المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1900281
يتصفح الموقع حاليا : 422

البحث

البحث

عرض المادة

جهود علماء الأزهر في الرد على الشيعة في العقل

إن الشيعة يعدون العقل أحد المصادر الشرعية للأحكام، يقول الزنجاني : « الأدلة الشرعية هي الكتاب والسنة النبوية والأحاديث التي رواها الثقات عن أئمة الهدى والإجماع والعقل على التفصيل المذكور في كتب الفقه »[1].

وتروي كتب الشيعة من الأحاديث ما يبين مكانة العقل، فعن أبي جعفر قال : « لما خلق الله العقل قال له : أقبل، فأقبل، ثم قال له : أدبر فأدبر، فقال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحسن منك، إياك آمر وإياك أنهى، وإياك أثيب وإياك أعاقب »[2].

وهذا الحديث موضوع عند أهل السُّنَّة[3].

وينسبون إلى النبي ﷺ أنه قال : « إذا رأيتم الرجل كثير الصلاة كثير الصيام فلا تباهوا به حتى تنظروا كيف عقله »[4].

وإذا كانت هذه الروايات تمدح العقل وترفع من مكانته إلا أنهم أنكروا حجية القياس، وهو أحد العمليات العقيلة البحتة التي يستخدمها كل العقلاء[5].

فالمجتهد يلجأ إلى القياس عندما تضييق به السبل للوصول إلى نص صريح من كتاب أو سنة، فإنه يستخدم عقله للوقوف على المصلحة التي يقتضيها الشارع، وليس غير ذلك بحال.

يقول الإمام أبو زهرة : « العقل عندما ينظر في الأشياء من حيث حسنها أو قبحها، فإنه لا محالة ناظر إلى ما فيه مصلحة، أو ما يخالطها من مضرة، فإن رجحت المضرة منع، وإن رجحت المصلحة حكم بأنه مطلوب وليس من المعقول أن يطلب العقل الضار، ويدفع النافع، فإن ذلك أمر لا يقع فيه العقلاء، ولا يمكن أن يقر العقل الإسلامي مصلحة ليست من جنس ما أمر به الشارع، أو تكون داخلة في نهي الشارع، فلا يمكن أن يقر العقل بإباحة مسكر للتدفئة أو نحوها لأن هذا مخالف للنصوص »[6].

بعد أن أشارت إلى أبرز ردود علماء الأزهر في الرد على مصادر التلقي عند الشيعة الإثني عشرية التي يقوم عليها معتقدهم الفاسد أشير باختصار إلى رد العلماء على رفضهم الأخذ بالقياس كأحد مصادر التشريع الإسلامي.

حيث فصّل فضيلة الشيخ إسماعيل صادق العدوي في رده على الشيعة في إلغائهم القياس كمصدر من مصادر التشريع لا الاعتقاد : فبين أن القياس له أصل في القرآن الكريم، مثلا يقول الله عز وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة : 90]

الخمر هى ما خامرت العقل، فجاء في زمن آخر اسم آخر يخامر العقل فيحرم، قياسًا على الحكم الاول، وجاء بعد ذلك اسم آخر، فيحرم ما حدث قياساً على الاول، فالحكم واحد، الحكم على هذه الاشياء حرام، ولم يأت القرآن : (يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر، مثلاً والويسكى، والبيرة والبوظة، والكينا، والشامبنيا حرام) جاء بلفظ يقتضى القياس، فكان القياس مصدراً من مصادر التشريع، يلغون القياس تماماً، ويقولون : إن الاجتهاد مستمر إلى يوم القيامة، وما يراه الامام حسناً فهو حسنٌ، وما يراه قبيحاً فهو قبيح بلا قياس، استناداً إلى أن الحسن هو ما حسَّنه العقل، وأن القبيح ما قبَّحه العقل، فكيف يحكمون على الاشياء؟ يحكمون كذلك بلا قياس فما يقوله الإمام فهو الحكم عندهم، يجتهد في الأشياء[7].ثم بيَّن الشيخ العدوي أن كل المستحدثات في الدنيا لا بد وأن يكون لها أصل في الإسلام تبنى عليه ؛ لأنها من صنع الله سبحانه وتعالى، ولا تبنى على هذا الأصل إلا من خلال القياس على الأحكام الأولى التي أنزلها الله، ولا يجوز أن يحكم لهم فيه أئمتهم بأحكام جديدة، فتساءل الشيخ قائلاً :

 « سؤال لابد منه، إذا حدث شىء في الدنيا هل له أصل في الإسلام أم ليس له أصل؟ ».

