المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899890
يتصفح الموقع حاليا : 154

البحث

البحث

عرض المادة

استحلال النساء بالزواج مطلب شرعي له ضوابطه وشروطه

د / احمد نصير 

المطلب الثالث
استحلال النساء بالزواج مطلب شرعي له ضوابطه وشروطه

قال تعالى (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28)

يبدو أن معالجة القرآن الكريم لهذا الموضوع بتقرير الحكم الأصلي وهو الزواج الشرعي من امرأة تكافئ الرجل ، ولكن القرآن منهج رباني نزل للبشر ويعالج ظروفهم كما هي ، ولذلك فإنها يشرع الحكم ويشرع بديله لأن الشارع الحكيم يعمل قدرات البشر وما يستطيعون فعله ومالا يستطيعون ، ولأن تكلفة الزواج قد تفوق الاستطاعة فيتعذر أن يتزوج الرجل ممن تكافؤه أجاز له أن ينكح المحصنات من الإيماء ، فيكون بذلك حقق مصلحتين إحداهما لنفسه بأن حصلت له العفة ورفع عن نفسه الحرج والعنت ، وفي ذات الوقت سعى إلى تحريرها من الرق بدفع مهرها فداء لها إن اتفقا على ذلك ، وهذا هو المطلوب .

ولم يندب الشرع لفعل ذلك إلا من باب الرخصة عند عدم المقدرة ، لأنه وإن كان في الزواج من الإيماء تسرية ، لكن لا حاجة لها فيه لأن مالكها يملك وطأها ، وهي لا تصير حرة بالزواج منه ، وإنما تكون حرة إذا أنجبت من مالكها ، حيث تعتق بعد موته ، ولا يجوز له بيعها حال حياته معها ، وإن كرهها فلا يتبقى بعد أن أنجبت غير أن يعتقها ، فتصبح حرة كذلك ، أما في الفرض حيث تتزوج من "غير سيدها" ، فإنه ينغلق أمامها سبيل "الحرية" إلا إذا كان مهرها هو عتقها ، وبذلك عدد الإسلام الأسباب الموصلة لعتق الإماء مع الاحتراز دون إطلاقهن لنشر البغاء في المجتمع .

لكن لما كان الطريق الأول أكثر حظا له ونفعا ، والطريق الثاني محفوف بالمخاطر حيث قد لا تكون الأمة مؤهلة للزواج ،وقد تقع في الزنا لعادتهن ذلك قبل الأسر ، ولا يكون زواجه منها سببا لإحصانها ، فإن الشارع الحكيم ندب له أن يسلك الطريق الأول ويجتهد في تحصيل أسبابه متوكلا على الله ، ويستعين على ذلك بشيء من الصبر ولا يتعجل ، وإن ضاقت به نفسه ففي التماس الرخص الشرعية ما يرفع عنه العنت .

وذلك فيه خمس مسائل :-
الأول : أن الأصل في الإبضاع التحريم
والثانية : أن الاستمتاع بالنساء بالزواج غرض مطلوب شرعا
والثالثة : ضابط حل المتعة في الغربة للجهاد يكاد يكون متعذرا اليوم
الرابعة : حكم مؤجل من المهر ، والتراضي عنه
الخامسة حكم نكاح الإماء
السادسة : التماس الرخص أولى من اتباع الشهوات

المسألة الأول : الأصل في الإبضاع التحريم :

بمعنى أن الأصل في فروج النساء هو التحريم والحظر، ولا تُستحل إلا بالزواج الشرعي وهو المقصود بالإحصان في الآية ، أو ملك اليمين ، وذلك خلافا لما كان عليه الحال في أيام الجاهلية ، حيث كان السفاح مستشريًا ، وقد كثر نكاح البغايا اللائي لا تمتنِعْنَ عمن جاءها يبتغي الاستمتاع بها بلا عقد ودون ترتيب أدنى مسئولية على الآثار الناجمة عنه ، فأبطل الإسلام ذلك ، ووضع للنكاح شروطا تلك التي تعارف عليها الناس اليوم في المجتمعات والأوساط الإسلامية في كل مكان في العالم .

وفي قوله (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي ما سوى المحرمات من النساء مما ورد ذكره حصرًا وقصرًا ، فيجوز للرجل أن يتقدم لمن يشاء من النساء بقصد النكاح ، ولكن بشروطه التي شرعها الله التي منها المهر ، وأن يكون الزواج بقصد الإحصان ، يعني على وجه التأبيد ، وليس سفاحا مؤقتا ، (وسمي الزَّنَا سفاحاً؛ لأنَّهُ لا غرض للزَّاني إلا صب منيه) ، لأن السفاح مأخوذ – لغة- من سفح الماء أي صبه وسيلانه) , قال ابن منظور (السَّفْحُ عُرْضُ الجبل حيث يَسْفَحُ فيه الماءُ ،قال ابن الأثير : السَّفْحَ الصَّبُّ) ، فتقدير الكلام: (اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح, لا على وجه السفاح) .

وفي ذلك إبطال لصور النكاح في الجاهلية إلا ما تعارف عليه المسلمون ، فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ  أَخْبَرَت (أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ : -
• فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا
• وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ
• وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ
• وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمْ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِي يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ .
• فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ  بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ ) .

وهكذا نفهم أن هذا الحكم يطبق على المسلمين وغير المسلمين في بلاد الإسلام ، لأن ما تعارف عليه الناس هو حكم بالعرف الشرعي ، وما يخالف أعراف الناس وآدابهم هو ما يسمى بالنظام العام في الشريعة الإسلام ولا يجوز مخالفته بحجة مغايرة الدين أو عدم الاقتناع ، فهو نظام مجتمع عام .

المسألة الثانية : حكم الاستمتاع بالنساء بفريضة

وفي قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) بيان للغاية من النكاح ، لأنه مهما تتعدد الغايات إلا أن مدارها كلها على أمر واحد ألا وهو "الاستمتاع بالنساء" ، فذلك هو الدافع الحثيث للرجل لأن يتقدم لخطبة المرأة ، وكلف نفسه مؤنة تجهيز بيت الزوجية وادخار مقدار المهر ، وتعهد بالإنفاق عليها ، فألزم نفسه كل هذه الأعباء ليجد بعد ذلك السكن والراحة والمتاع الذي هو مسوق إليه ومقهور عليه بمقتضى الفطرة ، ولولا الزواج لشعر الرجل والمرأة بعدم الستر ، فالزواج ستر لشهوتهما من أن تثار في غير محلها ، ولذلك قال تعالى (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) (البقرة 178) فقد جعلها الله لباسًا له وسترًا وغطاءً ، وجعله لها لباسًا وسترًا وغطاءً.

