المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1902633
يتصفح الموقع حاليا : 327

البحث

البحث

عرض المادة

إبطال شبهات (فصل الخطاب)

إبطال شبهات (فصل الخطاب)

 

الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد:

فكنا انتهينا في مناقشة فرية الرافضة بتحريف القرآن الكريم. ذكرنا، أو ذكر المصنف، أن للرافضة أربعة وجوه في هذه القضية: فمنهم من ينكر وجودها في كتبهم أصلًا، ومنهم من يعترف بأن روايات التحريف موجودة، ولكنهم يحاولون تسويغ ذلك وتبريره.

أما الفئة الثالثة، أو الوجه الثالث، فهو المجاهرة بهذا الكفر الصراح والإلحاد البواح، بدون أي نوع من الاستحياء، ثم أيضًا يقيمون الأدلة على هذه الدعوى. فإذا هذا هو الوجه الثالث: المجاهرة بهذا الكفر والاستدلال له، يعني إقامة الأدلة على ذلك.

تولى كبر هذا البلاء المدعو حسين النوري الطبرسي، المتوفى سنة 1320، والذي ألّف كتابه فصل الخطاب لإثبات هذه الأسطورة. وربما لأول مرة في التاريخ يحصل هذا الجمع لأساطير الشيعة المتفرقة، وأقوال شيوخها، والآيات المفترى التي يزعمونها، في كتاب واحد يطبع وينشر، ليصبح فضيحة لهم أبد الدهر.

ولو كان للمسلمين قوة وسلطان، لعُوقبت المحاكم لهذا الكتاب وصاحبه، وحُكم في ضوئه على دخول الاثني عشرية في الإسلام أو خروجها منه، وارتاح المسلمون من شر أولئك المرتزقة الذين ينتشرون في العالم الإسلامي لنشر التشيع، وأفاق من غرر به شيوخ الشيعة من أولئك الأتباع الجهلة الذين لا يدركون من التشيع إلا أنه حب آل البيت الذي سيدخلهم الجنة بغير حساب.

قام الأستاذ الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى بنشر قسم كبير من الكتاب في كتابه الشيعة والقرآن، وذكر أدلة هذا المفتري وشبهه. ومع أن ذلك يعد كشفًا لحقيقة الاثني عشرية في هذا العصر، إلا أن الشيخ إحسانًا رحمه الله اكتفى بنقل النصوص دون تعليق أو نقد، طبعًا بناء على أن هذه الافتراءات والأساطير شديدة الوضوح لأي مسلم، وأن أي شخص يطعن في كتاب الله فهو كافر لا حظ له من ملة الإسلام، وبالتالي لم ير الشيخ إحسان أن يتبع كل شبهة بالرد عليها ودحضها.

لكن الدكتور القفاري يعلق على موقف الشيخ إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى فيقول: هذا من الخطورة بمكان، لا سيما أن المؤلف قد ذكر اثنتي عشرة شبهة لإثبات فريته، وهي وإن كانت أشبه بخيوط العنكبوت، إلا أن فيها ما قد يخفى على بعض من لا علاقة له بالعلم الشرعي، فلا يصلح للإنسان أن يثير الشبهة ثم لا يرد عليها، لأنه قد ينصت إليها أو يصغي لها من ليس عنده من المناعة العلمية ما يقيه شرها، فيقع فريسة لهذه الشبه.

هو هنا حقيقة يعجبني التعبير الذي بيقول: وهي وإن كانت أشبه بخيوط العنكبوت، لأن بعض الناس ساعات يتكلمون في موضوع معين يقول لك: وهذا أوهى من بيت العنكبوت. ما رأيكم؟

نعم، أي نعم، يعني تأدبًا مع كتاب الله تعالى، حيث ذكر الله سبحانه وتعالى: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت، فهو أضعف بيت على الإطلاق، لا أضعف. فمن ثم لا يجوز أن يقول: إن هذا أو هذه الشبهة أوهى من بيت العنكبوت، لأنه لا يوجد ما هو أوهى من بيت العنكبوت، تأدبًا مع اللفظ القرآني. فيمكن أن تقول: أشبه ببيت العنكبوت، نعم، كما قال هنا: وهي وإن كانت أشبه بخيوط العنكبوت.

إلا أن فيها ما قد يخفى على بعض من لا علاقة له بالعلم الشرعي، فكان من الواجب أن تكشف ترهاته، وأن تدك شبهاته، ويؤتى عليها من القواعد.

طبعًا هذا المؤلف توفي 1320، ونحن الآن 1430، يعني حوالي 110 سنوات الفرق، قرن و10 سنوات، فإذا هذا يعد تقريبًا من المعاصرين.

فيقول: كتاب الشيخ إحسان انتشر في كل بقاع العالم الإسلامي، ولكنه يحتوي على شبهات هذا الملحد الكافر الطبرسي هذا، فالكتاب انتشر ولم يقترن به رد يفضح مفترياته.

قد يقول بعض الناس إن مجرد عرض الفرية كاف في بيان بطلانها. يرد الدكتور القفاري فيقول: إن هذا حق باعتبار أصل الفرية ومنطلقها، ولكن الشبه التي أثارها لا بد من إبطالها وكشف ضلالها.

لقد قام المؤلف، مؤلف كتاب فصل الخطاب، بكشف الغطاء عن عقيدة الشيعة الاثني عشرية في تحريف القرآن، وجمع ما تفرق من أخبارهم فيها، ونقل تصريحات شيوخهم بتواترها، وأنها تزيد على 1000 حديث، واتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريفه والتواطؤ على ذلك، ولم يستثن من ذلك سوى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

وهذا الاستثناء صوري، إذ إن لازم قوله تواطؤ الجميع، لأن القرآن الذي عند علي، والسالم من التحريف بزعمهم، لم يظهره علي ولا أبان خلافته. يعني هم بيقولوا: الصحابة حرفوا القرآن ما عدا عليًا رضي الله تعالى عنه، ففي الحقيقة التواطؤ - على حسب عقيدتهم هم - من جميع الصحابة، ولا يستثنى علي. لماذا؟ لأن عليًا نفسه هم يزعمون أن كان عنده المصحف الكامل لكنه أخفاه، وهذا أيضًا صورة من صور التواطؤ على أخطر إساءة إلى الإسلام، بالطعن في كتابه، أو تخبئة القرآن الحقيقي في زعمهم. فهذا السب يشمل أيضًا أمير المؤمنين، بل إن عليًا لم يعلن هذا الكتاب حتى لما صار هو أمير المؤمنين، وهي أعلى حالات التمكين، أن يصير خليفة وأميرًا للمؤمنين، ففعلاً لو كان معه قرآن لأخرج القرآن الحقيقي، لأنه ممكن.

ثم قدم من كتبهم 62 رواية، معظمها تقول في آيات من كتاب الله إنها خطأ، ويصوب هذا الخطأ - والعياذ بالله - من كتبهم الأسطورية، فيرد ما أجمعت عليه الأمة، ويرتضي ما قاله حثالة من الأفاكين. كما لم يجبن الطبرسي عن ذكر بعض سور كاملة تتناقلها الدوائر الشيعية، وليس لها ذكر في المصحف الشريف، وعلامة الكذب والافتراء واضحة بينة في نصها ومعناها، لا يخفى ذلك إلا على أعجمي جاهل، ولا يروجها إلا زنديق مغرض.

بل إن الطبرسي أيضًا شنع وهاجم من ينكر التحريف من طائفة الاثني عشرية. إزاي ينكروا هذه الحقيقة؟ وبين أن إنكار القدماء كان تقية، وأن من أنكر أخبار التحريف يلزمه رد أخبار الإمامة، لما بينهما من تلازم.

هذا الكتاب الذي حوى هذا الكفر طبع في إيران سنة 1298، وما إن خرج حتى انزعج كثير من الشيعة لظهوره. وصف أحد شيوخهم ذلك فقال: فلا تدخل مجلسًا في الحوزة العلمية إلا وتسمع الضجة والعجة ضد ذلك الكتاب ومؤلفه وناشره، يسلقونه بألسنة حداد.

ويرى الأستاذ الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله تعالى أن سبب الضجة أنهم يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن بين خاصتهم، ومتفرقًا في مئات الكتب المعتبرة عندهم، ودي حقيقة، إن روايات التحريف متفرقة سواء في الكافي أو غيره، لكن هذه أول مرة واحد يجمع كل هذه الحثالة الكفرية من الأفكار في كتاب واحد، ويدافع عنها على أنها قضية حق، فلذلك انزعج الشيعة جدًا.

الشيخ محب الخطيب يرى أن ده بسبب معين، يقول: سبب الضجة أنهم يريدون أن يبقى التشكيك في صحة القرآن بين خاصتهم، ومتفرقًا في مئات الكتب المعتبرة عندهم، وأن لا يجمع ذلك كله في كتاب واحد تطبع منه الآلاف من النسخ، ويطلع عليه خصومهم، فيكون حجة عليهم ماثلة أمام أنظار الجميع.

ويقول: ولما أبدى عقلاؤهم هذه الملاحظة خالفهم فيها مؤلفه، وألف كتابًا آخر سماه: رد بعض الشبهات عن فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب.

وإذا كان غلاة الشيعة يحاولون التستر على هذه الفضيحة في معظم الأحيان بحكم عقيدة التقية التي أصبحت لهم حصنًا وملاذًا، وأن تلك الضجة التي حدثت قد شارك فيها من يذهب إلى هذا الكفر، ويرى وجوب التستر عليه صيانة لسمعة قومه ومذهبه، ووقاية لدينهم من فضيحة تزلزل كيانهم، وتمنع انتشار عقيدتهم، فالدكتور القفاري يقول: إنني لا أجزم - كالأستاذ محب الدين - في تعميم هذا الحكم على كل الشيعة، بل إن هناك فئة من الشيعة لا تزال تنكر هذا الكفر، وتتبرأ منه، وقد كتبوا ردودًا على كتاب فصل الخطاب من هذا المنطلق فيما يظهر.

شيخهم آغا محمد حسين المرعشي له كتاب، رسالة في حفظ الكتاب الشريف من شبهة القول بالتحريف، رد فيه على كتاب فصل الخطاب.

