المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1976818
يتصفح الموقع حاليا : 202

البحث

البحث

عرض المادة

ترشيد الجهد الدعوى إزاء عناد المشركين ومجادلتهم

ترشيد الجهد الدعوى إزاء عناد المشركين ومجادلتهم

قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)

أنزل الله تعالى القرآن الكريم متضمنا لأيات بينات ، ضرب فيها من كل مثل للناس ، فجمعت بين الوعد والوعيد ، بين المثال والقصص ، بين الإجمال والتفصيل ، فهي وحي من الله لنبيه لأجل العلم بها واتباع أحكامها ، وتدور مقاصدها على التوحيد الخالص لله تعالى ، ورغم ذلك فإن مشركين مصرون على العناد وعدم الإيمان بها ، فقد يبين الله تعالى مسألة الإيمان والكفر بأنه سبحانه أطلق لهم مشيئة الاختيار ، وهو قادر على أن يخضع رقابهم لتلك الآيات ، ولكنه سبحانه لم يفعل ذلك ليكون الإيمان مصدره القلب الحر ، ولذلك فإن دعوة النبي لهم تقف عند حد البلاغ لهذه الآيات ، وخير وسيلة لإنكار كفرهم هي الإعراض عنهم إعراض المنكر ، وليس عليه أن يحاسب نفسه حساب الملوم لعدم إيمانهم به ، فليس هو موكل بتحقيق نتيجة بل يكفي ما بذله من عناية وحرص علي هدايتهم ، ولذلك فإن إعراض النبي  عن المشركين يعني في شقه الإيجابي أن يتبع معهم سياسة دعوية تتسم بشيء من الموادعة دون هجوم عليهم إتقاء أذاهم واستطار شرهم ، حتى لا يتحول الأمر من مجرد دعوة للحق إلى تنابز بالألقاب وتراشق بالألسنة .

وهؤلاء المشركون يظنون أن النبي  ينقصه أن يأتيهم بأية مادية تدل على صدق نبوته وصحة الكتاب الذي جاء به ، والحق أن قلوبهم وأبصارهم زائغة عن الحق ، فلو أنزلت آية مقترحة منهم على التفصيل الذي طلبوه ما تغير حالهم من الشرك والكفر إلى الإيمان ، لأن الإيمان يحتاج لقلب يبحث عن الحق ، وليست قلوبهم على هذه الشاكلة ، فحالهم هو الإنصراف عن الحق ، والإقبال على وحي الشياطين ، فيتبعون زخرف قولهم ، فقلوبهم امتلأت بمازينه الشيطان لها من حب الدنيا وكراهة الآخرة ، بل والرضا والاستكانة لطلب الدنيا ، والاستزادة من المعاصي استخفافا بحق الله عليهم .

وأخيرا يحاول المشركون أن يصرفوا النبي  عن دعوته من خلال أن يحكم بينهم بحكم يطيعهم فيه ، ويطيب خاطرهم ، وكأن ثمة قواعد أخرى من صنع البشر يجوز أن تحكم على كلام رب البشر ، وهم يعلمون أن الكلام الإلهي لا يعلو عليه شيء ، يريدون إضلاله بهذه الخطوة الخبيثة لاستبدال شرع الله ، والإتيان مكانه بمناهج من صنعهم ترضي أهواءهم ، هنا يؤكد سبحانه أن شرعه باق ، وأنه هو الغالب ، وأن كلماته هي الصدق وهي العدل ، ليحذر نبي  أمته من أي محاولة لإرضاء المشركين في شيء ، فما يرضيهم يسخط الله ، وما يسخطهم يرضي الله ، فالله سبحانه لا يقبل تمييع قضايا الدين من أجل تكثير عدد المسلمين ، بل الحق هو الحق ولو لم يتبعه إلا فئة قليلة ، (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).

قوله تعالى (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ) أي (نُكَرِّرُ الآيَاتِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ) وأساليب مختلفة ، وكلمة (ص ر ف( تدور حول معنى التغيير، والتحويل، والتقليب من حال إلى حال ، يقال صرف العملة يعني تحويل العملة من جنس إلى جنس آخر (كتحويل الذهب إلى فضة، أو الدولار إلى ريال)، أو تقليب المال وتداوله بين الناس فالعملة: تصرف العملة لتلبي احتياجات المعاملات المختلفة، فلكل مقام عملة تناسبه (بيع، شراء، سفر)
كذلك الآيات: تصرف بأن يأتي تنويع الحجج والبراهين بأكثر من طريقة ، فإذا لم يؤثر في الإنسان أسلوب الوعيد، أثّر فيه أسلوب الترغيب وضرب الأمثال، وبذلك تكتمل الحجة على الجميع.

قال الدكتور عبد الله الجربوع (يشمل تصريف الآيات تنويع الأساليب، فيؤتى بالدليل الواحد بأكثر من أسلوب: فتارة بالخبر، وتارة بالاستفهام، وأخرى بالنفي والإثبات، وأحيانا بضرب الأمثال أو القصص، ونحوها. وكل ذلك وارد في القرآن)
قال تعالى (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ.. )(الكهف 54) ، وقال (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ )(الأنعام 65) ، وقال سبحانه (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا.. ) (الإسراء 41) أي لتقوم الحجة ، أي أن الله تعالى جاء بكثير من الآيات والأمثلة في هذا الكتاب والشاهدة على قدرته سبحانه للاعتبار والعظمة ، أي (نُكَرِّرُ الآيَاتِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ) ، فهي من تنوعها ما بين آيات منظورة وأخرى مسطورة ، كما في قوله (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ) (النور 44)

يقول الدكتور فاضل السمرائي (التصريف هو التغيير كما في قوله (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ..) (البقرة 164) أي تغييرها من جهة لأخرى، وعندنا الصرف والنحو والصرف هو النظر في التغييرات الحاصلة في أبنية الكلام، فالتصريف التغيير يأتي للمسألة الواحدة ويذكرها بصور شتى يغيّر فيها حتى يوصلها لك)

إذن جاء تعدد الآيات وتكرارها والإكثار منها وتنوعيها في الأسلوب كي تناسب البشر على اختلاف فيما بينهم بحسب الاستعدادات النفسية والإمكانيات البدنية والقدراته العقلية والمؤثرات الاجتماعية التي تحيط بهم ، فكل آية تناسب قوم معينون في حقبة معينة ، وقد لا تناسب غيرهم ، وهكذا يفصل الله الآيات تفصيلا ، ويصرفها وينوعها لحكمة أن يستوعبها البشر ، كل البشر مهما اختلفت قدراتهم وإمكانياتهم وظروفهم ، فالله يأتي لكل واحد بالآية التي تقيم الحجة عليه ، ولكن لابد –أولا- حتى تنفع الآيات أن تقع علي قلب واع قادر على أن يستقبلها دون عناد أو تكبر ، حتى تستبين له ، فيستبصر بها .

قوله (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ) القائلون هم المشركون المعاندون ، الذين يقلبون الحقائق زيفا ، يزعمون أن القرآن ليس وحياً من الله وإنما تعلمه الرسول ودرسه من الأمم السابقة اليهود والنصارى ، كما في قوله (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) [الشعراء 103] ، وقوله تعالى (وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) (الفرقان)

وهكذا نرى نتيجة غير منطقية لتصريف الآيات على نحو ما ذُكر ، فبدلا من الإيمان بالقرآن والاستبصار بالآيات ، نرى استمرار المكذبين في الافتراء على الله والتشكيك في النبوة والقرآن ، يحيلون قضية الإيمان بالكتاب من اعتبارها قضية إيمانية بالله الواحد الأحد إلى اعتبارها مجرد ثقافة ضمن الثقافات الموروثة ونظرية ضمن النظريات الإنسانية منقولة عن البشر في العلوم الاجتماعية ، ويمكن دحضها أو الرد عليها بنظرية أخرى وهكذا ، لتكون محلا للتقييم البشري والنقد الأدبي والتحليل الفلسفي ، ولا تكون –إطلاقا- محلا للإيمان بأن هذا الكتاب هو وحي إلهي يجب اتباعه .