لابد وأن يكون له أصل ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة : 3] فليس هناك أحكام جديدة يأتى بها هؤلاء، وإنما الحكم على الأشياء قد سبق، القتل حرام، الخمر حرام، الربا حرام، السرقة حرام، هذه الأحكام وهذه الحدود وغيرها قد فصلت فيها الشريعة، وهذه الحدود فهل هناك شىء جديد لم يكن قد سبق الحكم عليه؟ ليس هناك شىء جديد؛ لأن الله الذي خلق الإنسان يعلم فعله، ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات : 96] الذي خلقكم يعلم أعمالكم فحكم على أعمالكم بالحل والحرمة، فكل ذلك واضح وبيّنُ ولا لبس فيه، ولا شبهة فيه ﴿ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ﴾ فلم يكن هناك فصل بين الخلق والعمل، حتى يأتى واحد من الأئمة أو من البشر حتى يستحدث أعمالاً جديدة للانسان لم تكن له سنة فيه، وليس له فيها عمل في دنياه.

فكل الأعمال قد خلقها الله تعالى، وهذه الأعمال إما أن تكون حلالاً وإما أن تكون حرامًا، فهؤلاء الأئمة هل أتوا بجديد على أعمال الإنسان؟ وعلى أفعال الإنسان؟ لم يأتوا بجديد [8].

ثم بيّن الشيخ إسماعيل صادق العدوي أن حجية القياس نالت حجية الإجماع من أكابر الصحابة j فقد حكموا بالقياس بحضور الإمام الأول من وجهة نظرهم ولم يعترض وعدم اعتراضه حجة على الشيعة في الاعتراف بالقياس.

 « فالأحكام التي حكم الله بها على الإنسان هى الأحكام الأولى التي لا زيادة فيها، وإنما هناك قياس على الأحكام، ومن هنا كان القياس أثرًا من آثار الصحابه j، فقد قاس سيدنا أبو بكر، وقاس الجّد على الأب، واجتهدوا في ذلك، ولم يعترض سيدنا علىّ كرم الله وجهه على ذلك وكان موجوداً، عندما حدثت هذه القضية لم تكن قد حدثت في عهد النبى ﷺ فكان هناك جدُ له ميراث، هل يرث؟ ولم يكن في القرآن نصٌ على ميراث الجدّ، فاجتهد سيدنا أبو بكر وجعل الجدّ هذا بدل الأب وحكم له بالميراث، هل اعترض أحد؟ فهذا القياس قياس واضح، إذا لم يكن هناك قياس كيف نحكم بميراث الجد؟ هل يترك القرآن كما هو؟ ام ننتظر حتى يأتى الأئمة الاثنا عشر؟ أن الأمام الأول لم يعترض، وعدم اعتراضه حجة؛ لأنه بالإجماع قد تم القياس، فحدث إجماع وحدث قياس في آنٍ واحد.

ومن ضمن الذين أجمعوا على هذا الحكم سيدنا عليّ ـ كرم الله وجهه ـ فلم يعترض ولم يقل شيئاً وهذا أصل لا ينكره أحد، إلا إذا لم يورّثوا الجدّ ولكنهم ورّثوه فيقال لهم : لم ورّثتم الجدّ؟ الاجابه : ورّثنا الجدّ بالقياس.

من الذي جاء بالقياس؟ سيدنا ابو بكر. ما حكم إمامكم الأول على هذا القياس، هل اعترض او وافق؟ لقد وافق، فلابد وأن يُتبع إمامكم الأول أدبًا معه واحترامًا لأصل من أصول الإسلام، والاعتراض عليه فيه جفاء للشريعة وفيه تجسيم المسائل على حساب العقول » [9].

ثم استدل فضيلته بمثالٍ آخر :

 « وقد شرع سيدنا عثمان h الآذان الأول قبل الآذان الذي بين يدى الإمام شرعه قياسا للتنبيه الذي كان في صلاة الصبح، فكان هناك آذانان، الآذان الأول، والآذان الثانى، ويعرف الآذان الثانى من الأول، بأن الثانى فيه (الصلاة خير من النوم) فالأول التنبيه لإعداد الناس للصلاة وللتهيؤ حتى يقبلوا على بيوت الله، فقاس ذلك على ذلك وشُرع الآذان الأول، لتنبيه المسلمين إلى حضورهم لصلاة الجمعة حتى يجتمعوا ويستعدوا للآذان الذي بين يدي الإمام تقديراً واحتراماً لشعيرتهم، ﴿  ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج : 32].

