المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1976818
يتصفح الموقع حاليا : 202

البحث

البحث

عرض المادة

فحوى الخطاب الدعوى ومنهجيته

فحوى الخطاب الدعوى ومنهجيته

قال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)

قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

وفيه عدة مسائل :-

 

قال تعالى (قال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (62)

قوله (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59)
قال الدكتور فاضل السمرائي ( جاء هنا تقديم الخبر علي المبتدأ المعرفة بالإضافة(مفاتح الغيب) لغرض وهو التخصيص والحصر ، ومعنى الآية أن مفاتح الغيب عند الله تعالى حصراً ، وليس هناك ذات أخرى عندها مفاتح الغيب فهذا تقديم للحصر والقصر) .

 

قال العلماء (أمور الغيب لا يحصيها إلا عالمها وأقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب الأبواب ، والمفاتيح أيسر الأشياء لفتح الباب ، فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف موضعها فما فوقها أحرى أن لا يُعرف) .

قال رَسُولَ اللَّهِ  (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ) :-
- إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
- وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ
- وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ
- وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا
- وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .
فالساعة هو نهاية الامتحان ، والغيث هو السبب لأرزاق الناس ، والأرحام هو المسبب وكناية عن استمرار الحياة ، والغد مستقبل تكهن فيه كثير من الناس والمؤمن يفوضه لله ، والأرض التي يموت عليها الإنسان هي منتهى سعيه في الدنيا ، ولعلها كناية عن حسن أو سوء الخاتمة ، فمن مات وهو يصلي أو يجاهد بخلاف من مات وهي يعصي الله في أماكن الفسق والفجور .

قوله (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) (59) فشتان بين عالم الأحياء المائية وعالم الأحياء البرية ، فهما نقيضان رائعان في طريقة بناء الكائنات الحية وتكيفها ، الأحياء المائية تتكيف مع الضغط العالي والطفو ونقص الأكسجين، بينما تواجه الأحياء البرية الجاذبية الكاملة وتغيرات الحرارة الحادة وندرة المياه.


مقارنة بين الأحياء المائية والبرية
عالم الأحياء المائية عالم الأحياء البرية وجه المقارنة
أجسام انسيابية، خياشم للتنفس، وهياكل مرنة أو عظام خفيفة. أطراف قوية، رئة للتنفس الهوائي، وجلد واقٍ من الجفاف. التكوين البيولوجي
استخدام الزعانف والذيل للسباحة ومقاومة التيارات المائية. المشي أو الجري أو الطيران باستخدام العضلات والعظام الصلبة. التكيف مع الحركة
تحمل ضغط الماء الهائل وثبات درجات الحرارة نسبياً. التكيف مع تقلبات الطقس الحادة والبحث عن الظل أو الدفء. التكيف مع الضغط والحرارة

قوله (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) (59) ففي الآية دليل على إحاطة علم الله بكل شيء ، فليس من حركة أو سكون في الكون إلا بقدر الله وحكمته ، حتى ما يظنه الناس من الحركات الاضطرارية لأوراق الأشجار عندما تسقط على الأرض فإنها في علم الله وبحكمة وقدر ، (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) .

 

فإذا كان علم الله بهذه السعة والإحاطة ، وقد أحاط بكل شيء علما ، فلا شك أنه يتسع ليشمل علمه ما يفعله العباد ، وإذا كانت حكمته قد شملت سقوط ورق الأشجار في الوقت والمكان المقدر لذلك ، فلا جدال أن يفوض المسلم أمره إلى الله في كل صغير وكبير .

قوله ( وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ) (59) فهذه الحبة تدخر في ذاتها طاقة كامنة ، تتحول بمرور الوقت وفي ظروف معين داخل الأرض إلى برعم صغير ، ثم بقدرته سبحانه تمتد رأسين في اتجاهين متضادين ، اتجاه مع الجاذبية حيث تتكون الجذور ، واتجاه رأسي ضد الجاذبية حيث تخرج السيقان والفروع ، فالآية تعبر عن حالة الكمون والسكون التام للحبة وهي في باطن الأرض قبل بزوغها ونموها ، لتبين قدرة الله ومراقبته لها وهي تطلق تلك الطاقة الكامنة فيها وتتحول لشجرة عالية الأغصان .

فعندما توضع الحبة في باطن الأرض وتشرب الماء ، تبدأ عملية الإنبات؛ حيث ينمو "الجذير" إلى الأسفل مثبتًا النبتة وممتصاً للماء ، بينما ينمو "الساق الجنيني أو الريشة" إلى الأعلى نحو النور عكس اتجاه الجاذبية ليخترق سطح التربة.

قوله (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59) الرطب هو الشئ الذي فيه رطوبة أي فيه ماء ما يدل على استمرار الحياة فيه ، واليابس هو الشئ الذي جف من الماء ، فقلت فيه الحياة ، يقول الدكتور سفر الحوالي (فالشيء الرطب أدنى نقطة من الرطوبة من الماء يقول علماء الأحياء: "لو وضعتها تحت المجهر لوجدت فيها الملايين من الأحياء، تعيش وتموت وفق أعمار قدرها الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى" فقدر أن هذا المكروب قد يعيش دقيقة أو نصف دقيقة، فبعضها لا يعيش إلا ثلاثين ثانية، وربما أقل من ذلك، لكن هذا العمر مكتوب ومحسوب ومقدر عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما تنزل قطرة من السماء إلا والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلمها).

