ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
مناظرة المشركين في أن التشريع حق خالص لله دون غيره
مناظرة المشركين في أن التشريع حق خالص لله دون غيره
قال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)
وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (إِذَا سَرَّكَ أَنْ تَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَاقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ إِلَى قَوْلِهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
وفي ذلك عدة مسائل :-
الأولى : مسألة : الشرك أفسد على الناس حياتهم فقتلوا أولادهم وأبطلوا مالهم ، فأعدمهم العقل والإنسانية معا
الثانية : رزق الله واسع ومتنوع أكله ومنظره فعلام يبطل الإنسان نعمة الله بهواه
الثالثة : التناسل سنة ربانية ، فعلام قطع التناسل بتشريعات جاهلية
الرابعة : علة التحريم في الإسلام الرجس أو الفسق لا غير إلا أن يكون عقوبة بسبب الظلم
الخامسة : شبهة الجبر عند المشركين وحجة الله البالغة في الرد عليهم
المسألة الأولي : الشرك أفسد على الناس حياتهم فقتلوا أولادهم وأبطلوا مالهم ، فأعدمهم العقل والإنسانية معا
قوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ..) (136) وهذا النصيب جعلوه لله زعما منهم أنهم ينفقونه في أعمال الخير والقربات ، كإطعام الطعام والسقاء ومثل ذلك ، وذلك بالرغم من شركهم ، فإنهم يهتمون بهذه الأعمال من باب مكارم الأخلاق ، وإلى هنا لا يعاب عليهم في شيء ، يقول النبي (خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا) أي (من كان مختارا منكم بمكارم الإخلاق في الجاهلية فهو مختار في الإسلام إذا فهموا أحكام الدين) .
بل هم أحسن حالا ممن ينسب الفضل في الزرع لنفسه ، ولا ينسبه لله ، قال الشعراوي (هم قد حرثوا فقط ؛ والذي زرع هو الله ، هو الذي أعطى للبذرة قوتها لتربي لها جذراً ، وتمتص عناصر الغذاء من الأرض ، وهو الذي جاء بعناصر الأرض كلها ، وهو الذي جعل البذرة تتوجه إلى العناصر الصالحة لها) ولذلك يقول النبي ("لا يقولن أحدكم: زرعت ولكن ليقل: حرثت" قال أبو هريرة: ألم تسمع الى قول الله تبارك وتعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ) (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة63 :64) ، أي أن الإنسان باشر عملية الحرث والله هو الذي ذرأ من الحرث الزرع .
قوله (..فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا..) (136) فهذا هو الشرك بالله ، أن يجعلوا القسمة قسمتين بعضها لله وبعضها لشركائهم من الجن يشركونهم عبادتهم مع الله ، قال ابن كثير (أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله وفضلوهم أيضًا على جانبه) ، والأصل أن القسمة كلها لله ، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام 162).
قال الألوسي في قوله (شركاؤهم) (يحتمل أن الإضافة لأدنى ملابسة حيث إنهم زعموا كونهم شركاء لله تعالى ، فسموهم شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم) .
فقد كان سدنة الأصنام - وهم أشبه بالكهنة - يأخذون نصيبا مما قسموه من الأنعام والحرث ، ثم أصبح نصيب هؤلاء السدنة مقدمًا على النصيب الذي خصصوه لأعمال البر والخير والقربات وكأنه ضريبة مفروضة ، ذلك أن السدنة يراقبونهم في صرف هذا النصيب على هذا الوجه أما النصيب الذي خصصوه لأعمال البر فليس عليه رقيب ، وهكذا تؤول عبادتهم بالتدريج إلى إرضاء السدنة ولو كان ذلك من النصيب الآخر ، ليضمحل بذلك نصيب الفقراء والمساكين والمحتاجين رويدا رويدا ، وتوؤل العبادة كلها لهؤلاء السدنة من دون الله .
فمن السخف أن يفصل هؤلاء بين نصيبين الأصل أن كلاهما لله ، إذ لو كانوا يقصدون من تقديم البر للناس إرضاء الله مباشرة ، فإن ما يقدمونه لسدنتهم – وهم خدام الأصنام – إذا كانوا يقصدون به إرضاء الله بطريق غير مباشر ، كما قال تعالى في شأنهم (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر 3) ، فلماذا لا يوجهونه كله في أعمال البر مباشرة ؟ فتوجيه شيء من المال كنصيب "للسدنة" لابد وأن ينقص نصيب أعمال البر ، فعلام يفعلون ذلك ؟ إلا أنه يقصدون من ذلك دنيا ، يعدهم بها هؤلاء السدنة أو يخشون غضبهم ، ولكنهم يزعمون أن ما يقدمونه للسدنة من قربان ليتقربوا به لله ، ليستتروا تحت عباءة الدين ، فتظل أعمالهم الباطلة متلبسة بغطاء المشروعية .
وهذا الفعل الذي صدر منهم لم يعبر فقط عن حالة الشرك عند أهل الجاهلية ، بل ظل يتردد إلى اليوم ، حتى أصبح ديدن الحياة العصرية في محاولة منهم لتسكين المشاعر الدينية ببعض أعمال القربات ، لتظل الأعمال الشركية هي المحرك الأساسي لعجلة الاقتصاد ، مثلما أفصحت عن ذلك قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..) (المائدة 31)
قوله (..فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (136) عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال:"جَعَلُوا لِلَّهِ مِنْ ثِمَارِهِمْ وَمَالِهِمْ نَصِيبًا، وَلِلشَّيْطَانِ وَالأَوْثَانِ نَصِيبًا، فَإِنْ سَقَطَ مِنْ ثَمَرِهِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ فِي نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ ، وَإِنْ سَقَطَ مِمَّا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ فِي نَصِيبِ اللَّهِ نقطوه وَحَفِظُوهُ، وَرَدُّوهُ إِلَى نَصِيبِ الشَّيْطَانِ، وَإِنِ انْفَجَرَ مِنْ سَقْيِ مَا جَعَلُوا لِلَّهِ فِي نَصِيبِ الشَّيْطَانِ تَرَكُوهُ، وَإِنِ انْفَجَرَ مِنْ سَقْيِ مَا جَعَلُوا لِلشَّيْطَانِ مِنْ نَصِيبِ اللَّهِ سَرَّحُوهُ، فَهَذَا مَا جُعِلَ لِلَّهِ مِنَ الْحَرْثِ وَسَقْيِ الْمَاءِ" ، وهذا يدل على حرصهم على نصيب الشيطان أكثر من نصيب الله ، و(وهذا فرط جهالتِهم) .
فإنك لتعجب عندما تعلم أنهم كانوا يحرصون على نصيب السدنة فلا ينقصوه شيئا ، أشد حرصهم علي النصيب الذي يجعلوه لله ، قال الدهلوي (فهم يطففون الكيل مع اللَّه ، ويكفرون نعمة اللَّه ، فهم أكثر أدبا وأشد دقة في استيفاء ما قسموا لشركائهم ، فلا يتساهلون فيه ولا يسمحون بأن تعبث به يد أو يعتدي عليه معتد ، أما ما كان لله فمعرض للخطر والتلف والزيادة والنقصان ، ينقص ولا يزداد ، وما ضم منه إلى قسط الشركاء فلا بأس به) .
والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ ، مَالَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا شَيْءَ لَهُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ)
قوله (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (136) (وَقَدْ ذَمَّهُمُ عَلَى تَصَرُّفِهِمْ هَذَا ، إِذْ أَنَّهُمْ أَخْطَؤُوا أَوْلاً فِي القَسَمِ وَالتَّخْصِيصِ ، لأنَّ اللهَ تَعَالَى رَبُّ كُلِّ شَيءٍ ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ بِهِ أَحَدٌ ، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَمَّا قَسَمُوا هَذِهِ القِسْمَةَ الفَاسِدَةَ لَمْ يُحَافِظُوا عَلَيْهَا ، بَلْ جَارُوا فِيهَا وَتَجاوَزُوا الحَدَّ) .
قال الرازي (والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب ، وأن يصير ذلك سبباً لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد ألبتة) .
وكأن الشرع- بعرض ما كانوا يفعلونه -يتلمس منهم أي خير يفعلونه رغم شركهم ، لعل زيادتهم في الخير توطئة لأن يتجهوا إلى عقيدة التوحيد فيخلصوا العمل كله لله.
قوله (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ..) (137) أي من هنا جاءت المنكرات والمعاصي ، إذ نبعت جميعها من الشرك ابتداء ، حيث جعلوا أولادهم قربانا للشياطين ، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري (كانت القرابين الكنعانية تضم ضحايا من البشر إلى جانب القرابين الحيوانية المألوفة ، وكانت القرابين الآدمية تُقدَّم مثلاً في الكوارث العامة الشديدة باعتبارها أعظم قربان يمكن أن يقدمه الإنسان إلى الآلهة) .