لكن الشارع غلب المودة والرحمة على غرض الاستمتاع ، فقال (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم21) ، لأنهما الباقيان في المعاشرة بينهما بالمعروف بعد الفراغ وقضاء الوطر ، ومن ثم كنى عن الاستمتاع بمظاهر كثيرة ،بيد أن "الاستمتاع" لا يزال هو الداعي للزواج ، سواء تمثل في الاستمتاع بالحديث معها أو استشارتها أو الأنس بوجودها أو اللذة معها ...الخ ، فلا يزال هو المطلوب ، بل إن كثيرا من حالات الطلاق يعزى سببها إلى تعذر "الاستمتاع" إما لشجار زوجي أو عدم توافق جنسي أو مرض حال دون ذلك أو اختلاف بينهما في الطباع والعادات أدى للنفور بينهما .

ولذلك لابد وأن لا نغفل هذا الأمر باعتباره حقا مشتركا بين الطرفين ، حيث كثيرا ما يتحاذق أحد الطرفين بأن العلاقة الزوجية لا تقتصر على الاستمتاع وحسب ، وهذا صحيح ، لكن هذا القول يتضمن في طياته نية خبيثة ، لأن الحياة الزوجية وإن كانت تتسم بالمشاركة في كثير من الجوانب ، ومنها تربية الأولاد ومسئولية البيت ...الخ ، إلا أن موضوع الاستمتاع بين الزوجين يضفي للعلاقة بينهما كثير من الاستقرار ودوام الود بينهما والهدوء والسكينة والصحة النفسية ، وتخلفه أو التقصير فيه يترتب عليه آثار وخيمة .
ولأهمية هذه المسألة شدد الإسلام على المرأة بأن تطيع زوجها في هذا الأمر على أي حال ، قال رسول الله  (إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ) ، يعني لو كانت تطبخ الطعام على النار ، فلتتركه ولتطع زوجها إذا طلبها لحاجته ، وقال  ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امرَأتَهُ إِلَى فرَاشِهِ فَلَمْ تَأتِهِ ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا ، لَعَنَتْهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ، وفي رواية لهما : (إِذَا بَاتَت المَرأةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ) .
وفي رواية قَالَ رَسُول الله  : ( والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأتَهُ إِلَى فِرَاشهِ فَتَأبَى عَلَيهِ إلاَّ كَانَ الَّذِي في السَّمَاء سَاخطاً عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنها) .

فإذا كان ذلك كذلك ، فقد أوجب الإسلام على المرأة واجبا أن تسلم نفسها لزوجها متى طلبها ، وفي المقابل وضع على الزوج واجب أن يستمتع بها لا لفترة زمنية ويتركها ، بل يلتزم أن يحافظ عليها على وجه التأبيد كأصل ، ولا يمتنع عن الوفاء بحقوقها ، فلا يطلقها بعد الفراغ منها ، بل هي حياة زوجية تدوم حتى ولو كرهها ، كما ذكر الله ، ولا يطلقها إلا إذا غلب الضر النفع .

المسألة الثالثة : حكم نكاح المتعة

الحديث عن الاستمتاع بالنساء وأنه غرض مقصود من الزواج ، يحيلنا إلى الإجابة عن سؤال ما حكم الإسلام في نكاح المتعة ؟ أي المؤقت وليس على وجه التأبيد ، فلنكاح المتعة بهذا المعنى صورتان :-
أحدهما في الحضر وفي هذه الحالة يعتبر زنا محضا ، وتأخذ حكمه ولا شبهة في ذلك .
والحالة الثانية في الغربة في بلاد الكفر ،وقد تعذر إجراء الزواج الإسلامي المكتمل الأركان ، حيث لا زوجة مسلمة أو كتابية تفهم معنى الزواج الإسلامي الذي هو بمعنى التأبيد ، ولا ملك يمين ولا يكون للرجل أجل مضروب للرجوع إلى أهله فيصبر حتى يرجع ، هنا يتفق معها على أجل سوف يتركها بعده لأجل أنها لن تغادر أهلها وتهجر وطنها لأجل الرحيل إلى ديار زوجها ، فيكون الأجل بمثابة مصارحته لها بظروفه دون ان يخدعها .

وتلك المسألة أو هذا الفرض اختلف العلماء في شأنه ، لثبوت حلها ثم نسخه ثم الرجوع للحل مرة أخرى ثم نسخه إلى يوم القيامة لعدم وجود علته في زمن الصحابة بعد وفاة النبي  ، وهي من أشد مسائل الخلاف بين أهل السنة والشيعة ، والحد المتيقن عند الفقهاء أنه لم يثبت إجازتها أو الترخيص بها في الحضر مطلقا ، وإنما القول بالترخيص بها كان في شأن أسفار الصحابة مع النبي  للجهاد في سبيل الله ، فأجاز لهم ثم منع ثم أجاز ثم منع ثم أخر أمره المنع ، لانتفاء العلة إلى يوم القيامة ، وتفصيل ذلك على النحو التالي :-

فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ  لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ) ، وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَا كُنَّا فِي جَيْشٍ فَأَتَانَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ (إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا فَاسْتَمْتِعُوا) ، .. وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أَيُّمَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ تَوَافَقَا فَعِشْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يَتَزَايَدَا أَوْ يَتَتَارَكَا تَتَارَكَا) ، قال الراوي (فَمَا أَدْرِي أَشَيْءٌ كَانَ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً ، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَبَيَّنَهُ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ  أَنَّهُ (مَنْسُوخٌ)

قال الحازمي "وهذا الحكم كان مباحا مشروعا في صدر الاسلام وإنما أباحه النبي  لهم للسبب الذي ذكره بن مسعود ، وإنما كان ذلك يكون في أسفارهم ، ولم يبلغنا أن النبي  أباحه لهم وهم في بيوتهم ، ولهذا نهاهم عنه غير مرة ثم أباحه لهم في أوقات مختلفة حتى حرمه عليهم في آخر أيامه  في حجة الوداع ، وكان تحريم تأبيد لا تأقيت ، فلم يبق اليوم في ذلك خلاف بين فقهاء الأمصار وأئمة الأمة إلا شيئا ذهب إليه بعض الشيعة" .

يستفاد مما تقدم أنه قد ثبت عن النبي  إجازته "المتعة" لأصحابه لما شكوا إليه حالهم في السفر معه للجهاد ، وقد حداهم الأمر إلى التفكير في الإخصاء ، فنهاهم عن ذلك ، وأجاز لهم الزواج بالأجنبيات في الغربة لأجل معين لتعذر رجوعهن مع الصحابة لدار الإسلام ، ورفضهن مفارقتهن أهلهن في ذلك الوقت ، فتلك هي ظروف الحل ، ولا سبيل لهم غير ذلك .

فعَنْ عَبْدَ اللَّهِ بن مسعود يَقُولُ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  لَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فلما بلغ ذلك النبي  قال : "افعلوا" ، وذلك من باب الرخصة في تلك الظروف لاسيما وأن كثير من الصحابة لا يزال حديثا في الإسلام ، و"الأجل" المقصود به هنا المصارحة باعتبار فقه الواقع ، لتعذر العمل بخلافه ، فهي لن ترضى أن ترجع معه لدار الإسلام .

