظل القلب مشغولا بالله تعالى غير لاه ولا مأثور بزوجة أو اثنين أو أكثر ، وإنما كان التعدد لأجل المتاع ، أما تعلق القلب فقاصر على الله

 وقد أثار بعض المكذبين أو المشككين شبهة في نعيم الآخرة ، في محاولة منهم لأن يفرغوا الحقائق من مضمونها ، وبخاصة مسألة نصيب المسلم من الحور العين ، إذ أساءوا الأدب مع الله لما صوروا الجنة سوق بغاء ، فإنه ردا على هؤلاء نقول - وبالله التوفيق - ليس الأمر كما يقولون ، فهن أزواجه وليس لأحد مساسهن غيره ، فتلك العلاقة الانجذابية بين الرجل والمرأة لابد وأن تكون في إطار الزواج الشرعي ، سواء أكان ذلك في الدنيا دار الابتلاء أم في الآخرة دار الجزاء ، فلا علاقة بينهما إلا من خلال هذا الميثاق الغليظ ، وقد علق ابن القيم على هذه الآية فقال : "وعلى هذا فتلويح فعل التزويج قد دل على النكاح" [110] ، وإن اختلفوا في هذا اللفظ "زوجناهم" هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟ فقال البعض : أي قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ وليس من عقد التزويج[111] ، وأرى أنه خلاف لفظي لا مردود منه شرعي أو اعتقادي ، لأن الأدلة تؤكد على أنها تكون له وحده بكلمة الله ، يقول سبحانه (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ){الرحمن/56}

 

 قال ابن القيم : " وصفهن بأنهن (مقصورات في الخيام) أي ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن بل قد قصرن على أزواجهن لا يخرجن من منازلهم وقصرن عليهم فلا يردن سواهم ووصفهن سبحانه بأنهن (قاصرات الطرف) وهذه الصفة أكمل من الأولى ولهذا كن لأهل الجنتين الأوليين فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره " [112] ، يضاف إلى ذلك أن الغيرة ممتنعة ،والحسد ممتنع ،والقدرة متحققة ،ولسن هن لأحد غيره ، وضابط ذلك كله قوله تعالى (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) .

 

هذا من جهة ومن أخرى فإن الناظر لنصيب المسلم من الزوجات في الدنيا كما قسم الله نجد أن الله بحكمته أحل له أربعا ، ولا اعتراض على حكمه وشرعه - وإن كان البحث في مسألة الحكمة من التعدد في موضع آخر - فهل يعقل أن يشتهي المسلم في الجنة أكثر من واحدة من الروح العين ، ولا ينال مراده ، يقول الله عز وجل يقول سبحانه (وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت/31-32) ، فالشرع الحنيف أحل للرجل التعدد بأكثر من زوجة صالحة في الدنيا ، فهل يكون نصيبه في الجنة أقل من نصيبه في الدنيا ؟ فكم صبر على الشهوات في الدنيا ، وكم أسرف أهل النار منها ، فحقا له أن يمتعه الله تعالى نظير ما ترك من الحرام ، يقول النبي r " الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ "[113].

 

ومن جهة ثالثة فإننا لا نرى هؤلاء المشككين يعترضون على العلاقات الحميمية التي يسرف فيها ملوك ورؤساء الدنيا والمشرعون والبرلمانيون بحجة أنها أمور شخصية وحساسة ، ولا ينبغي التدخل فيها ، وإلا عد ذلك انتهاكا لقانون الخصوصية (Privacy Act The) أو ما يسمى بالمعلومات الحساسة

‘Sensitive information’ is a sub-set of personal information and is given a higher level of protection under the NPPs  "National Privacy Principles in Australia ".

 

6.89 ‘Sensitive information’ is defined in the Privacy Act to mean information or an opinion about an individual’s: racial or ethnic origin; political opinions; membership of a political association; religious beliefs or affiliations; philosophical beliefs; membership of a professional or trade association; membership of a trade union; sexual preferences or practices; or criminal record..[114]

 

والسؤال الذي يثيره بعض المكذبين ، استنكارا منهم لنصيب الرجل من الحور العين ، فيسألون عن نصيب المرأة من الرجال في الجنة ؟ فيقولون أنه طالما أن الله تعالى قد نزع ما في قلوبهم من غل أو حسد ، فلا غضاضة إذن في أن يتعدد الرجال كما تتعدد النساء ، وقد رد العلماء على ذلك فقالوا " ولا أعلم عن أحد من أهل العلم قال: إن المرأة تزوج بعدة أزواج ، بل ظاهر القرآن أن ذلك لا يكون؛ لكونه نقصاً، والمرأة لا تقبل الشركة كما قال السيوطي، وقد أثنى الله تعالى على الحور العين بقوله: (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ) [الرحمن:56] ونساء الدنيا من أهل الجنة أولى منهن بكل منقبة وفضيلة "[115] .

 ونفصل القول في هذا المسألة فنقول وبالله التوفيق ، أن الثابت علميا أن الطبيعة التي خلقها الله تعالى في الرجال بخلاف النساء [116]، فالمرأة السوية لا تشتهي غير رجل واحد ، وبه يتحقق عندها الإشباع العاطفي ، حيث تبتغي السعادة معه عندما يشعرها بالعطف والرفق والأمان والإحساس بتحمل المسئولية عنها ، وهذا لن يتحقق متى تعدد الرجال ، لأن أسباب سعادتها لن تتجزأ –في هذا الفرض - فلا يتجزأ الإحساس بالعطف ولا بالأمان ، ولا بتحمل المسئولية عنها ، فلا يعقل أن تشعر بنصف أمان عند رجل وتستكمل النصف الآخر عند رجل آخر ، بل إنها لو شعرت بالآمان والطمأنينة عند رجل واحد لاكتفت به ، ولن تكون بحاجة للبحث عن رجل آخر ، والأمر جد مختلف بالنسبة للرجل السوي ، ذلك أن سعادته ليست كالمرأة أن يأخذ من غيره ، فقد أعطاه الله تعالى من الإمكانيات ما يجعله يفضل العطاء على الأخذ ، ولذلك تتعددت عطاءات الرجل ، أما المرأة فتقصر مصدر التلقي العاطفي والشعور بالأمان على رجل واحد.

 

لذلك قال تعالى " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ "{النساء/34}   ، الأمر الذي يحضه على السعي إلى التنوع ، بحثا عن المزيد في العطاء والتوسع في الدعوة والخير ، ويكمن سر سعادته في ذلك ، ولذلك فإنه حينما أجاز المولى سبحانه تعدد الزوجات في الدنيا فإنه شرع ما يتفق مع الجبلة التي خلقها فيهما ، أما المرأة فلن تسعد بتعدد الرجال ، وهذه السنة لن تتغير كذلك في الجنة ، حيث تظل طبيعة الرجل والمرأة كما هي ، المرأة مستقبلة والرجل مانح ومعطي ، وهكذا نفهم مفهوم السعادة الزوجية بينهما .

 

 بل ويؤكد القرآن أن طبيعة المرأة في الجنة لن تختلف عما كانت عليه في الدنيا حيث تكون لرجل واحد حتى لو كانت في الدنيا قد تزوجت من أكثر من رجل ، فيعيدها الله تعالى بكرا مرة أخرى لم يمسسها بشر غيره ، فيكون ذلك من أسباب سعادته في الجنة ، يقول سبحانه ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة/35-38) ، وعن أبي الدرداء عن النبي r قال "أيما إمرأة توفي عنها زوجها فتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها" [117] ، وعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ : (إِنْ سَرَّكِ أَنْ تَكُونِى زَوْجَتِى فِى الْجَنَّةِ فَلاَ تَزَوَّجِى بَعْدِى فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِى الْجَنَّةِ لآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِى الدُّنْيَا ، فَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِىِّ r أَنْ يَنْكِحْنَ بَعْدَهُ لأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِى الْجَنَّةِ) [118].

 

ويعلق شيخ الأزهر رحمه الله على ذلك قائلا : " قانون الآخرة ليس تمامًا كقانون الدُّنيا، فإن الغَرَض من نعيم الآخرة هو إمتاع المؤمنين الصالحين بكل ما تشتهيه الأنفس ، وبخاصة ما حُرِموا منه في الدنيا، والإمتاع معنى يقدِّره الله ويُكيِّفه حسب إرادته، فكما يجْعل مُتْعة الرجل في الحور العين، يجعل متعة المرأة بمعنى آخر؛ لأن مهمتها الدنيوية في الحمل لا لزوم لها في الجنة، وسيضع الله في قلبها القناعة بحيث لا تَغار من زوجات زوجها من الحور، كما جعل الحور أنفسهن قاصرات الطرف على من خُصِّصْنَ له من الرجال، لا يَمِلْن ولا يشتهين غير أزواجهن (وعِنْدِهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَاب) (ص/52) ، وقد منع الله عن أهل الجنة عامةً الغلَّ والحسد، والهمَّ والحزن، قال تعالى (ونَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) (سورة الحجر/47)، وقال على لسانهم (الحَمْدُ للهِ الذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغُفُورٌ شَكُورٌ* الذِي أَحَلَّنَا دَارَ المُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (سورة فاطر/34، 35) " [119] .

 

وأخيرا وليس بآخر فإن النبي r قال (إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ)[120] أي يقل عدد النساء عن الرجال في الجنة ، وهذا معناه أن كثير من الرجال سوف يفقد من يؤنسه في الجنة ، لو لم يخلق الله له زوجته من الحور العين ، ولذلك خلق الله لهم الحور العين ليأنسوا بهن .

 

وفي قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (21) حيث تتسع دائرة الأنس الاجتماعي في الجنة ، وذلك في مقابلة اتساع دوائر المسئولية الاجتماعية للمسلم في الدنيا ، يقول النبي r "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا .."[121] ، فكما التزم كل راع مسئوليته أمام الله تعالى في الدنيا ، ومتعه الله بصحبة أهله في طاعته ،  وجاهدهم علي ذلك , وأمرهم بالصلاة ، فإنه سبحانه يمتعه بالإنس بهم في الجنة ليسبحوا الله معا .

 

والمقصود من ذلك أن مراتب أهل الجنة تتفاوت فيما بينهم ، ولذلك فإنهم يرتقون إلى أبيهم في المرتبة متى كانوا أقل منه مرتبة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (إن الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل ثم قرأ : (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم ) يقول (وما نقصناهم) [122] ، وعن ابن عباس (إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه حتى يلحقهم فى درجته وإن كانوا دونه فى العمل لتقر بهم عينه) [123]

 وفي ذلك دلالة عظيمة على شفاعة الأرحام يوم القيامة ، متى قوية الوشائج بالتحاب في الله ، فالإسلام لا يهدم عرى النسب ليقيم عرى الدين ، ولا يقصر أحكام النسب على أمور الدنيا دون أن يكون لها مردود في الآخرة ، ولو كان أهل الجنة في النعيم دون أهلهم وذريتهم - وهم من أهل الإيمان كذلك لقلة درجتهم - لنغص ذلك العيش عليهم ، والجنة ليس فيها تنغيص في العيش ، ولذلك شاءت إرادة الله تعالى أن يلحق ذرية المؤمنين بهم متى كانوا على درجة أعلى من الإيمان .

 

ولكي يتحقق هذا الفضل لابد من الاتباع (وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ) شريطة أن يكون على الإيمان ، وهذا هو أصل البر في الإسلام ، فمن صور البر كما أشار حديث النبي r (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ) [124] ، فالآية تشير إلى شرط تحقق هذا الفضل ، بأن يحصل الاتباع من الأدنى مرتبة إلى الأعلى من جهة الإيمان ، أي أن الأكسل في الطاعة يتبع طريق الأنشط ، وذلك دون تكبر أو غطرسة ، فالأنشط يصلي أولا ثم يدل رفيقه على الخير فيتبعه ، كل بقدر استطاعته .

 

 ولا غضاضة في ذلك طالما كان الاتباع عن بصر وبصيرة ، لا عن إضلال وتضليل ،  يقول سبحانه (ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) {الصافات/68-70} ، ويقول r (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [125]، وفي رواية (لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ نَعَمْ)[126]  ، ويقول النبي r (مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [127]، فالمقصد أن الأصل في الإنسان أنه يولد على الفطرة ، فإذا اتبع بفطرته أهل الحق فيما يدينون به لله فلا مجال للذم طالما أنه نأى بتلك الفطرة عن إتباع الباطل ، فإن لم يتفقوا مع فطرته فلا اتباع.

 

وإنما شرع الاتباع لمنع الابتداع ، بمعنى أن الاتباع يقصد به تعلم الشرائع عمليا بحذافيرها دون إخلال أو زيادة ، أي بأخذ المناسك ممن تعلموها وأخذوها من العلماء وممن كان قبلهم عن مثلهم إلى من تعلموها من الصحابة وكأنهم يرون النبي r يؤديها كما شرعت وأنزلت عليه من الله تعالى عن طريق الوحي جبريل عليه السلام ، ولذلك يقول النبي r (صلوا كما رأيتموني أصلي) ، هذا هو الإتباع المحمود ، والمقصد منه الحفاظ على هذا الدين من أي زيادة أو نقص في العبادات والشرائع ، لأنها من ثوابته ، وما علينا إلا أن نتعلمها جيلا بعد جيل ، فيرث كل جيل العلم عمليا ممن سبقه دون تحريف أو تبديل .

 

وفي قوله سبحانه (..كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) (21) احتراز عن أن يكون المتبوع غير مؤمن ، فلا يغني الاتباع في غير الإيمان ، قال ابن عاشور " جملة معترضة فيها تعليل ، وفي هذا التعليل كنايتان : إحداهما أن أهل الكفر مقرونون بجزاء أعمالهم" [128]، حيث لا ينفع النسب في أن يلحق بأهله في الجنة ، فإن لم يكونوا على الإيمان فلا أثر للنسب في الآخرة ، ولذلك عاتب الله عز وجل نبيه نوح عليه السلام حينما أراد أن يستشفع لابنه ، قال سبحانه (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) {هود/45} ، فرد الله عليه معاتبا له (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) {هود 46} ، فالأنساب تتغير يوم القيامة فلا يوجد نسب أقوى من عرى الإيمان ، لتنهار سائر العرى والأنساب التي لا ترتبط فيما بينها بالإيمان بالله تعالى وحده .

 

 فإذا اقتصرت  الرابطة على النسب دون الإيمان ، هنا يقصر الإسلام أثر هذه العلاقة على أحكام الدنيا دون الآخرة ، فيوجب الصلة بينهما دون الموالاة ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله r فاستفتيت رسول الله r قلت إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال (نعم صلي أمك)[129].

 

وفي قوله تعالى (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (22) إشارة إلى حاجة أهل الجنة إلى مزيد من الفاكهة واللحم ، فيمدهم الله بما يفي حاجتهم ، وهذه الحاجة لا تنقص بمجرد الأكل ، فهم بحاجة للاستزادة والإمداد لتستمر اللذة ، ويستشعروا بفضل الله ونعمته ، والمعنى أنهم في حاجة إلى الزيادة كلما أكلوا من الفاكهة واللحم ، بخلاف أهل الدنيا فإن بطونهم تمتلئ بمجرد الأكل ، فالأكل في الدنيا للتغذي بينما في الآخرة للتلذذ وحسب ، يقول الشيخ ابن عثيمين "أمدهم الله تعالى، أي: أعطاهم عطاء مستمراً إلى الأمد وإلى الأبد" [130].

