ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
أسانيد الشيعة
أسانيد الشيعة
الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
أما بعد، فقد انتهينا في مدارسة كتاب أصول مذهب الشيعة إلى الكلام حول موقف الرافضة أو اعتقادهم في مصادر الإسلام. شرحنا موقفهم من القرآن الكريم، ثم شرع في بيان موقفهم من السنة، وقد انتهينا إلى الكلام حول موضوع مهم جدًا، وهو: رجال أسانيدهم. فإن الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، ولولا أهل المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر.
ولأن الشيعة لا حظ لهم على الإطلاق في علم الحديث وعلم الرجال، فمن ثم وجد في كتبهم ورواتهم الزندقة والإلحاد والطعن في القرآن والطعن في أحكام الإسلام، كما أشرنا من قبل. فماذا عن الإسناد؟ وماذا عن أقسام الحديث؟ وماذا عن الروايات عند، أو الرواة عند، الرافضة؟
يقول: إن مصنفي هذه المدونات لم يحصل لهم ملاقاة الأئمة، ده أول القصيدة، يعني أصلًا الذين رووا هذه الروايات الطويلة العريضة بالآلاف أحيانًا عن الأئمة، لم يحصل التقاء مباشر مع الأئمة. يقول: إن مصنفي هذه المدونات لم يحصل لهم ملاقاة الأئمة، وما أخذوا أقوالهم إلا بواسطة رجال بينهم وبين الأئمة.
فما حال هؤلاء الرجال الذين رووا كل ذلك الضلال عن جعفر وغيره؟ لقد شهد طائفة من أعلام السنة بأن الروافض من أكذب الناس في الحديث، واتقوا الرواية عنهم، لكن الاثني عشرية لا تقبل هذه الشهادات، فهي لا تقبل روايات العامة كما يقولون، فضلًا عن الأخذ بجرحهم.
وقد استقرأ صاحب التحفة الاثني عشرية أحوال رجالهم في الكتب الأربعة من خلال ما تقوله عنهم كتب الشيعة نفسها، كما فعل ذلك صاحب الواقعة المحرقة، أو الصواقع المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة من تأليف نصير الدين محمد الشهيد بخواجه نصر الله الهندي المكي، وقام الشيخ محمود الألوسي باختصار الكتاب باسم مختصر الصواقع المحرقة، وقدم الألوسي رحمه الله في كشف غياهب الجهالات لمحة موجزة بأحوالهم. كما صدر حديثًا كتاب بعنوان رجال الشيعة نشرته دار الأرقم، تأليف عبد الرحمن الزرعية، درس فيه مؤلفه مجموعة كبيرة من رجالهم من خلال مصادر الشيعة وما قد يوجد في مصادر السنة، وهي خطوة تستحق الإشادة.
إذًا أحد محاور مواجهة أساطير الشيعة وخرافاتهم وكذبهم أن العلماء، أو بعض العلماء، درسوا أو أفردوا بالدراسة رجال الأسانيد عند الشيعة، واعتمدوا أساسًا على مراجع الرجال عند الشيعة. ماذا تقول في هؤلاء الرواة؟ يقول: وتبين من خلال ذلك أن رجال كتبهم في الغالب ما بين كافر لا يؤمن بالله ولا بالأنبياء ولا بالبعث والمعاد، ومنهم من كان من النصارى ويعلن ذلك جهارًا ويتزيى بزيهم، ولم يعب صحبتهم، ومنهم من أعلن جعفر الصادق كذبهم ونص على ذلك باعتراف كتب الشيعة، وقال: يروون عنا الأكاذيب ويفترون علينا أهل البيت، إلى غير ذلك من أحوال رجالهم وأنواع ضلالهم.
وقد ذكرت هذه المصنفات جملة من أسماء هؤلاء الرجال الذين ذهبوا لهذه المذاهب الملحدة. ولخص شيخ الطائفة الطوسي، وصاحب كتابين من كتبهم الأربعة في الحديث: التهذيب والاستبصار، أحوال رجالهم باعتراف مهم أجراه الله سبحانه وتعالى على لسانه، يقول الطوسي: إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة، ومع ذلك الطوسي نفسه يقول إن كتبهم معتمدة.
إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة، ومع هذا يقول إن كتبهم معتمدة. فكان المهم عندهم تشيع الرجل، ولا يضر بعد ذلك انتحاله لأي مذهب فاسد، ولكنهم يردون روايات الزيدية كما ردوا روايات زيد بن علي مع أنه من أهل البيت، كما فعل الطوسي في الاستبصار، مع أن الزيدية شيعة. إذًا المقصود عندهم هو الإمامي أو الغالي، ولهذا ارتضوا أمر الجارودية مع أنها من غلاة الزيدية، ولكن ارتضوا مذهبها لأنها تكفر معظم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترد مروياتهم، فتشارك في عموم مذهبهم، ثم بعد ذلك لا يضر أن يكونوا من أصحاب المذاهب الفاسدة والنحل الزائفة.
بل قرر جملة من علماء الرجال عندهم، كابن الغضائري وابن المطهر الحلي، بأن القدح في دين الرجل لا يؤثر في صحة حديثه ما دام إماميًا غاليًا رافضيًا. فالقدح في عدالته وفي دينه لا يؤثر في روايته. القدح في دين الرجل لا يؤثر في صحة حديثه.
لكن هناك جملة من رجالهم ورواة مذهبهم هم من الغلاة، كما نص على ذلك شيوخ المذهب القدماء، فلم يكونوا يأخذون برواياتهم. ولكن هذا القدح في هؤلاء الرجال لم يرتضه الشيعة المتأخرون بحجة غريبة. يعني هؤلاء الرواة كانوا عند قدامى علماء الشيعة يُرون أنهم من الغلاة ويرفضون روايتهم، والشيعة المتأخرون رفضوا كلام الأوائل في هؤلاء الغلاة. ما الحجة؟ قالوا: إن المذهب بتاعنا مذهب بيتطور ويتغير، فما كان عند الأقدمين غلوًا أصبح الآن من ضروريات المذهب. واضح؟
فبالتالي ينبغي أن نرفض كلام الأوائل أو الأقدمين الذين انتقدوا هؤلاء الرجال. يعني هو... الشيعة لما تيجي تدرس هذه القضية عندهم، أنت بتشعر أنك أمام ناس حواة زي الحاوي، مافيش منطق ولا احترام لعقل ولا للعلم ولا للنقل ولا لأي شيء. هي أوقح ما يكون: بلطجة علمية، بلطجة، هي كده. ما تحاولش تناقش، ويعملوا هم عايزينه إيه، ولما يُحرجوا جدًا يبدأ على طول يفزع للتقية. فدين يعني لا يقف على عكازين، حتى مش على أقدام، هو دين منهار من أساسه.
واضح كذلك برضه الحملات اللي بتحصل في الإعلام أحيانًا، بعض الناس ما زالوا يعني يرتضون أن يكونوا لسان الشيعة المسموم في مصر، واضح؟ الذين ما زالوا يصرخون ويصيحون: السلفيون دول بيفرقوا الأمة، والمذهبية، وكذا. هي اللي مش هتطول، لأن الأيام كل ما بيمر الزمن تتساقط الأقنعة أكثر وأكثر عن الشيعة وعن عملائهم في بلادنا.
فهي مسألة وقت، لأن الكذب ليس له رجلان، الكذب لازم هيفضح في يوم من الأيام. فمن ثم حتى هذه الحملات مالهاش نفس، لن يطول ولن يكتب لها البقاء، لأن الشيعة أنفسهم بسبب حماقتهم السياسية يكشفون أنفسهم بأنفسهم. وأحداث المدينة المنورة ليست ببعيدة عنا الآن، ومطالبهم في البحرين أن البحرين دي المحافظة الرابعة عشرة من محافظات إيران، وتصريحاتهم التي ليس فيها أي نوع من المواربة، وبعضهم واحد اسمه شيرازي أعلن الأسبوع الماضي أننا سنحول موسم الحج القادم إلى بحر من الدماء.
لماذا؟ لأنهم بدأوا يطالبون بمطالب جريئة جدًا في داخل الحرمين الشريفين، عايزين يعيدوا بناء القباب والمقابر على مقابر أئمتهم المزعومين في السعودية، أو في المدينة يعني، في البقيع بالذات، والولع الشديد بالقبور، وبدأوا عايزين يعملوا نوعًا من جمع الأموال لإعادة بناء هذه القبور وتعظيمها وإشادة ونحو ذلك. فبدأ الصدام الآن يأخذ صورة فيها نوع من التبجح واستغلال للظروف السيئة لبعض البلاد الإسلامية، خاصة يعني السعودية، لأن مطالبهم بدأ سقفها يرتفع أكثر وأكثر، ويطمعون ويستغلون الظروف العالمية والظروف الداخلية في بعض البلاد من أجل البلبلة من جديد.
فمن الآن يعلن واحد منهم أن موسم الحج سوف نجعله لكم أيها السنة بحرًا من الدماء! دماء مين؟ ده مافيش لا يهود ولا نصارى في الحج. فاللي نايم ممكن يصحى، بس ربما يكون بعد فوات الأوان، لأن في ناس ما زالت بتعمل بلطجة برضه في عالم الفتاوى وهذه الأشياء، وهي كده يعني: الميه نار والنار ميه، زي الحاوي ما بيعمل بالضبط، ويظلون أن الناس سوف تصغي لهم. الناس أصبح في وعي أكثر، والشيعة أنفسهم يكشفون أنفسهم بأنفسهم بصورة أكثر وقاحة وجرأة، فهي مسائل أيام أو فترات طويلة، وسيُنكشف الحقيقي لأهل الإسلام وأهل السنة والجماعة، هي مسألة وقت.
