المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902644
يتصفح الموقع حاليا : 310

البحث

البحث

عرض المادة

التقية بين السنة و الشيعة

التقية بين السنة و الشيعة

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:

فيشهد واقع الحال واستقراء حوادث التاريخ أن المسلمين ما هزموا في مرحلة من مراحل تاريخهم الطويل إلا بسبب تفرقهم واختلافهم، كما لم يتحقق لهم النصر قط إلا حينما تتوحد كلمتهم، ويجتمع شملهم، وتتآلف قلوبهم هم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا شك أن من أبرز الخلافات التي وقعت بين طوائف الأمة، وأطولها زمنًا، وأشدها تأثيرًا، الخلاف بين أهل السنة من جهة، وبين الشيعة بفرقها المختلفة، لا سيما الشيعة الإمامية الاثنا عشرية من جهة أخرى. وهو خلاف بدأ في مرحلة مبكرة من تاريخ الأمة، واستمر قرونًا طويلة ما بين مد وجزر، ثم عادت جذوته تشتعل مرة أخرى في العصر الأخير نتيجة أحداث معينة في أكثر من بلد إسلامي، وعلى رأسها العراق وأفغانستان ولبنان.

كل مسلم يتمنى أن يزول الخلاف، وأن يتوحد المسلمون، لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فبالرغم من كل محاولات التقريب بين الفريقين، وكثرة المؤتمرات والجمعيات والكتب والمجلات، إلا أن الخلاف بقي كما هو، بل ازداد شراسة في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد الاحتلال الأمريكي لدولتين مسلمتين وهما أفغانستان والعراق، وما جرى في طيات هذا الاحتلال من تواطؤ شيعي مخجل كان عاملًا مهمًا وأساسًا في التمكين والسيطرة للعدو المحتل الغاصب.

يعني يرد على ذهني مناظرة حصلت مؤخرًا بين أحمدي نجاد والموسوي، هذا المخالف له في موضوع الانتخابات. حصلت بينهما مناظرة وخلاف شديد على الملأ، مسجلة، فموسوي بينتقد أحمدي نجاد، يقول له: إنك فرطت في كرامة الأمة الإيرانية، أنت فرطت في كرامة إيران وأهنتها. كيف؟ لأنه حضر اجتماع دول مجلس التعاون الخليجي، أو مجلس التعاون الخليجي العربية. فالثاني قال له: لا، ما اسمهوش دول مجلس التعاون الخليجي، هو يعني، هو بيقول له لا، يعني نجاد بيدافع، فيقول له: ده كان مجلس التعاون الخليجي، فقال له: لا، الخليج العربية. بيعتبر هذا تفريطًا في كرامة إيران. لماذا؟ لأن المفروض يقول الخليج الفارسية. ودي نقطة جوهرية جدًا عند الرافضة في إيران، وخلاف شديد جدًا، وهم يتشبثون بالنَّعرة الفارسية، ويستكبرون عن أن يوصف الخليج بأنه الخليج العربية. فدي إحدى نقاط الخلاف بينهما، وأنه بيتهمه أنه بيفرط في كرامة إيران لأنه وافق أن يتوجه تحت مظلة ترفع شعار أو عنوان: مجلس دول مجلس التعاون الخليج العربية. واضح. الشاهد يعني من الكلام، هذا استطراد عابر بس بمناسبة هذه الأحداث.

فليس الآن سياق الكلام في العوامل والأسباب التي كانت وراء فشل محاولات التقريب بين الفريقين أو الاتفاق بين السنة والشيعة، لكننا الآن نقف في هذه الدراسة عند عقبة تقف سدًا منيعًا أمام أي محاولة الوحدة الصادقة أو التقريب المنصف بين الفريقين، وهذه العقبة الكأداء هي مبدأ التقية، والذي يعني ببساطة أن يقول المرء أو يفعل شيئًا ويبطن خلافه.

التقية شغلت مكانة كبرى لدى الشيعة الإمامية، حتى كادت تصير أصلًا للمذهب، وركنًا أساسيًا من أركانه، وعنصرًا متغلغلًا في بُناه ومكوناته، وحاضرًا في عقائده وفقهه وفكره السياسي وسلوك أبنائه وتعاملاتهم مع مخالفيهم من أبناء الاتجاهات العقدية الأخرى. قلَّ ما يخلو كتاب من كتب المذهب الإمامي ومراجعه المعتمدة في العقيدة أو الحديث أو التفسير أو الفقه من ذكر التقية، والاستدلال على مشروعيتها وفضلها، بل وجوبها، والتحذير الشديد من تركها.

خطورة مبدأ التقية تتجلى في كونه سببًا لفقدان الثقة في أي كلام منطوق أو مكتوب يتكلم به علماء الشيعة وقادتهم عن التقارب أو إزالة الخلافات. إذ كيف يثق السني في عالم شيعي يتكلم بمعسول الكلام ورائق العبارات حول الأخوة ووحدة الكلمة وقلة الخلاف بين الفريقين، ثم يتسلل الشك للسني في أن هذا الكلام كله ربما صدر على سبيل التقية المتغلغلة في المذهب، والتي صارت شعارًا له، ووقفًا عليه، وخَصيصة ينفرد بها دون سائر الفرق والمذاهب الأخرى؟

والتقارب الصحيح لا بد أن يقوم على أسس وثيقة وصراحة تامة، فمن المحتم قبل السعي نحو أي محاولة لإزالة شقة الخلاف أن يجيب أئمة المذهب الشيعي وعلماؤه بوضوح وصراحة لا تقية فيها ولا مدارة، عما هو موجود في أصح الكتب لديهم وأكثرها اعتمادًا من آراء مستفشعة واعتقادات مغالية في غاية الخطورة، مثل الرجعة والبداء وعصمة الأئمة والغلو الشديد في مكانتهم، ومثل سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، بأشنع السب وأقذعه.

فتلك المعتقدات ليست تراثًا مغمورًا مطمورًا في بطون الكتب بحيث لم يعد لها وجود في أيامنا هذه، وإنما الأمر على العكس، فقد استمر جل هذه المعتقدات مدونًا ومكتوبًا في مصنفات المرجعيات الشيعية الكبرى التي يعظمها أشد التعظيم، ويدين بتقليدها ملايين الشيعة في إيران والعراق ولبنان وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.

وأسوق مثالًا لذلك بما ذكره المدعو آية الله الخميني، وهو من هو عند الرافضة، في كتابه كشف الأسرار، حيث طعن في الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما طعنًا شديدًا، واتهمهما اتهامات مستبشعة تكاد تخرج بهما من ربقة الدين والملة. فقال عدو الله الخميني: إننا هنا لا شأن لنا بالشيخين وما قاما به من مخالفة للقرآن، ومن تلاعب بأحكام الإله، وما حللاه وحرماه من عندهما، وما مارساه من ظلم ضد فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم وضد أولاده، ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين. عدو الله يصف أبا بكر وعمر بهذه الصفة. يقول: ولكننا نشير إلى جهلهما بأحكام الإله والدين، فقد قام أبو بكر بقطع اليد اليسرى لأحد اللصوص، وأحرق شخصًا آخر، مع أن ذلك كان حرامًا، وكان يجهل أحكام القاصرين والإرث، ولم يطبق أحكام الله في خالد بن الوليد الذي قتل مالك بن نويرة وأخذ زوجته في تلك الليلة نفسها. أما عمر - طبعًا هذا بناء على أكاذيب الشيعة المعروف - وأما عمر فإن أعماله أكثر من أن تعد وتحصى، أما عثمان ومعاوية ويزيد فإن الجميع يعرفونهم جيدًا.

لا شك طبعًا كل هذه بالمرّة من أكاذيب الشيعة. يعني إذا كانوا بيكذبوا في القرآن، فدي شيء يعني عادي جدًا، لأن كله مبني على روايتهم الباطلة. فإذا كان أبو بكر وعمر لا يفقهان الدين، والعياذ بالله، يصفونهما بالجهل، يبقى بقي من في الأمة يفهم أو يعلم؟

وإذا كان بعض الدارسين المعاصرين قد يرى أن الموقف من الصحابة وما شجر بينهم قضية تاريخية ولّت وانقضت، ولا يصح أن تكون سببًا للخلاف بين المسلمين، مع أن الأمر في الحقيقة ليس كذلك بالمرّة، فإن ثَمَّ قضية أخرى لا يصح بحال التغافل عنها أو تركها دون توضيح حاسم، لأنها تمثل لب العلاقة بين السنة والشيعة، وهي موقف الشيعة من أهل السنة: هل هم يرون أهل السنة مسلمين حقًا لهم حقوق الإسلام وواجبات الأخوة، أم أنهم نواصب ضلال وربما كفار خارجون من الملة؟

يعني طبعًا هذا كما رأينا مرارًا، مبني على نصوص في غاية الخطورة لكبار أئمتهم، ينقلون فيها الاتفاق على أن من لا يؤمن بولاية الأئمة الاثني عشر فهو على ضلال مبين، بل حكموا بكفره وخروجه من الملة، بل وصل بهم الحال إلى اعتبار تكفير المنكر للإمامة من الأمور المتفق عليها بين الإمامية جميعًا. يقول شيخهم المفيد: اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطاعة، فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار.

