ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
استمرار توارث الدعوة على الصراط في ظل صدوف المكذبين وتشيعهم فرقا
استمرار توارث الدعوة على الصراط في ظل صدوف المكذبين وتشيعهم فرقا
قال تعالى (ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)
ألمح صاحب الظلال إلى أن (هذا المقطع بدأ بالحديث عن الكتاب الذي أنزله الله على موسى وهو "التوراة" تكملة للحديث السابق عن صراط الله المستقيم " وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " للإيحاء بأن هذا الصراط ممتد من قبل في رسالات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وشرائعهم)
والعلة في ذكر كتاب موسى دون عيسى ، أن التوراة اشتهرت بالتشريعات والأحكام التكليفية ، والإنجيل اشتهر بأن أحكامه جاءت لتخفف مما في التوراة ، كذلك فإن القرآن بعضه مكي وبعضه مدني ، فأما القرآن المكي كانت التشريعات فيه قليلة ، وأكثرها يتناول مسائل العقيدة بالتأصيل والتصحيح ، في حين تميزت السورة القرآنية في العهد المدني بأنها اشتملت على العديد من الأحكام العملية .
أما سورة الأنعام فرغم أنها كانت سورة مكية إلا أن الملاحظ أنها اشتملت على ربط العقيدة الصحيحة بحق الله تعالى في التشريع ، فأشارت إلى بعض الأحكام التشريعية إجمالا على سبيل التوصية ، ولم تكن هذه السورة من أول ما نزل في العهد المكي وإنما من أواخر ما نزل منه .
فكانت الحاجة ماسة لتهيئة المسلمين لاستقبال القرآن المدني والذي سوف ينزل في صورة لم يألفوها في العهد المكي حيث تكثر الأحكام التكليفية ، ومن ثم كان من المناسب نزول سورة الأنعام لتحقيق هذه التهيئة ، والإشارة إلى كتاب موسى ليعلم المخاطبون أن الأحكام التكليفية والعملية التي سوف تنزل في المدينة هي من شرع الله تماما مثل الأحكام الاعتقادية ، وكلاهما كلام الله ، ولمن يريد أن يتحقق فليطلع على التوراة حتى يتبين له ذلك
وقد اطلع العلماء على ذلك فوجدوها بالفعل في العهد القديم على النحو التالي :-
المقابل في التراث اليهودي المسيحي الوصية آية سورة الأنعام آية سورة الإسراء الترتيب
لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي توحيد الله وعدم الإشراك به
﴿151﴾ (22) الوصية الأولى
أكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ الإحسان للوالدين والبر بهما
(23-24) الوصية الثانية
لا تقتل عدم قتل الأولاد خشية الإملاق (26-31) الوصية الثالثة
لا تزن , لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ، لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ اجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن والبُعد منها (32) الوصية الرابعة
لا تقتل عدم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
(33) الوصية الخامسة
لا تسرق, لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ، وَلاَ حِمَارَهُ، وَلاَ شَيْئًا مِمَّا لِقَرِيبِكَ الحفاظ على مال اليتيم وعدم القرب منه إلا للمصلحة ﴿152﴾ (34) الوصية السادسة
غير موجودة و يوجد بدلاً منها اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ الإيفاء بالكيل والميزان بالقسط (35) الوصية السابعة
لا تشهد شهادة زور العدل وقول الحق (36) الوصية الثامنة
لا تحلف باسم الهك باطلا الوفاء بالعهد (34) الوصية التاسعة
لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالًا مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا...لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ اتّباع صراط الله المستقيم وعدم اتباع سُبل أخرى ﴿153﴾ (37-39) الوصية العاشرة
قال ابن عاشور (ومناسبة هذا الانتقال: ما ذكر من صراط الله الذي هو الإسلام، فإن المشركين لما كذبوا دعوة الإسلام ذكرهم الله بأنه آتى موسى عليه السلام الكتاب كما اشتهر بينهم ، قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى) [الأنعام 91] ، لينتقل إلى ذكر القرآن والتحريض على اتباعه فيكون التذكير بكتاب موسى عليه السلام تمهيدا لذلك الغرض) .
