المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899890
يتصفح الموقع حاليا : 154

البحث

البحث

عرض المادة

أسباب قطع الرحم مرتبطة بأكل المال بالباطل

د / احمد نصير

المطلب الرابع
أسباب قطع الرحم مرتبطة بأكل المال بالباطل

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (33)

لما كان للزواج توابع مالية ، ومسئوليات اجتماعية - هي واجبات - تشكل عبئا نفسيًا وإرهاقًا ماديًا ، فإن المقدم على الزواج يحتاج إلى إعانة خالقه ومولاه ، ولذلك وضعت الآيات نصب عين المؤمن - وهو يؤسس بيته - على الطريق الحق ، ليظل متحريًا الحلال من الرزق ، مجتنبًا الباطل من أموال الناس ، في إشارة إلى أن من يفعل غير ذلك لن يسعد ولن يهنأ بالعيش ، فيخسر دنياه وآخرته ، فيظل في اكتئاب نفسي يحمله على ارتكاب كبائر الذنوب ، وفي ذلك تعريض بحال المنافقين عندما يغشون في التجارة ، ويأكلون أموال الناس بالباطل ، ليجمعوا المال لأجل الاستمتاع بالمراة إما بالحلال أي بالزواج الشرعي لكن بطريق غير شرعي ، أو بالحرام ، وعندئذ يزداد تعاسة حتى يضيق صدره ، ويضيع الأمانات - التي استأمنه الله عليها - حتى لو كانت نفسه التي بين جنبيه ، وقد حمله الحسد - لما فضل الله به بعض الناس على بعض- على ارتكاب الكبائر من الذنوب ، فالحسد يفسد القلب .

وكذلك لما كان للزوجين على بعضهما البعض حقوقا وواجبات ، فكان لازما إظهارها على سبيل الإجمال حتى يستبين الهدى ، فلا يحيف منافق على أهله ، ولا تنشز امرأة على زوجها ، فيستقيم البيت المسلم من الداخل والخارج على السواء.

فأما استقامة البيت من الخارج ، فيكون ذلك بداية من الشروع في الزواج ، حال تأسيسه والتجهيز له ودفع المهر ، ومن ثم تحدثت الآيات عن الذي لا يملك طولًا أن ينكح الحرائر من النساء ، ويكاد العنت يفتك به ، فجعلته محلًا للتوجيه والإرشاد ، لاسيما وقد رُفع الحرج عنه بإجازة نكاح المحصنات من الإماء - وإن رُجِّح له الصبر على أن يأخذ بهذه الرخصة - فإن التوجيه القرآني أرشده – كذلك ومن جهة أخرى - بألا يستعجل في استجلاب الرزق لأجل تحمل نفقة الزواج ، قال أبو حيان (الأموال موصلة إلى النكاح ، وإلى ملك اليمين ، والمهور والأثمان المبذولة في ذلك لا تكون مما ملكت بالباطل ، والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة ، فيدخل فيه : السرقة ، والخيانة ، والغصب ، والقمار ، وعقود الربا ، وأثمان البياعات الفاسدة) .

وكثير من الشباب لا يملك شيئا يقدمه مهرًا لخطيبته ، فيكون في حاجة ملحة إلى اكتناز الكثير من المال ليشتري بيت الزوجية ويجهز أثاثه ، والمعضلة أنه في ظل حداثة سنه وقلة عهده بالعمل لا يملك الكثير من المال ، وكلما انتظر ضاق عليه الوقت حتى يكاد يضيع شبابه دون زواج ، فليس ثمة مغرمًا يغرمه طيلة عمره أكثر من تأخير الزواج ، لعجزه عن مؤنة الزواج ، فليس ثمة عنت أشد من هذا العبء ، ولن يكون في ضيق أشد من ذلك ، الأمر الذي قد يحمل المنافق على أن يبادر إلى أكل أموال الناس بالباطل ، ويكتنز منها ما يقدر معه على أن تحمل أعباء المعيشة والقدرة على الزواج ، فنهى الشرع عن ذلك ، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ، إذ لا بديل عن بذل الجهد والعمل لاكتساب القوت ، والتجارة والاستثمار لزيادة المال ، وهذا هو ابتلاء الله للمؤمن عليه الصبر ، فيبتغي في تكوين أول أسرة له الحلال الطيب لا ينظر لكثرة الحرام الماحق للبركة .

ولما كان صبر الشاب على تأخر الزواج حتى يمتلك مؤنته وكذلك صبره على تحري أسباب الرزق الحلال مع كثرة الطرق الجالبة للكسب الحرام ، يزيد من عنته ومشقته ، فإن ضيقًا في الصدر قد يصيبه ، لكن المؤمن صابر ، أما المنافق فلا يصبر ، وقد يضطره عدم صبره إلى قتل مورثه استعجالًا للإرث ، فعاملته الشريعة بنقيض مقصوده بحرمانه من الإرث لقوله  (لا يرث قاتل) وقوله  (لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ) ، أو قتل نفسه هروبا من المسئولية ، أو قتل غيره لانتهاب ما معه من رزق ، ومن ثم نهت الآيات عن ذلك وتوعدت بالنار (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا) ، ووعدت من يجتنب ذلك بمُدْخَل كَرِيم ، ونهت عن الاستغراق في الأماني لأنها تفتح باب الطمع ، ثم الشره ثم القتل والظلم لأجل تحقيق الأماني التي ليست في وسع الإنسان تحقيقها إلا بذلك ، الأمر الذي قد يغريهم إلى اكتساب المال بإغارة بعضهم على بعض ،كما كانت تغير القبائل على بعضها البعض ، فيعود الناس للجاهلية بعدما أعزهم الله بالإسلام .

ويمكن إجمال الأسباب التي تؤدي إلى قطع الرحم والتي أشارت إليها الآيات فيما يلي :-
السبب الأول : أكل المال بالباطل .
السبب الثاني: قتل الناس بعضهم بعض بالحسد والبغض .
السبب الثالث : التضييق على النفس بتفويت الرخص الشرعية .
السبب الرابع: تجاوز حدود ما نهى الله عنه وارتكاب كبائر الذنوب .
السبب الخامس : الطمع فيما فضل الله به بعضهم على بعض .
السبب السادس: الظلم للضعيف بعدم إعطاء المرأة والطفل حقوقهما في الميراث .
السبب السابع : قلة التوكل على الله في طلب الرزق .
السبب الثامن: عدم تقديم حق صلة الرحم وأهل العصبات على عقود المناصرة والموالاة .

ففي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) تشريع من الله تعالى يخاطب به المؤمنين مبينًا أسس التعاملات المالية في عقود المعاوضات ، والمقصود بها كل عقد ينطوي على تبادل ما ينفع بما ينفع ، فيكون أحد العوضين بدلًا عن العوض الآخر ، فـ (المُعَاوَضَةُ) -اصطلاحا -(تَبَادُلِ مَا يَنْفَعُ بِمَا يَنْفَعُ، بِشَرْطِ أَنْ يكونَ أَحَدُ العِوَضَيْنِ بَدَلاً عَمَّا يُقَابِلُهُ مِنَ العِوَضِ الآخَرِ) ، قال الكاساني (الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ في عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ هو "الْقِيمَةُ" لِأَنَّ مَبْنَاهَا على الْمُعَادَلَةِ ، وَ"الْقِيمَةُ" هِيَ الْعَدْلُ إلَّا أنها مَجْهُولَةٌ لِأَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَزْرِ وَالظَّنِّ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُقَوِّمِينَ ، فَيُعْدَلُ منها إلَى "الْمُسَمَّى"- أي الاتفاق- عِنْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ –أي إذا اتفقا-، فإذا فَسَدَتْ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى الْمُوجَبِ الْأَصْلِيِّ وهو "أَجْرُ الْمِثْلِ") .

قال ابن تيمية (أَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ نَوْعَانِ ، ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ هُمَا: الرِّبَا وَالْمَيْسِرُ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  فَصَّلَ مَا جَمَعَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، (فَنَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ) ، وَ"الْغَرَرُ" هُوَ الْمَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ مِنْ الْمَيْسِرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَبَقَ، وَالْبَعِيرَ أَوْ الْفَرَسَ إذَا شَرَدَ ، فَإِنَّ صَاحِبَهُ إذَا بَاعَهُ إنَّمَا يَبِيعُهُ مُخَاطَرَةً ، فَيَشْتَرِيهِ الْمُشْتَرِي بِدُونِ ثَمَنِهِ بِكَثِيرٍ ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ، قَالَ الْبَائِعُ : قَمَرْتَنِي وَأَخَذْتَ مَالِي بِثَمَنٍ قَلِيلٍ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ ، قَالَ الْمُشْتَرِي: قَمَرْتَنِي وَأَخَذْتَ الثَّمَنَ بِلَا عِوَضٍ، فَيُفْضِي إلَى مَفْسَدَةِ الْمَيْسِرِ الَّتِي هِيَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ) .

كذلك فإن منع الزكاة هو أحد صور أكل أموال الناس بالباطل ، لأنه يحرم حقوق أصحابها من الفقراء والمساكين حقوقهم التي اقتطعها الله من أموال الأغنياء ، ومثله كذلك أكل أموال اليتامى بغير حق ، قال سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء/10) .