فطبعًا إذا كان مخالفهم من أهل السنة كافرًا، فالنتيجة الطبيعية التي تترتب على ذلك استحلال دمه وماله. وثَمَّ رواية ذكرتها كتب الشيعة تظهر أنه لولا التقية لكان استحلال دم الناصب أمرًا مباحًا لا شيء فيه. فعن ابن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في قتل الناصب؟ قال: حلال الدم، أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل. قلت: فما ترى في ماله؟ قال: توه، يعني أهلكه أو أتلفه ما قدرت عليه.

أيضًا من الخلافات الكثيرة في قضايا كثيرة، وهي قضايا أصولية تقريبًا كلها، لكننا نركز الآن على أن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: التناقض في كلام الرافضة حينما يمدحون أهل السنة ويطالبون بالوحدة وكذا وكذا، ثم في كتبهم ومواقفهم الأخرى نرى هذا العدوان الشديد على أهل الإسلام، فأي الفريقين نصدق؟ من يذكر هذه المعتقدات أم من ينفيها؟ ثم حتى هذا النفي أليس يمكن أن يكون صادرًا على سبيل التقية والمداراة؟ نرى التقية دائمًا مانعًا، وحجر عثرة أمام أي محاولة صادقة لرأب الصدع واجتماع الكلمة.

فمن ثم نتوقف عند مبدأ التقية عند الرافضة. وطبعًا كان هذا مختصرًا لمقدمة لكتاب جيد الحقيقة في موضوع التقية، وهو كتاب مبدأ التقية بين أهل السنة والشيعة الإمامية للدكتور الفاضل أحمد قوشتي عبد الرحيم. والحقيقة مفصل كثيرًا قوي في الكتاب، ولكننا اجتزأنا منه المقدمة وبعض الأجزاء، سنستعرضها إن شاء الله تعالى. لكن نعود لكتاب أصول مذهب الشيعة، ونرى كلام الدكتور القفاري في هذه القضية الخطيرة.

فيقول: التقية، عرفها المفيد بقوله: التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا. هذا تعريف التقية عند الرافضة. التقية هي كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررًا في الدين أو الدنيا. يعني اتقيت الشيء حذرته. ابن حجر يقول: التقية هي الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير. فهذا معناه أن الإنسان بيكتم ما بداخله، وقد يضطر لإظهار خلاف ما في النفس بلسانه. قال ابن عباس: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان. وقال أبو العالية: التقية باللسان وليس بالعمل. فالتقية إظهار خلاف ما في الباطن، وأكثر العرب ينطقون التقية تُقاة، ولهذا جاء في القرآن الكريم: إلا أن تتقوا منهم تقاة، وإن كان نطقها تقية صوابًا كما قال الفراء.

المفيد يعرف التقية بأنها الكتمان للاعتقاد خشية الضرر من المخالفين، وهم أهل السنة كما هو الغالب في إطلاق هذا اللفظ عندهم. يعني أن الرافضي يظهر أنه موافق لمذهب أهل السنة الذي يعتقد هو في داخله أنه مذهب باطل، وفي نفس الوقت يكتم مذهب الرافضة الذي يراه هو الحق. من هنا يرى بعض أهل السنة أن أصحاب هذه العقيدة هم شر من المنافقين، لأن المنافقين يعتقدون أن ما يبطنون من كفر هو باطل، ويتظاهرون بالإسلام خوفًا، أما هؤلاء فيرون أن ما يبطنون هو الحق، وأن طريقتهم هي منهج الرسل والأئمة.

والتقية في الإسلام غالبًا إنما هي مع الكفار. قال تعالى: إلا أن تتقوا منهم تقاة. قال ابن جرير: التقية التي ذكرها الله في هذه الآية إنما هي تقية من الكفار لا من غيرهم. انتهى كلام الحافظ ابن جرير. ولهذا يرى بعض السلف أنه لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام. قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين، أما اليوم فقد أعز الله المسلمين أن يتقوا منهم تقاة. أما تقية الشيعة فهي مع المسلمين، أصل التقية أنها تكون مع الكفار، تقية الشيعة هي مع المسلمين، ولا سيما أهل السنة. حتى إنهم يرون عصر القرون المفضلة عهد تقية، كما قرره شيخهم المفيد، وكما نلحظ ذلك في نصوصهم التي ينسبونها للأئمة، لأنهم يرون أهل السنة أشد كفرًا من اليهود والنصارى، لأن منكر إمامة الاثني عشر أشد من منكر النبوة، زي ما قلنا قبل كده. النبوة لطف خاص لأنه بينقطع بموت النبي، أما الإمامة فهي لطف عام لأن الأرض لا تخلو من إمام في زعمهم.

والتقية رخصة في حالة الاضطرار، ولذلك استثناها الله سبحانه وتعالى من مبدأ النهي عن موالاة الكفار، فقال عز وجل: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. فنهى الله سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار، وتوعد على ذلك أبلغ الوعيد، فقال: ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، يعني ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ. ثم قال عز وجل: إلا أن تتقوا منهم تقاة، أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته.

وأجمع أهل العلم على أن التقية رخصة في حالة الضرورة. قال ابن المنذر: أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان أنه لا يحكم عليه بالكفر. ولكن من اختار العزيمة في هذا المقام فهو أفضل. قال ابن بطال: وأجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله. إذا التقية رخصة، أقصى ما تكون شيء مستحب، شيئًا مباحًا، رخصة، والعزيمة أفضل.

لكن التقية التي عند الشيعة خلاف ذلك، فهي عندهم ليست رخصة، بل هي ركن من أركان دينهم. الكذب ده بالتقية فيما يسوى وفيما لا يستحق. واضح. ولذلك حكى عنهم الشيخ محب الدين الخطيب أن كلمة تقي الدين عندهم مش من التقوى، هي من التقية. كلما كان الشخص محترفًا للكذب ومتقنًا له، ويكثر من التقية، طبعًا بعض الإخوة ضحك، ولكن لما نشوف، ده كلام حقيقي، هذا كلام مؤكد عندهم، مش مجرد كلام. كما أنتم تتعجبون منه الآن، فهم عندهم تقي الدين اللي هو محترف كذب ونفاق، محترف. فمن التقية وليس من التقوى. هذا حكاه الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى.

فالتقية ليست رخصة كما هي عند المسلمين، لكنها ركن من أركان دينهم كالصلاة وأعظم. قال ابن بابويه: اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة. تخيلوا! هذا الدين، الكذب في هذا الدين، تاركه مثل تارك الصلاة. نعيد هذه العبارة، وهي مذكورة في كتاب الاعتقادات لابن بابويه: اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة. وقال الصادق: لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا. بل نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تارك التقية كتارك الصلاة. تارك الكذب مثل تارك الصلاة.

ثم زادوا في درجة التقية فجعلوها تسعة أعشار الدين، ثم لم يكفهم ذلك فجعلوها هي الدين كله، ولا دين لمن لا تقية له. جاء في أصول الكافي وغيره أن جعفر بن محمد قال: إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له. فانظر إلى المبالغة الشديدة في تقديس الكذب. الكذب ركن من أركان الدين عندهم. ولذلك اللي ما بيفهمش قضية التقية بيكون يعني بينخدع بكلام الرافضة، كما يحصل لكثير من الأفاضل من علماء المنتسبين لأهل السنة والجماعة، بيصدق هذا الكلام لأنه ليس عنده تكون خلفية كاملة عن دين الشيعة. وإن كان الآن الأمور اتضحت إلى حد كبير، لكن لو رجعنا للوراء قليلًا: فتنة حسن نصر في لبنان، وما حصل من الانبهار الشديد بهذا الرجل، لأنه يتقن موضوع التقية جدًا، يتقنه جدًا، ولذلك يستغل مبدأ التقية لخداع الناس، والعزف على وتر الانقسام الطائفي، والناس اللي بتغذي الطائفية وتفعل كذا وكذا، ونحو ذلك. فدائمًا هم يستثمرون التقية لأجل كسب مواقف سياسية بالذات، أو استجلاب عطف وتعاطف أهل السنة والجماعة، ليستدرجوهم بعد ذلك إلى الدخول في دينهم. فموضوع التقية موضوع جوهري جدًا، إن هذا الدين يقوم على الكذب، ولذلك لا يوثق إطلاقًا بأي كلام يصدر منهم. اللي عايز يتكلم، يقول لنا: إيه رأيه في الكتب؟ تجيب له كده الكتب بتاعته، وتقول له: عندكم في كتابكم كذا وكذا من العقائد الضالة الكفرية، فماذا تقولون فيها؟ تبرؤوا من الكتب.