ثم ورد بعد ذلك نهيه عنها لما عاد الصحابة مرة أخرى لقومهم ، فنهاهم عنها في خيبر وفي فتح مكة وفي حجة الوداع ، فعن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  (نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) ، وعَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عن أبيه أن رَسُولِ اللَّهِ  (نَهَى يَوْمَ الْفَتْحِ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ) ، حيث لا يتعذر على الصحابة الزواج على سبيل التأبيد ، ودون أن يشترط عليها التأقيت .

وأخيرا ثبت نهيه  عنها في حجة الوداع ، فقد ورد عَنْ رَسُولَ اللَّهِ  أَنَّه نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ وَقَالَ "أَلَا إِنَّهَا حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ) أي لا يأخذ المهر ، لأنه وجب باستحلال الفرج ، وعن سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فَقَالَ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا" ، وفي رواية عن سبرة الجهني قال: خرجنا مع رسول الله  ، فلما قضينا عمرتنا قال لنا (استمتعوا من هذه النساء)، قال: (والاستمتاع عندنا يومئذ التزويج، فعرضنا بذلك النساء أن نضرب بيننا وبينهن أجلا) ، قال: فذكرنا ذلك للنبي  ، فقال (افعلوا ذلك) ، فخرجت أنا وابن عم لي، معي بردة، ومعه بردة، وبرده أجود من بردي، وأنا أشب منه، فأتينا امرأة فعرضنا ذلك عليها، فأعجبها شبابي، وأعجبها برد بن عمي، فقالت: برد كبرد، فتزوجتها وكان الأجل بيني وبينها عشرا، فلبثت عندها تلك اللية، ثم أصبحت ذكر البيان بأن المصطفى  حرم المتعة عام حجة الوداع تحريم الأبد إلى يوم القيامة) .

الأمر الذي يفهم منه أن الأمر بإباحتها والنهي عنها كان بحسب أحوال الصحابة وحاجتهم لها - ضرورة – ولا بديل عن ذلك ، فلما ثبت أنهم ليسوا بحاجة لها نهاهم عن ذلك إلى يوم القيامة ، وهو الأمر الذي حدا بابن عباس أن رخص فيها ، فلما عُلم عنه ذلك كُتبت أشعار للتهكم من قوله بإباحتها ، فلم علم بما كُتب عنه استرجع وذكر أنه لم يجزها إلا كما تجوز الميتتة للمضطر ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ فَرَخَّصَ فَقَالَ لَهُ مَوْلًى لَهُ (إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْحَالِ الشَّدِيدِ ، وَفِي النِّسَاءِ قِلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (نَعَمْ) .

أما ما ورد من أن المسلمين عملوا بالمتعة بعد وفاة النبي  وفي عهد أبو بكر وعمر ، فالأمر فيه تفصيل ، فعن عَطَاء قَالَ قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ فَقَالَ نَعَمْ اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ) ، فذلك قد يرجع إلى عدم علم بعضهم بحكم النسخ ، ولا حجة في فعله ، وهو ما ذكره الشوكاني فقال : (اعلم أن النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة، هو النكاح الذي يعقده الأولياء للنساء، وقد بالغ الشارع في ذلك، حتى حكم بأن النكاح الواقع بغير ولي باطل، وكرر ثلاثاً، ثم النكاح الذي جاءت به هذه الشريعة هو النكاح الذي أوجب الشارع، فيه إشهاد الشهود؛ لما ثبت ذلك بالأحاديث، ثم النكاح الذي شرعه الشارع هو النكاح الذي يحصل به التوارث، ويثبت به النسب، ويترتب عليه الطلاق والعدة ، وإذا عرفت هذا، فالمتعة ليست بنكاح شرعي، وإنما هي رخصة للمسافر مع الضرورة، ولا خلاف في هذا، ثم لا خلاف في ثبوت الحديث المتضمن للنهي عنها إلى يوم القيامة، وليس بعد هذا شيء، ولا تصلح معارضته بشيء مما زعموه ، وما ذكروه من أنه استمتع بعض الصحابة بعد موته  ، فليس هذا ببدع ، فقد يخفى الحكم على بعض الصحابة ، ولهذا صرح عمر بالنهي عن ذلك ، وأسنده إلى نهيه  لما بلغه أن بعض الصحابة تمتع ، فالحجة هي في الثابت عن رسول الله  لا فيما فعل فرد أو أفراد الصحابة ، أما المراوغة بأن التحليل قطعي والتحريم ظني ، فذلك مدفوع بأن استمرار ذلك القطعي ظني بلا خلاف ، والنسخ إنما هو للاستمرار لا لنفس ما قد وقع ) .

ويعزى ذلك كذلك إلى اختلاط مفهوم (المتعة) بمفهوم (نكاح السر) ، وكلاهما لا يجوز ، وهو ما نهى عنه عمر بن الخطاب لما علم به ، فعن الْحَسَنُ : أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ امْرَأَةً سِرًّا فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا فَرَآهُ جَارٌ لَهَا فَقَذَفَهُ بِهَا فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ : بَيِّنَتُكَ عَلَى تَزْوِيجِهَا فَقَالَ : يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ أَمْرٌ دُونٌ فَأَشْهَدْتُ عَلَيْهِ أَهْلَهَا فَدَرَأَ عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الْحَدَّ عَنْ قَاذِفِهِ وَقَالَ : حَصِّنُوا فُرُوجَ هَذِهِ النِّسَاءِ وَأَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَنَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ) .

والقول الفصل في المسألة هو تعذر تحقق مناط العمل بتلك الرخصة بها بعد استقرار المسلمين وانتشار الإسلام ، وتعطل الجهاد في سبيل الله بالسنين ، فعن أبو عبيد: قال: (المسلمون اليوم مجمعون على أن متعة النساء قد نسخت بالتحريم ، نسخها الكتاب والسنة، وهذا قول أهل العلم جميعاً؛ من أهل الحجاز والشام والعراق من أصحاب الأثر والرأي، وأنه لا رخصة فيها لمضطر، ولا لغيره) .

وعن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ فَقَالَ إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ  فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ فَأَمَرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مَهْلًا قَالَ مَا هِيَ وَاللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ وَنَهَى عَنْهَا) ، أي أن مفترضات النهي غير مفترضات الحل ، فلا مجال لحمل هذا على ذاك .

المسألة الرابعة : حكم مؤجل من المهر ، والتراضي عنه

وفي قوله (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (24) استئناف لقوله تعالى (فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ذلك أن المهر منه معجل ومنه مؤجل ، فالمعجل منه يدفع قبل الدخول ، والمؤجل يدفع بعد الدخول ، وهو المقصود بقوله تعالى (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " " وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ " وَالتَّرَاضِي: أَنْ يُوفِيَهَا صَدَاقَهَا ثُمَّ يُخَيِّرُهَا" .