أيضًا من خلال كتاب فصل الخطاب، هو يرد على من ينكر هذه الفرية من قومه، معناه أن في ناس داخل الشيعة كانت بتنكر. فالنوري الطبرسي في كتاب فصل الخطاب عشان يرد على مين؟ على طائفة من الشيعة تنكر حدوث التحريف. فطبعًا ده يثبت إيه؟ يثبت أن في فئة بالفعل ترفض القول بهذا الكفر، يعني. ومن يقرأ الكتاب يرى أنه ألف لإقناع من خالف هذا الكفر من الشيعة.

فالشيخ محب الدين الخطيب يرى أن كل المشكلة ليست في قضية التحريف، كل المشكلة أنها المفروض تبقى سرية، ولا يجهر بها بهذه الطريقة.

نتجاوز هذه الجزئية وننتقل إلى عرض الكتاب نفسه.

فهذا الكتاب رتبه مؤلفه - عليه من الله ما يستحقه - على ثلاث مقدمات وبابين. المقدمة الأولى نقل مجموعة من أخبارهم التي تتحدث عن جمع القرآن الكريم حسب تصور هؤلاء الزنادقة، كرواية ثقة دينهم التي تقول: ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كله كما أنزل إلا كذاب، وما جمعه وحفظه كما أنزله الله إلا علي بن أبي طالب والأئمة من بعده.

هذا مبني على مذهب الشيعة في القول بعصمة رجل واحد، هو علي، وضلال الأمة بأجمعها، وهو من آثار البيئة الفارسية التي تحيط ملوكها بهالة من التقديس. وما أسخف عقلًا أن يرد ما أجمعت عليه الصحابة كلهم، ويدعي أنه لا ثقة إلا بنقل واحد منهم، مع أن هذه الدعوى - دعوى أن عليًا فقط هو الذي معه القرآن - لا وجود لها إلا في خيالات هؤلاء الزنادقة، فلم يعرف علي رضي الله عنه والأمة كلها إلا هذا القرآن الكريم.

ثم يواصل نقله عن قرآن علي الذي لم ينقص منه حرف كما يزعمون، فينقل مجموعة من روايتهم، ينتهي القارئ لها إلى أن العقل الشيعي من أسرع العقول إلى تصديق الخرافة، فهو يؤمن بكتاب لا وجود له إلا في أساطيرهم، ويكفر بقرآن أجمعت عليه الأمة بما فيهم الأئمة.

تتحدث هذه الأساطير عن جمع علي للقرآن وعرضه على الصحابة ورد الصحابة له، فيورد من هذه الروايات خبر الشيعي الذي التقى بمنتظرهم. حصل إن هو قابل المهدي المنتظر الذي لم يولد أصلًا، لم يولد أصلًا، فقابله بقى واتكلموا مع بعض. فمن المنتظر بقى في هذه القصة يقول له: لما انتقل سيد البشر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وآله من دار الفناء، وفعل صنما قريش ما فعل. وفعل صنما قريش ما فعل، يقصدون بذلك أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وفعل صنما قريش ما فعل من نصب الخلافة، جمع أمير المؤمنين رضي الله عنه هذا القرآن كله، ووضعه في إزار، وأتى به إليهم وهم في المسجد، فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه، أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أعرضه عليكم لقيام الحجة عليكم يوم العرض بين يدي الله تعالى. فقال له فرعون هذه الأمة ونمروذها، ويعني بذلك أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، الذي لم يرتكب جريمة أعظم من أنه فتح بلاد فارس، وأطفأ نيران المجوسية، وكسر ظهر الكسروية. فمن ثم يبغضون عمر أكثر من أي أحد آخر من الصحابة. لماذا الحقد على عمر؟ لأنه هو الذي قضى على دولتهم المجوسية، وفتح بلاد فارس، ونشر الإسلام فيها.

يقول بقى: المهدي الخرافة ده لما قابل الراجل ده في الصحراء بقى، أو قابله فين؟ في السرداب، فبيحكي له القصة اللي حصلت، فقال: فقال له فرعون هذه الأمة - والعياذ بالله - ونمروذها: لسنا محتاجين إلى قرآنك. لسنا محتاجين إلى قرآنك. فقال له: أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم بقولك هذا. أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله، بقولك هذا، وأنما أردت بذلك إلقاء الحجة عليك. يعني كان الرسول عليه وسلم قال له: أنت لما تروح لهم بالمصحف ده، هيرد عليك عمر ويقول لك: مش محتاجين لنا قرآنك ده، فأنا كنت عارف، الرسول كان قائلًا لي إنك هتعمل معاه كده، بس أنا ألقي الحجة عليك. فرجع أمير المؤمنين إلى منزله، فنادى ابن أبي قحافة، يعني أبا بكر رضي الله عنه، بالمسلمين، وقال لهم: كل من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها. فجاءه أبو عبيدة بن الجراح، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدري، وحسان بن ثابت، وجماعات المسلمين، وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت عنهم بعد وفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله. فجابوا المؤامرة دي بقى، وأي آية تتعرض للصحابة، وتذمهم، وتكشف مؤامراتهم ضد الإسلام وكذا وكذا، حذفوها من القرآن الكريم.

بيتكلم كأنهم بيتكلموا على عصابة قطاع طرق، أو ناس مجرمين، قاتلهم الله، أو يعني قتل من ألف هذه الرواية، لأن المهدي ده ما تولدش أصلًا، المهدي بتاعهم ده خرافة، لم يقم دليل على أن حد شافه أصلًا. يقول: قاتله الله.

فلذا ترى الآيات غير مرتبطة - والعياذ بالله - بسبب أن في آيات اتشالت من النص. والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين بخطه محفوظ عند صاحب الأمر عجل الله فرجه، وفيه كل شيء حتى أرش الخدش، وأما هذا القرآن فلا شك ولا شبهة في صحته، وأنه من كلام الله سبحانه. هكذا صدر عن صاحب الأمر. انتهى نقله من كتاب فصل الخطاب.

فهو جاب القصة دي للطعن في الصحابة رضي الله عنهم. معظم حكاياتهم تدور على ما جاء في هذه القصة، فالمسألة نابعة أصلًا من حقد هذه الفئة على صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبغضها للدين الذي يحملونه. فانت ترى أن الحديث عن مثالب الصحابة، إن كان في آيات بتشتم الصحابة وتذمهم وكذا وكذا، فبالتالي هم تآمروا - والعياذ بالله - وحذفوا هذه الآيات من القرآن الكريم.

فانت ترى أن الحديث عن مثالب الصحابة، وأن من جمع القرآن بزعمهم قد أسقطها، فأباح هؤلاء بالسر المكنون، وكشفوا المستور، وما تخفي قلوبهم أعظم.

ثم إذا رفض الصحابة القرآن كما يزعمون، فلِمَ يحجب عن الأجيال والقرون التي بعدهم؟ لو في قرآن بقى، طيب كيف الأجيال البشرية دي كلها، يعني كم قرن الآن، ولم يطلع طالع الأمة على القرآن الحقيقي الذي فيه هداية البشرية، وليس المسلمين فحسب؟ فلِمَ يحجب عن الأجيال والقرون التي بعدهم؟ وإذا قامت الحجة على الصحابة، فإنها لم تقم على من بعدهم. وكيف لم يقم علي الحجة، وهو في قوة سلطانه أبان خلافته؟ طيب لما علي معاه مصحف بقى، المصحف الحقيقي، لماذا لم يظهره في أثناء خلافته؟

إن أساطيرهم تنقض نفسها بنفسها. وإذا امتنع الصحابة عن قبوله كما يزعمون، أليس في الأمة من يقبل عبر مراحل القرون كلها، وفيهم من صحب الأئمة والتقى بالمنتظر، وقامت للشيعة دول وسلطان، فلماذا يحجب عنهم، ويظل مع الغائب في سردابه؟ ألا يؤكد هذا لكل عاقل خرافة هذه الدعوى، بغض النظر عن جميع الأدلة الأخرى؟

بل إن صاحب فصل الخطاب ينقل في هذه المقدمة أخبارًا تقول إن عليًا امتنع عن تسليم القرآن الذي جمعه للصحابة حينما طلبوا منه ذلك. يعني بينقل في مقدمة كتابه رواية بتقول إن عليًا، الصحابة أتوه وقالوا له يعني: طب هات بقى، احنا مش هناخد بالكلام... لما قال له في زعمهم: لا حاجة لنا بقرآنك هذا، إن في الصحابة راحوا بقى لعلي بعد كده قالوا: لا، هات لنا المصحف اللي عندك. فرد عليهم قال لهم: إنه لا يمسه إلا المطهرون، وإن المطهرين هم الأئمة الاثنا عشر. لا يمسه إلا المطهرون، والمطهرون هم الأئمة الاثنا عشر. هذه قاصمة الظهر. فعلي كما يفترون هو الذي رفض إبلاغ القرآن، وادعى أنه خاص به وبولده، مش بقى أنزله الله للناس كافة، لا، ده لمين؟ لعلي وولده، اللي هم الأئمة. وهذا لا يقول به أحد من المسلمين، فضلًا عن أمير المؤمنين. فهو كلام المقصود به الإساءة إلى أهل البيت والطعن فيهم.

ولذلك ذهبت بعض فرق الشيعة كالكاملية إلى تكفير أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه. هذه الآثار التي جمعتها كتب الاثني عشرية تؤدي إلى هذا المذهب، فهم يشايعون الشيطان ولا يشايعون أمير المؤمنين، ومن ينزه أمير المؤمنين من هذه الأباطيل وأمثالها هم شيعته وأنصاره على الحقيقة، وهم أهل السنة وأهل الإسلام.

هذه هي المقدمة الأولى. أنركز على الأسطورة الخرافية التي ذكرناها.

أما المقدمة الثانية عنده فتتضمن صور التحريف التي يزعم وقوعها في كتاب الله سبحانه وتعالى أو امتناعها، فعرض مجموعة من الصور التي أوحاها له شيطانه في السورة والآية والكلمة والحرف.