ويمكن في المناظرات المستقلة، فضيلة الشيخ عثمان الخميس، لما في آخر المناظرات خالص الراجل المذيع حاول يظهر الموضوع أن في وحدة واتفاق بينهم، وقال: نعمل اتفاقًا مكتوبًا بقى على ما وصلنا إليه. فلما جم عند موضوع تحريف القرآن الكريم، الشيخ عثمان الخميس أصر على أن يكتب: إن من قال بتحريف القرآن فهو كافر. رفضوا تمامًا، رفضوا تمامًا هذا النص. ساعة الجد بقى، إن من قال بتحريف القرآن فهو كافر خارج من الملة، فضيحة كبيرة جدًا. لأنهم ردوا قالوا: لا، افترض واحد روى واقف الكتاب وهو مالوش دعوة بيها، إلى آخره. فأحنا التعامل يكون مع مصادرهم: هذه كتبكم فيها كذا وكذا، ما قولكم فيمن يروي في كتبه عشرات الروايات بتحريف القرآن الكريم؟ أما الكلام العاطفي هذا، فطبعًا الكذب عندهم دين. ولذلك العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى لما جاءه وفد يريد أن يناظره، فقال له: كيف أناظركم وأنتم لكم أصول ونحن لنا أصول؟ بل في الحقيقة لكم دينكم ولي دين، ثم أنتم فوق ذلك أهل كذب ونفاق. يعني ما دمت أنت تتعبد بالتقية، كيف أثق بالحوار معك وأنك صادق فيما تقوله؟

لأن أنتم لو جربتم كده، لو واحد منهم ابتلي برؤية، وتحاورت معه، أول ما تقول له: أنتم بتشتموا أبا بكر وعمر رضي الله عن الشيخين، كذا وكذا، وسهر رسول الله، ويفضل يسرد لك المدائح في الشيخين. فطبعًا هذا لا بد للإنسان أن يكون عنده وعي. وللأسف الشديد بينخدع بالتقية أعلام من كبار الجماعات الإسلامية للأسف الشديد، وإن كان أعتقد الآن الأمر - بسبب الانفتاح الإعلامي الشديد - أصبح سهلًا جدًا، أعتقد حتى عوام الناس حصل الآن نوع من التطور والوعي بقضية الشيعة وما يقوم عليه دينهم.

إذًا يقول هنا: فهي عندهم، أي التقية، ليست رخصة، بل هي ركن من أركان دينهم كالصلاة أو أعظم. الكذب، الكذب كالصلاة، وبعدين مش كذب بقى ساعة الاضطرار والإكراه، لا، ده لازم هو يتطوع بالكذب، كلما يكثر الكذب كلما يكون أتقى لله. لماذا؟ لأن ابن بابويه يقول: اعتقادنا في التقية أنها واجبة، من تركها بمنزلة من ترك الصلاة. وقال الصادق: لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقًا. بل نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تارك التقية كتارك الصلاة. ثم زادوا في درجة التقية فجعلوها تسعة أعشار الدين، كما ونص منسوب لأحد أئمتهم: أن التقية تسعة أعشار الدين، تسعة أعشار الدين كذب. ثم لم يكفهم ذلك فجعلوها هي الدين كله، ولا دين لمن لا تقية له. جاء في أصول الكافي وغيره أن جعفر بن محمد قال: إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له. وعدوا ترك التقية ذنبًا لا يغفر على حد الشرك بالله. قالت أخبارهم: يغفر الله للمؤمن كل ذنب يظهر منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع حقوق الإخوان.

والتقية في دين الإسلام، دين الجهاد والدعوة، لا تمثل منهجًا عامًا في سلوك المسلم. يعني في دين الإسلام الحق، التقية دي مش سلوك عام يحث الناس عليه، دي رخصة أقصى درجاتها أن تكون مباحة عند الإكراه أو عند الاضطرار. واضح. فالتقية في دين الإسلام، دين الجهاد والدعوة، لا تمثل نهجًا عامًا في سلوك المسلم، ولا سمة من سمات المجتمع الإسلامي، بل هي غالبًا حالة فردية مؤقتة، مقرونة بالاضطرار، مرتبطة بالعجز عن الهجرة، وتزول بزوال حالة الإكراه. لكنها في المذهب الشيعي تعد طبيعة ذاتية في بنية المذهب. يقول أبو عبد الله: إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله. إشارة إلى مبدأ التقية: إنكم على دين من كتمه، استعمل التقية ولم يظهر دينه الحقيقي، أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله. وقال: أبى الله عز وجل لنا ولكم في دينه إلا التقية.

والتقية عندهم حالة مستمرة وسلوك جماعي دائم. قال ابن بابويه في كتاب الاعتقادات المسمى دين الإمامية: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلا أن يخرج القائم. يعني تظل الشيعة تعمل بالتقية إلى أن يخرج المهدي الخرافة. والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة. وروت كتب الشيعة عن علي بن موسى الرضا عليه السلام قال: لا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية. هذه نص صريح أن هكذا يفهمون قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم: أشدكم عملًا بالتقية، أشدكم عملًا بالكذب. لا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية. هذه كارثة بقى، كلمة أتقاكم تفسر بأنها أعملكم بالتقية. فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا.

والتقية ملازمة للشيعي في كل ديار المسلمين، حتى إنهم يسمون دار الإسلام دار التقية. جاء في روايتهم: والتقية في دار التقية واجبة. ويسمونها دولة الباطل. قالوا: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل إلا بالتقية. ويسمونها دولة الظالمين. قالوا: التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه.

ويؤكدون على أن تكون عشرة الشيعة مع أهل السنة بالتقية. ترجم لذلك الحر العاملي فقال: باب وجوب عشرة العامة بالتقية. العامة يقصدون بها أهل السنة، والخاصة هم ناس special. لكن العامة إذا أطلقت معروف عندهم أنهم مين؟ أهل السنة. والخبيث صالح الورداني مؤلف كتاب مسميه أهل السنة والجماعة شعب الله المختار. يعني كأننا زي اليهود بندعي أننا شعب الله المختار. هم أهل السنة والجماعة يؤمنون أن أهل الإسلام، وأفضلهم طبعًا أهل السنة والجماعة، هم خير أمة. هل هذه الخيرية مبنية على مؤهلات أم مبنية على عنصرية؟ اليهود حينما يقولون: نحن شعب الله المختار دي بقى مبنية على مبدأ عنصري، جنس بني إسرائيل عرقي، لكن المسلمون حينما يخاطبهم الله سبحانه: كنتم خير أمة أخرجت للناس، ذكر المؤهلات: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله، ففي مؤهلات لهذه الخيرية، وليست خيرية عنصرية كما يدعي اليهود. فهذا الضال صالح الورداني مسمي الكتاب كده: أهل السنة والجماعة شعب الله المختار.

نسبه لأبي عبد الله أنه قال - دي هنا بقى التطبيق العملي - يعني هو بيقول: باب وجوب عشرة العامة بالتقية، يعني لازم الشيعي لما يبقى معاك يظهر لك الموافقة، وأن الأشياء اللي أنت بتأخذها عليه: لا، ده ظلم وكذب، وأي قضية تقولها، أي قضية سواء بقى قضية القرآن الكريم، قضية السنة، قضية الإجماع، قضية الصحابة، قضية الأئمة، كل هذه القضايا الخطيرة التي اختلفنا معهم فيها، يسارعون إلى إظهار مذهب أهل السنة، وأنه يتبع نفس المذهب، وأن ده ظلم لنا أنكم تنسبون إلينا هذا الكلام. بعض الأبواب عندهم فصلت كيفية معاشرة العامة بالتقية.

نسبوا لأبي عبد الله أنه قال: من صلى معهم، من صلى مع مين؟ أهل السنة، العامة، في الصف الأول، فكأنما صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول، لأن ده تقية، إنه يظهر الموافقة، وبيحضر كمان مع أهل السنة في الصف الأول. وقال: من صلى خلف المنافقين بتقية كان كمن صلى خلف الأئمة. وقال صاحب كشف الغطاء: التقية إذا وجبت، فمتى أتى بالعبادة على خلافها بطلت. يعني متى صارت التقية واجبة، واضح؟ فمتى أتى بالعبادات على خلاف التقية، لو تعبد أمام السني بخلاف التقية، باللي هو الدين الحقيقي بتاعه، يعني مذهبه الشيعي، ففي هذه الحالة تبطل عبادته. التقية إذا وجبت، فمن أتى بالعبادات على خلافها بطلت، وقد ورد فيها الحث العظيم، وأنها من دين آل محمد، ومن لا تقية له لا إيمان له.