فليس معنى أنه مؤجلًا أن يترك الوفاء به إلى أقرب الأجلين ، "الطلاق" أو "الموت" ، وإنما ينبغي على المتقين أن يوفوا ما عليهم من ديون لأصحابها ، ولا يتساهلوا في الوفاء حتى ولو كان الأمر متعلقًا بتساهل زوجته معه مالم تبرئه منه ، قال رسول الله  (من تزوج امرأة على صداق وهو ينوي أن لا يؤديه إليها فهو زان) ، فليس من التقوى أن ينفق عليها من مأكل وملبس ومسكن وعلاج أن يقتصر على ذلك ثم يستخف بدين المهر المؤجل الذي هو مستحق عليه ، لقوله  " أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنْ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" ، قال المناوي (وهو نحو المهر والنفقة فإنه التزمها بالعقد فكأنها شرطت) .

المسألة الخامسة : حكم نكاح الإماء

قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

ألمح صاحب الظلال إلى أن "نظرية الزواج من ملك اليمين" بأن الإسلام ابتدعها في ظروف معينة ، ليهدم التفرقة العنصرية بين الأحرار وغيرهم والاعتبارات السائدة يومذاك ، تذكيرًا بالأصل الواحد (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء) ، وتذكيرًا بآصرة الإيمان (من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض) ... وهو لا يسمي من هُنَّ ملك لهم « سادة » ، إنما يسميهم «أهلاً» (فانكحوهن بإذن أهلهن) ، وهو لا يجعل مهر الفتاة لسيدها ، فمهرها إنما هو حق لها ، -لكن يجوز أن تفدي به نفسها -، لذلك يخرج من قاعدة أن كسبها كله له ، فهذا ليس كسباً ، إنما هو حق ارتباطها برجل (وآتوهن أجورهن) ... وهو يكرمهن عن أن يكن بائعات أعراض بثمن من المال ،إنما هو النكاح والإحصان (محصنات غير مسافحات ولامتحذات أخدان) .

وكلها لمسات واعتبارات تحمل طابع التكريم لإنسانية هؤلاء الفتيات ، حتى وهن في هذا الوضع ، الذي اقتضته ملابسات وقتية ، لا تطعن في أصل الكرامة الإنسانية ، وحين يقاس هذا التكريم إلى ما كان سائداً في جاهلية الأرض كلها يومذاك من النظرة إلى الرقيق ، وحرمانه حق الانتساب إلى «إنسانية» السادة! وسائر الحقوق التي تترتب على هذه «الإنسانية» ... يبدو مدى النقلة التي نقل الإسلام إليها كرامة «الإنسان» وهو يرعاها في جميع الأحوال ، بغض النظر عن الملابسات الطارئة التي تحد من أوضاع بعض الأناسي ، كوضع الاسترقاق ، ويبدو مدى النقلة البعيدة حين يقاس صنيع الإسلام بما تصنعه الجيوش إذا دخلت قرية في هذه الجاهلية الحديثة بنساء وفتيات تلك القرية ! .

ففي قوله (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إرشاد قرآني لأهمية النكاح سواء مع الطول –أي السعة من الرزق- أو بدونه ، أي حال تعذر الاستطاعة الإتيان بتكاليف الزواج من مهر ونفقة ومعاش وأثاث ، والأصل أن يؤجل المؤمن الزواج حتى يستطيع طولا ، عن مجاهد أن (من لم يجد غنى أن ينكح المحصنات - يعني " الحرائر " - فلينكح الأمة المؤمنة) .

يقول النبي  (من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان ، فليتق الله في النصف الباقي) ، وفي رواية (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه الله على شطر دينه ، فليتق الله في الشطر الثاني) ، قال الرازي (المراد بالمحصنات هو الحرائر ، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الاماء ، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للإماء ، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصَنات أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء) أي على سبيل الغالب .

وتقييد "الأمة" بالمؤمنة مقصود ، ذلك أن المملوكة إن كانت في الأصل محاربة من صفوف الكفار فوقعت في أسر المسلمين ، وقد تخلى عنها الكفار فلم يفدوها بفدية قبل أن يوزعها الإمام على المجاهدين ، فإن آمنت وحسن إسلامها فهي أولى من غيرها بالفدية ، وذلك بأن تتزوج مسلمًا مثلها وتتحرر من ملك اليمين ، بذلك شرع الله لها طريق آخر لتحريرها لو لم تتحرر من الملك بوطء سيدها لها والحمل منه لتصبح بذلك أم ولد .

ولذلك قال الألوسي (المأمور بالنكاح هناك غير المخاطبين بملك اليمين) ، قال الشعراوي (والذي نلمحه في الآية أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها ؛ لأن مالكها لا يحتاج ذلك ، إنه يستمتع بها ويتغشاها؛ لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير) ، فإن حملت منه فولدت فإنه لا يجوز له بيعها -كما تقدم - إلا إذا ثبت زناها - كما سوف نبين - وتصبح حرة بموته متى تبين حملها منه ، فعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا ، وَإِنْ كَانَ سِقْطًا) ، أما إذا وافق على نكاحها من غيره ، فلا يجوز له وطأها عندئذ ، وإن ظلت تخدم سيدها متى لم يكف مهرها لتحريرها منه ، لكن في الغالب أنها تتحرر منه بدفع المهر فدية لها ، وإلا لما أجاز سيدها أن تنكح لغيره على وجه الغالب كذلك .

وفي قوله (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) قال ابن الجزي (أي إماؤكم منكم ، وهذا تأنيس بنكاح الإماء ، لأن بعض العرب كان يأنف من ذلك) ، قال ابن عاشور (وقد حملها جمهور المفسرين على معنى أن نساءكم ورجالكم يجمعهم أصل واحد) ،وفيه دليل على أن نكاح الإماء لا يختلف عن نكاح الحرائر، فيشترط فيه الرضاء والمهر.

فالإسلام جعل رضاء "الأمَة" – شرط معتبر في الزواج ، وهي تحت الرق- ، لكن رضاها وهي في تلك الظروف غير معتبر إذا ما تغيرت ونالت حريتها ، نظرًا لأن ظروف الرق قد تضطرها للموافقة على الزواج ممن هي كاره له ، باعتبار أنه ليس في الإمكان أفضل من ذلك ، ولذلك منحها الخيار مرة أخرى حين تعتق ، وقد نالت حريتها وحازت كامل أهليتها ، فأجاز لها الحق في أن تخلع زوجها .
فعن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة فَأَعْتَقْتُهَا قَالَتْ فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ  فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا بِتُّ عِنْدَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا) .
وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ "عَبْدًا" يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ  لِعبَّاسٍ يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا فَقَالَ النَّبِيُّ  لَوْ رَاجَعْتِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي قَالَ إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ)
ففي الحديث دليل على أن الأمة لها الحرية الكاملة في اختيار زوجها ، ولا تتزوج بدون رضاها ، لكن لشبهة الرق منحها الشرع الخيار مرة أخرى إذا أُعتقت ، قال ابن البطال (ولا خلاف بين الجميع أن المملوكة إذا عتقت وهى تحت زوج فاختارت نفسها ، أنها لا ترجع إلى الزوج الذى كانت تحته إلا بنكاح جديد غير النكاح الذى كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها) .

(وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا ، لأِنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَال ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ ) ، وقد خالفهم في ذلك أبو حنيفة ، ومن تبعه من الحنفية ، فقالوا يثبت الخيار للأمة إذا عتقت مطلقا كانت تحت حر أو عبد) ، واستدلوا برواية أن مغيث كان حر وقت ما خيرت بريرة .

نفهم مما تقدم أن من العلماء من جعل علة التخيير (الكفاءة) ففرقوا بين كون الزوج حرا أو عبدا ، فجعلوا لها الخيار إذا كان عبدا ولم يجعلوا لها الخيار إذا كان حرا ، ولكنني أرى أن العلة هو شبهة عدم الرضاء الكامل حال كونها (أمة) -والله أعلم – بدليل أن النبي  استدعاها فور عتقها ، ولو كانت المسألة هي الكفاءة لم يكن ليثيرها إلا أن تطلبها ، فلها أن تتنازل عن شرط الكفاءة ، فترضى بأن تُنكح لعبدٍ وليس حرًا ، فقد يكون عبدًا ولكنه من أهل الله وخاصته ، كما في الحديث (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) .

وفي قوله تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) تأكيد على وجوب استيفاء شروط الزواج الشرعي في تزويج الإيماء كاملةً دون نقصان مثل الحرة ، فالرضاء وليها شرط واجب ومعتبر ، نظرا لأن النساء ناقصات عقل ، كان لابد من ولي لها ، فيجب استئذان الولي في نكاحها ، ولأنها من السبي ، فليس لها أهل غير مالكها وقد تخلوا عن فدائها بدفع ديتها ، فيكون هو المكنى عنه في الآية بلفظ (أهلهن) ، وتكون الولاية هنا ولاية اشتراك ، أي بين الأمة وسيدها ، فرضاءهما معا معتبر ، فيجب أن يأذن بعد أن ترضى ، فلا ينفرد أحدهما بالأمر ، لأن الإذن لاحق للرضا ، وبمهر يُتفق عليه قبل العقد ، ولا ينعقد العقد إلا بتسميته لأنه قد يكون بابا لتحريرها ، وإن جاز تأخير دفعه أو بعضه إلى بعد البناء – الدخول بها – بالاتفاق .

والنكاح هنا لامرأة من السبي ، فإن أراد وليها أن ينكحها لنفسه فتصبح زوجته فذلك جائز كذلك ، بل مندوب إليه ، يقول النبي  (أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ وَلِيدَةٌ فَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا وَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ) .

وقد حدث ذلك في شأن أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ، كانت من سبايا خيبر وهي بنت زعيم يهود خيبر قُتل زوجها وأبوها في خيبر ، فجُعلت في نصيب النبي  فجعل مهرها عتقها ، وتزوجها ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  غَزَا خَيْبَرَ ... فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ (فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ ... فَجُمِعَ السَّبْيُ فَجَاءَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ قَالَ ادْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ  قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ  وَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ يَا أَبَا حَمْزَةَ مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ (نَفْسَهَا) أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا...) .
وفي رواية (فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ  بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا لَهُ وَتُهَيِّئُهَا قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ وَتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ" ، وفي رواية " فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ  لِنَفْسِهِ فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ – أي استبرأ رحمها بحيضة لأنها كانت تحت كافر- فَبَنَى بِهَا ... ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ)
قال ابن حجر (لما قيل للنبي  إنها بنت ملك من ملوكهم ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية وفوقه وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه واختصاص النبي  بها فإن في ذلك رضا الجميع وليس ذلك من الرجوع في الهبة من شيء) .

وقد يكون أهل الجارية امرأة فلها أن تهبها أو تبيعها لمن يعتقها ويتزوجها ، كما حصل مع سارة وهاجر ونبي الله إبراهيم عليه السلام ، فقد بوب البخاري بَابا بعنوان اتِّخَاذِ السَّرَارِيِّ وَمَنْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ، وذكر في الباب الحديث (بَيْنَمَا إِبْرَاهِيمُ مَرَّ بِجَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَعْطَاهَا هَاجَرَ قَالَتْ كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَنِي آجَرَ) ، وفي رواية (قَالَتْ رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ وَأَخْدَمَ هَاجَرَ) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ فَأَعْطَوْهَا آجَرَ فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ  فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) .

قال الحافظ بن حجر (هاجر -والدة إسماعيل - صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها ، وإنها وهبتها لإبراهيم لما يئست من الولد ، فولدت هاجر إسماعيل ، فغارت سارة منها" ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ –جزام يشد الوسط - مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ – تضرب الرمال بالحزام لتختفي آثار الخطوات - ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ) .

والمعنى أن"هاجر" تزيَّت بزي الخدم إشعاراً بأنها خادمة سارة لتستميل خاطرها وتجبر قلبها ، والسبب في ذلك أن سارة كانت وهبت هاجر لإبراهيم فحملت منه بإسماعيل ، فلما ولدته غارت منها فحلفت لتقطعنّ منها ثلاثة أعضاء ، فاتخذت هاجر منطقاً فشدت به وسطها وجرت ذيلها لتخفي أثرها على سارة وهو معنى قوله لتعفي أثرها بالتشديد) .

قال بن الجوزي (ومعنى لتعفي أثرها أي تسحب طرف ذلك الثوب على التراب فتمحو أثر خطواتها ، وهذا فعلته لما كانت عندها ، وسبب ذلك أن الولد كان أبطأ على سارة فوهبت هاجر لإبراهيم فلما رزق منها إسماعيل غارت وقالت لا تساكنيني في بلد فكانت هاجر تقصد أن تخفى على سارة واتخذت المنطق ثم خرج بها إبراهيم وبابنها وهو رضيع)

ونستدل بهذه القصة على أن هاجر كانت جارية ، وكانت لسارة ، ووهبتها لزوجها إبراهيم ، فأعتقها إبراهيم عليه السلام وتزوجها وأنجب منها إسماعيل عليهما السلام ، ومن ذريته كان النبي محمد  .

