المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1899890
يتصفح الموقع حاليا : 154

البحث

البحث

عرض المادة

أحكام المواريث في سورة النساء

د / احمد نصير

أحكام المواريث في سورة النساء

"الميراث" هو المال أو العقارات التي يتوفى صاحبها فتنتقل ملكيتها منه إلى أقربائه بحسب درجة القرابة والصلة ومرتبتها ، وهم غالبا من الدرجة الأولى والثانية وما بعدهما وفقا لأنصبتهم المحددة في الشرع مع مراعاة قواعد الحجب والحرمان .
والناس في الجاهلية كانوا يحرمون المرأة من حقها في الميراث لو كانت بنتا أو أختا أو زوجة أو أمًا ، فجعل الله لها أنصبة مفروضة ، ولم يجعل للذكور أنصبة مفروضة لأنهم يرثون الباقي تعصيبا إما بالنفس أو مع الغير أو بالغير ، ومن ثم فرض الله هذه الأنصبة حماية لهن من أن تغول الذكور عليها أيا كانت صفتهم ، أب أو أخ أو عم ..الخ .
كما أوصت الآيات بإكرام الذين يحضرون القسمة من أولي القريى من غير الوارثين حتى المساكين ، وشددت على ميراث اليتامى مخافة أن يظلمهم منافق ، وهددت الظالمين بعذاب السعير .

وفيه مطلبان :-

المطلب الأول : أحكام عامة في الميراث والوصية
المطلب الثاني : أنصبة الوارثين


المطلب الأول
أحكام عامة في الميراث والوصية

قال تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

ففي قوله (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (7) توجيه للأمة المسلمة أن تعيد النظر في نصيب المرأة في الميراث من أقربائها بعدما ران الزمان في المجتمعات الجاهلية بألا يعتبر لها حق في الميراث ، فأقر الإسلام لها حقها ، وجعله من الحقوق المعتبرة في الإنسانية ، إذ لا معنى من أن تحرم المرأة من الميراث ، وهي مثل الرجل أولاد لآدم ، قال النبي  (الناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب) ، فعاملها الإسلام بنقيض حالها في الجاهلية ، ففرض للنساء أنصبتهن كما فرض للرجال أنصبتهم ، وعليه فرضت سورة النساء لأول مرة - في التاريخ البشري - نصيبها سواء أكانت بنتًا أو أمًا أو زوجةً أو أختًا حتى لو كانت أختًا لأم ، وسمت هذه الأنصبة فروضا ، فلا مجال في تقديرها لإعمال العقل ولا مساحة للاجتهاد ، وهددت من يتجاوز هذه الحدود والأنصبة ، باعتباره متعديا علي حدود الله تعالى، فحق الله فيها غالب على حق صاحب الفرض نفسه .

فقوله (..نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (7) (مجملاً في بيان المقدار) ، والعلة ظاهرة من تسميتها فروضا ، لأن أصحاب الفروض هن النساء غالبا لاسيما إذا اشتركن مع رجل من درجتها في القرابة للمتوفي ، بينما أصحاب العصبات هم الرجال غالبا ، وهن "البنت" ، "بنت الابن" ، "الأم" ، "الزوجة" ، "الأخت الشقيقة" ، "الأخت لأب" ، "الأخت لأم" ، "الجدة الصحيحة " .
والرجال الذين يرثون بطريق الفرض - دوما - نوعان "الزوج" ، و"الأخ لأم" ، أما الرجال الذين يرثون بطريق الفرض أحيانا ، فـ "الأب أو الجد حال غياب الأب " إذا وجد في المسألة فرع وارث مذكر .

فعندما نعقد المقاربة بين المستحقين من الرجال والنساء من ذات الدرجة نلاحظ أن :-
• "البنت" ترث بالفرض أي بالنصيب الذي ذكره الله في القرآن بينما "الولد" يرث بالتعصيب أي باقي التركة بعد أصحاب الفروض ، ويحجب من دونه من العصبات .
• وكذلك "الأم" ترث بالفرض و"الأب" يرث بالتعصيب ما لم يوجد عاصب أولى منه – أي ابن للمتوفي- فإذا وجد الفرع الوارث المذكر عندئذ يرث بالفرض فقط ، ولا يرث بالتعصيب ، لأن الفرع الوارث الذكر هو الذي يرث بالتعصيب لأنه أولى رجل للمتوفى .
• وكذلك "الأخت" ترث بالفرض بينما "الأخ" يرث بالتعصيب ما لم يحجبا بالفرع الوارث أو الوالد .

وهكذا راعى الشرع أنصبة الضعفاء من النساء ففرض لهن أنصبتهن ، أي حددها واستقطعها من التركة ، لتكون معلومة ، بينما جعل أنصبة الرجال الباقي من التركة تعصيبا مع مراعاة أن الأقرب منهم يحجب الأبعد ، فإذا اشتركت أنثى مع ذكر في الدرجة والمرتبة فإنهما يرثان بالتعصيب معا ، وفقا لقاعدة للذكر مثل حظ الانثيين .

قوله (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) حصر لأسباب الإرث بالوالدين والأقربين ، ومانع من التوارث في غير ذلك ، أي مانع من التوارث لمجرد الأخوة في الدين ، بل لابد من ثبوت النسب ، ولذلك لا يرث (ابن الزنا) ، فلا يرث من أصله "عاهر إذا عُرف" ، وإن جاز أن يرث من أمه ، باعتبار أن الولد ينسب إليها لأنها التي أوقعته في فراشها ، أما نسبه لأبيه فلا للشبهة وكعقوبة زجرا عن الزنا
وإنما جعل الشرع ذلك عقوبة لها فتلتزم نفقته حتى يكون طريق الزواج أيسر من طريق الزنا ، أما دليل حكم أن الولد الذي يأتي بالزنا لا يثبت لأبيه ، وإنما لأمه فأمران أحدهما معقول والآخر منصوص عليه ، فأما المعقول فإن في نسبته للزاني تشريع للزنا وترتيب آثاره ، فيظل يدعيه الناس له دون حصول عقد زواج بما يضر المجتمع حيث تستشري فيه هذه العادة ، وأما النصوص فلقول النبي  (الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) ، فهذا الحكم ثابت بحديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ اخْتَصَمَ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وَ(عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) فِي غُلَامٍ فَقَالَ سَعْدٌ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي (عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ ، وَقَالَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ –أي أمه كانت تحت عبد بن زمعة- فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ  إِلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا (بِعُتْبَةَ) فَقَالَ هُوَ لَكَ يَا (عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ) الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ) .
أي أنه لم أخذ بالشبه في مسألة النسب ، وأخذ بمعيار الفراش ، فأثبت أن المولود ينسب لعبد بن زمعة ، لأن هو الذي وطأ أمه وهي التي ولدته على فراشه .
لكن رغم أنه أثبت النسب لـ (عبد بن زمعة) باعتباره أخيه من أبيه (زمعة) الذي وطأ أم الولد ، فإنه أمر سودة بنت زمعة أن تحتجب منه للشبه الذي بينه وبين (عتبة بن أبي وقاص) ، أي لعلمه أنه ليس أخيها وليس محرما لها ، فهو ليس بأخيها نسبا ، أي (ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالحجاب منه ، ولو جعل أخاها لما أمرها بالاحتجاب منه) .
ما يعني أنه لو ثبت بتحليل DNA النسب فإنه لا يصح في حالة الزنا ، وإن ثبت من الناحية العلمية أبوه من الناحية البيولوجية ، فالشرع أبطل هذا النسب ، لأجل إبطال الزنا ، وتلتزمه المرأة لأنها المسئولة عن ذلك .

