ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
محاججة النبي قومه
محاججة النبي قومه
وفيه ست مسائل :-
انتقال إلى نموذج عملي بين كيف واجه النبي قومه بالدعوة الإسلامية ، وطريقته محاججة لهم
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (90)
قوله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً ..) (74) في البداية حاول نبي الله إبراهيم محاولة صريحة وقوية لإنكار المنكر وهو لا يخشى في الله لومة لائمة رغم أنه لا يملك شيئا من أسباب القوة لدفع المنكر ، فأنكر المنكر في مواجهة أبيه وقومه ، ذلك أن (العقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة ، وفوق مشاعر الحلم والسماحة) ، ويظل يحاجهم ويناظرهم ويحثهم علي النظر والتفكر ، فقال لأبيه: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً) إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى) ، لأن كل ما سوى الله فهو باطل ، كما قال النبي (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ) ، قال بعض الحكماء (كل ما عبد من دون الله، بل كل ما يشغل عن الله تعالى يقال له: "صنم" .
وعلى هذا الوجه قال إبراهيم (اجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم 35] ، ومعلوم أن إبراهيم مع تحققه بمعرفة الله تعالى، واطلاعه على حكمته لم يكن ممن يخاف أن يعود إلى عبادة تلك الجثث التي كانوا يعبدونها ، فكأنه قال: اجنبني عن الاشتغال بما يصرفني عنك) .
فقوله (..إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (74) أنكر عليهم دون شفقة أو ترخص ، موضحا لهم سوء عبادتهم وضلالهم المبين دون خجل منه ولا مواربة ، وذلك هو الحب الحقيقي الذي يقدمه المسلم لقومه ، وهذا هو الانتماء الحق لأبيه وقومه ، فلا يهادنهم في الحق ولا يسايرهم في ضلال ، وإنما يبصرهم الهدى وينكر ضلالهم دون استشعار لحرج .
وقوله (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75) قال ابن عجيبة (العارف يرى الحق في الخلق كقول بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه)
وقال ابن تيمية (وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : مَا رَأَيْت شَيْئًا إلَّا وَرَأَيْت اللَّهَ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ رَبُّهُ وَالرَّبُّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ رَأَيْت اللَّهَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ آيَتُهُ وَدَلِيلُهُ وَشَاهِدُهُ ؛ وَالْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ بَعْدَ الدَّلِيلِ أَوْ رَأَيْت اللَّهَ فِيهِ بِمَعْنَى ظُهُورِ آثَارِ الصَّانِعِ فِي صَنْعَتِهِ فَهَذَا صَحِيحٌ) .
وكذلك رأى نبي الله محمد ربه في الدنيا بمعنى رأى قدرته في ملكوته ، قال رسول الله (رأيت ربي في أحسن صورة قال فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت أنت أعلم يا رب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) ، إذ اتفق المحققون من أهل السنة والجماعة على أن هذه الرؤية وقعت في المنام (الرؤيا)، لا في اليقظة الدنيوية ، وبناءً على ذلك انحسم الخلاف في امتناع رؤية الله بـ"عين اليقظة" في الدنيا.
وهكذا ارتقي نبي الله إبراهيم عليه السلام في الفهم ، ليدرك حقيقة الملكوت وأن فاعلية الأسباب بيد الله وحده ، قال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ، فالله تعالى بيده ملكوت السماوات والأرض ، والأسباب ما هي إلا خلق من خلق الله تعالى ، فالاعتماد علي الأسباب شرك ، فلا يعبد السبب ، ولكن يتمسك به ، مع العلم بأن الله هو مسببه ، قال ابن عجيبة (أهل السير من المريدين يشهدون الكون ثم يشهدون المكون عنده) .
في قوله (..وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75) فنبي الله إبراهيم كان يرى قدرة ربه في كل عمل وفي كل حال ، وهو يدرك تماما أن ما من حركة ولا سكنة في السماوات والأرض إلا وقد صرفها الله على هذا النحو ، ولكن هذا الإدراك يسمى باليقين ، لكنه عندما يعاين الملكوت يزداد يقينا بالمعاينة فيسمى ذلك بعين اليقين ، فإذا ما تعايش مع الملكوت واستشعر به وتعلم أسبابه وقوانينه ازداد يقينا على اليقين ، وتلك المرحلة تسمى بعين اليقين ، ولذلك روي ابن أبي الدنيا عن خالد بن معدان ، قال : «تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه » ، ففي الحديث قال النبي لأبي هريرة (اذْهَبْ .. فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) ، فإذا استيقن القلب أن إلى الله المصير وعمل لهذا اليوم فقد حظى بتلك البشرى ، أي بالجنة .
فالمحصلة أنه يتوصل إلى إدراك مرتبة اليقين بالتفكر في الملكوت أي (خلق الله) ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي-أي بالأذان- فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ، فقوله (يقينا) هو ما يبين شرط دخول الجنة إذا ما أديت العبادات واتبعت الشعائر ، حيث يلزم أن يكون القلب موقنا بها ، وهو ما حصله نبي الله إبراهيم في عبادته لربه .
فأمور الغيب تدرك في الدنيا باليقين ولا تدرك بعين اليقين لأنها غيب ولا بحق اليقين لأنها لم تباشر ، ويكفي للإيمان بها مجرد اليقين ، لكن ذلك لا ينفي أن يصل العبد لأعلى مراتب اليقين دون معاينة ولا مباشرة ، فعن الحسن قال : « ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل ، وذل واستقام ، واقتصر حتى يأتيه الموت » .
وعليه فإن مراتب اليقين تنقسم إلى ثلاثة :-
1- علم اليقين
2- عين اليقين
3- حق اليقين
قال ابن القيم (ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة : حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى ( كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين) فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها عليه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة) ، وهذه المرتبة هي أول مراتب اليقين وهي علمه وتيقنه وهي الكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين اليقين ونسبتها الى العين كنسبة الاول الى القلب ثم تليها المرتبة الثالثة وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الادراك التام) .