 

واختيار الفاكهة واللحم دون سائر الطعام إشارة إلى أنهما أزكى طعاما يأكله أهل الجنة ، فالفاكهة أفضل السكريات التي تمد بالطاقة والحيوية ، واللحم أفضل البروتينات التي تبني الأنسجة والعظام والعضلات ، وفيه كميات متناسبة ومتنوعة من الفيتامينات والأملاح والمعادن التي يحتاجها جسد الإنسان ، فلا يزال الإنسان في الجنة على طبيعته التي خلقها الله فيه يتلذذ بالأكل والشرب والمسكن الدافئ والفراش الناعم ويشتهي النساء ، ويحتاج للإمداد بالفاكهة واللحم ليقوى على الشغل بالتفكه وبذل الجهد والطاقة في التلذذ بما لذ وطاب ، وهذا هو بيت القصيد ، بينما الملائكة لا تأكل ولا تشرب ، وكلاهما يلهمان التسبيح والذكر كما يلهمان النفس .

 

وفي قوله تعالى (يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) (23) تصوير لحالة اللهو واللعب التي هي تسلية أهل الجنة ، فهم أثناء جلسة الطعام يتداولون فيما بينهم كؤوس الشراب والخمر ويتبادلونها ويتجاذبونها كناية عن التلذذ بالشراب ، وهي خمر اسما لكنها ليست كخمر الدنيا فلا تؤثر في العقل بالسلب ، ولا يترتب عليها لغو ولا لغط أو إثم أو فاحشة ، فلا هي تسكر العقل ولا تثقل الدماغ ، كل ما فيها أن أهل الجنة يتلذذون بشربها وحسب ، يقول سبحانه (وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ) ، أما خمر الدنيا فلا لذاذة فيها بل يشربها الشارب جرعة واحدة كي لا تمر على حلقه فتؤذيه ، يقول النبي r (من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة) [131].

 

وفي قوله تعالى (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ) (24) تصوير للخدمة التي يلقاها أهل الجنة ، فهم على هذا الحال من اللهو والمرح والتنازع والاجتماع ، إذ بهم يتلقون خدمة متميزة يقوم عليها غلمان في أحلى صورة وفي أبهى حلة ، وصفهم القرآن باللؤلؤ المكنون ، قال بن عاشور : (وليس هؤلاء الغلمان بمملوكين للمؤمنين ولكنهم مخلوقون لخدمتهم خلقهم الله لأجلهم في الجنة) ، وفي ذلك ما يغني أهل الجنة عن عناء التوالد والتكاثر بالبنين والبنات.

 

ووصف الغلمان باللؤلؤ المكنون  له دلالة على شدة الجمال والبهاء ، فلا يمل أهل الجنة منهم ، ويكونون محببين لقلب أهل الجنة فلا يسأمون منهم ، ومن عادة العرب أنهم كانوا يهتمون بخدمهم ويسمونهم أحسن الأسماء ، قيل لابن الكلبي: لمَ سمت العرب أبناءها بكلب وأوس وأسد وما شاكلها، وسمت عبيدها بيُسر وسعد ويُمن؟ فقال وأحسن: لأنها سمت أبناءها لأعدائها، وسمت عبيدها لأنفسها" [132] ، فالغالب على العرب تسمية أبنائهم بمكروه الأسماء ، وتسمية عبيدهم بمحبوب الأسماء [133] .

 

وكما هو معلوم أن اللؤلؤ المكنون لا يزال في صدفه لم تمسه الأيدي ولا تطرأ عليها الأغيار ، فوصف الغلمان به فيه دلالتان :-

الدلالة الأولى : ثبات سن هؤلاء الغلمان ، وهو الذي استنبطه الشيخ الشعراوي ، فقال (يظلون على حال الغلمان دون أن يطرأ عليهم كبر تماما مثل اللؤلؤ الذي يظل في صدفه ولا تطرأ عليه الأغيار ، ذلك لأن الله تعالى يجعل أهل الجنة في سن الشباب ، فيفوت الآباء التمتع بأولادهم وهم في سن الغلمان ، فيعوضهم الله تعالى عن ذلك غلمانا خلقوا من أجل ذلك) .

والدلالة الثانية تدل على خصوصية أهل الجنة بهم فلا يخدمون غيرهم ، وهذا الاختصاص يؤكد الولاء التام والملك لأهل الجنة ، ويترتب على ذلك أن تكون العلاقة بينهما أشبه بالاستعطاف والتراحم بما يغنيهم عن الأبناء ، وليست قائمة على الاستبداد والاستعباد ، لأن مكانتهم عندهم كاللؤلؤ الذي هو أغلى الجواهر الثمينة ، فإذا كان ذلك هو حال الغلمان الذين يطوفون على أهل الجنة بالأكواب والأباريق ، فما هو حال أهل الجنة أنفسهم؟

 

وفي قوله تعالى (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [134]* إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (25-28) يخبرنا الله تعالى بحال أهل الجنة وهم يقبلون على بعضهم البعض يتذاكرون ما مضى من أيام حياتهم في دار الدنيا ، فكم كانوا يجتمعون على كتاب الله تعالى ويَتذكَّرون نعمته ويُذكِّر بعضهم بعضا بحق الله تعالى ، فإنهم كذلك يجتمعون في الجنة ليقبل بعضهم على البعض ، ويسأل بعضهم بعضا ، ما الذي جاء بنا إلى هذا النعيم ؟ ما الذي فعلناه حتى ننال هذه المرتبة من الفضل والنعمة ؟ وهم في تساؤلهم هذا لا يستنبطون الإجابة من اجتهادات منفردة ، فكما أقبل بعضهم على بعض في الدنيا على العلم واستشار بعضهم بعضا في أمور دينيهم ودنياهم ، فإنهم كذلك يتفقون وهم في الجنة على رأي واحد ، (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ) ، فهذا هو السبب الأول لدخولهم الجنة ، فلم تلهههم أموالهم وأولادهم عن ذلك الله ، ولم يخوضوا مع الخائضين ، والسبب الثاني (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) أي أن الدعاء كان من أشد الأسباب لقبول الله لهم ، قال تعالى (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) (الفرقان 77).

قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ)(26) فالأصل أن يكون الرجل بين أهله معهم وفيهم آمنا مطمئنا ، بيد أنهم لم يكونوا كذلك إذ كان حالهم للإشفاق أقرب ، بل هو الإشفاق بعينه ، فالإشفاق حالة من ترقب وقوع مكروه ، يعيشها المرء بين أهله ، يخفيها عنهم وهم يلعبون معه ويأكلون ويشربون ، بل ويشاركهم الأكل والشرب واللعب ، ولكنه مشغول بأمر آخر يخفيه في نفسه ، مشفقون من ماذا ؟ مشفون من خشيته سبحانه ومن عذابه ومن الساعة ، يقول سبحانه (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء/28) ، ويقول عز وجل : (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء/49) ، ويقول تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) (المعارج/27) ، ويقول الحق سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ)(المؤمنون/57) ، وذلك كما كان رسول الله r يفعل ، ويقول (يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا)[135]

 

 قال ابن القيم : (الإشفاق هو دوام الحذر مقرونا بالترحم ، وهو ثلاث درجات :-

الأولى : إشفاق على النفس أن تجمع إلى العناد ، وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع ، وإشفاق على الخليقة لمعرفة معاذيرها .

الثانية : إشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق وعلى القلب أن يزاحمه عارض وعلى اليقين أن يداخله سبب .

الثالثة : إشفاق يصون سعيه عن العجب ويكف صاحبه عن مخاصمة الخلق ويحمل المريد على حفظ الجد)[136].

 

وهنا يتضح لنا سبب دخول أهل الجنة الجنة ، يقول النبي r (قال الله عز وجل : وعزتي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين إن هو أمنني في الدنيا اخفته يوم أجمع فيه عبادي وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي) [137] ، ولذلك يقول صاحب الظلال : ( يكشف القرآن سر وجودهم في هذا النعيم ، أنهم عاشوا على حذر من هذا اليوم ، عاشوا في خشية من لقاء ربهم ، عاشوا مشفقين من حسابه ، عاشوا كذلك وهم في أهلهم , حيث الأمان الخادع ، ولكنهم لم ينخدعوا ، وحيث المشغلة الملهية ، ولكنهم لم ينشغلوا) .

 

ف أهل الجنة فقد نجوا من عذاب السموم لأن خوفهم من الله لم يصدهم عن حب الله ولم ييئسهم من رحمة الله ، فهو خوف ليس فيه جزع ، و إنما هو خوف إشفاق ، فانتهوا عما حرمه الله وامتثلوا أمره .

 تماما مثل الطالب الذي لا يزال يجتهد طوال العام حتى نهايته ، يخاف الرسوب في الامتحان ، لكن خوفه لم يمنعه من دخول الامتحان والإمساك بورقة الأسئلة وتحرير الإجابة بإتقان ثم الانصراف مطمئنا خارج لجنة الامتحان ، وقد أوكل أمر إجابته لله تعالى ، لا يبالي بالنتيجة لأنه أرضى الله وأدى ما عليه من واجب .

 

قوله تعالى (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (27) فلو أنهم كانوا قد أمِنوا عذاب الله تعالى في الدنيا وارتكنوا إلى أعمالهم الصالحات لما دخلوا الجنة ، لكنهم لما خافوا أدلجوا واجتهدوا في السير وازدادوا من الطاعات، يقول النبي r (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة) [138] ، فكان خوفهم وإشفاقهم سبب نجاتهم وسبب نعمتهم التي يعيشون فيها برضا الله سبحانه ، فإنهم لما استشعروا الخوف اجتهدوا في جمع الحواجب من العذاب وأكثروا الطاعات .

 

كما أنهم لم يربطوا النتائج بأسبابها فيما يتعلق بالجزاء الأخروي لعلمهم أنه فضل ومنة من الله ، لا استحقاقا وعدلا ، فقد اجتهدوا في عبادة ربهم ، ورغم ذلك لم يؤملوا على أعمالهم أن تكون سببا لدخول الجنة ، كما كان ذلك هو شأن النبي r إذ قال (لنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَا وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ)[139] ، ولكن الله لما عاملهم بفضله ورحمته ، فجعل النتيجة المرتبطة بالسبب ، فجعل الجزاء من جنس العمل ، أي أن منَّ الله عليهم بالنعمة ونجاهم من عذاب النار

 

وسمي عذاب جهنم بعذاب السموم لشدة التصاقه بجسد أهل النار فيدخل في مسامهم فيذوقونه كما كانوا يذوقون – في الدنيا – ما حرم الله عليهم من النعيم ، كالخمر والنساء ..الخ .

قوله (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (28) حملهم الإشفاق على الاجتهاد في الدعاء والعبادة فلم تنقطع دعواتهم حتى انقطعت أنفاسهم ، يدعونه ليل نهار لا يفترون.... يا بر ...يا رحيم ... يقول النبي r (الدعاء هو العبادة (قال ربكم ادعوني أستجب لكم) [140] ، قدموا الخوف على الرجاء في العمل ، واستعانوا بالرجاء على الخوف في الدعاء لقبول العمل ، يدعونه بأسمائه الحسنى ، ومنها ( الْبَرُّ الرَّحِيمُ ) فتكون قلوبهم أثناء - الدعاء -للرجاء أقرب ،  قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) الأعراف .

قال ابن القيم " القلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر فالمحبة رأسه ، والخوف والرجاء جناحاه ، فمتى سلم الرأس والجناحان ، فالطير جيد الطيران ، ومتى قطع الرأس مات الطائر ، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر ، ولكن السلف استحبوا أن يقوى في الصحة جناح الخوف على جناح الرجاء ، وعند الخروج من الدنيا يقوى جناح الرجاء على جناج الخوف[141].

 

وهكذا تكون نعمة التذكر التي يمن الله بها على أهل الجنة سببا آخر لسعادتهم ، إذ يحملهم ذلك على المقارنة بين حالهم في الدنيا - من قبل - وحالهم –اليوم- في الجنة ، فقد كانوا يذكرون الله في الدنيا وهم يعيشون بين الفتن والأحداث والابتلاءات ، واليوم يسبحونه ويحمدونه في الجنة في صفاء بلا تنغيص ، يقول النبي r (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ..... يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس) [142] ، أضحوا  غير مبتلين فصارت عبادتهم بلا تكليف وليس فيها خوف ، انقلب خوفهم في الدنيا إلى أمن يوم القيامة ، بل إن العبادة ذاتها هي عين النعيم ، بل هي نفسهم الذي يلهمون ، أضحى إيمانهم بالغيب إيمان بالشهادة في الجنة ، ولولا أنهم يتذكرون ما كانوا عليه في الدنيا من الجهد والجهاد في العبادة لما استشعروا الفرق بين عبادة تحتاج لجهد ومجهود وسهر وسير وصبر وجهاد ، وعبادة هي نفسهم الذي يتنفسونه يلهمونه ولا يعيشون إلا به .    

 

المحور الثالث

تحدي القرآن للكافرين وإفحامه للطاغين

 

وقد اعتمد هذا المحور على أربعة أساليب

الأول : استظهار تخبط الكفار والمشككين في وصف الرسول وتقييم المنهج

الثاني : إعجاز الكفار والملحين

الثالث : محاصرة الكفار والمحدين فكريا

الرابع : تهديدهم بالصاعقة

 

الأسلوب أول

استظهار تخبط المشككين في وصفهم للرسول وتقييمهم للمنهج

 

قال تعالى ( فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ * أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) (29-32)

 

شرع أعداء الإسلام في مهاجمته عن طريق الطعن في شخص النبي r تارة والتشكيك مصداقيته لإبطال القول بأنه مرسل من الله بهذه الدعوة ، توطئة لهدم الدين كله ، وكذلك يفعلون مع كل داعي إلى الله تعالى متبعا لسنة النبي r ، تحاشيا أن يَصْدق في أعين الناس ، فيشرُف قدره ، ويتبوأ مكانة الصدارة والقدوة ، ويصير معلما للناس وهاديا ، فيضحى الناس متلقين عنه ومتبعيه ، أما وقد شوِّهت صورته وزيفت حقيقته بالتشكيك في شخصه ، فإنه يكون متهما ، فإما أن ينشغل بالدفاع عن نفسه بدلا من أن يدافع عن دعوته أو تكفي التهمة لتصرف الناس عنه ، فالناس لا يقتدون بمتهم ، وبتلك الطريقة يكيد أعداء الإسلام في صرف الدعاة عن الدعوة الإسلامية ، فتنجح خطتهم إذا ما وقع أهلها في تلك المصيدة وانشغلوا بالدفاع عن أنفسهم ، بدلا من الانشغال بالدعوة ذاتها ، ولذلك نزل الأمر من الله بقوله سبحانه (فَذَكِّرْ) أي امضي في دعوتك ولا تنشغل بما يقولون ، فكفى بالله تعالى مدافعا عنك (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ) ، وذلك مثل قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (95).

 

وقد توالت -في هذا المقطع- أربعة عشر سؤالا استنكاريا كالسيل غرضها التهكم ، هاجمت الملحدين وأصحاب العقائد الباطلة وإبطال زعمهم ، وإظهار زيف ما يرتكنون إليه من أسس واهية لتلك العقائد الباطلة  .