قال الرازي (حمل اللام على العاقبة بعيد لأن حملها على العاقبة مجاز ، أما حملها على لام الغرض حقيقة ، والحقيقة أقوى من المجاز) ، فقولهم هذا من افتراءات أهل الشرك ، وفي حقيقته دليل علي عجزهم ، فهو يقيم حجة عليهم لا لهم ، لأنه تضمن إقرارا ضمنيا منهم أن ما يقوله محمد  علم يحتاج إلى دراسة تحليلية ، وفهم عميق ، وليس مجرد كلام عادي يمر على الآذان مرور الكرام ، أي أنهم وجدوا فيه فوائد ودرر وكتب قيمة ، ولا يمكن استخراجها منه إلا من خلال التدبر فيه ودراسته كعلم ضمن سائر العلوم .
فلو سلمنا جدلا بمقالتهم ، فلماذا لا يدرسوه باعتباره علم محض بصرف النظر عن مصدره ؟ فدراسة المنهج توصل بعد ذلك إلى صاحب المنهج ، فإذا آمنت بفكره ومنهجه ، وجب الانتقال إلى المرحلة الثانية من الفهم للمنهج ، وهي تطبيق هذا المنهج للتأكد من من جدواه ، فإذا أثبت التطبيق ترابط واتساق النظريات والمبادئ والقواعد والأحكام التي جاء بها المنهج ، وصحتها ونفعها ، لابد إذن من التسليم بالنظرية الجامعة للمبادئ والقيم والأفكار والنظريات جميعا ، وهي أننا جميعا ندين لله بالعبودية وحده لا شريك له .

قوله تعالى (وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)(105) لم يُكذِّب القرآنُ قولَهم (درست) فقد درس النبي  القرآن مع جبريل عليه السلام ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ  أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) ، فمدارسة الكتاب هي سنة الأنبياء في تعليمه للناس ، وأثر هذه المدارسة نجده سريعا في نشر الخير والجود به أسرع من الريح المرسلة ، قال تعالى (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) (آل عمران:79) .

قال الجزائري (والذي ينتفع بتصريف الآيات وما تحمله من هدايات العالمون لا الجاهلون) ، والمقصود العالمون بالله تعالى والمؤمنون به ، فيزيدهم الله بهذا الكتاب هدى على هدى ، قال سبحانه (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا) (مريم 76) ، وقال سبحانه (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت 44)

إذن لابد من مدارسة القرآن والجلوس بين يدي العلماء لتعلمه وفهمه والعمل به ، ولذلك قال النبي  (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) .

قوله (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) (106) أي أن هذا الكتاب نزل كمهنج للبشر لكي يتبعوا الرسول  في تطبيق أحكامه ، وليس لمجرد الدراسة والتثقف به ، ولذلك قَالَ رسول الله  (مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ لِيَصْرِفَ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَهُوَ فِي النَّارِ) ، إذن الغرض من دراسة القرآن الكريم هو تعلمه أحكامه لاتباع منهجه ، بحيث يكون العلم به علما نافعا
قوله (.. لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) (106) فغاية العلوم عن الله الوصول بها إلى قول (لا إله إلا الله) خالصة من القلب، ولذلك كان من دعاء النبي  (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ) ، قال المناوي (وهو ما لا يصحبه عمل أو ما لم يؤذن في تعلمه شرعا أو ما لا يهذب الأخلاق) .

قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) قال ابن عاشور (إعراض عن الاهتمام بغرورهم، والنكد منه، لا إعراض عن وعظهم ودعوتهم) ، قال الشوكاني (أمره الله باتباع ما أوحى إليه وأن لا يشغل خاطره بهم ، بل يشتغل باتباع ما أمره الله) أي لا تلتفت إليهم وامضِ في طريق دعوتك ، قال الرازي (لئلا يصير افتراء الكفار عليه سبباً لفتوره في تبليغ الدعوة والرسالة ، والمقصود تقوية قلبه وإزالة الحزن الذي حصل بسبب سماع تلك الشبهة) .

فالكلام يؤثر بلا شك في طاقة الإنسان إيجابا وسلبا ، ونحن المسلمون بكلفون بأن نحافظ على الطاقة الإيجابية لعمل الطاعات والإكثار منها ، وأن نفرغ الطاقة السلبية أولا بأولا فلا يتملك منا الحزن ويؤثر على العمل الدعوي ، ولذلك ارتبط الأمر بالإعراض عن المشركين ارتباطاً وثيقاً من الناحية النفسية والسلوكية مع آلية حماية نفسية وروحية تمنع استنزاف طاقة الإنسان في صراعات وجدالات عقيمة من خلال ما يلي :-.
قطع مصدر التأثير النفسي السيء : فالجدال مع المعاندين أو الوجود في بيئات مليئة بالتهجم والسخرية يملأ النفس بالضيق والتوتر ، الإعراض يعني سحب الانتباه والتركيز عن هذه المؤثرات السلبية ، وإغلاق الباب أمام الطاقة السلبية قبل أن تخترق النفس ، فتؤثر فيها ، ولذلك أمرنا بالاستعاذة من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من (الجنة والناس).
تجنب إهدار الطاقة في معارك مستنزفة: فالدخول في صراعات جدلية لا طائل منها يستهلك جهداً عصبياً ونفسياً هائلاً ، فعندما تفصل نفسك عن هذه المؤثرات بالإعراض ، فإنك تحمي عقلك وقلبك من التشتت والغضب ، ولذلك قال النبي  (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا)

والمطلوب من المسلم الحفاظ على الطاقة الإيجابية وتوجيهها من خلال سياسة الأعراض بأمرين :-
الأول : صيانة السلام الداخلي : فالإعراض عن الجاهلين وعن المشركين يمنح المسلم مساحة من الهدوء والسكينة، مما يسمح للمشاعر الإيجابية مثل الطمأنينة، والرضا، والثقة بالنمو والازدهار ، وهذا الشعور يؤكده الإيمان بقوله تعالى (فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم47).
الثاني : إعادة توجيه التركيز : فبدلاً من استهلاك الوقت والجهد في الرد على المهاترات، يوجه الإعراض طاقة الإنسان نحو البناء والعمل المثمر في سياق الدعوة والرسالة، فالإعراض وسيلة لتركيز الجهود على بناء المجتمع المسلم وتقوية أفراده بدلاً من الغرق في خصومات جانبية ، وهو ما حض عليه قوله (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت 34).

فالآية بإيجاز تضع منهجاً عملياً لحفظ الطاقة النفسية والروحية؛ فالإعراض ليس ضعفاً، بل هو إدارة ذكية للمشاعر والوقت، تضمن للمسلم البقاء في حالة من الاستقرار الإيجابي بعيداً عن المؤثرات الخارجية المحبطة.

قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (107) هذه الآية تحض علي التسليم بالإرادة الإلهية ، والرضا بما قدره الله وقضاه ، لاسيما في شأن المشركين ، فليس على أتباع النبي  أن يبذلوا جهدا يفوق الطاقة حتى يحملوا الناس على الإيمان بالله ، ولن يستطيعوا ، فهؤلاء المشركون لو أراد الله أن يقسرهم على الإيمان قسرا لأجبرهم على ذلك ، ولكن الله سبحانه لا يريد لهم أن يؤمنوا به قسرا .
قال الآلوسى : وهذا دليل أهل السنة على أنه تعالى - لا يريد إيمان الكافر لكن لا بمعنى أنه يمنعه عنه مع توجهه إليه ، ولكن بمعنى أنه - تعالى - لا يريده منه لسوء اختياره الناشىء من سوء استعداده) .
وقال أبو حيان (أي إن إشراكهم ليس في الحقيقة بمشيئتهم وإنما هو بمشيئة الله تعالى) .
وقال الشعراوي (أيَّ كافر لم يكفر قهرا عن الله ، - لأن طبيعة الاختيار ممنوحة من الله -وإنما كفر لأن الله أرخى له الزمام بالاختيار أي خلقه مختارا،... وألة الاختيار العقل ، وهو مناط التكليف أي العقل الراشد المختار ، فلا تكليف قبل البلوغ ونضوج العقل ولا تكليف على المكره) .

وقال صاحب الظلال (فالأمر كله مرهون بمشيئة الله ، هو الذي شاء ألا يهديهم لأنهم لم يأخذوا بأسلوب الهدى؛ وهو الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء؛ وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى؛ وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال ... بلا تعارض - في التصور الإسلامي - بين طلاقة المشيئة الإلهية وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار) ، وقال في موضع آخر (ولو شاء الله أن يلزمهم الهدى لألزمهم ، ولو شاء أن يخلقهم ابتداء لا يعرفون إلا الهدى كالملائكة لخلقهم ، ولكنه سبحانه خلق الإنسان بهذا الاستعداد للهدى وللضلال ، وتركه يختار طريقه ويلقى جزاء الاختيار - في حدود المشيئة المطلقة التي لا يقع في الكون إلا ما تجري به ، ولكنها لا ترغم إنساناً على الهدى أو الضلال - وخلقه على هذا النحو لحكمة يعلمها؛ وليؤدي دوره في هذا الوجود كما قدره الله له ، باستعداداته هذه وتصرفاته) .

وقال ابن عاشور وقوله : (ولو شاء الله ما أشركوا) عطف على جملة (وأعرض عن المشركين) ، وهذا تلطّف مع الرّسول  وإزالة لما يلقاه من الكَدَر من استمرارهم على الشّرك وقلّة إغناء آيات القرآن ونُذُره في قلوبهم ، فذكّره الله بأنّ الله قادر على أن يحوّل قلوبهم فتقبَل الإسلام بتكوين آخر ، ولكنّ الله أراد أن يحصل الإيمانُ ممّن يؤمن بالأسباب المعتادة في الإرشاد والاهتداء ليَميز الله الخبيثَ من الطيّب وتَظهرَ مراتب النّفوس في ميادين التلقّي.. ، ولم يجعل الله إيمان النّاس حاصلاً بخوارق العادات ولا بتبديل خَلْق العقول ، وهذا هو القانون في معنى مثل هذه الآية ، فهذا معنى انتفاء مشيئة الله في هذا المقام المراد به تطمين قلب الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وتذكيره بحقائق الأحوال وليس في مثل هذا عذر لهم)

قوله (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) هذه الآية توضح المستوى المطلوب من العناية المكلف بها النبي  لقومه ، فهي تنفي عنه أن يكون مسئولا عن تحقيق نتيجة ، فالنتائج عن المجهود الدعوي بيد الله وحده ، ولكنه مطالب بأن يبذل عناية الرجل الحريص على مصلحتهم ، وينفي عن الرجل الحريص مسئولية الوكيل أو المستأمن ، فكلاهما حريصان على مسئولية صاحبهم ، ولكن مسئولية الأمين أقرب للكفالة ، فهو يكفل ما في يده إن فسد ، ولذلك يكون مسئولا بالتعويض عن فساد ما لم يثبت أنه فسد لسبب خارج عن إرادته ، وأنه لم يقصر في الحفاظ على ما استئمن عليه ، وكذلك الحال بالنسبة للوكيل فهو كفيل عن صاحبه ومسئولا عن تحقيق نتيجة ما لم يثبت كذلك حالة القوة القاهرة التي منعته من تحقيق النتيجة ، قال الحدادى (وإنما جمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معناهما ، فإن الحافظ للشئ هو الذى يصونه عما يضره ، والوكيل بالشئ هو الذى يجلب الخير إليه) ، أما النبي  وكذلك الدعاة إلى الله فهم حريصون على الدعوة ، وليس عليهم بلوغ النتائج ، فهم مكلفون بأقل من ذلك درجة ، رحمة من الله بنبيه وبأمته من بعده.

يقول سيد قطب (إن صاحب الدعوة – رغم حرصه على قومه - لا يجوز أن يعلق قلبه وأمله وعمله بالمعرضين عن الدعوة ، المعاندين ، الذين لا تتفتح قلوبهم لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ... إنما يجب أن يفرغ قلبه ، وأن يوجه أمله وعمله للذين سمعوا واستجابوا ، فهؤلاء في حاجة إلى بناء كيانهم كله على القاعدة التي دخلوا الدين عليها ... قاعدة العقيدة ... وفي حاجة لإنشاء تصور لهم كامل عميق عن الوجود والحياة على أساس هذه العقيدة ، وفي حاجة إلى بناء أخلاقهم وسلوكهم ؛ وبناء مجتمعهم الصغير على هذا الأساس) .

قوله (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) قال رسول الله  (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذىء) ، فالقرآن يؤدب المسلمين حالما يعرضون عن المشركين ، حتى يكون هذا الإعراض بأسلوب الترفع والأدب ، وليس بطريق السب واللعن ، ذلك أن فتح باب التراشق بالألسنة يفتح وبال عظيم للاستهانة بالمقدسات والذات الإلهية ، فالأولى سد الذرائع من خلال الكف عن سبابهم فذلك كاف للتخلق بهذا السلوك .
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ " ، قَالُوا:"يَا مُحَمَّدُ ، لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّكَ آلِهَتَنَا أَوْ لَنَهْجُوَنَّ رَبَّكَ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ أَنْ يَسُبُّوا أَوْثَانَهُمْ " فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ "
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ:"كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسُبُّونَ أَصْنَامَ الْكُفَّارِ، فَيَسُبُّ الْكُفَّارُ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: " وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ " .

قال أبو حيان (وحكم هذه الآية باق في هذه الأمة فإذا كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو الرسول أو الله فلا يحل لمسلم ذم دين الكافر ولا صنمه ولا صليبه ولا يتعرض إلى ما يؤدّي إلى ذلك ، ولما أمر تعالى باتباع ما أوحي إليه وبموادعة المشركين عدل عن خطابه إلى خطاب المؤمنين ، فنهوا عن سب أصنام المشركين) .

فالأصل هو ذم آلهتم من باب إنكار المنكر عليهم ، كما قال إبراهيم عليه السلام (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (إبراهيم 57) ، ولكن الضرر الذي يقع على المسلمين عند تطبيق سنة نبي الله إبراهيم أشد من المصلحة ، ولذلك نهاهم الله تعالى عن فعل ذلك ، وهو ما يعني أن المصالح توزن بحسب الأحوال والزمان والظروف وكذلك المفاسد والمضار .

