المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1976818
يتصفح الموقع حاليا : 202

البحث

البحث

عرض المادة

سرد ضلالات المشركين في الاعتقاد إجمالا وتصحيح التصور عن الله

سرد ضلالات المشركين في الاعتقاد إجمالا
وتصحيح التصور عن الله

قال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

قوله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ..)(100) أي رغم أن الله هو الذي خلقهم لكنهم لم يعبدوا الله ولم يفردوه بالعبادة مخلصين له الدين ، بل جعلوا له شركاء من الجن ، فجعلوا الولاية للجن والشياطين وكقوله تعالى : (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي) [ الكهف : 50 ] وجعلوا العبادة لهم ، قال إبراهيم لأبيه : (يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً) [ مريم : 44 ] ، وتلك مفارقة عجيبة بين ما تقدم من آيات أظهرها الله للقوم لعلهم يؤمنون ، وحال هؤلاء الكفار والمشركين الذين فسد اعتقادهم ، فعبدوا الجن مع عبادتهم لله ، دون تبصر لما تقدم من آيات ، وذلك باتخاذهم الجن شركاء لله تعالى في العبادة ، فاستعانوا بهم لجلب حاجاتهم ، ولم يقصروا الاستعانة على الله وحده لا شريك له ، قال تعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن 6) ، فالاستعانة بالجن من باب الاستعانة بالأسباب غير المشروعة في جلب الحاجات ، كذلك الخوف منهم شرك ، فهم مخلوقون لا يضرون ولا ينفعون إلا بإذن الله ، قال تعالى (وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ) (البقرة 102) ، والله تعالى علمنا أن نستعين به وحده بالتماس الأسباب المشروعة لجلب المصالح ، وهذا هو عين التوكل على الله.

قال ابن القيم (على العبد أن يفعل ما أمره الله به من الأمر ، ويتوكل على الله توكل من يعتقد أن الأمر كله بمشيئته ، سبق به علمه وحكمه ، وأن السبب لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع ولا يقضي ولا يحكم ولا يحصل للعبد مالم تسبق له به المشيئة الإلهية ، ولا يصرف عنه ما سبق به الحكم والعلم ، فيأتي بالأسباب إتيان من لا يرى النجاة والفلاح والوصول إلا بها ، ويتوكل على الله توكل من يرى أنها لا تنجيه ولا تحصل له فلاحا ولا توصله إلى المقصود ، فيجرد عزمه للقيام بها حرصا اجتهادا ، ويفرغ قلبه من الاعتماد عليها والركون إليها تجريدا للتوكل واعتمادا على الله وحده ، وقد جمع النبي بين هذين الأصلين في الحديث الصحيح حيث يقول (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) فأمره بالحرص على الأسباب والاستعانة بالمسبب ، ونهاه عن العجز ، وهو نوعان تقصير في الأسباب وعدم الحرص عليها وتقصير في الاستعانة بالله وترك تجريدها ، فالدين كله ظاهره وباطنه شرائعه وحقائقه تحت هذه الكلمات النبوي) .

قال القاسمي (فإن قيل : فكيف عُبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام ؟ فالجواب : أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن ، وأمرهم بذلك ، كقوله : (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُبِيناً) [ النساء : 117 - 119 ]) .
وقوله (..وخلقهم..) أي الله خلقهم ، فاستنكر عليهم شركهم بدلالة خلقه لهم ، كما قول إبراهيم عليه السلام (أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: 95، 96] ، قال صاحب الظلال (وهي لفظة واحدة ، ولكنها تكفي للسخرية من هذا التصور! فإذا كان الله سبحانه هو الذي " خلقهم " فكيف يكون له شركاء في الألوهية والربوبية؟! ، كما قال النبي  في الحديث القدسي (أخلق ويعبد غيرى) .