 

قال بعض اللغويين "إذا وجدت "أم" ولم يكن قبلها استفهام في اللفظ فهو متضمن في المعنى بقوة الكلام ، كقوله (أم خلقوا من غير شيء ؟أم هم الخالقون؟ )[143]، يعني هل خلقوا من غير شيء أم هل خلقوا أنفسهم ، ويقول أحد أساتذة اللغة العربية " أن من السياقات العجيبة في النظم القرآن ذلك السياق القائم على ردع الإنحراف العقدي في سورة الطور الذي كان محور البناء التركيبي فيه على حرف الاستفهام (أم) المكرر خمس عشرة مرة في أربع عشرة آية ، في أسلوب استفهامي متلاحق يهز النفس ويأخذ بمجامع الحس مستنكرا توهمات أصحاب الفكر المنحرف والعقيدة الباطلة من الكافرين الكارهين لمنهج الدين ، وتحليل الخطاب القرآني بلاغيا في هذا السياق بما يشتمل عليه من مفردات وتراكيب وأساليب بلاغية يسفر عن نتائج لطيفة تسهم في فهم خصائص النظم القرآني المعجز) [144].

 

ففي قوله (فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ)(29) شهادة من الله بنفي الكهانة والجنون عن نبيه r ، تكفيه طمأنينة أن ينشغل بالدعوة ، ولا يلتفت لما يقولوه المكذبون ، اختاروا الكهانة والجنون والشعر أوصافا يلحقونها به حتى يصرفوا الناس عنه فلا يستمعوا إليه .

 

اتهموه بالكهانة لأن الكاهن –في ظنهم-أكثر الناس علما بالغيب وليس ذلك هو حقيقة أمره ، والنبي محمد r كثيرا ما يحدثهم عن الغيب فينبئهم عن الآخرة والحساب والجنة والنار ، فاتهموه بهذه الفرية ، ليظن الناس أنه متصل بالجن وليس بالله عن طريق الوحي ، تلك هي أول محاولة منهم للتشكيك في الإسلام ، دون حاجة للتجريح في شخص النبي r أو إلهه ، وإنما يقطعون الصلة بينه وبين وحي السماء ، وهذه حيلة قد تلتبس على الأهواء الباطلة .

 

وأعداء الإسلام اليوم يحاولون قطع الصلة بين الدعاة إلى الله والفهم الصحيح للإسلام ، فيشنعون عليهم أنهم بأنهم جاءوا بفهم يخالف تعاليم الإسلام الصحيحة ، وبذلك يحاربون الإسلام من خلال قطع الصلة بين المنهج والفهم الصحيح للمنهج ، ليضحى الإسلام غريبا في بلده ، وتلك هي خطتهم أن يجعلوا الناس يستغربون أهل الدعوة ، ولا يألفونهم .

 

 يقول النبي r " بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ"[145] ، قيل أن " أصل الغربة البعد فكأنهم متباعدون في النسب وفي المواطن ، وسيعود كذلك بعدما غلبت الأهواء فيكون المسلم على ما كان عليه الصدر الأول غريبا بين الناس أي بعيدا بعقيدته وفهمه لكن قربه منهم في الوجود ، فطوبى للغرباء المتمسكين بالدين عند قلة المتدنيين" [146] ، وفي تفسير لمعنى الغرباء – السابق الإشارة إليه – " قِيلَ مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ" [147]، وفي رواية " الذين يصلحون إذا فسد الناس"[148].

 

وأما اتهامه بالمجنون فذلك لتجرؤه إعلاء كلمة الحق أمامهم ، ومحاربته لعاداتهم الجاهلية ، وتحديه لأسيادهم وسلطانهم ، وعدم اكتراثه لغضبهم ، فالمجنون هو الذي لا يبالي بما يسير عليه المجتمع من قواعد بل ويتحدى زعمائه وكبار رجالاته ، والنبي محمد r لم يبال بعاداتهم الجاهلية ، بل وتحداهم ، فلم يبالِ بكبار القوم حين ساوى بين العبد وسيده وبين الأعربي والأعجمي ، قال r : (يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[149]، وبذلك ألغي نظام الطبقية الاجتماعية التي كانت من أظهر أسس المجتمع الجاهلي ، وأهم مقوم من مقوماته ، ليهدم دستور دولة الكفر والمشركين القائم -آنذاك- على تقسيم المجتمع إلى أسياد وعبيد ، وغير ذلك من الأمور التي جعلت سفهاءهم يستعجبون قائلين (أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (ص/5)  .

 

وفي قوله (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) (30-31) تصعيد لحملة الاتهامات لما أيقنوا فشل الحملة الأولى ، فهم أنفسهم بعد أن اتهموه بالكهانة نفوها عنه ، وبعدما اتهموه بالجنون نفوا الجنون عنه ، فالمعاملة الرشيدة تبطل الافتراء الكاذب ، وذلك بشهادة أبي الوليد عتبة بن أبي معيط لما جاء لمحمد r وسمع ما قال ثم رجع إلى قريش فسألوه (ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي، إني والله قد سمعت قولاً ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة)[150]

 

ما يعني أنهم احتاروا في أمره ، فرموه أولا بالكهانة والسحر ، ثم بالجنون ، ثم بالشعر ، وكانت فرية اتهامه بالشعر لإبطال المنهج دون التعرض لشخصه بعدما أخفقوا أن ينالوا منه ، وهنا اتهموه بفرية الشعر لينئوا بالعامة عنه ، فالشاعر - عند العرب - أكثر الناس ثقافة ، ولا يلتف حوله غير المثقفين ، ومن ثم يعزف عنه العامة ، فعندما يتهمونه بالشعر يستميلوا العامة إليهم نائين بهم عن النبي r لأنهم كانوا أميين ، لكن العكس صحيح ، حيث ينجذب إليه أصحاب العقول منهم ، فاهتموا بما يقول ويبلغه عن ربه ، ومن ثم زاد أتباعه لما عجزوا عن مماراته ، حيث استمال هذا الدين أصحاب الأحلام ، ثم تبعهم العامة بعد ذلك .

 

وقد حاول شعراءهم النظر فيما قالوا عن محمد r بأنه شاعر ، فهم يعلمون أن الشاعر ينظم أبياتا من الشعر تحتوي حكما ومواعظ وتحكي قصصا وعبر ، وتعلم الناس أحكاما وقواعد ، وأحيانا تشجي أحزانا وأشواقا ...الخ ، لكن النبي r جاء بالقرآن الكريم يحتوي على ثقافة لم يألفوهم وحِكما لم يعرفوها ، وأحكاما قد استغربوها ، جاء بنظم يهجوهم ويهجو آلهتهم ، ولم يستطيعوا أن يجاروا القرآن الكريم في ذلك ، فكرهوا أن يفوقهم محمد r ويتميز عنهم .

 

فلما عجزوا عن مماراته في نظم القرآن ، حسدوه ، ولم يبقَ غير أن يتمنوا موته ، فظلوا يتربصون تلك اللحظة حتى تندثر ثقافته معه وينتهون من إزعاجه لهم ، قال ابن كثير قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: (إن قريشاً لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي r قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق وتربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة ، إنما هو كأحدهم، فأنزل اللّه تعالى ذلك من قولهم)[151].

 

وفي قوله تعالى (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ) (31) مبارزة كلامية بين النبي r وكفار قريش ، ردا على اقتراح عتبة بن أبي معيط الذي قوبل بالرفض من قريش بأن يقفوا من دعوة النبي r موقف الحياد التام ، تربصا لما سوف يحصل له مستقبلا ، فقال (يا معشر قريش أطيعوني .. ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ، قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم)[152]

 

قال القشيري "جاء في التفسير أَنّ جميعَهم ماتوا" [153]، يقول الشيخ سلمان العودة "في هذه الآية إعجاز؛ لأنه قال لهم: تربصوا، من هو الذي مات أولاً؟ أبو جهل والزعماء الذين قتلوا ببدر وسحبوا إلى القليب، والنبي r عاش وهاجر وانتشرت دعوته وعمت رسالته واتسعت أمته، واليوم هناك مليار وخمسمائة مليون إنسان كلهم يشهدون أنه رسول الله، فهذا من آيات الإعجاز"[154] ، وهكذا يخلي الله تعالى عن طريق الدعوة الصادين عن سبيله ، ليسهل اتصال النبي r بمن وراءهم ، ويبلغهم رسالة ربه .

 

وفي قوله (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) (32) استنكار لكثرة حملات التكذيب والتشويه ، رغم تباهيهم بالصدق في الوعد ، والتزام الكلمة ،ورجاحة العقل ، فذلك استفهام الاستنكاري بالأداة "أم" مخاطبا عقولهم أن تنتهي عن ذلك ، فلا طائل من وراء التكذيب غير إضاعة الوقت ، وهم يعلمون صدق النبي r ، أم أن الاستكبار والطغيان في الباطل هو سبب الاستمرار في تلك الحملات المضللة ، فيكفرون طغياناً بعد ظهور الحقِّ [155] .

فالاستفهام استنكاري لكن المقصود بالخطاب شخص النبي r لكي يميز بين أولي الأحلام منهم ، والمستكبرين ، وليحث أولي الألباب منهم أن يتقدموا قومهم في التصديق بنبوته وما يبلغه عن ربه ، فلا يمنعهم الطغيان في الباطل عن ذلك.

 

قيل لـعمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله بالعقل؟ يعني: بمثل هذه الآية: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا .. ، فقال: تلك عقول كادها الله ، يعني: لم يصحبها توفيق الله[156]، والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى آتاهم العقول، ولكنهم عطلوها عن التفكر في آيات الله التكوينية والتنزيلية للاهتداء إلى التوحيد [157]، قال تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا) [الأعراف:179] ، فخذلها الله عز وجل وحرمها من الهداية لما استكبرت عن معرفة الحق ، وطغت في التلذذ بمتاع الدنيا ، قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف:5] .  

 

وفي قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ) (33) بيان لحالة اليأس التي انتابت هؤلاء المكذبين ، فقد أعياهم التفكير في التخلص من النبي r ، لذلك جاءوا بفكرة أخرى للطعن في الدين ، فأشهروا القول باختلاقه القرآن وأنه ليس من عند الله وإنما هو من عند محمد فقالوا (تَقَوَّلَهُ) ، أي أنه كتاب مؤلف نتاج عقل بشري خاضع للتجربة ومعرض للخطأ والصواب ، ليبنوا على ذلك نتيجة أنه يمكن أن يؤخذ منه فلسفة أو حكمة ، لكن يجب أن يترك منه ما يتعارض مع مقومات المجتمع الجاهلي وعاداتهم الظالمة .

 ولذلك يستدرك الله عليهم (بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، فما منعهم من اتباع الحق غير أنهم طمسوا أعينهم وأغلقوا قلوبهم ليظلوا على الكفر ، يقول سبحانه (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ){العنكبوت/52} ، وذلك هو السبب الحقيقي لتلك الفرية ، أنهم لا يؤمنون ، فكأن كل من لا يؤمن بالله لابد وأن يفتري هذه الفرية على النبي r.

 

الأسلوب الثاني

 إعجاز الكافرين والملحدين

 

قال تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ *  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) (33-37)  

 

توجه الخطاب القرآن لتحدي الكافرين بأن يأتوا بمثل القرآن فعجزوا رغم محاولاتهم المتكررة ، إلا أنها جميعا باءت بالفشل ، وهي دعوة لا تزال قائمة حتى يوم القيامة ، فليتقدم لهذا التحدي من يقدر على ذلك .

 

كما توجه الخطاب القرآني إلى الملحدين من المكذبين ليحاجهم في خلق أنفسهم وخلق السماوات والأرض ، وتدبير حاجات الخلق وأرزاقهم ، لتلقينهم حجتهم ، وهو طريق غير مباشر للاستدلال ، وإرشادهم إلى الله ، نظير ذلك قول إبراهيم لقومه ، وهم يحققون معه - " قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ"قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ" -وهو يحاجهم في الله -  "قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ "{الأنبياء/62-67}.

 

وفي قوله (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (33) ، يدعوهم القرآن الكريم لأن يسبروا ويقسموا افتراءاتهم تلك ويتحداهم لأن يأتوا بمثله إن كانوا صادقين . 

 

 والتحدي مفتوح في كل المجالات ، سواء في النظم أو البلاغة أو الأحكام التشريعية أو القصص أو الأمثلة أو الإخبار بالغيب أو غير ذلك مما يستطيعون ، وقد ظل هذا التحدى قرونا من الزمن ولا يزال البشر عاجزين عن أن يأتي أحدهم بمثل هذا القرآن ، قال سبحانه  (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء/88)

 

وقد خفف عليهم المولى سبحانه هذا التحدى ليأتوا بعشر سور فحسب فعجزوا ، قال تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(هود/13-14) ،  كما تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فقال سبحانه (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (البقرة/23) ، فلما عجزوا عن الإتيان بشيء من ذلك ، واستمر عجزهم تلك القرون ، دل ذلك على أنه من عند الله وليس من كلام البشر .

 

فعجزهم عن أن يأتوا بمثل القرآن بين من وجهين :-

الأول أنه كلام الله وليس بكلام البشر ، فلا يضاهي بشري مخلوق بكلامه كلام الخالق ، فهذا محال .

والثاني أنه كله خير مطلق ، وغيره من كتب مهما تنوعت أفكارها وثرت مصادرها وانكب عليها الباحثون ، لابد أن يظهر فيها النقص ، فلا تصيب خيرا مطلقا ، وإنما يعتريها الشر مهما حملت من خير ، أو على أقل تقدير يكون فيها تعارضا كثيرا ، قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) .

حتى علماء الإسلام كلما نظروا في مؤلفاتهم العلمية عدلوا عليها كل مرة حتى وصلوا لمرحلة السآمة ، فتركوها بما فيها من نقص لعلمهم أن طاقة البشر لا تقدر على أكثر من ذلك ، وإلا خلصت أعمارهم على مؤلف واحد دون إدراك الكمال ، قَالَ الْمُزَنِيّ : قَرَأْت كِتَابَ الرِّسَالَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ثمَانِينَ مَرَّةً ، فَمَا مِنْ مَرَّةٍ إلَّا وَكَانَ يَقِفُ عَلَى خَطَأٍ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هِيهِ ، أَبَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابًا صَحِيحًا غَيْرَ كِتَابِهِ) [158] .

 

وقد ظن كثير من المشرعين الوضعيين والدارسين للعلوم الإنسانية ومنهم المعنيون بالمواثيق الدولية أن البشرية وصلت بما أبرمته من مواثيق واتفاقيات ومعاهدات دولية تضمن للإنسان حقوقه ، وأقرت دساتير  تضمن ممارسة الحقوق والحريات الإنسانية على قدم المساواة بين الجميع ، فإن البشرية بحاجة ملحة لدراسة هذه المواثيق أكثر من حاجتها لدراسة كتاب الله تعالى ، زعما منهم أنها ضاهت ما عند الله تعالى من أحكام .

 

وردا على هذه الشبهة نقول وبالله التوفيق ، أن القرآن الكريم هو معجزة الله تعالى في الأرض ، فيه المنهج الإلهي للبشرية كلها ، يقول سبحانه (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) {الجاثية/18}، ففي هذا المنهج ميزان للكون كله ، يقول سبحانه (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) {الحديد/25}.