قوله (ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (154) المراد بـ "ثم" (الترتيب الإخباري) ، أي الانتقال إلى الحكاية عن التوراة بمناسبة ذكر الصراط المستقيم ، فهذا الصراط سار عليه الأنبياء من قبل .
قوله " تَمَاماً " أي (للنعمة) على بني إسرائيل بأن أنزل فيهم التوراة ، قال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنعام 115) ، وأحاطهم برعايته وحفظه من عدوهم ، قال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (الأعراف 137) .
قوله (..عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ..) يعني موسى ، قال الخازن (قيل الذي أحسن هو موسى فيكون الذي بمعنى ما أي على ما أحسن ، وتقديره( وآتينا موسى الكتاب إتماماً للنعمة عليه لإحسانه في الطاعة والعبادة وتبليغ الرسالة وأداء الأمر) ، قال ابن كثير أي: (جزاء على إحسانه في العمل،-يعني موسى- وقيامه بأوامرنا وطاعتنا) .
والمعنى على وجه العموم كذلك قال الزمخشري (يريد جنس المحسنين) ، كقوله "هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ" [الرحمن :60].
وقوله (وتفصيلاً لكل شيء) أي التوراة جعلها الله (تبياناً لكل شيء ، وبين فيه حلاله وحرامه) ، كما في قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ) (الأعراف145)، ما يمهد لأن ينزل التشريع المدني قريبا فيه تفصيل الحلال والحرام ، والمنهج الذي يجب علي هذه الأمة اتباعه
فكذلك القرآن جعل الله فيه تفصيل لما اختلف فيه بنو إسرائيل ، قال سبحانه (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [النمل 76-77] ، فإنهم لما حرفوا التوراه أنزل الله القرآن مصدقا لها على وجه الإجمال ، فجعل في القرآن من الحجج والبراهين ما يشفي صدورهم ، وإجابة لكل أمر اختلفوا فيه ، هل طاله التحريف أم لم يطله .
وقوله (وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أي (التوراة) ، فلو تلمس بنو إسرائيل الهدى والرحمة منها لآمنوا بلقاء الله ، ولكنهم لم يفعلوا فكفروا بلقاء الله وتمنى أحدهم لو يعمر ألف سنة في الدنيا ، ثم انتقل الحديث من التوراة إلى القرآن ليبين الله سبحانه أن مصدر التشريع هو الوحي ، وليس ثمة مصدر لذلك غير ذلك .
قوله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (155) هذا هو مضمون الخطاب ، بأن القرآن منهاج للمؤمنين ، قال تعالى (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) ، فهو منهج قويم يصلح الله به حياة المؤمنين ، وعليه اتباعه لتحقيق تقواه ونيل رحمته ، ولكي يؤتي هذا الاتباع ثمرته لابد من اتباع أهل الحق الذي يرشدون إلى كتاب الله والعمل به
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ –يعني الموت- وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) ، أي أرشد إلى اتباع الكتاب ، وهذا لا يتأتى إلا بتربية العلماء ، ولذلك أوصى النبي بأهل بيته لأنهم أحفظ من غيرهم بالسنة القولية والعملية ، ومن هذه الذرية يخرج المهدي المنتظر ويحارب الدجال ، يقول النبي (الْمَهْدِيُّ مِنِّي أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَقْنَى الْأَنْفِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ) .
وقيل عن كِتَابُ اللَّهِ (فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ) مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) .