إذ يكشف الفحص المجهري عن تباين كبير في التركيب والبنية بين الرطب واليابس ؛ فالوسط الرطب يتميز بخلايا حية ممتلئة بالسوائل وجزيئات ماء حرة تدعم التفاعلات الحيوية والحركة المستمرة، بينما يظهر الوسط اليابس بانكماش الخلايا، وتوقف الأنشطة الأيضية، وتصلب الجدر الخلوية وغياب أي حركة مائية جزيئية.

ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب : الماء ، واليابس : البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا ميت ، وكلها معاني متقارنة تتوافق مع ما أكده علماء الأحياء


فقد استخدمت الاية أسلوب المقابلة والطباق الشامل، حيث تدل العبارة على إحاطة علم الله المطلق بكل موجود في هذا الكون، وهذه المقابلة لها دلالتها من الناحية الشرعية ، الرطب لسان المؤمن رطب بذكر اللّه ، واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر اللّه .
عن عبد الله بن بسر قال : جاء أعرابيان إلى رسول الله  يسألانه فقال أحدهما يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : من طال عمره وحسن عمله وقال الآخر يا رسول الله : إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبت به قال : لا يزال لسانك رطبا بذكر الله عز و جل) .


قوله (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (60) هذه الآية تتحدث عن آداب ما قبل النوم ، وهذه الآداب تتعلق بعقيدة المسلم ، ليعلم أن النوم هو صورة مصغرة من الموت حقا ، فالله يقبض روحه أثناء النوم ثم يعيدها إليه مرة أخرى عند الاستيقاظ ، ولا أحد في الدنيا يملك ألا تأخذه سنة ولا نوم ، ولذلك فهذا الاعتقاد لكي يترسخ في قلب المؤمن يحتاج إلى تربية عملية على جملة آداب شرعية لفهم دلالة النوم وعلاقته بالموت والبعث ، وهذا ما علمه النبي  لأصحابه ، فعلمهم جملة آداب عند النوم وأذكار تقال عند النوم .
فعَنْ النَّبِيِّ  قَالَ (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ  إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ (اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ) وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ  إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ (بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا) فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ أَنْ يَقُولَ (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مَاتَ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ (اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ فَقَالَ مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ  )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ (وَلْيَقُلْ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)

قوله (..وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ..) (60) قال الماوردي أي (ما كسبتم لأنه مستفاد بعمل الجارحة ، ومنه جوارح الطير لأنها كواسب بجوارحها) ، انظر قوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية21] ، قيل (رأى ماكسبت جوارحكم فعلق الاجتراح بالنهار) ، لأن النهار جعل - في الغالب - معاشا للإنسان ، وفيه يكسب قوته ، ويعمل بيده ، ويحتاج إلى الصيد وجرح صيده ليأكله ، فيسفك دم ذبيحته بجرحها ، طلبا للرزق الحلال ، وقد يسفك دما حراما فيأثم ، فسُمّيت أعضاء الإنسان جوارح لأنه يكتسب ويجني بها أعماله، سواء كانت خيراً أو شراً.

قوله (.. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (60) أي مثلما ينام الإنسان ويستيقظ فإن الله يميته ثم يحييه ويبعثه ثم يحاسبه على ما عمل من عمل خيرا كان أو شرا .

قوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) قال البغوي "(القاهر" الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة ، وهي منع غيره عن بلوغ المراد) ، و"الفوقية" : (صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل) ، ونظيره قوله (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [لأعراف] ، والمعنى أن الله (هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده) ، فيجبرهم على النوم والاستيقاظ ليتأموا قدرته عندما يميتهم ثم يحييهم .

فليس لعبد من عباد الله أن يخرج عن قهر الله ، فيعطل سنة كونية خلقها فيه وجعلها مطردة في غيره ، قال ابن كثير أي: (هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره) .

قوله (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) والحفظ صفة تقابل صفة القهر بما يحقق معنى التكامل بينهما ليدلان معا على إحاطة الله وقدرته المطلقة ، وأن الإنسان بين الكاف والنون ، فكما أنه يقهر عباده فإنه يحفظهم بقدرته ، وكما أنه يرسل ملك الموت ليقهرهم فإنه يرسل ملائكة تحفظهم بأمره ، قال السدي: (هم المعقبات من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله) ، أي يحفظون الأعمال في كتب ، كما قال تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الإنفطار 20-12) ، أي أن جميع أعمال ابن آدم عليها شاهد من الملائكة يسجلها في دفاتر ، قال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف80) وقال تعالى (لهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد11) فهذه الملائكة موكلة بحفظ الإنسان فتدفع عنه الأذى غير ما قدره الله ، قال ابن عباس (هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه) ، قال رسول الله  (الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) .

قوله (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ في هذه الآية هم (أَعْوَانُ مَلَكِ الْمَوْتِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ) ، فالموت دليل قاطع على قهر الله لعباده ، (والأجل – والذي هو من قدر الله - يحفظ الإنسان من الموت ، فإذا انتهى الأجل جاءه الموت) .

قوله (..وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61) أي لا يؤخرونه عن ساعة أجله حين يحين لحظة ، قال الزمخشري (التفريط التواني والتأخير عن الحدّ ، والإفراط مجاوزة الحدّ أي لا ينقصون مما أمروا به أو لا يزيدون فيه) ، قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف 34) .

قوله تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ..)(62) أي عند الموت ، قال ابن جزي معنى "المولى" مختلف في الموضعين ؛ فمعنى (مَوْلاَهُمُ الحق) أي : ربهم ، وهذا على العموم في جميع الخلق ، فهو الأحق بالولاية من غيره ، بخلاف قوله : (مَوْلَى الذين آمَنُواْ) فإنه خاص بالمؤمنين لأنه معنى الولي والناصر ، أي أنهم حين يردون إلى الله ويرجعون له يعلمون حق العلم أنهم عبيدهم ولا يجادلون ، بينما في الدنيا يسعي كثير منهم إلى إرضاء غير الله وطاعة غيره ولو في معصيته سبحانه.