واضح؟ فمن مظاهر هذه البلطجة العلمية، إن جاز التعبير، أو الفكرية، طريقة التعامل في مثل هذه القضايا العلمية الحساسة. لما تنظر في علم الإسناد وعلم الحديث عند أهل السنة، فعلًا هذا هو الدين الحق الذي قال فيه أعتى أعداء الإسلام من المستشرقين اليهود: ليفخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم، علم لم تصل البشرية إطلاقًا إلى عشر معشاره في الدقة والتثبت والتحري، مما يدل على أن هذا هو حراسة الله عز وجل لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، لأن القرآن أيضًا لا يُحفظ إلا بالسنة، السنة تشرح القرآن، والسنة تشرع أحكامًا زائدة على القرآن.
يقول: إن جملة من رجالهم ورواة مذهبهم هم من الغلاة، من غلاة الرافضة، ومين اللي حكم عليهم بالغلو؟ شيوخ الشيعة القدامى في القرون الأولى، وكانوا يرفضون روايتهم على أساس أنه من الغلاة. لكن هذا القدح في هؤلاء الرجال لم يرتضه الشيعة المتأخرون بحجة غريبة، وهي أن المذهب يتطور ويتغير، فأصبح ما يعتبر عند القدامى غلوًا هو اليوم من ضرورات المذهب الشيعي، فصارت مقاييسهم في نقد مذاهب الرجال تتغير من عصر لعصر تبعًا لتغير المذهب وتطوره.
قال المامقاني، وهو أكبر شيوخهم في علم الرجال في هذا العصر: إن القدماء -يعني من الشيعة- كانوا يعدون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلوًا وارتفاعًا، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال، كما لا يخفى على من أحاط خبرًا بكلماتهم.
هناك أمر آخر أخطر من هذا: لقد جاءت روايات بأسانيد ثابتة وصحيحة لديهم هم أنفسهم يصححون هذه الروايات، جاءت روايات ثابتة وصحيحة لديهم تذم وتلعن مجموعة من الكذابين الذين قام الدين الشيعي على روايتهم، تذمهم بأعيانهم وبأسمائهم، فلم يقبل شيوخ الشيعة الذم الوارد فيهم. وطبعًا لم يقبلوه ليه؟ لأنهم لو قبلوا هذا الذم فسيصبحون من أهل السنة ويتحررون من شذوذ الروافض. وقد فزعوا إلى التقية لمواجهة هذا الذم، وهذا ليس له تفسير إلا رد قول الإمام من وجه خفي.
أنتم بتقولوا أئمة معصومين، ولما يحكمون بكذب هؤلاء الوضاعين والدجالين والكذابين، فالرد جاهز: إن الأئمة قالوا ذلك على سبيل التقية. نعم. يقول: وإذا كان منكر نص الإمام كافرًا في المذهب الشيعي، فهم خرجوا بهذا عن الدين رأسًا، لأنهم ردوا كلام أئمتهم في حكمهم على هؤلاء الرواة بالوضع والكذب.
وقد اعترف محمد رضا المظفر، وهو من شيوخهم وآياتهم المعاصرين، اعترف بأن جل رواتهم قد ورد فيهم الذم من الأئمة. يعني هذا شيعي منهم هو بيعترف أن معظم الرواة ورد فيهم الذم، نصوص تذم عن طريق الأئمة، ومفروض الأئمة دول عندهم معصومون. ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها. قال -وهو يتحدث عما جاء في هشام بن سالم الجواليقي من ذم-: جاءت فيه مطاعن كما جاءت في غيره من أجلة أنصار أهل البيت وأصحابهم الثقات، والجواب عنها مفهوم. إحنا فاهمين بعض. إيه هو الجواب مفهوم؟ دي تقية.
يقول: وجاءت فيه مطاعن كما جاءت في غيره من أجلة أنصار أهل البيت وأصحابهم الثقات، والجواب عنها مفهوم. يعني العلة المعروفة عنده هي أن هذا صدر منهم على سبيل التقية. ثم قال: وكيف يصح في أمثال هؤلاء الأعلام قدح؟ وهل قام دين الحق وظهر أمر أهل البيت إلا بصواريخ التعصب بأهله؟!
فهم يدافعون عن هؤلاء الذين جاء ذمهم عن أئمة أهل البيت، ويردون النصوص المروية عن علماء أهل البيت فيهم والتحذير منهم، والتي تنقلها كتب الشيعة نفسها، فكأنهم بهذا يكذبون أهل البيت، بل ويصدقون ما يقول هؤلاء الأفاكون حيث زعموا أن ذم الأئمة لهم جاء على سبيل التقية. فهم لا يتبعون أهل البيت في أقوالهم التي تتفق مع نقل الأمة، بل يقتفون أثر أعدائهم ويأخذون بأقوالهم، ويفزعون إلى التقية في رد أقوال الأئمة.
وهناك مجموعة من رجالهم تميزوا بالإكثار من الرواية في كتبهم، وهم يحظون بتوثيق شيوخهم، على الرغم من أنهم قد لعنوا أو كفروا أو كذبوا على لسان الأئمة، وباعتراف كتب الشيعة نفسها. وفي ظني أن جمع ما ورد في هؤلاء الرجال الذين شاعت رواياتهم في كتب الاثني عشرية، جمع ما ورد فيهم من ذم في كتب الشيعة، وما قد يوجد من ذلك في كتب السنة، يسهم في إيضاح الرؤية وكشف الكذب على أهل البيت، ويسقط الكثير من تلك الروايات السوداء التي أخذت بالشيعة بعيدًا عن جماعة المسلمين، ويكشف الأمر أمام عوام الشيعة وجهالهم الذين لا يعرفون عن مذهبهم إلا أنه مأخوذ عن أهل البيت، كما خدعهم بذلك شيوخهم، وما علموا أن تلك الروايات جاءت بواسطة حثالة من الكذابين الذين تبرأ الأئمة منهم وكذبوهم.
فالعوام في غفلة عن مذهبهم وما يراد بهم. ويأتي على رأس هؤلاء الذين تميزوا بكثرة الرواية عندهم جابر الجعفي. قال الحر العاملي: روى سبعين ألف حديث عن الباقر عليه السلام، وروى مئة وأربعين ألف حديث، والظاهر أنه ما روي بطريق المشافهة عن الأئمة عليهم السلام أكثر مما روى جابر.
إذًا فجابر يأخذ المرتبة الأولى في الرواية من ناحية العدد، وإذا لاحظنا أن مجموع أحاديث كتبهم الأربعة، الكتب الأربعة الأصول، لم تبلغ سوى 44,244 حديثًا، أدركنا ضخامة ما رواه جابر الجعفي. لما الكتب الأربعة فيها 44,244، وهو نفسه راوٍ فقط كم؟ 70 ألف حديث، وروى أيضًا 140 ألف حديث! فالسبعون ألفًا دي عن الباقر بس.
فهذا يعني ندرك بهذا ضخامة ما رواه جابر الجعفي، وأن روايته تأخذ النصيب الأكبر في المدونات الشيعية، فهو أحد أركان دينهم. جاء في رجال الكشي، وهو أصل كتب الرجال عندهم، عن زرارة بن أعين قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أحاديث جابر، فقال -انتبهوا لهذا- مين أبو عبد الله؟ جعفر الصادق. فزرارة بن أعين بيسأل أبا عبد الله عليه السلام عن أحاديث جابر، فقال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل علي قط.
فالإمام الصادق هنا، جعفر الصادق، يكذب ما يزعمه جابر من روايته عنه وعن أبيه. فكيف إذًا يروي هذا العدد الضخم من الأحاديث عمن لم يلتق به، أو لم يلتق به إلا مرة واحدة، مع أنه في الروايات يصرح بالسماع والتحديث: حدثني، سألت، سمعت؟! فأبوه لقيه مرة واحدة، وابنه جعفر الصادق لم يلقه قط، ثم يروي هذا الكم الهائل من الروايات!
ولم يجد شيخهم الخوئي مخرجًا من هذه الرواية التي تكذب جابرًا إلا أن يفزع إلى التقية، فقال: لا بد من حمله على نحو من التورية. لا بد من حمل الرواية دي -التي هي: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أحاديث جابر فقال: ما رأيته عند أبي قط إلا مرة واحدة وما دخل علي قط- على نحو من التورية. دي تقية.
لأنه يرى أنه من ثقاتهم، حيث يقول: الذي ينبغي أن يقال إن الرجل لا بد من عده من الثقات الأجلاء. هي كده، لا بد من عده من الثقات الأجلاء. واستشهد لذلك بتوثيق بعض شيوخهم له، كابن قولويه وعلي بن إبراهيم والمفيد.
ثم يقول: ويقول الصادق في صحيحة زياد: إنه كان يصدق علينا. وقد جاء في جامع الرواة الإشارة إلى أن هذه الرواية التي يصفها الخوئي بالصحيح قد رويت عندهم بطريق مجهول، وما أدري لم لم يؤول الرواية الأخرى ويأخذ بهذه الرواية بلا دليل.