مما تقدم نفهم أن التعاملات المالية مبنية - في الأصل- على المعاوضة ما لم تكن تبرعًا عن طيب نفس ، فإن لم يلحق الغير نفع عادل منها اندرجت تحت معنى الباطل ، واستعمال الفعل المضارع " تأكلوا" يدل على أمرين ، الأول أن الذي يسعى للكسب الباطل لا يُشبع بطنًا ، فكلما حاول سد نهم الجوع والعطش به فازداد إثما وأكلًا للباطل، والأمر الثاني يتمثل في فقر الذي يتعامل بالباطل ، وإحساسه بالعوز والحاجة ، رغم اكتنازه ، فعن ابنِ عباس - رفعه - قال (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) ، إذن نتيجة المضارعة في أكل أموال الناس بالباطل انعدام المنفعة والفائدة المرجوة من ذلك ، فإنه وإن كانت غايته اكتناز المال واستثماره في مجالات تعود عليه بالربح ، إلا أنها تبوء جميعها بالفشل ، بل ويخيب ظنه ويصاب بالحسرة حين يهلك ماله ، لكنه يظل يحاول محاولات المتتابعة لأكل الحرام ، وتظل هذه المحاولات غير مجدية في إشباع المنفعة الآنية ، ورغباته المتزايدة ، ونهمه الذي لا يقف عند حد .

وفي قوله (أَمْوالَكُمْ) اقترن بالمال ضمير المخاطب ، وفيه فائدة ، قال الرازي "يدخل تحته أكل مال الغير بالباطل ، وأكل مال نفسه بالباطل ، لأن قوله "أَمْوالَكُمْ" يدخل فيه القسمان معا ، كقوله "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ" يدل على النهي عن قتل غيره وعن قتل نفسه ، أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله) ، فقد يكتسب المرء حلالا لكنه ينفقه في الباطل ، وذلك داخل –كذلك- في مفهوم النهي .

وفي قوله (بِالْبَاطِلِ) أي عديم الأثر ، فلا يترتب عليه أي أثر بين المتعاقدين ، ويجب إعادتهما إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد ، وذلك إما لعيب في الإرادة أو أن العوض "الثمن" غير عادل ، وبذلك شمل المعنى كل ما ليس بعوض عادل أو رضاء تام ، فأما اشتراط "العوض العادل" فذلك ثابت من تحريم الميسر وبيع الغرر ، وأما الرضاء التام فلقوله  (إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ) ، والمقصود من ذلك "النهي عن استضعاف الغير لاكتساب أموالهم بغير حق ، ويكون ذلك إما بطريق الحيلة ، كالغش والتدليس أو الغبن الفاحش أو استغلال لطيش بيِّن أو هوى جامح ، يقول النبي  (مَنْ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ) ، وقد يكون بطريق الإكراه وهو أشد جرمًا .

وقد جرى حصر عيوب الإرادة من حيث التطبيق وما جرى عليه العمل وما شاع بين الناس في عدة أمور ، وفي ذلك على التفصيل التالي : -
1- عيب الغلط
2- عيب التدليس
3- عيب الغبن في الثمن
4- عيب الاستغلال

وفي قوله (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) استثناء منقطع ، بمعنى أن أخذ أموال الناس لا يكون إلا عن عقود تجارة تقوم على مبدأ التراضي في المعاوضة دون ما يعيب الإرادة من العيوب التي تبطلها أو تفسدها ، وتخصيص التجارة بالذكر لفائدة ، وأنها من أشد أنواع أكل الأموال شبهًا بالباطل ، لحرص المتصدي للتجارة على أن يأخذ مالًا زائدًا على قيمة ما بذله للمشتري ، وحرص المشتري على أن يبخس البائع حقه ، وعليه فإن عقود المعاوضات تأخذ حكم المستثنى منه (التجارة) في الإجازة متى بنيت على التراضي ، شريطة ألا يشوب التراضي عيب من عيوب الإرادة ، وذلك على التفصيل التالي : -

أولا : عيب الغلط (في المواصفات المادية للمبيع) : ويقصد به "توهم يتصور فيه العاقد غير الواقع واقعا فيحمله ذلك على إبرام عقد لولا هذا التوهم لما أقدم عليه" ، وعليه يجب أن يكون الخطأ جوهريًا في صفة المعقود عليه حتى يمكن التمسك به الذي وقع في الغلط في إبطال العقد ، و(المراد به هنا هو الغلط الواقع في المعقود عليه، في جنسه أو في وصفه ، والغلط في ذات أو جنس المعقود عليه: هو أن يظن العاقد أن المعقود عليه من جنس معين، فإذا به من جنس آخر، كأن يشتري شخص حلياً على أنها ذهب أو ماس، ثم يتبين أنها من النحاس، أو الزجاج. أو يشتري حنطة فإذا هو شعير، أو صوفاً فإذا هو قطن، أو يشتري داراً على أنها مبنية بالإسمنت المسلح، فإذا هي مبنية باللبن ، وحكم هذا العقد المشتمل على غلط في جنس المعقود عليه: أنه باطل من أساسه، لفوات محل العقد الذي يريده المشتري، فيكون عقداً على معدوم، والعقد على المعدوم باطل) .

من ذلك نفهم أنه يكفي أن يكون مصدر الغلط أحد طرفي العلاقة العقدية ، ولا يشترط أن يقع الآخر فيه ، وأنه ينصب على مواصفات المعقود عليه أو جنسه ، والفقهاء عالجوا هذه المسألة فيما يسمى بخيار الرؤية أو العيب ، حيث إن معاينة المبيع المعاينة النافية للجهالة الفاحشة تؤدي إلى سقوط الحق في إبطال العقد بناء على نظرية الغلط ، كذلك تسقط دعوى البطلان إذا ما ثبت في المبيع عيبا لكن البائع قد بينه للمشتري وفات المشتري خيار رد المبيع في المدة المتفق عليها بينهما ، ذلك أن الشريعة الإسلامية تعتد بمبدأ الإرادة الظاهرة القائمة على احترام الإيجاب والقبول ، لا الإرادة الحقيقية التي لا يعلمها إلا الله ، ترجيحا لمبدأ استقرار التعامل ، ولذلك لم يهتم الفقه الإسلامي كثيرا بالغلط كنظرية مستقلة ، وإنما عالج المسألة في إطار مسألة خيار الرؤية والعيب .

وأساس مشروعية خيار الرؤية هو أن الإيجاب والقبول يجب أن ينصبان على محل واحد ، فإن انصب الإيجاب على محل والقبول على محل آخر لم ينعقد العقد ، أما إذا انصب الإيجاب والقبول على محل واحد متعين تعيينا فيزيائيا ماديا نافيًا للجهالة ، فليس لأحد الطرفين أن يفسخ العقد بالاستناد إلى الخطأ الباعث على التعاقد ، لأن الشريعة لا تعتد في التعاملات التجارية بالبواعث والبواطن ،وإنما بالرضاء الظاهر كما تقدم ، يقول رسول الله  «إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَهُوَ مَا يَقُولُ رَبُّ السِّلْعَةِ أَوْ يَتَتَارَكَانِ » ، أي إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو في شيء آخر ولم يكن لأحد منهما بينة ) ، قال أبو الطيب العظيم آبادي (ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف ، وحذف المتعلق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في علم المعاني فيعم الاختلاف في المبيع والثمن ، وفي كل أمر يرجع إليهما ، وفي سائر الشروط المعتبرة والتصريح بالاختلاف في الثمن في بعض الروايات لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف) .

ولذلك فإنه يكاد ينحصر عملا مجال التذرع بالغلط كعيب من عيوب الإرادة فيما عالجه فقهاء الشريعة الإسلامية بما يسمى بخيار الرؤية ، ويقصد به : (إثبات حق المشتري في إمضاء العقد أو فسخه عند رؤية المعقود عليه إذا لم يكن رآه عند العقد أو قبله) ، فهذا الخيار يثبت لمن اشترى شيئا لم يره أو يعاينه ، فإنه يكون في حل من الالتزام بالعقد حتى يثبت له يحتج عليه بقبوله بعد معاينة المبيع المعاينة النافية للجهالة الفاحشة .

وخيار الرؤية من النظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفته ، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله (من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه) ، قال الكاساني (خِيَارُ الرُّؤْيَةِ لَا يَسْقُطُ بِصَرِيحِ الْإِسْقَاطِ لَا قَبْلَ الرُّؤْيَةِ وَلَا بَعْدَهَا ، أَمَّا قَبْلَهَا فَلِأَنَّهُ لَا خِيَارَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ ؛ لِأَنَّ أَوَانَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ هُوَ أَوَانُ الرُّؤْيَةِ فَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ لَا خِيَارَ ، وَإِسْقَاطُ الشَّيْءِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ وَثُبُوتِ سَبَبِهِ مُحَالٌ ، وَأَمَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ فَلِأَنَّ الْخِيَارَ مَا ثَبَتَ بِاشْتِرَاطِ الْعَاقِدَيْنِ ؛ لِأَنَّ رُكْنَ الْعَقْدِ مُطْلَقٌ عَنْ الشَّرْطِ نَصًّا وَدَلَالَةً –يعني الإرادة فهي ركن مستقل عن شروط العقد ، فلا يسقط الشرط أركان العقد - ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ شَرْعًا لِحُكْمِهِ فِيهِ ، فَكَانَ ثَابِتًا حَقًّا لِلَّهِ - تَعَالَى - ) ، يقصد بذلك أنه بعد الرؤية يتحدد محل المبيع ويتعين تعيينا نافيا للجهالة ، وهذا ليس بشرط في العقد يمكن إسقاطه ، وإنما هو ركن من أركانه لا ينعقد العقد إلا به ، وعليه فإن حق الرؤية لا يثبت إلا بالرؤية , ولايصح التنازل عنه قبل الرؤية , وفي ذات الوقت هو حق مؤقت ، أي ينقضي بمضي الوقت الكافي للمعاينة والرؤية ، وتقدير ذلك لقاضي الموضوع ، فإن أقر المشتري بقبول المبيع بحالته لزمه ذلك إلا إذا أثبت أن البائع غرر به ، وعندئذ لا يستند إلى الغلط في الإرادة وإنما إلى تدليس البائع عليه .