وقد تبوأ نبي الله إبراهيم مرتبة حق اليقين عندما أدرك صنع الله في ملكوته وكيف أنه أبطل فاعلية النار بكوني بردا وسلاما فكانت كذلك ، قال الشعراوي (سيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في كل أدوار حياته؛ لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك ، ما وراء مظاهر الأشياء؛ وعواقبها ، فعندما أُخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول : ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم : أمّا إليك فلا ، ويقول ذلك وهو يعرف أن النار تحرق ، ولكن هذا ظاهر المُلك وظواهر الأشياء ، وسيدنا ابراهيم يعلم أن الذي خلقها جعلها محرقة ، ويستطيع ألا يجعلها محرقة ، وهو متيقن به ، ولذلك لم يطفئ الله النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليّاً لأعناق خصومه ، فأوضح الحق : يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق ، وأنا أقول لك الآن : لا تحرقي (قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء : 69] إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء المُلك الظاهر) .
والذي يحول بين الإنسان ودرجات اليقين هو الانشغال بغير الله ، وكلما قل ذلك الانشغال كلما زاد اليقين ، يقول الرازي (نور جلال الله تعالى -شرعه- لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب –أي محجوبة من الرضا-، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل التجلي) ، أي تجلي قلب المؤمن لنور الله –حكمه وشرعه- الذي يقذفه فيه بعد إزالة هذه الحجب.
قوله (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) استلهم إبراهيم عليهم السلام من النظر في الملكوت حججا لإبطال ضلال قومه في عبادة غير الله ، ولم يتكلف في الأمر بل إنه نظر في وقت الليل تارة ووقت النهار تارة دون أدنى تكلف ، فوجد الظرف الذي يحيط به في الليل وقد ظهر القمر ، وكذلك الظرف الذي يحيط به في النهار فوجد الشمس ، فأثبت أنهما حدثتان ومتغيرتان ، والله تعالى ليس بحادث يعرض ولا بمتغير ، فأبطل عبادتهم للكواكب من هذا المنطلق .
وفي هذا الصدد لابد من الوقوف على أمرين في حجة إبراهيم التي قدمها لقومه ، أحدهما أمر إثبات والآخر نفي
فأما الأمر الأول فهو قوله (هذا ربي) : قال الرازي (يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الإخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله) .
والأمر الثاني هو إثباته لأفول الكواكب ، لأن (الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها)
قال ابن الجزي (أي لا أحب عبادة المتغيرين ؛ لأن التغير دليل على الحدوث ، والحدوث ليس من صفة الإله ، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس ، فلما أوضح البرهان ، وأقام عليهم الحجة ، جاهرهم بالبراءة من باطلهم)
قال ابن عجيبة (التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية)
وقال أبو حيان الأندلسي (أي لا أحب عبادة الآفلين المتغيرين عن حال إلى حال المنتقلين من مكان إلى مكان المحتجبين بستر ، فإن ذلك من صفات الأجرام وإنما احتج بالأفول دون البزوغ ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال ، لأن الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ، وجاء بلفظ "الآفلين" ليدل على أن ثم آفلين كثيرين ساواهم هذا الكوكب في الأفول فلا مزية له عليهم في أن يعبد للاشتراك في الصفة الدالة على الحدوث) .
قوله (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) وجهي أي (قصدي) ، قال الواحدي أَيْ : (جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عزَّ وجلَّ) ، قال ابن تيمية (فَإِقَامَةُ الْوَجْهِ ضِدُّ إزَاغَتِهِ وَإِمَالَتِهِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، فَإِذَا قَوَّمَ قَصْدَهُ وَسَدَّدَهُ وَلَمْ يَنْحَرِفْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا كَانَ قَصْدُهُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال رسول الله (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ وَكَانَ يَقُولُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يَخْفِضُهُ وَيَرْفَعُهُ)
قوله (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: (إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه) .
فإذا قيل لك : بم عرفت ربك ؟
فقل : بآياته ومخلوقاته ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما ، والدليل قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت 37]
وقوله تعالى ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف54] .
كذلك قيل لبعض الاعراب بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وآثار الخطا تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج كيف لا تدل على العلي الكبير ، وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى هذا المعنى في قوله تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(إبراهيم11) .
وقوله (..حَنِيفًا..) (79) مائل عن الباطل والاعوجاج إلى الحق والاستقامة ، قال القرطبي (و"حنيفا" مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق) ، مأخوذ من الميل والاعوجاج ، قال الشعراوي (الحنف هو الاعوجاج ، فالعدول عن المعوج استقامة ) ، ولذلك قيل نفي النفي إثبات (فالحنيف المائل إلى العبادة) ، (فالأحنف الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها)
قال الأصفهاني (مَيْلٌ مِن الضَّلالِ إِلَى الاسْتِقَامةِ) ، يعني: (متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها) .
وقوله (..وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) قال النسيابوري (لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً ) ، هذا نتيجة لتوجيه القصد -في كل عمل - لله بإخلاص ، والميل عن الضلال إلى الاستقامة على الهدى ، فكان مؤدى ذلك ولازمه الاحتراز من الشرك بالله تعالى ، ونتائج هذا الإعلان بأنه لا يشرك بالله ، أنه لا يرضي لنفسه غير الإخلاص لله دينا ، ولا يأبه برضاء قومه عنه في معصية الله ، ولا يبالي بغضبهم منه في طاعة الله ، أي أنه يعلن تبرؤه من شركهم صراحة ، وأنه لا يقبل أن يساومه أحد في هذه المسألة ، ولو قيد أنملة .
قوله (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) (80) أي بعد أن قدم إبراهيم لقومه الحجة الدامغة ، فإنه ليس بحاجة لأن يأتي بحجة تعضدها ، وليس عليه أن يستطرد في الإتيان بالحجج ، بل الواجب عليه –بعد ذلك - أن ينشغل ببيان أحكام الإسلام وشريعته لمن يتبعه من المسلمين ، فكان لابد وأن يقتصد في محاجاتهم ليفرغ إلى التزكية أي "التربية لمن اتبعه" ، وليس عليه أن يبارز الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ، فقد قدم الدليل الدامغ على الحق وكفى .