قوله (..أَلَا لَهُ الْحُكْمُ..)(62) عندئذ لا يقدر أحد من خلقه أن يعلن نفسه منافسا لربه كما كان حال بعض فراعنة الدنيا ، ونظيره قوله (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر 16) ، وهذا يسري في الدنيا والآخرة ، قال ابن عجيبة في قوله (له الحكم) : «بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما ، كي لا تكون لشيء دونه » .

قوله (..وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (62) (فلا يشغله حساب عن حساب ، ولا شأن عن شأن ، يعني (لا يحتاج إلى رويّة ولا تقدير) ، قال الشيخ طنطاوي (وبذلك تكون هذه الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا وأخروا) .

قوله (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) (64) قال الرازي (بين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ، ولا تعويل إلا على فضل الله ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عندهم في كل الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة ، يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك) .

 

قوله (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً " ، يقول:"إِذَا ضَلَّ الرَّجُلُ الطَّرِيقَ دَعَا اللَّهَ: " لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "

قوله (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) عم بعد التخصيص ، والكرب غاية الغم ، وفي ذلك دعاء مأثور يدل على الاستعانة بالله في الكروبات فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)

قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) قول الرازي (الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك) ، قال الألوسي (ولم يذكر متعلق الشرك تنبيهاً على استبعاد الشرك في نفسه ) ، ( وتنبيها على أن من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم يعبده رأساً إذ التوحيد ملاك الأمر وأساس العبادة ) ، و(المقصود التوبيخ بأنهم مع علمهم بأنه لم ينجهم إلا الله تعالى كما أفاده تقديم المسند إليه أشركوا ولم يخصوا الله تعالى بالعبادة) ، (وكلمة "ثم" ليس للتراخي الزماني بل لكمال البعد بين إحسان الله تعالى عليهم وعصيانهم) .

يقول الشعراوي (يعلم سبحانه بعلمه الأزلي أنهم بعد النجاة سيعودون إلى ما نهاهم عنه من شرك به ؛ لأن الإنسان عندما يجد حياته مكتفية بما يملكه قد يقع فيما قاله الحق تبارك وتعالى (كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى) [ العلق : 6-7 ] والإنسان قد يتجاوز حدوده ويتكبر على من حوله ، بل وعلى ربه إن رأى نفسه صاحب ثراء ، ولا يعصم الإنسان من مثل هذا الموقف إلا الإيمان بالله؛ لأن الإنسان بدون منهج الله يسبح في بحر الغرور والتكبر ، ولكن من يحيا في ضوء منهج الله فهو يعرف كيف يرعى الله في كل ثراء يمنحه له الله ، أما الذي يعيش دون منهج يدعو الله إن أصابه الضرّ ، فإذا ما أنجاه الله ادعّى أن النجاة إنما كانت بأسباب امتلكها هو ، وإذا ما أعطاه الله نعمة من النعم زاد في الادعاء وزعم أن هذه النعمة مصدرها علم من عنده هو ولا ينسب ذلك إلى الموجد الحقيقي وهو الله) .

 

قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)


قال تعالى (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (65) العذاب الذي من فوق هو الرجم ، والذي من تحت فهو الخسف ، وجعلهم شيعا أي أحزاب متنازعة ، يحارب بعضهم بعضا ، إذ فرقت الآية بين نوعين من العذاب ، أحدهما هلاك عام مباشر يخص المشركين ، والآخر هلاك غير مباشر يخص بعض المسلمين ، فعن الحسن في قوله "عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم" قال : هذا للمشركين "أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض" قال : هذا للمسلمين) .

فأما النوع الأول الخاص بالمشركين ، فعَنْ أُبَيٍّ قَالَ (هِيَ أَرْبَعُ خِلاَلٍ ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ  بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا ، أُلْبِسُوا شِيَعًا , وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، وَاثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لاَ مَحَالَةَ : الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ) ، أي أن الخسف من تحت أرجلهم ، والرجم من فوقهم ، تهديدا لمن لم يطبق حدود الله ، فإنه يستحق الرجم – شرعا –وسوف يخسف الله القرية الظالم أهلها برمتها.
فعن سهل بن سعد : أن رسول الله  قال : (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ) قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر)

أما النوع الثاني الذي خص الله به المسلمين من العذاب ، فذلك ليتميز الخبيث من الطيب ، وفيه شغل المسلمين بتنقية الصف وما فيه من صرف شيء من الطاقة لجهاد المنافقين ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم 73)

قوله (..أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا..) قال البخاري (قوله "يَلْبِسَكُمْ" يَخْلِطَكُمْ مِنْ الِالْتِبَاسِ"يَلْبِسُوا" يَخْلِطُوا"شِيَعًا"فِرَقًا) ، قال أبو حيان (أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى كلّ فرقة منكم مشايعة لإمام ومعنى خلطهم انشاب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال) .
وقال الشعراوي (والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا يتبينها الرائي ، و« شيعاً » هي جمع « شيعة » ، والشيعة هم : المتعاونون على أمر ولو كان باطلا ، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية واحدة) .
قال الطيبي قوله تعالى "أو يلبسكم شيعا" أي يجعل كل فرقة منكم متابعة لإمام وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال يضرب بعضكم رقاب بعض ويذيق بعضكم بأس بعض ، والمعنى يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى) .

فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ُ(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ) . ، ولذلك قال النبي  هذا أوهن وأيسر

وقوله (..وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ..) ظاهر معناه في قول النبي  (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) من السجن والحبس ومصادرة الأموال ..الخ .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (إني سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها)
وفي الصحيح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) .

وقوله (..انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) أي أن العبرة من إنزال العذاب وتنوعه بهم على ما ذكر رجاء أن يتحقق فهمهم الدقيق لمعنى الإيمان بالله والتوكل عليه واليقين بقدره ، قال ابن عاشور (ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيات) .

أي أن الحرب الدائرة بين المسلمين هي في حقيقتها بين من يفقهون ومن لا يفقهون ، فالذين يفقهون يعلمون أن الله سبحانه هو مدبر الأمر ، والعبد يسلم أمره لتدبير الله ويؤمن بقدر الله ، أما من لا يفقه فإنه يظن أن الأسباب هي التي تنجيه وهي التي تنفعه ، من هذا المنطلق العقائدي يتنازع المسلمون بعضهم مع بعض ليحق الله الحق بيد الطائفة التي تفقه دينها .
فعن زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ: " قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ " الآيَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوَفِ"، قَالُوا: وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ: " انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " .

قوله (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(66) فالعبرة في معرفة الحق ليس بكثرة المتبعين له ،ولا بقلة المخالفين له ، بل الحق أحق أن يتبع ولو لم يسبق لاتباعه أحد .

وفي ذلك قصة مشهورة تبين أن سبب ضلال بعض الصحابة وتأخرهم عن ابتاع الحق انشغالهم بعادات وتقاليد قومهم ، فعن عبد الله بن أبي بكر قال : قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل) فقال : (أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك -ونحن مع النبي  بمكة - فهمت منها -إذ ذاك- ما فهمت اليوم ، لقد كنت إذ ذاك أسلمت) ، أي أنه لو لم يعظم شأن قومه وعاداتهم وتقاليدهم التي عميت بصيرته حالما كان مشركا ، ولاطلع واستمع إلى ما يقوله محمد  ذاك اليوم بعين البصيرة ولم يعر اهتماما لمخالفة قومه له لسبق إسلامه من أسلموا قبله ،ولكن العصبية القبلية أخرته عن الفهم ومعرفة الحق وإدراك الخير في هذا الدين ، وقد استبان له ذلك بعدما حارب قومه النبي  ، فلم ينتصروا عليه ، بل ظهرت معايبهم وعصبيتهم وظلمهم ، ولكن الله سبحانه نجاهم منهم ونصره عليهم .

وهناك موقف آخر يبين أن الذين أسلموا بعد الفتح كانوا هم أعقل الناس ، وما أخرهم عن الإسلام إلا قلة التدبر ، فعن سهيل بن عمرو قال : لما دخل رسول الله  مكة وظهر اقتحمت بيتى وأغلقت على بابى وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سهيل أن أطلب لى جوارا من محمد  : فإنى لا آمن أن أقتل ، فذهب عبد الله بن سهيل فقال : يا رسول الله -  أبى تؤمنه قال : نعم هو آمن بأمان الله ، فليظهر ثم قال رسول الله  لمن حوله : من لقى منكم سهيلا فلا يشد إليه النظر فليخرج فلعمرى أن سهيلا له عقل وشرف ، وما مثل سهيل جهل الإسلام) .

قوله (..وَهُوَ الْحَقُّ..) قال سيد قطب (والخطاب لرسول الله  يعطيه ويعطي المؤمنين من ورائه الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة ، الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - مقررًا أنه الحق ، ولا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم!) .

قوله (..قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(66)

قوله تعالى (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)(67) قال الشنقيطي أي: (لكل خبر حقيقة ووقوع، فإن كان حقاً تبين صدقه ولو بعد حين، وإن كان كذباً تبين كذبه، وستعلمون صدق هذا القرآن ولو بعد حين) ، ذلك أن الذي يكذب لايمكنه أن يكذب كل الوقت ، ولو حاول ذلك لوجب عليه أن يتذكر كل تفاصيل ما رواه من كذب ، لأنه حين يعيد الكلام يحرص على أن لا يغير الرواية ، وهذا يحتاج لجهد خارق في التذكر ، فإذا ما استطال عليه الزمان لابد وأن يخطئ ، والعكس كذلك صحيح فإن الصادق إذا لم يصدقه الناس اليوم ، فإنهم سوف يصدقونه كلما مر الزمان وتحقق شيء مما ذكره لهم ، ولذلك فإن مضي الزمن عامل من عوامل إظهار الحقيقة ، لكن العاقل هو من يصدق الصادق قبل أن تظهر كل الحقائق ، لظهور أماراتها ، ويكذب الكاذب لثبوت كذبه من أول مرة

أما الغافل فهو من ينتظر أن تصيبه المصيبة حتى يصدق الصادق بأن مصيبة سوف تلحقه إن لم يتحرز لها ، وعَنْ مُجَاهِدٍ في الآية قال (مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَوْفَ تَرَوْنَهُ، وَمَا كَانَ فِي الآخِرَةِ فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ) .
وقد أخبر النبي  بوقوع العذاب بالمشركين المكذبين ، فعن الْحَسَنَ أنه قَرَأَ: " لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ " ، قَالَ:"حُبِسَتْ عُقُوبَتُهَا حَتَّى إِذَا عُمِلَ ذَنْبُهَا أُرْسِلَتْ عُقُوبَتُهَا"

 

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)


قوله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (68) هذه المرحلة من أضعف صور إنكار المنكر ، وكان ذلك فيما مضى من أقوى صور الإنكار في العهد المكي

قال صاحب الظلال (لقد كان هذا الأمر للرسول  ويمكن في حدود النص أن يكون أمراً لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول  يقف عند حدود الدعوة ، وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة ، وحيث كان الاتجاه واضحاً لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي  في مجالس المشركين متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير ، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه ، وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون ، المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . . فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، فكان للنبي  شأن آخر مع المشركين ، وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، حيث لا يجترىء أحد على الخوض في آيات الله!) .