قرر أن زيادة السورة وتبديلها بأخرى أمر ممتنع، لأن الله يقول: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله. فهو يقول بأن القرآن الذي بين أيدي المسلمين لا زيادة فيه أصلًا، لأن البشر عاجزون عن الإتيان بسورة من مثله، ولكنه ينقض هذا حينما يزعم أن نقصان السورة جائز، زي سورة الولاية. فهو بهذا يزعم أن في كتاب الله نقصًا، ويمثل لذلك بسورة الولاية، ولا شك أن هذه الدعوى تتضمن زيادة سورة على كتاب الله، وهو قد قرر امتناعها.

ثم إن هذه السورة المفترى يشهد نصها على كذبها، وقد كشف ذلك بعض شيوخ الشيعة أنفسهم، وهي عبارة عن نص ملفق وتركيب متهافت ومعنى ساقط، يتضح من خلاله أن واضعه أعجمي جاهل، كما سيأتي.

يقول أيضًا صاحب فصل الخطاب: إن زيادة آيات على القرآن أو تبديل آيات بأخرى هو أيضًا منتفٍ بالإجماع. ثم يناقض ذلك بزعمه أن نقصان الآية غير ممتنع.

أما زيادة كلمة في القرآن، فيرى على ضوء أساطيرهم أنها ممكنة. ممكن واحد يزود كلمة، ويمثل لذلك بقوله: يسألونك عن الأنفال، فيقول إن كلمة عن دي زيادة، هي: يسألونك الأنفال. فهو يفترى أن في القرآن زيادة كلمة عن، وغرض الرافضة في هذا الزعم أن الأنفال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي للأئمة الاثني عشر المعصومين من بعده، والصحابة إنما كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها على سبيل الصدقة، ولم يكن سؤالهم عن حكمها، وهذا لا يتأتى للرافضة إلا بحذف كلمة عن.

ثم يقول: نقصان الكلمة وهو كثير في علي. يعني من أمثلة نقصان كلمة من القرآن: اسم علي نفسه جاء كثيرًا قوي في القرآن، والصحابة شالوه. أي إن اسم علي ورد بزعمهم في القرآن، وحذفه الصحابة. وهذه دعوى لإسكات أتباعهم الذين داهمهم الشك في مذهبهم الذي لا شاهد له من كتاب.

وهذا أحد الأساليب القريبة التي دفعت الرافضة للقول بهذه الفرية. أما الأسباب البعيدة وجذور هذه المقالة فهي هدم التشيع أصلًا، وإبعاد الشيعة عن الإسلام كليًا.

يذكر بعد ذلك من صور التغيير المدعى في كتاب الله: تبديل كلمات. يقرر على هدى من خرافاتهم وقوعه، فيقول: كتبديل آل محمد في قوله تعالى: إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم. فطبعًا بيقولوا إن آل إبراهيم لا، ده هي في القرآن الحقيقي: وآل محمد عليه الصلاة والسلام. وواضح غرض الشيعة من ذلك، فهي تبحث بأي وسيلة عما يثبت ذكر أئمتهم في كتاب الله، إذ كيف يذكر آل عمران ولا يذكر أئمتهم؟

ثم يتحدث عن الحرف، فيرى بمقتضى أساطيرهم أن زيادته ونقصانه أمر ممكن وواقع. فيقول: نقصان الحرف، كنقصان همزة من قوله تعالى: كنتم خير أمة. هنا الصحابة شالوا حرفًا. كنتم خير... هي أصلها كانت إيه؟ والعياذ بالله: كنتم خير أئمة. لأن اللي بيصيبهم بالجنون، الذي يصيبهم بالجنون أن قطب رحى دينهم الأعظم، اللي هو أساس الدين وركن من أركان الدين، موضوع الإمامة، وكل الدنيا يرونها من خلال منظار على عيونهم اسمه الإمامة، والكفر بإمام واحد ككفر منكر أحد الأنبياء، وكل الكلام الذي ذكرناه بالتفصيل في قضية الغلو في الإمامة. بهذه الصورة دائمًا أهل السنة يخرسونهم ويخجلونهم بأن: كيف الإمامة تصل لهذا الحد من العظمة والأهمية، ثم لا يوجد لها ذكر واحد، يعني نص واحد في القرآن الكريم؟ فبالتالي فزعوا إلى دعوى التحريف ليثبتوا: لا، ده كان فيه، بس الصحابة حذفوه. فهذا اللي بيحرجهم، لأن معظم عقائدهم - كما نرى - اللي هي من ضروريات المذهب، لا يوجد عليها دليل إطلاقًا، ولم يتعرض لها القرآن الكريم. فإيه الحل؟ إفساد اللفظ بدعوى التحريف، أو إفساد المعاني بالتحريفات أو التفسيرات الباطنية، كما ذكرنا ذلك من قبل مرارًا.

فعندهم بقى: كنتم خير أمة وخيرة الناس؟ لا، دي: كنتم خير أئمة.

أيضًا: ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابًا. هنا بيقول لك: حذفوا حرفًا، وهو الياء. يا ليتني كنت ترابيًا، لأن أمير المؤمنين كان يكنى أبا تراب، كناه النبي صلى الله عليه وسلم أبا تراب، فيا ليتني كنت ترابيًا، يعني متشيعًا لعلي رضي الله عنه. ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابيًا. هذا مثال من حذف الحرف، والعياذ بالله.

الهدف من خلال هذا الافتراء مكشوف. فأمة محمد في قاموس هؤلاء القوم الذين أكل الحقد قلوبهم عليها، لأنها فتحت ديارهم، وأسقطت عروشهم، ونشرت الإسلام بينهم، هذه الأمة في اعتقادهم ملعونة ضالة ظالمة، ويؤلبهم أن يثني الله سبحانه وتعالى عليها، فحاولوا أن يجعلوا الثناء خاصًا بالاثني عشر الذين لم يورد آخرهم أصلًا. فقالوا إنها ليست الأمة بل الأئمة، يعني منهم إيه؟ حتى يحرموا الأمة من هذه الفضيلة العظمى: كنتم خير أمة أخرجت للناس، ثناء من الله سبحانه وتعالى على الصحابة، خير أمة أخرجت للناس، لأن كنتم عنها: أنتم، كنتم أي أنتم خير أمة أخرجت للناس، رضي الله تعالى عنهم. فهذا شرف عظيم. فهو من جهة يحرمون الصحابة من هذا الثناء الإلهي عليهم، واضح، وفي نفس الوقت يضفون هذا الغلو على أئمتهم الاثني عشر.

كذلك أرادوا من افترائهم بزيادة الياء في قوله: يا ليتني كنت ترابًا، أي ترابيًا، الهدف النسبة إلى علي الذي كان يكنى بأبي تراب، وأن الكافر يقول: يا ليتني كنت ترابيًا، أي من شيعة علي رضي الله عنه. طيب ما قالش ليه: يا ليتني كنت محمديًا؟ طيب اشمعنى بقى ترابيًا؟

فيقول: وما أدري، لِمَ لا يتمنى أن يكون من شيعة محمد؟ وهل علي أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم؟ إلى آخر هذا الذي عاد على الشيعة بأسوأ العواقب، وأورثها العار إلى الأبد.

أما المقدمة الثالثة في كتاب هذا الخبيث فقد عقدها لذكر أقوال شيوخ طائفته في تغيير القرآن وعدمه. إيه كلام بقى شيوخ الطائفة الشيعية؟ يقول: اعلم أن لهم في ذلك أقوالًا، مشهورها اثنان. الأول: وقوع التغيير والنقصان فيه. يعني ده شاهد من أهلها. هذا الطبرسي من داخل الشيعة بيحكي أن في خلافًا في دين الشيعة، أو في علماء الشيعة وشيوخهم، حول قضية - والعياذ بالله - تحريف القرآن الكريم، فكأنها قضية خلافية في الطهارة أو في المياه أو في الصلاة، حاجة كده فرعية فيها خلاف. فيقول: اعلم أن لهم في ذلك أقوالًا، مشهورها اثنان: الأول وقوع التغيير والنقصان فيه. ثم ذكر من قال به من شيوخهم: كالقمي في تفسيره، والكليني في الكافي، وهما - كما قال - ممن غلا وأكثر من الرواية في هذا المذهب. ومثل المجلسي في مرآة العقول، والصفار في بصائر الدرجات، والنعماني في الغيبة، والعياشي، وفرات الكوفي في تفسيريهما، ومفيدهم في المسائل السروية، ومحدثهم البحراني في الدرر النجفية.

وأخذ على هذا المنوال يعدد من مشاهير علماء مذهبه ممن قال بهذه الأسطورة، مع تفخيم الألقاب، أو نعت بعضهم بأنه ممن لم يعثر له على زلة، مع أنه يكفيه مقالته هذه إغراقًا في الضلال، وزلة إلى الكفر. يعني لم يعثر له على زلة، من شدة الاستقامة ما حدش أمسك عليه زلة واحدة! هو بعد الكفر في زلة؟ هو بيطعن في القرآن! يبقى زلة دي يعني؟ ماذا نقول لهؤلاء الناس، بيمدحوا الناس اللي علماؤهم دول؟ هذا الخبيث صاحب فصل الخطاب بيمدح اللي قالوا بالروايات، اللي أخذوا المذهب أن القرآن حصل فيه تحريف، بالاستقامة، فيقول: لم يعثر له على زلة. طب والمصيبة الكبرى؟ الكفر، هذا الإلحاد، الطعن في كتاب الله؟ لا، مش زلة؟ اللهم صع.

يقول: فذكر أسماء شيوخهم وكتبهم في هذا الكفر، واستشهد ببعض كلماتهم التي كشفت حقيقة التشيع في عصوره المتأخرة، كنقله لقول شيخهم أبي الحسن الشريف صاحب مرآة الأنوار، والذي ذكر فيه أن هذه المقالة من ضروريات مذهب التشيع. من ضروريات مذهب التشيع: القول بالتحريف.

ثم قال: الثاني، المذهب الثاني بقى، أو الرأي الثاني في داخل دين الشيعة: عدم وقوع التغيير والنقصان فيه، وأن جميع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين. وإليه ذهب الصدوق في عقائده، والسيد المرتضى، وشيخ الطائفة في التبيان، ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة، والظاهر أنه أراد منهم الصدوق وأتباعه.

ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما استثناه. طبعًا يريد أن يعني هو هنا بيحاول يجعل الشيعة في الأصل هم يقولون بالتحريف، والناس اللي قالوا: لا ما فيش تحريف، دي فئة طارئة بعد ذلك، وإلا فإن قدماء شيوخ المذهب كانوا بعيدين عن هذا الكفر؟ لا، كانوا واقعين فيه.

ثم ذكر بعض كلمات المنكرين للتحريف، وناقش إنكارهم، ليصل إلى أن الإنكار ليس على حقيقته، بل هو من باب الخداع لأهل السنة. يبقى اللي بينكره بينكره كعملية إيه؟ تقية. ها، تقية.

في الباب الأول يعرض ما يسميه بالأدلة التي استدلوا بها. هو هنا بقى عايز يثبت إيه؟ يثبت أن أصل دين التشيع، وقدماء شيوخ التشيع من قديم، كلهم متفقون على وقوع التحريف والعياذ بالله. ثم نشأت بعد ذلك فئة من الناس تبدأ تقول بعدم التحريف. ثم أيضًا ينقل أن الإنكار ده عملية تكتيكية، مش استراتيجية، تكتيك بمعنى أن دي لخداع أهل السنة، ولممارسة التقية، اللي هم الناس اللي بينكروا وقوع التحريف يعني.

فذكر 12 شبهة، بعدد الأئمة 12 شبهة.

الأولى قال الملحد: الدليل الأول أن اليهود والنصارى غيروا وحرفوا كتاب نبيهم بعده، فهذه الأمة أيضًا لا بد وأن يغيروا القرآن بعد نبينا صلى الله عليه وآله، لأن كل ما وقع في بني إسرائيل لا بد وأن يقع في هذه الأمة، على ما أخبر به الصادق المصدوق صلوات الله عليه. ده أول إيه؟ قضية كفر بواح.

الوجه هنا بيجيب الشبهة، ويتولى الدكتور القفاري الرد عليها، فيقول: الجواب عن هذه الشبهة من وجوه:

الأول: سلمنا أن كل ما وقع في بني إسرائيل سيقع في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لكننا نقول: يخرج من هذا العموم ما دل الدليل على خروجه. إذا أتى دليل خاص يخصص هذا العموم، ويستثني أشياء لن تقع في الأمة كما وقعت في بني إسرائيل، يبقى المفروض ناخذ بالخاص. وتحريف القرآن مستثنى من هذا العموم بنص القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. وهل هناك أقوى من أن يخص عموم حديث بنص من القرآن؟ ده لو حتى الحديث ده صح عندكم، يبقى إيه؟ أقوى حاجة ممكن تخصص الحديث، في حاجة أقوى من القرآن؟ والقرآن يقول: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. فأين عقول هؤلاء القوم؟ ولهذا قال الباقلاني رحمه الله تعالى: أول جهلكم أنكم قطعتم بخبر واحد على أن القرآن غير وبدل، مع ردكم لما هو أقوى منه. يعني جايبين الحديث ده بتاع أن الأمة ستفعل كل ما فعلته بنو إسرائيل، أهو حديث آحاد، حتى لو قلنا صحيح، فهو آحاد، والقرآن متواتر وقطعي الثبوت. فيقول لهم الباقلاني: أول جهلكم أنكم قطعتم - ادعيتم أن خبر واحد يفيد القطع - على أن القرآن غير وبدل، مع ردكم لما هو أقوى منه، وهو قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

ثم إن الله سبحانه وتعالى قد استحفظ أهل الكتاب التوراة، واستودعهم إياها، فكان حفظ الكتب السابقة - بما استحفظوا من كتاب الله - كان تكليفًا شرعيًا إراديًا طلبيًا، تكليف من الله للبشر أن يحفظوا هذه الكتب، فما دام البشر هم الذين كلفوا، فالبشر بحكم طبيعتهم وتكوينهم ممكن يلتزمون بذلك، وممكن لا يلتزمون. فالذي وقع أن الأحبار والرهبان خانوا الأمانة، ولم يحافظوا على كتبهم. أما في القرآن الكريم، فحفظ القرآن الكريم ليس تشريعًا إراديًا طلبيًا فقط، لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بحفظه. صحيح حفظه بيكون بأسباب، في أسباب، لكن في كل الأحوال لن يبدل القرآن الكريم، ولن يغير منه حرف واحد. لماذا؟ بالضمان الإلهي. فلم يكل حفظ القرآن إلى البشر.

يقول: ثم إن الله سبحانه وتعالى قد استحفظ أهل الكتاب التوراة واستودعهم إياها، فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدًا، والقرآن الكريم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعُه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وقوله: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إلى غير ذلك من الآيات. لأن القرآن العظيم هو آخر الكتب، فلا كتاب بعده، والرسول صلى الله عليه وسلم هو آخر الرسل، فلا نبي بعده، وبموته انقطع الوحي، فمن رحمة الله بعباده أن حفظ كتابه ليبقى هداية للأمة ونورًا إلى يوم القيامة.

إذا هذا هو الوجه الأول في الرد على هؤلاء.

الوجه الثاني: أن زعمه أن كل ما وقع في بني إسرائيل لا بد أن يقع في هذه الأمة، هذه المقدمة غير مسلمة له على الإطلاق، فالنتيجة التي اعتمدها بناء على هذه المقدمة نتيجة كاذبة، لأنها مبنية على مقدمة ليست مسلمة له على إطلاقها. بدليل أن بني إسرائيل قتلوا أنبياءهم، ولم يتحقق ذلك في هذه الأمة. صحيح هناك فئة من المنافقين حاولوا أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فرق آخر. بنو إسرائيل عبدوا العجل، ولم يحصل من هذه الأمة أنها عبدت العجل. فتلك المقدمة ليست على إطلاقها، وتحريف القرآن أولى مما ذكرنا، لاستثنائه من هذا العموم بالنص كما بينا، وإن حاولت فئات من المنافقين الذين تستروا بالتشيع ذلك.

كذلك أمتنا تختلف عن بني إسرائيل، حيث لا تزال طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة. ولهذا لا يسلط الله عليهم عدوًا من غيرهم فيجتاحهم، كما ثبت هذا في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر أنه لا تزال طائفة من أمته ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة. وأخبر أنه سأل ربه ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله ألا يهلكهم بسنة عامة، فأعطاه ذلك، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم شديدًا، فمنعه ذلك.

ومن قبلنا من الأمم كان الخلف فيهم حتى لا تقوم بالحق منهم طائفة ظاهرة منصورة، ولهذا كان العدو يسلط عليهم فيجتاحهم، كما سلط على بني إسرائيل، وخرب بيت المقدس مرتين، ولم يبق لهم ملك. فإذا المقدمة التي ذكرها غير مسلمة على الإطلاق، بدليل هذه الفروق بين أمتنا وبين أمة بني إسرائيل. فدعوى أن كل ما حدث مع بني إسرائيل لا بد أن يحدث معنا، هذه غير مسلمة، نتيجة الفروق التي ذكرناها.

الوجه الثالث: لو سلمنا جدلًا أن القرآن لم يخرج من ذلك العموم بالنص المذكور، فإن التحريف هو ما تقوم به الشيعة من تحريف للمعنى، ومحاولة لتحريف اللفظ. وما قدمناه عنهم هو الدليل، لكنهم لم يحققوا أهدافهم، لأن الله هو الذي تكفل بحفظه بنص الآية السابقة.

يقول هنا في هذا الموضع: أملى علي الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم رحمه الله تعالى، وقال: وجه الشبه بين فعل الأمتين أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم - يعني هم بتقولوا إن الأمة دي هتشبه أمة بني إسرائيل - يعني هو إيه وجه الشبه؟ مش أن التحريف حصل بالفعل، لا، وجه الشبه أن اليهود حرفوا، وعندنا كمان من حرف، وهم مين؟ الشيعة، إما بتحريف المعاني، وإما بدعوى تحريف اللفظ.

يقول الدكتور رشاد سالم رحمه الله: وجه الشبه بين فعل الأمتين أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من حاول تحريف القرآن بالفعل، مثل الشيعة الرافضة، أو تأويله تأويلًا باطلًا متعسفًا كالجهمية، لكن النتيجة مختلفة. لأن في تشابه أن في ناس ينتسبون إلى الإسلام حاولوا التحريف، لكن النتيجة مختلفة وغير متشابهة. ففي الحالة الأولى - عند اليهود - يقول الدكتور: فقد تم التحريف بالفعل بأمة بني إسرائيل الذين كتموا التوراة وأخفوها، وأظهروا التوراة المحرفة، وكذلك فعل النصارى في إنجيلهم. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد تكفل الله سبحانه بحفظ كتابهم القرآن. يبقى إحنا بنلزمه هنا بنفس المنطق بتاعه: إن اللي حصل عندهم لازم يحصل عندنا، فنقول: فعلًا صدقت، وأنت كذوب. حصلت إرادة التحريف من اليهود، وحصلت إرادة التحريف من أشباه اليهود، وهم الرافضة، لكن النتيجة مختلفة وغير متشابهة. فعند اليهود، لأن كتابهم وكل بحفظه البشر فضيعوه، أما كتابنا فلم يؤثر التحريف فيه شيئًا، لأن الله عز وجل هو الذي تكفل بحفظه.

الشبهة الثانية قال الملحد: الدليل الثاني: أن كيفية جمع القرآن وتأليفه مستلزمة عادة لوقوع التغيير والتحريف فيه. الطريقة التي جمع بها القرآن بتستلزم يعني أن يترتب عليها وقوع التحريف. وقد أشار إلى ذلك العلامة المجلسي في مرآة العقول حيث قال: والعقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقًا منتشرًا عند الناس، وتصدى غير المعصوم لجمعه... شوف الخبث بقى: وتصدى غير المعصوم لجمعه يمتنع أن يكون جمعه كاملًا موافقًا للواقع.