ويجدر التنويه هنا أن خيار الرؤية يقوم على أساس فكرة الغلط ، ولا يختلف عنه في آثاره من حيث فسخ العقد ، استنادا لفكرة تعيين المبيع ، وإنما الرؤية قاطعة في إثبات عدم حصول الغلط الجوهري في صفة المبيع ، فإن تمسك أحد بعد الرؤية بالغلط فإنما يقع عليه إثبات ذلك ، هذا رأينا ، وغيرنا يرى أن ثمة فروق بسيطة بينهما ، لكننا لا نقره في ذلك ، وفي كل الأحوال لا يمكن التمسك بالغلط في الإرادة إلا إذا أثبت المدعي دعواه ، يقول رسول الله  (لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)

ثانيا : عيب الغش أو التدليس : وذلك متى صدر من أحد المتعاقدين وتعلق بأحد المواصفات الخفية للمبيع أو عيوبه غير الظاهرة ، حيث يخدع البائع المشتري بأن يزين له المبيع ، فيرى فيه صفات ظاهرة بخلاف صفاته الحقيقية ،
والمثال علي ذلك : من يغش اللبن بالماء ، فيشتري الناس اللبن على أنه غير مخلوط بالماء ، ولا يبين لهم البائع أنه مخلوط ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) .

فالحق هو إظهار عيوب المبيع للمشتري دون حاجة لأن يطلب المشتري ذلك ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا ، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) ، (أي أن البركة ملازمة للصدق وبيان العيوب والمحق والخسارة ملازمة للكذب والكتمان) ، كذلك روي عن رسول الله  أنه قال (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ) .

والتدليس أكثر حبكا عن واقعة الغش ، فهو يعتمد على واقعة الإيهام ، ويكون ذلك بإيهام البائع للمشتري بشيء زيادة عن أصل المبيع وليس فيه بطريق الحيلة أو الخدعة ، والتدليس ثابت في حديث المصراة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ  قَالَ (لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا: إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ) ، قال السيوطي (التصرية وهي الجمع أي لا تجمعوا اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها ، فيظن المشتري أن كثرة اللبن عادة لها مستمرة) ، وعليه فإن العقد قابل للإبطال لمصلحة المشتري ، فإن تمسك بالإبطال رجع الحال إلى ما كان قبل التعاقد ، قال المهلب (هذا الحديث أصل فى الرد بالعيب والدلسة ؛ لأن اللبن إذا حبس فى ضرعها أيامًا فلم تحلب ، ظن المشترى أنها هكذا كل يوم ، فاغتر به) ، وإن لم يتمسك بالإبطال صح العقد ، قال العلماء (وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ ، وَلَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ إمْسَاكُهَا ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ نَقْصَ الْمَبِيعِ عَمَّا عُقِدَ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ) .

قال البغوي (والمعنى في إيجاب صاع من التمر بعد الحلب أن اللبن لا يمكن رده لنقصانه بالحلب ، وقد حدث بعد البيع بعضه على ملك المشتري ، فلا يجب رده ، فيتنازعان في القدر الموجود يوم العقد ، فالشرع قطع الخصومة بينهما بإيجاب بدل مقدر من غير أن ينظر إلى قلة اللبن أو كثرته)

ثالثا : عيب الغبن في الثمن : ويقصد به البيع بسعر غير عادل ، بحيث يظلم المشتري فيدفع أكثر مما يدفعه غيره بفحش كبير ، أو أن يُغبن البائع بأن يبيع بسعر بخس لعدم علمه بسعر السوق ، ففي كلا الصورتين إما تغرير بالبائع أو بالمشتري .

ومن أمثلة التغرير بالبائع أن يستقبل التجار المحليين التاجر القادم إليهم قبل أن يصل للسوق ، فيشتروا منه بسعر قبل يعرف أسعار البلد الذي يرغب أن يبيع فيه ، فعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ  (لَا تَلَقَّوْا اَلرُّكْبَانَ, وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ " قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ، مَا قَوْلُهُ: " وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ? " قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا ) ، (بمعنى أن يقول له: هذه السلع لا تبعها على الناس، ولكن دعني أتولى بيعها على مهل) ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ  (لَا تَلَقَّوا اَلْجَلَبَ، فَمَنْ تُلُقِّيَ فَاشْتُرِيَ مِنْهُ, فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ اَلسُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) ، قال المناوي (ما يجلب من بلد لآخر وهو المعبر عنه بتلقي الركبان) ، (ذهب مالك أن نهيه عليه السلام عن التلقى إنما أريد به نفع أهل السوق ، لا نفع رب السلعة ، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعى . وقال الأبهرى : معنى النهى عن التلقى لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف ؛ فيؤدى ذلك إلى الضرر بهم) ، وقوله ( فصاحب السلعة بالخيار ) ، أي أن البيع موقوف على إجازته بعد أن يصل للسوق ويعرف السعر ، و(هذا يدل على انعقاد البيع ولو كان فاسدا لم ينعقد) ، أي البيع لا يبطل وإنما يكون قابلا للإبطال لمصلحة صاحب السلعة ، لأنه قد يبيع بسعر أقل من سعر السوق فيغبن .

ومن أمثلة التغرير بالمشتري أن يخدعه البائع فيبيعه بسعر باهظ أو أن يخدعه بغيره فيرغبه في السلعة ليرفع سعرها ، بما يسمى بالنجش ، وَعَنْهُ قَالَ (نَهَى  عَنِ النَّجْشِ) ، قال السيوطي (النجش هو أن يزيد –طرف ثالث عن المتعاقدين - في ثمن السلعة لا لرغبة فيها ، ولكن ليخدع غيره ويغره ليزيد ويشتريها) .

 

قال ابن الأنباري (لا يمدح أحدكم السلعة ولايزد في ثمنها ، وهو لا يريد شراءها ليسمعه غيره فيزيد ، وأصل النجش تنفير الناس عن الشيء إلى غيره ، والأصل فيه تنفير الوحش من مكان إلى مكان ليؤخذ منه ويقال رجل ناجش وهو الذي يحوش الصيد) ، (لأن التجار يتعارضون فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثل ما فعل فنهوا عن أن يفعلوا معارضة) ، قال ابن الجوزي (وللمشتري الخيار إن كان في البيع زيادة لا يتغابن الناس بمثلها) .

مسألة : عقود بها غرر أو غبن يمكن تلافيه جائزة شرعا للمصلحة والضرورة :

هناك عقود تجوز شرعا رغم ما فيها من بعض الغبن أو التغرير أحيانا ، لأن نهى النبي  عن "ربح ما لم يضمن" ، لكن العلماء أجازوها من باب المصلحة المرسلة أو من باب الاستحسان كعقد الإستصناع ، والاستزراع والمقاولة والسلم ، فمحل تسليم المبيع في المستقبل ، وغير موجود وقت التعاقد لكنه قابل للوجود بعد وصفه في العقد وصفا نافيا للجهالة الفاحشة ، ولولا هذه العقود لتعطلت كثير من المصالح المرسلة.
وهناك شبهة أخرى في هذه العقود وهي أن التكلفة النهائية لثمن المبيع لا يمكن تحديدها وقت التعاقد لكن يمكن وضع الأسس التي على أساسها يتم حساب التكلفة الإجمالية ، لكنها قد تتغير أثناء التنفيذ نظرا لاستغراق وقت طويل أحيانا لتنفيذ العقد مما قد تتعرض أثمان السلع لتقلب الأسعار ، وفي هذه الحالة يتم تعويض المتعاقد المتضرر عن بعض خسارته إذا كان تغير الأسعار غير متوقع ، ولكن بحكم قضائي ، وذلك بحسب ظروف كل حالة على حدة ، ووفقا لمناط تحقق الضرر والخطأ والعلاقة بينهما ، وفي تقدير التعويض ثلاث نظريات (الظروف الطارئة ، عمل الأمير ، الصعوبات المادية غير المتوقعة) ولعلها نستطرد في تفاصيلها في المكان المناسب.

 أولا : عقد الاستصناع :-
في هذا العقد يتعذر تحديد التكلفة النهائية للشيء المراد تصنيعه إلا بعد الانتهاء منه ، ولكن العلماء أجازوه لحاجة الناس له ، على الرغم من أن القياس يقتضي منعه لأنه بيع للمعدوم، إلا أنه جاز استحسانًا لحاجة الناس وتعاملهم به من قديم الزمان ، ويتعذر عليهم العمل بخلافه ، كما أجازته المجامع الفقهية المعاصرة على أنه عقد ملزم للطرفين بشروط، مثل تحديد أوصاف المستصنع وأجله .

ومن الأدلة على مشروعيته ما رواه البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا قَالَ إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ  عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ ..)
عَنْ عَبْدَ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ  اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ وَجَعَلَ فَصَّهُ فِي بَطْنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ فَاصْطَنَعَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي كُنْتُ اصْطَنَعْتُهُ وَإِنِّي لَا أَلْبَسُهُ فَنَبَذَهُ فَنَبَذَ النَّاسُ) .

 ثانيا : عقود المقاولة حيث يتم بناء العقار بناء على بنود العقد ووفقا للثمن المتفق عليه بحسب قائمة أسعار توريد الخامات مثل الحديد والأسمنت ..الخ ، وتأخذ حكم عقد الاستصناع تماما بتمام ، غير أن المخاطرة في أثمان المواد الخام أكبر حيث تتعرض لتقلبات مستمرة وتعويضات للمقاولين بين الحين والآخر .