كما أن المفيد، الذي يعتبره الخوئي ممن وثقه، كان ينشد أشعارًا كثيرة عنه يستدل بها على اختلاطه. كما أن النجاشي قال عنه، عن جابر الجعفي: وكان في نفسه مختلطًا، يعني عقله في اضطراب. وقال هاشم معروف: إن جابرًا الجعفي من المتهمين عند أكثر المؤلفين في الرجال. وقال -وهو يحكم على بعض رواياتهم-: في سند هذه الرواية صباح المزني وجابر الجعفي، وهما ضعيفان، وقد ورد في جابر قدح ومدح، والأكثر على أنه كان مخلطًا.
كما أن النجاشي -وهو خبير رجالهم وصاحب أحد كتبهم الأربعة في الرجال- ذكر أنه، يعني النجاشي المتوفى سنة 450، بيقول على جابر الجعفي: قل ما يورد عنه شيء في الحلال والحرام، نادر جدًا ما يأتي عنه حديث في الحلال والحرام. لكن الخوئي، واحد من علمائهم، يقول: فإن الروايات عنه في الكتب الأربعة كثيرة في الحلال والحرام.
فهذا قد يشير إلى شيء آخر، وهو أن الرجل بالإضافة إلى كذبه في نفسه قد كثر الذين يكذبون عليه. وهذا ما صرح به النجاشي في رجاله حيث قال: روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا، منهم عمرو بن شمر ومفضل بن صالح. وقال هاشم معروف في ترجمة عمرو بن شمر: ضعفه المؤلفون في الرجال، ونسبوا إليه أنه دس أحاديث في كتب جابر الجعفي، وأنه كان يضع الأحاديث في كتب جابر الجعفي وينسبها إليه.
فهذا جانب آخر يكشف كذب هذه الروايات الكثيرة المنتشرة في كتبهم عن جابر. كما جاء في روايتهم ما يثبت أن جابرًا أحد المجانين، وإن زعم أنه افتعل ذلك خشية بطش الخليفة. يعني روايات أو حكم بعض العلماء الذين قالوا إن عقله اختلط، فافتعلوا أو دافعوا عن رواية الاختلاط بأنه كان يمثل أنه مجنون عشان الخليفة لا يبطش به. كل شيء له الرد جاهز عندهم.
فادعوا أن جابرًا اختلط، وافتعل ذلك خشية بطش الخليفة، كما صورته روايتهم بأنه واحد من أمهر السحرة والمشعوذين، وإن لم تسمه بذلك. وإذا لاحظنا أن جابرًا قد شاركت رواياته في كثير من أركان الكفر في المذهب الشيعي، فهو الذي روى في الكافي أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة، وسبق ذكر تفاصيل هذه الروايات، وهو أول من وضع التأويل الباطني في كتبهم، كما سبق أن تكلمنا عن التأويلات الباطنية، وجاء في روايته ما يشير إلى وجوب كتمان تلك التأويلات، إلى غير ذلك مما أسهم به في تشييد الكفر والضلال.
كما أن روايته هي من أكبر الأدلة على كذبه وبهتانه، وقد شهد علماء السنة بأنه أحد الكذابين المفترين. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: ما رأيت أحدًا أكذب من جابر الجعفي. وقال ابن حبان: كان سبئيًا من أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان يقول إن عليًا عليه السلام يرجع إلى الدنيا. وقال جرير بن عبد الحميد: لا أستحل أن أحدث عن جابر الجعفي. وقال: هو كذاب يؤمن بالرجعة. وقال زائدة: يشتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ومثل جابر الجعفي زرارة بن أعين، توفي سنة 150، ووثقه شيوخهم كالطوسي وابن المطهر وغيرهم، واعتبروه أحد الرجال الستة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله الذين أجمعت العصابة على تصديقهم. وله روايات كثيرة في كتب الشيعة، كما أن له إخوة وأبناء شاركوا في ذلك. ولهذا قال الطوسي: ولهم روايات كثيرة وأصول وتصانيف.
وذكر الخوئي مجموعة رواياته في كتبهم الأربعة، اللي هو زرارة بن أعين، مجموع الروايات في الكتب الأربعة الأصول كام؟ يقول إن مجموع رواياته 2094 حديثًا. وقع بعنوان زرارة في إسناد الكثير من الروايات تبلغ 2490 موردًا، فقد روى عن أبي جعفر عليه السلام... وقعد جاب التفاصيل عن كل إمام روى عنه كم حديث، هذا ما يقولون.
ولكن يقول سفيان بن عيينة: ما رأى أبا جعفر، أن زرارة أصلًا لم ير أبا جعفر. ويقول سفيان بن عيينة حينما قيل له: روى زرارة بن أعين عن أبي جعفر كتابًا، رد عليه سفيان بن عيينة: هو ما رأى أبا جعفر، ولكنه كان يتتبع حديثه.
وقد جاء في ميزان الاعتدال أن زرارة نسب لجعفر الصادق علم أهل الجنة وأهل النار، ادعى زرارة هذا وروى عن جعفر الصادق، وكذب عليه، أنه يقول إن جعفر يعلم أهل الجنة وأهل النار. وقال لابن السماك -يعني زرارة قال لابن السماك-: إذا لقيت جعفرًا الصادق فاسأله: هل أنا من أهل النار أم من أهل الجنة؟ ولما بلغ ذلك جعفرًا قال: أخبره أنه من أهل النار، فمن ادعى علي علم هذا فهو من أهلها.
ده جعفر الصادق نفسه. بقى له: يسأله، شوف بقى، هو عنده علم أهل الجنة وأهل النار، روح اسأله. فلما راح الرجل ده ابن السماك قال له الموضوع ده، فرد عليه جعفر وقال له: أخبره أنه من أهل النار، فمن ادعى علي علم هذا فهو من أهلها. يعني: لأن مثلك من يكذب علي، ويدعي أنني أعلم أهل الجنة وأهل النار، فهو من أهل النار.
غير أن بعض آياتهم وشيوخهم في هذا العصر يقول: لم نجد أثرًا مما نسبوه إلى كل من زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، ومؤمن الطاق، وأمثالهم، مع أنا قد استفرغنا الوسع والطاقة بالبحث عن ذلك، وما هو إلا البغي والعدوان. يعني ما لقيناش أي دليل في كتب الرجال عندهم في ذم مين؟ زرارة، ولا محمد بن مسلم، ولا مؤمن الطاق، الذي هو شيطان الطاق.
يقول: فكأنه يشير إلى أنه لا أصل لما يذكر عن زرارة من ذم، وأن ذلك من عدوان الخصوم، وأنه بحث عن ذلك في مصادره واستفرغ الوسع في التقصي فلم يجد له أي أثر. فهل هذا حق؟ يقول الدكتور القفاري حفظه الله: لا بد من الرجوع لمصادره المعتمدة في الرجال لأجل التثبت من صحة هذه الدعوى، لا سيما وأن عقيدة التقية هي شبهة تمنع الباحث من التصديق، وأولى ما يرجع إليه في هذا الشأن كتب الرجال المعتمدة عندهم.
ففي الفهرست للطوسي يتبين أن زرارة من أسرة نصرانية، إذ إن جده سنسن كان راهبًا في بلاد الروم، وكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من بني شيبان. ويبدو تأثير زرارة في مذهب الشيعة أشبه بتأثير ابن سبأ، بل قال أبو عبد الله -يعني جعفر الصادق-: ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع، عليه لعنة الله. هذا في رجال الكشي من مصادرهم.
وقال أيضًا أبو عبد الله: زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إن مع الله ثالث ثلاثة. ونقل الكشي أن أبا عبد الله لعنه ثلاثًا، وقال: إن الله نكس قلب زرارة، وذكر روايات أخرى في ذمه. ولذلك كان زرارة، كما ينقل الكشي، يقول: وأما جعفر فإن في قلبي عليه لفتة. يعني جعفر الصادق كده في حاجة في قلبي منه.
وعلل لذلك راوي الخبر عن زرارة بقوله: لأن أبا عبد الله أخرج مخازيه، يعني الأخبار المخزية وبدعه وضلالاته. بلغ تطاول زرارة على أبي عبد الله، كما في رجال الكشي، أن كذبه في قوله وأسـاء في القول له. طب إزاي وهو إمام معصوم؟ إزاي تكذبه وهو إمام معصوم في نظرك؟
وكان يتعمد الكذب ويصر على نسبته إليه. ففي رجال الكشي عن محمد بن أبي عمير قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال: كيف تركت زرارة؟ قلت: تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس. يعني بيضيع صلاة العصر. قال: فأنت رسولي إليه فقل له: فليصل في مواقيت أصحابي، فإني قد حرقت. قال: فأبلغته ذلك فقال -أي زرارة-: أنا والله أعلم أنك لم تكذب عليه، ولكن أمرني بشيء فأكره أن أدعه. فهو يزعم أن جعفرًا هو الذي أمره ألا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، ولا شك أن جعفرًا بريء من هذا الافتراء.
فهذا هو زرارة كما تصفه كتب الشيعة نفسها، ومع ذلك يقول كبير شيوخهم في هذا العصر بأنه قد استفرغ الوسع والطاقة في البحث فلم يجد شيئًا في ذمه! فهل يخفى عليه ذلك؟ أم أن في التقية متسعًا لأن يقال ما شاء ولا أحد ينكر عليه؟
وكيف يذهب شيوخ الشيعة إلى توثيق زرارة مع هذا التجريح وهذا التكفير واللعن الذي صدر من المعصوم في اعتقادهم، والذي يتفق في روايته الكشي وشيخ الطائفة الطوسي؟ يجيب على ذلك شيخهم الحر العاملي فيقول: رويت أحاديث في ذمه، يعني في ذم زرارة، ينبغي حملها على التقية، بل يتعين. وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاء الإمامية.
