المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899033
يتصفح الموقع حاليا : 329

البحث

البحث

عرض المادة

إن الذين ءامنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية

إن الذين ءامنوا و عملوا الصالحات أولئك هم خير البرية

الشيخ عاطف السيد

الحمد لله رب العالمين على آلائه، وهو أهل الحمد والنعم، ذي الملك والملكوت، الواحد الصمد، المهيمن، مبدئ الخلق من عدم، من علَّم الناس ما لا يعلمون، وبالبيان أنطقهم، والخط بالقلم.

ثم الصلاة على المختار، أفضل مبعوث بخير هدي، في أفضل الأمم، والآل والصحب والأتباع قاطبة، ومن سار بخير على نهجهم ما لاح نجم، وما شمس الضحى طلعت، وعدد أنفاسي ما في هذا الكون من نسم.

وبعد، من يرد الله العظيم به خيرًا يفقهه في دينه القيِّم.

حياكم الله وبياكم، مشاهدي الأكارم، في هذا اللقاء المتجدد من برنامجكم "الشيعة في الميزان". كل عام وأنتم بخير، تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال والدعوات، وأسأل الله عز وجل أن يتقبل من الحجيج حجهم، وأن يعودوا من حجهم بذنب مغفور، وتجارة لن تبور.

لا يزال الحديث متصلًا في سلسلة براهين الحلي، في نقض هذه السلسلة: أربعين برهانًا أو دليلًا زعم أنها أدلة من القرآن على إمامة علي بن أبي طالب المزعومة.

تلاحظون في هذه الأدلة التي ستأتي معنا، في نقد هذه الأدلة والبراهين، ونحاول إن شاء الله جاهدين أن ننهي في هذه الحلقات القادمة هذه البراهين، وننهي الكلام عليها.

شيخ الإسلام ابن تيمية، ماذا يصنع في البراهين التي ستأتي معنا؟ وكثيرًا كان هذا صنيعه فيما تقدم. يضرب هذه البراهين وهذه الأدلة من جهة الإسناد، فيقول: وهذا كذب موضوع عند أهل المعرفة بالمنقولات. في خمس براهين، والبقية كلها، هذا منهجه: يضرب في الإسناد، ثم يستدرك ويعلّق.

فنحن على موعد مع البرهان الثالث والثلاثين في سورة البينة، لم يكن الذين كفروا، في الآية السابعة.

هذا البرهان متعلق بقوله تعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية.

قال الرافضي الحلي: روى الحافظ أبو نعيم بإسناده إلى ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي خصماؤك غضابًا مفحمين. وإذا كان خير البرية يقصد عليًّا، يعني، وجب أن يكون هو الإمام.

انتهى كلام الحلي.

نقول بداية: لم يصح إسناد، أو أي إسناد، لحديث مرفوع في مدح شيعة علي أبدًا. لا يوجد. والأسانيد التي جاءت في ذلك هي أسانيد منكرة ومضطربة. ولذلك تجد أحاديث كثيرة على هذا النحو:
يا علي، أنت وشيعتك...
في الجنة.
يا علي، أنت وشيعتك خير البرية.
يا علي، أنت وشيعتك الفائزون.

وأحاديث كثيرة على هذا النحو، وكلها أباطيل وضعها صانع الدين الشيعي.

هناك أيضًا رواية سئل عنها علي الكوراني، كما تشاهدون في هذا الفيديو، حينما سئل: هل يوجد أدلة عند أهل الخلاف، عند أهل السنة، تؤكد على هذا المعنى، أن علي بن أبي طالب وشيعته من أهل الجنة في تفاسير أهل السنة؟ فأجاب: نعم. نستمع سويًا إلى هذا الفيديو ثم نعلّق.