وفي قوله (مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) قطعت الآية السبيل على الفهم الخاطئ لمسألة "الإماء" ، في ظن من يحسب أنه يجوز اتخاذهن بغايا ، أو يظن أنه يحق لضيوف مالكها أن يطؤها باعتبارها مالًا بمباحًا له يهديه لمن يشاء ، فهذا لا يجوز ، حيث إن الشرع لما أجاز لمالكها وطأها كان ذلك لظروف اقتضتها الضرورة ، وذلك لعلتين :-

الأولى : أنها جاءت أسيرة من دار حرب من أي الكفار المحاربين للمسلمين ، وقد ضن أهلها أن يفدوها من المسلمين ، فكان جزاؤها القتل مثلهم ، لكن الشرع خفف الحكم وجعلها مسبية عقوبة لها من جهة ، وحفظا لحق المسلمين في مبادلة أسراهم بها أو فداؤها بفدية يدفعها أهلها ، فإن صلح حالها التحقت بصفوف المسلمين ، فلها ما لهم ، وعليها ما عليهم ، وقد عدد الشرع السبل لأن تنال حريتها بالعتق والزواج من المسلمين ، ذلك أن الإسلام ينكر تعطيل الطاقات ، فحبسها طول عمرها لن يفيدها ولن يفيد المجتمع ، كما أن إطلاقها لأهلها تغريم للأسرى المسلمين عندهم ، عندما يُطلق أسرى المشركين بلا فداء ، في حين يتكلف أسرى المسلمين فداء أنفسهم بأموالهم أو يغرم أهلهم الفداء ، أضف إلى ذلك أن عتقهن وإطلاقهن في المجتمع المسلم دون تأهيل وتربية هو نشر لفيروس البغاء والفحشاء بين المسلمين ، فهي لا تحرم على نفسها ما يحرمه الله ورسوله ، ولا تدين بدين الحق ، فلم يبق لها إلا أن يطأها سيدها فتصبح مثل زوجته تنجب منه ولد ينسب له ، وتنال حريتها به فتسمى بأم ولد ، فلا يجوز له بيعها كما سبق أن أشرنا .

والعلة الثانية : أنها كامرأة مملوكة كثيرا ما يخلو بها سيدها وتخلو به طيلة حياتهما معا ، وهذا أفضل من أن تظل مسجونة ، فكيف لا يتطرق الاحتمال إلى أن يطأها ولو لمرة ، ولو مُنع ذلك لوقع في حرج شديد ، وكان في ذلك تضييق شديد عليه وعليها ، ريثما أنها تخدمه وتقترب منه ، فقطع الإسلام هذه المسألة بتخفيف العبء عليهما بإباحة الوطء مع تحمل مسئولية الولد منها ، ونعيد التكرار والتأكيد على أن أهلها قد تخلو عن دفع فديتها ، فلو فادوها لما حصل لها ذلك ، والإسلام أراد تأهيلها في إطار الأسرة المسلمة ، فمن رحمة الله بها أن سمح لها أن تعيش مع المسلمين فتسلم بعد ذلك وتنال حريتها بالإسلام ، ففي الحديث قال رسول الله  (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ) .

أما مسألة ارتهان أحكام أم الولد بالإنجاب ، وليس بالوطء ، أي أنها تصير زوجته بالإنجاب لا بالوطء ، ذلك أن الأحكام في الشرع معللة بالأوصاف الظاهرة المنضبطة ، والوطء أمر غير ظاهر ، فقد يعترف به البعض وينكره آخرون ، بينما لا سبيل لإنكار الوطء متى حصل الإنجاب ، حتى ولو مات الولد سقطا ، ففي ذلك دلالة على أنه وطأها ، ويعزز هذا المفهوم ما روي عن عمر أنه قال (إذا ولدت أم الولد من سيدها فقد عتقت ، وإن كان سقطا) ، وفي رواية (أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا - إِذَا مَاتَ - حُرَّةٌ إِلاَّ أَنْ يُعْتِقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ) .

قال العلماء ("أم الولد" هي الأمة التي قد أنجبت من سيدها ولداً استهلَّ صارخاً ولو مات حينئذ، فكل أمة أنجبت من سيدها ولداً ولو استهلَّ صارخاً ومات، فهي أم ولدٍ تُعتق بمجرد موته ، وله منها في حياته قليل الخدمة ولا يجوز له بيعها ، وهي التي تسمى "أم الولد" ، وحكمها حكم "الحرة" في الستر ، في ستر الرأس والأطراف) .

ولذلك تشدد الصحابة في عقوبة مع من يتساهل في هذه الأحكام ويخالفها ، ولا يعطي للأمة حقها المذكور ، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَارِبٍ الثَّقَفِيِّ : أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً بِأَرْبَعَةِ آلاَفٍ قَدْ كَانَتْ أَسْقَطَتْ مِنْ مَوْلاَهَا سِقْطًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأَتَاهُ فَعَلاَهُ بِالدِّرَّةِ ضَرْبًا ، وَقَالَ : بَعْدَ مَا اخْتَلَطَتْ لُحُومُكُمْ بِلُحُومِهِنَّ وَدِمَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِنَّ بِعْتُمُوهُنَّ ، لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثمانهَا) .

وفي قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) تأكيد للمعنى المتقدم ، وأنه لا يجوز للجارية أن تزني سواء قبل الإحصان أو بعده ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  سُئِلَ عَنْ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ ، قَالَ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ (لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ) ، (والضفير الحبل) .

جاء في الشرح (وهذا فيه بيان التخلص منها ولو بثمن بخس ، وإنما قضت الشريعة ببيعها لأن تغيير المحل يمكن أن يتغير معه الحال، فقد تذهب إلى سيد جديد يحقق رغبتها ويقضي شهوتها، أو يزوجها بمن يحقق لها ذلك، فربما أن السيد الأول ما زوجها، أو أنه ما حقق لها رغبتها بالاستمتاع بها، فقد تضطر إلى الزنا، ولكنها إذا انتقلت من ملك إلى ملك، وانتقلت من محل إلى محل فقد يتغير الحال بتغير المحل؛ لأنها قد تجد سيداً متمكناً من تحقيق رغبتها إما بنفسه أو بغيره بأن يزوجها بمن يحقق لها الرغبة) .

وهنا يقرر الإسلام عقوبة مخففة على من ترتكب الفاحشة من هؤلاء الفتيات بعد إحصانها بالزواج ، مراعيًا الظروف التي أوقعتها في مثل ذلك ، فقد يكون إحصانها بالزواج غير كاف ، لعل الأمة تكون أضعف في مقاومة الإغراء من الحرة ، مُقدراً أن الرق يقلل من الحصانة النفسية ، ويعلل صاحب الظلال ذلك فيقول (لأنه يغض من الشعور بالكرامة ، والشعور بشرف العائلة - وكلاهما شعور يثير الإباء في نفس الحرة - كما يقدر الحالة الاجتماعية والاقتصادية ، واختلافها بين الحرة والأمة ، وأثرها في جعل هذه أكثر تسامحاً في عرضها ، وأقل مقاومة لإغراء المال وإغراء النسب ممن يراودها عن نفسها! يقدر الإسلام هذا كله فيجعل حد الأمة - بعد إحصانها - نصف حد الحرة المحصنة بالحرية قبل زواجها ، ومفهوم أن النصف يكون من العقوبة التي تحتمل القسمة ، وهي عقوبة الجلد ، ولا يكون في عقوبة الرجم ، إذ لا يمكن قسمتها! فإذا زنت الجارية المؤمنة المتزوجة عوقبت بنصف ما تعاقب به الحرة البكر) .