والحكم المشار إليه لا يختص بالمشركين وحده ، فهو يتعدى كذلك إلى المنافقين ، فقد ورد نظير هذه الآية في العهد المدني في سورة النساء ، في قوله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) ، ولعل مناط تطبيق الحكم هو أن المنافقين كانت لهم شوكة في المدينة ، ولم يكن بالمستطاع إنكار المنكر عليهم غير بتلك الطريقة السلبية واعتزالهم وجهرهم حال تلبسهم بالمنكر ، ولذلك يقول النبي  "ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم، فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا" ، وأساس هذا الحكم في تلك المرحلة قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا إلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمُ النّارُ) (هود113)

قوله (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (68) فالنسيان أمر عارض على الإنسان ، ولا أحد معصوم منه ، حتى النبي  يقول (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي)

قوله (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (69) أي من يتقي مجالستهم اعتراضا على استهزائهم وكفرهم فقد برئ منهم ، ولا يتحمل وزرهم وقد أنكر منكرهم بتلك العزلة والإعراض عنهم ، فذلك أضعف الإيمان .

قال أبو حيان في قوله (الذين يتقون) هم المؤمنون والضمير في (حسابهم) عائد على المستهزئين الخائضين في الآيات) ، قال ابن عاشور (لما كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتبع الله النهي السابق بالعفو عما تتلقفه أسماع المؤمنين من ذلك عفوا، فتكون الآية عذرا لما يطرق أسماع المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين) .

قوله (..وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يفيد أن المسلم لا ييأس إطلاقا من دعوته ، ولا من الذين يدعوهم في سبيل الله ، بل عليه أن يتخذ موقفا إزاء المنكر ولو بإعلان اعتراضه ، فالمولى سبحانه يرسل عباده المؤمنين لهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله رجاء تذكيرهم ، ورجاء حصول تقواهم ، ولو بتلك المواقف السلبية ، وإعلان رفضهم الخوض في الباطل معهم ، فيتقي المشركون حزن المؤمنين منهم ، وهجرهم لهم بسبب ذلك ، فيتركوا الخوض ترضية لهم .

فعن قتادة (وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ يُعْجِبُهُمْ مُجَالَسَةُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ  ، فَكَانُوا إِذَا خَاضُوا قَامَ عَنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانُوا يَتَّقُونَ الْخَوْضَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقُومَ عَنْهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ) ، وعَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" ، قال:"لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مَسَاءَتَكُمْ" ، أي مخافة أن يهجرهم المؤمنون لسوء أدبهم مع آيات الله .

وفي ذلك دليل على أن العلاقة بين المسلمين والكفار آنذاك إن لم تتخذ شكل المواجهة والعناد ، فإنها أحيانا تأخذ أسلوب الترضية والتعايش في وطن واحد ، قال أبو حيان (عليكم أن تذكروهم ذكرى إذا سمعتموهم يخوضون بأن تقوموا عنهم وتظهروا كراهة فعلهم وتعظوهم لعلهم يجتنبون الخوض في الآيات حياء منكم ورغبة في مجالستكم)

إذن هجرة مجالس الكفار يكون سلاحا فعالا في تغيير المنكر إذا ما كان للمسلمين حضور بينهم ، أما إذا لم يكن لهم شأن بين قومهم فكيف يعبرون بصمتهم عن رفضهم الخوض في الباطل ؟ كيف تصير لسلبيتهم تأثير في قومهم وهم في الأصل منعزلون منهم ، ولذلك يقول النبي  (الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) ، بذلك استبان متى تحقق العزلة تأثيرها وسببها ، وأنها ضرورة تقدر بقدرها ولا يتوسع فيها .

بل إن الواحدي له رأي حثيث في الجلوس معهم بنية الإصلاح ، حيث أجاز ذلك متى كانت المصلحة أكبر من المفسدة ، وذلك في حالة تذكيرهم بالله ونهيهم مباشرة عن الخوض ، وتلك مرحلة أقوى من مرحلة الإعراض عنهم ، فقال (أمر الله تعالى رسوله عليه السَّلام فقال : إذا رأيت المشركين يُكذِّبون بالقرآن ، وبك ، ويستهزئون فاترك مجالستهم ( حتى يخوضوا في حديث غيره ) حتى يكون خوضهم في غير القرآن ( وإمَّا ينسينَّك الشيطان ) إنْ نسيت فقعدت ( فلا تقعد بعد الذكرى ) فقم إذا ذكرت ، فقال المسلمون : لئن كنَّا كلَّما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم ، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ، وأن نطوف بالبيت ، فرخَّص للمؤمنين في القعود معهم يُذكِّرونهم فقال : ( وما على الذين يتقون ) الشِّرك والكبائر ( من حسابهم ) آثامهم ( من شيء ولكن ذكرى ) يقول : ذكِّروهم بالقرآن وبمحمَّد ، فرخَّص لهم بالقعود بشرط التَّذكير والموعظة ( لعلَّهم يتقون ) لِيُرجى منهم التَّقوى .