بل إن التقية تجري حتى وإن لم يوجد ما يسوغها، فأخبارهم تحث الشيعي على استعمال التقية مع من يأمن جانبه، حتى تصبح له سجية وطبيعة. دي من غرائب هذا المذهب الضال، الدين المحرف الضال. حاجات غريبة جدًا. بحيث إن فعل الشيعة: لا عقل ولا نقل، لا لهم حظ في العقل ولا في النقل. فهنا ده مذهب غريب جدًا. بيحاولوا يبرروا موضوع التقية. طب فانت بتقول لهم: هي كده التقية دي في كل شيء؟ بسبب وبدون سبب؟ على طول؟ وتعتبروها واجبًا وركنًا من أركان الدين؟ حتى لو لم تحتج إليها؟ فيرد يقول إيه؟ أحنا بنعمل التقية وبنجتهد بها في ما يستحق وما لا يستحق من المواقف، ونبادر بها. لماذا بقى؟ بيقول: لأن أنا لما أتعود على التقية حتى مع الشخص الذي آمن جانبه، هو لن يضرني في شيء، فأنا بتمرن علشان كل ما أبقى متقن التقية، فلما أقع مع واحد ممكن يضرني تكون سجية، أصبَح الكذب ده بيجري في دمي، فأستطيع أن أمارس التقية بسهولة. فهو بيسوغ هنا ممارسة التقية مع من لا يخشى منه الضرر. يقول: حتى بل إن التقية تجري حتى وإن لم يوجد ما يسوغها، فأخبارهم تحث الشيعي على استعمال التقية مع من يأمن جانبه حتى تصبح له سجية وطبيعة، فيمكنه التعامل بها حينئذ مع من يحذره ويخافه بدون تكلف وتصنع. تكون الكذب تغلغل في كيانه وجزءًا من هويته بحيث لما يبقى يحتاج التقية بالفعل يقدر يمارسها بدون تكلف. روت كتبهم: عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه لتكون سجيته مع من يحذره.

ولأن التقية لا تعني بهذه الصورة سوى الكذب والنفاق، وهو مما تكرهه الفطرة السليمة وتمجه النفوس السوية ولا تقبله العقول، حاولت روايات الشيعة أن تحببها للأتباع، وتغريهم بالتزامها، فزعموا أنها عبادة لله، بل هي أحب العبادات إلى الله. روى الكليني عن هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخَبْء. فقلت: ما الخَبْء؟ قال: التقية. أحب عبادة إلى الله: الكذب. تخيلوا هذا. وجاء في الكافي وغيره عن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله رضي الله عنه، قال: كان أبي عليه السلام يقول: وأي شيء أقر لعيني من التقية. وفي رواية: ما خلق الله شيئًا أقر لعين أبيك من التقية.

هذه هي معالم التقية عند الشيعة الاثني عشرية، وقد ذكر صاحب الكافي أخبارها في باب التقية، وباب الكتمان، وباب الإذاعة، وذكر المجلسي في بحاره من روايتهم فيها 109 روايات في باب عقده بعنوان: باب التقية والمداراة.

أما سبب هذا الغلو في أمر التقية، فيعود إلى عدة أمور، منها أولًا أن الشيعة تعد إمامة الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم باطلة، وهم ومن بايعهم في عداد الكفار، مع أن عليًا رضي الله تعالى عنه بايع الخلفاء الثلاثة، وصلى خلفهم، وجاهد معهم، وزوَّجهم، وتسرى من جهادهم. تزوج الحنفية، ورزق منها ابنه محمد بن الحنفية. وقتال هؤلاء جاء في قول أشير إليه في قول الله تبارك وتعالى: قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابًا أليمًا. فقوله تعالى: فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا، تطيعوا من؟ تطيعوا الخليفة الذي سوف يأمركم بقتال هؤلاء المرتدين، بني حنيفة. واضح. فهذا نص من القرآن الكريم على وجوب طاعة أمير خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكر رضي الله عنه: فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرًا حسنًا، معناه أن إمامة أبي بكر إمامة شرعية. واضح. فلو كان جهاد أبي بكر غير شرعي لما استفاد علي من ثمرات هذا الجهاد، وتزوج واحدة من سبي بني حنيفة، وهي الحنفية التي نسب لها ابنه محمد بن الحنفية.

فطبعًا ده السبب بقى، موضوع الغلو في أمر التقية، رد فعل. فطبعًا هنا نلاحظ أنهم يعتبرون أن الصحابة، الأئمة الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان، ومن بايعهم من الصحابة، كلهم كفار. طبعًا أول ما نبطل به مذهبهم، نقف بنقول لهم: إذا كان علي نفسه، أمير المؤمنين، بايع الأئمة الثلاثة، وكان يصلي خلفهم، ويجاهد معهم، ويزوجهم، ويفعل كذا وكذا، وتسرى من جهادهم، ولما ولي الخلافة سار على نهجهم، ولم يغير شيئًا مما فعله أبو بكر وعمر، كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها، وهذا يبطل مذهب الشيعة من أساسه. فحاولوا الخروج من هذا التناقض المحيط بهم بالقول بالتقية. يبقى الجواب جاهز: إن عليًا كان يفعل هذا تقية. يبقى كان يصلي خلف الأئمة الثلاثة، ويجاهد معهم، ويفعل، ويزوجهم، ويفعل كذا وكذا تقية، لأن المسألة تهدم دينهم. واضح.

أيضًا هم قالوا بعصمة الأئمة، وأنهم لا يسهون ولا يخطئون ولا ينسون، وهذه الدعوى خلاف ما هو معلوم من حالهم، حتى إن روايات الشيعة نفسها المنسوبة للأئمة مختلفة متناقضة، لا يوجد خبر منها إلا وبإزائه ما يناقضه، كما اعترف بذلك شيخهم الطوسي. ولا شك أن وجود هذا الاختلاف ينفي مبدأ العصمة. لو هو معصوم، طب إزاي بيقول كلامًا متناقضًا في نفس كتبهم؟ فقالوا بالتقية لتسويغ هذا التناقض والاختلاف، والتستر على كذبهم. روى صاحب الكافي عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله: ما بالي أسألك عن المسألة فتجيبني فيها بالجواب، ثم يجيئك غيري فتجيبه فيها بجواب آخر؟ فقال: إنا نجيب الناس على الزيادة والنقصان. قال شارح الكافي: أي زيادة حكم عند التقية، ونقصانه عند عدمها، حسب الحال. لو تقية بنزود الكلام، ولو مش تقية بنايه بننقصه. ولم يكن ذلك مستندًا إلى النسيان والجهل، بل لعلمهم بأن اختلاف كلمتهم أصلح لهم، أننا لازم نُظهر الاختلاف، فعشان كده تظهر الفتاوى في المسألة الواحدة بأقوال متناقضة. لماذا؟ لمصلحة بقاء هذا المذهب، إذ لو اتفقوا لعرفوا بالتشيع، وصار ذلك سببًا لقتلهم وقتل الأئمة عليهم السلام.

ولذلك رأى سليمان بن جرير الزيدي في مقالة التقية أنها مجرد تستر على الاختلاف. التناقض كثير جدًا في كتبهم، فمن ثم حاولوا - ودي تقدح في مبدأ العصمة - فمن ثم رأوا أن التقية مخرج لهم، بحيث المذهب الذي لا يوافق أهواءهم يقولون: هذا خرج مخرج التقية. وأنتم لاحظتم طبعًا في كثير من القضايا التي درسناها استعمالهم لهذا الأمر. يقول: إذ لما رأوا في أقوال الأئمة في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم قالت لهم أئمتهم - طبعًا فيما ينسبونه إليهم - إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم ما يصلحكم وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم، وكف عدوكم عنا وعنكم. قال: فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل؟ ده واحد زيدي، فبيقول يعني كيف يوثق بكلامهم؟ كيف نثق أن ذا صدق وذا كذب؟

ثالثًا من أسباب الغلو في موضوع التقية: تسهيل مهمة الكذابين على الأئمة، ومحاولة التعتيم على حقيقة مذهب أهل البيت، بحيث يوهمون الأتباع أن ما ينقله واضع مبدأ التقية عن الأئمة هو مذهبهم، وأن ما اشتهر وذاع عنهم، وما يقولونه ويفعلونه أمام المسلمين، لا يمثل مذهبهم، وإنما يفعلونه تقية. فيسهل عليهم بهذه الحيلة رد أقوالهم، والدس عليهم، وتكذيب ما يروى عنهم من حق.