قال الشوكاني أي (وقد علموا أن الله خلقهم ، وخلق ما جعلوه شريكاً لله) ، قال ابن كثير أي: (وقد خلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، ، ومعنى الآية: (أنه سبحانه وتعالى هو المستقل بالخلق وحده؛ فلهذا يجب أن يُفْرَد بالعبادة وحده لا شريك له) .

قوله (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) (100) قال أبو حيان أي (اختلقوا وافتروا) ، وقال الفراء: معنى " خَرَقوا " افتعلوا ذلك كذباً وكفراً، قال: وخَرَقوا واخَتَرَقُوا، وخَلَقُوا واخْتَلَقوا: واحد) .
وقال الزمخشري : (ويجوز أن يكون من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا له بنين وبنات)
وقال الشعراوي في قوله (وخرقوا له) أي (عملوا خرقاً في الشيء السليم الذي تأبى الفطرة أن يكون) ، (الخرق إيجاد فجوة في الشيء المستوى على قانون السلامة ، ولذلك قال في السفينة (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) [ الكهف : 71 ] .
يقول السامرائي (الخَرْق هو قطع الشيء على سبيل الفساد من غير تدبر ولا تفكّر ، ويقال هذا ولد أخرق يعني لا يُقدر ولا يحسن العمل) .

قال ابن عاشور (وقد كان دين العرب في الجاهلية خليطا من عبادة الأصنام ومن الصابئية عبادة الكواكب وعبادة الشياطين، ومجوسية الفرس، وأشياء من اليهودية، والنصرانية، فإن العرب لجهلهم حينئذ كانوا يتلقون من الأمم المجاورة لهم ، التي يرحلون إليها عقائد شتى متقاربا بعضها ومتباعدا بعض، فيأخذونه بدون تأمل ولا تمحيص لفقد العلم فيهم، فإن العلم الصحيح هو الذائد عن العقول من أن تعشش فيها الأوهام والمعتقدات الباطلة، فالعرب كان أصل دينهم في الجاهلية عبادة الأصنام وسرت إليهم معها عقائد من اعتقاد سلطة الجن والشياطين ونحو ذلك ، فكان العرب يثبتون الجن وينسبون إليهم تصرفات، فلأجل ذلك كانوا يتقون الجن وينتسبون إليها ويتخذون لها المعاذات والرقي ويستجلبون رضاها بالقرابين وترك تسمية الله على بعض الذبائح، وكانوا يعتقدون أن الكاهن تأتيه الجن بالخبر من السماء، وأن الشاعر له شيطان يوحي إليه الشعر، ثم إذا أخذوا في تعليل هذه التصرفات وجمعوا بينها وبين معتقدهم في ألوهية الله تعالى تعللوا لذلك بأن للجن صلة بالله تعالى فلذلك قالوا: الملائكة بنات الله من أمهات سروات الجن، كما أشار إليه قوله تعالى: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) [الصافات: 158] ، ومن أجل ذلك جعل كثير من قبائل العرب شيئا من عبادتهم للملائكة وللجن) .

قوله (..سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ) (100) قال ابن كثير أي: (تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون من الأولاد والأنداد، والنظراء والشركاء) .
قال الشيخ أبو بكر (نزه الرب تبارك وتعالى نفسه عما وصفوه به كذباً بحتاً وتخرّصاً كاملاً من أن له بنين وبنات وليس لهم على ذلك أي دليل علمى لا عقلي ولا نقلي ، وق شارك في هذا الباطل العرب المشركون حيث قالوا الملائكة بنات الله ، واليهود حيث قالوا عزير ابن الله ، والنصارى إذ قالوا المسيح ابن الله ، تعالى الله عما يقول المبطلون)
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قَوْلَهُ:" سُبْحَانَ اللَّهِ " ، قَالَ: "تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا سُبْحَانَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَلِمَةٌ أَحَبَّهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَرَضِيَهَا وَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ" .


المطلب الثاني
تصحيح التصور عن الله

قال تعالى (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)

قوله (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (أَيْ مُبْدِعُهُمَا) ، قال الطبري معنى"مبدع" : (منشئ ومحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد) ، قال الشعراوي أي (خلق السموات والأرض وكل ما فيهما على غير مثال سابق) .