قال ابن عثيمين (هنا تعارضت مفسدتان: المفسدة الأولى ترك سب آلهة المشركين، والمفسدة الثانية سب الإله ،ومعلوم أن سب الإله أعظم من ترك سب آلهة المشركين وأشد مفسدة، ولذلك نهى الله تعالى عن سب آلهة المشركين إذا كان سبها يستلزم سب المشركين للإله رب العالمين ، إذا كان سبها يستلزم سب المشركين لرب العالمين (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: أصنامهم (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) يعني أنكم إذا سببتم آلهتهم فسوف يسبون إلهكم) .

قوله (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ..) (108) أي أن سياسة المسلمين في الإعراض عن المشركين قد تغري المشركين الظن بأنهم علي خير ، فذلك مترتب على موادعة المسلمين لهم والالتزام بعدم سب آلهتهم ، فيظنون أنهم على خير ، وذلك خلاف لما هم عليه من الشر ، ولكن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة .

ونظيره قوله تَعَالَى (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) ، وقوله (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) وقال (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم)
قال ابن القيم (والله تعالى يضيف تزيين الدنيا والمعاصي إلى الشياطين ولا يناقض هذا قوله تعالى (كذلك زينا لكل أمة عملهم) فإن إضافة التزيين إليه قضاء وقدرا وإلى الشيطان تسببا مع أن تزيينه تعالى عقوبة لهم على ركونهم إلى ما زينه الشيطان لهم ، فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها) .

قوله (..ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (108) أي ينبئهم يوم القيامة بضلال ما كانوا يعبدون ، أولئك الذين ذمهم الله بقوله (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ) فسوف يعلمون يوم القيامة أن ما زُين لهم في الدنيا لم يكن إلا فتنة لهم كما في قوله (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (الأنعام 24) .

قوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) (109) هؤلاء هم أهل اللوم على القدر ، يعزون أي خسارة تلحق بهم على الأقدار ، ولا يفهمون أن قدر الله ليس فيه ظلم لهم ، قال ابن تيمية (وقد تقتضي الحكمة أن لا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال كما ذكره الله في كتابه من أن الكفار كانوا يقترحون على الأنبياء آيات غير الآيات التي جاؤوا بها ، فتارة يجيبهم الله إلى ذاك لما فيه من الحكمة والمصلحة ، وتارة لا يجيبهم لما فيه في ذلك من المضرة والمفسدة عند جمهور أهل الملل من المسلمين وغيرهم .. وقد كان الرسول  ربما طلب تلك الآيات رغبة منه في إيمانهم بها ، فيجاب بأن الآيات لا تستلزم الهدى بل تستلزم إقامة الحجة وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها ، والله تعالى قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر كما فعل بفرعون وأبي لهب وغيرهما لما في ذلك من الحكمة العظيمة كما دل على ذلك القرآن والتوراة وغيرهما ،وقد بين أنه لا يظهرها لانتفاء الحكمة فيها أو لوجود المفسدة) .

قوله (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) قال أبو حيان (فالظاهر أن الخطاب للمؤمنين والمعنى وما يدريكم أيها المؤمنون أن الآية التي تقترحونها إذا جاءت لا يؤمنون بها) ، قال تعالى (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)(الإسراء 59) .

قال الزمخشري (يعني أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنتم لا تدرون بذلك ، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم إذا جاءت تلك الآية ، ويتمنون مجيئها فقال : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون على معنى أنكم لا تدرون ما سبق علمي به من أنهم لا يؤمنون) .

قوله (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (110) قال ابن القيم (التقليب تحويل الشيء من وجه إلى وجه) ، قال الشاعر قد سمي القلب قلبا من تقلبه فاحذر على القلب من قلب .
فقد سِيقَ اللفظ "نُقَلِّبُ" على التحويل، والاضطراب، وعدم الثبات، وهو يخدم المعنى المراد في الآية وهو سلب التوفيق والخذلان جزاءً لكفرهم السابق وعنادهم ، كما في قوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة 206) .
قال السيوطي أي (نُحَوِّل قُلُوبهمْ عَنْ الْحَقّ فَلَا يَفْهَمُونَهُ "وَأَبْصَارهمْ" عَنْهُ فَلَا يُبْصِرُونَهُ فَلَا يُؤْمِنُونَ) .
قال الرازي(فلا تجدهم يؤمنون بها آخراً كما لم يؤمنوا بها أولاً) .
قال الماوردي (وهذا من الله عقوبة لهم ، وفيها ثلاثة أقاويل :-
أحدها : أنها عقوبة من الله في الآخرة يقلبها في النار .
والثاني : في الدنيا بالحيرة حتى يزعج النفس ويغمها .
والثالث : معناه أننا نحيط بذات الصدور وخائنة الأعين منهم)

قال ابن القيم في قوله (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) (فهذا الإضلال عقوبة منه لهم حين بيَّن لهم فلم يقبلوا ما بيَّنه لهم ولم يعملوا به ، فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى ، وما أضل الله سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان) .

والمعنى أنهم كما زاغت قلوبهم عن الحق أول مرة...بأن وقع في قلوبهم ما منعهم عن الهدى وهو داء الكبر ، فإنه يمكن أن يتكرر وقوعه كذلك - بعد نزول الآيات المادية والخوارق التي يقترحونها - فيمنعهم من الهدى مرة أخرى .
أي أن الذي حال بين الكفار والإيمان بالله هو عدم ثبات قلوبهم على الحق ، فقد زاعت عنه رغم وضوح الآيات كما زاغت أبصارهم عنه أول مرة وقبل ظهور الآيات المقترحة ، فلا يبصرون.

قال ابن الجوزي قوله تعالى (ونقلِّب أفئدتهم وأبصارهم) ، وفي معنى الكلام أربعة أقوال :-
أحدها : لو أتيناهم بآية كما سألوا ، لقلبنا أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان بها ، وحُلْنا بينهم وبين الهدى ، فلم يؤمنوا كما لم يؤمنوا بما رأوا قبلها ، عقوبة لهم على ذلك . وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس ، ومجاهد ، وابن زيد .
والثاني : أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا؛ فالمعنى : لو رُدُّوا لحُلْنا بينهم وبين الهدى كما حُلْنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا ، روى هذا المعنى ابن أبي طلحة عن ابن عباس .
والثالث : ونقلّب أفئدة هؤلاء وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية بما رأوا من الآيات ، قاله مقاتل .
والرابع : أن ذلك التقليب في النار ، عقوبة لهم ، ذكره الماوردي)

قال ابن تيمية (فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا التَّقْلِيبَ يَكُونُ لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَهَذَا عَدَمُ الْإِيمَانِ ؛ لَكِنْ يُقَالُ : هَذَا بَعْدَ دُعَاءِ الرَّسُولِ  لَهُمْ ، وَقَدْ كَذَّبُوا وَتَرَكُوا الْإِيمَانَ) .
وقال ابن تيمية (فبين سبحانه أن مجيء الآيات لا يوجب الإيمان بقوله تعالى (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) أي فتكون هذه الأمور الثلاثة
- أن لا يؤمنوا
- وأن نقلب أفئدتهم وأبصارهم
- وأن نذرهم في طغيانهم يعمهون
أي وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت تحصل هذه الأمور الثلاثة)