 ثالثا : عقد السلم فقد جاء في زاد المستقنع تعريف عقد السلم بأنه : (عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد) ، وذلك مثل بيع الثمار بعدما بدا صلاحها ، وقبل قطفها ، فهذا البيع أجازه الفقهاء لأن انتظار البائع لنضج الثمار فيه مفسدة لأن تأخير البيع حتى نضج الثمار يجعله مضطرا إلى أن يبيع بسرعة قبل أن تفسد الثمار وتسقط على الأرض ، فيبيع بثمن بخس ، أما إذا باعه بعدما بدا صلاحه وقبل نضجه حتى يكون المحصول على الشجر ، فيكون البيع أصلح له حيث تتوافر المدة الزمنية لبيعه بثمن عادل ، وفي هذه الحالة يشتري المشتري المحصول وهو على الشجر قبل قطفه ، فيقطفه هو ، ويقدر حجمه وثمنه هو البائع بالاتفاق معها تقديرا جزافيا.

ويصح: بألفاظ البيع والسلم والسلف بشروط سبعة : وتدور جميعها حول تعيين المبيع ووصفه وصفا نافيا للجهالة وتحديد محله ومكان الوفاء به ، وأجل الوفاء بالثمن ، أما الشرط الذي يميز هذا العقد فهو الشرط السابع بأن (يُسلم في الذمة ، فلا يصح في عين ، .. ) ثم رتب على هذا الشرط ما يكمل معناه ، ويرتب مقتضاه ، حيث إن محل المبيع شيء في الذمة ، أي لم يقبض بعد ، ومن ثم قال ( ..ولا يصح بيع المسلم فيه: قبل قبضه ، ولا هبته ولا الحوالة به ولا عليه ولا أخذ عوضه ، ولا يصح الرهن والكفيل به ) والمعنى لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه

قال الشيخ ابن عثيمين : وشيخ الإسلام (يجوز بيع الدين على غير من هو عليه، ولكنه يشترط القدرة على أخذه)، يعني أنّه يجوز للدائن أن يبيع دينه لشخص آخر غير المدين الأصلي، ولكن بشرط أن يكون هذا الشخص الجديد قادرًا على تحصيل الدين من المدين ، لكن إن باعه على المسلم إليه فإنه يشترط ثلاثة شروط مدارها جميعا الاحتراز من ربا النسيئة جمعها حديث النبي  «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء»

مسألة : الغرر والغبن في تبادل العملات النقدية : -

كأصل عام فإن التغرير في الثمن بالمضاربة على أسعار النقود مستقبلا منهي عنه ، فعن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَنْهَى عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ .. إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى فَرَدَّ النَّاسُ مَا أَخَذُوا) .

وَعَنْ عبد الله بن عمر قَالَ: - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنِّي أَبِيعُ بِالْبَقِيعِ, فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ اَلدَّرَاهِمَ, وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ اَلدَّنَانِيرَ, آخُذُ هَذَا مِنْ هَذِهِ وَأُعْطِي هَذَهِ مِنْ هَذِا? فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ  (لَا بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَتَفَرَّقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ ) .

" يعني جواز بيع عملة بأخرى (كالذهب بالفضة) بسعر السوق وقت البيع إذا تم التقابض في المجلس دون تأخير أو تفريق أو سداد الديون بعملة أخرى بسعر اليوم عند التسديد ، حتى لا تقع في ربا النسيئة ، وهذا ما حدث مع ابن عمر الذي كان يبيع "الإبل" بالبقيع ويقبض الدنانير أو الدراهم ، وسأل النبي  عن ذلك فأجابه بهذا الحديث.
قال العثيمين : (الدّنانير وهو النّقد من الذّهب، والدّراهم وهو النّقد من الفضّة، والنّقدان هما الذّهب والفضّة ، فكان يبيع بالدّنانير ويأخذ بالدّراهم وبالعكس، وقوله (آخذ هذا من هذه وأعطي هذه من هذا ، من هنا بدليّة أي بمعنى بدل لأن من معاني " من " البدلية ( .
فاشترط النبي  شرطين :-
الشرط الأول: أن تأخذها بسعر يومها.
الشرط الثاني: ألاّ يتفرقا وبينهما شيء) .
والأسواق المالية توسعت في هذه الصورة من البيوع بما يسمى بعقود بعقود المشتقات المالية financial derivatives ، ويقصد بها تلك العقود التي تشتق قيمتها من قيمة أصول حقيقية أو مالية أخرى مثل الأسهم و السندات و السلع و العملات الأجنبية و الذهب ، تلك الأصول تسمى بأصول موضوع العقد ، إذ يتم الاتفاق عند تحرير العقد على مدة زمنية محددة يتم تنفيذ العقد عند حلولها بالسعر التنفيذي الذي قد تحدد سلفا ، وأهم هذه المشتقات ( العقود الآجلة Forward contracts أو "المستقبلية" Futures contracts – عقود الخيارات(( call option- put options – عقود المبادلات ) عقود المبادلة Swaps ) ) ، وفيما يلي شرح لبعض صور هذه البيوع المنهي عنها .
أولا : البيع الأجال : و فيه يتم عقد صفقات لبيع أسهم لكن يشترط فيها أن يكون الدفع والتسليم بعد فترة محددة بذات السعر المتفق عليه وقت التعاقد دون اعتبار للتغييرات التي تطرأ على السعر في المستقبل سواء أكانت بالزيادة أو النقص ، إذ من الممكن أن يبيع مستثمر أسهم ليست مملوكة له لمشتري لها في الحال شريطة أن يتم التسليم بالسعر المتفق عليه بعد مدة متفق عليها - كأربعة أشهر مثلا - من وقت التعاقد ، أما حكم عقود المشتقات المالية الآجلة فإنهانوع من بيع الدين بالدين ، وقد نهى النبي  عن بيع الكالئ ، و قد انعقد الإجماع على معنى الحديث ، قال ابن تيمية: " النبي  نهى عن بيع الكالئ بالكالئ ، وهو المؤخّر بالمؤخّر، .. فالعقود وسائل إلى القبض وهو المقصود بالعقد، كما أنَّ السلع هي المقصودة بالأثمان ، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل.. لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنيّة ومقصود العقود .

ثانيا : الشراء بالهامش : و يقصد بها اقتراض أوراق مالية بغرض البيع ، وذلك بحيث يتم الاتفاق بين الشركة وأحد عملائها على أن تتولى الشركة توفير التمويل اللازم لسداد جزء من ثمن الأوراق المالية المشتراه لحساب هذا العميل ، أي أن العميل يشتري أسهمًا بمبلغ لا يملكه كاملاً فيدفع جزءًا من القيمة والباقي يقترضه من البائع بفائدة ، ويبقى السهم مرهونًا للبائع ضمانًا لحقوقه ، وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ يقضي بتحريم البيع بالهامش جاء فيه: " لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشترى لقاء رهن السهم لما في ذلك من المراباة وتوثيقها بالرهن، وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " ، وكذلك صدر بتحريمها قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة التي عقدت في مكة المكرمة بتاريخ 10ـ 14/ 3/ 1427هـ ، ومن البدائل الشرعية للبيع بالهامش ، بيع الأسهم بالأجل أو بالتقسيط ، فيجوز بيع عدد من الأسهم بدفع مبلغ مقدم من قيمتها ( بدلا من الهامش ) والباقي إلى أجل أو بالتقسيط ، كما يجوز رهن الأسهم حتى يقضَ الدين ، و علة التحريم واضحة لأن القرض الذي يقدمه السمسار للمشتري مقابل فائدة محرم شرعا .

ثالثا : البيع على المكشوف : وهو أحد صور العقود المستقبلية ، فعندما يتجه السوق للهبوط ويستشعر بعض المستثمرين استمرار الهبوط ، فإن بوسعهم القيام بالمضاربة على توقعهم ذلك من خلال بيعهم لأوراق مالية لا يملكونها و هو ما يسمى بالبيع على المكشوف ، فبدلا من اقتراض نقدية لشرائها يمكنهم اقتراض الأوراق المالية مباشرة من شركة السمسرة وبيعها على أمل إعادة شرائها مرة أخرى بسعر أقل لردها لشركة السمسرة وتحقيق أرباح من وراء ذلك ، وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة بأن هذا البيع لا يجوز ، حيث اتخذ قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ جاء فيه: " لا يجوز أيضا بيع سهم لا يملكه البائع ، وإنما يتلقى وعدا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم ؛ لأنه من بيع ما لا يملك البائع ، ويقوى المنع إذا اشترط السمسار قبض الثمن لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض ، ومن الأدلة على تحريم البيع بالمكشوف حديث " لا تبع ما ليس عندك" أي ما ليس في ملكك أو ما ليس في حوزتك .

رابعا : عقود الخيارات : فمن أشهر صور المشتقات المالية عقود الخيارات أو الاختيارات ، و الخيارات هنا ليست هي الخيارات المعروفة في الفقه الإسلامي التي تعطي الحق في إمضاء البيع أو فسخه ، وإنما هي عقود يشتري المتعامل بموجبها حق شراء عدد محدد من أسهم شركة معينة عند سعر معين هو السعر الحالي خلال مدة معينة أو يشتري حق بيع عدد محدد من أسهم شركة معينة عند سعر معين هو السعر الحالي ، ويدفع ثمنا لهذا الحق ، فله عند حلول الأجل أن ينفذ العقد بالسعر المتفق عليه إذا كانت القيمة السوقية لهذه الأسهم غير مفضلة على القيمة المتفق عليها في عقد الخيار ، وله أن يرجع عن تنفيذ العقد و يدفع الخيار الذي يمثل خسارة له أقل من الخسارة المتوقعة لو لم يبرم عقد الخيار ، كما عرَّفه مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة بأنه : " الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة أو في وقت معين إما مباشرة أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين ".