فتجدهم مثلًا يردون كلام الإمام محمد الباقر أو جعفر الصادق الذي قاله أمام ملأ من الناس، أو نقله العدول من المسلمين، يردوا الكلام ليه؟ بحجة أنه حضره بعض أهل السنة، فاتقى في كلامه. ويقبلون ما ينفرد بنقله الكذبة مثل جابر الجعفي، بحجة أنه لا يوجد أحد يتقيه في كلامه.

وبحسبك أن تعرف أن الإمام زيد بن علي، وهو من أهل البيت، يروي عن علي رضي الله تعالى عنه - كما تنقله كتب الشيعة الاثنا عشرية نفسها - أنه غسل رجليه في الوضوء، لأن الشيعة بيمسحوا الرجلين، مش فوق الخف، لا، على الجلد، مش بيغسلوا الرجلين. فهو يروي، روى عن علي رضي الله عنه، يعني زيد بن علي روى عن علي رضي الله عنه، أنه غسل رجليه في الوضوء. ولكن من يلقبونه بشيخ الطائفة لا يأخذ بهذا الحديث، ولا يجد حجة يحتج بها سوى دعوى التقية. إن عليًا يوم ما غسل رجليه، دي مش عشان هي دي السنة أو الشريعة، لا، ده غسلها عشان كان قدامه ناس من أهل السنة، فكان يتقيهم. فهو يرد الحديث في الاستبصار عن زيد بن علي، عن جده علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: جلست أتوضأ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ابتدأت الوضوء، إلى أن قال: وغسلت قدمي، فقال لي: يا علي، خلل بين الأصابع، لا تخلل بالنار. فأنت ترى أن عليًا كان يغسل رجليه في وضوئه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكد عليه بأن يخلل أصابعه، والشيعة تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدي علي رضي الله عنه في ذلك، ولا تلتفت لمثل هذه الروايات. ولذلك تلاحظون في العقيدة الطحاوية نص عليها الإمام الطحاوي، قال ونرى القضية متواترة، والأحاديث: ويل للأعقاب من النار، هم لا يلتفتون لكل هذا، وإن جاءت في كتبهم بروايات أئمة أهل البيت، يعني هي في كتبهم، وبروايات أئمة أهل البيت، وموافقة لمذهب أهل السنة، ولا يكلف شيوخ الشيعة أنفسهم بالتفكر في أمر هذه الروايات ودراستها، فلديهم هذه الحجة الجاهزة: التقية.

ولهذا قال الطوسي، لما بقى جاب الحديث بتاع زيد بن علي، بيرويه عن مين؟ عن علي بن أبي طالب، أنه توضأ وغسل رجليه في الوضوء، فرد بقى الطوسي بيقول: هذا خبر موافق للعامة، هذا خبر موافق للعامة، يعني أهل السنة، وقد ورد مورد التقية، لأن المعلوم الذي لا يتخالج منه الشك من مذاهب أئمتنا عليهم السلام القول بالمسح على الرجلين. ثم قال: إن رواة هذا الخبر كلهم عامة ورجال الزيدية، وما يختصون به لا يعمل به. ثم ساق رواية أخرى عن أبي عبد الله جعفر الصادق في النص على غسل الرجلين، وحملها على التقية. وفي الأذان حمل ما لم يتفق مع مذهب شيوخه على التقية. وفي قسمة المواريث يقررون أن المرأة لا ترث من العقار والدور والأراضين شيئًا، ولما يأتي عندهم نص عن الأئمة يخالف ذلك، وهو حديث أبي يعفور عن أبي عبد الله قال: سألته عن الرجل: هل يرث من دار امرأته أو أرضها من التربة شيئًا، أو يكون في ذلك بمنزلة المرأة فلا يرث من ذلك شيئًا؟ فقال: يرثها وترثه من كل شيء ترك وتركت. طبعًا ده مخالف لمذهب الشيعة، فالطوسي بيعلق على الرواية التي تخالف مذهب الشيعة وتوافق أهل السنة، بيقول: نحمله على التقية، لأن جميع من خالفنا يخالف في هذه المسألة، وليس يوافقنا عليها أحد من العامة، وما يجري هذا المجرى يجوز التقية فيه.

وفي النكاح جاءت عندهم روايات في تحريم المتعة. ففي كتبهم عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية ونكاح المتعة. قال شيخهم الحر العاملي: أقول حمله الشيخ - يعني الطوسي - وغيره على التقية. يعني في الرواية رواية. لأن إباحة المتعة من ضروريات مذهب الإمامية. فسكنت نفسي، فعلمت أن ذلك منه تقية. قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن أشيم، إن الله فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه إلينا. خطير تطبيق التقية. يخرج بالشيعة من الإسلام رأسًا وينظمهم في سلك الملاحدة والزنادقة، لأنهم جعلوا مخالفة المسلمين هي القاعدة، فتكون النتيجة أنهم يوافقون الكافرين ويخالفون المسلمين. فانظر إلى أي مدى لعب بهم زنادقة القرون البائدة.

وكان من آثار عقيدة التقية ضياع مذهب الأئمة عند الشيعة، حتى إن شيوخهم لا يعلمون في الكثير من أقوالهم أيها تقية وأيها حقيقة، ووضعوا لهم ميزانًا أخرج المذهب إلى دائرة الغلو. يعني لو جت قضية مش عارفين فيها المذهب، الأئمة هل دي تقية ولا حقيقة؟ فوضعوا ميزانًا للفصل في هذه المسألة: إيه هو الميزان؟ ما خالف العامة فيه الرشاد. الرشاد والهدى في مخالفة أهل السنة. فهم يتعبدون بمخالفة أهل السنة، فصاروا يتعبدون بمخالفة أهل السنة وأهل الإسلام، كما نتعبد نحن بمخالفة المشركين.

وقد اعترف صاحب الحدائق بأنه لم يعلم من أحكام دينهم إلا القليل بسبب التقية. قال: فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية، كما قد اعترف بذلك ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني في جامعه الكافي، حتى إنه تخطى العمل بالترجيحات المروية عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرد الرد والتسليم للأئمة الأبرار. فهم معترفون بأن معظم الدين ضاع بسبب التقية في تآمر العبارات. فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلا القليل لامتزاج أخباره بأخبار التقية.

أما تطبيق التقية عندهم، فإنه خير كاشف بأن تقيتهم غير مرتبطة بحالة الضرورة. وقد اعترف أيضًا صاحب الحدائق الناضرة بأن الأئمة يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة وإن لم يكن بها قائل من المخالفين. تحس أنك في دراسة هذا الدين ماشي في سراديب زي جحور الفئران والثعالب، يعني روغان ودوران، ما فيش استقامة كده ووضوح، دين كله غموض. ده واحد من علمائهم، صاحب الحدائق، يقول: الأئمة يخالفون بين الأحكام. يقول لهم: خلي بالكم، الأئمة ما كانوش بيستعملوا التقية في حضور أهل السنة فقط، لا، ده حتى لو ما فيش حد من المخالفين موجود، كانوا يتكلمون بالتقية. الأئمة يخالفون بين الأحكام وإن لم يحضرهم أحد من أولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعددة وإن لم يكن بها قائل من المخالفين. يعني بدون أي داعٍ.

في حين التقية اللي موجودة في القرآن الكريم هي تقية فقط عند حالة الضرورة أو الإكراه. والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًا. روى الكليني عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله، فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز وجل، فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول. قال: فدخلني من ذلك ما شاء الله، حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله. فبين أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي. فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية. قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن أشيم، إن الله فوض إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه إلينا.

يقول: فدخلني من ذلك ما شاء الله. هو في مذهب بيسموه مذهب المصوبة، فرقة اسمها المصوبة، كل إنسان مهما يذهب، أي مذهب في أي قضية، فهو معذور. وده مذهب للأسف الشديد بعض كبار الأطباء النفسيين بيتبنى هذا المذهب، وبيزينه لمن يدرسون عليه. يعني إيه؟ فدائمًا ما يستدل بقصة، يقول: إنه كان في واحد قاعد، فجم اثنين بيتعاركوا في قضية معينة، فقالوا له: احكم بيننا. فلما حكى الأول قال له: عندك حق. فبعد ذلك استمع للثاني قال له: عندك حق. فواحد ثالث شايف الموقف جاء، قال له: إنت سمعت ده وبتقول له عندك حق، والتاني تسمع منه وتقول له عندك حق، والاثنين متناقضين! قال له: وإنت كمان عندك حق. فطبعًا هذا يؤدي إلى تمييع الحدود بين الحق والخطأ، والسنة والبدعة، والصواب. واضح؟ فطبعًا مثل هذا الأمر في غاية الخطورة.