قال الألوسي (هذا التقليب ليس مع توجه الأفئدة والأبصار إلى الحق واستعدادها له بل لكمال إعراضها عنه بالكلية ولذلك أخر ذكره عن ذكر عدم إيمانهم إشعاراً بأصالتهم في الكفر وحسماً لتوهم أن عدم إيمانهم ناشيء من تقليبه تعالى مشاعرهم بطريق الإجبار) .
فقوله: (نقلب أفئدتهم) معطوف على قوله: (لا يؤمنون)، وكلاهما داخل في معنى قوله: (وما يشعركم) وبهذا تزول شبهة من لم يفهم الآية، فظن أن (أن) بمعنى (لعل) لتوهمه أن قوله: (ونقلب) فعل مبتدأ، إلى قوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن)

والمعنى الوارد بالآية بينه ووضحه النيسابوري فيقول (معنى تقليب الأفئدة والأبصار هو أنهم إذا جاءتهم الآيات القاهرة التي اقترحوها ، فمن المفترض أن يعرفوا كيفية دلالتها على صدق الرسول- إلا أن الحاصل هو العكس ، حيث العناد والكفر ، وذلك لما في صدورهم من كبر ما هم ببالغيه ، - ولذلك فإن الله تعالى يقلب قلوبهم وأبصارهم عن ذلك الوجه الصحيح ، -لأنهم ليسوا أهلا للإيمان متى علق الكبر في صدورهم -، ومن ثم بقوا على الكفر ، ولم ينتفعوا بتلك الآيات) .
يقول سيد قطب (إن موحيات الإيمان كامنة في القلب ذاته؛ وفي الحق بذاته كذلك ؛ وليست متعلقة بعوامل خارجية . . فيجب أن تتجه المحاولة إذن إلى ذلك القلب لعلاجه من آفاته ومن معوقاته ) .

فقضية الإيمان والكفر لا تتعلق بالأدلة والبراهين بقدر ما تتعلق بالقبول للأدلة والبراهين ، لأن الحق في ذاته برهان ، وله من الحجة والقوة ما يجعل القلب يقبله ويطمئن به ، لكن ثمة معوقات تحول بين القلب وقبوله للحق ، كما في قوله تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: 24] ، وكما قال النبي  (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) .

ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان الآية ومقلب القلوب ، وذكر بعده حديث عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ  يَحْلِفُ (لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) .
قال الزرقاني (بتقليب أغراضها وأحوالها لا بتقليب ذات القلوب) قال الراغب (تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي والتقليب الصرف سمي قلب الإنسان قلبا لكثرة تقلبه ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة) .

وعن أنس قال : كان النبي  يكثر أن يقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) قال المناوي (إشارة الى شمول ذلك للعباد حتى الانبياء ودفع توهم انهم يستثنون من ذلك) ، قال الحافظ (وخص نفسه بالذكر اعلاما بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجا إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك )

قال رسول الله  (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا) .
وعن شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ قُلْتُ لِأُمِّ سَلَمَةَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ  إِذَا كَانَ عِنْدَكِ قَالَتْ كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَكْثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ قَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ فَمَنْ شَاءَ أَقَامَ وَمَنْ شَاءَ أَزَاغَ) ،

قال ابن تيمية (العبد مفتقر إلى الله في أن يهديه ويلهمه رشده وإذا حصل له علم بدليل عقلي فهو مفتقر إلى الله في أن يُحدث في قلبه تصور مقدمات ذلك الدليل ويجمعها في قلبه ثم يُحدث العلم الذي حصل بها ، وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدهم نظرا ويعميه عن أظهر الأشياء وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرا ويهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه فلا حول ولا قوة إلا به .
فمن اتكل على نظره واستدلاله أو عقله ومعرفته خذل ، ولهذا كان النبي  إذا قام من الليل يقول : [ اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ] وكان يقول هو وأصحابه في ارتجاجهم :
( اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا )
( فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا )
وهذا في العلم كالإرادات في الأعمال ، فإن العبد مفتقر إلى الله في أن يحبب إليه الإيمان ويبغض إليه الكفر وإلا فقد يعلم الحق وهو لا يحبه ولا يريده فيكون من المعاندين الجاحدين قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)، وقال (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) فالإنسان -فيما يكتسبه من الأعمال - مفتقر إلى الله محتاج إلى معونته ، فإنه لا حول ولا قوة إلا به)

(فَالعبد مَأْمُورٌ بأن يَشْهَدُ قَبْلَ فِعْلِ الطاعات بحَاجَتَهُ وَفَقْرَهُ إلَى إعَانَةِ اللَّهِ لَهُ وَتَحَقُّقِ قَوْلِهِ (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وَيَدْعُو بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي فِيهَا طَلَبُ إعَانَةِ اللَّهِ لَهُ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ كَقَوْلِهِ (أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِك وَشُكْرِك وَحُسْنِ عِبَادَتِك) وَقَوْلِهِ : (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك وَيَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ اصْرِفْ قَلْبِي إلَى طَاعَتِك وَطَاعَةِ رَسُولِك) وَقَوْلِهِ (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) وَقَوْلِهِ (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) ، وَمِثْلِ قَوْلِهِ (اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي وَاكْفِنِي شَرَّ نَفْسِي) ، وَرَأْسُ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَأَفْضَلُهَا قَوْلُهُ (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فَهَذَا الدُّعَاءُ أَفْضَلُ الْأَدْعِيَةِ وَأَوْجَبُهَا عَلَى الْخَلْقِ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ صَلَاحَ الْعَبْدِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)

قوله (..وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (110) يعني لأنهم سلكوا طريق الطغيان وانحرفوا عن الحق ، ولم ينتفعوا بالآيات ولم يستبصروا بها بظل ظلوا في العمه ، فقد تركهم الله وشأنهم ، كلما تمادوا في الطغيان ، لأن الله لا يهدي القوم الفاسقين .

ويوضح هذا المعنى حديث النبي  قال (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)

قوله (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (111) وذلك إجابة لطلبهم أن تأتيهم معجزات مخصوصة بحسب ما اقترحوه ، فعلى سبيل المثال رؤية الملائكة أو أن يتحدثوا مع الموتى ، فهاتان المعجزتان الماديتان تحيلان أمور الغيب إلى أمور مادية مرئية مشاهدة إما بالعين المجردة أو بالسماع بالأذن ، أي أن حواس الإنسان تتعرف على المعجزة ، فهل هذا كاف لإثبات الإيمان بالله ؟ مع العلم بأن الإيمان بما هو مشاهد ليس هو الإيمان الحق ، بل الإيمان الحق هو الإيمان بما هو غائب ، وليس بما هو مشاهد .

وقوله (..وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ..) (111) (يشير إلى مجموع ما سألوه وغيره) ، (معاينة أمامهم) قاله ابن عباس ، أي مجموع ما اقترحوه من قبل كما في قوله تعالى (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ..) (الإسراء 90-93)

فكانت إجابة المولى عليهم في هذه الآية (..قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً) (الإسراء 93) ، وكانت إجابته في موضع آخر أن ذلك كله غير نافع ، كما في قوله تعالى (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ، لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) [الحجر:14، 15] .

فالعبرة ليست في كثرة الآيات والمعجزات والدلائل المادية على صدق الرسالة الإلهية ، فآية واحدة كفيلة لأن تكون دليلا ، ولكن إذا صادفت قلبا يريد ويرغب بشدة أن يعرف الحق ويتبعه ، لا قلبا ينصرف عنه حتى لو حشرت المعجزات والدلائل المادية أمامه حشرا حتى اكتظت من كثرتها فلم تجد لها تصريفا .