وقد عقبت اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية على ما ورد في تقرير مؤسسة النقد بشأن عقد الخيار بقولها :- ( أن العقد على دفع ثمن لحق الخيار في الشراء أو البيع عقد باطل لكونه دفع في غير مقابل متقوم ، كما أن في شراء المضارب حق الخيار مخاطرة بما يدفعه قيمة لحق الخيار ؛ لأنه لا يرجع إليه على كل حال ، بل إما أن يخسره إن ترك شراء الأسهم في المدة المحددة لانخفاض الأسهم قدر ما دفعه حقا للخيار أو أكثر ، وإما أن يحسم من الربح إذا ارتفع سعر الأسهم في المدة المحددة للخيار ، فمستقبل السعر مجهول و رهين بأيدي جماعة لها شأنها في خفضه ورفعه وفيه مخاطرة قد تأتي على رأس مال المضارب إذا كان لا يملك إلا ما دفعه قيمة لحق الخيار " ، كما اتخذ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة قرارا في دورته السابعة في عام 1412هـ يقضي بحرمة عقود الخيارات جاء فيه : " إن عقود الاختيارات – كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية – هي عقود مستحدثة لا تنضوي تحت عقد من العقود الشرعية المسماة ، وبما أن المعقود عليه ليس مالا ولا منفعة ولا حقا ماليا يجوز الاعتياض عنه ، فإنه عقد غير جائز شرعا ، وبما أن هذه لا تجوز ابتداء فلا يجوز تداولها " ، و يرى بعض الفقهاء المعاصرين أن عقود الخيارات المنتشرة في البورصة هي من قبيل الربا الواضح لأن تأجيل التسليم و التسلم لوقت لاحق مقابل فائدة ، و أن البديل الشرعي لهذه العملية عقد السلم بشرائطه الشرعية أو البيع بثمن مؤجل لأجل معلوم .

 

رابعا : عيب الاستغلال : وهذا العيب في الإرادة ينصب على نقص أهلية أحد العاقدين سواء أكان مشتريا أم بائعا ، وذلك بصرف النظر إلى وجوب عيب في السلعة من عدمه ، وسواء أكان البيع بسعر عادل أم ثمن باهظ أم بخس ، فنقص أهليته يجعل العقد قابلا للإبطال لمصلحة ناقص الأهلية ، فإذا استغل أحد المتبايعين نقص أهلية المتبايع الآخر ، فليس له أن يتمسك بالوضع الظاهر وقد علم بذلك قبل البيع ، وإنما يعزى نقص الأهلية في هذا الفرض إما إلى صغر السن أو إلى ضعف العقل ، فمن كان سفيها لعلة في عقله فتصرفاته غير ملزمة له إلا بإجازة القيم عليه .

وأظهر صور نقص الأهلية "الهوى الجامح والطيش البين " ، وأمثلة ذلك بيوع المقامرة فعن أبي هريرة قال : نهى النبي  عن بيعتين عن اللماس والنباذ) ، فمن أشد صور الغرر بيوع المقامرة ، كالملامسة والمنابذة والمزابنة

وَالْمُلَامَسَةِ : (أن يلمس ثوبا مطويا أو في ظلمة ثم يشتريه على أنه لا خيار له اذا رآه)
وَالْمُنَابَذَةِ : (أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الاخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض)
وَالْمُزَابَنَةِ : (بيع تمر يابس برطب وزبيب بعنب كيلا فيحرم كل ذلك ولا يصح ، وَالْمُزَابَنَةِ من الزبن وهو الدفع لان كلا من المتبايعين يزبن صاحبه عن حقه) .

فتلك البيوع هي أقرب إلى استغلال حب المقامرة عند السفهاء من الناس ، وهؤلاء أهليتهم ليست كاملة ،وإنما يجب الحجر على أموالهم وتصرفاتهم لعلة السفه ، ولذلك فإن هذه الصورة من عيوب الإرادة أقرب إلى الاستغلال منها إلى الغبن ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا; أَنَّ اَلنَّبِيَّ  (نَهَى عَنْ اَلْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ, وَالْمُخَابَرَةِ, وَعَنْ اَلثُّنْيَا إِلَّا أَنْ تُعْلَمَ) ، وَعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: - نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ  عَنِ (اَلْمُحَاقَلَةِ, وَالْمُخَاضَرَةِ, وَالْمُلَامَسَةِ, وَالْمُنَابَذَةِ, وَالْمُزَابَنَةِ) .

واَلْمُحَاقَلَةِ (المُحارَثة) : هي المُزارَعة على نَصِيب معلوم كالثلث والرُّبع ونحوهما ، وإنَّما نُهِي عنها لأنها من المَكِيل ولا يجوز فيه إذا كانا من جنْسٍ واحد إلاَّ مِثْلا بمثل ويَداً بيَد . وهذا مجهول لا يُدْرَى أيُّهما أكْثَر
ونهى عن (المخابرة) : المزارعة بالنصيب بأن يستأجر الارض بجزء ريعها فيفسد العقد لجهالة الاجرة
وَ(الْمُخَاضَرَةِ) : بيع الثمار والحبوب قبل بدو صلاحها ، فعن رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ (كُنَّا أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ حَقْلًا فَكُنَّا نُكْرِي الْأَرْضَ – أي نؤجرها للزراع بنصيب مما يخرج منها - فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ هَذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ فَنُهِينَا عَنْ ذَلِكَ) .

ومنعًا لأن يكون الرضاء ناقصًا ، فإن السنة أقرت خيار بمسمى "خيار المجلس" ذلك أن الرضاء في التجارات نسبي ، وليس ثمة رضاء مطلق ، فالتجاذب بين البائع والمشتري يظل قائمًا حتى يتفقا ، ولذلك أمهلتهما السنة حتى يتفرقا ، فإن تفرقا وانفض مجلس العقد لزم البيع ، قال رسول الله  " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا " .

ويستثنى من ذلك بيع الخلابة ، فعن ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ  إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ فَكَانَ يَقُولُهُ ) ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ الْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ) وروى تحته عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ  رَدَّ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ وَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَمَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ فَدَفَعَ ثَمَنَهُ إِلَيْهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْقِيَامِ بِشَأْنِهِ فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ  نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ وَلَمْ يَأْخُذْ النَّبِيُّ  مَالَهُ)
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ وَكَانَتْ بِلِسَانِهِ لَوْثَةٌ يَشْكُو إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  أَنَّهُ لاَ يَزَالُ يُغْبَنُ فِى الْبَيْعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  « إِذَا بَايَعْتَ فَقَلْ لاَ خِلاَبَةَ ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِى كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا ثَلاَثَ لَيَالٍ فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْ » .
قال العلماء الحديث دليل على خيار الغبن في البيع والشراء إذا حصل الغبن ،واختلف فيه العلماء على قولين:-
الأول ثبوت الخيار بالغبن ، وهو قول أحمد ومالك ، وذلك في الفرض إذا كان الغبن فاحشا لمن لا يعرف ثمن السلعة وقيده بعض المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة ، إذ لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في غالب الأحوال ولأن القليل يتسامح به في العادة ، وأنه من رضى بالغبن بعد معرفته فإن ذلك لا يسمى غبنا ، وإنما يكون من باب التساهل في البيع الذي أثنى  على فاعله ، وأخبر أن الله يحب الرجل سهل البيع سهل الشراء .
والثاني : وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين الغبن أو لا ، قالوا وحديث الباب إنما كان الخيار فيه لضعف عقل ذلك الرجل إلا أنه ضعف لم يخرج به عن حد التمييز فتصرفه كتصرف الصبي المأذون له ويثبت له الخيار مع الغبن) .

خامسا : عيب الإكراه (سواء أكان الإكراه معنويا أم ماديا) ، فالبيع باطل ، لأنه لم ينعقد بإرادة حرة وصحيحة ، ولا يجوز تصحيحه ، فعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) .

ومثال ذلك : مثل الزواج بالإكراه فهو باطل ولا يجوز تصحيحه ، وإنما هو صورة من صور الاستكراه على البغاء ، قال تعالى (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النور/33) .
أما بيع المضطر أو الملجئ ، وذلك بأن يكون سبب الإكراه خارج عن إرادة المتعاقدين ، كالحاجة إلى السفر أو الهجرة فيضطر للبيع خلال وقت معين ، وهذا البيع صحيح لكنه موقوف على خلوه من عيوب الإرادة سالفة الذكر كالاستغلال أو الغبن الفاحش ...الخ .

وفي قوله (...وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (29) ، وقيل (في الحرص على الدنيا وطلب المال, بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف) ، ذلك أن المقبل على الزواج يبتغي الرزق بالعمل ، فيعمل في مجالات كثيرة منها الزراعة والصناعة والسياسة والاقتصاد والتجارة والولايات ...الخ ، ولا يسلم مجال منها من التنافس بين الناس ، وقد تحصل العداوة من ذلك التنافس ، وعندما تشتد المنافسة قد يقصي بعضهم بعضا من المنافسة إما بالعداوة والقتل أو بالحسن المعاملة ، ولكن الناس أغلبهم يقتل بعضهم بعضا لحرصهم على الدنيا وطلب المال .