قال ابن جزي (كانوا يقتلون أولادهم بالوأد ويذبحونهم ، قرباناً إلى الأصنام ، وشركاؤهم هنا هم : الشياطين ، أو القائمون على الأصنام) ، قال ابن تيمية تعليقا على هذه الجريمة (فَأَصْلُ مَا يُوقِعُ النَّاسَ فِي السَّيِّئَاتِ : الْجَهْلُ ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا تَضُرُّهُمْ ضَرَرًا رَاجِحًا ، أَوْ ظَنُّ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ نَفْعًا رَاجِحًا) .
والقرآن يحكي عن تسلط هؤلاء السدنة خدام الأصنام على هؤلاء المشركين ، حتى أنه يطيعونه في كل ما يأمرون به ولو أمرهم بقتل أولادهم ، بذلك يعظمون أنفسهم بحيث لا يداخلها ضعف حتى ولو كان حب الأولاد، وذلك بحجة إرضاء الآلهة ، وكأن ذلك دين عليهم لهم يجب الوفاء به ، فيضحون من أجلهم بكل غال ورخيص ، فالشيطان لا يرضى من ابن آدم مجرد الكفر أو الإقرار للشيطان بالعظمة ، بل يطلب منه أن يضحي من أجله بكل ما يحب ، وهكذا يؤله الشيطان نفسه ، ولا يكتفي بتوحيد الربوبية له بل إنه ليمجد نفسه ليكون إلها فيطاع ولا يعصى ، بل ويُقدم الفداء والأضحيات له .
قال ابن عاشور (ومعنى تزيين ذلك هنا أنهم خيلوا لهم فوائد وقربا في هذا القتل، بأن يلقوا إليهم مضرة الاستجداء والعار في النساء، وأن النساء لا يرجى منهن نفع للقبيلة ، وأنهن يُجَبِّن الآباء عند لقاء العدو، ويؤثرن أزواجهن على آبائهن، فيأتونهم من المعاني التي تروج عندهم، فإن العرب كانوا مفرطين في الغيرة، والجموح من الغلب والعار) ،وهكذا يزين لهم القبائح بأي صورة كانت .
قوله (لِيُرْدُوهُم) (137) أي أن مقصد الشياطين من ذلك أن يردوهم الهلاك سواء بالانقياض للشياطين في الدنيا أو في جهنم في الآخرة ، كما قال (وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (الحجر 39) ، فغاية الشياطين من الإغواء أن يردوهم المهالك .
ويقول د المسيري (والتاريخ اليهودي بأسره إن هو إلا تعبير عن نموذج للسيطرة على العالم لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم القدس ، فاليهود هم المسئولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات ..، بل يُنسَب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح) .
ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري (أصبح السحر اليهودي انعكاساً للوثنية السائدة في الشرق الأدنى في العصور القديمة إذ سقطت في الحلولية والوثنية والسحر تدريجياً، ثم بشكل سريع ابتداءً بالكتب الخفية (أبوكريفا)، ثم التلمود وأخيراً "القبَّالاه" حيث تدور القبَّالاه العملية بأسرها حول السحر) .
قوله (..لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ..) (137) فجعلوا في دينهم أشياء من الباطل تختلط مع الحق ، فمن المعلوم أن الله تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، وقد هددهم بالتربص لو أنهم أحبوا أباءهم وأخوانهم وعشيرتهم أكثر من حبهم لله ورسوله وجهاد في سبيله ، وفي المقابل فإن الشيطان يريد أن يؤله نفسه فيأمر مريديه بأن يفعلوا له مثل ما يفعله المؤمنين لله ، ولكن بطريقة مختلفة ، فيذبحون أبناءهم قربة للشيطان ، بينما وهبت امرأة عمران ابنها لله محررا ، وهكذا يتخذ الشيطان من أحكام دين الإسلام شبهة لتحليل دينه، قال أبو السعود والمعنى (وليخلِطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيلَ عليه السلام أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللامُ للتعليل إن كان التزيينُ من الشياطين وللعاقبة إن كان من السدنة) .
ولو أنك اطلعت على بعض كتب السحر مثل شمس المعارف – من باب دراسة عدوك وهذا للمتخصص في الرد على الشبهات - لوجدت أن الشيطان يتحدث عن صفات الإله والأسماء الحسنى كصفة القدير السميع البصير ....الخ وينسب تلك الصفات لنفسه ، فالذي يقرأ الكتاب يتوهم أنه كأي كتاب دين فيه قرآن وأحاديث للنبي لكن القصد من ذلك أن ينسبها للشيطان الأسماء الحسنى لنفسه ، وليس لله ، والدليل على ذلك كله أنه يجعل بعدما يتحدث عن تلك الصفات وتعظيم الإله يقول أن مع هذا الاسم خادم – أي شيطان من الجن – يخدم مريد هذا الاسم ويمنحه قوته وسره ، ويلفظ اسم الجني حتى يحضر ، فبدلا من أن يذكر الله يذكر اسم الجني ويكرره ، وهكذا يلبسون على الناس دينهم ليعبدوا الشياطين ويستعيذوا بهم ، ثم يضع بعد ذلك رموز من حروف وأرقام وأشكال هندسية تمثل اللغة التي يتصل بها الإنسي بالشيطان والإنسان والتي بها يستجيب الشيطان -في الظاهر- لطلب الإنسي ، وهو في الحقيقة يرديهم ويذلهم كما قال سبحانه (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) (الجن 6) ، فليس أشد من ذلك تضليلا لهؤلاء ولا تلبيسا عليهم في دينهم.
قوله (..وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (137) (أي لو شاء الله لصدهم عن إغواء أتباعهم) ، قال الواحدي (لَمَنع الشَّياطين من الوسوسة للإِنس) ، فالله لا يرضي بشيء من الكفر (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)(الزمر 5) ، ولكن كما قال شيخنا الشعراوي (إن الله لا يريد أعناقا تخضع ولكن يريد قلوبا تخشع) ، قال تعالى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) بمعنى أن علة تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات في العبادة هو أنه مبتلى بالاختيار بين افعل ولا تفعل ، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء 35) في حين أن غيره غير مبتلى بذلك قال تعالى (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء 44).
قال ابن عاشور (وينبني علي ذلك القول في تعلق الصفات الإلهية بأفعال العباد ، فيكون قوله تعالى: (وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) راجعا إلى خطاب التكاليف الشرعية، وقوله (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام:112] راجعا إلى تعلق الإرادة بالإيجاد والخلق ، ويتركب من مجموعهما ومجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد كسبا في أفعالهم الاختيارية ، وأن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه كسب العبد نحوها) .
وقوله (..فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) (137) جاء بعد قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ) للتأكيد على منهج الدعوة إلى الله تعالى ، وأن النبي مأمور بالبلاغ دون الحساب ، وليس عليه أكثر من ذلك ، فإذا كان الله تعالى يذرهم على ما هم عليه من الضلال والافتراء دون أن يحملهم على الحق قسرا ، فأولى بالنبي وأتباعه أن يفعلوا ذلك كذلك ، ولا يتسلطن على هؤلاء المشركين متى اقتصر أمرهم على ما يفترون عليه من أقوال باطلة وعقائد فاسدة .
وذلك لأن الإسلام يكفل حرية الاعتقاد والرأي ، أما إذا خرجت هذه العقيدة إلى إطار العمل ، وهو فرض ليس محله الفترة التي نزلت فيها سورة الإنعام ، وإنما محله في العهد المدني ، فهنا يجب أن تطبق أحكام الشريعة الإسلامية حتى لا تضر أفعالهم بالآخرين ، لاسيما وقد امتدت إلى قتل أولادهم ، بيد أنها لا تزال معطلة في العهد المكي حيث ليس للإسلام دولة تنفذ أحكامه ، ومن ثم كان في أن يذرهم وما هم عليه من افتراء ما يناسب المرحلة والفترة حيث كان المسلمون مستضعفين بمكة ومضطهدين ، ولا حول بهم إلا أن يتمسكوا بعقيدتهم دون حاجة لمجابة هؤلاء السفهاء كما سماهم الله في قوله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي قربانا للشياطين .
قوله (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ * وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا * وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ * سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا * وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ( (139) يستطرد المولى سبحانه في ذكر أوهام وضلالات الذي كفروا وتصوراتهم الوثنية ، وكيف أنهم يعطلون الاستفادة بنعم وأرزاق بلا أدنى عائد ، ويحرمون ما أحله الله تعالى بأهوائهم ، ويقسمون الأرزاق على هواهم قسمة لا عدل فيها ، كل ذلك ليثبتوا لأنفسهم الحق في مشاركة الله تعالى في التشريع والحكم .
فقسموا الأنعام والحرث إلى أربعة أقسام كلها محجور أي موقوف الانتفاع بها على آلهتهم وسدنتهم ، قال ابن كثير "حِجْرٌ" (إنما احتجزوها لآلهتهم) ، وفي ذلك تأصيل شيطاني لسياسة العمل الاستثماري دونما نظر لعدالة التوزيع أو للأغراض الاجتماعية ، بل حتى وإن كان المستهدف منه صراحة طبقة السدنة وأتباع الشياطين .