ويحتجون لذلك بما يروونه عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين عن عبد الله بن زرارة قال: قال لي أبو عبد الله جعفر الصادق: أقرأ على والدك السلام. يعني حاجة الحقيقة الدين دين محير جدًا، والإنسان يعجب كيف يمكن لإنسان أن يقبل مثل هذا الدين كله حيل وزي الحاوي وكذب ودجل وأساطير وخرافات. وأي حقاق يعني؟ ما الذي يبشرون به في مثل هذا الدين؟ دين الحقد والخرافة.
شوف هذه القصة، يدعون أن محمد بن عبد الله بن زرارة يروي عن عبد الله بن زرارة، يقول: قال لي أبو عبد الله: أقرأ على والدك السلام -اللي هو زرارة- وقل له: إنما أعيبك دفاعًا مني عنك. الروايات بقى التي أنا بلعن أباك فيها، وبشتم فيها، دي أنا قصدي خير، ده أنا قصدي بدافع عنه.
وقل له: إنما أعيبك دفاعًا مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لإدخال الأذى في من نحب، نحبه ونقربه وندنو منه، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله. فهو يعني... شوف اخترعوا إزاي توجيهًا للروايات التي جاءت عن جعفر الصادق في ذم ولعن وتكفير زرارة. شافوا لها مخرجًا برضه، جابوا القصة دي.
طب الرواية دي مين بيحكيها؟ ابنه. وهل الابن تقبل شهادته في أبيه؟ هو بيدافع عن أبيه، فهو متهم. مثل هذه الرواية، فإن جعفر الصادق يقول: الروايات اللي بذمك فيها دي أنا بحميك، بدافع عنك، لأن إحنا أي حد نثني عليه أو نحبه أو نقربه، أعداؤنا يؤذونه ويقاتلونه ويضطهدونه، فأنا أريد أن أحميه بهذه الروايات. فهنا مخرج تاني غير التقية بقى، أو ربما هي برضه التقية، أن الهدف حمايته وليس ذمه على الحقيقة.
يحتجون بهذا، ولا يلتفتون إلى أن رواية الابن مجروحة لأنه يدافع عن أبيه. ثم لو كان ذلك الذم تقية، هل التقية تصل إلى حد اللعن والتكفير؟ ثم إن جعفرًا كان في عصره محل الإجلال والتكريم، فكيف يهان من يحبه ويقربه؟ كيف؟ لأن علماء أهل السنة وأئمة السنة كانوا يعظمون جعفرًا ويحبونه ويجلونه، فكيف أن أي حد هو يثني عليه يروح يؤذوه؟ هذا كلام يعني لا أصل له.
وإذا كانت التقية من جعفر للدفاع عن زرارة، فلماذا يفتري زرارة عليه بأنه أمره ألا يصلي العصر إلا بعد غروب الشمس، ويكذبه ويسيء إليه؟ هي دي كمان هتبقى تقية؟ ولذلك حاول شيخهم أن يتخلص من روايات ذم زرارة في كتبهم بحمل قسم منها على التقية. حل ثانٍ بقى، فقال لك إن جزءًا من الروايات دي على التقية، والجزء الآخر أسانيده ضعيفة.
وقد لحظت أن طعنه في بعض رجال تلك الروايات لا يستقيم مع ما جاء عنه في كتب الرجال عنده. فهو مثلًا قد رد رواية في ذم زرارة بحجة أن فيها جبريل بن أحمد، وهو كما يقول مجهول، في حين أنه ليس بمجهول عندهم، لأنه كما يقول الأردبيلي: كان مقيمًا بكش، كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقم وخراسان.
ثم إنه قام بالطعن في روايات الذم فقط، يعني الطعن من حيث الإسناد عملية انتقائية بقى مش منهج علمي. الروايات بتاعة زرارة، الروايات اللي فيها ذم زرارة، اللي فيها ذم يطعن فيها من حيث الإسناد، واللي فيها مدح يقبلها. واضح؟ يقول: ثم إنه قام بالطعن في روايات الذم فقط وأهمل النظر في روايات المدح، وهذا تحيز ظاهر.
ولكن شيوخه يجرون هذا الحكم في كل رجل ذمه الأئمة وارتضى شيوخهم أخباره، مثل أحمد بن محمد المروزي. قال الحر العاملي: روى الكشي وغيره فيه مدحًا وذمًا، ولعل وجه الذم يأتي في زرارة، هنشرح بعدين لما يجي وقت ترجمة زرارة كيف نوجه روايات الذم. يوجهها إزاي؟ بأن تحمل على التقية.
كل ما يترجم للواحد يبقى في إشكال من روايات الشيعة، في روايات مدح وقدح، يحلوها على مين؟ سوف نصنع به ما صنعنا في زرارة مثلًا. فده بالنسبة لأحمد بن محمد المروزي.
إسماعيل بن جابر الجعفي قال الحر العاملي: وفيه ذم يسير ضعيف السند والدلالة، ويأتي وجهه في زرارة، يبقى نحمل الذم أيضًا على التقية. مثلًا بريد بن معاوية العجلي، قال الحر العاملي: وجه من وجوه أصحابنا، ثقة، فقيه، وعده الكشي من أصحاب الإجماع، يعني الذين أجمعت الشيعة على تصحيح روايتهم، وفيه بعض الذم، يأتي الوجه في مثله في زرارة.
حريز بن عبد الله السجستاني قال الحر العاملي: كوفي، ثقة، وفيه مدح وفيه ذم، محمول على التقية، لما يأتي في زرارة. نعم، لا شك بأن أمر التقية في مثل هذه الحالات ليس له ضابط. فكان أقل الأحوال أن يتوقف في هؤلاء.
وإذا كان شيوخ الشيعة لم يقبلوا ما قيل في رواتهم من قبل أهل السنة لأنهم خصوم على حد زعمهم، فإنهم أيضًا لم يقبلوا ما ورد عن أئمتهم، وادعوا أنه صدر منهم مجاملة ومصانعة لأهل السنة، فضاعت الحقيقة حينئذ، وقام مذهب الشيعة على أهواء الشيوخ والرواة الكذبة.
ينتقل بعد ذلك لمسألة مهمة جدًا، وهي مسألة أقسام الحديث عند الشيعة. يقول: ومع تأخر التأليف عندهم في علم الرجال، واشتماله على ما لا يغني في بيان الحال، فإن القارئ لكتب الشيعة المتأخرة كـ مرآة العقول للمجلسي، والمعاصرة مثل الشافي في شرح أصول الكافي، يجد أنهم يذكرون أحيانًا أن هذا الحديث صحيح وذاك ضعيف، وإن كانوا لا يلتزمون هذا في الكثير من مصنفاتهم.
وقد مر أن هذا مسلك طائفة من الاثني عشرية، وهم الأصوليون، والعهد بالشيعة أنهم لا بصر لهم بهذه الأمور، ولا معرفة لهم بهذا الشأن، وقد شنع عليهم أهل السنة لجهلهم بذلك. فمتى بدأ هذا التقسيم عند الشيعة؟ وما سببه؟ يعني حكاية أن الشيعة بدأوا في بعض الكتب يقولوا: هذا صحيح، وهذا ضعيف، وهذا حسن، ده كلام غريب جدًا، جديد قوي في دين الشيعة. هنا ينتقل لنقطة: متى بدأ ظهور المصطلحات الغريبة الأجنبية؟ الشيعة عمرهم ما عرفوا صحيح وضعيف وحسن. ده ما لا عهد لهم بمثل هذا العلم أبدًا.
لكن يوضح هنا أولًا أن أقسام الحديث عند الشيعة هي:
- الصحيح: ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل الإمامي العدل عن مثله في جميع الطبقات.
- الحسن: ما اتصل سنده كذلك بإمامي ممدوح من غير نص على عدالته، مع وثوق ذلك في جميع مراتبه أو في بعضها، مع كون الباقي من رجال الصحيح.
- الموثق: ما دخل في طريقه من نص الأصحاب على توثيقه مع فساد اعتقاده. ده اسمه إيه؟ الموثق، وثق لكن عقيدته فاسدة.
- الضعيف: ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدمة، بأن يشتمل طريقه على مجروح أو مجهول الحال أو ما دون ذلك.
- أما المرسل: فهو ما رواه المعصوم عمن لم يدركه.
وطبعًا المعصوم إياكم أن تفهموا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، لكن المعصوم يدخل فيه أيضًا الأئمة الذين يختصون أيضًا بهذه الصفة. كما أنهم يشترطون إمامية الراوي في الحكم بصحة الحديث أو حسنه. عشان الحديث يكون حسن أو صحيح لازم يكون الراوي من الإمامية، وما سوى الإمامي فلا يقبل خبره.
يقول علامتهم ابن المطهر الحلي: لا تقبل رواية الكافر، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب، وكذلك أيضًا لا تقبل رواية المخالف لاندراجه تحت اسم الفاسق. فالحكم بالكفر أو الفسق يجرونه على سائر المسلمين من غير طائفتهم. يقول المامقاني: الأخبار في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة.
يقول الدكتور القفاري: لقد ظهر لي أثناء دراستي لعلم الجرح والتعديل عندهم أن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف قد جاء متأخرًا جدًا عندهم، ولعل هذه القضية تحتاج إلى شيء من التفصيل باعتبارها معنى جديدًا لم يسبق إليه. فيقول: يلحظ أن بداية تقويم الشيعة للحديث وتقسيمه إلى صحيح وغيره قد كانت في القرن السابع. البداية كانت في القرن السابع، مع أن بداية دراسة أحوال الرجال كانت في القرن الرابع. يعني بداية الكلام في الرجال القرن الرابع، لكن بداية استعمال صحيح وضعيف وحسن وموثق دي في القرن السابع.