وقيل : معناه : (ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال الباطل ) ، وقيل يعني يقتل (بعضكم بعضاً) ، فمن قتل نفسا واحدة فكأنما قتل الناس جميعا ، وقتل النفس ظاهرة ناجمة عن أكل أموال الناس بالباطل .

وقيل معناه (ولا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملاً ربما أدى إلى قتلها ،فمن رحمته بكم نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة) ، قال رسول الله  (وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) ، فعندما يكثر الباطل يزداد النزاع والتباغض وتكثر المشاحنات ، ويترتب على ذلك العدوان ثم القتل، قال رسول الله  (فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) .

وقد يفهم من الآية الكناية بعدم التشديد على النفس ، ما لم يكن ورعا ، وهو ما فهمه عمرو بن العاص واستشهد به من الآية في ترك غسل الجنابة في البرد الشديد ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ  فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ  وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ) ، فذلك إقرار منه  بترتيب المصالح على وفق مقصود الشرع حال التعارض.

وكذلك يستفاد من الآية العمل بالرخص الشرعية في أحوال الضرورة ، وحال عموم البلوى ، فالأصل فيما اختلط فيه الحلال بالحرام هو الورع ، وذلك لحديث النبي  (الحلال بين والحرام بين وبين ذلك امور مشتبهات وسأضرب لكم في ذلك مثلا ان الله تعالى حمى حمى وان حمى الله حرام وان من يرعى حو الحمى يوشك ان يخالط الحمي) ، قال النووي (لم يحرم الشراء من "الخلط" بل يجوز الأخذ منه ، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنها من الحرام ، فإن لم يقترن فليس بحرام ، ولكن تركه ورع محبوب وكلما كثر الحرام تأكد الورع) ، ولذلك اختلف الفقهاء في حكم التعامل مع من اختلط ماله الحلال بالحرام؛ من حيث البيع والشراء، وقبول الهدية والعطية، وأكل طعامه في الضيافات، ونحو ذلك، وقد حرر هذه المسألة الدكتور خالد النجار ، فجمعها على أقوال ورجح القولين الأولين :-
القول الأول: أنه لا يحرم قبول هديته والتعامل معه، وإنما يكره، وهو معتمد مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره ابن القاسم من المالكية .
أي الأخذ بالظاهر دون استقصاء في بيان هذا المال ، إلا إذا عُرف أن مال بعينه جاء بالحرام كالسرقة فلا يجوز شراؤه ، وما لم يعلم حاله فجائز ، قال الشيخ ابن عثيمين: "ثبت عن رسول الله  أنه قبل الهدية من المرأة اليهودية حينما أهدت إليه شاة في غزوة خيبر وأجاب النبي  دعوة يهودي دعاه في المدينة على خبز شعير وإهالة سنخة، وعامل اليهود بيعًا وشراءً، حتى إنه عليه الصلاة والسلام مات ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير اشتراه لأهله، وهذا يدل على جواز معاملة من اختلط ماله بحرام؛ لأن اليهود كما وصفهم الله تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ "المائدة: 42"

والقول الثاني: ينظر في الغالب على المال، فإن غلب الحلال جاز التعامل معه، وإن غلب الحرام لم يحل، وهذا مذهب الحنفية والمالكية .
القول الثالث : ما ذهب بعض العلماء إلى تحريم معاملة من اختلط ماله من حلال وحرام، وقال بهذا القول أَصْبَغُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.. ، قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: "وقول أصبغ تشدُّد".

إذن ولأجل ترتيب المصالح وفق مقصود الشرع حال التعارض قد يُتخلى عن الورع لمراعاة هذا الترتيب , وهذا من الفقه ، قال السعدي (ومن رحمته أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود) ، ولهذا احتج عمرو بن العاص بهذه الآية في الرخص المبيحة لفعل الطاعة قدر الاستطاعة دون تكلُّف أو مشقة ، وهو ما يعني أنه إذا اختلطت الحلال بالحرام لاسيما في المال ، وأصبح متعذرا في مجتمع ما أن يتحري المسلم عن الحلال بإطلاق ، ويجتنب الحرام بصورة تامة ، فليتقي الله ما استطاع ، وذلك وفقا لترتيب المقاصد الشرعية الأولى بالرعاية والحفظ ، ومن أولى مقاصد الشرع ترتيبا حفظ النفس في المرتبة الثانية بعد الدين .

ولذلك لما سئل الإمام ابن تيمية عن رأيه فِي الَّذِينَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ مِثْلُ: الْمَكَّاسِينَ، وَأَكْلَةِ الرِّبَا، وَأَشْبَاهِهِمْ، وَمِثْلُ أَصْحَابِ الْحِرَفِ الْمُحَرَّمَةِ: كَمُصَوِّرِي الصُّوَرِ، وَالْمُنَجِّمِينَ، وَمِثْلُ أَعْوَانِ الْوُلَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ أَخْذُ طَعَامِهِمْ بِالْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا ؟
فأجاب : الْحَمْدُ لِلَّهِ إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالْخَلَاصِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ، فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ. وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَغْلَبُ قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ وَقِيلَ بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ.
فَأَمَّا الْمُعَامِلُ بِالرِّبَا فَالْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْكُرْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ أَلْفًا بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ فَالزِّيَادَةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ فَقَطْ. وَإِذَا كَانَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَاخْتَلَطَ لَمْ يَحْرُمْ الْحَلَالُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْحَلَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ لِشَرِيكَيْنِ فَاخْتَلَطَ مَالُ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَكَذَلِكَ مَنْ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ الْحَلَالِ الْحَرَامُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَالْبَاقِي حَلَالٌ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .

وأما الفتوى المعاصرة بخصوص السؤال عن حكم التداول في أسهم الشركت ذات الأنشطة المختلطة بين الحلال والحرام ، ففيها قولين :-
القول الأول جواز الاستثمار والمتاجرة بأسهم هذه الشركات ولكن بضوابط معينة ،وبه أخذت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني ،وهو قول عدد من العلماء المعاصرين
القول الثاني عدم جواز الاستثمار والمتاجرة في أسهم هذه الشركات وهو قول مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي ،والهيئة الشرعية في بيت التمويل الكويتي والهيئة الشرعية في بنك دبي الإسلامي واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ، وقال به عدد من العلماء المعاصرين ،ولكل رأي وجاهته وأدلته والردود عليه .

فالقارئ للفتاوى المعاصرة في مثل هذه القضايا يجدها جميعا تدور حول تقييم درجة الضرورة التي تبيح هذه التعاملات التي اختلط فيها وجه الحلال بالحرام ، فكلما كان الضرر وشيكا ومحدقا والخسارة كبيرة وضخمة ، وضاقت مصادر التمويل البائنة من أي شائبة ، كلما اقتربت الأمور من حالة الضرورة التي تقدر بقدرها ، وذلك لا ينفع معه فتوى عامة ، وإنما لابد من فتوى خاصة بكل حالة على حدة .

ويمكن تعميم الحكم في إطار السياسية الشرعية إذا ما اختلطت الأمور في زمن الفتن فأضحى ثمة أمور منكرة وأخرى معروفة ، فكانت السنة هي طاعة الإمام في طاعة لله – والصبر على البلاء قدر الاستطاعة - مخافة أن يقتل الناس بعضهم بعضا ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قال (اجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا ، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ ، فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ – الراوي وهو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ - لَهُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ ، وَقَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي ، فَقُلْتُ لَهُ هَذَا ابْنُ عَمِّكَ "مُعَاوِيَةُ" يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَاللَّهُ يَقُولُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) قَالَ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ) ، أي أمره بطاعة إمامه في غير معصية قدر الاستطاعة .

وفي قوله تعالى (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (30) تبشيع لقتل النفس التي حرم الله بغير حق ، وتأكيد أن ذلك بمثابة عدوان على البشرية كلها ، وأن ظلم القاتل يتعدى نفس المقتول لتهديد البشرية كلها بالقتل ، قال تعالى (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة/32) .

وإن كان محل القتل أن يقتل المرء نفسه ، فهذا لأنه قد يأس من رحمة الله ، قال تعالى " إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "(يوسف/87) ، فهو بذلك يستضعف نفسه التي بين جنبيه ، والتي هي أمانة الله حمله إياها ليحفظها ويصونها لا أن يزهقها ويعتدي عليها ، وبالتالي فإن عاقبة ذلك النار لا محالة ، يقول رَسُولُ اللَّهِ  (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " .

وفي قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ..) (31) تأكيد على أن ثمة حد لا ينبغي للمؤمن أن يتعداه ، فإنه ولئن كان لايَسلم البتة من معصية لقوله  (لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ) إلا أنه ينبغي عليه أن يسلم من كبائر الذنوب ، وأكبر الكبائر السبع الموبقات لقوله  (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) ، فالمسلم إذا لم يتعد حدود الله يظل في مأمن من عذاب الله ، وآمان في دينه بإذن الله .

أما الإصرار على المعصية -وإن كانت صغيرة- فإنه ينقلب لكبيرة ، فعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ) .

فإذا ألم مسلم بمعصية ، فعليه أن يبادر بالتوبة ، ويتوب من قريب ، وخير التوبة الصلاة ،يقول النبي  (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) .