فالقسم الأول : المحجورة لآلهتهم : قوله (أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ) فهي ما لا يجوز أن يطعمه أحد إلا من حُجر لأجله، بمعنى أنهم جعلوا نصيبا من الزرع والأنعام موقوفا للآلهة التي يزعمون .
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (إِنَّمَا احْتَجَرُوا ذَلِكَ الْحَرْثَ لآلِهَتِهِمْ) ، فلا يجوز أن يأكل منها أو ينتفع بها إلا من كان موقوفا عليه وفقا ما حددوه في الوقف ، وتلك هي البحيرة المعلمة بعلامة في أذنها حتى لا يمسها أحد غير من أوقفت لأجله .
القسم الثاني : قوله (وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا ) أي ما لا يجوز أن يركبه أحد ، ويكون ذلك غالبا في الحمير والأحصنة ،أي وأنعام ليست محرمة من كل وجه، بل يحرمون ظهورها، أي: بالركوب والحمل عليها، ويحمون ظهرها
القسم الثالث : ما يذبح لغير الله ، وهو كل حيوان يذبحوه قربانا للشيطان ، كما في قوله (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ)
القسم الرابع : ما يحرم إنتاجها وثمارها على النساء دون الرجال ، فلا يشرب النساء من ألبانها ولا يأكلن لحوم أجنتها إن ذبحوها ولا ينتفعن بها بحال، كما في قوله (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا ) ، ويستثنى من ذلك إذا وُلد الجنين ميتاً (فإنهم لا يحرمونه على النساء ولا يخصون به الذكور فيحل أكله للنساء والرجال معاً) ، كما في قوله (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ) .
وهكذا يستبين من تلك القسمة أنها ليست على أساس منطقي ، وميزان معلوم ، بل يظهر فيها جانب ظلم للنساء والمستضعفين ، فلا يكون لهم نصيب عادل فيما أحله الله من الأنعام والثمار .
وهناك أنواع أخرى من المحرمات عندهم افتراء علي الله (السائبة والوصيلة والحام..الخ) إلى ما لا يعد ولا يحصى من اختراع البشر ارضاء للشياطين ، قال تعالى (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)(المائدة 103) ، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَحْلُبُهَا أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ .
وَالسَّائِبَةُ كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِمْ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا شَيْءٌ .
قَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ
وَالْوَصِيلَةُ النَّاقَةُ الْبِكْرُ تُبَكِّرُ فِي أَوَّلِ نِتَاجِ الْإِبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ إِنْ وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ .
وَالْحَامِ فَحْلُ الْإِبِلِ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَ فَإِذَا قَضَى ضِرَابَهُ ، وَدَعُوهُ لِلطَّوَاغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنْ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ)
ولعل الفائدة من ذكر هذه الأوهام والخرافات التي ذكروها بالتفصيل ما ذكره القرطبي من أن هذه الآية أنها (دلت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبين لهم فساد قولهم ، وفيها إثبات القول بالنظر والقياس) ، وبذلك نتعلم أن أول خطوات المناظرة العلمية هي فهم القول الآخر ودقائقه وتفصيلاته .
قال سيد قطب (استطردوا في أوهام التصورات والتصرفات ، النابعة من انحرافات الشرك والوثنية) ، (وإن الإنسان ليعجب للعقيدة المنحرفة تكلف الناس حتى فلذات أكبادهم ، فوق ما تكلفهم من تعقيد الحياة واضطرابها ، والسير فيها بلا ضابط ، سوى الوهم والهوى والتقليد ، وأمامهم التوحيد البسيط الواضح؛ يطلق الضمير البشري من أوهام الوهم والخرافة؛ ويطلق العقل البشري من عقال التقليد الأعمى؛ ويطلق المجتمع البشري من الجاهلية وتكاليفها؛ ويطلق الإنسان من العبودية للعبيد - سواء فيما يشترعونه من قوانين ، وما يصنعونه من قيم وموازين - ويحل محل هذا كله عقيدة واضحة مفهومة مضبوطة ، وتصورا واضحا ميسرا مريحا ، ورؤية لحقائق الوجود والحياة كاملة عميقة ، وانطلاقا من العبودية للعبيد ، وارتفاعا إلى مقام العبودية لله وحده) .
قوله (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ( (140) قال الشنقيطي (قتلوا أولادهم طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم) ، إذ اشتهرت في قتل العرب لأولادهم سببان أصلهما إرضاء إبليس :-
الأول : مخافة العار والفقر ، فهذا كان يرضي الشيطان بطريق غير مباشر
والثاني : مخافة الجن والشياطين ومحاولة استرضاءهم عموما ، وإرضاء إبليس مباشرة بتقديم أولادهم كقرابين له حتى يرضى .
قال القرطبي : (كان من العرب من يقتل ولده خشية الفقر ) ؛ كما في قوله (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)(الأنعام 151)
قال قتادة (هذا صنع أهل الجاهلية ، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه) ، قال تعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء 31)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ)
قال القرطبي (وكان منهم من يقتل أولاده سفها بغير حجة منهم في قتلهم؛ وهم ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية) أي مخافة أن يجلبن له العار .
فعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا) .
قال القرطبي روي أن رجلا أذنب ذنبا في الجاهلية وخاف ألا يغفره الله له ، وهو إنه كان من الذين يقتلون بناتهم ، فقال ولدت لي بنت فتشفعت إلى امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها؛ فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول: يا أبت! إيش تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت لا تضيع أمانة أمي؛ فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت) .
قوله (..وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (140) أي لم يتفكروا إطلاقا لماذا رزقهم الله هذا الرزق حتى يحرموه على أنفسهم ،ولماذا أنعم الله عليهم بالولد حتى يقتلوه ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا (..وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا) ، فالشياطين لابد وأن تحرم عليهم ما أحله الله لا لشيء إلا لكي تشارك الله في الألوهية ، أي التشريع ، فتحل ما يحرمه ، وتحرم ما يحله .
قوله تعالى (قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) (140) تضمن استهجان وتنكير ، وتأكيد على انغلاق قلوبهم ، وتبكيت لهم وتحسر على حالهم ، أن صاروا قاتلين لأولادهم بغير حق ، ومحرمين على أنفسهم ما أحله الله لهم ، فقد خسروا الإيمان والإنسانية وكل معاني الرحمة حتى حق الحياة لأولادهم لم يعن لهم شيئا ، خسروا كل فرصة للتعقل والفهم فأضحوا سفهاء الأحلام ، غلاظ القلوب ، فأنى لهم والهدى ، قال سراج الدين أبو حفص (قد يضِلُّ الإنْسَان عن الحقِّ ، إلا أنَّه يعُود إلى الاهتداء ، فبين - تبارك وتعالى- أنَّهُم قد ضَلُّوا ولم يَحْصل لهم الاهْتِداء قط ، وهذا نِهَاية المُبَالغة في الذِّمِّ) .
المسألة الثانية : رزق الله واسع ومتنوع أكله ومنظره ، فعلام يبطل الإنسان منفعته به افتراء على الله .
قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (141) من المناسب بعدما عرضت الآيات أوهام وضلالات الذين كفروا أن تلفت الانتباه إلى قدرة الله تعالى في الإنشاء والإيجاد من العدم لاسيما والناس يقتلون أولادهم خشية ضيق الرزق ، والله تعالى يصور لهم كيف أن رزقه واسع ، وذلك لمن أراد أن يتفكر في بديع خلقه ، قال طنطاوي (بين - سبحانه - أنه هو الخالق لكل شىء من الزروع والثمار والأنعام التى تصرف فيها المشركون بآرائهم الفاسدة ، وأن من الواجب عليهم أن يستعملوا نعم الله فيما خلقت لهم) .
فهذا التنوع في الثمار في الهيئة والتركيب واختلاف الطعم ما بين مر وحلو أية تدل على الله خلقها لينتفع بها الإنسان ويذكر نعمة ربه عليه ، قال تعالى (وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد 4)
وقد بين سبحانه من الحرث أربعا (العنب ، النخل، الزيتون، الرمان) وهؤلاء الأربعة تمد الجسم بما يلزمه من الغذاء والإدام بما يقضي على الفقر وسوء التغذية ، وكأن المولى سبحانه يشير على من يخشى الفقر فيقتل أولاده خشية إملاق أن يجتهد في الحرث فالله يرزقه ، لاسيما وأن هذه الأصناف الأربعة تتحمل ظروف قاسية في زراعتها من حيث البيئة والمكان والزمان ، ما يعني أن الإنسان أيا كانت البيئة التي يعيش فيها يستطيع أن يزرع أحد من تلك الأصناف الأربعة .
فمن لا يملك أرضا كبيرة يستطيع أن يزرع العنب في مساحات ضيقة وصغيرة ، فهو نبات لا يحتاج في زراعته لتربة واسعة ومساحات أفقية ، فهو نبات متسلق ينمو رأسيا .