من هنا أجاز بعض العلماء المعاصرين التقدم لدخول المجالس النيابية في البلدان التي لا تطبق شرع الله ، بنية تذكيرهم بالله ، والعمل على تقليل الضرر منهم قدر المستطاع ، ولذلك قال ابن تيمية (" الورع " المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته ، وهو ما يعلم تحريمه ، وما يشك في تحريمه ، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله - ... وكذلك من " الورع " الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه ... وتمام " الورع " أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين ، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات) .
مثال ذلك مناقشة قوانين الزواج والطلاق والولاية على النفس والحضانة عند المسلمين حتى لا تخرج عن إطار الشريعة أو تخفيف الأضرار عند مخالفتها قدر الإمكان ، وقس على ذلك كافة أوجه الإصلاح قدر الاستطاعة .
ثم انتقد الإمام تقي الدين أبو العباس مسلك بعض الناس الذين أخطئوا في العمل بالورع ، فتركوا الجهاد مخافة إعانة الإمام الظالم ، وليس ذلك من الورع في شيئ أو تركوا الجمعات لمخافة الصلاة خلف أهل البدعة والفجور ، فعلق الإمام على هذا بأنه خطأ لأنه أدى إلى توسيع المفاسد لأجل تحصيل مصالح أقل .

والحق أنه قلما دخل أناس من هذا الباب بنية صالحة ، وإن دخلوا بنية صالحة فقلما تجد أحدهم بعدما دخل إلا فسدت نيته وساء عمله ، فأهل المغالبة لهم حيل ومكايد ، ولا شك أن مخالطة الجسد الضعيف للمرضى تؤثر فيه ، أما إن كان الجسد قويا بما يكفي لمقاومة المرض ، وقد اتخذ الاجراءات الاحترازية لمنع نقل العدوى وانتشارها ، فهنا قد يؤدي المخالط دور الطبيب إن كان من أهل المهنة ، وإلا فإنه يتحذلق ويكون أول الهالكين ، وهو ما حذر منه الشيخ الألباني ، من ذلك نفهم أن المسألة تحتاج لفقه وإمام وتدريب على استخراج المرض من الجسد ، وهو ما نصح به الشيخ الحويني ، فلا تسير بعفوية أو بمجرد الشجاعة .

قوله (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) على وجه التعزيز كقوله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقتُ وَحِيداً) ، قال الثعالبي (هذا أمر بالمتاركة ، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ) ، أي (لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بوعظهم) ، وهذا من باب المخاصمة في الله ، وتلك هي أقل درجات إنكار المنكر وتغييره بالقلب ، وهو أمر كذلك يتفق وطبائع الأمور ، لاسيما وقد تعذر أن يجتمع من اتقى الله والتزم أمر دينه بمن اتخذ دينه لعبا ولهوا، قال البيضاوي أي (بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً) ، فلا يجتمع من عزف عن الدنيا وأقبل على الآخرة بمن غرته الحياة الدنيا ولن يشبع منها ، بذلك استبان متى تكون العزلة مستحبة ومتى تكون المخالطة هي الأولى ..

قوله تعالى (وَذَكِّرْ بِهِ..) استدراك كي لا يظن ظان أن مقتضى أن الأمر بأن يذرهم والإعراض عنهم ، أن يترك الدعوة وإيصالها لهم وإنما المعنى (اعرض عنهم واترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم ، وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال "وذكر به" أى بالقرآن من يصلح للتذكر) .

قوله (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (70) وأصل كلمة "تبسل" البسل وهو المنع أي ترهن حتى لا محيص لها ، فالغاية من التذكرة الانتفاع بها ليقي نفسه من أن تُحبس في النار بما كسبت ، كما في قوله (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر 38)
جاء في لسان العرب (قال الحسن أُبْسِلوا أُسلِموا بجَرائرهم وقيل أَي ارْتُهِنوا وقيل أُهلِكوا وقال مجاهد فُضِحوا وقال قتادة حُبِسوا وأَن تُبْسَل نفس بما كسَبَت أَي تُسْلَم للهلاك) ، يقول الدكتور مهران ماهر (أقوال المفسرين لا يمكن أن ترادف اللفظَ القرآني فكان جمعُ جميع أقوالهم في الآية أحسن وأكمل)

قوله (..لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا..) (70) قال الإمام الرازى (والمقصود من هذه الآية : بيان انسداد وجوه الخلاص على تلك النفس ، فلا "ولي" يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا "شفيع" يشفع فيها ، ولا "فدية" تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع ، فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام ، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى) .

قوله (..أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ:" " أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا " ، يَعْنِي فُضِحُوا" ، أي على رؤوس الأشهاد وهم محبوسون موقوفون في أرض المحشر مرتهنون بأعمالهم ينتظرون الحساب ، كما في قوله (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات24)

قوله (..لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (70) ونظيره قوله (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف 29)

 


قال تعالى (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73)

قوله (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ) السؤال هنا استنكاري ، بمعنى لا يليق لنا أن ندعو من دون الله ما يملك النفع ولا الضر ، مع العلم أن الله وحده هو النافع وهو الضار ، قال رسول الله  (اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .

قوله (..وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ..) أي أتريدوننا أن نكفر بالله بعد أن استنقذنا من الضلالة بالإسلام ، أي بعد أن تعرفنا على الله وعلمنا أنه المجيب لدعائنا ننتكس ونعود للوراء فندعو غيره ، ونسأل أرزاقنا من غير الله ، وهذا يدل على المحبة ، فالذي يكره الكفر ويحب الإيمان يكون قلبه قد تزين بالمحبة لله ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7) ،يقول النبي  (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) .