وفي قوله تعالى (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) بيان لأسباب الرخصة التي رخص الله بها للرجال أن يتزوجوا الإماء ، والأصل أن هؤلاء الإماء لهن من يحصن فروجهم بملك اليمين ، ولا غضاضة في ذلك ، وأن سيدها أولى بعتقها والزواج بها إن وجد بها صلاحا وقد تأهلت لهذا الشرف ، ناهيك عن أنها وقعت – في الأصل – في سهم أحد المجاهدين ، أما أن تُنكح بالزواج لغيره ، فهذا قد يضير المسلمات الحرائر حين ينصرف عنهن الرجال إلى الأسيرات من الأجنبيات لحسنهن ، فجعل الشرع هذا الأمر من باب الرخصة لا العزيمة ، ولذلك جاء في الفتوى كراهة ذلك ، قال الشيخ عطية صقر (المنهى عنه فهو الزواج من الإماء بعقد ومهر كالحرة، وهو لا يجوز إلا عند توفر أمرين ، أولهما العجز عن مهر الحرة ، والثانى خوف الزنا إن لم يتزوج) ، فهو نهي كراهة لا تحريم ، باعتبار أن تحصين المسلمة الحرة أولى ، ما لم تضار وكان في الأمر سعة لكليهما .

قوله (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (25) تأكيد لحكم المسألة وهو كراهة فعل ذلك ، وذلك لأن الأصل في المسألة أن من يلجأ لمثل هذا النكاح ليس معه مال أن يفديها ويعتقها ، أي أنه ليس معه مهر كاف لعتقها ، ومن ثم تظل أمة حتى بعد زواجه منها ، ويترتب علي ذلك أن أولادها يظلون أرقاء مثلها ، قال الشيخ عطية صقر "وسر النهى عن نكاحهن بعقد ومهر وشهود أن الأولاد الناتجين من هذا الزواج يكونون أرقاء لا أحرارًا،والإسلام لا يريد زيادة فى الأرقاء ، بل يريد الزيادة فى الحرية) ،ولكن إذا دفع فديتها فأعتقها ثم تزوجها كان خيرا ، وهو ما مدح النبي  فاعله بقوله (أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أَجْرَانِ) .

نهيك عن بيان فضل الحرة عن الآمة ما ورد في الأثر عن أبي هريرة (الحَرائرُ صلاحُ البيتِ, والإماءُ فسادُ البيت) ، والمعنى أن الحرة تربت في بيت مسلم على أخلاق الإسلام ، فتستطيع أن تحافظ على بيت زوجها ، وتربي أولاده على الإسلام ، بينما الأمة تربت في دار الكفر ، ولا تعرف عن أخلاق الإسلام إلا القليل بالمخالطة للمسلمين وهي في الأسر ، فقلما تجدهن يحسن تربية الأولاد على الإسلام ، والبيت المسلم لن ينتظر حتى تتعلم هذه الأخلاق والآداب ، ولذلك ندب الصبر عن نكاحهن إلا لمن استطاع أن يوازن بين المصالح والمفاسد ، والمخاطر والمنافع ليقيم البيت المسلم على الإسلام ، فيتحمل هو عبء تربية الأولاد على الإسلام بدلا منها ، ويعينها على ذلك ، وقالما من يقدر على ذلك .

قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) فبعد أن بين الشرع حقوق النساء وأوصى بحمايتها ، وخص بذلك اليتامى منهن ، وخص كذلك من هذه الحقوق الميراث ، ونبه على حمايتهن من أنفسهم أن يقع في الفاحشة ، وحبذ التوبة للنساء والرجال ، وحصر المحرمات من النساء لأجل الأرحام ثم رخص في الزواج من الإماء ، فإن سبحانه وتعالى قد بين لنا طريق الهدى وشرعه الذي لم يتغير ولم يتبدل سواء بعد بعثة النبي محمد  أو قبل بعثته ، فكما أن العقائد ثابتة لا تتغير فثمة أحكام هي أساس هذا الدين لا ينالها التبديل ولا التغيير مهما تبدل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال ، لتتبوأ صلة الأرحام وحماية المستضعفين مكان الصدارة في حماية الشرع لها على طول الزمان .

قوله (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ..)(26) أي يبين لنا ما نحن بحاجة إلى معرفته ، وهو أن سبيل تصريف الشهوة هو الزواج منهن ، وأن الاستجابة لمقتضيات الفطرة خير من العناد والتكبر وتأخير الزواج حتى يجمع المال اللازم له ، بل إن خوف العنت يستوجب الأخذ بالرخص الشرعية ، فدرأ المفسدة مقدم على جلب المصلحة .

كما بين لنا مخرجا عند العجز عن الإتيان بتكاليف الزواج من الحرائر ، فندب لنا الزواج من الإماء ، وهو مخرج شرعي لعلاج هذه الحالة ، وهو الأمر الذي حيلنا إلى مسألة الزواج من الكتابيات والأجنبيات ، وتفصيل حكمها في سورة المائدة ، أو الحاجة للزواج منهن حال الغربة في بلادهن ، وإن كانت الهجرة في ذاتها أو الإقامة عند الكفار فيها نهي في الأصل ، ولم يجز العلماء ذلك إلا لضرورة .

قوله (.. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ..) (26) ولنا في هدي نبي الله يوسف أسوة حسنة ، حين استعان بربه ليصرف عنه السوء والفحشاء ، فقال (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف 33) ، تمنى السجن على أن تنفتح له شهوات الدنيا ، وأخلص في هذه الأمنية فأجابه الله لذلك ، فقال (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف 34) ، فالإستعانة بالله في هذا الأمر واجبة ، واليقين بالاستجابة والإعانة فرض ، قال رسول الله  (ثلاثة حق على الله أن يعينهم : المجاهد في سبيل الله والناكح يريد أن يستعف و المكاتب يريد الأداء ) .

قوله (..وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (26) فالزواج توبة ، أي أن مجرد الزواج يمحو الله به الخطايا السابقة عليه طالما كان بنية التحصين ، كما قال النبي  (التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ) .

قوله (..وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (26) أي أن الله ما شرع هذه الأحكام إلا بعلم بأحوال عباده ، وبحكمته البالغة لما يصلح لهم ، قال أبو حيان (عليم بأحوالكم وبما تقدم من الشرائع والمصالح ، حكيم يصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان) ، وقال البغوي (عَلِيمٌ بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، "حَكِيمٌ" فيما دبر من أمورهم) .

قوله (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ..) (27) أي أن الله ما ندب إلى الزواج ، وأظهر لنا رخصه إلا لأجل أن ينتهي الناس عن المعصية ، ويسيروا إلى الهدى وإلى الفطرة السليمة ، فهذه هي التوبة الحق ، بالإتيان بالعمل الصالح بدلا من العمل السيء .

قال ابن تيمية (إرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به) ، لكن (هذه إرادة شرعية; لأنها لو كانت كونية لتاب على كل الناس) .