فهنا القصة دي شبيهة بذلك. يعني قصة التي رواها الكليني عن موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله، فسأله رجل عن آية من كتاب الله عز وجل فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأول، قال: فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح بالسكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله، فبين أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأل عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي، فسكنت نفسي فعلمت أن ذلك منه تقية. قال: ثم التفت إلي فقال: يا ابن أشيم، إن الله فوض إلى نبيه فقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فما فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه إلينا. طب وإيه الدليل؟ الآية بتقول إيه؟ وما آتاكم الرسول فخذوه. فمن لم يقل: وما آتاكم الرسول والأئمة، فالاستدلال غريب جدًا. يعني إيه علاقة الآية بهذا الموقف؟

يقول: فانظر كيف نسب إلى جعفر أنه يضل الناس بتأويل القرآن على غير تأويله، بل وإشاعة التأويلات المختلفة المتناقضة بين الأمة، ثم يزعمون أنه قد فوض له أمر الدين يفعل ما يشاء. فهذه ليست تقية، هذا إلحاد في كتاب الله، وصد عن دينه.

ثم هل هناك حاجة للتقية في تفسير القرآن وفي القرون المفضلة، ومن عالم من أهل البيت في عصره؟ ويزعمون أن أئمتهم كانوا يفتون بتحريم الحلال وتحليل الحرام بموجب التقية بلا مبرر. ففي الكافي عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كان أبي عليه السلام يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال، وكان يتقيهم، وأنا لا أتقيهم، وهو حرام ما قتل.

ومما يدل صراحة على أن التقية ليست إلا الكذب الصريح بلا مبرر، ما رواه شيخهم الكليني عن محمد بن مسلم قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، وعنده أبو حنيفة، فقلت له: جعلت فداك، رأيت رؤيا عجيبة. فقال لي: يا ابن مسلم، هاتها، فإن عالمها جالس، وأومأ بيده إلى أبي حنيفة. فعرض الراوي الرؤيا على أبي حنيفة، فاجابها أبو حنيفة عليها كما يزعمون. فقال أبو عبد الله عليه السلام: أصبت والله يا أبا حنيفة، أصبت والله يا أبا حنيفة. قال الراوي: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت له: جعلت فداك، إني كرهت تعبير هذا الناصب. هو أبو حنيفة ده ناصب، وأنا بكره، ليه تخليه هو اللي يفسر الرؤيا؟ فقال: يا ابن مسلم، لا يسؤك الله، كما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا، ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التعبير كما عبر. قال: فقلت له: جعلت فداك، فقولك: أصبت، وتحلف عليه، وهو مخطئ؟ لأنه قال له إيه: أصبت والله يا أبا حنيفة. فقال: نعم، حلفت له أنه أصاب الخطأ.

فهل استعمال التقية في هذا النص، رؤيا تتفسر، إيه المشكلة؟ يعني التقية ويحلف ويكذب، هل هذا يعقل وينسبونه إلى أئمة أهل البيت؟ فهل استعمال التقية في هذا النص له مسوغ؟ هل أبو حنيفة ذو سلطة وقوة حتى يخشى منه ويتقاه؟ وهل من ضرورة لمدحه والقسم على صواب إجابته، ثم لما خرج يحكم عليه بالنصب ويخطئ في جوابه؟ هل لهذا تفسير غير أنه الخداع والكذب بلا مسوغ؟ ونحن نبرئ جعفر الصادق من هذا الافتراء، ونقول إن هذا سب وطعن في جعفر ممن يزعم التشيع له ومحبته.

وكلما كان الرافضي أبرع في الكذب والخداع، كلما عظم مقامه عندهم، ونال أعلى شهادة. ولذلك أثنى محمد باقر الصدر على الحسين بن روح، والحسين بن روح هذا هو الباب الثالث من أبواب المهدي. لأن في الغيبة الصغرى كان المهدي في السرداب، في ناس شخص يتصل بالمهدي مباشرة، بيقابلوا بقى بينهما تواصل، فده اسمه الباب، الوكيل، اللي هو يتعامل مع الباب، بس ما يوصلش للمهدي. فخلال حياة محمد بن عثمان، كان هذا الرجل أبو القاسم الحسين بن روح يتولى منصب البابيّة. البابية: يلتقي بالإمام الغائب. طبعًا كلهم نصابون، لأن كان الموضوع كله جمع الفلوس من الناس: خمس بقى، والأشياء دي، ويروح يوصلها بقى السرداب. فدي مشكلة الدين الرافضي، مشكلة الآيات، هو موضوع الحصول على هذه الأموال، الخمس. واضح؟ فدي من الأشياء اللي بتخليهم متماسكين جدًا بمنصبهم الديني وهذه الأشياء.

فمحمد باقر الصدر يثني على الحسين بن روح، وقال بأنه قام بمهمة البابية خير قيام. طيب ليه بقى ابن روح هذا قام بالوظيفة البابية خير قيام؟ يقول: لأنه كان من مسلكه الالتزام بالتقية المضاعفة بنحو ملفت للنظر بإظهار الاعتقاد بمذهب أهل السنة. ده بيثني عليه! إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، مش أتقاكم. أكرمكم عند الله الذي يبالغ، ثم يبالغ، ثم يبالغ بمضاعفة الكذب، هذا هو أكرمهم عند الله.

وجاء في الغيبة للطوسي عن عبد الله بن غالب قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، ولا عهدي به يومًا في دار ابن يسار، وكان له محل عند السيد والمقتدر عظيم، وكانت العامة أيضًا تعظمه. وعهدي به - طبعًا ده واحد وصل منصب الباب، الباب الثالث، يعني ثالث واحد كان بيتصل بالمهدي الخرافة في السرداب الموهوم - فهو يعني عنده ولاء شديد جدًا لهذا الدين، فهو كان بيعمل التقية حتى إن عامة أهل السنة كانت تحبه وتعظمه. يقول: وعهدي به وقد تناظر اثنان، قدام الناس، فزعم واحد أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم عمر، ثم علي. وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر. فزاد الكلام بينهما. فقال أبو القاسم رضي الله عنه - اللي هو الباب ده -: الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصديق، ثم بعده الفاروق، ثم بعده عثمان ذو النورين، ثم علي الوصي، وأصحاب الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا. فبقي من حضر المجلس متعجبًا من هذا القول، وكاد العامة الحضور يرفعونه على رؤوسهم. العوام كانوا عايزين يشيلوه من على الأرض من الفرح، لأن كان في إشاعات أنه رافضي وهم مش عارفين، فلما لقوه بينص على هذا الأمر الخطير جدًا فعظموه تعظيمًا شديدًا جدًا، وانبهروا به، وكثر الدعاء له، والطعن على من يرميه بالرفض.

فعبد الله بن غالب، اللي هو بيحكي القصة، شايف الموقف، وهو فاهم الموضوع، يقول: فوقع عليّ الضحك. وقع عليه الضحك، جت له نوبة ضحك، مش قادر يقاومها، لأنه شايف، عارف اللي في داخله ده، باب الباب الثالث، يعني شيعي حتى النخاع، وإزاي قدر يخدع العوام، ويتقن الدور لدرجة أنهم عملوه برده الحاج محمد هتلر ورفعوه على رؤوسهم، وقعدوا يدعوا له، ويشتموا الناس اللي بتظلم الراجل البريء ده، وتتهمه بأنه رافضي. يقول عبد الله بن غالب اللي هو بيحكي القصة بقى، هو في الأول بيقول إيه؟ ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح. أعقل ليه؟ أعقل لأنه كان ماهرًا في استعمال التقية، وكما وصفه الصدر بأنه كان من مسلكه الالتزام بالتقية المضاعفة بنحو ملفت للنظر بإظهار الاعتقاد بمذهب أهل السنة.

المهم يقول: فوقع عليّ الضحك، فلم أزل أتصبر وأمنع نفسي، وأدس كمي في فمي، فخشيت أن أفتضح، فوثبت عن المجلس. ونظر إلي ففطن بي، فلما حصلت في منزلي فإذا الباب يطرق، فخرجت مبادرًا، فإذا بأبي القاسم الحسين بن روح راكبًا بغلته، قد وافاني من المجلس قبل مضيه إلى داره، فقال لي: يا أبا عبد الله، أيدك الله، لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي، أن الذي قلته عندك ليس بحق. يعني أنت ضحكت ليه؟ عايز تحرجني قدام الناس، والناس تفهم أن أنا اللي بقوله ده ما كانش صح؟ فبيعاتبه يعني، بيقول له: يا أبا عبد الله، أيدك الله، لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي أن الذي قلته عندك ليس بحق؟ فقلت: كذلك هو عندي. فقال لي: اتق الله أيها الشيخ، فإني لا أجعلك في حل تستعظم هذا القول مني. فقلت: يا سيدي، رجل يرى بأنه صاحب الإمام ووكيله يقول ذلك القول، يتعجب منه ويضحك من قوله. هذا ما أنا... قال له: أنا معذور يعني. ده أنت اللي بتقول إنك وكيل الإمام، وبتتصل بالمهدي، وليك وضع كبير في مذهب الشيعة، وبعدين تقف تمدح أبا بكر وعمر وعثمان، وتتكلم في أخطر قضية عند الشيعة بموافقة لمذهب أهل السنة! فقال له: وحياتك، لئن عدت لأهجرنك، وودعني وانصرف.