وجاءت متوافقة مع حملة شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في منهاج السنة، حينما شن على الشيعة قصورهم في معرفة علم الرجال وقلة خبرتهم في ذلك، كمن برئ يكشف استدلالات الشيعة من كتب السنة، ويبين جهلهم وكذبهم في هذا الباب، حيث يستدلون بالضعيف والموضوع، وينقلون من المصادر غير المعتمدة.
فهل الشيعة تنبهوا إلى ضعف هذا الجانب عندهم فاتجهوا إلى تمحيص أحاديثهم؟ أو أنهم رأوا أن تقليدهم لأهل السنة في هذا الباب فيه مجال للتخلص من إلزامات أهل السنة ونقدهم لما جاء في كتب الشيعة من كفر وضلال؟ فما إن يقول لهم السني: لقد جاء في كتابكم الكافي مثلًا كذا وكذا من الكفر، حتى يجد الشيعي الجواب حاضرًا وميسورًا حينما يحكم على الحديث بالوضع. يقول له: جاء في كتاب التقية كذا، يقول له: لا، ده موضوع، وهو مش معتقد أنه موضوع، إنما يقول ذلك تقية.
إن التوافق الزمني بين رد شيخ الإسلام على الرافضة ووضعهم لهذا الاصطلاح قد ينبئ عن تأثرهم بنقد شيخ الإسلام لهم، حيث اعترفوا بأن هذا الاصطلاح -الذي هو تقسيم الحديث إلى صحيح وموثق وضعيف- مستحدث في زمن العلامة. وكلمة العلامة حينما تطلق يراد بها مين؟ ابن المطهر الحلي، الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب منهاج السنة النبوية.
بل هناك ما يؤكد الموضوع أكثر، وهو أن ابن المطهر الحلي، كما يقول صاحب الوافي، هو أول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك. أول واحد في الرافضة بدأ يقول: صحيح وضعيف وموثق. إذًا، ألا يدل هذا على أن ابن تيمية رحمه الله ومنهاج السنة أثرا في ذلك؟ وأن بدء ابن المطهر في وضع هذه المقاييس لشيعته إنما هو بسبب النقد الموجه له من شيخ الإسلام ابن تيمية؟
وانتبهوا لهذه العبارة، مهمة جدًا. يقول: وقد اعترف شيخهم الحر العاملي بأن سبب وضع الشيعة لهذا الاصطلاح واتجاههم للعناية بالسند هو النقد الموجه لهم من أهل السنة. عايز يقول: أهل السنة صدعونا ورجّونا، كل ما نستدل بحجة يقولك: ده ضعيف، ده كذا، فهم لا حظ لهم إطلاقًا في هذا العلم.
فبيقول الحر العاملي: والفائدة في ذكر السند دفع تعيير الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائها. تصريح في منتهى الوضوح والقوة في كتاب وسائل الشيعة. الفائدة في ذكره، ليه بنكتب الأسانيد؟ دفع تعيير أهل السنة للشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم.
إذًا إيه اللي هي المشكلة؟ إنهم يكلفوا يحطوا بقى عنعنة: عن عن، زي ما هو عايز. وكان هذا النص الخطير يفيد أيضًا أن الإسناد عندهم غير موجود، وأن روايتهم كانت بلا زمام ولا خطام، حتى شنع الناس عليهم بذلك، فاتجهوا حينئذ لذكر الإسناد. فالأسانيد التي نراها في رواياتهم صُنعت فيما بعد، وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم، ووضعت هذه الأسانيد لتوقي نقد أهل السنة وقولهم بأن أسانيد الشيعة غير معنعنة.
ولا يستبعد أن يقوم من يتولى صناعة تلك الأسانيد بوضع أسماء رجال لا مسمى لهم. مش هيحطوا بقى على أسماء رواة مشهورين عندهم، إيه المانع كمان يقولوا أسماء ناس لم تُخلق أصلًا؟ إيه اللي يمنعهم؟ يقول: وقد لحظت في دراستي كتاب سليم بن قيس، وهو أول كتاب ظهر لهم، أنهم يضعون روايات أو كتبًا لأشخاص لا وجود لهم، حتى قال بعض شيوخهم -وهو يعترف بأن كتاب سليم بن قيس موضوع عليه-: والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح، ده كتاب مكذوب عشان يخدم غرضًا صحيحًا! نظير كتاب الحسنية، وطرائف ابن طاووس، والرحلة المدرسية.
وقد تبين لنا فيما سلف أن سليم بن قيس قد يكون اسمًا لا مسمى له، لم يُخلق رجل بهذا الاسم أصلًا. وقد رأيت صاحب الحور العين يقدم شهادة مهمة لأحد علماء الشيعة الزيدية في هذا الشأن، حيث قال: قال السيد أبو طالب: إن كثيرًا من أسانيد الاثني عشرية مبنية على أسماء لا مسمى لها من الرجال. أسماء وهمية، مافيش رجال حقيقيون بهذه الأسماء. ده واحد من الشيعة الزيدية يقول: إن كثيرًا من أسانيد الاثني عشرية مبنية على أسماء لا مسمى لها من الرجال.
يقول: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه. يوصلوا الخبر بدون أسانيد فيركب له إسنادًا ويدعي الرواية بهذا الإسناد. وحكي عن بعضهم أنه كان يجمع روايات بزرجمهر تقريبًا، من ملوك الفرس أو حكمائهم، وينسبها للأئمة بأسانيد ويضعها. فقيل له في ذلك، فقال: ألحق الحكمة بأهلها. يعني يأخذ الحكم بتاعت هذا الرجل الفارسي، ويروح مركب لها إسنادًا ينسبها للأئمة. فلما قيل له: إيه اللي بتعمله؟ قال: ألحق الحكمة بأهلها، أهل البيت أهل الحكمة، فأولى أن نجعل الحكمة صادرة منهم.
وقد ذكروا أن من رجالهم حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي، قالوا بأنه روى جميع مصنفات الشيعة وأصولهم، وروى ألف كتاب من كتب الشيعة. ولو كان هذا واقعًا لانتشر ذكره في كتب الرجال والتاريخ، ولكني لم أجد له أي ذكر أو إشارة.
ومما يؤيد هذا، وأنه لا سند لهم في الحقيقة، النص التالي الذي جاء في أصح كتبهم، حيث قالوا: إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، وكانت التقية شديدة، فكتبوا كتبهم ولم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. ولما سألوا إمامهم عن ذلك قال: حدثوا بها فإنها حق.
إيه دلالة هذا التصريح الخطير؟ دلالته انقطاع السند. مافيش إسناد خالص، لا يوجد إسناد إطلاقًا. ومن يضمن لهم -ولا سيما في ظروف الخوف والتقية التي تشير إليها هذه الرواية- من يضمن ألا تكون هذه الكتب التي صارت إليهم من وضع زنديق ملحد أراد إضلال الشيعة وإبعادهم عن حظيرة الجماعة، بنسبة روايات تلك الكتب إلى بعض أهل البيت؟ وليس هذا ببعيد.
ومما يثبت ذلك كثرة النصوص عندهم، والتي تتناول أقدس ما عند المسلمين، وهو كتاب الله سبحانه وتعالى بالطعن، بما لا يوجد عند طائفة من طوائف الضلال والكفر إلا عند هذه الطائفة.
ويؤكد شيخهم الحر العاملي أن الاصطلاح الجديد -اللي هو تقسيم الحديث إلى صحيح وغيره- والذي وضعه ابن المطهر، هو محاولة لتقليد أهل السنة. يقول الحر العاملي: والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع.
وهذا يفيد تأخر الشيعة في الاهتمام بهذه القضية، وأن الدافع لذلك ليس هو الوصول إلى صحة الحديث بقدر ما هو توقي نقد الخصوم، أو نقد المذهب من قبل الخصوم، والدفاع عنه. ولذلك جاء علم الجرح والتعديل عندهم مليئًا بالتناقضات والاختلافات، حتى قال شيخهم الفيض الكاشاني: في الجرح والتعديل وشرايطهما اختلافات وتناقضات، واشتبهت لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس، كما لا يخفى على الخبير بها. بيعترف بوجود التناقض في كتب الجرح والتعديل.
وهذه الاعترافات الخطيرة من الكاشاني والحر العاملي لم تظهر إلا في ظل الخلاف الذي دار ويدور بين الإخباريين والأصوليين. يعني زي اللصوص لما يختلفوا، الحقيقة تظهر. والذي كما نلاحظ ارتفعت فيه التقية، لا سيما وأن في الشيعة -كما يقول الكافي- خصلتين: النزق وقلة الكتمان. النزق اللي هي الطيش، وقلة الكتمان. فجاءت هذه الإقرارات لتكشف أن الإسناد خصيصة من خصائص أهل السنة، وأن اتجاه الشيعة لذلك إنما هو من باب التقليد وصيانة المذهب من النقد.
كان وضع هذا الاصطلاح على يد ابن المطهر، الذي حظي بنقد قوي من شيخ الإسلام ابن تيمية، مما يدل على أثر ذلك في الشيعة، وقد صار هذا الاصطلاح مثل عقيدة التقية يتسترون به على غلوهم، فإذا وجه إليهم نقد ادعوا أن في روايتهم الصحيح وغيره، كما تلاحظ هذه الظاهرة في كتابات ثلة من شيوخهم المعاصرين.