هل هناك أحاديث في مصادر أهل السنة في تفسير أولئك هم خير البرية تدل على أنه أمير المؤمنين علي عليه السلام؟ نعم، ارجع إلى تفاسيرهم، وخاصة تفسير السيوطي، تجد عددًا من الروايات، تقول: علي وشيعته خير البرية. هذه أيضًا موجودة، أحاديث النبي صلى الله عليه وآله في مصادر إخواننا.

طيب، يعني السيوطي له كتاب اسمه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، كتاب تفسير معروف، والسيوطي عالم معروف من علماء المسلمين، توفي في القرن العاشر سنة 911 تحديدًا. لكن كانت بدايته بتأليفه لكتاب أسماه "ترجمان القرآن"، وكان يورد فيه الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بأسانيدها، يسندها، ولا يدخل شيئًا من كلامه فيها، ينقل الآثار بأسانيدها.

يقول مثلًا: حدثنا ابن أبي حاتم، عفوًا، قال ابن أبي حاتم: حدثنا كذا... يسند الأحاديث إلى أصحابها. حدثنا كذا، وكذا، قال ابن جرير الطبري، عن أبي بن كعب، حدثنا كذا وكذا، وهكذا، فيسند الأحاديث إلى أصحابها. لكنه رأى أن كتابه هذا "ترجمان القرآن" سيطول، فحذف الأسانيد من باب الاختصار.

اختصر هذه الأسانيد، فتجده يقول مثلًا: أخرج ابن أبي حاتم مثلًا عن ابن عباس، ولا يسوق الإسناد، أو أخرج ابن جرير عن أبي... أو ما أشبه ذلك، فيحذف الأسانيد من باب الاختصار. وهذا الذي يعني ما أُخذ عليه، وما يُعاب عليه رحمه الله.

هذا التفسير الذي أخرجه على هذا النحو مختصرًا، في ذلك الأسانيد التي حذفها، أسماه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" للسيوطي رحمه الله. ويعاب عليه، كما قدمت، كما هو معروف عنه، أنه لا يهتم بمسألة التصحيح والتضعيف. إذا كان هو حذف الأسانيد أصلًا التي يستطيع القارئ أو الباحث من خلالها أن يحكم على هذا المتن هل هو صحيح أو ضعيف، فهو حذف الأسانيد أصلًا، فالرجل غير مهتم تمامًا بمسألة التصحيح أو التضعيف أو تمييز الصحيح من السقيم. ينقل الكلام نقلًا، كالثعلبي تمامًا، لأجل المعرفة بذلك، لكن لا يهتم بمسألة التصحيح ولا التضعيف.

فتجد حتى في هذه الرواية التي معنا، حينما يستدل بها الشيعة من كلام السيوطي رحمه الله تعالى، قال فيها: أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، قال: يا علي، أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين. فهذا إسناد باطل، والرجل كما قلنا لا يعتني بتصحيح الأحاديث أصلًا، إنما يحيلك على الرواية، وأنت تبحث في متنها، وتبحث في سندها. إن وجدته صحيحًا فأنت كما شئت، وإن وجدته ضعيفًا فضعفه.

إنما هو بنفسه غير مهتم بهذه المسألة، وهذا مما يعاب عليه. فيحيلك على الرواية، وأنت تنقل وتبحث أنت براحتك في المسألة. تبحث، إن وجدت سندها صحيحًا صحح، وجدته ضعيفًا أو باطلًا أو كذا، خلاص ضعّف، لا إشكال في ذلك.

فالنقل عنه لا يسوغ، لا سيما في كتابه "الدر المنثور"، الذي معظم نقل الشيعة يكون من هذا الكتاب. وقد قدمنا أنهم ينقلون من هذه الكتب من أهل السنة التي لا تعتني بالتصحيح والتضعيف، ولا الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا. ينقلون من تفسير الثعلبي، وينقلون من "الدر المنثور" للسيوطي، وينقلون من كتاب "مسند الفردوس" للديلمي ابن شيرويه الديلمي الهمذاني، وينقلون من أضراب هذه الكتب.