وفهم العبد لهذه الحقيقة الكائنة فتح من الله عليه ، إذ به يستحصل على رضاه وإجابة حاجته ، فعن أنس : كنت مع النبي  فدعا رجل فقال "يا بديع السماوات يا حي يا قيوم إني أسألك" فقال (أتدرون بما دعا والذي نفسي بيده دعا الله باسمه الذي إذا دعي به أجاب) .

وإثبات أن السماوات والأرض ليس لهما مثيل سابق يعطي الفرصة للملحق أن يثبت عدم صحة القرآن ويطعن فيه ، وذلك إذا أثبت عكس الحقيقة التي قررها القرآن ، بأن يثبت أن ثمة سماوات أو أرض غير تلك التي خلقها الله ، فإن استطاع أن يثبت ذلك برهن على صحة اعتقاده الكفر والإلحاد ، ولكن لم يستطع أحد ذلك ، بل إن علماء الكون جميعا يقرون بأن الأرض هي الكوكب الوحيد الصالح لحياة البشر ، وأن السماء هي التي تحفظ لهذا الكوكب خصائصه تلك بما يحول دون تدميره .

فقد أثبت العلماء أن الأرض تتميز بظروف استثنائية ومتوازنة بدقة لا تتوفر مجتمعة في أي كوكب آخر تم اكتشافه في مجموعتنا الشمسية تتمثل فيما يلي :-
• البعد المناسب عن الشمس: تقع الأرض فيما يُعرف بـ "المنطقة القابلة للسكن" أو النطاق المعتدل، مما يسمح بوجود الماء بحالته السائلة.
• الغلاف الجوي والمجال المغناطيسي: يمتلك الكوكب غلافاً جوياً غنياً بالأكسجين والنيتروجين، إضافة إلى مجال مغناطيسي يحميه من الإشعاعات الشمسية والكونية الضارة.
• وجود الماء: يُعد الماء السائل الأساس الجوهري لقيام واستمرار النشاط الحيوي.

ولا يزال بحث العلماء مستمرا عن وجود كواكب بديلة لكوكب الأرض : إذ يواصل العلماء عبر التلسكوبات الحديثة البحث ورصد كواكب خارجية شبيهة بالأرض وتقع ضمن النطاق الصالح للحياة (مثل بعض الكواكب المكتشفة حديثاً)، إلا أنه لم يثبت حتى الآن وجود غلاف جوي مستقر أو مياه سائلة مؤكدة أو حياة فعلية على أي منها

وقد اكتشف العلماء حديث كوكبا شبيها بكوكب الأرض ولكنه يختلف عنه كثيرا ، وغير صالح لحياة الإنسان عليه ، هذا الكوكب اسمه كبلر (Kepler)، فهي مجموعة من الكواكب الخارجية (خارج مجموعتنا الشمسية) التي اكتشفها تلسكوب كبلر الفضائي التابع لناسا، وبعضها يُوصف بأنه "صالح للحياة" نظرياً ولكن ليس للبشر حالياً.
حيث اكتشف التلسكوب كواكب تقع في المنطقة القابلة للسكن (Habitable Zone) — وهي المسافة المناسبة من النجم التي تسمح بوجود ماء سائل على سطح الكوكب. من أشهرها :-
Kepler-452b:
يُعرف بـ "ابن عم الأرض الأكبر"، وهو أكبر من الأرض بنسبة 60% ويدور حول نجم يشبه شمسنا.
Kepler-186f:
أول كوكب مكتشف بحجم قريب جداً من الأرض يقع في المنطقة القابلة للحياة حول نجم قزم أحمر.