بيد أنه وقبل أن يشرع في ذلك وجه إليه المشككون وابل من الحجج المصطنعة ليعطلوه عن دعوته ، ويبادلونه الحجة بالحجة فيحاجونه كما يحاجهم ، قال الإمام البقاعي (ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس ، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه ، ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض ، نزه المقام عن ذكرها ، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر ، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله : ( قال ) أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم (أتحاجوني)
قوله (..أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ..) (80) أي في وحدانيته ، وهنا يأت الرد من القلب السليم المطمئن بذكر الله ، فيقول لهم مستنكرا (أَتُحَاجُّونِّي) قال ابن عاشور (الاستفهام إنكار لعدم تذكرهم مع وضوح دلائل التذكر ، والمراد التذكر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية، وفي صفات الإله الحق التي دلت عليها مصنوعات)
وهذا إن دل فإنه يدل على سعة صدر النبي وقبوله لمحاجاتهم وبقدرها ، لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه وبدأوا بتهديده وإخافته ، فهم ليسوا بأهل فكر ولا يحترمون الحجة ، وإنما الشرك يعني القمع وهو الترجمة الحقيقية لكبت الحريات ، ولذلك رد عليهم بأنه لا يخاف ما يخوفونه به .
قوله (..وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا..) (80) قال ابن عجيبة أي : (لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء؛ لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع ، إلا أن يشاء ربي شيئًا أن يصيبني بقدَره وقضائه ، فإنه يصيبني لا محالة ، لا بسببها) ، لأنه أيقن أن الضر والنفع من الله ، فإذا أصابه ضر فليس منهم في شيء وإنما هو قدر الله وابتلاءه لعبده ، وقد رضي به وصبر عليه ، قال أبو السعود (أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بي من جهتها ، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً) .
وقد ثبت في السيرة أن النبي أصيب بالسحر نتيجة أعمال لبيد الأعصم ، فكان ذلك بقضاء الله وقدره ، وقد شفاه الله منه ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ..ثم قالت عائشة في آخر الحديث (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ –أي السحر من مكانه- قَالَ (قَدْ عَافَانِي اللَّهُ) ، فاستغنى بذلك عن استخراجه وقد عافاه الله .
وفي قوله (..وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا..) (80) قال أبو حيان (ذكر عقيب الاستثناء سعة علم الله .. فلا يستبعد أن يتعلق علمه بإنزال المخوف بي إما من جهتها .. أو مطلقاً) .
فالله يجعل للضر أسبابا ، ليتدبر الإنسان ضعفه ، (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 28) ، ولا يغتر بقوته ، (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (النازعات 27) ، فيجعل غيره ، ومن هو أضعف منه قادر على أن يقهره ، من ذلك الفيروسات والأمراض فإنها تهلك أعتى العتاة ، ولا يخفي من ذلك حكم كثيرة ، فها هي الجبال الرواسي الشامخات من أشد مظاهر القوة في الأرض يقطعها الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس ، والحديد تذيبه النار بحرارتها العالية ، والماء يطفء النار ، والسحاب يحمل الماء ، والريح تعبث بالسحاب فترسله يمينا وشمالا ، والإنسان يتقي الريح بثوبه وبيته ، والنوم يغلبه ويقهره ..الخ .
ولعلنا نلحظ ذلك من سيرة الأنبياء يوسف ويعقوب وأيوب وسليمان ويونس وموسى ..الخ ، فلكل قصة منها حكمة فيما ابتلاه الله منهم بشيء من الضر.
فجعل مس الشيطان سببا لأن يصيب نبي الله أيوب الضر ، فقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص41)
وكذلك فُتن سليمان ، وسلب ملكه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (ص34)
وكذلك فتن موسى لما سحرت عينه وأعين الناس واسترهبوهم (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف 116) ، وفي سورة طه (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) (طه 68)
كذلك فتنة يونس لما التقمه الحوت وهو مليم (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (المؤمنون 88)
وفي قوله (..أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) (80) قال الشعراوي (يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة ، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة ، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر) .
قوله (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ..) (81) قال ابن عاشور (ذلك إثبات أن المتصرف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنه محدث الموجودات كلها في السماء والأرض) .
ذلك أن المشركين دوما يخوفون أولياء الله فيقولون (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) ، وأولياء الله لا يخافون إلا الله ، فلا يأبهون لقولهم ، بل يتعجبون ويستنكرون أن يخوفونهم غير الله ، كما في قوله (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران 175)
قوله (..وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا..) (81) قال القطان (إنه لمن العجب أن أخاف ألهتكم الباطلة ولا تخافون أنكم عبدتم مع الله ، الذي لا إله إلا هو ، آلهةً باطلة!؟ ) ، وفي ذلك إبطال لتهديدهم إياه بأن ينزل به ضر منهم ، بالإتيان بتهديد مثله ، وهو الحق ، ذلك أنهم إذا زعموا عدم خوفهم من الله الذي اشركوا معه غيره ، فإذا كان هذا هو زعمهم ، وقد هددوه بأن يصيبه الضر من آلهتهم ، فإنه من حقه كذلك أن يعلن لهم في ثقة أنه لا يخاف ما يخوفونه به من تهديدات ، وذلك من باب التحدي لهم وإثبات الثقة في الله ، بل ويهددهم بالله أن يعاقبهم على شركهم به ، فكيف يأمنون عقابه ، أي إنه إذا كان أهل الباطل يدافعون عن باطلهم ولا يخشون الله ، بل ويموتون من أجل باطلهم ، فأولى بأهل الحق أن يدافعوا عنه جهارا نهارا ولا يخشون في الله لومة لائم ، ولا يهابون الموت لأجل إعلاء كلمة الله.