وليس معنى ذلك أن ابن الزنا ليس له حقوق بل إن المجتمع له كفيل ، فكفالته فرض على الكفاية ، ففي رواية عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ (عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ (سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ (زَمْعَةَ) مِنِّي فَاقْبِضْهُ قَالَتْ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ أَخَذَهُ (سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) وَقَالَ ابْنُ أَخِي قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ فَقَامَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) فَقَالَ أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَ (سَعْدٌ) يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ ، فَقَالَ (عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ  الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ  احْتَجِبِي مِنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ) ، فلفظ (عهد) ذكر في الحديث ثلاث مرات ، انظر كيف اعتنى الإسلام بولد الزنا ، فقد تنازع الرجلان في حضانته ، وحكم بها النبي  للذي له الفراش سترا للفضيحة ، وحفاظا على كرامة الولد ، ولم يستطرد في التحقيق ، ولم يستدع الذين يفهمون في القيافة ، قال العلماء (الأصل أن الولد للفراش ، وهو باق ما لم يرد أقوى منه فيصار إليه) .

وأما الأحكام التي تترتب على عدم ثبوت نسب ابن الزنا لأبيه تتضمن (سقوط النفقة عن العاهر ولزوم الأم بها ، ومنع التوارث بين العاهر وابن الزنا) ، فذلك ثابت بحديث رَسُول اللَّهِ  قَالَ (أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنَا لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ) ، قال المناوي (لأن الشرع قطع الوصلة بينه وبين الزاني قريب له إلا من قبل أمه ، وماء الزنا لا حرمة له مطلقا ولا يترتب عليه شئ من أحكام التحريم والتوارث ونحوهما عند الشافعية) .

وفي قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (8) إيصاء بأدب هام عند قسمة التركة ، مراعاة لمشاعر الحاضرين من غير المستحقين ، يتمثل في أن يُرزق الحاضرون للقسمة شيئا يسيرا لا يؤثر على أنصبة الوارثين ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نُسِخَتْ وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ وَوَالٍ لَا يَرِثُ فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ) ، قال ابن قدامة (لأن نفس الحاضر تتوق ما لا تتوق نفس الغائب) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (يرضخ لهم فإن كان في المال تقصير اعتذر إليهم) ، ما يعني أن نصيبهم في القسمة يقتصر على الأموال المنقولة لاسيما المأكولات ، فلا يجوز المساس بالعقارات لأنها تؤثر على أنصبة الوارثين ، وقد شملت الدعوة اليتامى والمساكين لعلها تكون صدقة تنفع الميت ، لقوله  " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" ، ولعل جموع الحاضرين يدعون له ، ويتحدثون عما ينفع المسلمين من علم أو صدقة كان يوصي به المتوفى قبل وفاته .

كما يقتضي النص - من باب أولى - سداد الديون عن المتوفى قبل القسمة ، إذ لا تركة إلا بعد سداد الديون لمستحقيها ، كما في قوله تعالى (مِنْ بَعْد وَصِيَةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْن) ، فلا يعقل أن يُتصدق على المساكين من أموال التركة ولم تسدد بعد الديون ، وإنما تعزى فائدة ذلك أن يعلم الجميع أن الحقوق تستوفى الآن وتُقسم ، فمن كان له عند المتوفى دين فعليه أن يتقدم بدينه ليستوفيه قبل أن تقسم التركة ، والورثة لا يمانعون في ذلك بدليل أنهم يرزقون الحاضرين من غير الورثة والدائنين من أموال المتوفى كما ذكر الله ، فكأن هذا الأدب الذي شرعه الله للمسلمين بمثابة دعوة للدائنين لأن يعلنوا عما يدينون به المتوفى قبل تقسيم التركة على الوارثين .

وفي قوله تعالى (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) ندب لأن يكشف الموصي – قبل وفاته - ما عليه من دين ، وما يجب أداءه من واجب ، فعَنْ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)، فالآية تحض من ابتلي بالذرية الضعاف على تحرير الوصية قبل موته ؛ تلك التي يبين فيها أماكن وجود ماله ، ويحدد ما لم يكن معلوما من أقربائه من المستحقين ...وهكذا ، وما يريد أن ينصح به ذريته لإصلاح شأنهم في الدنيا والآخرة من بعده ، والمقصود بالضعاف في الآية القُصَّر من بعده، والنساء ولو كن بالغات - لأنهن في حاجة إلى من يزوجهن وينظر في مصالحهن وشأنهن - يقول الشنقيطي (أن يكتب وصيته إلى من يثق بدينه وأمانته وعقله من قرابته، فيبدأ بالأقرباء لأنهم أستر وأكثر حفظاً للعرض، وأكثر حفظاً للسر، فإذا لم يجد في القرابة من تتوفر فيه الصفات وتبرأ به الذمة، عهِد إلى من يثق به من إخوانه المسلمين).

ومن جهة أخرى لا يجوز من حضره الموت أن يضر أولاده من بعده بوصية ينقصهم فيها حقا لهم أو يتصرف بتصرف ينقص من ماله ، فالفقهاء نظروا في هذه المسألة فأبطلوا وصية المريض مرض الموت ، لهذه العلة ، ما لم تكن تبرعا ، فأعمال التبرع قبل الموت تأخذ حكم الوصية فلا تنفذ إلا في حدود الثلث لحديث سعد بن أبي وقاص لما أراد أن يتصدق بماله كله فنهاه النبي  عن ذلك وأجاز له الثلث فقال (فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) .

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال (يَعْنِى الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ فَيُقَالُ لَهُ تَصَدَّقْ مِنْ مَالِكَ وَأَعْتِقْ ، وَأَعْطِ مِنْهُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ، فَنُهُوا أَنْ يَأْمُرُوهُ بِذَلِكَ ، يَعْنِى مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ مَرِيضًا عِنْدَ الْمَوْتِ فَلاَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِى الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ يَأْمُرُهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ وَيُوصِى مِنْ مَالِهِ لِذِى قَرَابَتِهِ الَّذِينَ لاَ يَرِثُونَ يُوصِى لَهُمْ بِالْخُمُسِ أَوِ الرُّبُعِ يَقُولُ : أَيَسُرُّ أَحَدُكُمْ إِذَا مَاتَ وَلَهُ وَلَدٌ ضِعَافٌ- يَعْنِى صِغَارًا- أَنْ يَتْرُكَهُمْ بِغَيْرِ مَالٍ فَيَكُونُوا عِيَالاً عَلَى النَّاسِ ، فَلاَ يَنْبَغِى أَنْ تَأْمُرُوهُ بِمَا لاَ تَرْضَوْنَ بِهِ لأَنْفُسِكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ ، وَلَكِنْ قُولُوا الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ) .

فإذا أراد الوصية فلابد وأن يراعي حقوق ذريته بعدما يُبرء نفسه من الديون - أولا – قِبَل الله وقِبَل الناس ، فله أن يوصيهم بالحج عنه ويخصص جزء من ماله لمن أوصاه بأن يحج عنه أو صيام ما فاته من رمضان عنه ...وهكذا ، فدين الله أحق بالوفاء .

ثم يشرع في الوصية في غير ماله ، كما وصى نبي الله يعقوب بنيه ، قال تعالى " إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "{البقرة/131-133} .

ثم تأت الوصية – بعد ذلك - لغير الورثة من الأقرباء غير الوارثين ، ثم لغيرهم في أعمال القربى لله ، فعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي فَقُلْتُ إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي قَالَ لَا فَقُلْتُ بِالشَّطْرِ فَقَالَ لَا ثُمَّ قَالَ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ) ، وفي رواية (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ) ، وبذلك أجاز النبي  الوصية في حدود الثلث ، لأجل أعمال القربات .

ولم يجز النبي  الوصية لوارث لما في ذلك من تعديل لما فرض الله تعالى لهم ، فعن أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) ، وقد بوب البخاري بابا بهذا العنوان (لا وصية لوارث) وأورد بعده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ..) ، لأن في الوصية لوارث تعديل لما فرضه الله من أنصبة لكل منهم ، فيدخل في الحرمة ، إذ لا تعديل لأمر الله .

وتجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة دليل صحيح يؤكد صحة إجازة الورثة "الوصية" لوارث ، بيد أنه من المعلوم أنهم بعد القبض لهم ما يشاءون في التصرف في أموالهم ، فلهم أن يتنازلوا عن بعضها لبعضهم أو لغيرهم أو أن يجروا عليها سائر التصرفات المنبثقة من حق الملكية ، ويكون ذلك منهم – أحيانا – مراعاة لمشاركة أحدهم المتوفى في النفقة قبل موته ، فيعوضونه ما دفعه وما تحمله عنهم ، وهذا من باب الاستحباب وليس الإلزام ، ولذلك قيل بأن الوصية لوارث غير نافذة ولا لازمة ، لكن عند إجازة الورثة لهم تنفذ في حقهم ، وعند إجازة بعضهم تنفذ في حق بعضهم ، لكن خروجا لهذا الإشكال ، يرجئ التصرف في المال والتبرع به لما بعد قبضه .