لكن لا يستطيع أن ينقل من كتاب أسنده صاحبه وحكم عليه؛ لأنه سيصطدم حينئذ، والشيعة كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في حلقات علم الحديث، ليس لها قدم وساق، ولا تستطيع أن تقف على أرضية ثابتة في الحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا.

كذلك يأتون إلى الكتب التي نقلت من دون إسناد أصلًا، من دون الحكم على الأخبار، ويلتقطون منها ما يوافق الهوى، ثم يأتون ليحتجوا به على المسلمين من أهل السنة. ونحن في منهجنا نتنزل معهم فيما يستشهدون من شبه يلقونها على المسلمين، فنحاججهم ونحاكمهم إلى كلامهم هم.

هم بالعكس تمامًا، يلتقطون الشاذ والضعيف والموضوع، حتى الذي أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من الأحاديث، وهي كثيرة، يأتون بكتاب ابن الجوزي ويستدلون به على أهل السنة، وهذا أمر غريب عجيب في الاستدلال.

فكلام السيوطي، يا علي يا كوراني، لا يسوغ لك أن تحتج به في تفسيره "الدر المنثور"، حيث إنه لم يشترط الصحة في ذلك، في جمعه هذا، بل حذف الأسانيد أصلًا من باب الاختصار، وترك للباحث، للقارئ، فرصة لأن يصحح أو يضعف ما يراه هو حسب بحثه واجتهاده.

طيب، ننظر في تفسير ابن كثير. لماذا؟ لأن علي الكوراني قال: عودوا إلى تفاسيرهم فستجدون في تفسير قوله تعالى في سورة البينة: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، المقصود بها علي وشيعته.

ننظُر على الشاشة سويًا في تفسير ابن كثير حول هذه الآية.

قال: ثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية. وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة، لقوله: أولئك هم خير البرية.

أظن الكلام واضح في هذه الوثيقة. إذًا ليس هناك ذكر لعلي ولا لشيعته، كما كذب الكوراني في هذا المقطع. كذب على المسلمين، وقال: تفاسير المسلمين، أو معظم تفاسير أهل السنة، تقول بأن المقصود بهذه الآية هو علي وشيعته. ننظر تفسيرًا آخر حتى نؤكد على هذه المسألة.

هذا تفسير الطبري رحمه الله تعالى، وماذا يقول في الجزء الرابع والعشرين، في الصفحة 556؟

قال: وقوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الله فيما أمر ونهى، أولئك هم خير البرية. يقول: من فعل ذلك من الناس فهم خير البرية.

إذًا ما فيش هنا ذكر أبدًا لا لعلي ولا لشيعته، كما يقول الهالك علي الكوراني في هذا المقطع السابق. يقول هذا كذبًا وتدليسًا على شيعته، كذبًا وتدليسًا على عوام الشيعة الذين يصدقون مثل هذا السفه وهذا العته وهذا الجنون، كما يسميه شيخ الإسلام بن تيمية. قال: هذا جنون، وهذا كلام من لا يدري ما يعقل ما يقول.

الفضل شيخ الإسلام حادٌّ في الرد على هؤلاء المعممين، لا سيما على علامتهم ابن المطهر الحلي، في "منهاج سنته".

بمناسبة هلاك الكوراني، يقولون إنه هلك بالأمس، هذا مقطع يقول فيه بأن الإمام يعلم متى ينزل المطر وكيف ينزل. نستمع إليه ثم نعود للتعليق:

كانت الدنيا صيف، والسماء ما بها شيء، وإذا تكونت غيمة... كونت غيمة... صارت غيمة. قالوا: يا ابن رسول الله، جاء المطر؟ قال: هذا إلى نيسابور، هذا إلى سرخس، هذا للمدينة الفلانية، هذا للمدينة الفلانية. يعرف الإمام لوين، مفصلة. ها، أخيرًا قال لهم: ها، لها طوس، يلا روحوا لبيوتكم. فإذا هناك أنظمة...