قوله (..مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا..) (81) أي أنكم تعبدون هذه الآلهة بدون دليل من الشرع ، فلم ينزل وحي يوحى بإجازة عبادتها ، أو اعتبارها وسطاء كما تزعمون ، فليس لكم مستند من العقل ولا من النقل ، فعلام تعبدون ما ليس لكم فيه دليل ، إلا أن تكون عبادتكم هذه إلى ضلال ، لأن الأصل في العبادة المنع إلا بدليل ، فإذا لم تأتوا بالدليل فلا شك أنها باطلة دون حاجة لإثبات ذلك .
قال أبو حيان (والسلطان الحجة ، والإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة ، وكأنه لما أقام الدليل العقلي على بطلان الشركاء وربوبيتهم ، نفى أيضاً أن يكون على ذلك دليل سمعي ، فالمعنى أن ذلك ممتنع عقلاً وسمعاً فوجب إطراحه) .
قوله (..فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (81) قال الشعراوي (وهذا منتهى الحيدة في الجدل ، فلم يصرح بأن منهجهم هو الضلال ، وأن منهجه هو الصواب المستقيم ثقة منه أنهم حين يستعرضون منهجه ويستعرضون منهجهم سيحكمون بأنه على هدى وأنهم على ضلال ، وهذا هو الجدل الارتقائي ، مثلما يعلم الحق رسوله ليقول لخصومه (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [ سبأ : 24 ] (قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [ سبأ : 25 ] .
إذن الشعور بالإمن هو رهين بالإيمان ، فعندما يؤمن العبد بالله يعطيه الله شعورا بالأمان في قلبه لا يفارقه ، كما في قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28)، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة277) ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82).
بينما يشعر الكافر بالله بالخوف والفزع ، ولا يشعر بالأمن إطلاقا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، كما في قوله ) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151].
قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (82) جملة الصلة بتعريف الآمنين من عذاب الله يوم القيامة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ " شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالُوا أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، جاء في الشرح (ولم يلبسوا أي لم يخلطوا) ، أي (لا تخلط الإشراك بالإيمان بالله وسائر ما يجب الإيمان به إن الشرك لظلم عظيم استئناف تعليل أي فإنه يبطل الإيمان ويستأصله ولا يجتمع معه أصلا فضلا عن غيره من الأعمال) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) .
قوله (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (83) قال الشيخ سيد طنطاوي أى : (وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى إثبات الحق ..أعطيناها إبراهيم ليكون مستعلياً بها على قومه ، قاطعاً لألسنتهم عن المجادلة والمخاصمة)
قال الرازي (جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد ، وهو أنها محدثة ممكنة ، وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع ، وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع .. ، وكأنه- إبراهيم- قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار) أي الاحتياج لله والافتقار له ، فما من مخلوق إلا ظهرت فيه الحاجة والافتقار لخالقه .
ويعلق صاحب الظلال على رحلة إبراهيم الشائقة مع الفطرة الصادقة بأنها (رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع؛ والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها ، فيبينه لهم في رسالات الرسل ، ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم ، وهي مناط الحساب والجزاء ، عدلاً منه ورحمة ، وخبرة بحقيقة الإنسان وعلماً) .
قوله (..نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (83) أي: (علا بها عليهم، وفلجهم بها) ، فعن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) قَالَ (بِالْعِلْمِ) ، وهكذا كان المسلمون هم السابقون في علم المناظرة والكلام والجدال بالحق ، وهو ما يسميه البعض بعلم (المنطق) أو (الفلسفة) أو (الحكمة) .
فرفع الله نبيه إبراهيم على النمرود الذي أله نفسه ، وأراد محاجاة إبراهيم فبهته إبراهيم بالبرهان (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [ البقرة : 258] .
قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (87) قال النيسابوري (اعلم أن الله تعالى ذكر أربعة من الأنبياء وهم : نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب ، ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً : داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً، فالمجموع ثمانية عشر ، وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة)
وقال الشعراوي (وأنت إن نظرت إلى هؤلاء الثمانية عشر نبياً المذكورين هنا ، ستجد أنهم من الخمسة والعشرين رسولاً الذين أمرنا بالإيمان بهم تفصيلا ، أي بقى سبعة وهم (إدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار وقد ختموا) ، وهؤلاء السبعة مشار إليهم بقولهم (وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ) فهم جميعا إما أباء لأنبياء مثل آدم أو من ذرية الأنبياء وكذلك أخوة لأنبياء سواء في النسب مثل موسى وهارون أو في الزمن مثل لوط وإبراهيم.
فقد استجاب الله لدعوة نبيه إبراهيم حيث أبدله الله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وبارك في ذريته فجعلهم أنبياء ، قال تعالى (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) (إبراهيم 40) ، وأظن والله أعلم أن جمعهم في هذا الموضع والإشارة إلى أنهم ذرية بعضها من بعض ، أو لأنهم أخوان مثل أخوة موسى وهارون في النسب ، وأخوة إبراهيم ولوط عليهما السلام في الدعوة ، للتأكيد على أن نبي الله إبراهم لما خاصم أبيه وقومه في الله لما رفضوا دعوته وحاولوا حرقه ، فإن الله تعالى بارك في ذريته وأصحابه فجعلهم أنبياء ، ليعلم الناس أن دعوة الإسلام لا تفرق بين الأب وابنه ولا الأخ وأخيه كما اشتهر الإفتراء علي النبي من كفار قريش بأنه (فَرّقَ جَمَاعَتَنَا وَشَتّتَ أَمْرَنَا وَإِنّمَا قَوْلُهُ كَالسّحْرِ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) ، بل على العكس من ذلك فإن الإسلام يحث المرء على أن يبدأ في دعوته بأقرب الأقربين إليه ، قال تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(الشعراء 214) ، وقد بارك الله في ذرية نبيه إبراهيم فكانوا أنبياء .
لكن يجب الاحتراز والفهم أنه إذا وقف النسب أو وقفت صلة القربى أمام الدعوة فلا يحول بين مضيها في طريق الحق حائل كما كان في قصة إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).
قوله (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) قال ابن كثير أي: (إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم) ، قال الرازي (المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك) ، وقال (واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك ، لأنه قال بعده : (وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [ الأنعام : 88 ] وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جارياً مجرى الأمر المضاد للشرك) .