 

ولقد تعددت محاولات العلماء في جمع أوجه الإعجاز في القرآن الكريم سواء من الناحية التشريعية أو التاريخية أو الاقتصادية أو النفسية والتربوية .....الخ ، ونجحوا في بعض ذلك لكنهم لم يحصروها ولن يحصروها ، ومن أظهر أوجه هذا الإعجاز ثلاثة أمور ذكرها الدكتور النابلسي ، وهي :-

أولا : حفظ القرآن وصيانته من أي باطل يتطرق إليه

ثانيا : سلطانه العجيب في هداية الإنسان وتأثيره على القلب والعقل

ثالثا : الشمول) [159] .

 

وهو ما فصله الشيخ الشعراوي في مقدمة كتابه معجزة القرآن فقال "للقرآن عطاء لكل جيل يختلف عن عطائه للجيل السابق ، ذلك أنه كتاب للعالمين ..أي الدنيا كلها ، ولا يقتصر على أمة بعينها ، وهو دين كامل لكل البشر ... ومعجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل ، فكل رسول كانت له معجزة وكتاب ومنهج ...  فمعجزة موسى العصا ومنهجه التوراه ، ومعجزة عيسى الطب ومنهجه الإنجيل ، لكن رسول الله r معجزته هي عين منهجه ، ليظل المنهج محروسا بالمعجزة ، وتظل المعجزة محروسة بالمنهج [160].

 

والنقطة الثانية أن القرآن نزل رحمة للعالمين .. أي يعالج كل مشاكل المجتمعات على اختلافها ..فلكل مجتمع داء معين يختص به.. فمنهم من كان لا يوفي الكيل والميزان ، ومنهم من كان يعبد الأصنام ، ومنهم من كان يفسد في الأرض ..الخ، لكن مع تقدم العلم أصبح العالم مجتمعا واحدا – نظرا لثورة الاتصالات – فأصبح ما يشكو منه بلد ما تشكو منه معظم البلدان الأخرى ، حيث استشري الداء ، فأصبح النظام المالي العالمي قائم علي الربا ..وأكل المال بالباطل وسرقة ثروات الشعوب ، فأقد استشرى الداء في العالم ، فكان لابد من وحدة العلاج ، ولذلك جاء القرآن الكريم رحمة للعالمين .

 

ونقطة أخرى أنه لا توجد قضية تمس حياة البشر إلا ويوجد في منهج الله ما يعالج هذه القضية ، بل قد تعرض القرآن لجميع قضايا الكون وأوجد لها العلاج  ، فالقرآن يضع المبدأ لكل شيء ،قال تعالى (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل 89)... فإن تركنا منهج الله في العمل ، لابد وأن يتركنا قانون الله في النتيجة "[161]

 

خلاصة القول أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال ، بل يستحيل ويمتنع أن نعرض لمعجزة القرآن دون أن نظل نشرح ونستقصي كل حكم من أحكامه وكل آية من آياته ، فكلما أبحرنا فيه كلما ازداد إعجابنا به وانبهارنا بمعجزته ، ومن هنا عجز البشر على أن يأتوا بآية واحدة منه تتضمن حكما مخترعا يضاهي أحكامه أو أفضل منها بعباراة أبلغ وأقل من عباراته وبأسلوب أكثر تأثيرا من أسلوبه ، فإن حاولوا فلا معنى أصابوا ولا نظما أبدعوا مقارنة بما في القرآن من ثراء في المعانى ، وجزالة في الأسلوب ، وقوة في التأثير .

 

في قوله (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) ، سؤال استنكاري آخر ، القصد منه توبيخ الملحدين توبيخا شديدا الذين يزعمون أنه لا إله في الكون  أو أن الطبيعة هي التي صنعت الكون ، أي أنها صنعت ذاتها وتتطورت بصورة تلقائية ، منكرين على الله تعالى قدرته على الإيجاد من العدم ، ويقولون أن شرط العلم أن يكون المعلوم قضية منطقية صحيحة مثبتة – كما يرى أفلاطون – ولما كان وجود الإله – في رأيهم – غير مثبت ، فإن التصديق بوجود إله ليس علما ، وإنما هو مجرد نمط من الإيمان الشخصي القائم على غير أدلة ، وما يقدم بلا دليل يمكن رفضه بلا دليل [162]، ومثلهم الدهريون الذين يقولون بقدم العالم وأن الحياة تنتهي بالموت ولا آخرة ، (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (الجاثية/24) .

 

والقرآن يجيبهم رغم أنهم لم يجيبوا على أنفسهم بعدما أنكروا علينا أن يكون الله هو الذي خلقهم ، بطريقة السبر والتقسيم آنفة الذكر ، فلا شيء آخر غير أنهم خلقوا أنفسهم ، فإذا لم يكن للإنسان خالق فمن الذي خلقه ؟ فإما أن يكونوا قد خُلقوا من غير شيء ، وإما أن يكونوا قد خَلقوا أنفسهم ، وباستبعاد الاحتمالين الأول والثاني يبقى الاحتمال الثالث الذي يقوله المسلمون بأن للكون إله واحد هو الله الذي لا إله إلا هو .

 

 يقول الشيخ محمد إسماعيل المقدم " هذا الأسلوب الذي احتج الله سبحانه وتعالى به على المشركين هو مما يسمى بالسبر والتقسيم عند الأصوليين [163]، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح، بعدما حصرنا كل الاحتمالات :-

الاحتمال الأول: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، يعني: بدون خالق أصلاً

 الاحتمال الثاني: أن يكونوا هم خلقوا أنفسهم أو خلقوا هذا العالم ، ولا شك أن هذين الاحتمالين باطلان قطعاً بالضرورة ، ولا يحتاج إلى إقامة دليل على بطلانهما

 الاحتمال الثالث: أن يكون قد خلقهم خالق غير أنفسهم، فهذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو أن الله جل وعلا هو خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا ، فبمجرد  استبعاد الاحتمالين الأول والثاني ، فإن الاحتمال الثالث يثبت وحده[164]، يقول النبي r (إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سعيد ثم ينفخ فيه الروح) [165].

 

ولو افترضنا جدلا أن للإنسان شأن في خلق نفسه ، فلماذا لا يختار الصفات التي يحبها؟ والشكل الذي يعجبه والطول الذي يتراءى له ......الخ ، لماذا يولد هذا قصير وذاك أجعد الشعر وهذه سمراء .. الخ ، بيد أن الكون لا يسير على هواه ، وإنما وفقا لتدبير إلهي قدره الله وقضاه ، وقد اكتشف العلم طرفا منه ، وهو علم الجينات الوراثية Genetics ، فهذا العلم يكشف عن قدرة الله تعالى في الخلق سبحانه .

 

 فعن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي r فقال يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال (هل لك من إبل) ،قال نعم قال (ما ألوانها) ، قال حمر قال ( هل فيها من أورق )[166] ، قال نعم قال ( فأنى ذلك) ، قال لعله نزعه عرق قال (فلعل ابنك هذا نزعة) [167] ، وهكذا نجد اعتراف الإسلام بهذا العلم وتأثير الجينات الوراثية للأصول على الصفات التي توجد في الفروع ، وهو ما يعني أن المسألة ليست باختياره ، وإنما ثمة تدبير إلهي يسير عليه الكون.

 

 فإذا كان الأمر كذلك ، فهل للطبيعة دخل في خلق الإنسان ؟ وما المقصود بالطبيعة حتى ننسب لها هذا الفضل؟ بمعنى آخر هل يمكن القول بأنهم خلقوا من العدم ؟ كأن تكون الطبيعة هي التي خلقتهم ؟ فإذا استطاعوا أن يتكهنوا بتلقائية التقاء نطفة الرجل مع بويضة الأنثى لتكوين الزيجوت الذي منه يتخلق الجنين ثم يصير طفلا ثم شابا ثم شيخا وكهلا ، فكيف يستطيعون التكهن بانتظام دقات قلبه التي لو أخطأت مرة لمات الإنسان ، وتلقائية التقاط أنفاسه وسرعة جهازه العصبي في الاستشعار والانفعال وقدرته على السمع والإبصار والتذوق وحاجته للنوم والراحة من التعب وعدم قدرته على مواصلة الأيام والساعات بدون نوم ... الخ ، فهو ليس بمسيطر على جسده ولا روحه ولا نفسه ، فمن المسيطر إذن ؟ هل يمكن أن ينسب هذا الفضل للطبيعة ؟ وما ماهية هذه الطبيعة ؟ إنهم ينسبون هذا الفضل لمجهول لا يدركون حتى ماهيته حتى لا ينسبوه لله القهار ، فالله هو الذي أظهر قدرته على هذا الجسد ، ولا شك أنه هو الذي خلقه وأوجده من عدم .

 

كذلك فإن اختلاف الناس في الأمزجة والأهواء عن آبائهم وأمهاتهم لدليل على أن الأهواء والأمزجة لا تسير على ذات النهج الذي تسير عليه سائر الصفات الوراثية ، فليس معنى أن أبي يحب الضحك والهزل كثيرا أن يكتسب ابنه منه هذه الصفة ، فيظل يضحك كثيرا مثل أبيه ، بل يحصل العكس فتجده يميل إلى الجد والحزم في كل الأمور ، فلماذا إذن لم تأت الطبيعة بابن مثل أبيه في الصفات المزاجية ؟  فإذا كانت السعادة والشقاء يكتسبهما الإنسان دون تأثير لحال أصوله وأجداده عليه ، فمن الذي أسعد هذا وأشقى ذاك ؟ لا شك أنه هو الله ، قال سبحانه (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) (النجم43).

 

كذلك فإن الطفرات الوراثية لهي دليل قاطع على أن الطبيعة لم تخلق شيئا ، إذ لو الأمور سارت على هذا النحو لما حصلت الطفرة الجينية ، فنجد – مثلا- من له ستة أصابع بدلا من خمس في يد أو رجله...وهكذا ، وآخر مفرط الطول وثالث قزما ..الخ ، إذن لماذا نجد طفرات Mutation في علم المورثات الجينية ؟ وبغير طفرة جينية نجد عدم اكتمال انقسام البوضية أحيانا انقساما كاملا فينتج ما يسمى بظاهرة ( التوأم الملتصق) .

  

 

أليست تلك الطفرات دليل على أن الجينات الوراثية قد تسير على نمط معتاد ، فتسير وفق إرادة مُسيِّرها ؟ أي أن الله تعالى يكسر القاعدة المعتادة في علم المورثات حتى لا يزعم أحد أن الطبيعة هي التي خلقت الإنسان ، فهناك صفات تظهر على نسق آخر غير علم الجينات المورثة ، فمن الذي جعل ذلك ؟ ومن الذي أوجدها ؟ لا شك أنه هو الله سبحانه.

 

بل قد يولد الإنسان سليما خاليا من أي عيب ، لكنه وأثناء سيره في الحياة يصاب بمرض سرطاني ، وكما هو معروف أن الأمراض السرطانية تنشأ من خلايا الجسد نفسه التي تصبح عدائية  Aggressive (وهو النمو والانقسام الخلوي غير المحدود ، ثم تقوم بعد ذلك بعملية الغزو Invasion للأنسجة المجاورة وتدميرها [168]، فهل الطبيعة كسرت القاعدة ؟ أم أنه هو الله سبحانه وتعالى هو الذي يبتلي الإنسان بالصحة والمرض ؟

 

وفي قوله (أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ) استمر القرآن في المناقشة الجدلية مع الملحدين ،فهاجمهم مرة أخرى بسؤال استنكاري ، فإذا زعم الملحد بأنه خُلق من غير شيء أو أنه نتاج الطبيعة أو أنه خلق نفسه ، فهل ذلك كذلك ينطبق على خلق السماوات والأرض ، أي هل خُلقت السماوات والأرض بغير شيء أم أن هذا المتعجرف قد خلقتهما ! لا شك أن السماء وما تحويه من طبقات وما بها من نجوم وكواكب وكذلك الأرض وما بها أنهار وبحار وجبال ومنخفضات ..الخ ، يعجز الإنسان أن ينسب الفضل لنفسه في خلقهما ، ولا يقدر كذلك أن يدعي أنها خلقت بذات الكيفية التي يدعي أن الإنسان خُلق بها ، إذ لا توالد ولا تناسل في خلق السماوات أو الأرض ، فمن إذن الذي خلقهما ؟ إنه هو الله ، فقد سئل أعرابي عن دليل وجود الله تعالى ، فأجاب ببديهية وتلقائية مطلقة : فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج أفلا يدل ذلك على صنع اللطيف الخبير .

 

فهناك بعض الكائنات البحرية عمياء تكيفت مع الظلام الدائم في أعماق المحيطات أو الكهوف المائية، حيث تلاشت عيونها أو أصبحت غير وظيفية، واعتمدت على حواس بديلة كالسمع، الشم، أو استشعار الاهتزازات.

     

من أبرزها سمكة الكهف المكسيكية، جراد البحر الأعمى، ودلافين الأنهار.

 

  

 

وهناك من سكان أعماق البحار السحيقة (أكثر من 1600 قدم) حيث يسود الظلام الدامس والضغط العالي، كائنات تكيفت مع الظلام ، مثل سمكة القرش المكشكشة، قنديل البحر الشبح، حبار مصاص الدماء .

 

 

وهكذا يعلمنا القرآن كيف نواجه الدعاوى الباطلة ، وألا نصدها صدا أو ننكرها تجاهلا عنها ، بل علينا أن نواجه الحجة بالحجة والبينة بالبينة والرأي بالرأي ، فقد حاور القرآن الظالمين والملحدين لينتصر عليهم بالحوار والمجادلة بالحسنى ، فهم يدعون أنهم أصحاب رأي وفكر ، والقرآن يعلمنا كيف نكون أصحاب رأي وفكر ، ويلقننا الحجج لينير لنا طريق الدعوة ، فيجعل أهل الحق مصابيح تنير الطريق للتائهين في الظلمات .

 

وفي قوله (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ) تبكيت لهم بعد أن عجزوا عن الإجابة على الأسئلة الأولى ، إذ لم يتجرؤا علي الإقرار بأن الله تعالى هو الذي خلقهم ، وأنه هو الذي أوجد الكون من عدم ، فلا شك أن توجيه السؤال لهم عمن سير هذا الكون ودبر خزائنه بكاف على أن يستنطقهم أنه هو الله ، فهم أعجز عن أن يبدبروا حالهم في تخزين ماء المطر ،وإنما يخزنه لهم الله ، قال تعالى (فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (الحجر22).

 

 إذ لا شك أن تسيير هذا الكون من تدبير الله ، فهو تدبير محكم لا يستقل عن خالقه ، فيد الله تعالى ظاهرة عليه قادرة مقتدرة ، ونحن نرى طرفا من هذا التدبير المحكم الذي فيه من الإعجاز ما فيه ، قال سبحانه : (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر/20-21)

 

 ولو أوكل للإنسان مهمة رزق نفسه أو غيره لبخل على نفسه وعلى غيره ، قال تعالى : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ) (الإسراء/100) ، في حين أن الله سبحانه لا يبخل أن يرزق المسلم والكافر في آن واحد .

 

ومن الطريف أن هذه الآيات لما سمعها أحد أولي الأحلام من المشركين فاق من غفلته وكانت سببا في إسلامه ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الْآيَةَ "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمْ الْمُسَيْطِرُونَ" قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ) [169] .