كما لا يمكن للمحب لله أن يتخلى عن الإسلام بالكلية أو شيء منه ، فالمعنى كذلك ألا نتخلى عن مبادئ الإسلام التي تساومونا عليها لأجل أن تحتفظوا بمكانتكم بين الناس فلا يشارككم العبيد والضعفاء تلك المكانة ، إذ كان هدف المساومة التي أجراها المشركون مع النبي  ليدخلوا في الإسلام هو إقصاء أصحابه عنه ، وهم لا يدرون عاقبة هذا الأمر ، وأنه سوف يؤدي إلى مزيد من الكره والبغض بينهما ، والإسلام جاء ليؤلف القلوب ، ولم يأتي ليشرعن لحياة العصبية القبلية والجاهلية البغيضة ، فيغير بعضهم على بعض ، فبتلك الفكرة البغيضة يهدمون مبادئ الإسلام بدلا من أن تبنى في ضمائرهم وعقيدتهم ، فيؤمنوا بالمساواة بين البشر ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .

والنَّبِيِّ  حذر من ذلك فقَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) قال النووي (ذلك كفر فى حق المستحل بغير حق) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  محذرا (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) ،وقال (فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة إلا إذا استحله) .
وقيل أي : (كفارا لنعمة الإسلام تاركين الشكر فيه ، فإن من الشكر على نعمة الإسلام مواصلة أهله ، وموافقتهم ، واجتماع الكلمة فيه ، والتحاب لأجله ، وترك التقاطع وبغي بعض على بعض ؛ لأن من أحب شيئا أحب أهله ، ألا ترى إلى قوله  : « لا تؤمنون بي حتى تحابوا » .

وقد كان رسول الله  يقول (اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) أي (أتممها ولاتبطلها) ، قال السيوطي أي (بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية) ، أي لا تجعل سعيه في هجرتهم خائبا ، بل سدد خطاهم ووفقهم لمرضاتك ، فلا يرتدوا إلى الكفر بعد أن ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيلك ، وثبتهم على طاعتك ، وقيل أي (تَوْفِيقَهُمْ وَعَوْنَهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ مِنْ إمْضَاءِ الْهِجْرَةِ لَهُمْ وَتَصْحِيحُهَا فِي جَنْبَتِهِمْ) ، لأن شأن الهجرة عظيم ، وقد يرتد في الطريق بعضهم ، وقد ثبت أن بعضهم لم يتحمل جو المدينة فارتد ، وبعضهم لم يتحمل كثرة غزوات الرسول فارتد إلى البادية حيث الراحة والرعي ، قال العلماء وفيه دليل على تعظيم أمر الهجرة وأن ترك إتمامها مما يدخل تحت قوله: "ولا تردهم على أعقابهم" .
فالانقلاب على الأعقاب كناية عن الرجوع للوراء بعد المشي قدما ، فيبطل سعيه إلى وجهته ، وقد قطع منها شوطا ، بل من الناس من كاد أن يصل لوجهته ، ولكنه لما انقلب على عقبه ورجع إلى الوراء خسر المسافة التي قطعها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) ("الحَوْر" : الرجوع و"الكَوْن" : الحصول على حالة جميلة يريد التراجعَ بعد الإِقبال) ، قال السندي (والحور بعد الكور الكور لف العمامة والحور نقضها والمراد الاستعاذة من النقصان بعد الزيادة أو من الشتات بعد الانتظام أي من فساد الأمور بعد صلاحها) .

قوله (..كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ..) قال الأصفهاني أي (حملته على اتباع الهوى) ، قال ابن منظور أَي (زيَّنت له الشياطينُ هَواه) .
قال الشعراوي أي (جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء) .
(فساعة ترى « همزة » و"سيناً" و« تاء » واقعة على شيء من الأشياء ، فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه ، كما في « استطعم » ، وفي « استسقى » ، ولم يوجد « استهوى » لطلب الهواء ، لكن وجد في القرآن « استهوى » بمعنى طلب أن تكون على هواه. (« فاستهوته » طلبت هُوِيَّة ، فمعنى « استهوى » بمعنى طلب أن تكون على هواه ، أي " طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعاً لما يريدون لا لما يريده الله" .

وقال ابن عاشور (وهو تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسوسين....، ذلك لأن الحالة التي تتوهمها العرب استهواء الجن يصاحبها التوحش ، وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكبا رأسه لا ينتصح لأحد)

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض ، يقول : (مثلكم إن كفرتم بعد الإِيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد ، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإِسلام) .

ولذلك ورد في القرآن ذم من اتبع الهوى كما في قوله (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا)
وقوله (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)(الأنعام 56)
وقوله (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)(الشورى 15)
وقوله (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً)(4) [القصص50]
وقوله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية23]
وقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد 16]
وقوله (وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام 119] .

قوله (..حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) قال الشعراوي ("الحَيْرة" هي التردد بين أمر ومقابله ، و"الحَيْرة" في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رُدَّ على أعقابه ورجع ، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى ، فهو بين شيطان يستهويه ، وأصحاب يدعونه للمنهج ؛ لذلك يكون حيرانا : بين هاوية ونجاة ، والشيء الذي يهوي لا استقرار ولا اتجاه له . . أما من يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى فهو إلى هدى أي المنهج والطريق الموصل للغاية ، فالصنعة لا تضع غاية لنفسها ، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها) .

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا .." ، قَالَ:"هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلآلِهَةِ، وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ تَائِهًا ضَالا إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ: فُلانُ ابْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ: يَا فُلانُ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِنِ اتَّبَعَ الدَّاعِيَ الأَوَّلَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي هَلَكَةٍ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْهُدَى اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ، وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِّيَّةِ مِنَ الْغِيلانِ، يَقُولُ: مَثَلُ مَنْ يَعْبُدُ مِنَ الآلِهَةِ هذه دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَيَسْتَقْبِلَ الْهَلَكَةَ وَالنَّدَامَةَ" .