ويبرر العلماء الأسباب التي تجعل حياة البشر على هذا الكوكب رغم تشابهه بالأرض غير صالحة عليه في الأسباب التالية :-
المسافة الهائلة: تبعد هذه الكواكب عنا مئات أو آلاف السنين الضوئية. على سبيل المثال، Kepler-452b يبعد حوالي 1400 سنة ضوئية، مما يعني أن الوصول إليه بالتكنولوجيا الحالية يستغرق ملايين السنين.
مكونات الغلاف الجوي مجهولة: العلماء يعرفون حجم الكوكب وبُعده عن نجمه، لكنهم لا يعرفون بدقة كيميائية غلافه الجوي، وهل يحتوي على أكسجين كافٍ للتنفس أم غازات سامة.
الجاذبية والبيئة: بعض هذه الكواكب أكبر حجماً، مما يعني أن الجاذبية هناك ستكون أقوى بكثير، وهو ما لا يتحمله جسم الإنسان بسهولة.

قوله (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (101) يمتنع وفقا للمنطق العقلي أن يكون لله ولد ، وذلك وفقا لتصورات البشر قبل إثبات أن له صاحبة ، وإذ يمتنع أن تكون له صاحبة باعتبارها دليل على تلبية الحاجة ، ودليل على النقص ، والله تعالى عن ذلك كله ، فالصاحبة (الزوجة) دليل على الحاجة إلى المشاركة والمتعة أو السكن والنسل، والله تعالى غني عن ذلك كله، فليس لديه نواقص واحتياجات كما لدي البشر ، لأنه هو الخالق لكل شيء ، أي أنه متفرد بذاته ، فمحال أن ينسب لله الحاجة والفقر والرغبة والشهوة والسكن ، قال تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى11).

إن الذين ينسبون لله ولدًا يسمون أنفسهم هذا الولد أي ينسبون أنفسهم لله ، كما قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (18) فهدفهم تعظيم أنفسهم ، بتأليه أنفسهم بزعم أنها ارتقت إلى درجات ومراتب الألوهية ، بهذا الاعتبار لهم الحق أن يشاركوا الله في ملكه ، مثلما يرث الابن أباه ، ويدير معه ملكه وشركاته وأمواله وتجارته ، كما أن الأب لا يبخل علي أولاده بما يطلبون ، من هنا نشأ تعاظم الإنسان لرأيه وهواه ورغباته الشخصية ، ليزيل كل ما يحول بينه وبين تلك الرغبات الهاجئة والجامحة ، وهكذا يظلم الإنسان نفسه حين يسب ربه وينسب له النقص ويتعاظم ليعطي لنفسه الحق في أن يشارك الإله ملكه ، فيملك حق التشريع للناس بهواه ، ويملك الحق في أن يمنح الحياة لمن يشاء ويسلبها عمن لا يؤمن بهذه العقيدة الكافرة .

وفي قوله (..خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ..) قال ابن تيمية (خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ يُنَافِي تَوَلُّدَهَا عَنْهُ) ، وقد جاءت صيغة الماضي (خَلَقَ( هنا في مقام الاستدلال وإبطال دعوى الشرك والولد ، ردا على من زعموا أن لله ولداً، فذكرت الدليل الفعلي الواقعي ؛ بأنه سبحانه أوجد السماوات والأرض، و"خَلَقَ" كل شيء في الماضي، فهذه الدعوى باطلة لأن كل ما في الكون مخلوق له ، فصياغة الفعل في الماضي جاءت هنا لتقرر حقيقة تاريخية وحدثاً ثابتاً يقطع الحجة ، ويبطل هذا القول بالأدلة الكونية الدامغة.

قوله (..وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (101) أثبت علمه في هذا المقام للتلازم بين الخلق والعلم: فالذي يخلق الخلق لا بد أن يكون عالماً بتفاصيل ما يخلق ، وبدقائقه وظواهره وبواطنه ، كما في قوله (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) ، فإثبات خلق كل شيء يستلزم إثبات العلم بكل شيء.

ومن كان عليم بكل شيء ألا نأخذ منه العلم عن نفسه ، فلا يتقول أحد عنه بقول إلا أن يكون قد ثبت عنه بدليل شرعي صحيح ، فإن لم يكن المتقول على الله قد ثبت لديه العلم عنه ، فإنه يتكلم بجهل ولا شك ، وأمور العقيدة يمتنع أن يتحدث فيها الجاهلون .