وقوله (..نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا) (31) تبصير بجائزة اجتناب أهل التوحيد للكبائر ، قال ابن تيمية (وَعَدَ بِتَجَنُّبِ الْكَبَائِرِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ) ، قال صاحب الظلال (ألا ما أسمح هذا الدين! على كل ما فيه من التكاليف والحدود ، لا يغفل ضعف الإنسان وقصوره ؛ ولا ما يتجاوز حدود طاقته وتكوينه .. ومن ثم يقيم توازنًا بين التكليف والطاقة ، ... ....حسبُ هذا الدين من النفس البشرية أن تتجه لله بإخلاص القلب لله ، وأن تبذل غاية الجهد في طاعته ورضاه ... فأما بعد ذلك . . فهناك رحمة الله ...ترحم الضعف ، وتعطف على القصور؛ وتقبل التوبة ، وتصفح عن التقصير ؛ وتكفر الذنب وتفتح الباب للعائدين ، في إيناس وفي تكريم . .وآية بذل الطاقة اجتناب كبائر ما نهى الله عنه ، أما مقارفة الكبائر فهي دليل على أن هذه النفس لم تبذل المحاولة المطلوبة؛ ولم تستنفد الطاقة في المقاومة ... وحتى هذه –أي الكبائر- فالتوبة منها في كل وقت مع الإخلاص مقبولة برحمة الله التي كتبها على نفسه . .) .

وتلك الجائزة لها وجهان :-
الأول : تكفير السيئات قال الشعراوي (إن التكفير للذنوب إماطة للعذاب) ، وهو يستتبع أن يكون دخول الجنة بلا عذاب ولا مناقشة حساب ، قال ابن الجزي في قوله "مدخلا"(اسم مكان وهو هنا الجنة) ، قال الخازن (والمعنى إذا اجتنبتم الكبائر وأتيتم الطاعات ندخلكم مدخلاً تكرمونه فيه) .

قال الرازي (مجرد الاجتناب عن الكبائر لا يوجب دخول الجنة ، بل لا بد معه من الطاعات ، فالتقدير : إن أتيتم بجميع الواجبات ،واجتنبتم عن جميع الكبائر كفرنا عنكم بقية السيئات وأدخلناكم الجنة ، فهذا أحد ما يوجب الدخول في الجنة ، والسبب الأصلي القوي ، وهو فضل الله وكرمه ورحمته ، كما قال: ( قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ) [ يونس : 58 ]) .
قال القرطبي (فالله تعالى يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، لكن بضميمة أخرى إلى الاجتناب وهي إقامة الفرائض) ، لأن الاستهانة بالفرائض كبيرة من الكبائر ، بدليل قوله  (الصَّلَاةُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ) .

الثاني : حصول الشفاعة لأهل الكبائر من أهل التوحيد : قال الإمام أحمد : (المسلمون كلهم في الجنة) - لهذه الآية ، إذ يغلب الظن أن أهل التوحيد يتوبون من الكبائر ، لكن للعلماء قول في مرتكب الكبيرة إذا مات ولم يتب عنها ، ولم يُحد فإنه في مشيئة الله ، فإنه إما أن يعذبه أو يغفرها له ، لقول النبي  (شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي) .
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ، قال المناوي (وإن ارتكب كل كبيرة فلا بدّ من دخوله إياها – أي طالما أنه مات مسلما - إمّا ابتداءً إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار) .

وفي قوله (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ)(32) سد لكل الذرائع التي بسببها تحصل كل ، بالنهي عن الطمع ، فالتمني مدخل للطمع ، وبوابة العدوان ، وظلم الناس ، ففي النهي عن فتح تلك البوابة من الشر درأٌ لمفاسد محققة ومهالك مؤكدة ، قال ابن عاشور (فالنهي عن التمني وتطلع النفوس إلى ما ليس لها جاء عاما لسد ذراعها وذرائع غيرها ، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور، وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم فإنه يفضي إلى الحسد ، وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد) ، يقصد بذلك أن الذي حمل قابيل على قتل هابيل الحسد الذي كان سببه تمني ما عنده .

قال القفَّالُ : (لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل ، وعن قتْلِ النُّفُوسِ ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض ، وَقَعَ في الحَسَدِ ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ ، وفي قتل النُّفُوسِ) ، يعزى ذلك إلى أن الحسد يوجب ازدراء نعمة الله ، أي أن الحاسد يرى أنه ليس في نعمة الله ، وأن المحسود في نعمة أكبر منه ، فهو بذلك يحتقر نعمة الله عليه فلا يقوم بشكرها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  "وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا " .

وفي قوله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) استظهار للتفاضل بين الرجال والنساء سواء في الميراث أو في الاكتساب ، ووجوب تسليم العباد بذلك الفضل الذي اختصه الله لكل منهما ، ذلك أن تمنى الرجال ما عند النساء من فضل يوجب الحسد ، وكذلك العكس صحيح فتمني النساء ما فضل الله به الرجال عليهن في أنصبة الميراث والقوامة والجهاد يوجب عدم الرضى بما فضلهن الله به من نعم.

فعن قتادة قال (كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي ويجعلون الميراث لمن يحبون ، فلما ألحق للمرأة نصيبها وللصبي نصيبه ، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، قال النساء لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال ، وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث ، فأنزل الله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) . .

فإذا علمنا أن مدلول "الاكتساب" كما ذكره أبو حيان قال (يدل على الاعتمال والتطلب للمكسوب ، وهذا لا يكون في الإرث ، لأنه مال يأخذه الوارث عفواً بغير اكتساب فيه) ، فإن هذا المعنى الخاص بالاكتساب لا يضر السياق العام الذي نزلت فيه الآية ، وهو ما ذكره أبو حيان نفسه فقال (والمعنى أن الله تعالى جعل لكل من الصنفين مكاسب تختص به ، فلا يتمنى أحد منها ما جعل للآخر ، فجعل للرجال الجهاد والإنفاق في المعيشة ، وحمل التكاليف الشاقة كالأحكام والإمارة والحسبة وغير ذلك ، وجعل للنساء الحمل ومشقته ، وحسن التبعل ، وحفظ غيب الزوج ، وخدمة البيوت) .

فعن أسماء بنت يزيد الأنصارية من بنى عبد الأشهل : أنها أتت النبى  وهو بين أصحابه فقالت (بأبى أنت وأمى يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك واعلم نفسى لك الفداء أنه ما من امرأة كانت فى شرق ولا غرب سمعت بمخرجى هذا أو لم تسمع إلا وهى على مثل رأيى أن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة فأمنا بك وبإلهك فإذا معشر النساء محصورات قواعد بيوتكم ومفضى شهواتكم وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج وأفضل من ذلك الجهاد فى سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجًا ومعتمراً أو مرابطًا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم ، أفما نشارككم فى هذا الخير يا رسول الله؟) فالتفت النبى  إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال (هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسائلتها عن أمر دينها من هذه) قالوا يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدى إلى مثل هذا ، فالتفت النبى  إليها ثم قال (انصرفى أيتها المرأة وأعلمى من ورائك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ، قال فأدبرت المرأة وهى تهلل وتكبر استبشارا)
وفي رواية قالت (كتب الله الجهاد على الرجال، فإن أصابوا أجروا وإن استشهدوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون ، فما يعدل ذلك من النساء؟ قال: طاعتهن لأزواجهن، والمعرفة بحقوقهم وقليل منكن يفعله) .

ولما كان التمني سبب وقوع الرجال في الباطل والقتل ، فإنه كذلك بوابة شر عظيمة للنساء ،ولعل أوضح مثال لحسد النساء ما نهى رسول الله  عنه فقال (لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفِئَ مَا فِي إِنَائِهَا) ، وعنه  قَالَ (لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا) ، قال العلماء (في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به فإنما لها ما سبق به القدر عليها لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر لها ولا يزيدها) ، وقال الشراح (طلاق أختها أي ضرتها يعني أختها في الدين أو لكونهما من بنات آدم وحواء وسماها أختًا لتميل إليها وتحن عليها ، واستقباحا للخصلة المنهى عنها ، لما ورد من قوله "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ، ومفهومه أنه يكره لأخيه ما يكره لنفسه يعني لا تسأل المخطوبة الخاطب أن يطلق زوجته لتكون منفردة بالحظ منه) .

وفي قوله (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) فيه دلالة على تخصيص الله بالسؤال ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمًا فَقَالَ يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .

وفي الآية كذلك دلالة على استحباب عدم تعيين المطلوب في الدعاء ، لكن يطلب من فضل الله ما يكون سبباً لإصلاح دينه ودنياه على سبيل الإطلاق ، كما قال تعالى (ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ  أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى)
وعن بن عمر قال (كان النبي  يدعو اللهم اني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم اني أسألك العافية في ديني وأهلي واستر عورتي وآمن روعتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن يساري ومن فوقي وأعوذ بك أن أغتال من تحتي)
وفي الحديث القدسي عن رب العزة (قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةَ قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ) .

 


المطلب الخامس
توفيق الأوضاع بالنسبة لعقود المناصرة وموقفها من مراتب التراحم والصلة

لما هاجر الصحابة أفرادا من مكة إلى المدينة لم يكن لأغلبهم أسر ، بل كانوا شبابا في مقتبل سن الزواج ، فلما آخى النبي  بين المهاجرين والأنصار ، كان من اللازم قبل الحديث عن فقه الأسرة وتوسيع دائرة صلة الأرحام توفيق أوضاع عقود المناصرة التي سبقت آيات المواريث بعدما أضحى لأهل الهجرة أسرهم فصار لهم زوجات وأبناء يرثون مواريثهم ، فأعلى الإسلام لشأن الأسرة والرحم على حساب صلة المهاجرين والأنصار ، مع الاحتفاظ بعلاقة الأخوة في الله بين المهاجري والأنصاري في الوصية في حدود الثلث ، من باب رد الجميل بينهما .