قال ابن العربي (والْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ ضَرَرٍ يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ عَلَى ذُرِّيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ ، فَلَا يَقُولُ إلَّا مَا يُرِيدُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ وَلَهُ) ، يعني لابد للآباء أن يهتموا بالأبناء ، فيزللوا لهم العصاب ، فلا يتركوا لهم عداوات تنشأ بينهم وبين الناس من بعده ، فيوصوهم بالإسلام كوصية يعقوب لأنبائه .

فالأباء يخشون على أبنائهم وهم ضعاف أن يتركوهم وليس معهم مال ، أو يتركوهم ويخشون عليهم الفتنة في الدين والدنيا ، أو يخشون عليهم إهلاك المال في غير موضعه ، هنا يدلهم الشرع على علاج هذا الأمر ، فصلاح الأباء يتعدى إلى الأبناء .
قال سعيد بن المسيب لابنه لأزيدن في صلاتي من أجلك رجاء أن أحفظ فيك ثم تلا هذه الآية وكان أبوهما صالحا .
وقال عمر بن عبد العزيز: "ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقب عقبه"
وقال ابن المنكدر (إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده)
وعن السَّيْباني قال كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك، وفينا ابن محيريز وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم قال، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان ، قال : فضقت ذرعًا بما سمعت، قال : فقلت لابن الدَّيلمي: يا أبا بشر، بودِّي أنه لا يولد لي ولدٌ أبدًا! قال: فضرب بيده على مَنْكبي وقال: يا ابن أخي، لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء، وإن أبى، قال : ألا أدلّك على أمرٍ إنْ أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم اللهُ فيك؟ قال، قلت: بلى! قال، فتلا عند ذلك هذه الآية:"وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا" .

وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) تأكيد تضمن تهديدا وتحذيرا شديدا من المساس بأموال هؤلاء الضعفاء ، كي لا يغتر المنافقون والكفار بأنهم قادرون على الفوز بنصيب اليتامى بيسر دون أن يشهد عليهم أحد ، ذلك أنهم إن حسبوا أن بطونهم قد امتلأت فإنما فازوا بقطعة من نار ، وامتلأت بطونهم نارا .

وقد عدَّ النبيُّ  - أَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ - (من السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ) ، (ففي الآية تشبيه تمثيلي بديع يصور القوم الذين يسلبون اليتامى أموالهم بصورة قوم يقذفون النار في أفواههم ، فتندلع في بطونهم ، ولو قال سبحانه: إنما يأكلون حرامًا، لكان شيئًا آخرَ، مع أن المآل إليه، كما أنه لو قال: إنما يأكلون نارًا، لذهب من الصورة جزء كبير فيه فظاعة وشناعة؛ لأن كلمة "البطون" مع أنها مفهومة ضرورة من كلمة الأكل، إلا أن في النص عليها مزيد تشخيص وتوضيح، وتجد في كلمة: (إِنَّمَا) ذات الدلالة المعروفة همسًا خافتًا) .

والبشاعة في هذه الجريمة تكمن في أن المنافق يخدع ولاة الأمور بيسر في حقوق اليتامى ، إذ يسهل عليه أن يثبت أمام القاضي أن مال اليتيم لم يمس بسوء ، في حين أنه يطفف منه فيخسِره ، ولا تزال بطنه لم تشبع منه ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) .

وفي ذلك دلالة على ضرورة المعالجة الدعوية لهذه المسألة ، وفي ذلك قرينة على أن المعالجة التشريعية لمثل تلك الأمور لا تكفي وحدها ، وإنما لابد من يتضافر الجهد الدعوى مع يقظة السلطة لإرشاد الأوصياء إلى واجباتهم التي لو أرادوا أن يتحللوا منها بالمكر والخديعة لتمكنوا من ذلك رغم أن النصوص القرآنية قاطعة في النهي عن ذلك ، والإجراءات الاحترازية ضامنة لذلك ، لكن يبقى دوما الضمير اليقظ – التقوى- في إسناد هذه الأمانات إلى أهلها هو الحكم الحق .


المطلب الثاني
أنصبة الوارثين

قال تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)

وفيه عدة مسائل :-

المسألة الأولى : من هم أصحاب الفروض وما هي أنصبتهم؟

بالتأمل في إعجاز الله فيما شرعه في هذه الآيات ، والتدبر فيما فرضته للوارثين من أنصبة من الناحية الرياضية والحسابية ، نجد أن ثمة نسبة وتناسب تدور حولها جميع مسائل المواريث ، لتنحصر أنصبة أصحاب الفروض الذين عددتهم الأيات المواريث في (الثلثين ، النصف ، الثلث ، الربع ، السدس ، الثمن ) ، وأصحاب الفروض هم (البنت أو البنات ، والأم، والأب، والزوج، والزوجة أو الزوجات ، والأخوة والأخوات على تفصيل )
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وَللزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ) .

وأنصبة أصحاب الفروض معلومة كما في الآية ، بيد أن الشارع سكت عن نصيب البنتين ، فجعل للبنت الواحدة النصف ،وما فوق البنتين الثلثان فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ، وسكت عن نصيب البنتين ، فإما أن يقاس حكمهما على الواحدة أو على الأكثر من اثنتين ، لكن القياس على فوق الاثنتين أقرب ، بدليل أن ميراث الأختين في حالة الكلالة الثلثان ، كما في قوله (فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، والبنتان أقرب للمتوفى من الأختين ، من هنا جعل الفقهاء ميراث البنتين الثلثين ، وهو ما تدل عليه دلالة لفظ (فوق)

وهكذا نلحظ أن الشارع جعل عقول العلماء تتعلم قواعد وأصول الاستنباط للفقه الإسلامي من خلال التأمل في آيات المواريث ، ولذلك نجد أن علم الرياضيات ينظم عمل العقل ، وقد انتبه لذلك العالم الغربي فأدخل علم الرياضيات في العلوم الاجتماعية مثل القانون، فمن أراد أن يلتحق بكلية القانون هناك لابد وأن يجتاز امتحانين : المنطق والرياضيات .

وقد أدخل العلماء مع أصحاب الفروض (الجد والجدة فأكثر، وبنات الابن، والأخوات الشقائق، والأخوات لأب، والإخوة لأم ذكوراً أو إناثاً) ، وذلك إما بدلالة النص حيث يشمل معنى "الأب" الجد الصحيح ، وتدخل "الجدة" في معنى "الأم" ، وكذلك تدخل "بنت الابن" في معنى "البنت" ، أو بالاستنباط كما في حالة (الأخوة لأم) وقد سماهم الفقهاء بأصحاب فروض لأن الله فرض لهم أنصبة محددة في أحوال معينة يرثون بها .