 

تأمل معني كيف تحول جبير بن مطعم من الكفر إلى الإسلام بمجرد سماع تلك الآيات تتلى أمامه ، ففقه معناها ، واستوعب أسلوب القرآن الهجومي في مخاطبته ، وقد صادفت الآيات قلبا تائها فأرشدته للحق ، فهو دون سائر كفار مكة انتدب ليحاور الرسول ويستعطفه ويناقشه في أسارى بدر ، ولا شك أن قريشا لن تختار غير أولي الحلم لديها كي يناقش الرسول r ، فلما اختير لهذه المهمة أجهزت تلك الآيات على ما في قلبه من شرك بضربة واحدة ، لينشرح صدره للإسلام ويخرج حظ الشيطان منه .

 

الأسلوب الثالث

محاصرة الكفار فكريا

 

قال تعالى (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ * أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ * أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ * أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (38-43)

 

بعد أن أعجز القرآن الكريم المشركين والكفار والملاحدة ، فلم يصمدوا أمام تحديه لهم ، وقد فشلت محاولاتهم أن يضاهوا القرآن بمثله ، أو ينسبوا لأنفسهم الفضل في خلق أنفسهم أو الكون وما حولهم ، أو يديروا العالم كما يزعمون ويدبروا أمورهم  ويسيطروا على مقاليد السماوات والأرض ، من سرعة الرياح وحركة الأرض ونزول المطر...الخ ، جاء الدور على المسلمين لمهاجمتهم ومحاصرتهم فكريا ، وقد أخفقوا في مهاجمة الإسلام فكريا .

 

 فلماذا لا نهاجمهم في معتقداتهم الباطلة ، لنبين لهم مواطن الضعف والخلل في عقائدهم الباطلة ، ومن ثم استرسلت في الاستفهام الاستنكاري ، مبينة أن عقائدهم الزائفة ودعواتهم الباطلة تفتقر لركائز أساسية ، تتمثل في ستة أمور يعرفها المتأمل والمتدبر لأحوالهم ، ألا وهي :- ( المصدر – والفهم – والتجرد – والصدق – وحسن النية – وأخيرا وليس بآخر التوحيد ) :-

أولا : المصدر ، فقد خلت الشرائع المفتراه على الله من سلطان يدل على صدقها ، فتعذر نسبتها إلى مصدر موثوق فيه ، بخلاف شريعة الإسلام التي جاء بها القرآن الكريم الذي أنزل على محمد r عن طريق الوحي جبريل ، أما هم فقد عجزوا عن أن يبينوا لنا كيفية اتصال شرائعهم بالوحي .

ثانيا : الفهم ، فقد بعدت شرائعهم وعقائدهم الباطلة عن تنزيه الله بحق ، بل نسبت له النقص من أوجه كثيرة

ثالثا : التجرد ، فلم يتجرد دعاة الباطل وأئمة الكفر من المصلحة والمنفعة المادية في دعوتهم لدينهم ، بل خلطوا دعوتهم بمكاسبهم ، فأكلوا أموال الناس بالباطل.

رابعا : الصدق والحقيقة ، فكل تشريع يكتبوه اليوم يبطلوه غدا ، وهكذا لا يستقرون على حال ، وهكذا كل منهج بشري وضعي يفتقر إلى الصدق وتحري الحق بصدق ، بل كثيرا ما ينتهون إلى حلول توفيقية لا تمت للحقيقة بصلة ، وهم أبعد الناس عن إصابة كبد الحقيقة والمصلحة  .

خامسا : حسن النية ، فقد عمدوا إلى الكيد أزمنة مديدة ضد المسلمين ، بل وضد بعضهم البعض ، لما وقع بينهم من البأس والعداوة والبغضاء ، ولم يعمدوا إلى إحقاق الحق ، بل تخابثوا لينكثوا عهودهم مع المسلمين كلما سنحت لهم الفرصة لذلك .

سادسا : التوحيد : وهذا هو أصل المسألة ، فلا دين أو شريعة تنادي بالتوحيد غير دين الإسلام .

 تفصيل ذلك على الوجه التالي :-    

 

 

 

 

أولا : الافتقار إلى المصدر

 

ففي قوله (أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) تحدى لهم أن يثبتوا مصدر عقائدهم الباطلة ، هل مصدرها السماء أم أن مصدرها الأرض ؟ لاشك أنهم سيكذبون وينفون أن مصدرها الأرض حتى يحتج بذلك عليهم ، فيقال إذن هي من اختراعكم أنفسهم ، فتكون مجرد خرافات وخزعبلات ، أما إن كان مصدرها السماء ، فالسؤال المطروح هنا ، كيف سمعتم عن الله ؟ ومن الذي نقل لكم من السماء ، فليثبت من يزعم منهم أنه سمع من الله دعواه ، فالله لم يرسل الرسل إلا بمعجزات ، فما معجزته التي تشير إلى اتصاله بوحي السماء ؟  قال سبحانه (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل/65) ، فهل لهم طاقة أو قدرة أن يفعلوا ذلك ، قال تعالى (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ)(الرحمن/33) ، إذن الاتصال بوحي السماء لا يتأتي بكثرة محاولات الاطلاع على الغيب ، وإنما يختار الله تعالى من عباده ورسله من يشاء وبذلك ، قال سبحانه ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ) (ال عمران/179).

 

ولكن محاولاتهم لاستراق السمع والتلصص على الغيب لا تكل أو تمل ، ويدعون معرفتهم الغيب عن طريق إتباعهم لطرق الشعوذة والسحر والكهانة ، يقول سبحانه (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام/121) ، وعن نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا ( فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا ) لِلَّذِي قَالَ (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ " [170]، ويترتب على محاولاتهم تلك أن يضل الناس باتباعهم ، حيث يخترعون عبادات شيطانية وطقوس وشعائر لم ينزل الله بها من سلطان ، فيتبعهم الناس في ذلك مظنة معرفة الطالع أي (الغيب) ، قال تعالى (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل/65).

 

ثانيا : الافتقار إلى الفهم والتصور الصحيح للآله

 

ففي قوله (أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ) بيان لفساد استدلالهم العقائدي ، حيث ينتهون إلى نتائج كارثية ، تؤدي إلى الانتقاص من حق الخالق ، والواجب عليهم هو تنزيهه عن كل نقص ، وليس أن ينسبوا النقص إليه ، فقد انزلقوا هذا المنزلق حينما نسبوا لله الولد ، بل ونسبوا له البنات في إدعاء أن الملائكة بنات الله ، وهم أنفسهم ينسبون لأنفسهم الولد ، ويحزنون إذا ما بشروا بأنثى ، ما يعني في تصورهم جواز أن ينسب لله النقص .

فالله خلق الملائكة ، وهذا صحيح ، وليس بالضرورة القول بأن الملائكة إناث أو أنها بنات الله ، فذلك فساد في الاستدلال ، وسوء فهم عن الله تعالى ، فالله تعالى منزه عن النقائص والعيوب ، وقد نفى عن نفسه أن يكون له ولد سبحانه ، فإنهم حين يدعون أن الملائكة بنات الله ، فإنهم يسئون الأدب مع الله تعالى ، لأنهم يشبهون الذات الإلهية بأنفسهم ، بأنه يأنس بالبنات ، تعالى الله عن ذلك ، فالله ربنا جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، لا يحوجه شيء ، (فهو متصف بجميع صفات الكمال والجلال ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى لا شبيه له في خلقه ولا شريك له في ملكه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[171] .

 

 يقول أهل العلم (نحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا نتجاوز القرآن والحديث وما تأوله السابقون الأولون تأولناه ، وما أمسكوا عنه أمسكنا عنه ، ونعلم أن الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة فكذلك له صفات حقيقة ، وليس كمثله شيء،  وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة ، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه ، ويمتنع الحدوث لامتناع العدم عليه ، فلا نمثل صفات الله بصفات الخلق كما أنا لا نمثل ذاته بذات الخلق ، ولا ننفي عنه ما وصف به نفسه ولا نعطل أسماءه الحسنى وصفاته العلى)[172] .

 

 فإذا علمنا نحن المسلمون قواعد الاستدلال الصحيح عن الله ، فكيف بهؤلاء المكذبين ينزلقون هذا المنزلق ، حيث استبان فساد استدلالهم ، والنقيصة في منهجهم والعيب عليهم ، وقد فتح لهم هذا الاستدلال العقيم بابا من التهكم  على الله تعالى – والعياذ بالله – فهذا ينسب له الولد، وذاك يجسد المولى سبحانه في صورة بشر ، أو صورة حيوان ويعبده ، وآخر يزعم أن إلهه قد صُلب لفداء البشرية ، ورابع يتهمه بالبخل أو التصلب في الرأي ،... وهكذا يتعامل هؤلاء الضالون مع آلهتهم وكأنها أنقص منهم ، وليس كما يتعامل المسلمون مع الله تعالى ، حيث ينزهونه عن النقائص والعيوب ، ولا يقدرون على وصفه إلا بما وصف به نفسه ، وبما يليق به سبحانه ، ولا ينسبون له اسما إلا بما ثبت بالأدلة عنه سبحانه أنه سمى به نفسه ، ولا يطلقون عليه وصفا إلا ما وصف به نفسه ، وقد أطلق الحسن على نفسه فقال ، (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف180) .

 

ثالثا : التجرد في الدعوة من المصالح المادية

 

ففي قوله (أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ) تأكيد على أن العمل الدعوي الإسلامي تطوعي ومجاني ، ولا ينبغي أن يكون غير ذلك ، في إشارة – بمفهوم المخالفة - إلى عدم تجرد أصحاب العقائد الكفرية عن المصالح المادية ، فهم لا يتحرجون أن ينالهم كسب مادي نظير تدينهم بعقيدتهم الباطلة حتى الاكتناز .

 وقد فضحهم القرآن فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة/34)

فلفظ (إن كثيرا) يفيد أن هذا يقع منهم على سبيل العادة والمغالبة ، وأن قليلا منهم لا يتكسب من دينه بالباطل ، قال القرطبي : (إنهم كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضا باسم الكنائس والبيع وغير ذلك مما يوهمونهم أن النفقة فيه من الشرع والتزلف إلى الله تعالى وهم خلال ذلك يحجبون تلك الأموال)[173].

 

أما الإسلام فهو يبطل كل مال يكسبه المسلم من تدينه بعقيدته والانطلاق بدعوته ، ولذلك فالإسلام لا يثقل كاهل المسلمين بمال يدفع لعلمائهم ورجال الدين ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا ، فَقُلْتُ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللّه r فَلَأَسْأَلَنَّهُ ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا) [174]

 وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ عَلَّمْتُ رَجُلًا الْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ فَرَدَدْتُهَا [175]

 قال ابن تيمية مأخذ العلماء في ( عدم جواز الاستئجار على هذا النفع : أن هذه الأعمال يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب بتعليم القرآن والحديث والفقه والإمامة والأذان ؛ لا يجوز أن يفعله كافر : ولا يفعله إلا مسلم ؛ بخلاف النفع الذي يفعله المسلم والكافر : كالبناء والخياطة والنسج ونحو ذلك ، وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله فإنه يبقى مستحقا بالعوض معمولا لأجله ، والعمل إذا عمل للعوض لم يبق عبادة ...)  [176].

 

 هذا وقد أفتى بعض العلماء المعاصرين بجواز أخذ أجرة على تحفيظ القرآن –استثناء وفي ظروف هجره- لما انشغل الناس بالعمل والحرفة عن تعليمه ، وذلك وفقا لضوابط معينة وفي حدود ضيقة ، حيث انشغل الناس بصناعاتهم وزراعاتهم ، فقلَّ من ينشغل بتعليم الناس القرآن والفقه وغير ذلك من أمور الدين ، قالوا أن الأجرة لا تكون نظير الحفظ ، وإنما نظير استقطاع الوقت فحسب ، لأنها عبادة غير مفروضة ، واستقطاع الوقت لها يشغل المرء عن الكسب ، ولذلك أجازوا تخصيص أجرة للمحفظ مقابل استقطاع وقت لهذا العمل ..

 

 وقد نقل الإمام ابن تيمية رأي من أجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، بالقياس على مثل من أجاز لولي اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف)[177] ، قال سبحانه " وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ " (النساء6) .

 

 وقد استدل الشيخ ابن باز على ذلك بما ثبت عن النبي r أن جماعة من الصحابة نزلوا ببعض العرب فلدغ سيدهم: يعني رئيسهم وأنهم عالجوه بكل شيء ولم ينفعه ذلك وطلبوا منهم أن يرقوه ، فتقدم أحد الصحابة فرقاه بفاتحة الكتاب فشفاه الله وعافاه، وكانوا قد اشترطوا عليهم قطيعاً من الغنم ، فأوفوا لهم بشرطهم، فتوقفوا عن قسمه بينهم حتى سألوا النبي r ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أحسنتم واضربوا لي معكم بسهم)) [178]، ولم ينكر عليهم ذلك وقال: (إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) [179] ، (فهذا من أدلة من رأى أنه لا بأس بأخذ الأجرة على التعليم كما جاز أخذها على الرقية)[180] .

 

 لكن يجاب على ذلك بأن البين من الحديث أنهم ليسوا من أهل البلد ، فلم يكن معهم حرفة يمتهنونها في غير عند قومهم ، فوجبت ضيافتهم ، فجاز لهم أن يحايلوا لأخذ حقهم في الضيافة بأخذ الأجرة على الرقية ، كقول موسى للخضر لما أبا القوم أن يضيفوهما وقد أقام جدارا في القرية " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا " (الكهف 77).

 

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا فَنَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ قَالَ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَشَفَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ يَنْفَعُ صَاحِبَكُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَشَفَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ يَشْفِي صَاحِبَنَا يَعْنِي رُقْيَةً فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ إِنِّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَأَبَيْتُمْ أَنْ تُضَيِّفُونَا مَا أَنَا بِرَاقٍ حَتَّى تَجْعَلُوا لِي جُعْلًا فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيعًا مِنْ الشَّاءِ فَأَتَاهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيَتْفِلُ حَتَّى بَرِئَ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَأَوْفَاهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُ عَلَيْهِ فَقَالُوا اقْتَسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ r فَنَسْتَأْمِرَهُ فَغَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ أَنَّهَا رُقْيَةٌ أَحْسَنْتُمْ وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ)[181].

 

 

رابعا : الافتقار في دعوتهم للصدق والشفافية

 

في قوله (أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) استنكار للكتب المحرفة والتي تنسب إلى الله زورا وبهتانا ، وكشف لتزييف مصدرها ، ذلك أنها محض افتراءات وكذب خالية من الصدق ، فكلما وقعوا في مشكلة ولم يجدوا في كتبهم المحرفة حلا لها ابتدعوا حلولا من عندهم وأصبغوا عليها الصبغة الدينية حتى تتحلى بالقداسة ، كما في قوله  (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة 79) .

 بل إن ما يثبتونه اليوم من أحكام ونصوص يبطلوه غدا عندما يرونه لا يصلح للتطبيق ، وذلك وفق أهواءهم ، فهم يعمدون إلى أحبارهم ورهبانهم ليكتبوا لهم ما يبدلونه من أحكام ، أو يضعونه من عند أنفسهم لينسبوه إلى الله تعالى ، وقد حملهم على ذلك التجارة بالدين ، فالمشرعون يبطلون اليوم ما أثبتوه البارحة ثم يعدون لإثباته غدا، ولا يسيرون على هدى ، وإنما تتحكم فيهم المصالح والأهواء ، وهو ما يسمى بشرعنة الباطل لأجل المال ، وهو ثمن زهيد من متاع الدنيا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)[182].