قوله (..ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (102) قال السمعاني في قوله ("ذلكم اللَّهُ " (أكد ما سبق) ، قال أبو حيان قوله ("ذلكم" أي الموصوف بتلك الأوصاف السابقة من كونه بديعاً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً خالق الموجودات عالماً بكل شيء هو الله بدأ بالاسم العلم ثم قال : "ربكم" أي مالككم والناظر في مصالحكم ، والناظر في مصالحكم ، ثم حصر الألوهية فيه ثم كرر وصف خلقه "كل شيء" ثم أمر بعبادته لأن من استجمعت فيه هذه الصفات كان جديراً بالعبادة وأن يفرد بها فلا يتخذ معه شريك) .

ويلاحظ أنه جاءت تكرار وصف الخلق هنا بصيغة مختلفة إذ جاء بصيغة اسم الفاعل (خَالِقُ) في مقام التعريف بالذات الإلهية واستحقاق العبادة، بعد إبطال الشبهة جاءت لتقرر صفة ملازمة وثابتة لله تستوجب إفراده بالعبودية (فَاعْبُدُوهُ)؛ فاسم الفاعل يدل على الدوام، والاستمرار، والثبوت، فهو سبحانه متصف بهذه الصفة أزلاً وأبداً فاستحق أن يُعبد من هذا الوجه .

قوله (..وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)(102) قال ابن عجيبة أي : (هو متولي أمور جميع عباده ومخلوقاته التي أنتم من جملتها ، فَكِلُوا أمركم إليه ، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية ، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ  فَقَالَ (أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ) ،ولذلك علمنا النبي  عند السفر أن نقول (اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ) .

يقول صاحب الظلال (لم يكن العرب - في جاهليتهم - ينكرون أن الله هو خالق هذا الكون والناس ، ورازقهم كذلك. . لذلك لم يكن الإسلام يواجه الإلحاد في وجود الله سبحانه كما يقول اليوم « ناس »! أو كما يتبجحون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير! والحق أن هؤلاء الذين يجادلون في وجود الله اليوم قلة . وسيظلون قلة . إنما الانحراف الأساسي هو ذاته الذي كان في الجاهلية ، وهو تلقي الشرائع في شؤون الحياة من غير الله . . وهذا هو الشرك التقليدي الأساسي الذي قامت عليه الجاهلية العربية ، وكل الجاهليات أيضاً! . . فالقاعدة التي يقيم عليها السياق القرآني هنا وجوب عبادة الله وحده ، ووجوب ربوبيته وحده - بكل مدلولات الربوبية من الحكم والتربية والتوجيه والقوامة .... وهذا هو المقصود من تقرير تلك القاعدة ، التي لم يكن المشركون - في جاهليتهم - يجحدونها ، ولكنهم ما كانوا يسلمون بمقتضاها ، وهو : الخضوع والطاعة لحاكمية الله وحده والدينونة لسلطانه بلا شريك . .) .

قوله (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (103) قال الدكتور سفر الحوالي أي: (لكمال جلاله وعظمته أن يحيط بها أي شيء ، .. والله سبحانه وتعالى وهو أعظم من يُوصف ويُثنى عليه الثناء اللائق بجلاله، لا يوصف بمجرد السلب ..) ، ولذلك جاء بعدها (وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) استدراكا على النفي ، إذن فرؤية الله تعالى ممتنعة إطلاقا على أهل الدنيا سواء أكانت مجرد رؤية أو بالإدراك ، فنفي الإدراك ثابت بالآية .
وأما نفي الرؤية فثابت بالحديث عَنْ مَسْرُوقٍ عن عَائِشَةَ قالت (مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا  رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ،(وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) ، فعموم النكرة في سياق النفي يدل على انتفاء أن يدركه شيء من أبصار المبصرين في الدنيا) .