قال الطيبي (كتاب الله) أي طريق الخروج من الفتن التمسك بكتاب الله (فيه نبأ ما قبلكم) أي من أحوال الأمم الماضية (وخبر ما بعدكم) وهي الأمور الآتية من أشراط الساعة وأحوال القيامة وفي العبارة تفنن (وحكم ما بينكم) أي ما يقع بينكم من الوقائع والحوادث، قال القاري: أي (حاكم ما وقع أو يقع بينكم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والحلال والحرام وسائر شرائع الإسلام ومباني الأحكام (هو الفصل) أي الفاصل بين الحق والباطل أو المفصول والمميز فيه الخطأ والصواب، وما يترتب عليه الثواب والعذاب (ليس بالهزل) أي جد كله وحق جميعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والهزل في الأصل القول المعرى عن المعنى المرضي (من تركه) أي القرآن إيماناً وعملاً (من جبار) أي متكبر يدل على أن الحامل له على الترك إنما هو التجبر والحماقة ، قال الطيبي : من ترك العمل بآية أو بكلمة من القرآن مما يجب العمل به أو ترك قراءتها من التكبر كفر، ومن ترك عجزاً أو كسلاً أو ضعفاً مع اعتقاد تعظيمه فلا إثم عليه ، أي بترك القراءة، ولكنه محروم ، (قصمه) أي أهلكه أو كسر عنقه (ومن ابتغى الهدى) أي طلب الهداية من الضلالة (في غيره) من الكتب والعلوم التي غير مأخوذة منه ولا موافقة معه (أضله الله) أي عن طريق الهدى وأوقعه في سبيل الردى (وهو) أي القرآن (حبل الله المتين) أي المحكم القوي، والحبل مستعار للوصل، ولكل ما يتوصل به إلى شي أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة قربه (وهو الذكر) أي ما يذكر به الحق تعالى أو ما يتذكر به الخلق أي يتعظ (الحكيم) أي ذو الحكمة (هو الذي لا تزيغ) أي لا تميل عن الحق (به) أي بإتباعه (الأهواء) أي الهواء إذا وافق هذا الهدى حفظ من الردى، وقيل: معناه لا يصير به مبتدعاً وضالاً، يعني لا يميل بسببه أهل الأهواء والآراء، وإنما زاغ من اتبع المتشابهات وترك المحكمات والأحاديث النبوية التي هي مبينة للمقاصد القرآنية. وقال الطيبي: أي (لا يقدر أهل الأهواء على تبديله وتغييره وإمالته) ، كفعل اليهود بالتوراة حين حرفوا الكلم عن مواضعه، لأنه تعالى تكفل بحفظه قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر: 9] (ولا تلتبس به الألسنة) أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين ولو كانوا من غير العرب قال تعالى: (فإنما يسرناه بلسانك) [الدخان: 58] (ولقد يسرنا القرآن للذكر) [القمر:17] وقيل: (لايختلط به غيره بحيث يشتبه الأمر ويلتبس الحق بالباطل فإن الله تعالى يحفظه أو يشتبه كلام الرب بكلام غيره لكونه كلاماً معصوماً دالاً على الإعجاز) ، (ولا يشبع منه العلماء) أي لا يصلون إلى الإحاطة بكنهه حتى يقفوا عن طلبه وقوف من يشبع من مطعوم ، بل كلما اطلعوا على شي من حقائقه اشتاقوا إلى آخر، أكثر من الأول، وهكذا فلا شبع ولا سآمة (ولا يَخلَق) ، من خلق الثوب إذا بلى (عن كثرة الرد) أي لا تزول لذة قراءته وطراوة تلاوته واستماع أذكاره وأخباره من كثرة تكراره وترداده ، (ولا ينقضي) بالتأنيث والتذكير (عجائبه) أي لا تنتهي لطائفة ودقائقه وغرائبه التي يتعجب منها (هو الذي لم تنته الجن) أي لم يقفوا ولم يلبثوا (إذ سمعته) أي القرآن (حتى قالوا) أي لم يتوقفوا ولم يمكثوا وقت سماعهم له عنه بل اقبلوا عليه لما بهرهم من شأنه فبادروا إلى الإيمان على سبيل البداهة لحصول العلم الضروري وبالغوا في مدحه حتى قالوا (إنا سمعنا قرآناً عجباً) أي شأنه من حيثية جزالة المبني وغزارة المعنى (يهدي إلى الرشد) أي يدل على الصواب أو يهدي الله به الناس إلى طريق الحق (فآمنا به) أي بأنه من عند الله ويلزم منه الإيمان برسول الله (من قال به) أي من أخبر به (صدق) أي في خبره أو من قال قولاً ملتبساً به بأن يكون على قواعده ووفق قوانينه وضوابطه صدق (ومن عمل به) أي بما دل عليه (أجر) بضم الهمزة أي أثيب في عمله أجراً عظيماً وثواباً جسيماً، لأنه لا يحث إلا على مكارم الأخلاق والأعمال ومحاسن الآداب (ومن حكم به) أي بين الناس (عدل) أي في حكمه لأنه لا يكون إلا بالحق (ومن دعا إليه) أي من دعا الخلق إلى الإيمان به والعمل بموجبه (هدى إلى صراط مستقيم) .