ومن لا تتوافر عنده مصادر كافية للري يستطيع أن يزرع النخل ، حيث يمكن لأشـــجار النخيـــل أن تنمو فـــي كافة أنـــواع التربة ، فهـــي تتحمل قلوية التربـــة وملوحتهـــا مـــا لا يتحمله غيرها مـــن الأشـــجار، فلها مـــن الخصائص ما يوفـــر لها القـــدرة على النمـــو والإثمار التجـــاري المربح في أنـــواع متعددة من الأراضـــي ما بيـــن الرملية الصرفـــة والطينية الثقيلـــة ، لكن تكثر زراعته في الصحراء ، ولا يتم زراعته في أوروبا ، حيث تتواجد أشجار النخيل على سواحل البحر المتوسط ، فنخيل التمر يحتاج حر شديد كي يكتمل نمو ثماره، لذلك تجد فصائل اخرى في المناطق المعتدلة أو الباردة للزينة فقط ولا تحمل الثمار .
وكذلك الزيتون أفضل مكان لزراعة شجرة زيتون هو في بقعة مشمسة ذات تربة بتصريف جيد بسبب حرارتها وخصائصها المقاومة للجفاف، إذ قد تفشل أشجار الزيتون في الازدهار في التربة الرطبة ، وتعتبر قارة أوروبا من أبرز منتجي الزيتون في العالم، حيث تضم حوالي 500 مليون شجرة زيتون. تتجاوز الإنتاج في هذه القارة ثلاثة أرباع إجمالي إنتاج العالم .
أما الرمان فهو يزرع في التربة المالحة ويقاوم الجفاف ، بالإضافة للقدرة على النمو في التربة الثقيلة وضعيفة الصرف لحد ما، وتعتبر التربة العميقة جيدة الصرف من أفضل أنواع الأتربة المناسبة لنمو الرمان بالشكل المطلوب ، شجرة الرمان من الأشجار المعمرة النفضية موطنها الأصلي إيران انتشرت زراعتها في كثير من البلدان العربية لدفئها. وتنتشر زراعته في المناطق المحاذية للبحر الأبيض المتوسط . وذلك مشابه لانتشار أشجار الـزيتون ، وكذلك في اليمن ومدينة الطائف الجبلية غرب السعودية. ويعد الرمان اليمني من أجود أنواع الرمان بالعالم يليه رمان الطائف لكبر حجمه، وتشتهر إسبانيا بزراعة الرمان والذي نقله العرب إليها منذ القدم .
قوله (وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ..) (141) اختتمت الآية بتذكير بحق الله في المزروعات ، ففيها زكاة ، قَالَ مَالِك (ذَلِكَ الزَّكَاةُ) ، وهو النصيب الذي كان يؤول إلى السدنة عندما كان أهل الجاهلية يقسمون ، ولكن الإسلام جعل القسمة كلها لله ، فما ينتفع به الزارع من الزرع هو نعمة يجب أن يشكر ربه عليها ، ومازاد عن ذلك فهو في سبيل الله ، ومقداره –الحد الأدنى- على قول ابن عباس (الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ) ، أي العشر للسقي بالمطر ، ونصف العشر للسقي بالري ، يصرف في المصارف الشرعية على الفقراء والمساكين والغارمين وابن السبيل ..الخ .
قوله (..وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (141) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : أَحَلَّ اللَّهُ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا، أَوْ مَخِيلَةً" ، وضابط الإنفاق في كل الأحوال – أي سواء الانفاق علي النفس أو الغير - عدم الإسراف أي حد القوام ، لتكون النفقة بقدر الحاجة ، تلك الحاجة هي توسط واعتدال ، قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان 67).
قوله (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ..) (142) حمولة كقوله (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا) (النحل 8) ، فعن ابن عباس قال : (والحمولة ما حُمِل عليه ، الإِبل خاصة ، والفرش ما أُكِل منه) ،
فمعلوم أن الجمل يستطيع أن يحمل حمولة تتراوح بين 150 إلى 270 كيلوغراماً (330 إلى 600 رطل) بشكل مريح أثناء السير لمسافات طويلة. ومع ذلك، يمكن لبعض الجِمال القوية والمُدربة أن تحمل أوزاناً تصل إلى 450 كيلوغراماً ، ولكن لفترات قصيرة ولو مسافات قصيرة جداً لحمايتها من الإصابة.
كما يستطيع الحصان أن يجر عربة محملة بالبضائع والأمتعة بما يعادل ثلاثة أضعاف وزنه تقريبا
فكما نوهت الآيات إلى "جنات الثمار" لتقطع الطريق على من يقتلون أولادهم مخافة الفقر ، فإنها لفتت الإنتباه إلى "الأنعام" كذلك للإشارة باعتبارها رزق من الله تعالى ، للمسلم الحق أن يربيها في أرض الله الواسعة ، وفي مختلف الظروف ، وعلى كل حال ، يقول النبي (يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ) ، فقد أحاط الله بالأسباب من كل جانب ليلتمس منها العبد رزق الله ، فلا يخشى الفقر.
قوله (..كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ..) قال إسماعيل حقي البهوتي (يدل على أنه تعالى قد تكفل برزق كل أحد فإنه لو لم يتكفل برزقه لما قال (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ) وإذا تكفل برزقه وجب أن لا يبالغ في الطلب وأن يعول على وعده وإحسانه فإنه أكرم من أن يخلف الوعد) ولذلك قال رسول الله (إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته) .
فالاستمتاع بالطيبات عبادة ، قال الإمام البقاعي في قوله تعالى ( كلوا مما رزقكم الله) أي (لأنه الملك الأعظم الذي لا يسوغ رد عطيته) ، قال ابن عاشور (ومناسبة الأمر بالأكل بعد ذكر الأنعام : أنه لما كان قوله : (وفرشا) شيئا ملائما للذبح كما تقدم عقب بالإذن بأكل ما يصلح للأكل منها ، واقتصر على الأمر بالأكل لأنه المقصود من السياق إبطالا لتحريم ما حرموه على أنفسهم وتمهيدا لقوله (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) فالأمر بالأكل هنا مستعمل في النهي عن ضده وهو عدم الأكل من بعضها أي لا تحرموا ما أحل لكم منها اتباعا لتغرير الشيطان بالوسوسة لزعماء المشركين الذين سنوا لهم تلك السنن الباطلة وليس المراد بالأمر الإباحة فقط) .
قوله (..وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (142) بيد أن الشيطان لن يترك ابن آدم يتمتع بخيرات الله تعالى ليشعر بالفضل فيشكر رازقه ، وإنما يضع له من العقبات ما يحول بينه وبين ذلك ، وأول خطواته ليقع الإنسان في الشرك بالله الوسوسة ، بأن يلقي إليه بالفكرة التي تخيفه ، فيفعل من الحرام ما يجنبه الخوف منها في زعمه ، يخيفه بالفقر فيبخل ، كذلك الحال لو ألقى إليه بفكرة فوات الشهوة فيجعله يتعجل أن يقضيها في الحرام حتى لا تفوته ، كما في قوله (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 268) .
ثم يحمله بعد ذلك على أن يشدد على نفسه كطريقة للتكفير عن الذنب ، فيُشَرِّع له دينا لم يأذن به الله ، أي يبدل دينه وهو لا يدري ، فعن مسروق قال : أتي عبد الله رضي الله عنه بضرع فقال للقوم : ادنوا فأخذوا يطعمونه وكان رجل منهم في ناحية فقال عبد الله : أدن فقال : إني لا أريده فقال : لم ؟ قال : لأني حرمت الضرع فقال عبد الله : هذا من خطوات الشيطان فقال عبد الله : (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) أدن فكل وكفر عن يمينك فإن هذا من خطوات الشيطان)
ثم هو يأمره -بعد ذلك- بالبخل والتقتير في الصدقات ،وعدم إيصال الحقوق لأهلها ، ثم يأمره بالسرف والتبذير فيكون أخا للشيطان ، ثم يأمره بأن يصرف ماله في القربى للشيطان ...وهكذا حتى يأتي كفرا بواحا ، يقول خالد أبو شادي (الخطوة مسافة يسيرة ليست ذات قيمة، لكن بها يستدرج الشيطان ضحاياه، وهو لحوح، فلا يكتفي بأول خطوة حتى يزداد)
والإرشاد الإلهي للنجاة من مكائد الشيطان هو عدم الاسترسال معه في الوسوسة ، والاستعاذة بالله منها ، فإن ذلك يصرف كيده ، إذا كنت تسير في طريق ونبحتك كلاب الراعي.. فماذا تصنع؟ تقول: أدافعه.. إن دافعته عاد يجري وراءك.. ثم تدافعه فيعود ويجري خلفك.. وهكذا.. فما الحل؟ . استعن بالراعي .. يكفيك كلابه ..