قوله (..وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (27) فالزواج سبيل للميل عن الشهوة المحرمة ، ويجب أن يكون الميل ميلا عظيما ، ولكي يتحقق ذلك لابد من تقدير نعمة الزواج ، فبقدر تقديرها يبارك الله في أعمال المسلم والمسلمة فيميلان معا عن الشهوات المحرمة ، ويأتيان ما أحله الله لهما ، ففي الحديث (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)

وفي الآية سر عميق لعلاج الشهوة ودفعها عند توهجها ، وهو الميل العظيم عنها ، فلا يكفي الميل عنها مجرد الميل ، بل لابد من الفكاك عنها بالكلية ، لأن الميل الضعيف يؤدي إلى الإنجذاب لها بعد فترة ، مثل القوى المغناطيسية لابد الهروب من مجالها حتى لا تنجذب برادة الحديد لها ، وهو ما يعني اتباع اجراءات احترازية غاية في الدقة ، تضمن علاجا لهذه المشكلة ، منها اجراءات ذهنية ، وأخرى جسدية ، وثالثة نفسية وروحية :-

فأما الإجراءات الذهنية : فتتمثل في عدم إشغال الذهن بالتفكير في الشهوة ، وصرف الذهن عنها ، والكف عن محاولة الفكر في استجلابها ، بل يجب أن ينصرف الذهن عنها بالكلية ، فكلما استطرد الفكر فيها كلما ضعفت العزيمة في الميل عنها ، قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات40) .
ولا يحصل لك إلا إذا انشغل الفكر بما هو مفيد ونافع ، فإذا اهتم الفكر بالمعالي انشغل بالعمل ، فإذا انشغل به استغرق وقته ، بتوجيه الطاقة نحو أهداف بناءة حتى يسهل عليه الخلاص من الشهوات ، ولا يكون ذلك إلا بالتدريب ، فالتدريب الذهني يساعد على التحكم في الشهوة ، ويؤدي إلى تطوير الوعي الذاتي لتحديد محفزات الرغبة ، والتحكم في الأفكار السلبية ، التي تؤدي إلى الاستسلام للرغبات المفرطة ، قال تعالى (وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ)
قال الشاعر : النفس راغبةٌ إذا رغَّبتَها .. وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقنَعُ

وأما الإجراءات الجسدية : فلابد من ممارسة الرياضة ولو بالمشي ، فالمشي يساعد على تقليل سعار الشهوة ، خاصةً عندما يكون مجهداً ، وكذلك الرياضات الأشد ، إذ يمكن للمشي أن يساعد في هدوء الرغبة الجنسية المستعرة ، وتشتيت الانتباه عن الشهوة، ويقلل من التوتر والقلق، مما يؤثر إيجاباً على الحالة النفسية التي هي سبب الاندفاع لتفريغ الشهوة.

وأما الإجراءات النفسية : فلابد من أن يعيش المسلم في مجتمع ، فلا يخلو بنفسه إلا إذا كان يصلي لله تعالى ، في غير ذلك عليه أن يعيش مع الناس يؤثر فيهم ويتأثر بالنافع منهم ، فيستدفئ بحب الناس له ، وحبه لهم ، فإن لم يجد فيهم صالحا فلينشغل بتعليم الأطفال وإكرام اليتامى ، فكلما زادت عنايته بهم كلما قلت زكت نفسه ، ولم تنشغل بالشهوة ، وليجعل همه توريث الدعوة لهؤلاء اليتامى والمساكين ، بالقول الحسن وإيصال الخير لهم ، فعن أبي هريرة : أن رجلا شكى إلى النبي  قسوة قلبه فقال رسول الله  : إن أردت أن يلين قلبك فأطعم المساكين و امسح رأس اليتيم) .

فالعزلة يمكن أن تؤدي إلى زيادة الشهوة كمحاولة لملء الفراغ ، فالعزلة قد تسبب الشعور بالفراغ العاطفي ، مما يدفع البعض إلى الاستغراق في الشهوات ، ثم بعد إتيان الشهوة يزيد الشعور بالخزي والخجل ، مما يزيد الرغبة في العزلة لتجنب المجتمع ،وعدم حب الظهور أمامه بهذا الحال ، وهكذا نكون أمام دائرة مغلقة لا فكاك منها إلا بكسرها بالبدء بتكوين علاقات اجتماعية ، والانشغال بالأعمال العامة النافعة ، والمساهمة في تربية وتعليم النشء .

وأما الإجراءات الروحية فهي الصلاة ، فإنها عاصم من كل الفتن ، قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت 45) ، وكما زاد حسنها بالقرآن كلما زاد الخشوع فيها لله ، فإذا صلحت الصلاة انعكست على سلوكياته وشهواته بالتأديب والتزكية ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ قَالَ إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ) .

قوله ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (28) أي أن الله سبحانه لم يعسر على الإنسان أمره ، بل خفف عنه التكاليف ، فجعلها جميعا في حدود الإستطاعة ، فلا تكليف إلا بما هو مقدور ، قال ابن تيمية (وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك الشهوات ، فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة)

فإذا ما شرع الله الزواج تخفيفا على الإنسان عبء شهوته ، فعليه أن يسعى إلى ما أحله الله له ، ولا يعسر على نفسه ، فالإنسان وإن ظن أن حاله حسنا بدون زواج ، فإنه لا يدري لعله يضعف فيسوء حاله بدون زواج ، ولسوف يضعف ، سئل أبو سليمان الداراني عن النكاح فقال : (الصبر عنهن خير من الصبر عليهن ، والصبر عليهن خير من الصبر على النار( ، فالإنسان زينت له الشهوات ، ولابد له من دفعها ، لكنها لا تُدفع -في الغالب- إلا بمصرف شرعي ، فإذا لم يوجد هذا المصرف فإن استمرار المقاومة لابد وأن يؤدي إلى ضعف المقاومة ، والفتن آتية آتية ، وإن لم تأت اليوم ، فغدا لناظره قريب ، وتزداد كل يوم ضراوة ، والمقاومة مصيرها إلى الضعف ، فقد كتب الله ما من شيء رفعه إلا وضعه ، ولذلك كان في سلوك طريق الشرع والأخذ برخصه والتماس سبيل الزواج على أي حال هو العلاج النافع لهذه المشكلة .
قال الألوسي «لا خير في النساء ، ولا صبر عنهن ، يغلبن كريماً ، ويغلبهن لئيم ، وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ، ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً».

قال الثعالبي أي : (لَمَّا علمنا ضَعْفَكُمْ عَنِ الصَّبْر عن النِّساء ، خَفَّفنا عَنْكم بإباحة الإماء ، قاله مجاهدٌ وغَيْره ، وهو ظاهرُ مقصودِ الآيةِ ، ثم بَعْدَ هذا المَقْصِدِ تَخْرُجُ الآية مَخْرَجَ التفضُّلِ؛ لأنها تتناوَلُ كُلَّ ما خفَّفه اللَّه سبحانَهُ عَنْ عباده ، وجعله الدِّينَ يُسْراً ، ويقع الإخبار عن ضَعْف الإنْسَان عامًّا؛ حَسْبَما هو في نَفْسه ضعيفٌ يستَمِيلُهُ هواه في الأغْلَب) .

 

  • الاربعاء AM 11:00
    2025-12-31
  • 295
Powered by: GateGold