 


تلخيص ميراث أصحاب الفروض
ويجدر في هذا الصدد تلخيص أحكام ميراث أصحاب الفرائض كما في الجدول التالي : -

الوارث نصيبه الشروط التعصيب الحجب
الزوج نصف عدم وجوب فرع وارث ــــــــــــــــــــــ -----
ربع إذا وجد فرع وارث ـــــــــــــــــــــــ نقصان
الزوجة ربع عدم وجوب فرع وارث ـــــــــــــــــــــــــ ------
نصف إذا وجد فرع وارث ـــــــــــــــــــــــــــ نقصان
البنت نصف إذا انفردت ولم يوجد عاصب بالابن -----
بنتان فأكثر ثلثان ولم يوجد عاصب لها من درجتها أو أعلى


الأم
ثلث عدم وجود فرع وارث
وعدم وجود اثنين فأكثر من الأخوة ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ....
.....
......
سدس إذا وجد الفرع الوارث أو اثنين فأكثر من الأخوة نقصان
الأب سدس إذا وجد الفرع الوارث بنفسه نقصان

الأخت الشقيقة نصف إذا انفردت ولم يوجد فرع مذكر أو أكثر من واحدة مؤنثة بالأخ الشقيق
مع البنت نقصان بالبنت
-----
وحرمان بالابن
سدس إذا وجد معها بنت تكملة للثلثين ولم يوجد فرع مذكر
أختان فأكثر ثلثان ولم يوجد فرع وارث مطلقا ولا أخ عاصب لها

انتهى بذلك ميراث أصحاب الفروض ، والذين لايبعدون من المتوفى عن الدرجة الثانية ، لكن يأخذ حكمهم بطريق القياس –بشروط- أقاربه من درجات أبعد من ذات الجهة

أما بالنسبة لميراث الأخوات الأشقاء أو لأب فإننا نرجئ نقل الجدول التوضيحي الذي يبين حالاتهم لحين الحديث عن هذه المسألة لأن جهتهم متأخرة عن البنوة والأبوة ، فهم لا يرثون –بطريق الفرض – إلا في حالة الكلالة فقط ، وفي غير هذه الحالة لا يرثون إلا بطريق التعصيب ، يعني إذا كان للمتوفى بنت أو أكثر ، وليس له ولد ذكر أو أب.


المسألة الثانية : الميراث بطريق التعصيب بأنواعه الثلاث

والميراث بطريق التعصيب على ثلاثة أنواع إما بالنفس أو بالغير أو مع الغير على تفصيل ، فأصحاب الفروض يرثون بطريق التعصيب بدلا من الفرض إذا ما تحققت مفترضاته .

النوع الأول : العصبة بالنفس

وهم الذين يرثون باقي التركة تعصيبا بالنفس بعد أصحاب الفروض ، قد ذكرنا المقصود بأصحاب العصبات فيمن يتولى الولاية على اليتيم ، وهم كذلك فيمن يرث بعد أصحاب الفروض ، وهم جهات أربعة (البنوة ، الأبوة ، الأخوة ،العمومة) ، فتقدم جهة البنوة على جهة الأبوة، وجهة الأبوة على جهة الأخوة، وهذه تقدم على جهة العمومة ، والترجيح بين أصحاب العصبات يكون أولاً بالجهة، ثم بقرب الدرجة، ثم بقوة القرابة أي أن الشقيق مقدم على الأخ للأب ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ "يَرِثُنِي ابْنُ ابْنِي دُونَ إِخْوَتِي وَلَا أَرِثُ أَنَا ابْنَ ابْنِي" ، قال العلماء (أدنى العصبة الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب ثم الجد، ثم الأخ، ثم ابن الأخ، ثم العم، ثم ابن العم، ثم الأدنى فالأدنى) .

 

وعليه فإن من يلي أصحاب الفروض يرثون بطريق العصبات بالنفس ، والمقصود بالعصبة (كل ذكر قريب للمتوفى لا تدخل في نسبته إلى الميت "أنثى")، فهم الأقارب الذكور من جهة الأب (أصول وفروع وحواشي) الذين يرثون المال كله أو ما تبقى منه بعد أصحاب الفروض، سموا بالعصبات لأنهم يحيطون بالميت ويقوون ظهره ، وهم (الابن، الأب، الجد، الأحفاد، الإخوة الأشقاء أو لأب، الأعمام وأبنائهم).

وقد يسأل سائل أين نصيب الابن بين أصحاب الفروض ؟ أليس هو أولى من الذين سمتهم آيات المواريث ؟ يجاب على ذلك بأنه يرث الباقي تعصيبا ، بمعنى أنه يرث بعد نصيب أصحاب الفروض ، فيعود السائل مرة أخرى ، وهل يبقى له من نصيبه شيء إذا ما نفدت التركة بعد نصيب أصحاب الفروض ؟ الإجابة على ذلك أنه لا يمكن أن يتحقق ذلك ، لأن "الولد" يحجب غيره من أصحاب الفروض "حجب نقصان" أو " حرمان" ويحجب غيره من العصبات "حجب حرمان" ، بمعنى أنه يحجبهم فينقص من نصيب الأب من "الثلث" إلى "السدس" ، وينقص من نصيب الوالدين مجتمعين إلى "الثلث" ، وينقص نصيب "الزوج" إلى الربع و"الزوجة" إلى الثمن ، وهؤلاء الستة (الأب والأم ، الزوج والزوجة ، الابن والبنت) لا يحجبون حجب حرمان لأنهم يتدلون من المتوفى مباشرة دون واسطة ، أما من يحجبهم الابن حجب حرمان من أصحاب الفروض فهم مثل الأخوة يحرمهم الابن من الميراث لأن قرابة الابن درجة أولى ، والأخوة درجة ثانية .

ودليل التأريث بالعصبة من السنة قول النبي  " أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا تَرَكَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " ، قال العلماء (الرجل لا يكون إلا ذكراً) ، لكن أضيف إلى لفظ "رجل" لفظ "ذكر" فقال (فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ) لدفع التوهم ، حتى لا يظن أحد أن المراد من لفظ الرجل "الكبير القادر" ، فإن الطفل وإن كان رضيعاً يستحق الإرث بالتعصيب) ، قال النووي (ذكر "الذكورة" تنبيها على أنها سبب الاستحقاق ، وسبب العصوبة وسبب الترجيح في الإرث) .

والمثال على حالة العصبة ما النفس ، ما روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَتْ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ إِلَى النَّبِيِّ  فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا تَرَكَ أَبُوهُمَا وَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ إِلَّا عَلَى مَالِهَا فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتَّى أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ  أَخَا (سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) فَقَالَ أَعْطِ (ابْنَتَيْ سَعْدٍ) ثُلُثَيْ مَالِهِ وَأَعْطِ (امْرَأَتَهُ) الثُّمُنَ وَخُذْ أَنْتَ مَا بَقِيَ) .
أي حكم بالقسمة على هذا الوجه ثلثين للبنتين ، ثمن للزوجة ، والباقي للأخ ، كيف حصلت هذه القسمة ؟ (2÷3) ، (1÷8) ، فيكون عندما مقامين (3) ، (8) فنوحد المقامين بضربهما في بعض (3) × (8) ليكون المقام المشترك (24) ، وبذات النسبة التي كبر بها المقام يكبر البسط ، فنضرب البسط الذي كان مقامه (3) × (8) ، ونضرب البسط الذي كان مقامه (8) × (3) ، ليكون الكسران الجديدان (16÷24) بدلا من (2÷3) ، والآخر (3÷24) بدلا من (1÷8)، أي نقسم التركة إلى 24 سهما متساويا ، فتكون القسمة هكذا :-
نصيب البنتين = (2÷3) × 8 = 16 سهم
لكل بنت 8 أسهم
نصيب الزوجة = (1÷8) × 8 = 1 سهم
مجموع أسهم أصحاب الفروض = 16+1 = 17 سهم
نصيب الأخ (العاصب) الباقي من الأسهم = 24 – 17 = 7 أسهم

وقد يسأل سائل لماذا لا ترث النساء بطريق العصبة بالنفس ، مثل (بنت الأخت) ، نقول إنها ترث من طرف عائلة أبيها ، وليس من طرف عائلة أمها ، فلا ترث مرتين ، وكذلك العكس صحيح فإن (بنت الأخ) لا ترث من طرف أمها لأنها ورثت من طرف أبيها ، وكذلك الحال بالنسبة لـ (ابن الأخت) فإنه ليس من عصبات خالته فلا يرث بالتعصيب ، وإنما ميراثه كـ (ابن أخ) من عائلة أبيه.

 

 

 


النوع الثاني من التعصيب: العصبة بالغير

والمقصود (كل أنثى صاحبة فرض إذا وجد معها ذكر من جهتها في ذات درجة وقوة قرابتها للمتوفى) فنصيبها في هذه الحالة ينقلب من كونها صاحبة فرض إلى وارثة بالتعصيب بالغير ، والنساء اللاتي ينطبق عليهن هذه الشروط ثلاثة (البنت ، الأخت الشقيقة ، الأخت لأب) .