وقد أثبت المهاجرين أنهم أهل لهذه العقود وكذلك الأنصار ، فلم يبخل أحد من الأنصار عن أخيه المهاجر شيئا ، ولم يتوان المهاجرون عن العمل والاكتساب والاستعفاف عما في يد الأنصار من فضل ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ  بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ  بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ  مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ فَمَا سُقْتَ فِيهَا فَقَالَ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ النَّبِيُّ  أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَتْ الْأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ  اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ قَالَ " لَا "فَقَالُوا تَكْفُونَا الْمَئُونَةَ وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)
قال المهلب : (إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم ، فكره رسول الله أن يخرج عنهم شيئاَ من عقارهم ، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد فيغنى جميعهم ، فأشركهم فى الثمرة على أن يكفوهم المئونة والعمل فى النخيل ، وتبقى رقاب النخل للأنصار)

وفي قوله تعالى (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) بيان لحكم "تركة المتوفى" ، أي ما تبقى منها بعد اقتضاء أصحاب الفروض حقهم ، حيث جرى العمل إعطائها للمتناصرين المتحالفين ، وذلك قبل العمل بهذه الآية ، لكن الحكم نسخ وجرى إعطاؤها بعد ذلك "للموالي" أي أولى رجل ذكر للمتوفى.

ذلك أن المهاجرين من الصحابة كان يناصر بعضهم بعضا ، لأن أهلهم كانوا من المشركين وكانوا أعداءً لهم ، فكان مقتضى هذه النصرة أن يتحقق التوارث بين الصحابة بعضهم البعض ، إذ لا يرث المسلم الكافر في الإسلام لقول النبي  "لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ" ، ولم ينسخ هذا الحكم وظل على أصله ، ولما كانت رابطة الدين مقدمة على النسب ، منع الكافر من ميراث المسلم.

وتعزى مبررات التوارث بين الصحابة المتناصرين - من جهة أخرى - أن كثير من الصحابة قد أعتقه أخيه من المسلمين ، فبلال أعتقه أبو بكر ولم يكن له عشيرة ولا أهل بمكة ولا المدينة ، فكان أولى به أبو بكر لأنه هو من نصره ، ولذلك بوب البخاري بَابا وصدره بهذه الآية ، وذكر قول مَعْمَرٌ "أَوْلِيَاءُ مَوَالِي وَأَوْلِيَاءُ وَرَثَةٌ" وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ – يقصد عند العرب - وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ وَالْمَوْلَى مَوْلًى فِي الدِّينِ ، فكان بلال أولى الناس بأبي بكر لولا أن لأبي بكر أهل وعشيرة من المسلمين الذين هاجروا معه ، وكان ابنه عبد الله بن أبي بكر أولى من بلال لاشتراكهما في الإسلام وتقدم عبد الله على بلال في القرابة .

لكن لما هاجر المسلمون للمدينة ، واستقروا بها وتناكحوا وتزوجوا ، وأضحت لهم أسر ساغ تطبيق أحكام الميراث على أقربائهم بالدم والنسب ، فهم أولى من غيرهم ، من هنا جاء الأمر بتقديم الميراث بالدم والنسب على التوارث بالنصرة والعقد ، فقدم الشرع الورثة كما سمتهم الآية على الأولياء والمناصرين ، قال تعالى "وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "(الأنفال/75) ، أما هؤلاء الموالون والمعاقدون والمناصرون فقد أضحى لهم الحق في الوصية لكن في حدود ثلث التركة إذا ما ثبت صدورها من المتوفى .

قال المفسرون « المَولى » لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ :- قال الزجاج (المَوْلى له مواضع في كلام العرب) ، منها ما يلي : -
أحدها : "المعتِقُ" ، و"الْعَبْدُ المُعْتَقُ" ، فالمعتِق : ولي نعمة على المعتَق ، أما المعتَق : فإنه يناصر ويوالي من أعتقه
وثانيها : "الصاحب": كما في قوله تعالى: "يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا"
وثالثها : "الحليفُ والناصر" مثل قوله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ"
والمولى الولي الذي يَلِي عليك أَمرك
والمَوْلى الحَلِيفُ وهو من انْضَمَّ إِليك فعَزَّ بعِزِّك وامتنع بمَنَعَتك الناصر
ورابعُهَا : "المولى" يعني "العبد" لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ
وخامسها : "ابْنُ العَمِّ"؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ
وسادسُهَا : "العَصَبَةُ" ، فالمَوْلى العَصَبةُ وهو المُرادُ بهذه الآية ، ومن ذلك قوله تعالى : ( وإِني خِفْتُ الموالي مِن ورائي) ؛ لقوله عليه السلامُ : « أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا وَلِيُّهُ ، فَلِأُدْعَى لَهُ الْكَلُّ الْعِيَالُ » .

وبعد تحرير لفظ "مولى" من المعاني التي تختلط به ، وقد تبين أن المراد به "العصبة" تأكد ما قسمه الله تعالى لأصحاب المواريث ، حيث ما بقي من أصحاب الفروض يكون للأولى من الأقرباء الذكور ، ما يعني نسخ ما جرى عليه العمل من التوارث بين المهاجرين والمعاهدين المناصرين لهم ، حيث لا يكون لهم ميراث ، وإنما يجوز أن تكون لهم وصية .
إذن الآية دليل على ميراث أصحاب العصبات ، الذين لا يرثون بطريق الفرض ، أي بالأنصبة التي ذكرتها الآيات رقم (11،12) من سورة النساء والأخيرة منها ، فإنهم يرثون ما تبقى من التركة بعد استقطاع نصيب أصحاب الفروض ، لقوله  "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَادْعُونِي فَأَنَا وَلِيُّهُ وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالًا فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانَ" ، والعصبة هو أولى رجل ذكر كما في الحديث عَنْ النَّبِيِّ  قَالَ " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) .

وفي قوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (33) قال العلماء : ("المعاقدة" : "المعاهدة والمحالفة"، و"الأيمان" جمع يمين بمعنى القسم أو اليد ، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد، .. فيكون للحليف السدس من مال الحليف وكان ذلك ثابتاً في ابتداء الإسلام، فذلك قوله تعالى: (فآتوهم نصيبهم) (النساء/ 109)

قال البخاري (عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ وَهْوَ الْحَلِيفُ ، وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قَالَ وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ  بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) مِنْ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ
وعن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال : عصبة (والذين عقدت أيمانكم) قال : كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر ، فأنزل الله (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً)[ الأحزاب:6] يقول : إلا أن يوصوا إلى أوليائهم الذين عاقدوا وصية) ، فالوصية جائزة في حدود ثلث مال الميت .

مما تقدم نفهم إجازة الشارع لاستقطاع نصيب من التركة للمعاهدين والمتبايعين على نصرة النبي  وأصحابه ، وذلك بطريق الوصية في حدود الثلث لا الميراث ، حيث نسخ حقهم في الميراث مطلقا بقوله تعالى (وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كتاب الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً) [ الأحزاب : 6 ] ، وإنما أجازت هذه الآية نصيبهم بالوصية كما تقدم ، ذلك أن الأنصار كانوا يقسمون أموالهم مع المهاجرين ، فكان راعية الشارع لما فعلوه معتبرة من خلال إجازة الوصية لهم في حدود الثلث ، وهو ما يتضمن معنى التعويض لهم لما فعلوه من التناصر وقت الشدة والهجرة .

أما ما بين المتحالفين من النصرة لدين الله تعالى ، فذلك لم ينسخ ، بل شدد الإسلام علي الوفاء به والتعاون عليه ، قال رسول الله  (لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً)
قال العلماء (أصل الحِلْف) : (المُعاقَدةُ والمعاهدة على التَّعاضُد والتَّساعُد والاتّفاق ، فما كان منه في الجاهلية على الفِتَن والقتال بين القبائل والغاراتِ فذلك الذي ورد النَّهْي عنه في الإسلام بقوله  "لا حِلْفَ في الإسلام" وما كان منه في الجاهلية على نَصْر المَظْلوم وصلة الأرحام كحلْف المُطَيَّبين وما جرى مَجْراه فذلك الذي قال فيه  "وأَيُّمَا حِلفٍ كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شدة" يريد من المُعاقدة على الخير ونُصْرَة الحق ـ وبذلك يجتمع الحديثان وهذا هو الحِلْف الذي يَقْتَضِيه الإسلام والمَمْنُوع منه ما خالف حُكْم الإسلام ، وقيل المحالفة كانت قبل الفتح)
وقال الملا القاري (فإن الاسلام أقوى من الحلف، فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف ، قال في النهاية أصل الحلف المعاقدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل فذلك الذي ورد النهي عنه في الاسلام بقوله  لا حلف في الاسلام وما كان منه في الجاهلية على نصرة المظلوم وصلة الأرحام ونحوهما فذلك الذي قال فيه  أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة) .

قوله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (33) قال ابن عجيبة (لا يخفى عليه من يستحق الخلافة ويرث سرَ الولاية) ، ذلك أن الميراث المادي يتوارثه أهل القرابات ، أما ميراث الأنبياء الذي هو العلم ، فهو ميراث معنوي ، فلا يرثه إلا أتباع الأنبياء ، والله شهيد على ذلك .

قال الطبري (يعني بذلك جل ثناؤه: فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك، وعلى غيره من أفعالكم، مُرَاعٍ لكل ذلك، حافظٌ، حتى يجازي جميعَكم على جميع ذلك جزاءه، أما المحسنَ منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى، وأما المسيءَ منكم المخالفَ أمري ونهيي فبالسوأى) .

  • الاربعاء AM 11:02
    2025-12-31
  • 284
Powered by: GateGold