ثم هذا القياس، مع القياس كان الاجماع، وكان سيدنا علي كرم الله وجهه وهو الإمام الأول من الأئمة الاثنى عشر كان موجوداً  ضمن جماعة الصحابة وأذن للصلاة قبل الجمعة، مع فارق الوقت قد يكون طويلاً، وقد يكون قصيراً هذه مسألة على حساب أحوال المسجد، إنما أذن الآذان الأول في عهد الصحابة j وقد أمر سيدنا عثمان بذلك وصعد المؤذن وأذن لصلاة الجمعة، ثم بعد ذلك أذن للصلاة بين يدي الامام، وتمت الخطبتان، وتمت الصلاة، ولم يعترض أحد.

ولو كان هناك اعتراض لذكره هؤلاء، وإنما لم يكن في كتبهم اعتراض على إجماع الصحابة وعلى موافقة سيدنا عليّ ـ كرم الله وجهه ـ فإذا كان الإمام الأول قد أخذ بالقياس، وقد وافق على القياس، وكان ذلك بالإجماع في عهد الصحابة ولم يأت غير ذلك في تاريخ التشريع الاسلامى، ولا تاريخ الفقه الإسلامى، ولم يشذ أحد عن هذا الاجماع، فكيف ينفي القياس أصلاً، ويعطى الاجتهاد لأي واحد من هؤلاء؟

كيف ذلك؟ وكيف يقبل عقل المسلم أن تخضع العقول جميعاً لحكم واحد قد لا تتوفر فيه الشروط، ويؤخذ حكمه قضية مسلمة بلا اعتراض! لم هذا؟» [10].

 « هذا شيء خطير، ثم نجد أن إلغاء القياس هو مضيعة وهو ترك المسلمين على حل شعرهم وعلى هواهم، حيث لا قياس على الأحكام الأولى، فليس هناك أحكام جديدة، فهم يقيسون رغم أنوفهم وإن أنكروا القياس، فالقياس موجود رغماً عنهم حيث لا جديد في الأحكام ولا جديد في الأعمال، وإنما الأعمال قد حُكم عليها من لدن رب العزة بالحل والحرمة، فلا جديد إلا إذا تغيرت الأسماء، وتغيرت الأفعال، والحكم واحد. نظام الربا لا يحتاج إلى شى، فنظام الربا المفرد، الربا الجماعي، ربا الاستبدال، ربا البنك، كل هذه الأنواع من أنواع الربا هى مقاسة على الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة : 275] والربا هو الزيادة إن كان من بنك أو لجماعة، أو من مصرف، أو من أي مؤسسة، أو من الدولة، أو من الوزارة، أو من أى تشريع، فالحكم واحد، وهذا كله بالقياس على هذه الأصول التي سبقت فلا يحتاج عمل بنك جديد إلى حكم جديد فالحكم واحد يستمر على جميع هذه المصنفات الربوية وهذه الفرعيات الربوية إلى ما شاء الله. فإلغاء القياس أمر لا يقبله العقل وقضية لا نقول : نعترض عليها »[11].

 

 

 

[1] الموسوي الزنجاني : عقائد الإمامية الاثني عشرية (ص113، مؤسسة الأعلمي، بيروت)، وانظر : د. محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد عند الشيعة (ج1/ ص 358).

[2] الكليني : أصول الكافي (ج1/ ص 69، كتاب العقل والجهل).

[3] ابن الجوزي : الموضوعات (ج1/ ص174).

[4] السابق (ج1/ ص70، كتاب العقل والجهل).

[5] محمد زكريا النداف : مسائل الاعتقاد عند الشيعة (ج1/ ص359)، بتصرف.

[6] أبوزهرة : الإمام جعفر الصادق (ص488).

[7] إسماعيل صادق العدوي : نظرة في فكر الشيعة (ص93).

[8] السابق (ص94، 95).

[9] السابق (ص96، 97).

[10] السابق (ص99 - 101).

[11] السابق (ص101- 103).

 

  • الاثنين AM 10:31
    2025-04-07
  • 578
Powered by: GateGold