 

وكذلك هناك من يلبسون الحق بالباطل من أهل الكتاب ، وقد عاتبهم الله فقال (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة 42) ، وقال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (آل عمران 71) .

 

 وبالرغم مما كانوا يفعلون فإن النبي r لم يكذبهم بالجملة فيما يدعون ولم يصدقهم جملة ولا تفصيلا فيما يقولون، قال r (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول الله r (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل إلينا) الآية [183].

قال ابن حجر أي (إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه أو كذبا فتصدقوه فتقعوا في الحرج ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم فيما ورد شرعنا بموافقته) ، وقال أيضا (المراد بأهل الكتاب اليهود لكن الحكم عام فيتناول النصارى) [184] .

 

 وقد نهينا أن نسألهم عن شيء في دينهم سؤال المحتاج ، يقول ابن عباس رضي الله عنهما (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل على رسول الله r أحدث تقرؤونه محضا لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ؟ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم ؟ لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم) [185]  .  

 

خامسا : الافتقار لحسن النية في معاهداتهم وتعاملاتهم

 

 ففي قوله (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) إظهار للوجه الخبيث للعقائد الفاسدة التي تفتقر لأدنى حد لحسن النية ، وخلوها من السلام ، وهي في حقيقتها تبث روح الحقد والكيد للآخرين ، وبخاصة للمسلمين ، قال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (البقرة 105) ، (وذلك لأن قلوبهم امتلأت حقدا وحسد وسوء نية ، وأنفسهم لديها رغبتهم العارمة في التدمير والاستئصال) [186].

 

 أراد هؤلاء الكيد للإسلام وللمسلمين من جهتين ، من داخل الصف المسلم ومن خارجه ، فأما كيدهم داخل البلاد والأوطان فإنهم يستعينون عليه بأكابر المجرمين والمنافقين ، يقول سبحانه (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (الأنعام/123) ، وكلما كادوا ومكروا انقلب الكيد والمكر عليهم ، وليتهم يكتفون بتضييق الخناق على المسلمين أو النيل منهم فحسب ، ولكنهم يكيدون كيد إجرام ، فسياستهم انتقامية إقصائية واستئصالية ، يقول سبحانه (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال/30) ، لكن الله خير الماكرين .

 

أما كيدهم الذي يكيدونه من الخارج ، فإن الله تعالى يرد عليهم بالمثل ، يقول سبحانه (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا ) (الطارق/15-16) ، فالله سبحانه يكيد كما يكيدون(وَأَكِيدُ كَيْدًا)  ويستعمل جنوده المخلصين لهذا الكيد ، فالمعركة بين الفريقين لابد وأن تتعدى مرحلة التشويه الإعلامي والافتراءات والاتهامات الباطلة والتضليل العقائدي إلى مرحلة القتال العسكري بين فريق آمن بالله تعالى وأراد نشر رسالة الإسلام والسلام في الأرض ، وفريق كفر بالله تعالى وتعدى حدوده وكاد لقتل المسلمين واستئصالهم ونفيهم وإبعادهم ، والفيصل هو عامل الوقت (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق/17) ، حيث ينقلب الكيد عليهم بإذن الله تعالى (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) ، ذلك أن الله تعالى لن يترك الظالم وكيده ، ولا عباده المؤمنين إلا في حفظه ورعايته ، قال سبحانه (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ){الحج/38}.

 

سادسا : خلو دعواتهم من التوحيد الذي هو أصل الاعتقاد في الله وبه شهد الكون كله

 

 في قوله تعالى (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) الرد القاصم لما يدعونه من عقائد كفرية ، ذلك أن المتأمل فيها يجدها تشترك في أمر واحد ، ألا وهو أنها تفتقر جميعها إلى التوحيد الخالص لله تعالى ، والشرك ظاهر فيها  ، وهو أخر ما وصف الله به عبادتهم الكفرية ، وهو وصف يقضي على جميع أسلحتهم المعنوية ، فعلام يتبعهم المرء وقد علم أنهم يتعددون في عبادتهم لآلهة غير الله سبحانه .

 

فحين تسأل بعض النصارى – علي سبيل المثال - عن إلههم يقولون ثلاثة في واحد ، فماذا يعني ذلك ؟ فإذا قلت لهم أنتم تعبدون ثلاثة آلهة ( الأب – الابن – الروح القدس ) قالوا لك لا إن هذا هو الثالوث الإلهي وهو واحد ، أي أن (الثلاثة واحد والواحد ثلاثة) [187]، انظر كيف برروا عقيدتهم بفلسفة غير منطقية ! لا شك أن الواحد واحد والثلاثة ثلاثة ،وليس هناك أي منطق أو عقل يستطيع فهم أن الثلاثة واحد وأن الواحد مكون من ثلاثة ، وأن موت عيسى ابن مريم – كما زعموا -(يسوع في عقيدتهم) بالصلب لم ينقص الثالوث المقدس شيئا من قدسيته ، وأن الإله لا يزال إلها لم يمت بالرغم من صلب جزء منه (الابن) .!!

 

 ولو تركت النصارى لتفتش في عقائد اليهود لوجدتها أكثر تجرأ على الله تعالى وشركا ، ولو تركتهم لتفتش في عقائد البوذيون والهندوس ..... وغيرهم لوجدت الضلال والعجب العجاب ، ولن تجد توحيدا خالصا صافيا من كل شائبة إلا في الإسلام وحده ، يقول سبحانه (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، حقا عرف الباطل بما يعلنه أهل الباطل ، وعرف الحق من خلال دعوة أهله لعبادة الله وحده سبحانه لا شريك له ، قال سبحانه " وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ "{الأنبياء/25}  ، فإشراكهم في العبادة لغير الله تعالى هو أظهر صور غيهم وطغيانهم وضلالهم في الدين ، والله غني عن عبادتهم التي يشركون بها غير الله سبحانه .

 

الأسلوب الرابع

(التهديد بالصاعقة)

 

قال تعالى : (وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ * فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (44-47)

 

انتهى القرآن من محاورة هؤلاء الكفار بالعقل والحجة والمنطق والبراهين ، فلما لم يصل معهم إلى طريق آمن من العذاب تغير الحوار القرآني ليتهددهم تهديدا أخيرا ، فلو كان النقاش العقلي له جولات وصولات فإن التهديد بالعذاب ليس له إلا جولة واحدة ، جولة واحدة من التهديد وبعدها يقع العذاب ويصبح واقعا كالصاعقة .

 

ففي قوله ( وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) بيان لحالة الاستخفاف التي ابتلي بها الكافرون ، حيث  وصلوا من العمه والتيه وموت القلب إلى أن تصوروا هذا التهديد ليس واقع بهم ، وكأنهم متحصنين منه استخفافا به ، وقد تحدوا النبي r أن ينزل عليهم العذاب ، قال تعالى (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى ...الآية إلى قوله تعالى (....أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً) {الإسراء/92} ، قال أبو حيان الأندلسي (كانت قريش قد اقترحت على رسول الله r ، فيما اقترحت من قولهم : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً ، فأخبر تعالى أنهم لو رأوا ذلك عياناً ، حسب اقتراحهم ، لبلغ بهم عتوهم وجهلهم أن يغالطوا أنفسهم فيما عاينوه ، وقالوا : هو سحاب مركوم ، تراكم بعضه على بعض ممطرنا ، وليس بكسف ساقط للعذاب) [188]

 

  ومثلهم مثل  قوم عاد جاءت ريح لتهلكهم فماذا قالوا ؟ (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الأحقاف/24-25) وهكذا يتعامل هؤلاء المجرمون مع آيات الله تعالى التي تتهددهم بأسلوب الاستخفاف والاستهزاء حتى آخر لحظة ينعمون فيها بالإمهال ، فهذا من الكيد الذي يكيده الله تعالى بهؤلاء المجرمين ، حيث يرسل آيات من الطبيعة تعذبهم ، ويظل المسلمين بريئون مما يحصل لهؤلاء من عذاب أوقعه الله بهم ، فحين يرسل الله ريحا لتقتل الآلاف منهم أو طوفانا يدمر آلاف المنازل والمنشآت فإنه يريد أن يفعل ذلك دون أن يورط المسلمين في مسألة انتصار الإسلام بالسيف وحسب ، بل إن إرادة الله غالبة ، فيسخر جميع الأسباب لينصر المسلمين ، وهكذا فعل الله سبحانه مع نبيه محمد r في غزوة الأحزاب حين تجمع الكفار ليستأصلوا شأفة المسلمين لكن الله نجاهم بالريح ، - وليس معنى ذلك أن الجهاد ليس بماضي إلى يوم القيامة بل هو ماضي لكن النصر جاء هنا بجنود لم يروها أي بطريق الكيد - ولا يزال أهل الإسلام مكيد بهم من هؤلاء المجرمين ، لكن كلما حاول المجرمون استئصال المسلمين من الوجود وكتم أنفاسهم كلما كانت الشراك التي ينصبونها أقرب لأن يقعوا هم فيها ، وينجي الله تعالى المسلمين من مكائدهم (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)  .

 

وفي قوله تعالى (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)  أمر من الله تعالى يحدد الموقف السياسي للجماعة المؤمنة تجاه هؤلاء المكذبين ، فحين يعلم المسلمون من الكافرين أنهم وصلوا لمرحلة من العناد أقرب إلى استعجال العذاب من استرجاء الرحمة من الله سبحانه ، فإنهم وهم على هذا الحال يتعين عليهم أن يواجهونهم بالسلبية التي هي أفضل وسيلة لجهادهم حينئذ .

 

فقوله سبحانه (فَذَرْهُم) مقصود به تركيز الدعاة إلى الله تعالى على ما هو أولى بحيث لا تتشتت طاقته ولا تتبدد إمكانياته ، فقد أخذوا حظهم من الجهد الدعوي حتى استنفذوا وسائل الإقناع العقلي والنقاش المنطقي ، بل والتشديد في الخطاب كما هو جلي في هذه السورة ، وكذلك التهديد بالعذاب الكوني ، فلم يعتبروا  ولم يتعظوا وظلوا حتى آخر لحظة من العناد والشرك ، عندئذ وعندئذ وحسب يصعقون من هول المفاجأة وهم لا يزالون يتربصون بالمؤمنين ريب المنون  ، كما في قوله (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف43)

 

قال المفسرون في لفظ (يُصْعَقُونَ) ( مثلما صعقوا يوم بدر لما قتل سادتهم وزعماءهم ) [189]، وكذا بالموت يصعقون حيث تأتيهم المنية ولم ينتبهوا لها [190] ، ثم تأتيهم الساعة فيصعقون مرة أخرى ، وتغشاهم القيامة يوم لا ينفعهم فيه مال ولا بنون .

فهؤلاء لم يعتبروا بنداء أهل الحق لهم لينجوا من عذاب الله تعالى ، وظلوا على حالهم من العناد والكفر ، وقد استبان للمسلمين إصرارهم على الكفر وعنادهم مع الله ، فكان توجيه الجهد الدعوي لغيرهم أولى بما فيه ترشيد للطاقات ، فهو توجيه قرآني بالانصراف عنهم وتركهم وشأنهم على ما هم فيه من العناد حتى يصعقوا من هول المفاجأة التي كانوا لا يحتسبونها .

 

فحال هؤلاء المستهزئين كحال ابن نبي الله نوح عليه السلام ، قال سبحانه (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ) (هود/42-43)

 

وفي قوله تعالى (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) مثل قول نوح لابنه (قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (هود/42-43)

 

هنا يستبين فشل كيد الكافرين في تحقيق نتيجة مرجوة ، لمنع انتصار الإسلام والمسلمين ، فقد خابوا وخسروا  ، وأحسوا بالحسرة عندما حاق بهم عذاب الله الذي عجله لهم قبل عذاب الآخرة ، وذلك تعليل لقوله (فَذَرْهُمْ) ، فالذي يمضي في طريق الدعوة إلى الله تعالى لا ينشغل بكيدهم ، لأنهم يعلم يقينا أنه لا يغنيهم شيئا ، فسوف يأتي اليوم الذي فيه يصعقون ولا ينتصرون ، فالله تعالى ينصر عباده المؤمنين ، ويرسل على هؤلاء عذابه الكوني ، فيستأصلهم بعد أن استخفوا بتهديد الله لهم ، وقد أعيوا المسلمين جدالا ومخاصمة ، أعماهم الطغيان ، فارتد كيدهم عليهم ، ووقعوا فيما نصبوه من شراك .  

 

وفي قوله تعالى (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) تأكيد على مضي سنة الله فيهم ، وليتهم يعلمون ما ينتظرهم من العذاب ، قال الطبري "تأويل الكلام: وإن للذين كفروا بالله عذابا من الله دون يوم القيامة"[191] ، ونظير ذلك قوله تعالى(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ) [السجدة:21] ، فالعذاب المستعجل في الدنيا لرد كيدهم ، أما العذاب الأكبر فهو عذاب يوم القيامة ، فهو المستحق ، وذلك عقاب على أفعالهم .


خاتمة سورة الطور

(وصايا للنبي r )

 

قوله  (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) (48-49) حيث تختتم السورة بتوجيه وصية تربوية للنبي محمد r ومن اتبعه من المؤمنين ، حيث يأمرهم الله تعالى بالصبر وهم في حال الجهاد السلبي مع الكافرين بعد استنفاذ مراحل جهاد الكلمة والموعظة الحسنة ، ليتركهم على حال العناد ضده ، فكان لابد من الصبر لحكم الله تعالى على هذا البلاء ، قال المفسرون أي (فيما حَمَّلك من الرسالة، وعلى ما يلحقك من أذى قومك) [192] .

 

قال الشيخ ابن عثيمين الصبر علي الحكم (يشمل الحكم الكوني، والحكم الشرعي، يعني اصبر لما حكم به ربك –شرعا- من وجوب إبلاغ الرسالة ، وإن أصابك ما يصيبك ، واصبر لحكم ربك القدري الكوني، وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء من السخرية) [193].

 

وقد حكم الله بإهلاك هؤلاء المعاندين المتكبرين ، وهم كانوا أهل النبي r وقومه ، أي أهل الرجل وقومه وعشيرته ومن ألفهم وألفوه ، لكن رابطة النسب لن تنفعهم عندئذ ، قال سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) ، وتلك إذن المفارقة بين أهل الحق وغيرهم من أهل الشرك والعناد ولو كانوا ذويهم وأقاربهم ، وهي مفارقة يجب أن تكون في ذهن المؤمن يستحضرها دائما ، فقد يأتي اليوم الذي يخاصم فيه أهله وعشيرته إذا ظلوا علي الكفر ، ويذرهم وما يعبدون من دون الله تعالى ، ويعاديهم طالما أعرضوا عن قضية الإيمان بالكلية ووقفوا أمامها يكيدون ويحاربون ويخاصمون .

 

قوله  (فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) تعبير مجازي يؤكد المولى سبحانه به ولايته لنبيه وللمؤمنين وعنايته بهم ورعايته لهم وحفظه إياهم من أي سوء يتعرضون له أو كيد يُكاد بهم ، فقوله (بِأَعْيُنِنَا) أي بحفظنا ورعايتنا مثلما كان الحكم في شأن سفينة نبي الله نوح عليه السلام ، قال تعالى (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) (القمر/13-14) .