ومنهج التصحيح والتضعيف الذي وضعه المتأخرون منهم، إن طبقوه، يعني مع كل هذا البلاء والموضوعات التي تكلمنا فيها، ومع ذلك حتى منهج التصحيح والتضعيف -الذي هو منهج منحاز وليس فيه رائحة العلم ولا الأمانة ولا الصدق- لو طبقوه لم يبق لهم من حديثهم إلا القليل، سينهار دينهم إلا القليل. ده لو طبقنا منهجهم الهزيل الذي وضعوه مؤخرًا في الفرق بين الصحيح والضعيف.
من الذي صرح بهذا؟ صرح بهذا شيخهم البحراني المتوفى سنة 1186 هـ، يقول: والواجب إما الأخذ بهذه الأخبار مع أن قواعد الجرح والتعديل تضعفها، أو تحصيل دين غير هذا الدين، وشريعة أخرى غير هذه الشريعة، لنقصانها وعدم تمامها لعدم الدليل على جملة من أحكامها، ولا أراهم يلتزمون شيئًا من الأمرين، مع أنه لا ثالث لهما في البين، وهذا بحمد الله ظاهر لكل ناظر غير متعسف ولا مكابر. وهذا في لؤلؤة البحرين صفحة 47.
شوف شيخهم يوسف البحراني يقول: الواجب إما الأخذ بهذه الأخبار الضعيفة كما هو عليه متقدم علمائنا الأبرار، نقلدهم، أو تحصيل دين غير هذا الدين، لأنه لن يبقى شيء من الدين لو قلنا صحيح وضعيف وثقة وكذاب، هينتهي الدين، مش هيبقى لهم شيء، وتبقى الشريعة ناقصة. فدورك بقى على دين تاني لو عايزين تطبقوا هذه القواعد.
فهذا نص مهم يكشف حقيقة أخبارهم في ضوء علم الجرح والتعديل الخاص بهم. يعني إيه؟ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم فما رعوها حق رعايتها. ده أنتم اخترعتم قواعد الجرح والتعديل المزيفة دي، ومع ذلك لم تحترموها، لأنكم إذا طبقتموها لن يبقى لكم دين.
الحقيقة الكلام في قضية هذه الليلة كلام مهم جدًا، لأن هي مشكلة الشيعة كلها، أن هذه الأخبار، تجد الكلام الذي نذكره هذه الليلة يجيب لنا عن تساؤلات محيرة: هل يعقل يكون في دين؟ هل يكون هذا دين الإسلام؟ طعن في القرآن، تكفير الصحابة، الحقد، الكذب، الدجل، الخرافات، الأساطير، عبادة الموتى، عصمة الأئمة، الرجعة، البداء... كل الضلالات دي، هل ممكن يكون لها أصل في الدين؟ فإذا عرفنا أنه لا إسناد لهم، عرفنا أن هذه من وضع هؤلاء الكذابين الدجالين، وبالتالي ينهار فعلًا هذا الدين بلا شك.
فهم لو طبقوا قواعد علم الجرح والتعديل التي اخترعوها هم، مع إضعافها، لانهار معظم دينهم كما رأينا. يقول: فهذا نص مهم يكشف حقيقة أخبارهم في ضوء علم الجرح والتعديل الخاص بهم، وأنهم لو استخدموه بدقة لسقطت معظم رواياتهم، وليس لهم إلا الأخذ برواياتهم دون تفتيش كما فعل قدماؤهم، وقبولها بأكاذيبها وأساطيرها، أو البحث عن مذهب سوى مذهب الشيعة، لأن مذهبهم ناقص لا يفي بمتطلبات الحياة.
وإذا أخذنا هذا الاعتراف ووضعناه مع إقرارهم الذي جاء في أخبارهم، أقروا بأنهم كانوا لا يعرفون مناسك الحج والحلال والحرام حتى جاء أبو جعفر، وأنه في عهد أبي جعفر وابنه كثر الكذابون على الأئمة، تكاملت الصورة في أن معظم روايتهم مكذوبة، ولو طبق علم الجرح والتعديل لانكشف أمرها بذلك، وظلوا كما كانوا قبل أبي جعفر لا يعرفون الكثير من أمور دينهم إلا عن طريق كتب المسلمين.
ولكن يبدو أنهم لم يلتزموا بتطبيق هذه الأصول التي وضعوها، فتراهم مثلًا يحكمون بصحة كتاب نهج البلاغة، حتى قال أحد شيوخهم المعاصرين: إن الشيعة على كثرة فرقهم واختلافها متفقون متسالمون على أن ما في نهج البلاغة هو من كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه، اعتمادًا على رواية الشريف ودرايته وثاقته، حتى كاد أن يكون إنكار نسبة هذا الكتاب إلى علي رضي الله عنه عندهم من إنكار الضروريات وجحد البديهيات، إلا من شذ، وأن جميع ما فيه من الخطب والكتب والوصايا والحكم والآداب كله كحال ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
شوف الغلو. مع أن كتاب النهج مطعون في سنده ومتنه، فقد جمع بعد أمير المؤمنين بثلاثة قرون ونصف، بلا سند، بلا سند. وقد نسبت الشيعة تأليف نهج البلاغة إلى الشريف الرضي، وهو غير مقبول عند المحدثين، لو أسند أصلًا فهو غير مقبول، خصوصًا فيما يوافق بدعته، فكيف إذا لم يسند كما فعل في نهج البلاغة؟ وأما المتهم عند المحدثين بوضع النهج فهو أخوه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفترات على علي، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم، ولا لها إسناد معروف، كما أن علامات الوضع لنصوص الكتاب كثيرة، ليس هذا موضع تفصيلها. ده موضوع لوحده، بيان تزوير كتاب نهج البلاغة وعدم صحة نسبته إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه.
والغرض هنا أن الشيعة يشترطون في الحكم بالصحة اتصال السند، فأين اتصال السند هنا؟ وأصلًا الذي وضع الكتاب أو دونه بعد 350 سنة من عصر علي رضي الله تعالى عنه. ومن قديم كان شيوخهم لا يعملون بمقاييس الصحة والضعف التي وضعوها بأنفسهم، فما رعوها حق رعايتها.
قال الحر العاملي عن شيخهم الطوسي: إنه يقول: هذا ضعيف لأن راويه فلانًا ضعيف، ثم نراه يعمل برواية ذلك الراوي بعينه، بل برواية من هو أضعف منه في مواضع لا تحصى، وكثيرًا ما يضعف الحديث بأنه مرسل، ثم يستدل بالحديث المرسل، بل كثيرًا ما يعمل بالمراسيل وبرواية الضعفاء، ويرد المسند ورواية الثقات.
وإذا كان شيخهم البحراني المتوفى سنة 1186 يقرر أن تطبيق منهجهم في الجرح والتعديل، على ما فيه، يلغي الكثير من أحاديثهم كما مر، فإن شيخهم الأردبيلي المتوفى سنة 1101 يؤلف كتابه جامع الرواة ويدعي دعوى في غاية الغرابة، حيث زعم أنه بتأليفه لكتابه المذكور تتغير أحكامهم في 12000 حديث عن الأئمة، تتغير من القول بضعفها أو إرسالها أو جهالتها إلى القول بصحتها، بقدرة قادر. هي كده.
بيقول إن الكتاب بتاعه الذي يسميه جامع الرواة، مع أنه في أوائل القرن الثاني عشر، بسبب نسختي هذه يمكن أن يصير قريبًا من 12 ألف حديث أو أكثر من الأخبار التي كانت بحسب المشهور بين علمائنا رضوان الله عليهم مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة، معلومة الحال وصحيحة، لعناية الله تعالى وتوجه سيدنا محمد وآله الطاهرين.
واستدل بهذا القول صاحب فصل الخطاب على أنه لا مانع من أن أحاديث التحريف تكون ضعيفة في الأول عند الأولين، وصحيحة عند المتأخرين. لعب لعب، هذا ما هو دين. ويطعنون في أقدس مقدسات الإسلام، كتاب الله تبارك وتعالى، والمعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فيستدل صاحب فصل الخطاب على أنه لا مانع من أن تصبح أحاديث التحريف ضعيفة عند قدمائهم لعدم علمهم بطرق صحتها، فتتحول عندهم إلى صحيحة.
ونجد شيخهم المجلسي في كتابه مرآة العقول يضعف جملة من أحاديث الكافي، مع أنه يقول: فإننا لا نحتاج إلى سند لهذه الأصول الأربعة، وإذا أوردنا سندًا فليس إلا للتيمن والتبرك والاقتداء بسنة السلف. وهذا تناقض غريب. منين أنت بتضعف حديثًا في الكافي، ومنين تقول إننا جايبين السند للتبرك بس، لكن إحنا مش محتاجين ننظر في السند؟
ولكن شيخهم هاشم معروف يرى أن اتصاف هذا المقدار من مرويات الكافي بالضعف -اللي هي حوالي 9485 حديثًا ضعيفًا- لا يعني عدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، وذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية، كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، ما دامت موجودة في أحد الأصول الأربعمائة، يبقى مش مهم السند، حتى لو ضعيف، أو في بعض الكتب المعتبرة، أو لكونها معمولًا بها عند العلماء.
وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة، وربما ترجح عليها في مقام التعارض، بقدرة قادر. ولهذا قال شيخهم الشعراني، كما مر: إن أسانيد الكافي وإن كان أكثرها ضعيفًا، فإن مضامينها صحيحة.