فقوله (...مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (111) فالمعنى أن (إيمانهم منتف في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي شأنها أن لا ينتفي عندها الإيمان) ، لأن قضية الإيمان شأنها هو الإيمان بما هو غائب وليس بما هو مشاهد .

قوله (..إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي (إن شاء هدى من كان أهلاً لذلك ، وإن شاء لم يهد من لم يكن أهلاً لذلك) ، ونظير ذلك قوله: " وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" وَ قوله "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا " .

قوله (..وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ) (111) أي يجهلون الحكمة من الابتلاء بالإيمان بالغيب ، وذلك ردا على قسمهم (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا) يقول الشيخ الشعراوي (لا يريد الله أعناقا تخضع ، وإنما يريد قلوبا تخشع ، لذلك يذيل الحق الآية بقوله : "ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ")

قال صاحب الظلال (اقتضت مشيئة الله أن تبتلي البشر بقدر من حرية الاختيار ، والتوجه في الابتداء؛ وجعل هذا القدر موضع ابتلاء للبشر وامتحان ، فمن استخدمه في الاتجاه القلبي إلى الهدى والتطلع إليه والرغبة فيه - وإن كان لا يعلم حينئذ أين هو - فقد اقتضت مشيئة الله أن يأخذ بيده ويعينه ويهديه إلى سبيله ، ومن استخدمه في الرغبة عن الهدى والصدود عن دلائله وموحياته ، فقد اقتضت مشيئة الله أن يضله وأن يبعده عن الطريق وأن يدعه يتخبط في الظلمات) .

قوله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (112) هذه الآية تبين اتحاد وتواطؤ شياطين الإنس والجن على شيء واحد ، وهو تعطيل أهل الحق وأهل الدعوة عن استئناف جهدهم وعمل الخير ، ولو كانوا أنبياء ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) .

و(لفظ الشيطان يطلق حقيقة على الجني ومجازا على الإنسي) ، وقال ابن بطال (يجوز إطلاق لفظ شيطان على من يفتن في الدين وأن الحكم للمعاني دون الأسماء) ، وعليه يجوز إطلاق هذه التسمية (شيطان) لكل من حاول قطع عمل خيري ، أو فتح باب شر ، وإن هذا الاسم لا يختص بالشيطان الجني) .
وعن مالك ابن دينار : (إن شيطان الإنس أشدّ عليّ من شيطان الجنّ ، لأني إذا تعوّذت بالله ذهب شيطان الجنّ عني ، وشيطان الأنس يجيئني فيجرّني إلى المعاصي عياناً) .

قوله (..يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ..)(112) يعني (يوسوس بعضهم لبعض) ، ففي الصحيح (فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كذبة من عند أنفسهم) أي أن الشيطان يضع الكلمة في أذن الكاهن مباشرة ، أي يوحي إليه بها .

وعن ابن عباس قال : (إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم ، فيلتقي شيطان الإِنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا : أضلله بكذا وأضلله بكذا ، فهو قوله (يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) .
قال ابن تيمية (النَّفْسُ بِفِطْرَتِهَا إذَا تُرِكَتْ كَانَتْ مُقِرَّةً لِلَّهِ بِالْإِلَهِيَّةِ مَحَبَّةً لَهُ تَعْبُدُهُ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَلَكِنْ يُفْسِدُهَا مَا يُزَيِّنُ لَهَا شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بِمَا يُوحِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ الْبَاطِلِ)

قوله (..زخرف القول غروراً..) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (يحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم) .
قال ابن القيم (فسماه زخرفا ، وهو القول الباطل لأن صاحبه يزخرفه ويزينه ما استطاع ويلقيه إلى سمع المغرور فيغتر به ، والمقصود أن الشيطان قد لزم ثغر الأذن أن يدخل فيها ما يضر العبد ويمنع أن يدخل إليها ما ينفعه ، وإن دخله بغير اختياره أفسد عليه) .
وقال (الزخرف هو الكلام المزين كما يزين الشيء بالزخرف ، وهو الذهب ، وهو الغرور لأنه يغر المستمع بالشبهات المعارضة للوحي هي كلام زخرف يغر المستمع) .

قوله (..وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ..)(112) (الضمير هنا عائد على وحيهم ، أو على عداوة الكفار) ، أي (لَمَنع الشَّياطين من الوسوسة للإِنس) ، فعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ  يَقُولُ (يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً) .
فالمعنى العام لو شاء الله لمَا فَعَلَ هؤلاء الشياطين ذلك الإيحاء والقول المزخرف الباطل ، ولكن الله يبتلي بعضنا ببعض كما في قوله (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) (محمد 4) ، وهذا يعني أن الإنسان مسير في مسألة "الاختبار" ولكنه مخير في مسألة "الاختيار" ، فلا يختار "الابتلاء" ولكنه يختار أن "يصبر" أو أن "يجزع" ، ولا يختار "النعمة" ولكنه مُمكن من أن يختار "الكفر" أو "الشكر" .

قال الماوردي (وفي تركهم على ذلك قولان :-
أحدهما : ابتلاء لهم وتمييزاً للمؤمنين منهم .
والثاني : لا يلجئهم إلى الإيمان فيزول التكليف)

يقول صاحب الظلال ("الطائعون" و"العصاة" في قبضة الله سواء ، وتحت قهره وسلطانه سواء . فهم لا يملكون جميعاً أن يحدثوا شيئاً إلا بقدر الله وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد . . ولكن المؤمنين يطابقون - في القدر المتروك لهم للاختيار - بين الخضوع القهري المفروض عليهم لسلطان الله في ذوات أنفسهم وفي حركة خلاياهم وفي طبائع تكوينهم العضوي النفسي؛ وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار . وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها ، لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموسا واحدا وسلطانا واحدا! فأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس الله الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا منه في تكوينهم الجسمي وحاجاتهم الفطرية ، بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان الله الممثل في منهجه وشرعه ، أشقياء بهذا الفصام في شخصيتهم! وهم بعد هذا كله في قبضة الله لا يعجزونه في شيء ، ولا يحدثون شيئاً إلا بقدره!)

قوله (..فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)(112) يوضح الإسلام المنهج الدعوى في هذه المسألة ليقتصر جهد الدعاة عن الانشغال بافتراءاتهم وما يزينونه للناس من زخرف القول ليغروهم ويضلونهم عن سبيل الله ، فكل ذلك ليس بشيء حتى يجهدوا أنفسهم لإبطاله فهو في ذاته باطل ، ذلك أن الانشغال بافتراءاتهم هو عين مقصدهم لتنصرف جهودهم عن تبليغ خطاب الحق للناس ، ثم ينشغلون بالرد على افتراءاتهم ، ولكن اجعل نصب عينك "البلاغ" مجردا عن محاولة الرد على ما يفترونه من شبهات اقتصادًا في الجهد واختصارًا للوقت .

قوله (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ)(113) هنا يأت دور القلب الذي يسمع ويصغى لتزيين الشيطان أو يلتفت عنه إلى ما وعد الرحمن في الآخرة ، ولكن الذين لا يؤمنون بالآخرة تراهم يصمون آذانهم عن الحق ، وتصغى أفئدتهم إلى الباطل .