أما في الآخرة فأهل السنة يثبتون الرؤية دون الإدراك في الآخرة لقوله تعالى : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) [القيامة:22-23] ، إذن هذه الرؤية وإن كانت ممتنعة على أهل الدنيا باعتبار أن الرؤيا جزاء وهي خير الجزاء ، وأهل الدنيا لا يزالون في دار الابتلاء ، أما في الآخرة فهي دار جزاء ، ورؤية الله من الجزاء لأهل الإيمان والتقوى .

فقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ..) (103) (لا ينفي الرؤية وإنما ينفي الإحاطة به إدراكاً) ، فلا تدركه الأبصار لكمال عظمته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والإحاطة بالشيء قدر زائد عَلَى الرؤية) ، (فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الْإِحَاطَةُ بِالشَّيْءِ، وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ، قَالَ كَلَّا)، فَلَمْ يَنْفِ مُوسَى الرُّؤْيَةَ ، وَإِنَّمَا نَفَى الْإِدْرَاكَ، فَالرُّؤْيَةُ وَالْإِدْرَاكُ كُلٌّ مِنْهُمَا يُوجَدُ مَعَ الْآخَرِ وَبِدُونِهِ، فَالرَّبُّ تَعَالَى يُرَى وَلَا يُدْرَكُ، كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا) ،ولذلك فإنه يُرى لأهل الإيمان في الآخرة ، ولا يدرك في الدارين .

قال الخازن (القلوب تعرفه ولا تحيط به) ، (والله تعالى وضع دليلا على قمة الأدلة التي تؤكد أنه لا تدركه الابصار في نفس كل إنسان ، فالروح التي في الجسد إن خرج ذهبت الحياة من الجسد أصبح رمة ، والإنسان لا يستطيع أن يدركها رغم أنه مؤمن بها) .

يقول صاحب الظلال (إن الذين كانوا يطلبون في سذاجة أن يروا الله ، كالذين يطلبون في سماجة دليلاً مادياً على الله! هؤلاء وهؤلاء لا يدركون ماذا يقولون! إن أبصار البشر وحواسهم وإدراكهم الذهني كذلك . . كلها إنما خلقت لهم ليزاولوا بها التعامل مع هذا الكون ، والقيام بالخلافة في الأرض . . وإدراك آثار الوجود الإلهي في صفحات هذا الوجود المخلوق . . فأما ذات الله - سبحانه - فهم لم يوهبوا القدرة على إدراكها ، لأنه لا طاقة للحادث الفاني أن يرى الأزلي الأبدي ، فضلاً على أن هذه الرؤية لا تلزم لهم في خلافة الأرض ، وهي الوظيفة التي هم معانون عليها وموهوبون ما يلزم لها .. وقد يفهم الإنسان سذاجة الأولين ، ولكنه لا يملك أن يفهم سماجة الآخرين! إن هؤلاء يتحدثون عن « الذرة » وعن « الكهرب » وعن « البروتون » وعن « النيوترون » . . وواحد منهم لم ير ذرة ولا كهرباً ولا بروتوناً ولا نيوترونا في حياته قط ، فلم يوجد بعد الجهاز المكبر الذي يضبط هذه الكائنات . . ولكنها مسلمة من هؤلاء ، كفرض ، ومصداق هذا الفرض أن يقدروا آثاراً معينة تقع لوجود هذه الكائنات ، فإذا وقعت هذه الآثار ( جزموا ) بوجود الكائنات التي أحدثتها! بينما قصارى ما تصل إليه هذه التجربة هو « احتمال » وجود هذه الكائنات على الصفة التي افترضوها! . . ولكنهم حين يقال لهم عن وجود الله - سبحانه - عن طريق آثار هذا الوجود التي تفرض نفسها فرضاً على العقول! يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ، ويطلبون دليلاً مادياً تراه الأعين . . كأن هذا الوجود بجملته ، وكأن هذه الحياة بأعاجيبها لا تكفي لتكون هذا الدليل!) .