والجواب: إن هذه الشبهة مبنية على العقلية الإمامية التي تحتِّم على جميع الأمة إذا أجمعت الخطأ. يعني لو كل الأمة أجمعت على شيء، فإنها تظل - بعكس ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله لن يجمع أمتي على ضلالة - الأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، فهم يقولون: لا، لو الأمة كلها أجمعت، وليس فيهم واحد معصوم من الأئمة الاثني عشر، فهم على ضلال، ولا قيمة إطلاقًا لهذا الإجماع، ثم تجعل رأي واحد منها، والواحد ده اللي هو شخص عادي يعني، ليس بنبي، هو الصواب.

ولذلك يقول الخبيث هنا: والعقل يحكم بأنه إذا كان القرآن متفرقًا منتشرًا عند الناس، وتصدى غير المعصوم لجمعه. الأمة كلها، الصحابة كلهم، مش معصومين، المعصوم بس هو مين؟ علي رضي الله عنه في زعمه. وهو رأي منقوض وباطل كما أسلفنا في الحديث عن العصمة، وما بني على باطل فهو باطل.

صياغته لهذه الشبهة تدل على أن كثيرًا من شيوخ الإمامية قوم بهت، يكذبون بالحقائق الواضحات، ويصدقون بالأكاذيب والخرافات. فجمع القرآن جاء على أدق الطرق، وأوثقها ضبطًا وإتقانًا، لأن القرآن الكريم أساسًا تم جمعه في الصدور، القرآن الكريم في صدور الصحابة، الحفظ المتقن جدًا للقرآن الكريم. واضح. والحفظ في السطور هو اللي كان متفرق، لكن حفظه في الصدور هذا شيء معروف، قدرة العرب الخارقة على الحفظ.

فجمع القرآن جاء على أدق الطرق، وأوثقها ضبطًا وإتقانًا. فكتبة الوحي يكتبون، والحفظة يحفظون، والأمة بأكملها تردد آيات القرآن في صلواتها وحلقاتها، كلما نزل شيء من القرآن الكريم هبوا لحفظه وكتابته وتعلمه والعمل به. فالممتنع هو أن يزاد في القرآن حرف أو ينقص منه حرف آخر، ولذا أجمعت الأمة على ذلك، والإجماع معصوم. فلنحكم عقولنا.

ما جاءت هذه الدعوى إلا من طائفة الاثني عشرية من بين فرق الشيعة كلها، وهي تتحدث عن قرآن جمعه علي هو الكامل في نظرها، وترفض ما أجمعت عليه المسلمون. فأيهما نصدق؟ أبالقرآن أم بكتاب غائب لم ير ولم يعرف، معلق خروجه على منتظر موهوم، تولى جمعه - باعترافهم - فرد واحد؟

أخرج لنا الشيعة منه آيات يستحيل أن تكون من كلام رب العزة جل علاه، لسقوطها عن أداء الإنسان العادي، فكيف بكلام رب العالمين المعجز؟ ورأينا من تنسب الشيعة إليه هذا الكتاب المزعوم يتعبد ويقرأ بالقرآن الذي بأيدي المسلمين، والشيعة تفتري عليه بأن ذلك منه تقية. فهل تجوز التقية في مثل هذا الذي يترتب عليه ضياع الدين وضلال الأجيال؟ إنها مقالة تنطق الشواهد بكذبها، وهي من تقدير الله سبحانه لينكشف أمر هذه الطائفة للمسلمين جميعًا، بعد ما عاشت بينهم بالتقية قرونًا متطاولة.

ثم إن من المعلوم أن جمع الأمة للقرآن في زمن الصديق وأمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنهما قد تم بإجماع الصحابة، وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على رأس الكتبة، وأغلب القراءات المتداولة ترجع بالسند المتواتر إليه، باعتراف الشيعة نفسها كما سلف نقل ذلك عنهم، وليس في الطرق إلى علي ما يخالف قرآن الأمة. وقد أثنى أمير المؤمنين على الصديق وعلى ذي النورين فيما قام به من أمر المصحف.

فهل تنكر ضوء الشمس ليس دونها سحاب، وتصدق أساطير نقلها شرذمة من أعداء الأمة والدين؟ ومن أضل ممن يدعو أتباعه للإعراض عن كتاب الله، وانتظار كتاب موهوم مفترى عند إمام مخترع، أو هارب في سردابه منذ أكثر من 1000 عام؟ وكيف تقوم الحجة على العباد بمثل هذا الكتاب الموهوم، والشيعة لا علم لها بهذا المصحف، ولا صلة لها به؟ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون.

الشبهة الثالثة قال الملحد: إن أكثر العامة وجماعة من الخاصة ذكروا في أقسام الآيات المنسوخة ما نسخت تلاوتها دون حكمها، وما نسخت تلاوتها وحكمها معًا، وذكروا للقسمين أمثلة. خلاصة الكلام أنه يحاول يستدل بموضوع النسخ على قضية التحريف.

الجواب باختصار شديد هو إيه؟ أن النسخ من الله، والتحريف من البشر، فما تحتج بقضية النسخ. لا شك أن حجته داحرة، لأن النسخ من الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، أما التحريف فمن فعل البشر، وشتان بين هذا وذاك. ولذلك وجد من شيوخ الشيعة الكثير ممن يذهب إلى هذا المذهب الباطل بمقتضى دلالة أساطيرهم، ولم يوجد أحد من علماء السنة يقول بهذه الفرية، فالنسخ شيء آخر غيرها.

فهم بيستدلوا بوقوع النسخ على وقوع التحريف. النسخ من الله، أما التحريف فهو من فعل البشر. إن هذه الأسطورة لا مكان لها أصلًا عند المسلمين. ولذلك نجد الحديث عن الانحراف فيما يتصل بالقرآن عند أهل السنة في مسألة خلق القرآن، وما شبه ذلك من الأقوال الباطلة التي وجدت في محيط السنة العامة. يعني لقينا قضية خلق القرآن أهي صورة من صور الانحراف متعلقة بالاعتقاد في القرآن الكريم، لكن حتى اللي قالوا بخلق القرآن ما قالوش إنه محرف، قالوا هو كلام الله مخلوق والعياذ بالله، واضح، لكن لم يرد إطلاقًا أن حد يدعي قضية التحريف. فكيف يجعل النسخ كالقول بالتحريف؟ إن ذلك إلا ضلال مبين وكيد متعمد.

لأن غاية ما تدل عليه تلك الآثار أن ذلك كان قرآنًا ثم رفع في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ووحي ينزل، ولهذا وضعت في باب النسخ من مباحث علوم القرآن عند أهل السنة، ولم يكن يخطر ببال أحد منهم أن ذلك يدل على تحريف المنزل. بخلاف أخبار هذه الأسطورة عند الاثني عشرية، التي تنسب التحريف إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، لأنها تصدق خبر شرذمة من الأفاكين، وتكذب بالضرورات والأخبار المتواترات، وشهادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لهم.

والصحابة رضي الله تعالى عنهم عند أهل السنة هم أتقى وأخشى لله من أن يفعلوا شيئًا من ذلك. ولو فرضنا جدلًا أنهم حاولوا فعل ذلك، لم يمكنهم الله سبحانه وتعالى، وإلا لزم الخلف في قوله، وهو محال. بل يستحيل أن يقع منهم شيء من ذلك، ولو على سبيل السهو، لأن الله هو الذي وعد بحفظه.

ونسخ التلاوة يقر به الروافض أنفسهم، وإن أنكره النوري الطبرسي لتأييد مذهبه الباطل، ونسب الإنكار للشيعة كلها. فدائمًا يحاولون أن يدعوا أن أهل السنة كمان قالوا بالتحريف، ويروحوا جايبين النصوص التي فيها الكلام على قضية نسخ التلاوة بالذات، على أساس أن دي تؤيد أن أهل السنة كمان عندهم ناس بيقولوا بالتحريف، شاعرين بالوحشة، فبالتالي يحاولون أن يأتنسوا بالكذب على أهل السنة. وقد بينا بوضوح أن النسخ من فعل الله، أما التحريف فهو من فعل البشر، فقضيتان مختلفتان.

الشبهة الرابعة قال الملحد: الدليل الرابع: أنه كان لأمير المؤمنين قرآن مخصوص. طبعًا هذا لحن لغوي: قرآن مخصوص، مخالف الموجود بالترتيب، وفيه زيادة ليست من الأحاديث القدسية ولا من التفسير والتأويل.

الجواب: لو كان لأمير المؤمنين مصحف لأخرجه للمسلمين، ولم يسعه كتمانه. وإذا لم يستطع ذلك في خلافة من سبقه - على حد زعمهم، إن كان تقية بقى وخايف في عهد أبي بكر وعمر وعثمان - فإنه يستطيع إخراجه أبان خلافته، وكتمان ذلك كفر وضلال، حاشى أمير المؤمنين. فمن ألصق ذلك بأمير المؤمنين فهو ليس من شيعته، بل هو من عدوه. هذا عدو لعلي رضي الله عنه، بينسب له الكفر، إن يبقى القرآن الحقيقي عنده، ويبقى هو خليفة مُمكَّن، ولا يظهر القرآن الحقيقي؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. فطبعًا معناه أنه ليس من شيعته، بل هذا عدو لأمير المؤمنين رضي الله عنه، لأنه يدعي أنه كتم إظهار الحق وبيانه خوفًا وجبنًا، وهو أسد الله وأسد رسوله، وكتمان أصل الدين وأساسه خروج عن الإسلام.

ولو لم يستطع علي إخراجه، لأخرجه الحسن أبان خلافته، ولكن الذي يشهد به الجميع، وحتى الروافض، أن عليًا لم يقرأ في صلاته ويحكم في خلافته إلا بهذا القرآن، وكذلك سائر علماء أهل البيت، وهذا يبطل كل دعاوى الرافضة الذين أقلق مضاجعهم، وأرق عيونهم، وفض جمعهم، وشتت أمرهم، خلو كتاب الإسلام العظيم مما يثبت شذوذهم. فادعوا قرآنًا غائبًا لما لم يجدوا في كتاب المسلمين ضالتهم، كما ادعوا إمامًا غائبًا لما مات إمامهم من غير عقب.