وعلى ذلك تقتصر العصبة بالغير على جهتي البنوة والأخوة فقط ، والمقصود بالدرجة (الأولى ، الثانية ، الثالثة ، الرابعة..الخ ) ، والمقصود بالقوة (القرابة من الأب والأم ، أو من الأب فقط) :- وذلك مثل (البنت مع الابن) ، (الأخت مع الأخ) ، (الأخت لأب مع الأخ لأب) فيرثان معا الباقي وفقا لقاعدة (للذكر مثل حظ الانثيين) .

فعن زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (إِذَا تَرَكَ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ بِنْتًا فَلَهَا النِّصْفُ وَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ بُدِئَ بِمَنْ شَرِكَهُمْ فَيُؤْتَى فَرِيضَتَهُ فَمَا بَقِيَ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، أي لو كان معها أو معهن ذكر من جهتها فإنها ترث بطريق التعصيب بالغير بعد نصيب أصحاب الفروض لو وجدوا ، فالابن يعصب البنت ، ويكون نصيبهما للذكر مثل حظ الانثيين.

ويدخل في مفهوم البنت (بنت الابن) في حالة وفاة الابن قبل الأب (المورث) ، وما تحتها مثل (بنت ابن الابن) في حالة وفاة (الابن) ، و(ابن الابن) في حياة الجد (المورث) ، شريطة أن لا يكون بينها وبين المتوفى اثنى .

مثال : - (بنت ابن الابن) ترث بطريق التعصيب إذا كان أولى ذكر للمتوفي (ابن ابن الابن) ، ولم يوجد من هو أولى منه يحجبه مثل (ابن الابن) أو (الابن) ، وكذلك ابن الابن يعصب (بنت الابن) .
أما إذا وجد ابن أخ وكان هو أقرب ذكر للمتوفى ، فإنه يكون عاصب بنفسه فلا يعصب ابنة أخيه ، فلا ترث في وجوده .

 

النوع الثالث : الميراث بطريق العصبة مع الغير

فالقاعدة أن الأخوات مع البنات يصرن عاصبات أي معهن ، أي في حالة (الأخت الشقيقة) أو (الأخت لأب)إذا وجد للمتوفى فرع وراث مؤنث (البنت) أو (بنت الابن)، فإنها أي (الأخت) ترث باقي التركة تعصيبا مع (البنت أو بنت الابن) بحسب الأحوال ، بعدما ترث (البنت) نصيبها فرضا إذا انفردت .
(الأخت الشقيقة) مع (البنت أو بنت الابن)
(الأخت لأب) مع (البنت أو بنت الابن)

هذا بالطبع إذا لم يكن ثمة من يحجبها عن الميراث حجب حرمان كالابن فإنه يحجب الأخت الشقيقة أو الأخت لأب ، أو الأخ الشقيق فإنه يحجب الأخت لأب حجب حرمان .
أما الأخ لأب فإنه لا يحجب أخته لأب بل يرث مع أخته لأب في حالة الكلالة للذكر مثل حظ الانثيين ، أي إذا لم يوجد ذكر وارث أقرب للمتوفي من الأخ لأب .

ومستند هذا الحكم من السنة ما روي عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ (أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ مُعَلِّمًا وَأَمِيرًا فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ) أي (النصف للبنت فرضا والباقي للأخت تعصيبا مع الغير).
وعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ قَضَى فِينَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  النِّصْفُ لِلْابْنَةِ وَالنِّصْفُ لِلْأُخْتِ ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ قَضَى فِينَا وَلَمْ يَذْكُرْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وقد سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ بِنْتٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ فَقَالَ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ النِّصْفُ وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى فَقَالَ لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ  لِلْابْنَةِ النِّصْفُ وَلِابْنَةِ ابْنٍ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى فَأَخْبَرْنَاهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ) .
يعني أنه أعطى البنت نصيبها النصف فرضا ، وكذلك بنت الابن السدس فرضا تكملة للثلثين ، وأعلى الأخت الباقي - أي الثلث - تعصيبا مع الغير لوجود البنت وبنت الابن ، أي فرع وارث مؤنث ، فتحقق فيها شرط التعصيب مع الغير .

وتجدر ملاحظة أمرين في هذا الصدد :-
* الأخوات إذا كن عصبة بالغير أي بالأخ ، فلا يكن عصبة مع الغير أي مع البنت ، فترث باقي التركة تعصيبا مع أخيها .
* كل أخت إذا كانت عصبة حجبت من كان دونها جهة أو درجة أو قوة.

المسألة الثالثة : الحكمة من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين

يمكن إجمال أنواع العصبات الثلاث كما في الجدول التالي

وقد يثور التساؤل عن الحكمة من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين في الميراث بطريق التعصيب بالغير ، ولماذا تعطى المرأة نصف نصيب الذكر رغم أنه من ذات جهتها ودرجتها وفي قوة قرابتها ؟ كالبنت والابن أو الأخ والأخت ؟
فالإسلام نظر إلى مسئولية كلا من المرأة والرجل فوزع الأنصبة بينهما وفقا لهذا الاعتبار ، إذ لا معنى لأن تحرم المرأة من الميراث ، كذلك لا معنى بأن تتساوى مع الذكر في الميراث لأنها لا تسأل عن نفقة أولادها ولا عن نفقة زوجها ، بل إن زوجها هو الذي يعولها حتى وإن كانت وارثة ولها مال ، من هنا نفهم أن المال الذي يسقتطع من الميراث نصيبا لها هو مال خاص بها لا نصيب لأحد فيه ، بخلاف الذكر فإن ماله يشاركه فيه زوجته وعياله ، وكل من يعولهم ، ومن ثم فإن تضعيف نصيب الذكر على نصيبها هو في حقيقته تكريم لها بأن تحظى وحدها بنصف نصيب العاصب من ذات الجهة وقوة القرابة ، في حين أن غيره يشاركه نصيبه في الميراث من أولاده وزوجته ، ولا يشاركها هي أحد في نصيبها ، لاسيما وأنهم في الجاهلية كانوا لا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ ، والمرأة أو الجارية لَيْسَتْ تَرْكَبُ الْفَرَسَ وَلا تُقَاتِلُ الْقَوْمَ ، ولكن الله أنصفها وجعل لها نصيب في الميراث دون أن يحملها ما يتحمله الرجال من مسئولية رعاية الأسرة وإعالتها وتأثيث البيت ودفع المهر ، فضلا عن مسئولية حماية القوم والجهاد في سبيل الله ، بل إنما مشمولة بالإنفاق عليها من قبل زوجها حتى وإن كان لها مال .

 


المسألة الرابعة : الاستثناء من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين

وقد استثنى الشرع من قاعدة للذكر مثل حظ الانثيين حالتين :-
الحالة الأولى : إذا اجتمع الأب مع الأم وكان للمتوفى ولد (ذكرا) فالولد يرث بالتعصيب باقي التركة ، ويصير نصيب الأب فرضا أي يرث بالفرض السدس مثل نصيب الأم في هذه الحالة ، كما في قوله (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ، فالمقصود بالولد هنا (الذكر) في هذا الفرض.

أما إذا كان الولد (أنثى) لأن لفظ (ولد) يحتمل المعنيين ، يعني بنتا ولم يوجد ابن أي (ذكر) ، فهنا يرث الأب بطريقين ، الفرض والتعصيب معا ، فيأخذ السدس فرضا مثل الأم كما في الفرض السابق ذكره في الآية ، ثم يأخذ باقي التركة تعصيبا لعدم وجود فرع وارث مذكر (ابن أو ابن ابن أو ابن ابن ابن) ، وجهة الأبوة تالية للبنوة مباشرة في ترتيب العصبات .
أما إذا لم يوجد فرع وارث مطلقا – ذكرا أم أنثى – فالأب يرث بطريق التعصيب فقط بعد نصيب أصحاب الفروض ، أي بعد الأم والأخوة إن وجدوا ، كما في قوله (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) .