هذه القصة تصور كيف يخادعون أهل السنة، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويتندرون فيما بينهم على تصديق بعض أهل السنة لنفاقهم وكذبهم. وعقلية شيعة هذا العصر لا تزال تؤمن بهذا النفاق وجدواه. وقد جاءت عندهم أخبار كثيرة على هذا النهج، لولا ضيق المجال لعرضت لها وعقبت عليها بالنقد والتحليل، وهي تستحق دراسة خاصة لما فيها من كشف حيل الروافض وأساليبهم.

يستدل الاثنا عشرية بآيتي آل عمران والنحل وغيرهما. آية آل عمران: إلا أن تتقوا منهم تقاة، النحل: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. أما الآيات الأخرى التي يؤولونها بمنهجهم الباطني، ففي قوله تعالى: فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، قالوا: ما استطاعوا له نقبًا إذا عمل بالتقية. وفي قوله: فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، قالوا: رفع التقية عند الكشف، فينتقم من أعداء الله. حاجة مالهاش علاقة خالص بالتقية، لكن تفسير باطني، أن الآية: فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا يعني ما دمت تعمل بالتقية ما حدش هيقدر يهدم كلامك. كذلك فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء، اللي هو السد، لا، هم بيقولوا: جعله دكاء يعني أن إذا جاء وعد ربي، وخرج القائم، المهدي، ينتقم من أعدائه.

فهم يستدلون بهذه الآيات على عقيدتهم في التقية، لكن استدلالهم بالآيتين واقع في غير موقعه، كما تبين أثناء توضيح معالم التقية عندهم. ولذلك قرر أهل العلم، من خلال معرفتهم بواقع الشيعة، أن تقيتهم إنما هي الكذب والنفاق ليس إلا. وقد تبينت لنا هذه الحقيقة من خلال النص الشيعي أيضًا، فانت ترى أن التقية عندهم هي الكذب والنفاق، ومع هذا يعتبرون ذلك من الدين، بل هو الدين كله، وأن حالهم من جنس حال المنافقين لا من جنس حال المكره الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، موضحًا الفرق بين تقية النفاق والتقية في الإسلام: التقية ليست بأن أكذب وأقول بلساني ما ليس في قلبي، فإن هذا نفاق، ولكن أفعل ما أقدر عليه. فالمؤمن إذا كان بين الكفار والفجار لم يكن عليه أن يجاهدهم بيده مع عجزه، ولكن إن أمكنه بلسانه، وإلا فبقلبه، مع أنه لا يكذب ويقول بلسانه ما ليس في قلبه، أما أن يظهر دينه، وأما أن يكتمه، وهو مع هذا لا يوافقهم على دينهم كله، بل غايته أن يكون كمؤمن آل فرعون، حيث لم يكن موافقًا لهم على جميع دينهم، ولا كان يكذب، ولا يقول بلسانه ما ليس في قلبه، بل كان يكتم إيمانه. وكتمان الدين شيء، وإظهار الدين الباطل شيء آخر، فهذا لم يبحه الله قط إلا لمن أكره بحيث أبيح له النطق بكلمة الكفر، فيعذره الله في ذلك، والمنافق والكذاب لا يعذر بحال. ثم إن المؤمن الذي يعيش بين الكفار مضطرًا، ويتم إيمانه، يعاملهم بمقتضى الإيمان الذي يحمله بصدق وأمانة ونصح وإرادة للخير لهم، وإن لم يكن موافقًا لهم على دينهم، كما كان يوسف الصديق يسير في أهل مصر وكانوا كفارًا، بخلاف الرافضي الذي لا يترك شرًا يقدر عليه إلا فعله بمن يخالفه.

الحقيقة هذا المبحث، فضيلة الدكتور أحمد قوشتي، مبدأ التقية بين أهل السنة والشيعة الإمامية، بحث طويل، يعني حوالي 356 صفحة، ده فقط في موضوع التقية. هو الحقيقة أجاد جدًا فيه، وفي بعض البحوث الجيدة، من ضمنها مثلًا: سلوك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وتنزيهه تمامًا عن موضوع التقية بالمفهوم الشيعي، وكيف كان يجاهد ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلى آخره. يعني أعتقد أن ما عرضناه هو كاف لإيجاد صورة واضحة عن هذا المبدأ الذي هو من أركان دين الرافضة. لكننا نقتصر فقط على ذكر خلاصة بحثه هنا في موضوع التقية، لأنه ختم الكتاب ببيان أبرز الفروق بين موقف كل من أهل السنة والشيعة الإمامية من التقية. هو قريب من الكلام الذي ذكره الدكتور القفاري، لكن من المفيد أن نحاول نجمله في نهاية الكلام.

يقول: أرجو أن يكون قد ظهر جليًا مدى الفارق الكبير بين تصور أهل السنة للتقية وشروطهم للعمل بها ومكانتها ودورها عندهم، وبين موقف الشيعة الإمامية من هذه الأمور كلها. فأبرز وجوه... يقول: نحاول أن نلخص أبرز وجوه الفرق بين الموقفين في صورة نقاط محددة تبرز هذا التمايز بين فكرة التقية عند هؤلاء وأولئك، وتغلق الباب أمام بعض المحاولات التي تسعى لإثبات أن التقية مفهوم واحد. لأنك لما تنكر على الشيعة، يجيب الآية ويحاول يوهمك أن الاثنين متفقين على التقية، مش مختلفين. بل ربما لم تكتفِ بذلك، بل حاولت أن تصور التقية كما لو كانت أمرًا فطريًا، كما يقول أحد علمائهم: يسوق الإنسان إليه قبل كل شيء عقله ولبه، وتدعو إليه فطرته. طبعًا المفروض يزود: فطرته الفاسدة، ده واحد شيعي بيدعي أن التقية مبدأ فطري، يسوق الإنسان إليه قبل كل شيء عقله ولبه، وتدعوه إليه فطرته. في فطرة تدعو إلى الكذب بهذه الصورة؟ فطرة فاسدة.

ومن أهم وجوه الفرق بين تقية السنة وتقية الشيعة ما يلي:

أولًا: أول فرق، أن التقية عند أهل السنة رخصة جائزة، وليست عزيمة واجبة أو حتى مستحبة، كما أنها استثناء مؤقت، وليست أصلًا عامًا أو كليًا. كذلك فإن التقية عند أهل السنة تعد من قبيل المسائل الفقهية العملية، وليست من المسائل العقدية، ومن ثم فإن محل الكلام عنها يأتي غالبًا في كتب المفسرين عند الكلام عن آية آل عمران، وفي كتب الفقهاء والأصوليين حينما يتكلمون عن الإكراه والاضطرار وما أشبه ذلك من المسائل المتعلقة بعوارض الأهل. وقلما تتعرض كتب العقائد لهذه المسألة إلا نادرًا، وإن حدث شيء من ذلك فإنما يأتي في سياق الرد على الشيعة. أما التقية عند الشيعة الإمامية فليست مجرد رخصة أو استثناء، بل بالغوا في الإعلاء من شأنها حتى صارت عقيدة ثابتة، وواجبًا لازمًا، وركنًا ركينًا من أركان مذهبهم، لا يتم تشيع المرء إلا به. ونظرًا لهذه الأهمية، فقد احتلت التقية والكلام عنها مكانًا بارزًا في كتب العقائد الإمامية، إضافة لكتب التفسير والحديث والفقه، وصارت شعارًا مميزًا للمذهب، وخصيصة من خصائصه البارزة. ويكفي في الدلالة على ذلك ما نسب إلى الإمام الباقر أنه قال: إن التقية من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقية له. وقد ذكرنا في ثنايا هذه الدراسة العديد من النصوص الدالة على غلو الشيعة الشديد في التقية ومكانتها، ومن ذلك ما يروونه عن جعفر الصادق أنه قال: تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له. وقال أيضًا: لا دين لمن لا تقية له، وإن التقية لأوسع مما بين السماء والأرض.

ولعل من الشواهد الواضحة على صحة قول أهل السنة بأن التقية رخصة وليست عزيمة، واستثناء وليست أصلًا، بعض الآثار المروية عن نفر من أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين. ومن هذا القبيل ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن أبي جعفر محمد الباقر رضي الله عنه أنه قال: التقية لا تحل إلا كما تحل الميتة للمضطر. هذا إمام جليل من أئمة أهل البيت: التقية لا تحل إلا كما تحل الميتة للمضطر. وهذا الأثر واضح الدلالة في بيان أن التقية رخصة مؤقتة لا يلجأ إليها إلا عند الاضطرار فقط.

