ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
جهود علماء الأزهر في الرد على الشيعة في الإجماع
الإجماع عند أهل السُّنَّة والجماعة هو : ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة[1].
ويعتبر الأمور المجمع عليها أصل الإسلام، فإنه قد تقررت في الشرع أمور ثبتت بالتواتر، وصارت موضع إجماع المسلمين، لا يعد الشخص من أهل القبلة إن لم يذعن لها، ومن ذلك : الصلوات المفروضة بأعداد ركعاتها وهيئاتها، وأركانها، والحج ومناسكه، فإن أكثرها مجمع عليه، والكعبة ومكانها، والقبلة واشتراطها، والصوم وزمانه وشكله وأركانه، والزكاة وأنواعها ومقاديرها في الجملة، فكل ذلك موضع إجماع المسلمين، وهو من المسلمات الضرورية التي يكفر منكرها، ويخرج من الدين من يشك فيها، وهي ما يسميه علماء الدين ما علم من الدين بالضرورة، وكذلك كل الأمور الثابتة في القرآن بدلالة قطعية ثابتة كالمحرمات في أصولها، وأصل الطلاق وأنواعه، والمواريث وغير ذلك من الأمور الثابتة بأمور متواترة ودلالة النصوص عليها قطعية فإن من ينكرها كافر[2].
هذا هو مفهوم الإجماع عند أهل السُّنَّة والجماعة... أما الشيعة لا ترى إجماع الصحابة والسلف أو إجماع الأمة إجماعاً.
وقد بين علماء الأزهر المخالفات التي وقعوا فيها في هذا الباب.
يقول الدكتور محمد حسين الذهبي : أما الإجماع عند الشيعة فليس حُجَّة بنفسه، وإنما يكون حُجَّة إذا دخل الإمام المعصوم في المُجمْعين، أو كان الإجماع كاشفًا عن رأيه في المسألة، أو كان الإجماع عن دليل معتبر.
أفهم من هذا أن الإجماع عندهم حجة لا لكونه إجماعًا، بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة.
ويفصّل أكثر الإمام أبوزهرة : بأن الإجماع عند الإمامية هو : اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي المعصوم، وهو يومئ إلى أمرين :
أحدهما : أنه اتفاق طائفة تؤمن بوجود معصوم، وأنه لايخلو منه عصر من العصور إما ظاهراً مشهوراً او خفياً مستوراً.
ثانيهما : أنه مقصورٌ على الإمامية، فاتفاق غير الإمامية إن لم يكونوا فيه لايعد اتفاقاً، ويقول في معنى الإجماع صاحب كتاب القوانين المحكمة في الأصول (اتفاق جماعة يكشف اتفاقهم عن رأي المعصوم... يحصل لأن اتفاق جميعهم يحصل العلم بأنه مأخوذ عن رئيسهم)[3].
وإن الظاهر من تعريف الإجماع عندهم : أنه لا بد أن الإجماع في غيبة المعصوم، لأنه لايكون الإجماع وحده كاشفاً إلا في غيبة الإمام أما في حضوره ولقائه فإنه وحده يكشف عن قوله ونظره، فهو لايكون وحده كاشفاً إلا في غيبة الإمام[4].
وكلام الإمام أبي زهرة أيضا : يبين أن الإجماع ليس حجة عندهم بدون وجود الإمام الذي يعتقدون عصمته، فمدار حجية الإجماع هو على قوله لا على نفس الإجماع، فهم في الحقيقة لم يقولوا بحجية الإجماع، وإنما قالوا بحجية قول المعصوم، ودعواهم الاحتجاج بالإجماع تسمية لا مسمى لها، فقول ابن المطهر : « الإجماع حجة عندنا » من لغو القول؛ إذ الأصل أن يقول : الإجماع ليس بحجة عندنا، لأن الحجة في قول الإمام المعصوم... لأن هذا هو مقتضى مذهبهم، فهم جعلوا الإمام بمثابة النبي أو أعظم؛ فهو عندهم ينكت في أذنه، ويأتيه الملك[5].
وبهذا لا تكاد تلمس فرقاً بين مفهوم السُّنَّة عندهم، والإجماع إلا باللفظ فقط؛ لأن السُّنَّة قول المعصوم، والإجماع المعتبر عندهم هو الكاشف عن قول المعصوم، ولك أن تعجب لماذا يعدون الإجماع أصلاً يقررونه في كتبهم الأصولية. وهو اسم بلا مسمى.
وهذا ما يقول به الدكتور محمد حسين الذهبي : « فهو في الحقيقة داخل في السُّنَّة عند الشيعة. ولكن بالإضافة إلى ذلك، فإن حيرتهم في الوصول إلى هذا الإجماع الذي يدعونه برهان جلي يدل على أنهم ليسوا على شيء، ومن أوضح الأمثلة على ذلك اشتراطهم وجود عالم مجهول النسب لتحقق الإجماع على اعتبار أن يكون هو الإمام الغائب.