وفي ذلك تعليل للأمر بتركهم الوارد في قوله تعالى (فذرهم وما يفترون) ، ذلك أن افتراءاتهم تلك لن ينشغل بها إلا من أصغى قلبه للشيطان ولا يؤمن بالآخرة ، فهذا الصنف من الناس هو الذي يتقبل قلبه وسوسة الشيطان ، أي أنهم (سلكوا طريق الشياطين واقتفوا آثارهم مقلدين لهم في ملابسهم ومجالسهم وأحاديثهم ، مشاركين لهم حتى في أمانيهم وطموحاتهم ورؤاهم وأحلامهم وأفراحهم وأتراحهم) .

فلم يقتصر حالهم على الإصغاء بالآذان لوحي الشياطين ، بل وبالأفئدة ، فقد تعدى الأمر من الإصغاء إلى الرضاء التام لهمز الشياطين ، حتى أشربت قلوبهم بالباطل ، وهنا تبدو عقيدتهم الفاسدة على الرضا بالدنيا بل تقديس الدنيا وإهمال الآخرة بل وعدم الإيمان ، فتكون النتيجة الحتمية لكل ذلك هو اقتراف المعاصي ، والإسراف فيها إلي ما لا يمكن إحصاءه إلا الله
يقول لبيد بن ربيعة:- وإني لآتي ما أتيت وإنني ... لما اقترفت نفسي عليّ لراهب .

يقول الشعراوي (وقد يصغي إنسان ثم تتنبه نفسه اللوامة ، ويمتنع عن الاستجابة ، لكن هناك من يصغي ويرضى وجدانه ويستريح لما يسمع ، ثم ينزع للعمل ليقترف الإثم ، وهذه ثلاث مراحل حددت لنا المظاهر الشعورية التي درسها علماء النفس :-
1- فالإدراك؛ « لتصغى »
2- والوجدان؛ « ليرضوه »
3- والنزوع؛ « ليقترفوا »
وعندما لا يمكن فصل النزوع عن الوجدان والإدراك يتدخل الشرع من أول الأمر ، مثلما يأمر بغض البصر عن المرأة حتى لا يؤدي الإدراك إلى الوجداتن ثم إلى اقتراف المعصية .

قوله (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا) (114) قال حقي (الهمزة للانكار) ، قال رسول الله  (إن الله هو الحكم وإليه الحكم) (فهذا الوصف مختص به لا يتجاوز إلى غيره) ، (وإليه الحكم) أي (منه يبتدأ الحكم ، وإليه ينتهي الحكم ، له الحكم وإليه ترجعون لا راد لحكمه ولا يخلو حكمه عن حكمته) .

ذكر الماوردي سبب نزول هذه الآية أن مشركي قريش قالوا للنبي  اجعل بيننا وبينك حَكَماً إن شئت من أحبار اليهود وإن شئت من أحبار النصارى ، ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك ، فنزلت عليه هذه الآية) ، لكن الإسلام رفض منذ اللحظة الأولى الاحتكام لغير الله في شيء .

فغاية الشيطان فهي أن يتحاكم الناس لغير كتاب الله ، ولهذا يصنع لهم شرائع أخرى غير شريعة رب العالمين ، يوهمهم بعظمتها وفاعليتها وأهميتها ، فيسارعون إلى الالتجاء لها ويتبارون في حفظها والتثقف بها ، وعندئذ يخبو صوت من ينادي بهذا الكتاب والرجوع لحكم الله إزاء أصوات تعالى لتنادي باللجوء إلى غير شرع الله ، وهكذا حتى نجد أنفسنا نُنَصِّب من أعدائنا حكما بيننا ، يحكمون وفق مناهج تناقض حكم الله ، ثم نحن نرتضي أحكامهم لظننا أنها من صناعة أكبر المثقفين وأنها سبب المدنية والتقدم والتحضر .

إن الذي حدا بالبشرية للانزلاق في هذا المنزلق أنه أصبح بين المسلمين وفهم كتاب ربهم بونٌ شاسعٌ ، فأضحت أحكامه بعيدةً عن ثقافتهم ، فلا نجد إماما تتجاوز حلقات دروسهم فقه الطهارة أو الصلاة وإن اجتهد فإنه بالكاد ينتهي إلى فقه الحج أو الصيام ، ولا يصل إلى فقه المعاملات التجارية أو السياسة الشرعية أو الجنايات...الخ ، ولذلك عدة أسباب منها عدم إلمام الإمام نفسه بتلك الأحكام بدرجة كافية وكذلك اكتظاظ المناهج البشرية التي تضاهي منهج الله مما يضطر الإمام إلى تسطيح مسائل الفقه في هذه الأبواب وعدم الخوض فيما يحتاجه الناس بحق ، لأن العمل جرى على البدائل الوضعية .

وفي قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) قال السعدي أي: (موضَّحا فيه الحلال والحرام، والأحكام الشرعية، وأصول الدين وفروعه، الذي لا بيان فوق بيانه، ولا برهان أجلى من برهانه، ولا أحسن منه حكمًا ولا أقوم قيلًا لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة) .
وفي ذلك دلالة على وجوب الاغتناء بكتاب الله تعالى والكف عن غيره من كتب ، ليكون هو المصدر الرئيسي والأوحد للتشريع ، دون حاجة إلى مصادر أخرى ، ذلك أن هذا الكتاب مفصل لكل شيء ، قال سبحانه (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل 89) ، فوصف الكتاب أنه مفصلا ، ووصفه بأنه تبيانا لكل شيء هو ذاته المعجزة التي لو انتبه إليها مقترحوا الآيات لعلموا أنها هي هي المعجزة التي يطلبون .

قال ابن عثيمين (وما خفي على أحد من الناس من الأحكام إلا لقصورٍ في فَهمه، أو في علمه، أو في إرادته) ، وكم حاول المفسرون جاهدين أن يستخرجوا من القرآن الكريم الأحكام الشرعية والعبر والمواعظ ، لكنهم كبشر جهدهم محدود مهما آتاهم الله من علم ، فإنهم لا يمكنهم أن ينالوا كل علوم القرآن وتحقيق جميع مقاصده وجمع كل شرائعه ، لكن كلما ازداد التفكر والتدبر فيه كلما زادت معرفة المسلمون بكتابهم ، وكلما زادت مدارسة القرآن من خلال مجالس الذكر كلما حاز المسلمون كثير من أحكامه وعلومه أكثر مما كانوا يحوزونه لو كانوا فرادى .
ويقول الدكتور عبد الكريم بكار (نحن لا نهتم بالبحث عن أوجه القصور في تفكيرنا، ولربما اعتقدنا سلامة نياتنا وحسن مقاصدنا ،.. وهو ما يدفعنا إلى الظن بأننا مجتهدون ، وما دمنا مجتهدين فإننا مأجورون على اجتهادنا ، ومن ثم فإننا لسنا في حاجة إلى المراجعة والبحث عن الأخطاء ، ولا شك أن هذا خاطئ؛ .. إن معظم ما نقع فيه من أخطاء ليس ناشئاً عن حب الأذى أو الإساءة ،وإنما ناشئ من القصور:-
- القصور في الفهم
- والقصور في العلم
- والقصور في أدوات البحث وملكات الاجتهاد
ولهذا فإن استماعنا إلى بعضنا بعضاً باحترام واهتمام هو الذي يساعدنا على تقليل الضرر الناشئ عن الأخطاء غير المقصودة) .