إذا هذا هو الفرق الأول بين الفريقين.

الفرق الثاني: أن التقية عند أهل السنة ينتهي العمل بها بمجرد زوال السبب الداعي لها من الإكراه ونحوه، ويصبح الاستمرار عليها حينئذ دليلًا على أنها لم تكن تقية ولا خوفًا، بل كانت ردة ونفاقًا. وينبني على ذلك أنه إذا وجد زمان علت فيه كلمة الإسلام، وقامت له دولة ممكنة تطبق أحكامها وتقيم شرائعها، فلا يصح العمل بالتقية، وإنما تصبح حالة فردية نادرة خاصة بصاحبها فقط. أما التقية عند الرافضة فهي واجب جماعي مستمر لا ينتهي العمل به حتى يخرج مهديهم المنتظر، وقد نسبوا للأئمة عددًا كبيرًا من الروايات التي تنص على هذا الأمر وتحرم ترك التقية قبل خروج المهدي المنتظر في آخر الزمان. ومن هذه الروايات ما روي عن علي بن موسى الرضا أنه قال: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية. قيل: يا ابن رسول الله، إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا. وقد نص على هذا المعنى صراحة ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق، فقال: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم عليه السلام، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله ودين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة.

الفرق الثالث: أن التقية، وإن كانت رخصة للمسلم تجيز له أن يكتم عقيدته ومذهبه ويظهر خلافهما خوفًا من الضرر، فإن أهل السنة مطبقون على أن ترك التقية أفضل من فعلها، وأن الجهر بالحق والثبات عليه أولى من النطق بالباطل أو إجابة الكافرين أو الظالمين لما يطلبونه من المكلف، مخالفًا لدين الله وشريعته المحكمة. وثَمَّ أدلة كثيرة تشهد لصحة مذهب أهل السنة، ومنها قصة سحرة فرعون الذين قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، مع أن هنا في إكراه وتواعد بالعذاب، لكنهم ثبتوا. وهناك أيضًا قصة أصحاب الأخدود الذين آثروا الإحراق بالنار على الكفر بالله، وقصة أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم من الفتن. أما أدلة السنة فقد ذكرنا عددًا منها في ثنايا البحث، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت وحرقت. كذلك بوَّب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه بابًا بعنوان: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر. ومن الأحاديث التي أوردها في هذا الباب حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه. ثم قال صلى الله عليه وسلم: والله ليتمّن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على أفضلية الأخذ بالعزيمة، وأن الفقهاء كافة قد أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة.

فإذا ما انتقلنا إلى نظرة الشيعة إلى التقية، فسوف نجد أنها ليست مجرد رخصة جائزة، بل هي واجب محتم وثابت من ثوابت الدين الكلية، ومن تركها فقد دخل في نهي الله عز وجل ونهي رسول الله والأئمة صلوات الله عليهم، على حد تعبيرهم. ويضاف لذلك أن تاركها عندهم مرتكب لذنب عظيم وجرم كبير لا يغفره الله بحال. ومن النصوص الدالة على ذلك قول علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما: يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقية، وتضييع حقوق الإخوان.

والغريب أنه في مقابل هذه الروايات نجد أن هناك بعض الآثار الأخرى عن أئمة أهل البيت، والتي تدل على أن ترك التقية أفضل وأقرب لله من فعلها. ومن ذلك ما روي عن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، المتوفى سنة 145، أنه قال: إنما التقية رخصة، والفضل القيام بأمر الله.

الفرق الرابع: أن التقية عند أهل السنة تكون مع الكفار غالبًا، كما هو مقتضى قوله تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة. وقد تكون في بعض الأحيان مع الفساق والظلمة الذين يخشى الإنسان شرهم ويحذر بأسهم وسطوتهم. أما التقية عند الشيعة فهي موجهة في الغالب لمخالفيهم من المسلمين، حتى إنهم يسمون ديارهم بدار التقية، ودولتهم بدولة الباطل أو دولة الظالمين. ومن روايتهم في هذا المعنى ما نسب للإمام الرضا أنه قال: التقية في دار التقية واجبة. وعن جعفر الصادق أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يتكلم في دولة الباطل إلا بالتقية. ونصت المصادر الشيعية على أن التقية فريضة واجبة علينا في دولة الظالمين، فمن تركها فقد خالف دين الإمامية وفارقه.

الفرق الخامس: من الفروق المهمة بين التقية عند السنة والشيعة، أن التقية لا تجوز في حق أنبياء الله عند أهل السنة، إذ الواجب عليهم البيان والبلاغ، وألا يخشوا في الله لومة لائم، كما قال سبحانه: الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله وكفى بالله حسيبًا. أما الشيعة فقد جوزوا نسبة التقية لنبينا صلى الله عليه وسلم، وللأنبياء من قبلهم. وقد ذكرنا روايات كثيرة دالة على هذا المعنى. ومن تلك الروايات ما نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الأنبياء إنما فضلهم الله على خلقه أجمعين بشدة مداراتهم لأعداء دين الله، وحسن تقيتهم لأجل إخوانهم في الله. يكذبون على الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال هذا. وعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله: التقية من دين الله. قلت: من دين الله؟ قال: إي والله، من دين الله، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون، والله ما كانوا سرقوا شيئًا، ولقد قال إبراهيم: إني سقيم، والله ما كان سقيمًا. طبعًا هذه ليست تقية، هنا تعريض، هذا تعريض.

الفرق السادس: أن التقية لا تجوز في حق العلماء والأئمة المقتدى بهم عند أهل السنة، والواجب في حق هؤلاء الصبر والثبات والجهر بالحق حتى لا يضلوا الأمة التي تقتدي بهم. وكما قال الإمام أحمد في عبارته الشهيرة: إذا أجاب العالم تقية والجاهل يجهل، فمتى يتبين الحق؟. أما الشيعة الإمامية، الذين جوزوا التقية على الأنبياء، فلا يجدون أدنى غضاضة في نسبة التقية إلى أئمة أهل البيت رضي الله عنهم، وفي مقدمتهم علي رضي الله عنه والأئمة من بعده. وقد رووا عنهم الكثير من الروايات القولية والمواقف العملية التي تصور حياتهم كلها كما لو كانت قائمة على التقية، وهو أمر ننزه أهل البيت عن مثله، كيف وهم أشجع الناس وأصدقهم لهجة، وأغيرهم على دين الله سبحانه أن يغير أو يبدل؟

الفرق السابع: أن التقية، لما كانت حالة عارضة واستثنائية عند أهل السنة، فقد وضعوا ضوابط كثيرة لجوازها، ومن تلك الضوابط أن يكون هناك ضرر حقيقي أو خطر داهم ينزل بالمكلف فعلًا، وأن يكون هذا الضرر أو الأذى المبيح للتقية شديدًا، ويصعب على المكلف تحمله إلا بمشقة شديدة خارجة عن المعتاد، وأن يكون المكلف لا سبيل للنجاة من الأذى إلا بالتقية. وقد اشترطوا أيضًا ألا تتحول التقية إلى نوع من الموالاة للكافرين أو مداهنتهم أو الإقرار بما هم عليه من باطل وشرك أو الرضا بفساد اعتقادهم وسوء صنعهم، ولا بد أن يتيقن من نطق بالكفر ونحوه تقية أنه سوف يترك ذلك فيما بعد، وأن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، كما قال تعالى: إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.

أما الحال عند الشيعة فعلى العكس من ذلك تمامًا، حيث ينظر للتقية باعتبارها قربة في ذاتها يثاب المرء على فعلها، وهي متعددة الأنواع والأقسام، بحيث لا يخلو المكلف من حال يحتاج فيها للتقية. كذلك لا نرى عند الشيعة قيودًا وضوابط لإباحة التقية، بل إن الأمر في غاية السعة، وقد نقلوا عن الأئمة روايات كثيرة يلجؤون فيها للتقية دون ما سبب أو مبرر، وإنما ليتعود شيعتهم على أن تكون التقية حالًا لازمة ولو مع الموافقين لهم في المذهب. وقد روي عن جعفر الصادق أنه قال: عليكم بالتقية، فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجيته مع من يحذره.

وخلاصة الأمر هو أن التقية تحولت عند الشيعة من كونها استثناء ورخصة عارضة إلى حال دائمة ومكون أساسي من مكونات المذهب، بحيث لا يتصور وجود تشيع اثني عشري بدون أن يصاحبه ويلازمه مبدأ التقية.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

  • السبت PM 02:51
    2026-04-25
  • 10
Powered by: GateGold