والحالة الثانية : إذا اجتمع الأخوة والأخوات لأم - في حالة الكلالة – فإنهم يتشركون في الأنسبة كما في قوله تعالى (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) ، والمقصود بالكلالة من ليس له عقب أي ذرية أي ليس له ولد ذكرا كان أم أنثى ، وليس أصله موجود في المسألة ، أي لا يوجد من يحجبهم من أصحاب العصبات ، فالحاجبون للإخوة لأم حجب حرمان كالتالي:-
(الابن: ((ابن الميت الذكر) يحجبهم بالكامل.
(ابن الابن): (حفيد الميت الذكر) يحجبهم بالكامل.
(البنت الصلبية: ((بنت الميت) تحجبهم، خاصة إذا لم يوجد معها ذكر.
(بنت الابن: (تحجبهم أيضاً.
(الأب): يحجبهم حجب حرمان مطلق، فلا يرثون شيئاً.
(الجد: ((أبو الأب) يحجبهم على القول الراجح.

أما الأخوة الأشقاء أو لأب فإنهم يشتركون في الجهة والدرجة لكن يختلفون في القوة ، فيحجبون الأخوة لأم حجب نقصان فقط في حالة الكلالة .

فقوله " فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ " يعني الأخوة لأم إذا كانوا أكثر من واحدة ، فقوله "فهم شركاء في الثلث" تعني أن الإخوة لأم (ذكوراً وإناثاً) يرثون معاً الثلث من التركة بالتساوي بينهم، فهذا استثناء من تطبيق قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" لأنهم إخوة لأم ، يرثون بطريق الفرض في حالة الكلالة ، وليس بالتعصيب ، وفي هذه الحالة يكون الذكر مثل الأنثى ، فيأخذ الأخ لأم ذات نصيب أخته لأم ، وهذا ما قضى به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في "المسألة المشتركة" (التي تعرف بالمسألة العمرية أو الحجرية أو المشتركة) بحسب فروضها .

المسألة الخامسة : ميراث الأخوة في أحوال الكلالة

وفي ميراثهم آيتان ، الأولى تخص الأخوات لأم ، والثانية تخص الأخوات لأب أو الأشقاء ، فأما التي تخص الأخوة لأم فقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (12)

وأما التي تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، فقوله تعالى في آخر السورة (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

قال الشيخ سيد طنطاوي (والظاهر أن كلمة "كلالة" هنا وصف للميت الموروث ، لأنها حال من نائب فاعل قوله (يُورَثُ) وهو ضمير الميت الموروث ، والتقدير "وإن كان رجل موروثا حال كونه كلالة ، أى: لم يترك ولدًا ولا والدًا ، ويرى بعضهم أن (الكلالة) : وصف للوارث الذى ليس بولد ولا والد للميت ، لأن هؤلاء الوارثين يتكللون الميت من جوانبه ، وليسوا فى عمود نسبه ، كالإِكليل يحيط بالرأس ، ووسط الرأس منه خال ، من تكلله الشئ إذا أحاط به ، فسمى هؤلاء الأقارب الذين ليسوا من أصول الميت أو من فروعه كلالة ، لأنهم أطافوا به من جوانبه لا من عمود نسبه ، - وكلا الرأيان سواء من حيث الأثر والمعنى - وعلى هذا الرأى يكون المعنى وإن كان رجل يورث حال كونه ذا وارث هو كلالة ، أى أن وارثه ليس بولد ولا والد له) .

وقد فتح الله عليه فاستطرد في الشرح قائلا : (والمراد بالإِخوة والأخوات هنا : الإِخوة والاخوات لأم ، بدليل قراءة سعد بن أبى وقاص : " وله أخ أو أخت من أم " ، ويلد عليه - أيضا - أن الله - تعالى - ذكر ميراث الإِخوة مرتين : هنا مرة ، ومرة أخرى فى آخر آية من هذه السورة وهى قوله : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة) وقد جعل - سبحانه - فى الآية التى معنا للواحد السدس وللأكثر الثلث شركة ، وجعل فى الآية التى فى آخر السورة للأخت الواحد النصف ، وللاثنتين الثلثين ، فوجب أن يكون الإِخوة هنا وهناك مختلفين دفعا للتعارض ، ولأنه لما كان الإِخوة لأب وأم أو لأب فحسب أقرب من الإِخوة لأم ، وقد أعطى - سبحانه - الأخت والأختين والإِخوة فى آخر السورة نصيبا أوفر ، فقد وجب حمل الإِخوة فى آخر السورة على الأشقاء أو الإِخوة لأب -من العصبات -، كما وجب حمل الإِخوة والأخوات هنا على الإِخوة لأم) باعتبارهم من ذوي الأرحام في حالة عدم وجود قريب أولى .

أولا : ميراث الأخوة لأم

وهم لا يرثون بطريق التعصيب ، بل في حالة الكلالة فقط بطريق الفرض ، يعني في الفرض إذا لم يكن للمتوفى أصل أو فرع وارث ، فليس له أب أو جد أو فرع وارث (ابن، بنت، ابن ابن... إلخ) ، وحكمهم أنهم يشتركون في الثلث بالقسمة بينهم بالتساوي للذكر مثل الأنثى إذا كانوا أكثر من واحد أو واحدة ، فإذا انفردت أو انفرد الأخ لأم وليس معه أخوه فإن نصيبه السدس لقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) .


ثانيا : ميراث الأخوة الأشقاء أو لأب

الأخوة الأشقاء والأخوة لأب والأخوة لا يرثون –بطريق الفرض – إلا في حالة الكلالة فقط ، وفي غير هذه الحالة - أي الكلالة - يرثون بطريق التعصيب بالنفس أو بالغير أو مع الغير غير الأشقاء أو لأب ، يعني إذا كان للمتوفى بنت أو أكثر ، وليس له ولد ذكر أو أب

قوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ) هذه حالة نادرة ، أي الكلالة ، وهي أن لا يكون للمتوفى أصل أو فرع وارث ، فلا أصل له لوفاة والديه ولا عقب فلا ولد له ولا بنت ، فميراثه إلى أقرب الأقربين إليه وهم أخوته ذكورا كانوا أم إناثا .

وهذه الآية تخص الأخوة الأشقاء أو لأب ، لأنها أوجبت أن يكون الإرث بالتعصيب وفقا للقاعدة المعروفة سلفا للذكر مثل حظ الانثيين ، بخلاف الآية التي تحدث عن ميراث الأخوة بطريق الفرض فقط ، فإنها تخص الأخوة لأم ، في قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (12) ، والأخوة لأم لا يرثون بطريق التعصيب مطلقا لأنهم ليسوا من العصبات .

فقوله (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ..) (176) فالفرض الذي تعالجه الآية هو أن المتوفي ليس له عقب ، أي ليس له ولد ذكر ، لأن ذريته هم الذين يحملون اسم الجد ، بينما البنت حينما تتزوج ذريتها تحمل اسم عائلة الزوج ، فيسمى كلالة من هذه الجهة حيث ينقطع ذكره بعد وفاته من جهة النسل ، وكذلك ليس له والد ، لأن الوالد يحجب جميع الأخوة بلا منازع ، مثل الولد الذكر يحجبهم جميعا ، فإذا تحقق هذا الفرض هنا ينظر في حكم ميراث المتوفي بحسب ستة فروض :-

الفرض الأول : أن يكون للمتوفي بنت فترث النصف فرضا ، وإن كانتا بنتين أو أكثر فترثا الثلثين فرضا لقوله (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) ، وباقي التركة يؤول إليهن مرة أخرى أي (البنات) تعصيبا بالنفس ، حيث لا وارث غيرهن .
الفرض الثاني : أن يكون له بنت وأخت ، فترث البنت النصف فرضا وترث الأخت الباقي تعصيبا أي النصف ، وإن كانت بنتين أو أكثر ترثان الثلثين فرضا وترث الأخت أو الأخوات الباقي تعصيبا مع الغير ، والأخت الشقيقة تحجب الأخت لأب .
الفرض الثالث : أن يكون له بنت وأخوة ذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة الذكور باقي التركة تعصيبا بالتساوي بينهم ، والأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب .
الفرض الرابع : أن يكون له بنت وأخوة بنات وذكور ، فهنا ترث البنت النصف فرضا وترث البنتان الثلثين فرضا ، ويرث الأخوة والأخوات باقي التركة تعصيبا للذكر مثل حظ الأنثيين ، وهنا الأخوة الأشقاء يحجبون الأخوة لأب ، لأنهم أعلى منهم مرتبة في ترتيب العصبات.
الفرض الخامس : أن يكون له أخوات شقيقات وأخوة لأب ، هنا ترثن بطريق الفرض مثل البنت أو البنتين فأكثر مثل نصيبهن ، ويرث الأخوة لأب الباقي تعصيبا .
الفرض السادس : أن يكون له أخوات أشقاء وأخوة أشقاء وأخوة لأب ، هنا يرث الأشقاء بطريق التعصيب للذكر مثل حظ الأنثيين ، ويُحجب الأخوة لأب .