شوف: يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء.

تخيل أن يقول هذا رجل مسلم، تخيل أن يقول هذا رجل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول في الآية الكريمة: هو الذي يرسل الرياح فتثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء، أي الإمام هو الذي يوزع المطر! يوزع هنا، هذه في بلد كذا، وهذه في بلد كذا، وهذه... يعني مش فقط يعلم الغيب، بل يوزع المطر، ينزل الأمطار، ويعلم متى تنزل، بل هو الذي يوزعها بزعم هذا الرجل. معاذ الله عما يقولون.

علوًّا كبيرًا.

نعود إلى موضوعنا.

قال: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، قال الحلي الرافضي: هو علي بن أبي طالب وشيعته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في جوابه على هذا البرهان: قال: والجواب من وجوه:

أولها: المطالبة بصحة النقل. هذه قاعدة ثابتة في كل كتاب "منهاج السنة" في رده على ابن المطهر الحلي. واحد: المطالبة بصحة النقل. وإن كنا غير مرتابين في كذب ذلك، لكن مطالبة المدعي بصحة النقل لا يأباه إلا معاند.

ما هو الشيعة لما تيجي تقول لهم إن هذا الكلام غير صحيح، يقول لك: لا، إحنا إذا كانت الرواية توافق منهج أهل البيت نأخذ بها، ما لناش دعوة بالإسناد.

ولذلك يقولون عن: "عدة من أصحابنا"، طب يعني إيه "عدة من أصحابنا"، "عن رجل من بني فلان" يعني إيه؟ ما فيش خالص "حدثني فلان". وفي شيء اسمه، لعلنا إن شاء الله سنقف معه وقفات في الكلام عن انتحال الشيعة في علم الحديث، اسمه قضية التعويض السندي. يعني إيه تعويض سندي؟ يعني لو أن هناك إسنادًا مثلًا: زيد عن عمرو عن فلان، روى هذا الحديث أحد رواتهم بهذا الإسناد، زيد عن عمرو عن فلان، في خمسة أحاديث، في عشرين حديثًا، فيسحب على باقي كتابه هذا الإسناد. هذه تسمى قضية التعويض السندي. إن ثبت له هذا الإسناد على سبيل المثال، ينزله على بقية الأحاديث حتى ولو لم يذكرها. فإذا سئل قال: هذا عن زيد عن عمرو عن عبيد مثلًا. أمر عجيب غريب في دين القوم.

يعني أقول كما قال شيخ الإسلام: هؤلاء لا يستحقون المناقشة أصلًا، لولا أنه سيفتن بهم بعض المسلمين من العوام ما كنا رددنا عليهم ولا خصصنا لهم برنامجًا وحلقات. لكن هم في حقيقة الأمر، لأننا لسنا أيها الإخوة في زمن سفيان الثوري وأبي عمرو الأوزاعي، فتجد الناس كلهم علماء، ويعلمون كل شيء، ويستطيعون التمحيص والتمييز. لا. نحن في زمن كثرت فيه الفتن والمشاكل، فحتى لا تنطلي هذه الشبهات على عوام المسلمين نخصص لهم حلقات ونقف معهم، وهذا الذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج سنته" يرد على هذا الرجل ابن المطهر الحلي، حتى لا يكون له سبيل على المؤمنين مما يثيره من شبه. وإلا فالأصل أن كلامه ترفضه ويأباه العقل والفطرة السليمة.

قال: ومجرد رواية أبي نعيم ليست بحجة باتفاق طوائف المسلمين.

قال شيخ الإسلام: والثاني: أن هذا مما هو كذب موضوع باتفاق العلماء وأهل المعرفة بالمنقولات.