ويلحظ أن هذا مع ما قبله محاولة للتخلص من تطبيق مبادئ الجرح والتعديل التي وضعها لهم ابن المطهر في القرن السابع، وانتهت بهم إلى سقوط كثير من رواياتهم، كما كشف ذلك شيخهم البحراني، فطفقوا يبحثون عما يسند روايتهم بأي قرينة، وإلا فما معنى وجودها في كتاب معتبر؟ وهل هناك أكثر اعتبارًا عندهم من الكافي المعروض على مهديهم، والذي قال فيه المهدي بتاعهم: كافٍ لشيعتنا، عشان كده سموه الكافي؟
أما قوله: كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، التي تركزت بعد ذلك عصارتها في الكتب الأربعة، فإن شيوخهم يقولون بأن الكتب الأربعة وغيرها من كتبهم المعتمدة، كالخصال والأمالي ومدينة العلم، منقولة من الأصول الأربعمائة. فكيف يجعلون علامة صحة أخبارهم عن الأئمة في الكافي وجودها في أحد الأصول، والكافي برمته منقول منها كما يزعمون؟ يعني هو بيقولوا إيه؟ إن علامة صحة أخبارهم عن الأئمة في كتاب الكافي أنها جاية من كتب مين؟ الأربعمائة. والكتب الأربعمائة دي هي اللي اتاخذ منها كتاب الكافي. واضح؟ فهذا بيسمى إيه بقى؟ في علم الكلام والحاجات دي: الدور. الدور يعني الأصول الأربعمائة هي اللي جابت الكافي، والكافي متاخذ من إيه؟ من الأصول.
هنا ينتقل إلى نقطة مهمة جدًا، وهي تقويم حال الأئمة الذين تدعي فيهم الشيعة كل تلك الدعاوى.
الملاحظ أن روايات الشيعة في كتبها كلها منسوبة إلى الأئمة الاثني عشر، ومعظمها مروي عن جعفر الصادق، وقليل منها، بل نادر ولا يكاد يوجد إلا بكلفة، مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. بل أشار شيخهم الحر العاملي إلى أنهم يتجنبون رواية ما يرفع إلى النبي خشية أن يكون من روايات أهل السنة. يتجنب رواية أي حديث مرفوع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خشية أن يكون من رواية أهل السنة، فخاصموا سنة النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك الأحاديث المرفوعة عندهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قليلة جدًا.
فهل يصح أن يقال في سنتهم دي أنها سنة محمد عليه الصلاة والسلام؟ ويجي الدجالون والكذابون والمرتزقة ويقولوا: إحنا بنجتمع على الكتاب والسنة؟ لا الكتاب اجتمعنا عليه، ولا السنة هي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام إطلاقًا. إذًا هذه الطائفة لا تعتني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة صحيحه من سقيمه، والبحث عن معانيه، ولا تعتني بآثار الصحابة والتابعين حتى تعرف مآخذهم ومسالكهم، وترد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، بل عمدتها ما تزعم روايته عن بعض أهل البيت، وليس كل أهل البيت.
فقد رد الطوسي روايات زيد بن علي بن الحسين، الطوسي رد روايته، وكفر هؤلاء جملة من أهل البيت، لا لشيء إلا لأنهم لم يصدقوا بدعوى إمامة الاثني عشر، فردوا روايتهم مع أنهم من أهل البيت. ويا ليتهم أخذوا بما يقوله أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، أو قنعوا بمراسيل التابعين كعلي بن الحسين، بل يأتون إلى من تأخر زمانه، العسكريين، فيقولون: كل ما قاله واحد من أولئك فالنبي قد قاله.
وكل من له عقل يعلم أن العسكريين بمنزلة أمثالهما ممن كان في زمانهما من الهاشميين، ليس عندهم من العلم ما يمتازون به عن غيرهم، ويحتاج إليهم في أهل العلم، ولكن أهل العلم يأخذون عنهم كما يأخذون عن علماء زمانهم، وكما كان أهل العلم في زمن علي بن الحسين وابنه أبي جعفر وابن ابنه جعفر بن محمد، فإن هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم قد أخذ أهل العلم عنهم كما كانوا يأخذون عن أمثالهم، بخلاف العسكريين ونحوهما، فإنه لم يأخذ أهل العلم المعروفون بالعلم عنهم شيئًا.
فيريدون أن يجعلوا ما قاله الواحد من هؤلاء هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله إلى جميع العالمين، بمنزلة القرآن والمتواتر من السنن، وهذا مما لا يبني عليه دينه إلا من كان أبعد الناس من طريقة أهل العلم والإيمان.
وقد تحدث ابن حزم عن هذه الدعوى للروافض فقال: وأما من بعد جعفر بن محمد فما عرفنا لهم علمًا أصلًا، لا من رواية ولا من فتيا، على قرب عهدهم منا، ولو كان عندهم من ذلك شيء لعرف كما عرف عن محمد بن علي وابنه جعفر، وعن غيره منهم ممن حدث الناس عنه. وأما من قبل جعفر فلهم ما لنظرائهم من العلم والفضل.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن من يدعي الروافض أن قوله كقول الله ورسوله، منهم من كان خليفة راشدًا يجب طاعته كطاعة الخلفاء قبله، وهو علي رضي الله عنه، ومنهم أئمة في العلم والدين يجب لهم ما يجب لنظرائهم من أئمة العلم والدين، كعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر وجعفر بن محمد الصادق، ومنهم دون ذلك.
ثم فصل القول في من هم دون ذلك في موضع آخر، فذكر بأن موسى بن جعفر ليس له كثير رواية، وقد روى عن أبيه وروى عنه أخوه علي، وروى له الترمذي وابن ماجه. وأما من بعد موسى فلم يؤخذ عنهم العلم، وليس لهم رواية في الكتب الأمهات من الحديث، ولا فتاوى في الكتب المعروفة التي نقل فيها فتاوى السلف، ولا لهم تفسير ولا غيره، ولا لهم أقوال معروفة، ولكن لهم من الفضائل والمحاسن ما هم له أهل، رضي الله عنهم.
فشيخ الإسلام هنا يستدرك على ابن حزم فيزيد موسى بن جعفر، ويبين أنه كان له رواية في كتب السنة، إلا أنها ليست كثيرة. وقد حدد الذهبي روايته في الكتب الستة فقال: له عند الترمذي وابن ماجه حديثان. ولكن يلحظ أيضًا أن ابنه علي بن موسى الرضا له رواية في سنن ابن ماجه، كما أشار إلى ذلك الذهبي وابن حجر، حيث رمز له عند ذكر ترجمته بالقاف إشارة إلى ذلك، وقد ذكر المزي بأنها رواية واحدة فقط.
وبالرجوع إلى سنن ابن ماجه تبين أن تلك الرواية جاءت من طريق أبي الصلت الهروي، وهو ممن لا يحتج له، حتى قال فيه الدارقطني: خبيث متهم بوضع الحديث، حديث الإيمان في القلب، وهو الحديث الذي جاء في سنن ابن ماجه من طريق أبي الصلت عن علي بن موسى.
ولذلك قال ابن السمعاني: إن الخلل في رواية علي الرضا من رواته، فإنه ما روى عنه إلا متروك. وقال ابن حجر: إنه صدوق، والخلل ممن روى عنه. ولعل هذا ما أشار إليه شيخ الإسلام حيث قال: لم يأخذ عنه أحد من أهل العلم بالحديث شيئًا، ولا روى له حديثًا في كتب السنة، وإنما يروي له أبو الصلت الهروي وأمثاله نسخًا عن آبائه فيها من الأكاذيب ما نزه الله عنه الصادقين.
وأما من بعد علي الرضا، فهو من يعده الاثنا عشرية إمامهم الثامن، فلم يؤثر عنهم في كتب السنة من العلم شيء. وحينما ادعى ابن المطهر الحلي أن الحسن العسكري -اللي هو الإمام رقم 11- قد روت عنه العامة كثيرًا، نفى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وقال بأن ذلك من الدعاوى المجردة والأكاذيب المثبتة، فإن العلماء المعروفين بالرواية، الذين كانوا في زمن هذا الحسن بن علي العسكري، ليست لهم عنه رواية مشهورة في كتب أهل العلم.
وقال: إن شيوخ أهل السنة، يعني البخاري ومسلم وأبا داود والنسائي وابن ماجه، كانوا موجودين في ذلك الزمان وقريبًا منه، مثلَه وبعده، وقد جمع الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أسماء شيوخ الكل، يعني شيوخ الأئمة المحدثين، فليس في هؤلاء الأئمة من روى عن الحسن بن علي العسكري، مع روايتهم عن ألوف مؤلفة من أهل الحديث. فكيف يقال: روت عنه العامة كثيرًا؟ وأين هذه الروايات؟
يقول الدكتور القفاري: وقد رأيت الحافظ ابن حجر في ترجمة الحسن بن علي العسكري يذكر بأن ابن الجوزي ضعفه في الموضوعات. فانظر الفرق بين هذا وبين من يعد كلامه وحيًا يوحى.
وقد أثار ابن حزم على الشيعة ما ثبت تاريخيًا من أن بعض أئمتهم المذكورين مات أبوه وهو ابن ثلاث سنين. لما يموت أبوه يبقى معناها بتنتقل الإمامة لمين؟ للابن. الابن يبقى عنده كام؟ ثلاث سنين. يقول ابن حزم: فنسأل من أين علم هذا الصغير جميع علوم الشريعة؟ هم عندهم اعتقاد أن واحدًا عمره ثلاث سنين ده معصوم تؤخذ عنه جميع علوم الشريعة، وقد تعذر تعليم أبيه له لصغره، يعني أبوه ما لحقش يعلمه، كان مات وعنده ثلاث سنين.