قال ابن القيم (ولما علم الله سبحانه وتعالى حَسَد العدو للعبد ، وتفرّغه له ، وعلم عجز العبد عنه ، أمره بأن يستعيذ به سبحانه ، ويلتجئ إليه في صرفه عنه ، فيكتفي بالاستعاذة من مؤونة محاربته و مقاومته ، وكأنه قيل له : لا طاقة لك بهذا العدو ، فاستعذ بي أعيذك منه ، و استجر بي أجيرك منه ، و أكفيكه و أمنعك منه)
وقال ابن القيم قال لي شيخ الإسلام ابن تيمية يومًا : إذا هاش عليك كلب الغنم فلا تشتغل بمحاربته ، ومدافعته ، وعليك بالراعي فاستغث به فهو يصرف عنك الكلب ، ويكفيكه ، فإذا استعاذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم أبعده عنه) ، وإن لم يستعذ العبد بالله انشغل بمدافعة الشيطان ، ولن ينتهي من وسوسته حتى يوقعه فيما حرم الله .
المسألة الثالثة : التناسل سنة ربانية ، فعلام قطع التناسل بتشريعات جاهلية
قوله (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ؟ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ؟(..(144) قال القطان (الأنعام أربعة أنواع هي : الضأن والماعز ، والإبل والبقر ، وكل نوع منه زوج) .
وفي الآيتين أربعة استفهامات ، قال العلماء (الِاسْتِفْهَام لِلْإِنْكَارِ) ، حيث يستهجن القرآن إصرار الكفار على تحريم ما أحله الله لهم من الطيبات ، وما رزقهم من فضله العظيم ، فليس أعجب من أن يحرموا هذه الأنعام التي سخرها الله لهم ، قال سبحانه (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الحج 36)، وقال سبحانه (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج 37) ، بل الأعجب كذلك أنهم يحرمون نسلها ، فما علة التحريم .
قال العلماء أي (قل لهم يا محمد منكراً عليهم : ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الأزواج كما تزعمون؟ أهى كونها ذكوراً؟ ليس كذلك ، لأنكم تحلون الذكور أحياناً ، أهى كونها إناثاً؟ ليس كذلك لأنكم تحلون الإناث أحياناً ، أم هى اشتمال الأرحام عليها؟ ليس كذلك لأنكم لا تحرمون الأجنة على الدوام ، وتزعمون أن هذا التحريم من عند الله)
وقد علمنا من علماء أصول الفقه أنهم يعللون أحكام الله تعالى بأوصاف ظاهرة ومنضبطة ، فأين هذه العلة في أحكام المشرعين من دون الله ، حيث لا تجد فيها انضباط ، وقد تخفى العلة في بعض الأحيايين رغم حاجة المسالة لأن يبسط عليها وصف الشارع ، لكنهم ولأنهم بشر لابد وأن يظهر القصور في قدرتهم على التشريع .
كذلك لو قسنا علي هذه المسألة كل تشريع من عمل البشر لوجدنا أن فيه كثير من الخلل ، فلا ينضبط التشريع الوضعي إلا إذا كان متسقا مع ما حكم الله به بالعدل والإحسان .
قوله سبحانه (..أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ..) (143) وليس ما تقدم فحسب هو ما يعاب عليهم ، وإنما يعاب عليهم كذلك افتقار التشريع للمصدر الصحيح ، إذ لو سبرنا عما يشرعه المشرعون من أحكام وضعية لوجدنا أنه إذا لم يرتكن إلى أحكام الشريعة الإسلامية ، فإنه لن يكون ذو قيمة من حيث المصدر ، حيث يعزوه المشرعون إلى أمثلة وعادات بين مجتمعية لا تخلو من السفه والهوى لا أكثر ، ولذلك يتهكم المولى سبحانه من صنيعهم ، إذ لو قارنت بين ما وصى به الله وما وصى به المتفلسفون الذين يريدون الخروج عن أحكام الشريعة الإسلامية لوجدت أن الفارق بينهما كبير .
والأمثلة على ذلك كثيرة :-
من ذلك قولهم المساواة بين المرأة والرجل في الميرارث : والله تعالى يقول (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، وهم يقولون للذكر مثل حظ الأنثى ، دون اعتبار لأن نصيب الذكر يوزع على أسرته ، بينما تستقل المرأة بنصيبها دون زوجها أو أسرتها ، والله تعالى يقول (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)(8)
ومن ذلك كذلك أنهم يسمحون للأبناء بالاستقلال عن الأسرة من سن الثامنة عشر دون مراعاة حق الوالدين في البر ولو كانوا إناثا ، والإسلام لا يسمح للمرأة أن تستقل عن أسرتها الأولى إلا بالزواج
كما يسمحون بوضع أباءهم وأمهاتهم في دار المسنين حتى لا يلتزموا برعايتهم ولا يحاسبوا على ذلك ، والله تعالى يقول (إما يبلغن عندك الكبر أو أحدهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما )
كما وصى الله تعالى الورثة لاسيما الأبناء بأن يتركوا بيت الزوجية عاما كاملا دون تقسيمه ضمن التركة لتستقل به زوجة أبيهم رفعا لشأنها وإكراما لها بعد وفاته ثم بعد هذا العام ليحق لها كذلك أن تستقل به إذا بلغ نصابه القدر الذي تتخارج به من التركة على قدر نصيبها منها حالما تختار ذلك لاسيما إذا ما أرادت التزوج بآخر بعد انقضاء عدتها ، كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة 240)
فهؤلاء المشرعون لم ولن يضاهوا الإسلام بتشريع من عندهم يحافظ على كرامة المرأة ونفسيتها في مثل هذه الظروف كما شرع الإسلام...
وهكذا لن تنضب الأمثلة من إظهار البون الشاسع بين تشريع الله ، وتشريعات البشر التي خلت من الرجوع لأحكام الشريعة الإسلامية.
قوله(..فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (144) قال الرازي (والله تعالى إذا ذم الإضلال الذي ليس فيه إلا تحريم المباح ، فالذي هو أعظم منه أولى بالذم) ، ولهذا نظر الإسلام لهؤلاء القوم على أنهم مضلين ، قال رسول الله (وَإِنَّ مِمَّا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةً مُضِلِّينَ) ، فإذا ما زعموا أن تشريعاتهم هذه توافق الشرع أو أن مصدرها الشرع ، ولم تكن كذلك ، فإنهم كاذبون فضلا عن أنهم مضلون .
وليس بلازم أن يدعي المفتري على الله الكذب أنه رسول ، فكثير من المشرعين المضلين يلزمون الناس بتشريعاتهم الضالة وكأنهم آلهة وليسوا مجرد رسل ، فذلك أشد ، يقول النبي (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ) ، ويقول النبي (وَسَتَعْبُدُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ وَسَتَلْحَقُ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ دَجَّالِينَ كَذَّابِينَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَلَنْ تَزَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) .
المسألة الرابعة : علة التحريم في الإسلام الرجس أو الفسق لا غير إلا أن يكون عقوبة بسبب الظلم
قوله (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( (145) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : "كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ، وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ،وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ مِنْهُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ : " قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا "
بذلك حسم الإسلام مسألة التحريم في عهدها المكي ، وقبل أن يشرع في تفصيلاتها في العهد المدني ، وذلك بحصر المحرمات من الأنعام بذكر وحصر علة التحريم ، فتكون المحرمات من الأنعام إما لعلة أنها ميتة ، أي لم تذك الذكاة الشرعية بالذبح وتصفية دمها من الجسد ، فإذا ماتت بسبب غير ذلك فلا تحل سواء أكانت موقوذة أو متردية أو نطيحة أو ما أكل السبع ..الخ ، كذلك حرم الشرع الدم المسفوح ، فيخرج من دائرة التحريم الدم المتخثر الباقي بعد ذكاة الذبيحة بالقدر القليل ، كذلك لحم الخنزير فعينه حرام ، وهو بذاته علة ظاهرة منضبطة ، وأخيرًا كل ما ذبح لغير الله تعالى ، كالذي ذبح على الأنصاب والأزلام .
وبذلك حصرت الآية أصناف المحرمات من الأنعام التي خلقها الله لننتفع من لحمها وركوبها قال تعالى (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الحج 36)
ولم تذكر المحرمات من غير الأنعام كالخمر لأن السياق في إطار الرد على ضلالات الجاهلية وما ألفوه من تشريعات وضعها لهم سدنة الاصنام ليضلوا الناس بها عن شرع الله ، فيحرموا ما خلق الله لهم من الطيبات .
واستثنت الآية من ذلك الحظر حال الضرورة يعني "المخمصة" حيث الجوع الشديد ، والشعور بضعف الجسد والهزل حتى يكاد يقتله العطش والجوع ، فيكون الشارع قد أفصح عن مقاصده ، وأنه راعى حق الإنسان في الحياة وقدمه على مقاصد الشرع التي تتمثل في حفظ شعائر الإسلام .