إن هذا الذي ذكرناه يبطل دعوى الرافضة الذين أقلق مضاجعهم، وأرق عيونهم، وفض جمعهم، وشتت أمرهم، خلو كتاب الإسلام العظيم مما يثبت شذوذهم. القرآن الكريم خالٍ تمامًا من الخرافات والأباطيل كالإمامة وكذا وكذا من هذه الخزعبلات والأساطير. فالحل إيه؟ ادعوا أن هناك قرآنًا غائبًا فيه آيات تدل على أساطيرهم وخرافاتهم، تمامًا كما فعلوا مع الأئمة لما مات إمامهم الحادي عشر بدون عقب، لم ينجب ولدًا، ها، ادعوا إمامًا غائبًا يحل محله، حتى تتحل المشكلة، وإلا دينهم كاد أن ينهار من أساسه.

وإذا كان لأمير المؤمنين مصحف، فهو أمر طبيعي، لا يدل على ما يذهب إليه هذا المجوسي، فهو كبعض الصحابة الذين اتخذوا لأنفسهم مصاحف خاصة كتبوها لهم، ولكنها لا تصل إلى مستوى المصحف الإمام الذي يكتبه كتبة الوحي بإشراف رسول الهدى صلى الله عليه وسلم. وإذا كان لعلي - كما يدعون - مصحف يخالف المصحف الإمام، فما يخالف المصحف الذي أجمع عليه المسلمون لا اعتداد به، لأن الإجماع معصوم، والعبرة بما أجمع عليه أهل الإسلام. ده طبعًا افتراض، مجرد افتراض، مع أن أمير المؤمنين كان على رأس المجمعين والجامعين، وثناؤه على أبي بكر وعثمان في ذلك مشهور.

قال الباقلاني: فإن قالوا: فإنما لم يغير ذلك ولم ينكره لأجل التقية، أن عليًا ما أنكرش على الصحابة وعلى أبي بكر وعثمان قضية جمع القرآن عشان التقية، قيل لهم: ومن كان أقوى منه جانبًا؟ مين كان عنده قوة ووضع قوي جدًا من علي؟ ومن كان أقوى منه جانبًا، وهو في بني هاشم، مع عظم قدره وشجاعته وامتناع جانبه؟ هذا غاية الامتناع والبطلان. هل يعقل أن عليًا يجبن عن أن يجهر بالمصحف الحقيقي الذي فيه هداية البشرية؟

ثم أشار إلى تناقض الروافض، حيث إن مقالتهم هذه في علي تنقض ما يزعمونه من شجاعته وصدعه بالحق وعدم سكوته عن باطل، وذكر بأن واقع أمير المؤمنين في خلافته ينفي مجرد تصور التقية في هذا الباب. يعني لما صار هو أميرًا للمؤمنين، أي تقية بقى؟ ها. فأي تقية بعد أن شهر سيفه وقاتل بصفين، ونصب الحرب بينه وبين مخالفيه فيما هو دون تغيير القرآن وتحريفه؟ هذا مما يعلم بطلانه، ويقطع على استحالته.

يعني علي رضي الله عنه شهر سيفه في سبيل جمع الأمة، ولما حصلت الفتنة بعد قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، طب أيهما أخطر؟ الاختلاف في القصاص من قتلة عثمان، ولا قضية الطعن في القرآن الكريم؟ أو أن القرآن الحقيقي غير موجود؟ ها. هل علي يجي في القرآن ويعمل تقية، ويظهر الموافقة للخلفاء، وهو في داخله يقر أن عنده مصحفًا آخر مخالفًا؟ هل التقية بحق علي بالذات، وهو أشجع الشجعان، ممكن عليه يفعل ذلك؟ كيف، وهو فيما هو أخف من قضية المصحف الشريف شهر سيفه وقتل مخالفيه كما حصل في موقعة الجمل وصفين؟

يقول: إن واقع أمير المؤمنين في خلافته ينفي مجرد تصور التقية في هذا الباب، فأي تقية بعد أن شهر سيفه وقاتل بصفين، ونصب الحرب بينه وبين مخالفيه بما هو دون تغيير القرآن وتحريفه؟ هذا مما يعلم بطلانه، ويقطع على استحالته.

الشبهة الخامسة قال الملحد: الخامس: إنه كان لعبد الله بن مسعود مصحف معتبر فيه ما ليس في القرآن الموجود. بيدعي أن عبد الله بن مسعود كان معاه مصحف مخالف للقرآن الموجود، وجاب مثالًا على ذلك قوله تعالى: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب، وورفعنا لك ذكرك بعلي صهرك.

الجواب: لا خلاف أن بعض الصحابة كانت لهم مصاحف خاصة بهم، يكتبون فيها ما يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن، وهذا لا يطعن في المصحف الإمام، ولا يدل على ما يذهب إليه هؤلاء الطغام، لأن العمدة والأصل هو ما أجمع عليه المسلمون، ولا عبرة بما انفرد به أحدهم.

وأنت تلاحظ أنه جعل مصحف ابن مسعود هو المعتبر، والهدف واضح، لأنه ورد فيه كما يزعم ذكر علي. لكن ما استشهد به من النماذج يدل على أن ما ينسبونه لابن مسعود، أو لمصحف ابن مسعود، هو من افتراءاتهم وأكاذيبهم. فقوله: ورفعنا لك ذكرك، هذه الآية من سورة الانشراح، وهي مكية بكل آياتها كما هو معلوم، والزيادة التي زادوها: وجعلنا عليًا صهرك، هذه الزيادة التي افتروها تكشف كذبهم، ذلك أن صهره الوحيد صلى الله عليه وسلم في مكة هو العاص بن الربيع الأموي، فهم وضعوا ولم يحسنوا الوضع لجهلهم بالتاريخ. فهل يكتب ابن مسعود ما يخالف الواقع، وما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإذا دي من الكذب والافتراء.

كذلك الشاهد الآخر، بيقولوا إن في مصحف ابن مسعود: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي. هذا مخالف لنص القرآن وللواقع، فالله سبحانه وتعالى أخبر بمن كفى عباده المؤمنين، وذلك في قوله سبحانه: إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها، مش بعلي ولا حاجة. ولذلك قال السلف في تأويل قوله سبحانه: وكفى الله المؤمنين القتال، قال السلف: بجنود من الملائكة، والريح التي بعثها عليهم على الأحزاب.

أما مخالفة الواقع، فإن عليًا لم يكن كافيًا من دون المؤمنين، ولو لم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علي، لما أقام دينه. وهذا علي لم يغن عن نفسه، ومعه أكثر جيوش الأرض، في حربه مع معاوية رضي الله عنه. ولذلك قال الباقلاني: فأما ادعاؤهم أن ابن مسعود قرأ: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي، وما أشبه ذلك من الأحاديث، فإنه إفك وزور ولا يصح.

وقال ابن حزم - وأما قولهم، يعني بذلك النصارى، لأن النصارى كانوا يعترضون على ابن حزم بشبه الروافض - فهو بيقول للنصارى: لا، الرافضة لما بيقولوا إن مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه خلاف مصحفنا، فباطل وكذب وإفك. مصحف عبد الله بن مسعود إنما فيه قراءته بلا شك، وقراءته هي قراءة عاصم المشهورة عند جميع أهل الإسلام في شرق الأرض وغربها.

الشبهة السادسة قال الملحد: الدليل السادس: أن الموجود غير مشتمل لتمام ما في مصحف أُبيِّ المعتبر عندنا. يعني هذا الخبيث يقصد أن المعتبر عندهم مصحف أبي بن كعب، دون مصحف الأمة كلها، مصحف الإمام. فالدليل هو رغبة هؤلاء المجوس في الطعن في كتاب الله، وأنى لهم ذلك.

إذا كان لابن مسعود، وأبي، وعائشة، وسالم مولى حذيفة مصاحف، كما جاءت في الأخبار سواء في كتب السنة أو الشيعة، هذه المصاحف الخاصة هي عمل فردي من بعض الصحابة، ولم يكن هدفهم كتابة مصحف تلتزم به الأمة، لهذا كانت هذه المصاحف الخاصة غير حجة على الأمة. فما عدا مصحف عثمان لا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى الآحاد. وإذا نقل منه ما يخالف المصحف الإمام، فهذا طبيعي، لأن الواحد منهم كان يكتب لنفسه، ولذلك قد يكتبون تفسيرًا لبعض الآيات في نفس المصحف. وهم آمنون من اللبس، لأنهم إنما يكتبون لأنفسهم. عنده هو نص المصحف، بيكتبه لنفسه، ممكن بقى في كلمة معينة يروح يفسرها. هو بيكتب دي نسخة خاصة به، وليس المقصود منها جمع الأمة عليها كما حصل في جمع عثمان رضي الله عنه. قال ابن الجزري رحمه الله: ربما كانوا يدخلون التفسير في القراءات إيضاحًا وبيانًا، لأنهم محققون لما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. كانوا متقنين جدًا الحفظ، فهم آمنون من الالتباس، وربما كان بعضهم يكتبه معه، يعني يكتب الآيات ويكتب معها التفسير، فعشان كده ساعات يقولوا: دي قراءة تفسيرية، قراءة تفسيرية، ليس المقصود أن دي وحي يعني، وربما كتبوا ما نسخت تلاوته.

ولذلك نص كثير من العلماء على أن الحروف التي وردت عن أبي وابن مسعود وغيرهما مما يخالف هذه المصاحف منسوخة، ولا شك أن القرآن نسخ منه وغير فيه في العرضة الأخيرة. ذلك أنهم يكتبون لأنفسهم لا للأمة. كما لا ننسى ما يضعه الروافض في هذا الباب، وينسبونه لهذه المصاحف، يفترون الفرية ويقولون: دي في مصحف أبي، ودي في مصحف ابن مسعود، ويقولوا بقى الكلام الخرافي الذي ذكرنا بعض النماذج.

أما القرآن الكريم فقد قام به الحفظة من الصحابة، وجمعوا ما في الصحف التي كتبها كتبة الوحي بإشراف النبي صلى الله عليه وسلم، على حسب ما استقر في العرضة الأخيرة من جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، على ما هو عليه الآن من غير زيادة ولا نقصان. ولذلك لم يختلف عليهم اثنان، حتى إن علي بن أبي طالب لم ينكر حرفًا ولا غيره.