قوله (..وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ..) (103) فإن العلم بأن الله (محيط به) خبير به وعليم بكل شيء هو ما يحتاج إليه العبد) ، قال تعالى (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ، أي (لا تخفى عليه خافية ولا يفوته شيء)

وهو ما يتضمن من باب الأولى إدراك الله لنوايا البشر وطموحاتهم المستقبلية ، إذا كان الله يحيط بالأبصار التي هي أدق الحواس وأسرعها تنقلاً، فمن باب أولى أنه (محيط بالبصائر (وهي العقول، والقلوب، والنيات، والطموحات المستقبلية.
ولذلك قال تعالى بعدما أثبت لنفسه صفة اللطف (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى 20)

قوله (..وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (103) قال ابن الأثير في تفسيره (هو الذي اجْتَمع له العِلْمُ بدَقَائق المصَالح وإيصَالها إلي مَن قدّرها له مِن خَلْقه) ، (والرّفْق في الفِعْل والتنفيذ) ، وقيل (اللطيفُ الذي يُوَصِّل إليك أَرَبَكَ في رِفق) قال البغوي (قيل: اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل: اللطيف الذي يُنسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء) ، ومن لطفه أنه اختص عباده باللطف فقال (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)(الشورى19)

كما استفاض الرازي في شرح أوجه معاني لفظ (اللطيف) فقال (المراد لطف صنعه في تركيب أبدان الحيوانات من الأجزاء الدقيقة ، والأغشية الرقيقة والمنافذ الضيقة التي لا يعلمها أحد إلا الله تعالى ، وأنه سبحانه لطيف في الإنعام والرأفة والرحمة ، وأنه لطيف بعباده ، حيث يثني عليهم عند الطاعة ، ويأمرهم بالتوبة عند المعصية ، ولا يقطع عنهم سواد رحمته سواء كانوا مطيعين أو كانوا عصاة ، وأنه لطيف بهم حيث لا يأمرهم فوق طاقتهم ، وينعم عليهم بما هو فوق استحقاقهم) .

(فهو سبحانه يعلم أن العباد مع إعراض أكثرهم عن طاعته لا قوام لهم ولا بقاء إلا بأسباب رحمته ؛ فالخبير بهم لا بد أن يلطف بهم وإلا تعطلت حكمته في خلقهم ، وفي دلالة الخبرة على صفة البصر والحكمة ، قال تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)[الشورى27] .

فصفة "اللطف" دائما تجتمع مع صفة "الخبرة" لزوما سواء بلفظها أو مفهومها ، أي تجتمع مع صفات تستلزم معناها مثل "القوي العزيز" أو "العليم الحكيم" ، ما يدل على الخبرة حصول كذلك.
فقد جاء هذا الاقتران في خمس سور من القرآن لبيان أن الله سبحانه يعلم دقائق الأمور وخفاياها (الخبرة)، ويسوق عباده إلى ما فيه صلاحهم برفق وحكمة من حيث لا يشعرون ، حيث ثبت التلازم المعرفي؛ لأن اللطف يتطلب علمًا بدقائق الأمور وخفاياها، وهو ما تحققه "الخبرة" .
قوله (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير ((الأنعام 103)
قوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (الحج 63)
قوله (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ((لقمان 16)
قوله (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب 34(
قوله (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك 14)
ثانيًا: مواضع انفصال "اللطيف" عن "الخبير"
قوله (..وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (100). (هنا جاء مقيدًا بـ "لما يشاء" ومتبوعًا بالعليم الحكيم) فقد كان السياق يتحدث عن تدبير خفي أوصل يوسف عليه السلام إلى الملك بعد المحن، فناسبه إظهار أثر اللطف في القدر الكوني والمشيئة الإلهية (لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ( ، وذلك كله لم يخرج عن علم الله وحكمته ، وهما مستلزمتان لصفة الخبرة
قوله (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} (الشورى 19) (هنا جاء مقيدًا بـ "بعباده" ومقترنًا بالقوي العزيز) ، حيث كان السياق يتحدث عن الرزق ، والرزق يحتاج إلى قوة وقدرة وبسط، فناسبه الاقتران بـ (الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) ، وكلا الصفتان تستلزم الخبرة لاكتسابها ، فليس كل قوي بعزيز ، فإذا اجتمعتا كان ذلك دليل الخبرة .