ففي الآية تصوير لمشهد المتحير في الضلال ، وقلبه متوزع بين آلهة متعددة ، كما في قوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(الزمر 29) فهو حيران لأنه لا يستطيع أن يرضي كل هؤلاء الشركاء جملة واحدة ، في حين أن العبد الذي له مالك واحد ويستطيع أن يرضيه يكون بعيدا عن هذا التشتت والتيه الذي أصيب به من يملكه عدة شركاء متشاكسون ، كل منهم يأمره بأمر خلاف الآخر ويعاقبه على مخالفة أمره ، فما أتعس هذا العبد حين يحاول أن يرضي أحد أسياده فيغضب عنه الآخرون ، ولذلك يقول النبي  (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ) .

يقول سيد قطب (. . ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله -.. ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرآت هذا النص . . ولكن مجرد تصور . . حتى رأيت حالات حقيقية ، يتمثل فيها هذا الموقف ، ويفيض منها هذا العذاب . . حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه - أياً كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة ، تحت قهر الخوف والطمع . . ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير . . وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة ، وماذا يعني هذا التعبير!) .

قوله (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (71) هذا هو المنهج الذي يريده الله ، منهج يقوم على الاستسلام لله والانقياد لحكمه والوقوف بين يديه وإطاعة أمره واجتناب نواهيه ، المنهج الذي يذكرنا باليوم الآخر ، نتذكر اليوم الذي نقف فيه ونحشر أمام الله مجبرين .
أما الذين يعيشون في حيرة وتيه فهم الذين دعاهم القرآن إلى الهدى ليهتدوا به ، وليس ثمة هدى دون التسليم لله رب العالمين ، وليس ثمة هدى دون إقامة شرعه وأول ذلك إقامة الصلاة ، وليس ثمة هدى دون أن تنهى الصلاة العبد عن الفحشاء والمنكر ، وليس ثمة هدى دون تذكر المصير الأخروي ، فإذا اهتدى العبد للطريق فإن قلبه لابد وأن ينشرح وهو يمضي في طريقه إلى الله ، قال رسول الله  (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) ، قال ابن تيمية (الرِّضَا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ " فَأَصْلُهُ وَاجِبٌ ، وَهُوَ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَحَبَّةِ قَالَ تَعَالَى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .

وإضافة (رب العالمين) للاستسلام يؤكد أن الإنسان مطالب بأن يستسلم الله اختيارا كما استسلم الكون كله لله اضطرارا ، فإذا استسلم الجسد لقدرة الله ، أفلا يستسلم الإنسان بقلبه لله ، (فالوجود كله يستسلم للقوانين التي وضعها الله له ؛ ولا يملك الخروج عليها ، والإنسان – كذلك- يستسلم تركيبه العضوي لهذه القوانين ، ولا يملك الخروج عليها . . فجسده يعمل بطريقة لا يستطيع أن يتدخل فيها أو يوقفها القلب يضخ الدم والرئتين تستنشق الهواء وتخلطه مع الدم ، والأمعاء تمتص الغذاء من الطعام وتحوله للدم ، كل ذلك والإنسان لا يتدخل في ذلك مطلقا ، إنما هو الله رب العالمين ، يبقى أن يستسلم قلب الإنسان لله ، وهذا هو جانب الاختيار فيه (اختيار الهدى أو الضلال). . فلو استسلم قلبه كما استسلام كيانه العضوي ، لاستقام أمره ، وتناسق تكوينه وسلوكه ، وجسمه وروحه ، ودنياه وآخرته .. )

قوله (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (72) أي بعد الإيمان والاستسلام الكامل لله تجيء بعد ذلك التكاليف التعبدية والتزكية النفسية : (وأن أقيموا الصلاة واتقوه) فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين ، وسلطانه وتربيته وتقويمه ، ثم تجيء العبادات الشعائرية القائمة على تزكية النفس لتحقيق التقوى) .
قوله (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(72) قوله (وهو الذي..) تكرر في هذه السورة كثيرا ، إشارة إلى الله سبحانه مدبر الأمر ، لكي تخلص القلوب له وحده ، فعندما يكون إليه المنتهى ، وإليه المصير ، وإليه تحشرون ، تتحدد الغاية على نحو دقيق ، فلا يشغل المسلم عنها شاغل ، وقد علم هذه الحقيقة واستيقنها في قلبه .

قوله (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ..) قال أبو السعود في الآية استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السمواتِ والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً) .
يقول الشعراوي (إياك أن تغرك الأسباب ولكن سلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى الله)
وقال ابن عاشور (والمعنى أنه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحق، وأنه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حق، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحق) .

قوله (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)(73) أى : أن الملك لله تعالى وحده فى ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواه) ، كقوله (لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار) (غافر ) ، قال أبو السعود (تقييدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ "المجازيةِ" الكائنةِ في الدنيا ، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة) ، يَقُولُ رَسُولَ اللَّهِ  (يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) ، وفي رواية (يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ..) .

يقول صاحب الظلال (إن تصور حقيقة الحشر يوحي للناس بأن يستسلموا لله رب العالمين قبل أن يقفوا أمامه مسؤولين ، فيكون تصور هذه الحقيقة موحياً بالاستسلام في المبدأ ، ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير!) .

 

  • الاربعاء PM 04:43
    2026-09-16
  • 67
Powered by: GateGold