الشبهة السابعة قال الملحد: السابع: أن عثمان لما جمع القرآن ثانيًا أسقط بعض الكلمات والآيات - والعياذ بالله. يحاول أن يقيم الدليل على هذه الدعوى بأن العلم بمطابقة ما جمعه لتمام المنزل متوقف على عدالة الناسخين أو الكاتبين، أو صدقهم، أو العرض على المصحف الصحيح التمام، وهذا في نظره لا يثبت.

فهنا بنى دعواه على عقيدة الرافضة في الصحابة رضي الله عنهم، المخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما تواترت به الأحداث والوقائع، كما اعتبر الوهم الذي تدعيه الشيعة من وجود مصحف جمعه علي وتوارثه الأئمة هو الأصل في تصديق المصحف الإمام. يعني المصحف المختفي في السرداب هو حجة على المصحف الذي أجمعت عليه الأمة. وكل ذلك غير مسلم له، كما لا يسلم له احتجاجه بذلك الغثاء من الأقوال والروايات التي نقلها من كتبهم لإثبات هذه المقالة.

ومن المعلوم أن القرآن كله كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يأمر أبو بكر إلا بكتابة ما كان مكتوبًا. ولذلك توقف عن كتابة الآية من آخر سورة براءة حتى وجدها مكتوبة، مع أنه كان يستحضرها هو ومن ذكر معه، كحفظٍ حافظينها، لكن كان لازم يجي شيء مكتوب. فلذلك توقف في كتابة خواتيم سورة براءة، لأنهم كانوا يعتمدون في جمع القرآن على الحفظ والكتابة معًا، ولم يعتمدوا على الحفظ وحده، حيث إن قصدهم أن ينقلوا من عين المكتوب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، لا من مجرد حفظهم.

وقد أعلم الله تعالى في القرآن بأنه مجموع في الصحف في قوله: يتلو صحفًا مطهرة، فكان القرآن مكتوبًا في الصحف، لكن كانت مفرقة، فجمعها أبو بكر في مكان واحد، ثم كانت بعده محفوظة، إلى أن أمر عثمان بالنسخ منها عدة مصاحف، وأرسل بها إلى الأمصار.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو يلخص عملية جمع القرآن، يقول: لما كان العام الذي قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم، عارضه جبريل بالقرآن مرتين، والعارضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، بكتابتها في المصاحف، وكتبها أبو بكر وعمر في خلافة أبي بكر في صحف، أمر زيد بن ثابت بكتابتها، ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف، وإرسالها إلى الأمصار، وجمع الناس عليها، باتفاق من الصحابة، علي وغيره رضي الله عنهم.

فالذي يخطئ أبا بكر وعثمان قد خطّأ عليًا وجميع الصحابة، لأن الحقيقة التي يتفق عليها المسلمون أن أمير المؤمنين عثمان جمع القرآن بموافقة الصحابة جميعًا. ولو حدث هذا الذي تقوله الشيعة، لما جاز لأحد السكوت على تغيير أصل الإسلام وأساسه، ولضل الجميع بسبب ذلك، بما فيهم علي رضي الله عنه. والبراهين المتفق عليها والتي لا يختلف فيها اثنان أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يسكتوا على ما هو أقل من ذلك. لقد قاتلوا من منع الزكاة، وقاتل علي رضي الله تعالى عنه معاوية على أقل من هذا الأمر العظيم والشأن الخطير. يعني فده علي كان يعلم يجيب عصبة من بني هاشم والقبائل، ويجهر ويحارب الصحابة اللي حرفوا القرآن في زعمهم، كان هيقاتلهم، ودي تستاهل.

يبقى هو معاه المصحف الحقيقي، والمصحف اللي في أيدي الناس ده ناقص أو محرف والعياذ بالله، فأيهما أهم؟ قتال مانعي الزكاة؟ حفظ القرآن أهم، ولا شهر السيف في وجه من خالفه من الصحابة كأمير المؤمنين علي مثلًا معاوية رضي الله عنه، ونحو ذلك في الذي حصل في الفتنة؟

يقول: لقد قاتلوا من منع الزكاة، وقاتل علي رضي الله عنه معاوية رضي الله عنه على أقل من هذا الأمر العظيم والشأن الخطير. ولو حصل هذا الذي تقوله الرافضة لتناقله أعداء الإسلام الذين يتربصون بأمة الإسلام الدوائر، ولم تنفرد بنقله طائفة الروافض.

هذه الطائفة التي نقلت هذا الكفر قد نقلت ما يثبت خلافه. روى ابن طاووس، وهو من كبار شيوخ الشيعة، أن عثمان جمع المصحف لرأي مولانا علي بن أبي طالب. وهذا ينقض ما أثاره الشيعة عبر القرون، لأنه يتفق مع إجماع الأمة، وهو اعتراف منهم وإقرار، واعتراف المخالف أشد وقعًا في النفس من اعتراف الموافق.

النص ده، اللي هو رواه ابن طاووس، من كبار شيوخ الشيعة، بيقول إيه؟ عثمان جمع المصحف برأي مولانا علي بن أبي طالب. مش مخلص بقى؟ مين الخبيث الملحد صاحب كتاب فصل الخطاب؟ بيعلق بيقول إيه على النص؟ بيقول: إنه من الغرابة بمكان. وهو غريب عند هذا الملحد، ومن شايعه في هذا الكفر. هذا الخبر أخرجه ابن أبي داود بسند صحيح، كما قال ابن حجر، عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قال: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل ما فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، اتفاق منا جميعًا على هذا.

وبعد هذا كله، فإن النموذج الذي يخرجه لنا هؤلاء الكذبة، ويزعمون أن عثمان أسقطه، هو أكبر شاهد على حقيقة قولهم. نشوف بقى: بيدعوا أن عثمان أسقط أشياء من المصحف، هيا بنا نرى ما هذا الذي أسقطه عثمان - والعياذ بالله - من المصحف.

جاء صاحب فصل الخطاب بأربع روايات، عن أربعة من كتبهم، تقول إن علي بن موسى الرضا قال: لا والله لا يرى في النار منكم اثنان أبدًا، لا والله ولا واحدًا. قال: قلت: أصلحك الله، أين هذا من كتاب الله تعالى؟ قال: هو في الرحمن، وهو قوله تبارك وتعالى: لا يسأل عن ذنبه منكم إنس ولا جان. قال: قلت: ليس فيها منكم. لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان. فهو قال له إيه؟ لا يسأل عن ذنبه منكم إنس ولا جان. قال: قلت: ليس فيها منكم. قال: بلى والله إنه لمثبت فيها، وإن أول من غير ذلك لابن أروى، يعني عثمان.

والروايات الثلاث الأخرى لا تخرج عن هذا المعنى، ويعنون بابن أروى عثمان.

هذا المثال الذي تقدمه كتب الروافض كشاهد لما أسقطه عثمان يكشف الحقيقة المخبأة، فوقت تنزل القرآن لا يوجد شيعة ولا مرجئة ولا غيرها من الفرق. يعني عايز يقول إيه؟ طبعًا أنت هتضطر نفكركم بالقصة اللي حكيناها قبل كده: العالم اللي راح يناظر الرافضة، واتأخر شوية على الميعاد، ودخل كلهم ملتفتين إليه، فدخل، وكان كله قد خلع الأحذية عند الباب، فهو دخل وشال حذاءه معاه، وحمله بحرص وخوف شديد. فقالوا له: أنت مالك؟ يعني كل الناس خلعت النعال عند الباب، وأنت داخل به وخايف عليه قوي كده ليه؟ قال لهم: أصل أنا الصراحة جاي أناظر الشيعة، وأنا عرفت أن الشيعة كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يسرقون الأحذية. فرد كبير علماء الشيعة قال له: ما كانش في شيعة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام. فهو ده الذي يريد أن يقوله: إن أصلًا دي فرق طارئة، كل فرقة يُسأل عن بدايتها: متى نشأت؟ لازم تحدد لها زمنًا. الخوارج، القدرية، الشيعة، الرافضة، كل واحد له بداية. لكن أهل السنة ليس لهم بداية، بدايتهم يوم نزل جبريل بقوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق. عشان كده ما ينفعش يقول لك: الطائفية... ومش الطائفة، إحنا مش طائفة، إحنا الإسلام الأصلي. أهل السنة هي دي خلاصة الإسلام. يعني أهل الإسلام ككل، زبدة وخلاصة ونقوة أهل الإسلام، كما يقول ابن تيمية، هم أهل السنة. يعني أرقى صورة لمحافظة على الإسلام بدون أي بدعة أو ضلالات. فما ينفعش الخلافات الطائفية، والناس الذين يؤججون الطائفية هم اللي طائفة، مش إحنا. هم اللي طائفة، أما ده فده المجرى الرئيسي بتاع النهر، هو الإسلام، وهذه روافد ومصارف وبلاوي.

فما ينفعش نتكلم على موضوع الطائفية. يجي واحد تاني يقول لك: شيعي قال في كتاب: لا سنة ولا شيعة. ما ينفعش، ما ينفعش نبلع هذه السموم، لأن لا سنة ولا شيعة يعني إحنا بنختلف في داع يا جماعة؟ الاختلاف وتوحدوا؟ ولا عايزين السنة ولا عايزين الشيعة؟ ما ينفعش، لأن دي بالضبط تساوي لا إسلام ولا شيعة. سنة مش طائفة. لا سنة ولا شيعة، الكلمة غلط. لماذا؟ لأن السنة دي هي الإسلام في أنقى صورة وأجلاها وأوضحها. فلما تقول: لا سنة ولا شيعة، تساوي تمامًا: لا إسلام ولا شيعة.

فهنا علي بن موسى الرضا ينسبون إليه أنه بيقول إيه؟ لا والله لا يرى في النار منكم اثنان أبدًا، من الشيعة، ما فيش اثنين هيدخلوا النار. لا والله ولا واحدًا، ما فيش واحد شيعي هيدخل النار. قال: قلت: أصلحك الله، أين هذا من كتاب الله تعالى؟ فين الدليل في القرآن الكريم أن ما فيش شيعي هيدخل النار؟ قال: هو في الرحمن، أي في سورة الرحمن، وهو قوله تبارك وتعالى: لا يسأل عن ذنبه منكم أيها الشيعة إنس ولا جان. يدعي أن كلمة منكم موجودة في الآية، منكم يعني يا شيعة. قال: قلت: ليس فيها منكم. قال: بلى والله إنه لمثبت فيها، وإن أول من غير ذلك لابن أروى، أي عثمان، هو اللي شال كلمة منكم عشان ما تدلش على الشيعة بالذات يعني.