الثالث: أن يقال: قوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات عام في كل من اتصف بذلك. هي جمع ومفتوحة عامة: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، مقيدة بعمل الصالحات. ما الذي خصصها في علي وشيعته؟ لا ندري.

الرواية تقول: أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين. رواية باطلة. يجعلون بينها وبين الآية رابطًا، وليس ثمة ذلك. من أين لهم بذلك؟ وهي باطلة سندًا ومتنًا.

فإن قيل: لأن من سواهم كافر، من سوى الشيعة يعني، هكذا يعتبرون أنفسهم مسلمون ومن سواهم كفار، قيل، قال شيخ الإسلام: إن ثبت كفر من سواهم بدليل كان ذلك مغنيًا لكم عن هذا التطويل. أين الدليل؟ لا يوجد. وإن لم يثبت لم ينفعكم هذا الدليل؛ فإنه من جهة النقل لا يثبت، كما قدمنا، أنه كذب موضوع عند أهل المعرفة بالمنقولات.

الوجه الرابع: أن يقال: من المعلوم المتواتر أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يوالي غير شيعة علي على شيعة علي، حتى إنه كان يجلس مع الخوارج ويناظرهم ويفتيهم ويجالسهم. فلو اعتقد أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية هم الشيعة وحدهم لم يكن ليفعل ذلك مع الفرق التي كان يحاججها من الخوارج وغيرهم.

الوجه الخامس: أنه قال قبل ذلك: إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية. في هذه الآية: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية. فتبين أن هؤلاء سوى المشركين وأهل الكتاب، وفي القرآن مواضع كثيرة جدًا ذكر فيها ربنا سبحانه وتعالى: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكلها عامة، كلها آيات عامة. فما الموجب هنا لتخصيص الآية هذه دون نظائرها بأنها نزلت في علي بن أبي طالب وشيعته؟

الكلام كثير في هذا البرهان، لكنني نويت أن أنهي وأختم هذه البراهين إن شاء الله في الحلقتين القادمتين إن قدر الله لنا، ولذلك أنتقل سريعًا إلى البرهان الرابع والثلاثين.

قال الرافضي، نحاول جاهدين أن نختصر من دون إخلال بالنقد والمدارسة إن شاء الله.

قال: قوله تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، في سورة الفرقان، في الآية 54.

قال الحلي الرافضي: وفي تفسير الثعلبي عن ابن سيرين قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب. زوج فاطمة عليًا، وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا، وكان ربك قديرًا، ولم يثبت لغيره ذلك، فكان أفضل، فكان هو الإمام.

ما معنى هذا الكلام؟ يعني الآية تقول في سورة الفرقان: وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا. أين علي في الموضوع؟ كل آية في القرآن ينزلونها في علي، وأي فضيلة لأصحاب النبي ينزلونها في علي، ويسحبونها من أبي بكر وعمر وعثمان، ويجعلونها لعلي، لإثبات منزلة لم تكن لعلي، وهي منزلة الإمامة المقدمة على الشيخين وعثمان رضي الله عن الجميع بلا استثناء. نحب عليًا وآل البيت ونواليهم كما نحب أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عن الجميع.

الحلي هنا عزى هذا الحديث في كتابه "منهاج الكرامة" إلى الثعلبي، فأنا ذهبت أبحث عند الثعلبي، فوجدته عزى الحديث إلى الزرندي الحنفي، في كتابه "نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والبتول والسبطين". طبعًا الكتاب هذا علقت عليه قبل ذلك، هو كتاب مؤلفه شيعي شيرازي، ولد في المدينة ثم انتقل إلى شيراز، وشيراز منطقة معروفة في إيران، وعاش بها ومات بها ودفن عام 750 هجريًا.

هذا الكتاب فيه من الغلو الكثير والكثير عند ذكره لفضائل علي بن أبي طالب وفاطمة والحسنين، وذلك لا يعول عليه في الاستدلال. أضف إلى ذلك بأن الرواية أصلًا باطلة سندًا ومتنًا.

ولذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والجواب من وجوه أيضًا:

أحدها: المطالبة بصحة النقل.

ثانيًا: أن هذا كذب على ابن سيرين بلا شك.

ثالثًا: أن مجرد قول ابن سيرين رحمه الله، الذي خالفه فيه الناس، ليس بحجة إن كان صحيحًا.

رابعًا: أن يقال: هذه الآية في سورة الفرقان، وهي مكية باتفاق الناس. يعني قبل أن يتزوج علي بفاطمة. علي تزوج فاطمة في المدينة، فكيف يقال بأن هذه الآية نزلت في علي وفاطمة، أو كانت سببًا في تزويج النبي فاطمة لعلي؟ وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا.

خامسًا: الآية مطلقة في كل نسب وصهر، لا اختصاص لها بشخص دون شخص. ولا ريب أنها تتناول مصاهرته لعلي كذلك، لا إشكال في ذلك، إن كانت من باب التزكية والمدح، لا إشكال فيها أن تتناول عليًا، وتتناول أبا بكر، وتتناول عثمان، وتتناول عمر رضي الله عن الجميع. إذا كان علي هو صهر النبي، زوجه ابنته فاطمة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة بنت أبي بكر، وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عن الجميع، وزوج عثمان رقية وأم كلثوم، وقال: لو كانت عندي ثالثة لزوجتك إياها. فهذه كلها مصاهرات.

فهل هذه المصاهرة تدل على الإمامة؟ إذًا كلهم أئمة على هذا الفهم.

أرجو أن تكون المسألة واضحة.

طيب، إذا كانت هذه المصاهرات كلها ثبتت للجميع: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عن الجميع، إذا كانت المصاهرة ثبتت لهم جميعًا، فهناك أفضلية بنصوص كثيرة متواترة: أبو بكر أفضل الجميع، فإذا يمتاز بالأفضلية مع ثبوت المصاهرة.

واضح؟

وعمر يمتاز بالأفضلية على علي مع ثبوت المصاهرة، وعثمان كذلك.

فإذا قلنا: إذا كانت المصاهرة سببًا في الإمامة، فمن باب أولى يكون من؟ أبو بكر. أبو بكر صهر النبي صلى الله عليه وسلم، وأفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

السادس: أنه لو أريد بذلك أنه أراد المصاهرة، فباتفاق السنة والشيعة مجرد المصاهرة لا تدل على أنه أفضل. هذا كلام شيخ الإسلام في "منهاج سنته". لا تدل على أنه أفضل من بعض.

فلو كانت المصاهرة توجب الأفضلية للزم التناقض، أو كما قلت أنا: للزمت ثبوت إمامة الصديق من باب أولى لو كانت الأفضلية توجب المصاهرة؛ لأن الصديق صهر وأفضل.

وعمر كذلك، وعثمان كذلك، كلهم بلا إشكال. ويأتي علي في المرتبة التي جاء فيها، صهر كذلك، وأفضل من غيره ممن أتى بعده.

البرهان الخامس والثلاثون:

قال الرافضي في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، في سورة التوبة، في الآية 119.

قال ابن المطهر الحلي: أوجب الله تعالى علينا الكون مع المعلوم فيهم الصدق، وليس إلا المعصوم لتجويز الكذب في غيره، فيكون هو عليًا، إذ لا معصوم من الأربعة سواه.

هذه مقدمة باطلة تنتهي بك يا حلي إلى نتيجة باطلة، حيث إنه يثبت أشياء من وحي الخيال توافق الهوى.

انتهى وقتنا.

لعلنا إن شاء الله تعالى نعلق على هذا البرهان وما يأتي بعده من هذه البراهين في الحلقة القادمة، إن قدر الله لنا بقاءً ولقاءً.

هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

  • السبت PM 04:39
    2026-04-11
  • 51
Powered by: GateGold