قوله (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ) (156) المخاطب بهذه الآية أهل مكة ، والمقصود بالطائفتين (أهل التوراة) و(أهل الإنجيل) ، قال ابن كثير أي: (وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في شغل وغفلة عما هم فيه) .
وفي ذلك نفي للأعذارهم وقطع لها لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين ، فكان الواجب عليهم أن يكونوا أول المتبعين للنبي المبلغين لكتاب الله الذي نزل بلسانهم ، وهو ما يعني أن القرآن الكريم وقد نزل على أمة أمية إلا أنه من اليسر أن تدرسه هذه الأمة دون حاجة لأن تتعلم القراءة والكتابة ، قال تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر 17) .
قال الشعراوي (إذا كنتم قد غفلتم عن دراسة التوراة والإِنجيل؛ لأنكم أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة؛ لذلك أنزلنا إليكم الكتاب الكامل مخافة أن تصطادوا عذراً وتقولوا : إن أميتنا منعتنا من دراسة الكتاب الذي أنزل على طائفتين من قبلنا من اليهود والنصارى ، وكأن الله أنزل ذلك الكتاب قطعاً لاعتذارهم)
فدراسة القرآن تعتمد في الأساس على التلقي من عالم يكرس وقتا بالمسجد لدراسته وتدبره مع الناس ، قال رسول الله (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) ، قال المباركفوري (التدارس قراءة بعضهم على بعض تصحيحا لألفاظه أو كشفا لمعانيه ، وأصل الدراسة الرياضة والتعهد للشيء ، والأظهر أنه شامل لجميع ما يناط بالقرآن من التعليم والتعلم) ، و(فيه الحثُّ على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه، ويكون ذلك بقراءة أحد المجتمعين والباقون يسمعون، وبقراءتهم بالتناوب ليقوِّم بعضُهم بعضاً في القراءة، ويستفيد كلُّ واحد منهم من غيره ما يحصِّل به إجادة القراءة وتدارك الخطأ إن وُجد، وإذا كان فيهم عالم بتفسيره علَّمهم، وإن كانوا من أهل العلم فيه تدارسوا معانيه، ورجعوا في ذلك إلى كتب التفسير في الرواية والدراية المبنية على ما كان عليه سلف هذه الأمَّة، والجزاء على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه أربعة أمور، هي: نزول السكينة عليهم والطمأنينة، وأنَّ الرحمةَ تغشاهم، أي تشملهم وتغطِّيهم، وأنَّ الملائكة تحفُّهم أي: تحيط بهم، وأنَّ الله تعالى يذكرهم عند الملائكة) .
ولدراسة القرآن لابد من التحري عن أهل القرآن كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا) ، وقال (ولم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا) .
قوله (أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ) لما كان مع اليهود التوراة ، ومع النصارى الإنجيل ، ولم يكن مع العرب شيء ، فإنهم لما نظروا إلى أهل الكتاب ، ولم يجدوهم قد استمسكوا بكتاب الله بحق تمنوا لو أن الله أنزل إليهم الكتاب لكانوا ( أسرع منهم إجابة للرسول وأصوب ديناً) ، فآتاهم الله ما كانوا يتمنون ، فكان منهم من هو أسرع في الإجابة للرسول ومنهم أبو بكر وعلي وعمر وغيرهم من الرعيل الأول من الصحابة ، قَالَ رسول الله (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) ، ومنهم من استبطئوا في الإجابة وأسلموا بعد فتح مكة ، فرفع الله شأنهم أجمعين وكانوا خير القرون عما يليهم ، وكانوا كذلك خير من أهل الكتاب في الإجابة فمكنهم الله منهم .