وفي قوله (وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) اختلف المفسرون في تعيين المقصود بالذين آتيناهم الكتاب ، فقال ابن عاشور (المقصود بهذا الحكم أحبار اليهود خاصة ، لكن يجاب على ذلك بأنه قال: (آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) ولم يقل: أهل الكتاب ، فقيل: المراد بالذين آتاهم الله الكتاب: من أسلموا من أحبار اليهود، مثل عبد الله بن سلام، وثمة رأي ثالث عن عطاء (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) هم أصحاب محمد  أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فيكون الكتاب هو القرآن) ، وأكد الماوردي المعنى الذي أشار إليه ابن عاشور في هذه الآية كذلك) .

والمعنى يستوعب ذلك كله ولا إشكال ، فيجوز أن يكون خطابا لغير معين ، ليعم كل من يحتاج إلى مثل هذا الخطاب ، ونظير ذلك قوله تعالى (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) (الرعد 36) .

قوله (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) الخطاب له  أي فلا تكن من الممترين في أن الله ينصرك وينصر دعوتك ، فيعلمون أنه الحق ، وقيل المراد (أنه الحق) ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءُونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين) ، قال ابن كثير (وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه) ، ولهذا جاء عن رسول الله  أنه قال: "لا أشك ولا أسأل" ، وإنما قصد بهذا التعبير التهييج ، (بقطع الأطماع عنه) .

وقيل (فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُتَشَكِّكِينَ فِي أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَيْكَ بِالحَقِّ) ، وقيل المراد (الشَّاكِّين في الجملة التي أخبرتك بها من أمر القِبلة ، وعناد اليهود وامتناعهم عن الإِيمان بك) ، وقيل (الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم) .

قال العلماء (ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه عليه الصلاة والسلام) كما في قوله تعالى : (وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين) [ يونس : 105 ]
قال الألوسي (بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين :-
إحداهما : أنه  إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نوراً على نور
وثانيتهما : أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه  مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره) .

ولذلك قال المفسرون (المراد بهذا الخطاب في المعنى هو الأمّة) , قال الثعالبي (لأنه إِذا كان رسول اللَّه  يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا ، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه) .
واستشهد أبو حيان على ذلك بأن (النهي عن الكون على صفة يستلزم العموم ،كما في قوله (فلا تكوننّ من الجاهلين) ، (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) ، (فلا تكن في مرية منه) فهو بذلك أبلغ من النهي عن تلك الصفة كما في قوله (لا تعجل بالكتاب من قبل أن يقضى إليك وحيه) ، (ولا تحزن) ، إذ النهي عن (الكون) يستلزم عموم الأكوان ، أما النهي عن الصفة فيدل على عموم الصفة ، وفرق بين ما يستلزم عموما ، وما يدل على العموم فقط ، فالكينونة في الحقيقة ليست متعلق النهي) ، وهو ما يعني سمو النهي الإلهي فاستلزم أن يدخل فيه جميع مخاطبين به سواء نبي مرسل أو عبد مكلف.

قوله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا..) (115) ومعلوم على وجه العموم أن كلمات الله هي آياته ، فعن عبد الله قال : (من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله  ) .
قال الماوردي (صدقاً فيما حكاه أو وعد به ، عدلاً فيما قضاه وأمر به أو نهى عنه ) .

ولعل المقصود بكلمة الله – على وجه الخصوص من عموم ما وعد الله به في القرآن – في هذا السياق - ما وعد به من نصر المرسلين على المكذبين بهم ، كما في قوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام 34) ، فقد جمع الله بين كلمته وكلمة الكافرين في آية واحدة ، فقال سبحانه (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة 40) ، فهذا وعد بالنصر كما في قوله (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (غافر 77).

كذلك يتضمن المعنى تبليغ أمر هذا الدين وإيصاله للناس بما يقيم الحجة عليهم ، ومن ثم يسوغ يعقبه تهديدهم بعاقبة الكفر بالله ، (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (الزمر 71) ، قال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود 119).

كذلك تضمن المعنى رسوخ هذا الكتاب في قلوب العباد ، والتبشير بنصرهم وغلبتهم وظهور أحكامه على الدين كله ، قال تعالى (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات 171-173)

قوله (..لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (115) ونظيره ما ورد في أول السورة من قوله سبحانه (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام 34)
قال الشنقيطي في قوله (لا مبدل لكلماته) أي كلمات الله (لأن أخبارها صدق: وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذباً ولا أن يبدل عدلها جوراً)
وقال البيضاوي (لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق وأعدل ، أو لا أحد يقدر أن يحرفها كما فعل بالتوراة ، فيكون ضماناً لها من الله سبحانه وتعالى بالحفظ) .

قوله (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (116) والمعنى تضمن نهيا عن أن يحرص على متابعتهم رغبة في إرضائهم ليحصل بذلك الرضا على فرصة لأن يعرض دعوته عليهم طمعا أن يقبلوها منه ، فإن ذلك استدراج غير مرغوب فيه ، قال ابن عاشور (مضمونه التحذير من نزغاتهم وتوقع التضليل منهم) .

قال ابن تيمية (من تدبر هؤلاء الآيات علم أنها منطبقة على من يعارض كلام الأنبياء بكلام غيرهم بحسب حاله ، فإن هؤلاء هم أعداء ما جاءت به الأنبياء ، وأصل العداوة والبغض ، ومن المعلوم أنك لا تجد أحدا ممن يرد نصوص الكتاب والسنة بقوله إلا وهو يبغض ما خالف قوله ، ويود أن تلك الآية لم تكن نزلت وأن ذلك الحديث لم يرد ولو أمكنه كشط ذلك في المصحف لفعله) .
وقال (فإذا رأيت الدلائل اليقينية تدل على أن ما أخبر به الرسول لا يناقض العقول بل يوافقها وأن ما ادعاه النفاة من مناقضة البرهان لمدلول القرآن قول باطل ، فلا تعجب من كثرة أدلة الحق وخفاء ذلك على كثيرين فإن دلائل الحق كثيرة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) .

قوله (..إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) (116) هذا هو السبب في عدم متابعة الناس لأصحاب اليقين ، وأنهم يسيرون وراء الظن أي الدنيا التي غرهم الشيطان بها ، قال تعالى (وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران 185) (الحديد 20)، وقال تعالى (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) (الأنعام 130) .
فلما اتبعوا الظن انقطاع أملهم عن الآخرة ، (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (الأنعام 29) ، فكانت النتيجة عدم حرصهم على الإيمان ، بالرغم من حرص نبيهم  على إيمانهم ، قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) [هود 103] ، وقوله: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) [الشعراء 8] .

قوله (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي أن حقيقة اتباعهم للظن -أي الدنيا - تخرص منهم بأمري الدنيا والآخرة ، كمن قال وَقد (دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) (قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف 36) ، وكذلك من قال (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) (فصلت 50) .

قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (117) أي (الله أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية) ، وفي هذا (بيان لكمال علم الله - تعالى - وإحاطته بكل شئ ، وإرشاد للدعاة فى شخص نبيهم  أن عليهم أن يدعوا الناس بالطريقة التى بينها - سبحانه - لهم ، ثم يتركوا النتائج له - تعالى - يسيرها كيف يشاء)

قال الرازي أي (بعد ما عرفت أن الحق ما هو ، وأن الباطل ما هو ، فلا تكن في قيدهم بل فوض أمرهم إلى خالقهم) ، والمعنى : (أنك مكلف بالدعوة إلى الله تعالى ، فأما حصول الهداية فلا يتعلق بك ، فهو تعالى أعلم بالضالين وأعلم بالمهتدين) .

 

  • الاربعاء PM 05:15
    2026-09-16
  • 37
Powered by: GateGold