فطبعًا... يعني لما تكون: يومئذ لا يسأل عن ذنبه منكم، أيها الشيعة، منكم يعني يا شيعة، إنس ولا جان... هو كان في عهد نزول القرآن كان في حاجة اسمها شيعة؟ فدي أقوى دليل على أن هذه الرواية مكذوبة. ما كانش في شيعة، ولا مرجئة، ولا قدرية، ولا جهمية، ولا أي شيء من هذا. كان في إسلام بس.

فوقت تنزل القرآن لم يوجد شيعة ولا مرجئة ولا غيرها من الفرق، والآية كما يدعون تثبت أن الشيعي لا يسأل عن ذنبه، وهذه دعوى خطيرة لا يسندها دليل، بل هي مناقضة لنصوص التنزيل، وما علم من الإسلام بالضرورة، ولها آثارها الخطيرة من التحلل من التكاليف الشرعية، والجرأة على اقتراف المعاصي والموبقات.

وإمامهم يقسم على شيعته أنه لن يدخل النار منهم واحد! اطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدًا؟ طبعًا إمامهم بريء من هذا، هذه أكاذيبهم على أئمتهم. هم بهذه الدعوى أشد غلوًا من اليهود الذين قالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ورد الله عليهم بقوله: قل أتخذتم عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون، بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.

وهي تكشف كذب هذه الدعوى كلها، وأن الغرض من دعوى التحريف تحقيق شذوذ لا سند له من كتاب أو سنة صحيحة. ثم وهي تكشف أن واضع هذه الرواية زنديق جاهل بمعاني كتاب الله، فالآية في المجرمين، وهو ظن أنها في الصالحين. لا يسأل يومئذ عن ذنبه إنس ولا جان، فالشيعة في مين؟ اللي أقصد الآية في إيه؟ في المجرمين، ها، لأنه كما قال تعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون. فهو ظن أن الآية في الصالحين، فأولها في الشيعة، وحاول أن يؤكد ذلك بزيادة قوله منكم، وعلل ذلك بأنه لو لم يضع هذه الزيادة لسقط العقاب عن الخلق، وهو لا يسقط إلا عن شيعته فقط كما يفترون. مع أن الآية كقوله سبحانه وتعالى: ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، فهي في أهل الجرائم والذنوب. ولهذا قال ابن عباس في تفسيرها: لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم. وقال مجاهد: لا يسأل الملائكة عن المجرم، يعرفون بسيماهم.

الجاحظ رد على شبهتهم حول جمع أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه للمصحف، فقال الجاحظ: والذي يخطئ عثمان في ذلك فقد خطأ عليًا وعبد الرحمن وسعدًا والزبير وطلحة وعامة الصحابة رضي الله عنهم، ولو لم يكن ذلك رأي علي لغيره، ولو لم يمكنه التغيير لقال فيه، ولو لم يمكنه في زمن عثمان لأمكنه في زمن نفسه، إنما بقى هو خليفة، وكان لا أقل من إظهار الحجة إن لم يملك تحويل الأمة، وكان لا أقل من التجربة إن لم يكن من النجاح على ثقة. بل لم يكن لعثمان في ذلك ما لم يكن لجميع الصحابة وأهل القدم والقدوة، ومع أن الوجه فيما صنعوا واضح، بل لا نجد لما صنعوا وجهًا غير الإصابة والاحتياط والإشفاق والنظر للعواقب وحسم طعن الطاعن.

طبعًا الجاحظ، يعني قمة البلاغة، قمة في البلاغة، مع أنه معتزلي، لكن كما تلاحظون أسلوبه في غاية العلو. ها. يقول: ولو لم يكن ما صنعوا لله تعالى فيه رضا، لما اجتمع عليه أول الأمة وآخرها، وإن أمرًا اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة، لظاهر الصواب، واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم، وهو أن القرآن محفوظ. فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك، وتنكره، وتطعن فيه، وترى تغييره، قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل. مش على طريقتنا دول، ده دين تاني. إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير حجتنا، وفقهاؤه غير فقهائنا، وإمامه غير إمامنا، وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ولا هو منا.

بعض الناس، من الغلو بتاعهم، أو مش غلو يعني، التقدير الزائد قوي للجاحظ، قالوا: إن من أدلة إعجاز القرآن الكريم إيمان الجاحظ به، من شدة علو مقامه في البلاغة والفصاحة. أنا أعيد هذه العبارة الأخيرة، إنها عبارة رائعة جدًا. يعني بيقول: فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك وتنكره وتطعن فيه وترى تغييره، قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته غير صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير حجتنا، وفقهاؤه غير فقهائنا، وإمامه غير إمامنا، وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ولا هو منا.

الشبهة الثامنة قال الملحد: الثامن: في أخبار كثيرة دالة صريحة على وقوع النقصان، زيادة على ما مر، رواها المخالفون. جاي هنا بيجيب بقى نماذج من التحريف الفعلي، ذكر ما جاء عن طريق أهل السنة من أخبار نسخ التلاوة، عشان يوهم أن أهل السنة كمان بيقولوا بالتحريف. لكن نسخ التلاوة كما قلنا: النسخ هو من فعل الله، أما التحريف فهو من صنع البشر، فيصح أن يستدل على التحريف بوقوع النسخ؟ فالنسخ من الله، والتحريف من البشر. ولهذا جاء الحديث عنها في كتب أهل السنة في باب النسخ.

فهو يعيد الأدلة ويكررها بصور مختلفة، ليصل بالأدلة إلى عدد أئمته الاثني عشر. يعني ده الشبهة دي كانت... هو كله عايز يوصل لـ12 دليل عشان العدد 12 المقدس، فلذلك يكرر الكلام، ويعيده، ويزيده، عشان العدد يتحسب يعني.

أورد في هذا الموضع سورة مفتراة، قال بأنه وجدها في كتاب دبستان مذاهب باللغة الإيرانية، لمؤلفه محسن فاني الكشميري، مطبوع في إيران طبعات متعددة، ونقل عنه هذه السورة المكذوبة على الله المستشرق نولدكه في كتاب تاريخ المصاحف، وفي صورة لها في كتاب الخطوط العريض للشيخ محب الدين الخطيب.

فيقول: وجدها في كتاب دبستان مذاهب، ولم يجدها في غيره من كتب الشيعة، وقال: لعلها سورة الولاية التي أشار إليها بعض شيوخ الشيعة. ثم أورد نصها بتمامه، ده بيدعي أنه قرآن، وهي عبارات ركيكة، وألفاظ ساقطة، ومعاني متهافتة، وسياق مفكك، وجمل ينبو بعضها عن بعض، عبارة عن كلمات ملفقة تلفيقًا رديئًا من بعض ألفاظ القرآن، وموضوعها هو الأمر الذي أقلق الشيعة، وهو خلو كتاب الله من شذوذهم. ولذلك فهي تذكر مسألة الوصية لعلي بالإمامة، وتكفير الصحابة لعصيانهم الوصي.

تقول كلمات هذه السورة المزعومة، سورة الولاية أو الولاية:

يا أيها الذين آمنوا
آمنوا بالنورين أنزلناهما يتلوان عليكم آياتي
إن الذين يوفون...
ورسوله في آيات لهم جنات النعيم
والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم
ومع ما عهدهم الرسول عليه يقذفون في الجحيم
ظلموا أنفسهم وعصوا الوصي الرسول
يسقون من حميم
إن الله الذي نور السماوات والأرض بما شاء
واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه
يفعل الله ما يشاء
إن عليًا من المتقين
وإنا لنوفيه حقه يوم الدين
فإنه وذريته الصابرون
وإن عدوهم إمام المجرمين
يا أيها الرسول قد جعلنا لك في أعناق الذين آمنوا عهدًا
فخذه وكن من الشاكرين
بأن عليًا قانتًا بالليل يحذر الآخرة ويرجو ثواب ربه
قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذاب يعلمون
سيجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون يندمون.

هذه بعض كلماتها، وهي لا تحتاج إلى نقد، فهي من هذر الكلام، وسقط المتاع، تلفيق مهلهل مضطرب المعاني والألفاظ، وإن أقل الأدباء ليأبى نسبتها إليه، فضلًا عن أن تكون من كتاب الله الذي أعجز أرباب البيان وفرسان الفصاحة.

نقد هذه السورة المخترعة الشيخ يوسف الدجوي في كتابه الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف بالقرآن الشريف، وردها أيضًا أحد شيوخ الشيعة، وهو البلاغي، في تفسيره آلاء الرحمن، وبطلانها أوضح من أن يبين، فلا حاجة إلى نقل ما قاله.

فأنت تلاحظ أن الأمر ظاهر من مجرد النظر في ألفاظها. انظر إلى قوله مثلًا: واصطفى من الملائكة وجعل من المؤمنين أولئك في خلقه، تجد أنها من وضع أعجمي لا يستطيع أن يبين عما يريد. فماذا اصطفى من الملائكة؟ لم يكمل المعنى، ولعله يريد: اصطفى من الملائكة رسلًا إلى الأوصياء، فلم يستطع إكمال الجملة. وماذا جعل من المؤمنين؟ وما معنى: أولئك في خلقه؟ وأنت ترى أنه ما رام أحد محاكاة القرآن إلا وابتلاه الله بالعي، وفضحه على رؤوس الأشهاد. ما في أحد حاول يحاكي القرآن الكريم إلا وأتى بما يضحك الناس، كل من حاول الاستجابة للتحدي أتى بما يضحك الناس.

نكتفي بهذا القدر، وإن شاء الله نكمل فيما بعد.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

حري بالمسلم ألا يهدأ له بال، ولا يكتحل بنوم، ولا يهنأ بطعام ولا شراب، حتى يتيقن أنه من هذه الفرقة الناجية.

 

  • السبت PM 12:48
    2026-04-25
  • 10
Powered by: GateGold