ووضع الشارع ضابطين للاستفادة من هذه الرخصة ، وهما وصفان مانعان فقال سبحانه (غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ) ، بما ينفي أن يستحل المرء ما حرم الله في غير حالة الضرورة ، أي في غير المخمصة يكون ذلك بغيا وعدوانا على حق الله تعالى في تحريم ما تقدم ، فإذا تحقق مناط الاستثناء حلت الميتة أو لحم الخنزير أو الدم ...الخ ، ولكن بقدر ما يقيم المرء صلبه حتى ينجو من المهلكة متى أحاطت به ، دون أن يتعدى إلى حد الشبع .
قوله (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (146) انتقلت الآيات من وصف ما حرم لأجل علة ظاهرة منضبطة كما تقدم ، إلى الحكاية عن المحرمات بغير بحث عن علة التحريم ، وإنما التحريم كان عقوبة لأجل التعنت والظلم والبغي ، وقد كان ذلك في شرع من كان قبلنا ، وهم اليهود حيث حرم الله عليهم طيبات أحل لهم ، قال أسعد حومد (وَيَذْكُرُ تَعَالَى : أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى اليَهُودِ - عَلَى سَبِيلِ العُقُوبَةِ لَهُمْ لاَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أُصُولِ شَرْعِهِمْ الأصناف المذكورة في الآية)
وهي نوعان :- "الأول" لَحْمَ كُلِّ ذِي ظُفْرٍ مِنَ البَهَائِمِ وَالطُّيُورِ أَيْ (مَا لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأَصَابِعِ كَالإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالإِوَزِّ وَالبَطِّ) قال ابْنِ عَبَّاسٍ : (هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِمُنْفَرِدِ الأَصَابِعِ، يَعْنِي : لَيْسَ بِمَشْقُوقِ الأَصَابِعِ، مِنْهَا الإِبِلُ وَالنَّعَامُ)
"الثاني" وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَ البَقَرِ وَالغَنَمِ الخَالِصَةَ ، وَهِيَ الثُّرْبُ ( الشَحْمُ الذِي يَلُفُّ الأَمْعَاءَ) .
واستثنى من التحريم ثلاثة الأول (مَا عَلَى الظَّهْرِ مِنْ شَحْمٍ) - وَمِنْهُ الإِلْيَةُ –
الثاني : (وَمَا وُجِدَ فِي الحَوَايَا) وَهِيَ المَبَاعِرُ وَالمَرَابِضُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ : " " أَوِ الْحَوَايَا " هُوَ الْمَبْعَرُ"
الثالث : (وَمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مِنَ الشَّحْمِ وَالعِظَامِ) .
(فَإِنَّهُ حَلالٌ ، وَهَذَا التَّحْرِيمُ فَرَضَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى بَغْيِهِمْ ، وَمُخَالَفَتِهِمْ أَوَامِرَ اللهِ) .
يلاحظ مما تقدم أن عقوبة بني إسرائيل كانت التعسير عليهم في معرفة الحلال والحرام ، فلكي يتعرفوا على حكم الله فيما أحله وما حرمه لابد لهم من دراسة المسألة تفصيلا ، والتفرقة بين أنواع الشحوم المختلفة وأنواع الدواب المختلفة ، وهو ما يعني التعسير عليهم في العلم بها ، ورجوعهم إلى علمائهم ليفصلوا لهم الأمر ، فبعد أن كان طريق معرفة الحلال من الحرام يسير بالتفرقة بين ما هو طيب وما هو خبيث ، أضحت المسألة غير ذلك ، عقوبة لهم ، وذلك أنهم تساهلوا في أمر التحليل والتحريم ظلما منهم ، فعسر الله عليهم .
قال ابن عجيبة (يؤخذ من الآية أن الذنوب والمعاصي تضيق على العبد لذائذ متعته ، وتقتر عليه طيب رزق بشريته ، وتضيق عليه آيضًا حلاوة المعاملة في قلبه) ، بهذا نفهم أن الشارع لم يحرمها إلا لأجل ظلمهم عقوبة لهم ، فمن تساهل في المحرمات يشدد عليه ليبحث هو إن أراد توبة عما حرمه الله مما أحله له
وكذلك العكس بالعكس فمن ضيق على نفسه فحرم ما أحله الله فقد شدد على نفسه ، فيشدد الله عليه ، قال رسول الله (إِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) ، وقال رسول الله (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) ، قال الخطابي (هذا فيمن سأل تكلفا وتعنتا فيما لا حاجة له إليه لافيمن سأل لضرورة وقعت له) ، (وذلك لأن الله تعالى قال ما فرطنا في الكتاب من شيء أي ما نفرط لأن القرآن كان ينزل بعد ذلك كما كان ينزل قبله فكانوا ممنوعين عن الاستعجال بالسؤال عما أخبر الله تعالى أنه لا يفرط فيه) .
وإشكالية اليهود لم تقتصر على مجرد السؤال تكلفا ، وإنما كذلك التحايل على شرع الله ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) ، قال العلماء في الحديث (تنبيه على تعليل تحريم بيع هذه الأشياء فإن العلة تحريمها ، ووجه اللوم على اليهود في تحريم أكل الثمن بتحريم أكل الشحوم استدل المالكية بهذا على تحريم الذرائع من حيث إن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه لكنه لما كان تسببا إلى أكل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم به) ،قال النجمي (يؤخذ من هذا الحديث أيضاً تحريم الذرائع التي توصل إلى الحرام كما حصل لليهود) ، قال السيوطي (وَأَجْمَله أَذَابَهُ أَيْ اِسْتَخْرَجُوا دُهْنه قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَذَابُوهَا حَتَّى تَصِير وَدَكًا فَيَزُولُ عَنْهَا اِسْم الشَّحْم ، وَفِي هَذَا إِبْطَال كُلّ حِيلَة يُتَوَصَّل بِهَا إِلَى مُحَرَّم وَأَنَّهُ يَتَغَيَّر حُكْمه بِتَغْيِيرِ هَيْئَته وَتَبْدِيل اِسْمه ) ، قال العلماء (المراد بقوله هو حرام أي البيع لا الانتفاع) .
قوله (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (147) أي (فإن لم يرعووا بعد هذا البيان وكذبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أنه حرمه فذكرهم ..) ، قال السعدي أي (فإن كذبك هؤلاء المشركون، فاستمر على دعوتهم، بالترغيب والترهيب) ، قال ابن الجزي في قوله (ربكم ذو رحمة واسعة) أي (لا يعاجلكم بالعقوبة على شدة جرمكم) ، قال صاحب الظلال (وهذا القول فيه من الإطماع في الرحمة بقدر ما فيه من الإرهاب بالبأس ، والله الذي خلق قلوب البشر؛ يخاطبها بهذا وذاك؛ لعلها تهتز وتتلقى وتستجيب) .
قوله (لَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) أي (لا تغتروا بسعة رحمته ، فإنه لا يرد بأسه عن مثلكم إما في الدنيا أو في الآخرة) .
المسألة الخامسة : شبهة الجبر عند المشركين وحجة الله البالغة في الرد عليهم
قوله (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ) (148) يحاجون النبي في القدر ومشيئة الله ، قال الشنقيطي (ومرادهم أن الله لما كان قادراً على منعهم من الإشراك، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا) ، قال ابن الجزي (وتلك نزغة جبرية ، ولا حجة لهم في ذلك) .
وقد يتمسك البعض بأن القدر قد سبق العمل ليترك العمل ، ويجاب على ذلك بأن حرية الاختيار ثابتة بقوله تعالى ، قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس 10) ، فإذا ثبت أن الإنسان مختار ، لزم من ذلك أن يحاسب على ما يعمل .
قال ابن تيمية (وَهُوَ يُعَاقِبُ الْخَلْقَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَإِرَادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَإِرَادَتُهُ الْقَدَرِيَّةُ، فَإِنَّ الْقَدَرَ كَمَا جَرَى بِالْمَعْصِيَةِ جَرَى أَيْضًا بِعِقَابِهَا، كَمَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يُقَدِّرُ عَلَى الْعَبْدِ أَمْرَاضًا تُعْقِبُهُ آلَامًا فَالْمَرَضُ بِقَدَرِهِ وَالْأَلَمُ بِقَدَرِهِ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالذَّنْبِ فَلَا أُعَاقَبُ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَرِيضِ: قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِالْمَرَضِ فَلَا أَتَأَلَّمُ، أَوْ قَدْ تَقَدَّمَتْ الْإِرَادَةُ بِأَكْلِ الْحَارِّ فَلَا يُحَمُّ مِزَاجِي، أَوْ قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالضَّرْبِ فَلَا يَتَأَلَّمُ الْمَضْرُوبُ، وَهَذَا مَعَ أَنَّهُ جَهْلٌ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، بَلْ اعْتِلَالُهُ بِالْقَدَرِ ذَنْبٌ ثَانٍ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا اعْتَلَّ بِالْقَدَرِ إبْلِيسُ حَيْثُ قَالَ: (بِمَا أَغْوَيْتنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) وَأَمَّا آدَم فَقَالَ: (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ سَعَادَتَهُ أَلْهَمَهُ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ آدَم، أَوْ نَحْوُهُ، وَمَنْ أَرَادَ شَقَاوَتَهُ اعْتَلَّ بِعِلَّةِ إبْلِيسَ، أَوْ نَحْوِهَا، فَيَكُونُ كَالْمُسْتَجِيرِ مِنْ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ) .