قوله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (88) هذه الآية تثبت عصمة الأنبياء عن الشرك بالله تعالى ، وذلك قبل البعثة أو بعدها ،)قال أهل اللغة (لو))- هو حرف امتناع لامتناع – أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، وهذا الحرف لا عمل له- أي أنه شرط غير جازم) (حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه ، لأجل امتناع وقوع شرطه) ، قال الشعراوي (وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم) .
قال ابن تيمية (الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ) ، قال النيسابوري (يعني ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره فعبدوا معه غيره (لحبط عنهم) أي بطل عنهم وذهب عنهم ما كانوا يعملون)
ونظير ذلك قوله (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر 65-66) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ) ، فالأنبياء أخلص الناس لله ولا يريدون من عملهم جزاءً ولا شكورًا.
قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) "الكتاب" كناية عن المنهج الرباني الذي كلف الله به عباده أي الشريعة المتبعة ، "الحكم" وهو قوة السلطان ، لأن السلطان حارس للشريعة ، وقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم ، و"النبوة" الدعوة للحق ، ويرثها أنبياء عن أنبياء ، كما في الحديث (كلما مات نبيه خلفه نبي بعده) ثم يرثها عنهم العلماء كما في الحديث (العلماء ورثة الأنبياء)
قال الشعراوي (والحق سبحانه وتعالى لم يجعل من الأنبياء ملوكا إلا اثنين "داود وسليمان" حتى يعطينا فكرة أن الله إذا أراد أن يقهر خلقاً على شيء لا يقدر عليه أحد يبعث مَلِكاً رسولاً؛ لأن المَلِك لا يقدر عليه عبد لأنَّ القدرة معه ، والمجتمع آنذاك كان في حاجة إلى ملك يدير أمره ويضبط شأنه ، وسبحانه لا يريد الإيمان بالقوة والخوف والرهبوت إنما يريده بالاختيار ، ولذلك جعل أغلب الأنبياء ليسوا ملوكاً) .
قوله (.. فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (89) أي إن تنكب عن حمل أمانة الدعوة قوم ، حمَّلها الله لقوم غيرهم يستخلفهم بدلا منهم يكونوا خيرا منهم وأهلا لحملها ، قال العثيمين (المراد "بالتوكيل" الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون) ، قال ابن تيمية (فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ - وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا ، بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .
قال ابن عاشور (التوكيل هنا استعارة ، لأن حقيقة التوكيل إسناد صاحب الشيء تدبير شيئه إلى من يتولى تدبيره ويكفيه كلفة حفظه ورعاية ما به بقاؤه وصلاحه ونماؤه ، يقال : وكلته على الشيء ووكلته بالشيء فيتعدى بعلى وبالباء . وقد استعير في هذه الآية للتوفيق إلى الإيمان بالنبوءة والكتاب والحكم والنظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيها لتلك الرعاية برعاية الوكيل ، وتشبيها للتوفيق إليها بإسناد النظر إلى الوكيل ، لأن الوكالة تقتضي وجود الشيء الموكل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته ، فكانت استعارة " وكلنا " لهذا المعنى إيجازا بديعا يقابل ما يتضمنه معنى الكفر بها من إنكارها الذي فيه إضاعة حدودها) .
إذن في الآية ذكر لفظين " الإيتاء" و "وكلنا" ، فالإيتاء للكتاب ، ووكلنا أي عهدنا لأهل الكتاب القيام بأمر الدعوة ، فالوكالة تعني إسناد الأمر إلى من يتولى الحفظ والتدبير والرعاية ، أما الإتياء فيعني الأخذ ولا يلزم منه إسناد الأمر لمن يحفظه ويقوم عليه) ، وهذا هو ما وقع فيه بعض أهل الكتاب الذين حرفوه وبدلوه .
وفي مفهوم الوكالة عن الله قال ابن القيم الجوزية (فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته) ، وقال ابن القيم (فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعا لهم) .
ويقول صاحب الظلال (وهذا يدل على أن أهل الخير دائما وكلاء عن الله؛ لأن الذي يمد يده بالمعونة لضعيف من خلق الله؛ هذا الضعيف قد استدعاه الله إلى الوجود ، ومن يمد يده بالمعونة فقد جعل من نفسه وكيلاً لربنا؛ لأنه يقوم بالمطلوب له - سبحانه - وجعل من نفسه سبباً له؛ لأن الله رب الجميع ، ومربي الجميع ، وراعي الجميع ، ورزّاق الجميع ، وليثق من يقوم بالخير ويجعل من نفسه وكيلاً عن الله في أن يشيع الخير في خلق الله ، ليثق أن الله سيكرمه أضعاف أضعاف ما أعطى) .
والمعنى بهذه الوكالة في الأصل هم الأنبياء وكذا من تبعهم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ " يَعْنِي"أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالأَنْصَارَ" ، قال قتادة : (وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم يعني قبل هذه الآية) ، وقال ابن القيم (والقوم الموكلون بها هم الانبياء أصلا والمؤمنون بهم تبعا، فيدخل كل من قام بحفظها والذنب عنها والدعوة إليها ،ولا ريب أن هذا للأنبياء أصلا وللمؤمنين بهم تبعا وأحق من دخل فيها من أتباع الرسول خلفاؤه في أمته وورثته فهم الموكلون بها) .
قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) ذلك (أن الأنبياء دينهم واحد، وشرعهم شرع لنا) ، مالم يأت دليل بنسخه ، والمعنى العام يدل على ذلك ، يقول الكيا هراسي (يستدل به على وجوب اتباع شرائع الأنبياء وإلتزامها) ، قال السعدي (أمره الله رسوله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم .
وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف: [أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه] وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه، وكذلك قوله تعالى: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ " [الأنعام: 153]، وهذا يعم جميع ما شرعه لعباده، فعلاً وتركاً، اعتقاداً وانقياداً، وأضافه إلى نفسه في هذه الآية لكونه هو الذي نصبه لعباده) .