 

يستبين بذلك أن ميراث الأخوات الشقيقات مثل الأخوات لأب في أربع حالات موازية ، وتختلفان في حالة واحدة تختص بها الأخوات لأب إذا اشترك معهن بنت واحدة فإنها تأخذ السدس تكملة للثلثين فرضا ، مالم يوجد ما يحجبها


المسألة السادسة : ميراث أبناء أصحاب الفروض حال عدمهم

القاعدة : أن ميراث فرع صاحب الأصل هو ميراث صاحب الفرض حال وجوده ، وهذا هو الفرض العسكي لقاعدة الإدلاء" أو "قاعدة الأدلى فالأدلى"، بمعنى أن من كان أقرب للميت، حجب من كان أبعد منه، سواء كانوا أصحاب فروض أو عصبات .
مثال : ميراث ابن الابن مثل الابن ، وميراث بنت الابن مثل البنت ، أي لهم نفس الأنصبة ما لم يوجد من يحجبهم ممن هو أدنى مرتبة للمتوفى.

المسألة السابعة : ميراث "الجد" بالفرض والتعصيب

الأصل أن الجد ليس من أصحاب الفروض ، ولكن العلماء أدخلوه ضمن أصحاب الفروض كذلك في حال عدم وجود الأب ، فالجد الصحيح يرث فرضا ميراث الأب عند عدم وجوده ، ، والمقصود بالجد المعتبرة ضمن أصحاب الفروض ، وهي (كل جد لا يدخل في نسبته إلى الميت أنثى بين ذكور) ، أما الجد غير الصحيح فهما من ذوي الأرحام .

والجد (الصحيح) يُعامل معاملة الأب في بعض الحالات (كحجب الإخوة لأم)، وفي حالات أخرى يأخذ حكمه ، وتتلخص أحوال ميراث الجد في أنه يرث بالفرض (السدس) أو بالتعصيب أو يجمع بين الفرض والتعصيب ، وذلك على النحو التالي
الحالة الأول: في حال وجود الفرع الوارث المذكر وإن نزل ، هنا يعامل معاملة الأب ، فيأخذ السدس فرضا .
الحالة الثانية : إن لم يكن للمتوفى فرع وارث مطلقا، ذكرا كان أو أنثى ، هنا يكون هو العاصب حيث يحل الأب ، فيرث باقي التركة تعصيبا بالنفس .
الحالة الثالثة : إذا وجد معه فرع وارث مؤنث، فيأخذ السدس فرضا، والباقي بالتعصيب ، أي يرث بالفرض والتعصيب معا .

ويختلف الجد عن الأب في الأمور التالية:-
 الأب لا يُحجب بحال ، بخلاف الجد فإنه يحجب بالأب.
 الأب يحجب الإخوة والأخوات الشقيقات أو لأب أو لأم، أما الجد فإنه لا يحجب إلا الإخوة أو الأخوات لأم.

يلاحظ أن الجد يُعامل معاملة الأب في كثير من الأحوال ، ولكن يختلف معه في حجب الإخوة؛ فالأب يحجب الإخوة كلهم، بينما الجد يحجب الإخوة لأم فقط (عند الجمهور)، ويقاسم الإخوة الأشقاء والأب (في رأي الجمهور المعتمد في القانون المصري)، ولا ينزل عن السدس في أي حال، كما أن الأب يحجب الجد نفسه.

كذلك يتأثر نصيب الجد بوجود الأم ، أو الأخوة الأشقاء أو لأب ، ففي هذا الفرض أي : حال وجود الجد وما ذكر مما تقدم في المسألة فإن الجد يأخذ السدس فرضًا (كالأخ الشقيق في وجود الأم والزوج مثلاً) أو يقاسم إخوة الميت ، ويأخذ الأحظ له ، سواء كان سدسًا أو أكثر

مثال ذلك :(وزوج وجد وأخ) (فالأم تأخذ ثلث فرضا لعدم وجود فرع وارث مطلقا ، والزوج نصف فرضا لعدم وجود فرع وارث مطلقا ، ويتبقى السدس يأخذه الجد فرضًا (لأنه أحظ له من المقاسمة ، ولو أعطيناه مثل الأب لقل نصيب الأم عنه ، وهي أقرب للمتوفي منه ، فهي من الدرجة الأولى ، وهو من الدرجة الثانية .

مثال آخر : (أم وزوجة وجد وأخت: ( (الأم تأخذ ثلث فرضا ، والزوجة تأخذ الربع فرضا ، ويتبقى خمسة أسهم من أصل اثنى عشر سهما ، تُقسم بين الجد والأخت ، هنا تكون المقاسمة أفضل للجد والأخت ، يأخذ الجد أكثر من السدس، أكثر من سهمين ، وهذا يثبت أن الجد أقوى من الأخ في هذه الحالة.

فالجد لا يُحجب بالإخوة حجبًا كليًا ، ولا هو يحجبهم حجبا كليا ، بل يأخذ السدس أو يقاسم، أي يأخذ الأحظ له منهما ، وهذا يعزز مكانة الجد في الميراث بدلاً من حجبه الإخوة بالكامل أو حجبهم للجد ، ومهما من درجة واحدة للمتوفى وإن كانت جهة الأبوة أقوى من الأخوة ، لكنها أبوة بعيدة فتساويا في درجة القرابة (الدرجة الثانية) .

المسألة الثامنة : ميراث "الجدة"

والمقصود بالجدة الصحيحة المعتبرة ضمن أصحاب الفروض ، وهي (كل جدة أو جد لا يدخل في نسبتها إلى الميت أنثى بين ذكور) ، أي أم الأم وأم الأب وكل جدة تعلوهما عبر طريق كله إناث، وهي وارثة بالاتفاق ، في حال عدم وجود من يحجبها ، قال المباركفوري "اعلم أن الجدات سواء كانت أبويات أو أميات يسقطن بالأم"

والقياس يقتضي أن الجدة الصحيحة ترث ميراث الأم فرضا عند عدم وجودها ،ورغم وضوح سبب ميراث الجد الصحيح والجدة الصحيحة وفقا للقواعد المتقدمة فإن جمهور الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة مع الظاهرية ، على تفصيل في كتب الفقهاء ، حيث أعطى العلماء للجد الأبوي مثل ميراث الأب باعتباره داخل ضمن فحوى النص في حالة عدم وجود الأب ، بينما غايروا في الجدة الفقهاء الأربعة فأعطوا السدس ، خلافا لابن حزم الذي أعطاها مثل ميراث الأم .

ويعزى سبب اختلف الفقهاء في ميراث "الجدة" ، أن جمهور الفقهاء لم يقسوا – غير ابن حزم - ميراثها على الأم لورود النص بخلاف ذلك ، حيث أعطي لها سهم السدس فحسب ، فعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ جَاءَتْ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ  شَيْئًا ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ ، فَسَأَلَ النَّاسَ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ  أَعْطَاهَا السُّدُسَ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ جَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِكِ ، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا وَلَكِنْ هُوَ ذَاكِ السُّدُسُ فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ فَهُوَ بَيْنَكُمَا وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا" .

وهو حديث مرسل وليس فيه ما يخالف دلالة النص ، إذ كان الظن –والله أعلم- أنه قسم لها السدس لأنه لم يكن للمتوفي جمع من الأخوة ، ولعل ذلك هو ما جعل ابن حزم الظاهري ينتهي إلى قول بأن (الْجَدَّةُ تَرِثُ الثُّلُثَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ حَيْثُ تَرِثُ الأُمُّ الثُّلُثَ، وَتَرِثُ السُّدُسَ حَيْثُ تَرِثُ الأُمُّ السُّدُسَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أُمٌّ)، وهو ما نرجحه في المسألة .