وقال رَسُولُ اللَّهِ ( إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِيَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ الْإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ عَجَزُوا فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلًا قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَا قَالَ فَهُوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) .
قوله (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آَيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ) (157) حكاية عن الصنف الثالث الذين لم يسرعوا في الاستجابة ولم يتأخر عنها ، وإنما صدفوا عنها بالكلية ، فلم يكن حاله بأهدى ممن قبلهم ، قال الشعراوي ( « صدف » فعل يأتي متعديا ويأتي لازما ، وجاء الحق بهذه الصيغة المحتملة لأن تكون لازمة وأن تكون متعدية ليصيب الأسلوب غرضين؛
الغرض الأول : أن تكون « صدف » بمعنى انصرف وأعرض فكانت لازمة أي ضل في ذاته
والأمر الثاني : أن تكون صدف متعدية فهي تدل على أنه يصرف غيره عن الإيمان ، أي يضل غيره ، ويقع عليه الوزر؛ لضلال نفسه أولاً ثم عليه وزر من أضل ثانياً .
ولذلك جاء سبحانه باللفظ الذي يصلح للاثنتين « صدف عنها » أي انصرف ، ضلالاً لنفسه ، وصدف غيره أي جعل غيره يصدف ويعرض فأضل غيره) ، فهذا الصنف من الناس أظلمهم ، لصدوده عن سبيل الله، فجعل من نفسه عائقا أمام الدعوة ، ولا سبيل للمضي في سبيل الله إلا بإزالته ، طالما لا يزال يصدف الناس عن الحق ويقطع عنهم الطريق إلى الله .
قوله (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (158) تهديد لمن يتأخرون عن الاستجابة للإيمان ، بأنهم متى ظلوا على هذا الحال من البطئ في الاستجابة فقد تكون عاقبته أن ينقضي الأمر ولا ينفع إيمان بعد ، وذلك بأحدى ثلاث ، إما "الموت" أو "الهلاك العاجل" بجنود الله التي يرسلها لاستئصالهم أو أن تأتي إحدى علامات "الساعة الكبرى" .
ففي قوله "إلاَّ أن تأتيهم الملائكة" أي (عند الموت لقبض أرواحهم ) ، قال ابن عباس والضحاك في قوله (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ): (أمر ربك فيهم بالقتل أو غيره) ، أي : (بالعذاب) ، وفي قوله (أو يأتي بعض آيات ربك) يعني : (طلوع الشَّمس من مغربها) ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا فَذَاكَ حِينَ(لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) ، ذلك أن الإيمان عندئذ لن يكون شيء غيبي ، وإنما بواقع مادي مشهود ، وليس ذلك هو الإيمان المطلوب الذي أراده الله من المكلفين ، قال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يس 11).
قوله (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(159) تضمن إخراج أهل البدع والنفاق من الدين ، فلا يجوز اتباعهم ، بل يجب الحذر منهم ، ولذلك تبرأ النبي من كل بدعة في الدين ، قال رسول الله (خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) قال المناوي أي (كل فعلة أحدثت على خلاف الشرع ضلالة أي توصف بذلك لإضلالها والحق فيما جاء به الشارع فماذا بعد الحق إلا الضلال) .
قال ابن تيمية (لَفْظُ الشَّرْعِ قَدْ صَارَ لَهُ فِي عُرْفِ النَّاسِ " ثَلَاثُ مَعَانٍ " الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ وَالشَّرْعُ الْمُؤَوَّلُ وَالشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ .
فَأَمَّا الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ : فَهُوَ مَا ثَبَتَ عَنْ الرَّسُولِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَهَذَا الشَّرْعُ يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِينَ والآخرين اتِّبَاعُهُ وَأَفْضَلُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ أَكْمَلُهُمْ اتِّبَاعًا لَهُ وَمَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ هَذَا الشَّرْعَ أَوْ طَعَنَ فِيهِ أَوْ جَوَّزَ لِأَحَدِ الْخُرُوجُ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ .
وَأَمَّا الشَّرْعُ الْمُؤَوَّلُ فَهُوَ مَا اجْتَهَدَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْأَحْكَامِ فَهَذَا مَنْ قَلَّدَ فِيهِ إمَامًا مِنْ الْأَئِمَّةِ سَاغَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْتِزَامُ قَوْلِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ .
وَأَمَّا الشَّرْعُ الْمُبَدَّلُ فَهُوَ الْأَحَادِيثُ الْمَكْذُوبَةُ وَالتَّفَاسِيرُ الْمَقْلُوبَةُ وَالْبِدَعُ الْمُضِلَّةُ الَّتِي أُدْخِلَتْ فِي الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ مِنْهُ وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ . فَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدِ اتِّبَاعُهُ . وَإِنَّمَا حُكْمُ الْحُكَّامِ بِالظَّاهِرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْأَشْيَاءَ عَنْ حَقَائِقِهَا) .
وقد أخبر رَسُولُ اللَّهِ بتفرق الأمة فقَالَ (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)
فالحديث أشار إلى السنة المتبعة عن النبي والتي يرثها عنه أصحابه ، ومن هنا سماهم أهل العلم بأهل السنة والجماعة ، وقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ يُقَاتِلُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ) وأورد تحته حديث رسول الله قال (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) ، ومستنده في تخصيصهم بأهل العلم الحديث الذي أورده بعده ، قال رسول الله (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَيُعْطِي اللَّهُ وَلَنْ يَزَالَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) .
فبالجمع بين الأحاديث يتبين أن العلم من صفات أهل الحق ، أولئك الذين يستمسكون بالكتاب وإن اختلفت آراءهم في تأويل ما يسوغ الاختلاف فيه ، كما في حديث ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْأَحْزَابِ لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ) ، فأقر بذلك مذهبين في التفسير ، مذهب أهل الظاهر ، ومذهب أهل المقاصد ، من هنا نفهم أن النبي أجاز اختلاف الصحابة في المسائل الفقهية طالما أن المسألة تحتمل هذه الأوجه المختلف فيها سواء لغة أو عرفا أو بحسب المصلحة المعتبرة شرعا .
قال الحويني (ولو جمعنا المسائل الفقهية التي اختلف الصحابة فيها لكانت بالألوف، وحسبك كتاب: الإجازة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة، لبدر الدين الزركشي رحمه الله، وهذا الكتاب أورد فيه مصنفه ما استدركته عائشة ، وتعقبته على الصحابة رضي الله عنهم -يعني الاعتراض منها على الصحابة- فجمع كتاباً ، فلو أردت أن تجمع كتاباً لكل صحابي اعترض على الباقين لطال الأمر، ومع اختلافهم في المسائل الشرعية لا نعلمهم قط اختلفوا في مسائل الإيمان، إلا في مسائل يسيرة ومحكمة، وكان يراجع بعضهم بعضاً في النقل في المسائل الفقهية، لكن في المسائل الاعتقادية لا، وهذا من أكبر الأدلة على أنهم لم يختلفوا في مسائل الإيمان، أو في مسائل التوحيد) .
فالمسلمون بحاجة إلى من يقودهم ويرشدهم ويهديهم لطريق الحق ،ولذلك فإنه عندما تزيغ الأهواء وتتضارب الآراء ويضحى كل ذي هوى متبع لرأيه وهواه وليس متبع لشرع ربه ، يأتي الله بالمهدي المنتظر ليقود الناس للحق ، ويملأ الأرض عدلا بعدما ملئت ظلما وجورا ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (الْمَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ يُصْلِحُهُ اللَّهُ فِي لَيْلَةٍ) ، وقد سبق أن ذكرنا الأحاديث الدالة على أن كتاب الله وأهل البيت لن يفترقا حتى يردا على الحوض .
-
الاربعاء PM 05:41
2026-09-16 - 34