قال الواحدي (ويحتمل أن يكون فيه تخصيص) أَي : (اصبر كما صبروا؛ فإنَّ قومهم كذَّبوهم فصبروا) ، والمعنيان جائزان معا مفهومان من السياق بلا تعارض .
قوله تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (90) قد ألغي الشارع الحكيم حظ المكلفين من الدعوة الإسلامية ، فجعل دعوتهم خالصة لوجهه لا يجوز أن يبتغي المكلف منها أجرًا من غيره ، وهو ما يعني بطريق التضمن إلزام كل نبي أن يتخذ مهنة يقتات منها ليقيم بها دنياه ، ولذلك كان لكل نبي مهنة يكتسب منها قوته وقوت عياله .
فنبي الله آدم كان يصنع اللباس ، ونبي الله نوح كان نجارًا ومهندس تشييد والدليل على ذلك أنه صنع سفينة ضخمة ، ونبي الله إبراهيم كان بناءً فقد بنى الكعبة ، ونبي الله داود كان حدادًا ويصنع الدروع وأمره الله بأن يقدر في السرد ، ونبي الله عيسى كان طبيبا يداوى المرضى ، وهكذا لم يخل نبي من مهنة حتى أن نبي الله محمد عمل بالرعي ثم التجارة وثم الإدارة المدنية ثم الإدارة العسكرية .
قال رسول الله (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) ، قال العلماء (وليس الإبل لأنها تكسبه الهدوء والسكينة والرفق، إذ لا يمكن أن يتجبّر على شاة صغيرة، أما الجمل فإنه إذا هاج إن لم تتجبر عليه قضى عليك) ، فإذا كانت لكل نبي مهنة فإنه يستعف بمهنته عن رزق قومه ، فلا يسألهم أجرا مقابل دعوته لهم ، وقد حبذا الإسلام أن يكون طيب الطعام من عمل يد المرء نفسه ، فعن رسول الله قال (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .
قال تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
قوله (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (91) قال ابن تيمية أي (مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَمَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ) ، فهذه العبارة من جوامع الكلم في علم العقيدة ، وذلك بنفي كل ما قدره البشر في شأن الله تعالى ، فكل ما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك ، ذلك أن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، (فمن لم يوحد الله فما قدر الله حق قدره ، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الخالق والمخلوق في الحب والخوف والرجاء ، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الملك والمملوك في الاستغاثة والدعاء) .
ومن جهة ثانية فإن الملائكة وإن كانت تعبد الله ولا تعصيه فإنها تقر بأنهم لم يعطوا الإله حقه من العبادة ، ففي الحديث قال النبي (يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت ، فتقول الملائكة : يا رب لمن يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة : من تجيز على هذا ؟ فيقول : من شئت من خلقي فيقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) .
قوله (..إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (91) الذي أطلق هذه الشبهة وقال : (إنّ الله لا يبعث رسولاً من البشر) ، هذا ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه اتهم الله سبحانه وتعالى بأنّه ترك عباده بدون هداية ولا بيان، ولا بيّن لهم طريق الحقّ من طريق الباطل، ولا وضّح لهم) .
وأغلب المفسرين ينسبون هذا القول لكفار قريش ، لأن أهل الكتاب يعلمون أن الله أنزل التوراة والإنجيل ، ولكن لا يستبعد إطلاقهم لمثل هذه الشبهة ويخصون بها محمد ، قال النيسابوري (كفار قريش متشاركين مع اليهود والنصارى في إنكار نبوة محمد ) ، معنى كلامه أن أصحاب هذا القول الباطل هم كفار سواء أكانوا من المشركين أم من اليهود أو من الملحدين ، فجميعهم يتفقون على إفراغ الدين من مضمونه بنفي الرسالة وتجريدها من المنهج ، ليكون الدين عندهم - بنفي الرسالة - بلا منهج صالح للتطبيق ، فيستوون في ذلك بمن لا يؤمنون بإله أصلا .
قوله (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ..) لقن الله نبيه الإجابة على الشبهة التي أثارها مشركي مكة ، وهي نفي الرسالة ، أي نفي المنهج الذي مع النبي ، وذلك بالإشارة إلى التوراة ، فتلك الإجابة تحيلهم للبحث عما سبق القرآن من كتب أنزلها الله على عباده ، أي أحال في إجابته إلى اليهود الذين يؤمنون بموسى عليه السلام عليه ، فهؤلاء هم أهل الكتاب ، ومشركوا مكة يعرفونهم ، ويتعاملون معهم .
قال ابن عاشور : أي (فذكّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب, وهو رسالة موسى ومجيئه بالتوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكة، واليهود يترددون على مكة في التجارة وغيرها، وأهل مكة يترددون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم، وبهذا لم يذكرهم الله برسالة إبراهيم عليه السلام لأنهم كانوا يجهلون أن الله أنزل عليه صحفا) ، ولعل السبب لعدم تذكيرهم برسالة عيسى عليه السلام أن اليهود كانوا منتشرين في جزيرة العرب دون النصارى الذين كانوا يستوطنون الشام ومصر في العهد المكي للنبوة ،ولا يزال المسلمون بلا دولة.
فاليهود كانوا إذاك أقرب للمسلمين من مشركي مكة ، ولعل ذلك إيذان إلى قرب الهجرة إلى المدينة المنورة والاستعداد لمعاملتهم ودعوتهم للإسلام أو مواجهتهم كما جرت بذلك الأحداث .
وبذلك أسبر القرآن عن حجج المشركين ، وقسمها إلى فئات ، فاستبعد الذين لا يؤمنون بكتاب عن تلك المجادلة في هذه المسألة لأن الأولى أن يدور الجدال معهم في المسألة الأصلية وهي أين الله ؟ وما هي صفاته وأسمائه ؟ أما أهل الكتاب فأحرى بهم وحدهم أن يتحروا عن مسألة التصديق بالقرآن الكريم وبعث النبي إليهم .
ولا غرو كذلك في أن يكون المخاطب بهذه الآية بعض مشركي مكة الذين يكنون في صدورهم احتراما لليهود من أهل المدينة وما حولها والذين هم أقرب لليهود من عبادة الأصنام .