 

قال ابن عاشور (الباء للإلصاق المجازي، أي لا نغفل عنك ، وذكر العين تمثيل لشدة الملاحظة ، وهذا التمثيل كناية عن لازم الملاحظة من نصر والجزاء والحفظ)[194].

يقول النبي r (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه) [195]

 فهي مراحل ثلاث حتى تحصل الولاية :-

المرحلة الأولى : (الصبر) ، وتسمى كذلك بمرحلة (القربى) ، فتنقسم لقسمين متلازمين

الأول : الصبر على أداء التكاليف الشرعية ،ومنها البلاغ ، وتسمى- كذلك - بمرحلة القربى من الله : وتكون بالفرائض ، فليس أحب إلى الله من إتيان الفرائض على تمامها .

الثاني : الصبر علي حكم الله الكوني بعد حصول الابتلاءات ،وهو صبر جميل ، وكأن شيئا لم يحصل ، ويتلخص بكلمة (ذرهم) أو (أعرض عنهم)

المرحلة الثانية (المحبة) : وتكون بالإكثار من النوافل، لاسيما الذكر والتسبيح ، فتكون طاعة الله محببة للقلب ، ينشط الجسد لها ولا يثقل .

المرحلة الثالثة (الولاية) :وتأتي بعد تحقق المحبة: وتكون بإتيان النوافل كلها بتمامها دون تقصير ، وعندئذ تحصل الولاية من الله والإعانة والحفظ .

 

قوله  (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) هنا وحين يهلك الظالمون فقد بدا وظهر نصر الله للمسلمين ، تكون اللحظة الحاسمة التي لو اغتر فيها المسلمون بالنصر لفشلوا ، أي  لتنازعوا علي الغنائم ولتنافسوا علي الدنيا فيفشلون كما فشل هؤلاء المجرمون ، (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال 46).

 

ولو أنهم انشغلوا بحق الله ، وفضلوا الآخرة على الدنيا وظلوا على حالهم من العبادة والاجتهاد في الطاعة ذاكرين الله تعالى على كل حال ومسبحين فقد حصلوا شرائط التمكين ، ولذلك وصاهم الله تعالى فور رجحان كفتهم على كفة الكافرين بالتسبيح ، يقول سبحانه (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ..الآيات حتى قوله تعالى (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ){النصر/1-3}.

 

وارتباط التسبيح بالاستيقاظ من النوم لفائدة ، يقول النبي r (من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال رب اغفر لي استجيب له فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته ) [196] ، قال ابن حجر تعليقا على هذا الحديث (القبول في هذا الموطن أرجى منه في غيره) .

 

والإشارة هنا إلى التسبيح وردت بمناسبة ذكر حال القيام من النوم لأداء صلاة القيام ، وهي إشارة كذلك إلى ندب التسبيح طوال الليل في الركوع والسجود حتى آخره أي الثلث الأخير منه ، فهو الوقت الذي تدبر فيه النجوم لظهور ضوء الفجر حتى طلوع الشمس ، فأفضل أوقات التسبيح بالليل عندما تشتد ظلمته إلى حال إدبار النجوم بالكلية ، أي في حال الثلث الأخير من الليل إلى ما بعد طلوع الشمس ، يقول النبي r (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له) [197] .

 

وترجع أهمية تخصيص هذا الوقت للعبادة أن المسلم ينشغل نهاره بالكسب وطلب الرزق وكذا أعمال الدعوة حتى أول الليل ، فإذا جنح الليل فإنه يحتاج لبرنامج تربوي يستعين به على مشاق النهار ومصاعبه ، والليل أشد وطأ وأقوم قيلا ، ولذلك ناسب أن يصلي قيام الليل ولا سيما بعد إدبار النجوم بعدما استراح جسده بالنوم أول الليل حيث يستعيد نشاطه ويحصل له الاستشفاء الكامل ، وقبل أن يبدأ يوم جديد ، ثم يستهل يومه بصلاة الفجر ، فيزداد من ولاية الله له وقربا منه ، فصلاة الفجر أحب شيء لله يتقرب بها العبد إليه ثم ينشغل بالذكر وتزكية النفس حتى وقت الضحى ، حيث تغيب النجوم بالكلية ، قال العلماء (إِدْبَارَ النُّجُومِ - وَقْتَ مَغِيبِها فِي الصَّبَاحِ[198]، أي بعد طلوع الفجر)[199]. .. ويظل هكذا على هذا الحال لليوم التالي.

 

وتلك كانت سنة النبي r فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا)[200] .

وعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ)[201].

 

 

 

[1] ) راجع ترتيب السور ما نقله السيوطي في الإتقان ج1ص43 - والزركشي في البرهان في علوم القرآن ج1/193-194 - ، – ترتيب سور القرآن الكريم – دراسة تحليلية لأقوال العلماء – د طه عابدين طه : استاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين جامعة أم القرى بمكة المكرمة – بحث منشور بمجلة البحوث والدراسات القرآنية العدد التاسع السنة 65

وما حققه الشيخ محمد صالح المنجد في الإسلام سؤال وجواب على الرابط الالكتروني : https://islamqa.info/ar/221099

[2] )دلائل النبوة للبيهقي ج2 ص 230 رقم 640 - السيرة النبوية لابن هشام ج2 ص 264 – سيرة ابن كثير ج2 ص 146

[3] ) ابن عبد البر : الاستيعاب في معرفة الأصحاب ج1 ص69

[4] ) دلائل النبوة للبيهقي ج5ص250 رقم 1937

[5] ) سير أعلام النبلاء

[6] ) رواه البخاري ج12 ص 415 رقم 3720

[7] ) رواه البخاري ج15 ص 95 رقم 4476

[8] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج28 ص 287

[9] ) ابن حجر في فتح الباري ج2 ص 248

[10] ) في ظلال القرآن ج7 ص 48

[11] ) رواه البخاري ج14 ص 252 رقم 4311

[12] ) محمد الفضيل الشبيهي : الفجر الساطع ج5 ص 111

[13] ) رواه البخاري ج10 ص 484 رقم 2968

[14] ) الزمخشري وغيره من أهل اللغة ، الكشاف ج6 ص428

[15] ) رواه أحمد ج48 ص 192 رقم 22573 السلسلة الصحيحة ج7 ص 135 رقم 2934

[16] ) رواه الترمذي ج8 ص 190 رقم 2166

[17] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج27 ص 53

[18] ) مسند أحمد بن حنبل ج1ص 271 رقم 2447 الجامع الصغير وزيادته ج1 ص 951 رقم 9505

[19] ) رواه الترمذي ج 12 ص 469 رقم 3889 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 254 رقم 3099

[20] ) المستدرك على الصحيحين للحاكم مع تعليق الذهبي في التلخيص ج2 ص 249 رقم 2901

[21] ) البيهقي : شعب الإيمان ج1 ص 195 رقم 171

[22] ) البيهقي : شعب الإيمان ج1 ص 195 رقم 171

[23] ) رواه البخاري ج15 ص385 رقم 4603

وانظر البيهقي : دلائل النبوة ج8 ص233 رقم 3076

[24] ) رواه البخاري ج 15 ص 386 رقم 4604

[25] ) جلال الدين السيوطي : جامع الأحاديث ج25 ص 353 رقم 28149

علاء الدين المتقي : كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج2 ص 574 رقم 4756

[26] ) العلامة جلال السيوطي الإتقان في علوم القرآن – باب جمعه وترتيبه – المسألة النوع الخامس عشر –ص 162.

[27] ) ابن حجر : فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج9 ص 15

[28] ) رواه البخاري ج 3 ص 1291 رقم 3315

[29] ) رواه البخاري ج 15 ص 386 رقم 4604

[30] ) السيوطي في الإتقان ج1 ص 166

[31] ) الدكتور محمد مناع مباحث في علوم القرآن ص 161 – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

[32] ) الدكتور محمد مناع مباحث في علوم القرآن ص 161 – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

[33] ) الدكتور محمد مناع مباحث في علوم القرآن ص 179 – مكتبة المعارف للنشر والتوزيع بالرياض

[34] ) المنشور: المبسوط غير المطوي ، منشور : مبسوط مفتوح ، ومنه قوله تعالى (وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا) {الإسراء/13}  معجم ألفاظ القرآن الكريم ص 1098

[35] ) رواه البخاري ج11 ص 277

[36] ) رواه البخاري ج3 ص 1173 رقم 3035

[37] ) السلسلة الصحيحة للألباني ج 1 ص 857 رقم 477 – وقد رواه الطبراني بلفظ (لو سقط لسقط عليه) انظر المعجم الكبير ج11 ص 417 رقم 12185

[38] ) البيهقي : شعب الإيمان ج3 ص 436 رقم 3991

[39] ) رواه مسلم ج2 ص 982 رقم 1348

[40] ) رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 508 رقم 3743

[41] ) رواه مسلم ج4 ص 2075 رقم 2701

[42] ) رواه البخاري ج23ص38 رقم 6963

[43] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 262 رقم 801

[44] ) رواه مسلم ج13 ص 196 رقم 4854

[45] ) والمسجور : قيل المملوء مشتقا من السجر وهو الملء والإمداد

[46] ) رواه مسلم ج14 ص 94 رقم 5162

[47] ) د عبد الدايم الكحيل http://www.kaheel7.com/ar/

1- Pacific Ocean. Britannica Student Library. Student Encyclopedia CD-ROM.

2- Scientists Catch Underwater Volcanic Eruption "In Action" in Pacific Ocean Depths, The National Science Foundation, November 27, 2006.

[48]) رواه أحمد ج11 ص 157 رقم 5121 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 267

[49] ) البحر الزخار مسند البزار ج10ص 152 ، الطبراني : المعجم الكبير ج7 ص 264

[50] ) http://weziwezi.com/

[51] ) رواه مسلم ج14 ص 95 رقم 5163

[52] ) http://quran-m.com/quran/article/2481/

https://alomanaa.net/news12680.html

[53] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 94 رقم 4067 ، وقد ضعف الألباني عبارة (جلهم ببيت المقدس)

[54] ) تفسير الثعلبي الآية 7 سورة الطور

[55] ) تفسير ابن كثير الآية 7 سورة الطور

[56] ) تفسير القرطبي الآية 7 سورة الطور

[57] ) مار الشيءُ يَمورُ مَوْراً تَرَهْيَأَ أَي تحرّك وجاء وذهب – لسان العرب

[58] ) رواه مسلم ج10 ص 42 رقم 3550

[59] ) التحرير والتنوير ج27 ص 57

[60] ) رواه مسلم ج10 ص 42 رقم 3550

[61] ) رواه مسلم ج14 ص 167 رقم 5228

[62] ) روائع الإعجاز النفسي - المرجع السابق ص122- 125

[63] ) تفسير ابن عجيبة ج6 ص 160

[64] ) الكشاف ج6 ص 429

[65] ) عبد الدايم الكحيل : روائع الإعجاز النفسي في القرآن والسنة ص 2-17

[66] ) محمد عبد العظيم الزرقاني :  مناهل العرفان في علوم القرآن ج2 ص41 المبحث السابع عشر في إعجاز القرآن وما يتعلق به

[67] ) محمد رشيد رضا (الوحي القرآني) ثبوت النبوة بالقرآن ودعوة شعوب المدنية إلى الإسلام دين الأخوة الإنسانية والسلام

[68] ) رواه الحاكم ج2 ص 278 رقم 3002 وصححه الألباني :صحيح السيرة النبوية ج1 ص 161

[69] ) معجم ألفاظ القرآن الكريم ج ص 404

[70] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج27 ص 57

[71] ) محمد أمين الشنقيطي : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 7

[72] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 381 رقم 4312 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 434

[73] ) رواه الحاكم في المستدرك مرفوعا ، ج 4 ص 622 رقم 8723 ، وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي وصححه ، وصححه الألباني موقوفا على ابن عمر انظر صحيح الترغيب والترهيب ج 3ص 162 رقم 3328

[74] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 252 رقم 1341 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 225 رقم 1111

[75] ) عبد الدائم الكحيل - نصائح ذهبية لعلاج المعاصي : www.kaheel7.com/ar

[76] ) عبد الدايم الكحيل : روائع الإعجاز النفسي في القرآن والسنة ص 2-17

[77] ) رواه مسلم ج4 ص 171 رقم 1291

[78] ) جاء في لسان العرب ج12 ص84 الجحيمُ اسم من أَسماء النار وكلُّ نارٍ عظيمة في مَهْواةٍ فهي جَحِيمٌ من قوله تعالى قالوا ابْنُوا له بُنْياناً فأَلْقُوه في الجحيم .

[79] ) جاء في لسان العرب ج 4 ص 356  "السَّرِيرُ " المُضطَجَعُ ، والجمع أَسِرَّةٌ وسُرُرٌ

[80] ) د كيلان خليل حيدر - الترغيب والترهيب في القرآن الكريم وأهميتهما في الدعوة إلى الله ص 14 مجلة كلية العلوم الإسلامية العدد 13 – 1434 هـ - 2013 م جامعة الموصل .

[81] ) الكشاف ج1 ص 64

[82] ) إحياء علوم الدين ج 2 ص 94 – ورواه الترمذي ج 4 ص 634 رقم 2451 مرفوعا وضعفه الألباني مرفوعا ، ولذلك يعمل به كأثر صحيح .

[83] ) جامع العلوم والحكم ج 1 ص 159

[84] ) رواه الحاكم ج4 ص 343 رقم 7853 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 144 رقم 3247

[85] ) رواه الترمذي ج 4 ص 633 رقم 2450 وصححه الألباني

[86] ) إحياء علوم الدين ج 3 ص 66

[87] ) رواه البخاري في صحيحه ج 5 ص 2398 رقم 6184 – ج 5 ص 2401 – ج 4 ص 1462

[88] ) رواه البخاري ج 6 ص 462 رقم 1764

[89] ) الدكتور محمد راتب النابلسي - التفسير المطول - سورة الطور 052 - الدرس (2-3): تفسير الآيات 17-28 ، عطاء الله للإنسان في الجنة لا يقدر بثمن - http://www.nabulsi.com/blue/ar/te.php?art=1348

[90] ) رواه مسلم ج13 ص 411 رقم 5021

[91] ) أَجْحَم عنه كَفّ  ،  الجحيمُ اسم من أَسماء النار وكلُّ نارٍ عظيمة في مَهْواةٍ فهي جَحِيمٌ من قوله تعالى قالوا ابْنُوا له بُنْياناً فأَلْقُوه في الجحيم – لسان العرب ج12 ص 84

[92] ) رواه البخاري ج12 ص 328 رقم 3645

[93] ) مجمع الزوائد ج 10 ص 615 رقم 18352 – الطبراني في المعجم الكبير ج8 ص 112 رقم 7530

صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 227 رقم 3591

[94] ) رواه البخاري ج 2 ص 670 رقم 1795

[95] ) جاء في تفسير الخازن ج1 ص 21 ، يعني أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة

[96] ) رواه مسلم ج13 ص 472 رقم 5066

[97] ) الشوكاني – فيض القدير ج2 ص 427

[98] ) والسَّرِيرُ المُضطَجَعُ والجمع أَسِرَّةٌ وسُرُرٌ – لسان العرب ج 4 ص 356

[99] ) ابن القيم ، التبيان في أقسام القرآن ص 169 

[100] ) رواه البخاري ج 3 ص 1188 رقم 3083

[101] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 106 رقم 93 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 23 رقم 79

[102] ) رواه مسلم ج 4 ص 2098 رقم 2742

[103] ) رواه مسلم ج7 ص 180 رقم 2491

[104] ) الشيخ سيد طنطاوي ج1 ص 3835

[105] ) تفسير الطبري ج22 ص 52

[106] ) رواه البخاري ج9 ص 362 رقم 2587

[107] ) رواه مسلم ج13 ص 471 رقم 471 ورواه البخاري ج11 ص 23 رقم 3006

[108] ) رواه مسلم ج1 ص 436 رقم 275

[109] ) رواه الترمذي ج 6 ص 226 رقم 1586 وصححه الألباني : انظر السلسلة الصحيحة ج 8 ص 220 رقم 3213

[110] ) ابن القيم ، التبيان في أقسام القرآن ص 169 

[111] ) تفسير الرازي ج14 ص 17 ، اللباب في علوم الكتاب ج14 ص 176 – أبو القاسم الحسين : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 216

[112] ) روضة المحبين ج1 ص 244

[113] ) رواه مسلم ج14 ص 205 رقم 5256

[114])http://www.alrc.gov.au/publications/6.%20The%20Privacy%20Act%3A%20Some%20Important%20Definitions/sensitive-information

[115] ) https://ar.islamway.net/fatwa/33523/ موقع الشيخ خالد المصلح 15-7-1427هـ.