وإنما أرادوا بهذا الزعم إبطال التكليف ، لأنهم لما قالوا (الكُلُّ بمشِيئَة اللَّه وتقديره) قال الشوكاني قالوا (كلمة حق يريدون بها باطلا) ، ذلك أنهم انتهوا منها إلى أن « إن التَّكْلِيف عَبَثاً ، وينبني على ذلك أن دَعْوى الأنْبِيَاء باطِلة ، ونُبُوِّتُهم ورسالَتُهم باطلة ، ثم إن - تبارك وتعالى - بيَّن أن التَّمَسُّك بهذا الطّرِيق في إبْطَال النُّبُوة بِاطِلٌ) .
قال ابن تيمية (لَوْ كَانَ " الْقَدَرُ " حُجَّةً لِأَحَدِ لَمْ يُعَذِّبْ اللَّهُ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ كَقَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ وَقَوْمَ فِرْعَوْنَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ وَلَا يَحْتَجُّ أَحَدٌ بِالْقَدَرِ إلَّا إذَا كَانَ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ) .
قال ابن عاشور (يحسبون أن تمكنهم من وضع قواعد الشرك ومن التحريم والتحليل ما هو إلا بأن خلق الله فيهم التمكن من ذلك ، فيحسبون أنه حين لم يمسك عنان أفعالهم كان قد رضي بما فعلوه، وأنه لو كان لا يرضى به لما عجز عن سلب تمكنهم، يحسبون أن الله يهمه سوء تصرفهم فيما فطرهم عليه، ولو كان كما يتوهمون لكان الباطل والحق شيئا واحدا، وهذا ما لا يفهمه عقل حصيف)
وأجاب ابن عاشور فقال (فهذا من المشيئة المتعلقة بالخلق والتكوين لا من المشيئة المتعلقة بالأمر والتشريع) ، أي أن الله لم يرد أن يشركوا شرعا ، ولكن شركهم به وافق إرادته الكونية ، وقدره وتقديره ، والعلم لا تأثير له في إرادتهم ومشيئتهم
قال الواحدي وقالوا : (إن الله رضي منا ما نحن عليه وأراده منا ، وأمرنا به ، ولو لم يرضه لحال بيننا وبينه )، (ولا حجة لهم في هذا؛ لأنهم تركوا أمر الله وتعلقوا بمشيئته ، وأمر الله بمعزل عن إرادته؛ لأنه مريد لجميع الكائنات ، غير آمر بجميع ما يريد ، فعلى العبد أن يحفظ الأمر ويتبعه ، وليس له أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر)
فقوله (وأمر الله بمعزل عن إرادته) (تعني أن الله سبحانه وتعالى قد يأمر العباد بأمر ما (لحكمة تشريعية، واختباراً لطاعتهم)، ولكن هذا الأمر ليس تلازماً حتمياً بأن الله قد أراد كونياً وقَدرياً وقوعه من كل فرد. فلو كانت الإرادة ملازمة للأمر دائماً، لآمن كل البشر لأن الله أمرهم بالإيمان)
وقوله (مريد لجميع الكائنات ) يعني كل ما يقع في هذا العالم من حركة وقبض وبسط، إيمان وكفر، صحة ومرض، هو تحت إرادة الله وخلقه وتقديره، ولا يخرج شيء عن سلطانه
وقوله (غير آمر بجميع ما يريد) يعني أن الله أراد كَوْنًا وتقديرًا أن تقع المعصية والكفر من الإنسان (لأن الله أعطى الإنسان حرية الاختيار)، لكنه لم يأمر بها ولم يرضَها دينًا.
يعني أن الله يأمر فقط بما يحبه (كالإيمان)، وينهى عما يكرهه (كالكفر والظلم)، حتى وإن وقع الكفر بتقديره ومشيئته
قال الشعراوي (لو شاء سبحانه أن يجعل الناس كلهم مهديين لفعل ، لكنه شاء أن يوجد لنا اختيارا ، وفي إطار هذا الاختيار لا يخرج أمر عن مشيئته الكونية ،بل يخرج الكفر والشر عن مراده الشرعي) ، قال تعالى (فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر...) [ الكهف : 29 ] ،بذلك يكون الله تعالى قد أطلق للعبد مشيئته في الاختيار بين الإيمان والكفر،ولا جبر.
قوله (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (148) أي كذبوا بالقدر ، فحالهم أشبه بحال الذين من قبلهم في التكذيب بالقدر ، قال الزمخشري (فمن علق وجود القبائح من الكفر والمعاصي بمشيئة الله وإرادته فقد كذب التكذيب كله ، وهو تكذيب الله وكتبه ورسله ، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره) .
قوله (..حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (148) قال ابن عاشور (غاية للتكذيب مقصود منها دوامهم عليه إلى آخر أوقات وجودهم، فلما ذاقوا بأس الله هلكوا واضمحلوا)
قوله (قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ) (148) حاجهم الله في قولهم ذاك ، فبعد أن كذبهم أبان أن الإشكالية التي لديهم تكمن في منهجية التفكير ، وذلك أنهم لا يتثبتون مما يقولون ، ولا يتحققون مما يزعمون ، وإنما يتبعون الظن ويتخرصون ، وأمور العقيدة لا ينبغي فيها إلا الصدق واليقين
قال صاحب الظلال (إن الله أمرهم بأوامر ونهاهم عن محظورات . . وهذا ما يملكون أن يعلموه علما مستيقنا . . فأما مشيئة الله فهي غيب لا وسيلة لهم إليه ، فكيف يعلمونه؟ وإذا لم يعلموه يقينا فكيف يحيلون عليه : إن لله أوامر ونواهي معلومة علما قطعيا ، فلماذا يتركون هذه المعلومات القطعية ، ليمضوا وراء الحدس والخرص في واد لا يعلمونه؟ هذا هو فصل القول في هذه القضية . . إن الله لا يكلف الناس أن يعلموا غيب مشيئته وقدره حتى يكيفوا أنفسهم على حسبه . وإنما كلفهم أن يعلموا أوامره ونواهيه ، ليكيفوا أنفسهم على حسبها) .
قوله (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) (149) أي لا حجة لأحد على الله ، بل الحجة البالغة لله ، فالله سبحانه يجيب تفصيلا على الشبهة المتقدم ذكرها ، بأنه سبحانه –حقا - لم يرد هدايتهم دون أن يختاروا هم الهداية ابتداءً ، فإرادته سبحانه الكونية اقتضت أن يقع من عباده الذنب ، ولم يعاجلهم بالعقوبة بل ترك لهم وقتا لأن يتوبوا، فمن تاب غفر له ، قال رسول (لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقًا يُذْنِبُونَ يَغْفِرُ لَهُمْ) ، قال المناوي (لم يرد به قلة الاحتفال بمواقعة الذنوب بل أنه كما أحب أن يحسن الى المحسن أحب التجاوز عن المسئ) ، (فمراده لم يكن ليجعل العباد كالملائكة منزهين عن الذنوب بل خلق فيهم من يميل بطبعه إلى الهوى ثم كلفه توقيه وعرفه التوبة بعد الابتلاء فإن وفى فأجره على الله ، وإن أخطأ فالتوبة بين يديه فأراد المصطفى أنكم لو تكونون مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنوب ، فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة فإن الغفار يستدعي مغفورا والسر في هذا إظهار صفة الكرم والحلم والغفران) .
قال ابن تيمية (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى خَلْقِهِ حِينَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ إلَيْهِمْ فَدَعَوْهُمْ إلَى تَوْحِيدِهِ وَشَرِيعَتِهِ، وَمَعَ هَذَا فَلَوْ شَاءَ هَدَى الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ إلَى مُتَابَعَةِ شَرِيعَتِهِ، لَكِنَّهُ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَيَهْدِيهِ فَضْلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا، وَيَحْرِمُ مَنْ يَشَاءُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَفَضِّلَ لَهُ أَنْ يَتَفَضَّلَ وَلَهُ أَنْ لَا يَتَفَضَّلَ، فَتَرْكُ تَفَضُّلِهِ عَلَى، مَنْ حَرَمَهُ عَدْلٌ مِنْهُ وَقِسْطٌ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ) .