قال الشعراوي (ولطيف تناسب (لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار) و(الخبير) يناسب (وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار) ، قال السيوطي (فإن اللطف يناسب ما لا يدرك بالبصر والخبر يناسب ما يدركه) ، وقال القزويني (الخبرة تناسب من يدرك شيئا فإن من يدرك شيئا يكون خبيرا به) .
قوله (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)(104) قال ابن كثير "البصائر" : (هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول .
قال ابن عجيبة أي : (براهين توحيده ، ودلائل معرفته ، حاصلةَ من ربكم ، تنفتح بها البصائر ، وتبصر بها أنوار قدسه) .
فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ:" " قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ " ، قال:" " الْبَصَائِرُ " الْهُدَى، بَصَائِرُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ لِدِينِهِمْ، وَلَيْسَتْ بِبَصَائِرِ الرُّءُوسِ"، وَقَرَأَ: " فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ " ، وَقَالَ:"إِنَّمَا الدِّينُ بَصَرُهُ وَسَمْعُهُ فِي هَذَا الْقَلْبِ" .

قال حقي (البصائر) : (البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك الصواب) .
وقال الشعراوي (من لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي ، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا ، وحكم بأن رسوله قد بلّغ؛ فسبحانه أعطى لرسوله ، والرسول ناولنا ، فالحق قد شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق وهو الرب) .

قال ابن القيم (إذا صحت فكرة – يعني العقيدة- أوجبت للعبد البصيرة ، فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد والجنة والنار وما أعد الله في هذه لأوليائه وفي هذه لأعدائه) ، أي أبصر أمور الغيب وكأنها رأي العين .
فالبصيرة نور يقذفه الله في القلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل كأنه يشاهده رأى عين فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل وتضرره بمخالفتهم ) ، وهي علي ثلاثة درجات من استكملها فقد استكمل البصيرة
1- بصيرة في الأسماء والصفات : فالبصيرة في الأسماء والصفات أن لا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله بل تكون الشبه المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبه والشكوك في وجود الله فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر .
2- بصيرة في الأمر والنهي : وهي تجريده عن المعارضة بتأويل أو تقليد أو هوى فلا يقوم بقلبه شبهة تعارض العلم بأمر الله ونهيه ولا شهوة تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقى الأحكام من مشكاة النصوص
3- بصيرة في الوعد والوعيد : وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر عاجلا وآجلا في دار العمل ودار الجزاء وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته وعدله وحكمته فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته بل شك في وجوده فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة وإرسالها هملا وتركها سدى تعالى الله عن هذا الحسبان علوا كبيرا )

قوله (..فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا..) أي (فمن أبصرَ) الحق ، وآمن به ، واستعمل الفكر فيه حتى عرفه ، (فلنفسه) أبصر ، ولها نفع ، (ومن عَميَ) عنها ، ولم يرفع رأسًا ، وضل عن الحق ، (فعليها) وباله وضرره ، ولا يتضرر بها غيره) .
وذلك مثل قوله: (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [الإسراء: 15] ، ولهذا قال (وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه،كقوله: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الحج: 46] .

وقوله تعالى (وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) أي أن مهمة الرسول تنتهي عند ذلك ، قال تعالى (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النحل 35) ، فليس عليه غير أن يُبَصِّر الناس طريق الحق ، قال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (النحل 82) ، ويقع عليهم بعد ذلك الاختيار والاجتهاد في السير إلى الله.

 

  • الاربعاء PM 05:06
    2026-09-16
  • 36
Powered by: GateGold