المسألة التاسعة : ميراث ذوي الأرحام

ويعرف الفقهاء ذوي الأرحام بأنهم الأقارب من غير أصحاب الفروض أو العصبات مثل : أولاد البنت, والجد غير الصحيح (وهو أبو الأم وأبو أم الأب) والجدة غير الصحيحة وأبناء الإخوة لأم وأولاد الأخوات وبنات الأخوة ، والشريعة الإسلامية لم تورد نصاً صريحاً في تأريث ذوي الأرحام ، ولكن جمهور الفقهاء يرى تأريثهم بترتيبهم في الإرث في حال لم يترك المتوفي أحداً من أصحاب الفروض ولا من العصبة من أقاربه.

المسألة العاشرة : العول والرد

العول هو (زيادة مجموع سهام الورثة عن أصل المسألة) (نقصان في نصيب كل وارث) (Over-allocation)

تعريفه: يحدث عندما تتجاوز الأنصباء المقدرة لأصحاب الفروض أصل المسألة (الرقم الذي تم توحيد المقامات عليه)، مما يستدعي زيادة أصل المسألة لتغطية الجميع، فتضيق الأنصباء وتنقُص.
مثال ذلك : تركة الورثة فيها ( الزوج والأختين الشقيقتين) ، فإذا قسمنا التركة على ستة أسهم كان للزوج النصف (3 أسهم) ، وللأختين الثلثان (4 أسهم) ، فيكون المجموع 7 أسهم ، وعلاج هذه المسألة بتحديد النسبة بين الزوج والأختين
فتُعول المسألة من 6 إلى 7، ويتم إنقاص الأنصبة بمقدار العول أي بنسبة (6/7) لتُقسم التركة على 7 سهام بدلاً من 6، فيأخذ الزوج 3 سهام والأختان 4 من أصل سبعة أسهم بدلا من ستة على النحو التالي : -
الزوج : الأختان الشقيقتان
1/2 : 2/3
(3/7) : 4/7

الرد : هو عكس العول ، حيث يقل مجموع أسهم الورثة عن أصل المسألة ، فيُردّ الباقي على أصحاب الفروض بنسبة فروضهم (زيادة في أنصبتهم) ، ويحدث عندما لا تستغرق سهام أصحاب الفروض التركة كلها ، ولا يوجد عاصب (قريب ذكر يَرِث الباقي)، فيُردّ المال الفائض على أصحاب الفروض (ما عدا الزوجين) بنسبة فروضهم.

مثال: - تركة لبنت وأم .
أصل المسألة (6) أسهم : للبنت النصف (1/2) يعني 3 أسهم ، للأم السدس (1/6) يعني سهم واحد.
المجموع: 3 + 1 = 4 أسهم .
الباقي: 6 - 4 = 2 سهم ، وإذ لا يوجد عاصب ولا زوجان، يردّ السهمان مرة أخرى على البنت والأم بنسبة نصيبهما (3 : 1) ، فيصير أصل المسألة 4 أسهم بدلاً من 6 أسهم كالتالي
(للبنت 3 أسهم من 4 ، للأم سهم واحد من 4) .

المسألة الحادية عشرة : المسائل الشائكة (المسائل العمرية أو المشتركة أو الحجرية أو التخارج )

وفيه عدة مسائل ذكرها ابن القيم في المغني : -
قال ابن قدامة ( مَسْأَلَةٌ قَالَ : وَإِذَا كَانَ زَوْجٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيَ الزَّوْجُ النِّصْفَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ) يعني (نصف للزوج + ثلث للأب + سدس للأم) ففي هذا الفرض أخرج ابن قدامة الزوج من المسألة بإعطائه النصف فرضا ثم قسم النصف التركة مرة أخرى على الأب والأم فأعطى الأم السدس الثلث فرضا ، وثلث النصف المتبقى هو سدس التركة كلها ، ثم أعطى الأب الباقي تعصيبا ، فصار الباقي من التركة الثلث فصار له تعصيبا بالنفس .

وقال ابن قدامة (وَإِذَا كَانَتْ زَوْجَةٌ وَأَبَوَانِ ، أُعْطِيت الزَّوْجَةُ الرُّبُعَ ، وَالْأُمُّ ثُلُثَ مَا بَقِيَ ، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأَبِ) ، أي أنه أخرج الزوجة مرة أخرى من التركة وأعاد تقسيمها على الأب والأم مثلما فعل في المثال الأول .
والمسألة العمرية هي أكثر من مسألة ، وأشهرها ميراث الأخوة لأم مع الأخوة الأشقاء، في حالة وجود أحد الزوجين، والأم؛ فالأصل أن الإخوة لأم يشتركون في إرث الثلث فرضاً أما الأخوة الأشقاء فهم يرثون بالتعصيب أي يستحقون باقي التركة بعد أصحاب الفروض.
فلما عرضت هذه المسألة على عمر رضي الله عنه - كان فيها للمتوفاة زوج، وأم، وعدد من الإخوة لأم، وإخوة أشقاء ذكورًا وإناثًا، ففي هذه الحالة يكون للزوج النصف لعدم وجود الفرع الوارث، وللأم السدس لوجود عدد من الإخوة، وللإخوة لأم الثلث يشتركون فيه بالنص ع ، ولا يوجد من يحجبهم، وللإخوة الأشقاء باقي التركة تعصيبًا.

فلو فرضنا أن التركة كانت ستة أسهم ، فالزوج له النصف أي ثلاث أسهم ، وللأم السدس ، أي سهمان ، ولـلإخوة لأم الثلث يعني سهمان ، وحين إذن لا يبقى للأخوة الأشقاء شيء.
ولما كان الأخوة الأشقاء - من الأب والأم - يشتركون مع الأخوة لأم في والدتهم ، فهم من ذات الجهة ، ومن ذات الدرجة ، بل هم أقوى من الأخوة لأم في قوة القرابة ، كان في حرمانهم من الميراث إخلال بقواعده المتبعة ، فلا يحرم الأقرب للمتوفى ، وقد ورث الأبعد .

وقد اضطرب قضاء عمر بن الخطاب في هذه المسألة فقضى بالرأي الأول في عام فلم يعط للأخوة الأشقاء شيء ، فلما أعيد عرض المسألة عليه مرة أخرى في العام الأخرى قضي بتشريكهم مع الأخوة لأم ، فأعطاهم حقهم في الميراث بطريق الفرض لا التعصيب ، وذلك لما قيل له (هب أن أبانا كان حجرا ملقى في اليم) أي لا تعتبر نسبنا للمتوفى من جهة الأب ، واعتبره من جهة الأم فقط ، حتى نأخذ نصيبا بالفرض لا بالتعصيب ولم يبق من التركة شيء

فعَنِ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : شَهِدْت عُمَرَ أَشْرَكَ الإِخْوَةَ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ مَعَ الإِخْوَةِ مِنَ الأُمِّ فِي الثُّلُثِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : قَدْ قَضَيْت فِي هَذَه عَامَ الأَوَّلِ بِغَيْرِ هَذَا ، قَالَ : وَكَيْفَ قَضَيْت ؟ قَالَ : جَعَلْته لِلإِخْوَةِ لِلأُمِّ وَلَمْ تَجْعَلْ لِلإِخْوَةِ مِنَ الأَبِ وَالأُمِّ شَيْئًا ، فَقَالَ : ذَلِكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي) .

فاستنبط الفقهاء من ذلك قاعدة هي: "القضاء لا ينقض بمثله"، فلما استشار عمر بن الخطاب الصحابة انتهى عمر إلى إشراك الأشقاء مع الإخوة لأم على اعتبار أنَّ الجميع أولاد أم واحدة، وأهمل علاقة الأبوة التي أثار الإشكال في المسألة ، لكن بعض الصحابة على الرأي الأول، فسميت لذلك بالمسألة العمرية أو بالمشتركة .

 

  • السبت PM 04:30
    2025-12-27
  • 317
Powered by: GateGold