أما ما ورد عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ قَالَ قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ؟
فَقُلْتُ بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ
قَالَ فَقَالَ أَفَلَا يَكُونُ ظُلْمًا ؟
قَالَ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ
فَقَالَ لِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ ، إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ ؟
فَقَالَ (لَا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَ( فالمعنى أن الله تعالى ترك للنفس حرية الاختيار بين داعي الفجور وداعي التقوى ، ولم يخرج اختياره عما قدره الله له ، وتلك هي القدرة والمشيئة المطلقة لله تعالى
وما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)
ويجاب بأن الحديث تضمن في رواية أخرى بإضافة (فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ) ما يعني أن الخاتمة تكشف عن إخلاصه في العمل أو أنه عمل ذلك من باب الرياء والسمعة ، قال رسول الله (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) .
أما ما روي عَنْ عَلِيٍّ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلَا نَتَّكِلُ ؟ قَالَ "لَا" اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى إِلَى قَوْلِهِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) ، ففيه دليل على أن العمل يوافق قدر الله الكوني ، ولا عذر لأحد في الاتكال على ذلك دون عمل .
وفي رواية قَالَ رسول الله (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً قَالَ فَقَالَ رَجَلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ فَقَالَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَقَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى) .
قال ابن البطال (أخبر أنه ميسر لأعمالها ومختار لا مجبر) ، و(فيه دليل على إبطال قول أهل الجبر ؛ لأن التيسير غير الجبر ، واليسرى العمل بالطاعة ، والعسرى العمل بالمعصية)
قال الطبري (فى حديث علىّ أن الله لم يزل عالمًا بمن يطيعه فيدخله الجنة ، وبمن يعصيه فيدخله النار ، ولم يكن استحقاق من يستحق الجنة منهم بعلمه السابق فيهم ، ولا استحقاقه النار لعلمه السابق فيهم ، ولا اضطر أحدًا منهم علمه السابق إلى طاعة أو معصية ، ولكنه تعالى نفذ علمه فيهم قبل أن يخلقهم ، وما هم عاملون وإلى ما هم صائرون ، إذ كان لا تخفى عليه خافية قبل أن يخلقهم ، ولا بعد ما خلقهم ، ولذلك وصف أهل الجنة) .
قوله (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (150) حضهم على أن يكشفوا عن أدلتهم في تحريم ما أحله الله ، فإن عجزوا فليكشفوا من مصدر ظنهم ، ليروا بأنفسهم أنه لا شهيد يشهد لهم إلا من كان على شاكلتهم في الظن ، قال ابن عاشور في الاية (انتقال من طريقة الجدل والمناظرة في إبطال زعمهم، إلى إبطاله بطريقة التبيين) ، قال طنطاوي (والمقصود من إحضارهم تفضيحهم وإلزامهم الحجة ، وإظهار أنه لا متمسك لهم كمقلدين) .
وقوله (..فَإِنْ شَهِدُوا..) (150) وهذا الفرض مستبعد ، ولكنه إذا حصل جدلا أي :( فإن أحضروا لك شهداء يشهدون أن الله حرم هذا الذي زعموه ، فكذِّبهم واعلم بأنهم شهود زور) ، فذلك دليل على منتهى الشقاق والمخاصمة بغير حق ، أن اصطنعوا أدلة مزيفة نصرة لمذاهبهم الباطلة ، بما يتعذر معه الاستمرار في مجادلتهم ومناظرتهم .
فالآية تشير إلى أدلة الباطل دائما حاضرة رغم أنها فاسدة ، فلا يستعصي عليهم أن يزيفوا الأدلة ،ويأتوا بشهود زور ، ويقدمون الرشى ليزيفوا الأدلة ، فهذه صناعتهم ، وهذا هو عملهم المعتاد ، يحاولون أن يزيفوا التاريخ ، ومعالم الحضارات ، يحاولون أن يطمسوا كتاب الله وحكم الله ، ويحرفوا الكلم عن موضعه.
قوله (..فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ..) (150) أي فلا تجاريهم في المناظرة وتدعوهم إلى الإتيان بالشهداء على افتراءاتهم تلك ، أي لا تستمر في مجادلتهم بهذه الطريقة ، ذلك أنهم سوف يغرقونك بالشهود الزور الكثر لديهم ، فإن أتوك بهم لتسمع شهادتهم ، فلا تسمعها حتى لا يدل موقفك على قبولك سماع الشهادة من أهل الفسق والفجور ، بل شهادتهم غير مقبولة .
قال أبو السعود (فإن تسليمَه موافقةٌ لهم في الشهادة الباطلة) ، فالنهي تضمن وجوب تكذيبهم لا السكوت عن ذلك ، فمجرد السكوت في هذا الموقف قرينة على الموافقة ، ويعني مجاراتهم في الشهادة ، قال ابن عاشور في النهي (كناية عن تكذيبهم لأن الذي يصدق أحدا يوافقه في قوله ، فاستعمل النهي عن موافقتهم في لازمه ، وهو التكذيب)
فالواجب عدم سماعها أصلا لأن سماعها يقتضي السكوت بعد سماعها لتقييم الشهادة ، وقد حمل بعض المفسرين السكوت بعد سماع الشهادة على معنى التسليم بها ، قال الزمخشري (يعني فلا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم : لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد معهم مثل شهادتهم وكان واحداً منهم) .
فلا تغتر بأدلتهم وأنت تعلم فسقهم وعدم عدالتهم ، ولا بد وأن تعلم أنهم سوف يفعلون ذلك في كل زمان ، فلا تقف إزاء هذه الأدلة المزيفة موقف المحايد ، واعلم أن الحق لجلج ، يعني واضح وظاهر للعيان مثل أشعة الشمس لا يحتاج لإثبات لوضوحه ، وأن الباطل لجلج (يعني مضطرب ولا يستقر ، فلا يصيب صاحبه منه مخرجا) ، وهو مأخوذ من التلعثم وعدم وضوح الكلام ، مثل الغيوم التي تنقشع ولا تستمر.
والعلة الشرعية في إبطال شهادتهم -مسبقا - أن القاعدة المعروفة في أصول الفقه الإسلامي أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ولا تحريم إلا بدليل ، وهؤلاء القوم زعموا أنهم أتوا بمن يشهد لهم كدليل إثبات على أن الله حرم هذا ، وهؤلاء الشهود هم شهود زور ، فاقتضت السياسة الشرعية تجاهلهم وعدم الاستمرار في مجادلتهم ، أي لا تجاريهم في الإثبات بأن تأتهم بدليل على حله وأنه لم يحرمه ، لأنك بذلك تحتاج لأن تأتي بدليل على "واقعة سلبية" أي أن الله لم يحرم هذا ، وهؤلاء أدلتهم مهترئة ، ورغم ذلك هي أدلة ثبوت ، ونفي الوقائع السلبية متعذر كثيرا ، ولذلك عفاه الله عن أن يستمر في مجادلتهم متى استشهدوا بشهود زور على ذلك ، فالمقصد –إذن- ليس مناظرتهم بالإتيان بالحجة والدليل بقدر إثبات عنادهم في الباطل حتى أتوا بشهود الزور ليشهدوا لهم ، فكأن مقصود الخطاب –ابتداء- إثبات زيفهم وسوء نيتهم في معرفة الحق ، وتماديهم في الباطل حتى اصطنعوا أدلة مزيفة ، فإذا استبان لك ذلك بما فعلوه من شهادة الزور وجب عندئذ الإعراض عنهم ، فليس بعد الحق إلا لاضلال ، وهؤلاء استبان عنادهم واستكبارهم عن قبول الحق حتى وصلوا إلى مرحلة تزييف الأدلة ، فعلام الاستمرار في مجادلتهم ومناظرتهم وهم على هذا الحال من النكران .
قوله (..وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (150) ذلك أن استمرار السجال بلا طائل استنزاف للجهد الدعوي ، يقول تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (البقرة 120) ، فأهواء المكذبين أن ينشغل بهم وبمناظرتهم عن استكمال البلاغ للناس كافة ، فنببه الله لذلك بذلك النهي .
قال سيد قطب (الذين يزاولون هذه التشريعات هم الذين يتبعون أهواءهم ، وهم الذين كذبوا بآيات الله ، وهم الذين لا يؤمنون بالآخرة ، فلو أنهم صدقوا بآيات الله وآمنوا بالآخرة واتبعوا هدى الله ما شرعوا لأنفسهم وللناس من دون الله . وما حرموا وحللوا بغير إذن من الله) .
قوله (..وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (150) أي : (يجعلون لَهُ أنداداً يسوُّونهم به ، تعالَى اللَّه عن قولهم) ، فمن أقبح وأشنع ما يتمناه أصحاب الأهواء أن يعدلوا أنفسهم بربهم ، يظنون أنهم قادرون بأن يصدروا أوامر وتشريعات تحظر هذا وتحرم هذا دون مستند من الشرع ، ويضفون عليها شيء من القداسة والسمو حتى يحترمها الأفراد ، فهم باتخاذهم مهنة التشريع في أمور نزل بها وحي من الله –بل وتخالف مقاصد الشرع- يعدلون أنفسهم بربهم ، وهو ذات التعبير الذي جاء في أول آية في السورة وصفا للذين كفروا.
-
الاربعاء PM 05:30
2026-09-16 - 35