قوله (..تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا..) المقصود ذم أهل الكتاب الذين أخفوا الحق وكتموه ، فعمُّوا على أهل مكة حقيقة النبي وهو مكتوب عندهم في التوراة ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، قال الطبري (والمراد منه المكتوب في القراطيس) ، قال القرطبي (هذا لليهود الذين أخفوا صفة النبي وغيرها من الأحكام) .
قال الرازي (فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود) ، ولذلك قال الله في حقهم (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة 75)
وفي قوله تعالى (..وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ)(91) عَنْ قَتَادَةَ قال:"هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَوْمًا آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ" ، قال الشوكاني (والخطاب لليهود ، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ، .. والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد من الأمور التي أوحى الله إليه بها ، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ، ولا على لسان أنبيائهم ، ولا علمه آباؤهم) .
وفي ذلك تأكيد على تفاعل اليهود عند نزول آيات القرآن وقد فوجئوا بأنها بينت لهم ما كانوا يخفونه من قبل ، أي وعلى الرغم من أن اليهود حرفوا التوراة وبدلوا أحكامها وأخفوا بعضا منها إلا أنه لا يزال كتابهم مشهورا وإن كان محرفا ، ولا يزال العرب يتحدثون عما عندهم من علم عن الله بذلك الكتاب "التوراة" ، فلما نزل القرآن الكريم وقد أخبرهم ببعض ما كانوا يخفونه من كتبهم ، أضحى ذلك حجة عليهم
قوله (قُلِ اللَّهُ) فذلك إجابة للسؤال السابق (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى) ودلالته أن الذي أنزل التوراة التي تعرفونها ، هو الذي أنزل القرآن الذي تنكرونه ، والدليل هو إخبار القرآن عما في التوراة من أحكام كانوا يخفونها .
وفي قوله (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) أي لا تنشغل بما يثيرونه من شبهات القصد منها تعطيلك عن المضي في طريق الدعوة ، وانشغل باستكمال وظيفتك دون التفات إلى كل حجة يلقونها إليك ، قال الشعراوي (هذا لعب منهم ولن يستطيعوا الصمود أمام الدعوة ، فالدعوة سائرة في طريقها ، ولن يتمكنوا منها أبداً ، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب لا جدوى منه ولا صلة له بالجد) .
قال تعالى (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
قوله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (92) التفات إلى كتاب الله المبارك ، بالتركيز على ما فيه من خير وفير وبركة عظيمة ، وكنوز جليلة ، كما في قوله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام155) ، وقال تعالى (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الأنبياء50) ، وقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص29) ، فهو كتاب مبارك من كل وجه ، فهو بركة لقارئه ولسامعه ولمتدبره ولمن عمل به واتبعه ، ويكفي من بركته أنه يزيد الإيمان بتلاوته ، قال تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ (الأنفال: 2).
قال الرازي (ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة) .
قال صاحب الظلال (الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئاً متفرداً لا نظير له في كلام البشر) .
وقال الشعراوي (وبركة القرآن غالبة ومهيمنة ، فحجم القرآن مقارنة بحجم الكتب الأخرى أقل ، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب ، ورغم كثرة المؤلفات والتفاسير فيه ما استطاع واحد أن يصل إلى حقيقة المراد من الله؛ لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فكيف تستقبله القرون الأخرى؟! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية به لأنه سيكون كلاماً مكرراً ، إذن فقد بيّن فيه كل شيء ومنه أخذ كل إنسان وزمان قدر ذهنه ، ولو أن القرآن يراد تفسيره لما فسّره أحد غير من انفعل له نزولاً عليه وهو سيدنا رسول الله أيستطيع واحد بعد ذلك أن يقول شيئا في التفسير؟! إذن لو فسره الرسول لجمّده لأنه لا يجرؤ أحد أن يأتي بتفسير بعد الرسول ، وقد علم الرسول أن عطاءات القرآن لا تتناهى ، لذلك لم يفسّره ، بل أوضح بما تطيقه العقول المعاصرة حتى لا ينصرفوا عنه... ، إن القرآن يخاطبنا بأسلوب يحتمله العقل المعاصر ، وإذا ما جدّ جديد نجد الأمر مكنوزاً في القرآن ، ونجد تأويلا جديداً لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به )
قوله (..مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ..) (92) فتصديقه لما في التوراة والإنجيل من أحكام عامة لم يطلها النسخ هو كفيل بإثبات أنه من عند الله تعالى ، لأن العقائد لا تنسخ ، والمبادئ العامة في الأخلاق والمعاملات – كالأمانة والصدق- لا يطولها النسخ ، ولذلك جاء القرآن بتصديق ما فيهما من أحكام اعتقادية ومبادئ عامة ، فمن التزم منهم بتلك الأحكام فهو هو الذي يقبل على الإسلام وصدره منشرح له ، أما من خالف هذه الأحكام التي في التوراة والإنجيل ، ولم يؤمن بها فهذا الذي يجد في صدره حرجا وضيقا وهو يصعد في السماء .
قوله تعالى (..وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا..) (92) فدلالة بركته هو توسع دائرة المؤمنين به حول مكة وأقطارها ، قال ابن عاشور (الاقتصار على إنذار أم القرى ومن حولها لا يقتضي تخصيص إنذار الرسول بأهل مكة ومن حولها، فإن الرسول بعث للناس كافة) ، قال تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً" [سبأ: 28] ، قال الشعراوي (الحول هو المحيط الذي حول النقطة ، وحول كل نقطة قُطْر ، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة ، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله ، وحول كل مكان يشمل كل مكان) .
وإنما المقصود هو تكليفه بإنذار أم القرى ومن حولها من القرى ، فهذا هو طاقته ووسعه في زمانه ، ثم بعد ذلك انتشر الإسلام إلى ربوع الأرض حتى وصل إلى بلاد الهند والسند شرقا والمغرب والأندلس غربا ، وامتد إلى أطراف ووسط أوروبا شمالا ، ووسط أفريقيا وجنوب آسيا كذلك
تبين الخرائط لامتداد العالم الإسلامي أن مكة المكرمة تتوسط هذا الامتداد عبر التاريخ
قَالَ رسول الله ( النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ ) ، قال طنطاوي (وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ، وفى ذكرها بهذا الاسم المبنىء عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة ) .