[116] ) http://n0ntheist.blogspot.com.eg/2011/05/blog-post.html

إذ قالوا أن التعدد الجنسي بالنسبة للرجل لأجل التنويع فقط وليس للبحث عن الاشباع ، والتعدد الجنسي بالنسبة للمرأة لأجل البحث عن الاشباع ولا يهم التنويع.

[117] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 275 رقم 3130 وصححه الألباني : الجامع الصغير وزياداته ج1ص447 رقم4469

[118] ) رواه البيهقي في سننه ج7 ص 69 رقم 13803

[119] ) فتوى شيخ جاد الحق علي جاد الحق – مجلة البحوث الإسلامية التي تصدرها الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية بالإفتاء السعودي

نقلا عن - نظام الدين إبراهيم أوغلو/ تركيا – محاضر بجامعة هتيت بتركيا .

[120] ) رواه مسلم ج13 ص 282 رقم 4921

[121] ) رواه البخاري ج8 ص 253 رقم 2232

[122] ) رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 509 رقم 3744 وصححه الألباني صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 173 رواه البزار وابن عدي

[123] ) جمع الجوامع أو الجامع الكبير للسيوطي ج1 ص 8730 - أخرجه الديلمى (2/245 ، رقم 3155) . وأخرجه أيضًا : البزار كما فى كشف الأستار (3/70 ، رقم 2260) وصححه الألباني : انظر السلسلة الصحيحة ج5 ص 647 رقم 2490 .

[124] ) رواه أبو داود ج 4 ص 72 رقم 1113 وصححه الألباني ج 5 ص194 رقم 1304

[125] ) رواه أحمد في مسنده ج3 ص 47 رقم 1041  

[126] ) رواه أحمد في مسنده ج 42 ص 117 رقم 19733 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج 1 ص 178 رقم 179

[127] ) رواه البخاري ج5 ص 144 رقم 1271

[128] ) التحرير والتنوير ج27 ص 65

[129] ) رواه البخاري ج 2 ص 924 رقم 2477

[130] ) تفسير القرآن للعثيمين ج10 ص 12

[131] ) رواه البخاري ج 5 ص 2119 رقم 5253

[132] ) فقه اللغة للثعالبي ص 279

[133] ) د إبراهيم السامورائي ، تعليقا على كتاب السيد محمد شكري الألوسي بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب  ص 120

[134] ) سميت الريح سموما لأنها تدخل المسام

[135] ) رواه البخاري ج20 ص 313 رقم 6141

[136] ) ابن القيم - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين – ج1 ص 421 – المكتب الثقافي الأزهر

[137] ) رواه ابن حبان ج 2 ص 406 رقم 640 - صححه الألباني – السلسلة الصحيحة ج 2 ص 367 رقم 742

[138] ) رواه الترمذي ج 4 ص 633 رقم 2450 وصححه الألباني – السلسلة الصحيحة ج 2 ص 637 رقم 954

[139] ) رواه البخاري ج17 ص 423 رقم 5241

[140] ) رواه أبو داود ج 1 ص 466 رقم 1479 وصححه الألباني

[141] ) مدارج السالكين ج1 ص 517

[142] ) رواه مسلم ج 4 ص 2180 رقم 2835

[143] ) نتائج الفكر في النَّحو للسُّهَيلي ص 206

- برنامج المكتبة الشاملة - http://www.shamela.ws

http://sh.bib-alex.net/n7w/Web/613/001.htm

[144] ) د0 علي يحيى نصر عبد الحليم : أستاذ اللغة العربية بجامعة الأزهر وتبوك- سياق (أَم) في سورة الطور: دراسة بلاغية تحليلية

[145] ) رواه مسلم ج1 ص350 رقم 208

السلسلة الصحيحة ج3 ص 347 رقم 1273

[146] )الأزدي : تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ج1 ص 174

[147] ) ورواه أحمد في مسنده ج13 ص 400 رقم 6362 ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ج9 ص 14 رقم 8986 بلفظ " قوم صالحون قليل في ناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم "، وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 153 رقم 1619

[148] ) السلسلة الصحيحة ج3 ص 347 رقم 1273

[149] ) رواه أحمد في مسنده ج 5 ص 411 رقم 23536 وصححه الألباني انظر السلسلة الصحيحة ج 6 ص 203 رقم 2700

[150] ) السيرة النبوية لابن اسحق ج1 ص 72

[151] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 436

[152] ) ابن اسحق المرجع السابق ، البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص 82

[153] ) تفسير القشيري ج7 ص 316

[154] ) موسوعة الدكتور سلمان العودة   http://www.salmanalodah.com/main/ -.html

[155] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 943

[156] ) أبو اسحق النيسابوري - الكشف والبيان ج9ص 131 ، الألوسي : روح المعاني ج27 ص 36 ، القرطبي ج17 ص 73

[157] ) الشيخ محمد إسماعيل المقدم / تفسير سورة الطور

http://live.islamweb.net/audio/Fulltxt.php?audioid=169358

[158] ) ابن عابدين : رد المحتار ج1 ص 61

[159] ) الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ 17/5/1987 العقيدة الإسلامية - الدرس (36-63) : من معجزات القرآن

http://www.nabulsi.com/blue/ar/art.php?art=449&id=55&sid=56&ssid=66&sssid=79

[160] ) وأضاف قائلا (لقد كانت الكتب السابقة للقرآن داخلة في نطاق التكليف –  من حيث حفظها – بمعنى أن الله سبحانه كلف عباده بالمحافظة على هذه الكتب  ، لكنهم نسوا حظا مما ذكروا به ...أي نسوا ما ذكرهم الله سبحانه وتعالى به ، وما لم ينسوه حرفوه ..لووا ألسنتهم به ..وما لم يلووا ألسنتهم به.. زادوا عليه وجاءوا بأشياء من عندهم ، وقالوا إنها من عند اله ليشتروا بها ثمنا قليلا ....، أما القرآن فعندما أنزله الله سبحانه قال : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ".

[161] ) معجزة القرآن للشيخ الشعراوي ج1 ص22- 31 مع بعض التصرف

[162] ) دكتور مراد وهبة - أستاذ الفلسفة بكلية التربية جامعة عين شمس - فى حواره عن الالحاد مع “وطنى” - http://www.wataninet.com  

[163] ) فالدليل الأصولي متركب من أصلين :الأصل الأول: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر ، وهذا هو التقسيم  ، والأصل الثاني: بعدما نحصر الأقسام التي ينقسم إليها هذا الشيء أو الاحتمالات التي ينحصر فيها نختبر تلك الأوصاف المحصورة ثم نبطل ما هو باطل منها ، ونبقي ما هو صحيح منها ، وهذا هو الذي يسمى بالسبر.

[164] ) الشيخ محمد إسماعيل المقدم / تفسير سورة الطور

http://live.islamweb.net/audio/Fulltxt.php?audioid=169358

[165] ) رواه البخاري ج 3 ص 1212 رقم 3154

[166] ) قال النووي :( الأورق فهو الذى فيه سواد ليس بصاف ومنه قيل للرماد أورق وللحمامة ورقاء) انظر شرحه على مسلم ج10ص133

[167] ) رواه البخاري ج 5 ص 2032 رقم 4999

[168] ) https://www.webteb.com/cancer/diseases/     https://ar.wikipedia.orgwiki/ سرطان

[169] ) رواه البخاري ج15 ص 95 رقم 4476

[170] )  رواه البخاري ج14 ص 490 رقم 4426

[171] ) أحمد بن الحسين البيهقي- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث ج 1 ص 69 دار الآفاق الجديدة – بيروت  - حقيق : أحمد عصام الكاتب

[172] ) التحفة المدنية في العقيدة السلفية ج 1 ص 165 المؤلف : حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر - الناشر : دار العاصمة - الرياض الطبعة الأولى ، 1992 تحقيق : عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم 

[173] ) تفسير القرطبي ج8 ص 31

[174] ) رواه أبو داود ج9 ص 267 رقم 2964 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1ص255 رقم 255،  صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7ص416 رقم 3416

[175] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 382 رقم 2149 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص8 رقم 1751

[176] ) مجموع الفتاوي ج30 ص 205 -207

[177] ) مجموع الفتاوي ج30 ص 205 -207

[178] ) رواه البخاري ج 18 ص 32 رقم 5308

[179] ) رواه البخاري ج18 ص 15 رقم 5296

[180] ) http://www.binbaz.org.sa/fatawa/1827

ومن أراد تفصيل القول في المسألة فليرجع إلى هذا الرابط

http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=106602

[181] ) رواه أبو داود ج9 ص 269 رقم 2965 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج7 ص 418

[182] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 161 رقم 3375 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 243 رقم 2729

[183] ) رواه البخاري ج 4 ص 1630 رقم4215

[184] ) شرحه للحديث رقم 6928 فتح الباري

[185] ) رواه البخاري ج 6 ص 2679 رقم 6929

[186] ) انجيل متى الإصحاح 10 الأعداد 34 ، 35 https://drghaly.com/articles/display/11983

http://st-takla.org/Bibles/BibleSearch/showVerses.php?book=50&chapter=10&vmin=34

فقد جاء في سفر العدد (10 31 :9) : "وسبى بنو إسرائيل نساء مديان وأطفالهم ونهبوا جميع بهائمهم وجميع مواشيهم وكل أملاكهم وأحرقوا جميع مدنهم بمساكنهم وجميع حصونهم وأخذوا كل الغنيمة، وكل النهب من الناس والبهائم وتم ذلك بعد أن قتلوا كل الرجال والملوك"

جاء في سفر أشعيا، (18/ 12 :13): " أزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط رب الجنود وفي يوم حمو غضبه، ويكونون كظبي طريد وغنم بلا من يجمعها، يلتفت كل واحد إلى شعبه ويهربون كل واحد إلى أرضه، كل من وجد يطعن وكل من انحاش يسقط بالسيف، وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم، وتفضح نساؤهم".

وفي السفر التوراتي (23/ 14 :21) يأتي ذكر الأطفال "هيئوا لبنيه قتلاً بإثم آبائهم فلا يقوموا ولا يرثوا الأرض ولا يملؤوا وجه العالم مدناً، فأقوم عليه يقول رب الجنود وأقطع من بابل اسماً وبقية ونسلاً وذرية يقول الرب، وأجعلها ميراثاً للقنفذ".

وفي سفر العدد (31 :17) أمر صريح بصيغة الأمر بقتل الأطفال "فالآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال .."

وفي انجيل متى الإصحاح 10 العدد 34،35 («لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا ، فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ الإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَالابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَالْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا، وَأَعْدَاءُ الإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ) .

وذكر في انجيل لوقا الإصحاح 19 العدد 27(أَمَّا أَعْدَائِي، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي)

[187] ) لمزيد من الشرح يرجى الرجوع للمصادر التالية :– أبسط طريقة لشرح الثالوث المقدس - ماذا يعلمنا الكتاب المقدس عن الثالوث الأقدس؟

https://www.gotquestions.org/Arabic/Arabic-Trinity.html

http://www.massi7e.com/massi7e/The-simplest-way-to-explain-the-Holy-Trinity

جاء في إنجيل يوحنا ( في البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة هو الله ، هو كان في البدء عند الله ، به تكوَّن كل شيء ، وبغيره لم يتكون أي شيء مما تكون ، فيه كانت الحياة ، والحياة هذه كانت نور الناس ...

جاء في الشرح ص 2168  : ترتبط تعاليم الرب يسوع وأعماله ارتباطا لا ينفصم بشخصيته ، ويقدم يوحنا يسوع المسيح إنسانا كاملا وإلها كاملا ، فبرغم أن يسوع اتخذ الناسوت كاملا وعاش كإنسان إلا أنه لم يكف أبدا عن أن يكون الله الأبدي الأزلي الكائن على الدوام ، وخالق الكون والقوة التي تربط الخليقة معا  ، ومصدر الحياة الأبدية ، هذا هو الحق عن الرب يسوع وأساس كل حق فإن لم نكن نؤمن أو لم نقدر أن نؤمن بهذه الحقيقة الأساسية فلن يكون لدينا إيمان كاف أن نسلم بأبديتنا إليه ، وهذا ما دعا يوحنا لكتابة إنجليه ، وذلك ليبني الإيمان والثقة في يسوع المسيح لكي نؤمن أنه حقا كان الله في الجسد (20 : 30 ، 31)

المرجع : التفسير التطبيقي للكتاب المقدس :-  لجنة التحرير والنشر : دكتور بروس بارتون – رونالد بيرز – د  جيمس جالفن – لندا تايلور – دافيد فيرمان – دريك بورسما ..الخ

Printed in Great Britain fifth print 2004 – translation by Master Media

[188] ) البحر المحيط ج10ص 163

[189] ) ابن عجيبة : البحر المديد ج 6 ص 168 -

[190] ) الجياني: التبيان في تفسير غريب القرآن ص 393 -  النيسابوري : الكشف والبيان ج9ص 132 – تذكرة الأريب في تفسير الغريب ج1 ص 184

[191] ) تفسير الطبري ج22 ص 488

[192] ) التفسير الميسر ج9 ص 348 مجموعة من علماء وأساتذة التفسير تحت إشراف الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي

[193] ) تفسير القرآن للعثيمين ج10 ص 23

[194] ) التحرير والتنوير ج27 ص 92

[195] ) رواه البخاري ج 5 ص 2384 رقم 6137

[196] ) رواه البخاري ج 1 ص 387 رقم 1103

[197] ) رواه مسلم ج 1 ص 521 رقم 758

[198] ) أيسر التفاسير لأسد حومد ج1 ص 4663

[199] ) أيسر التفاسير للجزائري ج4 ص 158

[200] ) رواه مسلم ج3 ص 424 رقم 1075

[201] ) صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 11

  • الاثنين PM 06:31
    2026-04-13
  • 34
Powered by: GateGold