يقول الإمام أبوزهرة :
« وإن الظاهر من تعريفهم الإجماع عندهم أنه لابد أن يكون الإجماع في غيبة الإمام، لأنه لايكون الإجماع وحده كاشفاً إلا في غيبة الإمام، أما في حضوره ولقائه فإنه وحده يكشف عن قوله ونظره، فهو لايكون وحده كاشفاً إلا إذا كان الإمام غائباً[6]. وقد تكلموا في الطريق لثبوت كون الإجماع العام أو الخاص كاشفاً لرأي الإمام، فذكروا ثلاثة طرق :
الطريق الأول :
أنه اشتهر بين الأقدمين أنه إذا اجتمع علماء أمة النبي ﷺ على قول فهو قول الإمام المعصوم القائم لأنه من جملة الأمة وسيدها، فإذا ثبت إجماع الأمة على حكم ثبتت موافقته لهم[7].
الطريق الثاني :
أن الزمان لا يخلو من إمام أبدًا، وأنه لا يمكن أن يترك الناس في ضلال، وإن زاد المؤمنون شيئاً ردهم، ولولا ذلك لاختلط على الناس أمورهم، وإن الأمة لايمكن أن تجتمع على ضلالة أبدا، ولا يمكن أن يقرهم المعصوم وهو قائم على ضلالة قط، وقد يسكت الإمام المعصوم إذا كان في الأمة قولان أو ثلاثة باعتبار أن باب الاجتهاد مفتوح لهم في غيبته، والحق لا يعدو هذه الأمور، فما دام فيها فلتترك لهم حرية الاجتهاد، ولا ضلالة حيث لا يجمع على باطل.
الطريق الثالث :
وهو أنه يكون الإجماع كاشفاً عن رأي الإمام من حيث أنه يمكن حصول العلم برأي الإمام من اجتماع جماعة من خواصه على فتوى مع عدم ظهور مخالف لهم، وكذلك يمكن العلم برأي كل رئيس برأي متبعيه »[8].
يستنبط من كلام فضيلته : أن الطريق-عندهم-لاكتشاف قول الإمام هو الحدس، فانظر كيف يجعلون اكتشاف قول المعصوم بطريق الحدس والظن هو العمدة، وإجماع السلف ليس بعمدة، إنها مفارقات في غاية الغرابة، واتفاق جميع أعلامهم لا يحصل به الجزم بموافقة الإمام، ومجرد الشهرة يحصل بها الجزم ولو لم يحصل اتفاق، إنها مقاييس مقلوبة، كما أنه اعتراف منهم بأن شيوخهم قد يتفقون على ضلالة.
ومع إنكارهم حجية الإجماع في الحقيقة، فقد أثبتوا العمل بقول طائفة مجهولة وترك ما تقوله الطائفة المعروفة، وهذه من ثمار الشذوذ، وقد عللوا لهذا المسلك الشاذ بأن الإمام مع الطائفة المجهولة.
يقول صاحب معالم الدين : « إذا اختلفت الإمامية على قولين، فإن كانت إحدى الطائفتين معلومة النسب ولم يكن الإمام أحدهم كان الحق مع الطائفة الأخرى، وإن لم تكن معلومة النسب... »[9].
وأمر آخر لا يقل عن هذا، وهو كيف يجعل قول طفل عمره خمس سنين لم يخرج عن طور الحضانة بمنزلة إجماع الأمة بأسرها، بل يرفض إجماع الأمة ويؤخذ بقول صبي أو معدوم؟! هذا في غاية الفساد[10].
[1] ابن تيمية : مجموع الفتاوى (ج3/ ص157).
[2] أبوزهرة : الإمام جعفر الصادق (ص461).
[3] القوانين المحكمة الباب السادس، وهو طبع حجري بإيران، وهو مع الأسف غير مرقم الصفحات، انظر : أبوزهرة : الإمام جعفر الصادق (ص465).
[4] المرجع نفسه.
[5] ناصر القفاري : أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية (ص366، دار الخلفاء الراشدين، ط1، 1433 هـ = 2012م).
[6] أبوزهرة : الإمام جعفر الصادق (ص465).
[7] القوانين المحكمة الباب السادس، وانظر : أبو زهرة : الإمام جعفر الصادق (ص465، 466).
[8] السابق (ص466).
[9] أبو منصور جمال الدين الحسن بن زين الدين النحاريري العاملي الجباعي : معالم الدين وملاذ المجتهدين (ص406، تحقيق وتعليق : عبد الحسين البقال، مطبعة الآداب، النجف، إيران 1288هـ)، وانظر : القفاري : أصول مذهب الشيعة (ص370).
[10] السابق (ص 378).
-
الاثنين AM 10:30
2025-04-07 - 588