قوله (..وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (92) أي أقرب الناس للإيمان بالرسالة المحمدية ، وبالقرآن المبارك هم الذين لا ينكرون البعث واليوم الآخر ، فإذا كانت عقيدتهم تؤمن باليوم الآخر ، فإن الرسالة المحمدية تؤكد هذا الاعتقاد ، فيكونون هم أولى الناس بالبلاغ ، قال النيسابوري (لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر) .
بذلك تضمنت الآية إرشاد الدعاة إلى الله إلى ترتيب الخطاب الدعوى وأولويته ، ليكون خطابهم منصب ابتداء على شرح عقيدة الإيمان باليوم الآخر ، قبل الشروع في بيان أن القرآن هو كتاب الله المنزل للبشر ، ولذلك روي عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ : كُنَّا غِلْمَانًا حَزَاوِرَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَعَلَّمَنَا الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ تَعَلَّمَنَا الْقُرْآنَ ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ) ، وعن ابن عمر يقول : لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدثنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن ثم قال : لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه ينثره نثر الدقل) .
وفي ذلك اختصار كبير لجهد الدعاة إلى الله تعالى ، وذلك عندما يجادلهم الذين كفروا في التصديق بالقرآن الكريم ، وهم في الأساس لا يؤمنون بالآخرة ، فكان الواجب في دعوتهم إعادة ترتيب الخطاب الدعوي ، لينصب - ابتداء – على تصحيح اعتقادهم في قضية البعث والحساب والجزاء حتى يتسنى بعد ذلك الانتقال لقضية الكتاب والمنهج ، فمن آمن بالبعث أشفق على نفسه الحساب ، ومع علم أنه سوف يحاسب على ما يعمل اتقى الله فيما عمل ، ومن ثم يسهل توجيهه فيما يعمله ومالا يعمله .
كما وصفت الآيات المرجو إيمانهم بالله وتصديقهم بالكتاب بأنهم هم الذين يحافظون على الصلاة لله ، قال النيسابوري (يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، وخصت "الصلاة" بالذكر –من جملة التكاليف الشرعية- لأنها عماد الدين وسنام الطاعات ، وكاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها) ، إذ لا يخلو دين من صلاة وزكاة ، ولذلك مهما بدل أهل الكتاب في دينهم ، فإنهم يعلمون أن عليهم صلاة وأنها من أعمال القربات إلى الله ، ولذلك قال النبي (لا خير في دين لا ركوع فيه) .
قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ونظير ذلك قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (الأنفال 31) ، من ذلك ما روي عن النضر بن الحارث كان يشتري كتبا فيها أخبار الأعاجم فكان يقول للعرب : محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن رستم و اسفنديار) .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (93) وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (غمرات الموت) قال : (سكرات الموت) ، بوب البخاري بابا بعنوان بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ..)، وذكر بعده هذه الآية ، ونظيرها كقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [الأنفال: 50] ، قال البغوي أي:(أرواحكم كرها) ، لأن (نفس المؤمن تنشط للقاء ربها) ، أما نفس الظالم فإنها تجزع ، وتتأبى أن تخرج طوعا ، قال الرازي (هذا صريح أن النفس غير البدن) .
عَنْ النَّبِيِّ قَالَ الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيَقُولُونَ فُلَانٌ فَيُقَالُ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلَانٌ فَيُقَالُ لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَيُرْسَلُ بِهَا مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ) .
قال الشعراوي في قول الملائكة للظالمين حين الموت (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) (كأن ملائكة قبض الروح تقول لهم : إن كنتم متأبّين على الله في كثير من الأحكام لقد تأبّيتم على الله إيماناً ، وتأبّيتم على الله أحكاماً ، وتأبّيتم على الله في تصديق الرسول ، فهاهو ذا الحق قد أمرنا أن نقبض أرواحكم ، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق؟ إن كنتم كذلك فليظهر كل منكم مهارته في التأبّي على قبض روحه) ، قال تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)(مريم 69)
قوله (..الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (93) الإفتراء على الله الكذب ، والاستكبار عن قبول آياته هما سببا لحوق عذاب الهون بهم .
قال ابن القيم (عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت ، ونظيره قوله تعالى (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق) فهذه الاذاقة هي في البرزخ وأولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله (يضربون وجوههم وأدبارهم) وهو من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه)
قوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (94) قال القطان (لقد تأكدتم الآن أنكم بُعثتم أحياء من قبوركم ، كما خلقناكم أول مرة ، وجئتم إلينا منفردين عن المال والولد ، تاركين وراءكم في الدنيا كل شيء كنتم تغترّون به ، إننا لا نرى معكم اليوم أولئك الشفعاء الذين زعمتم أنهم ينصرونكم عند الله ، لأنهم شركاء له في العبادة . . . لقد تقطّعتْ بينكم وبينهم كل الروابط ، وخابت آمالكم في كل ما زعمتم ، فلا فداء ولا شفاعة ، ولا يغني عنكم من عذاب الله من شيء) .
قوله (..وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ..) أي (ما أعطيناكم من الأموال والأولاد) ، فعنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ:" " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ "مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ" ، والمعنى المراد إيصالهم عدم الحرص على الدنيا ، فالإنسان لابد وأن يغادر كل ما فيها ، يقول النبي (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ) ، وقَالَ (يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)
قوله (..لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ..) قال رسول الله (يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ) ، المشار إليه الأسباب الدنيوية التي كانت تربط الناس بغير الخالق سبحانه ، ولذلك يقول عز وجل (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) (البقرة 166).
قوله (..وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أي لم ينفعكم شيء مما كنتم تعتزون به في الدنيا ، فهو في الآخرة غير نافع ، كما في قوله (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) [الأحقاف:5، 6]، قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) [مريم:82، 81] .
-
الاربعاء PM 04:48
2026-09-16 - 70