فلم يبق إلا أن يدعوا له الوحي. الوحي بقى بيجيله! فهذه نبوة وكفر صريح. وهم لا يبلغون إلى أن يدعوا له النبوة، وأن يدعوا له معجزة تصحح قوله، فيدعون باطلًا ما ظهر منها قط شيء، أو يدعوا له الإلهام، فما يعجز أحد عن هذه الدعوى.
انتهى كلام ابن حزم. يقول: وكان ابن حزم يتنبأ بما ستضيفه الشيعة، أو هو يكشف شيئًا يتسترون عليه. لقد قالوا بالإلهام والوحي للإمام كما سلف، وجاء في روايتهم ما يؤكد القول بإمامة الأطفال. ففي أصول الكافي عن ابن بزيع قال: سألته -يعني أبا جعفر رضي الله عنه- عن شيء من أمر الإمام، فقلت: يكون ابن أقل من سبع سنين؟ يعني ممكن الإمام يكون سنه تحت سبع سنين؟ فقال: نعم، وأقل من خمس سنين.
وقالوا بأن الجواد كان إمامًا وهو ابن خمس سنوات. الحكاية بقى إيه؟ يعني بعد أطفال! وقالوا بأن الجواد كان إمامًا وهو ابن خمس سنوات، وقد مضى احتجاجهم بروايات منسوبة لمنتظرهم وهو ابن ليلة واحدة! أن المهدي المنتظر كان عمره ليلة واحدة وخرجت عنه روايات! صرح برواياته!
ويكفي مجرد تصور هذا لمعرفة مدى بطلان روايتهم التي ينسبونها للأئمة، إذ قد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فتكون نفسه محضونة ومكفولة لمن يستحق كفالته الشرعية، وهو قبل السبع لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ السبع أمر بها، فكيف يكون مثل هذا إمامًا معصومًا، قوله قول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ وهل يؤمن بهذا إلا من أعمى الله قلبه؟
ولذلك اعترفت كتب الفرق عند الشيعة بأن الطوائف من الشيعة أنكروا إمامة الجواد، لأن عنده خمس سنوات! إزاي بقى إمام؟ ففي ناس رفضت هذا المبدأ، وقالوا: لا يجوز الإمام إلا بالغًا، ولو جاز أن يأمر الله عز وجل بطاعة غير بالغ لجاز أن يكلف الله غير بالغ، فكما لا يعقل أن يحتمل التكليف غير بالغ، فكذلك لا يفهم القضاء بين الناس، دقيقة وجليلة وغامض الأحكام وشرائع الدين وجميع ما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما تحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة من أمر دينها ودنياها. طفل غير بالغ، كان هو مش مكلف، وفي حضانة وليه، إزاي يبقى إمامًا معصومًا ويؤخذ منه كل علوم الدين؟
وقد أدى بهم القول بإمامة طفل في حكم الحضانة إلى قبول رواية الكذابين الذين نسبوا لبعض الأئمة أقوالًا لم تصدر منهم، لأنهم لم يدركوا إلا في مرحلة الطفولة. وقال المامقاني في ترجمة المعلى بن خنيس: إن المعلى قتل سنة 133، والكاظم طفل، ولد سنة 128 أو 129، فعمره عند قتل المعلى ست أو سبع سنين، ولكنه يروي عن الكاظم، والشيعة تقبل ذلك.
يقول المامقاني في توجيه ذلك: وفيه أن صغرهم لا يمنع من علمهم بالأحكام، ألا ترى إلى إمامة الجواد وهو صغير؟ فيمكن أن يكون المعلى سأل الكاظم وهو صغير فروى عنه.
ثم إنهم فيما ينقلونه عن بعض علماء أهل البيت لا ينظرون في الإسناد إليهم، هل ثبت النقل إليهم أم لا، فإنهم لا معرفة لهم بصناعة الحديث والإسناد، فهم في حقيقة الأمر ليس لهم أئمة يباشرونهم بالخطاب إلا شيوخهم الذين يأكلون أموالهم بالباطل ويصدون عن سبيل الله.
ولهذا وجدوا كتبًا منسوبة لأوائلهم، مقطوعة الإسناد، بسبب الخوف من دولة الخلافة الإسلامية كما يقولون، وقيل لهم: اعملوا بها فإنها صادقة، كما مر. وكان شيوخهم يقبلون ما جاء في هذه الكتب بلا تمحيص، حتى إذا جاء القرن السابع بدأ ابن المطهر بتقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره، وفي القرن العاشر أُلِّف أول كتاب عندهم في مصطلح الحديث، وخالفهم في ذلك طائفة منهم، وهم الإخباريون، الذين رفضوا ذلك وقالوا: إنه مجرد محاكاة وتقليد لأهل السنة، وفضحوا أمر الشيعة في هذا الباب. زي ما قلنا: اللصوص إذا اختلفوا بانت الحقيقة.
وقد شهد طائفة من أعلام المسلمين بأن صناعة الكذب رائجة في الأوساط الشيعية، وأنهم يرون ذلك من الدين بحكم عقيدة التقية. وقد بلغ التعصب المذهبي مداه حينما قبلوا روايات الكذابين، ومن أنكر إمامة بعض الأئمة لمجرد الانتساب للتشيع، وردوا روايات الصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وكانت مقاييسهم في توثيق الرجال في غاية العجب، فمن زعم أنه رأى المنتظر، مجرد أن يدعي أنه رأى المهدي المنتظر، أو أكثر من الافتراء على أهل البيت، أو زعم أنهم ضمنوا له الجنة، أو أنه كان يغلو فيهم، كان هذا هو الثقة المأمون. فمن نماذج هذه التوثيقات ما جاء في ترجمة إبراهيم بن أبي محمود، والذي قال عنه الكشي: إنه روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى.
ثم كيف وثق هذا الرجل؟ روى الكشي بسنده عن إبراهيم بن أبي محمود قال: دخلت على أبي جعفر إلى أن قال، فقلت: جعلت فداك، تضمن لي عن ربك أن تدخلني الجنة؟ قال: نعم. قال: فأخذت رجله فقبلتها. ولا شك بأن من يعتقد في الأئمة هذا الاعتقاد فليس من الإسلام في شيء، فضلًا عن أن يؤخذ من ذلك توثيق للرجل. وقد أفتى جعفر الصادق بكفر من اعتقد منهم ذلك.
إذا كانت مقاييسهم في توثيق الرجال في غاية العجب، فمن زعم أنه رأى المنتظر، أو أكثر من الافتراء على أهل البيت، أو زعم أنهم ضمنوا له الجنة، أو أنه كان يغلو فيهم، هو الثقة المأمون، فكيف يجعل الكذب أصلًا للتوثيق والتعديل؟
وإذا تدبرت رجال السند على ضوء كتب الرجال عندهم، رأيت أن كبارهم والمكثرين من الرواية عندهم قد نالهم ذم الأئمة، وحاق بهم لعنهم، وكان الأئمة يتبرؤون منهم ويكذبونهم، وقد نقلت ذلك كتب الشيعة نفسها، ولكن شيوخ الشيعة أعرضوا عن وصايا الأئمة وأقوالهم بلا مبرر إلا دعوى التقية، التي هي في مثل هذا المقام كنسيج العنكبوت، أو أوهى. والحقيقة التعبير فيه تحفظ، لأن ربنا قال: إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، فما فيش حاجة أوهى من بيت العنكبوت. لغة الأدباء فيها التعبير: هذا الكلام أوهى من بيت العنكبوت، فتأدب مع القرآن، ما ينبغي استعمال هذا التعبير، لأن القرآن قال: إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، فما ينفعش أنت تيجي على حاجة وتقول دي أوهى من بيت العنكبوت.
يقول: ومن بعد السند المتن، فكثير من متون هذه الروايات، كما رأينا في أبواب هذه الرسالة وفصولها، وكما يظهر ذلك لمن راجع أصول الكافي أو البحار أو تفسير القمي أو العياشي أو رجال الكشي، كثير من متونها معروف كذبها من الإسلام بالضرورة. يعني كل الكلام اللي فات هذه الليلة هو فيما يتعلق بالأسانيد، ما جبناش سيرة المتن. ده كل الكلام في الأسانيد.
إذا انتقلنا بقى للنقد من حيث المتن، ففي كثير من رواياتهم ما يقطع بكونها كذبًا من الإسلام، يعرف بأنها كذب بالضرورة من دين الإسلام، لأنها تنال من كتاب ربنا، وتحارب سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وتكفر خير القرون ومن تبعهم بإحسان، وتقول بعقائد ليس لها في كتاب الله برهان. فيكفي في الحكم على أحاديثهم النظر في متونها، يعني حتى لو ما كانش الكلام في الأسانيد الذي ذكرناه هذه الليلة بالتفصيل، نظرة واحدة في المتون تقطع بأنها كذب وباطل.
يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وكل متن يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا حسن الختام لهذا الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك، والجهد الحقيقة الرائع الذي بذله الدكتور القفاري في هذه الدراسة العلمية الأكاديمية الراقية في نقد عقائد الشيعة. إن شاء الله تعالى الأسبوع القادم نستكمل في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.
-
السبت PM 01:13
2026-04-25 - 8



