المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1903466
يتصفح الموقع حاليا : 408

البحث

البحث

عرض المادة

وجوب استنفار المسلمين قبل وبعد النصر ، لا سيما وقت السلم والتهدئة

د / احمد نصير

وجوب استنفار المسلمين قبل وبعد النصر ، لا سيما وقت السلم والتهدئة

 

قال تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)

 

بمناسبة انتهاء معركة بدر وقد انهزم المشركون ، وعادوا إلى مكة وهم في تغيظ شديد ، أخذ أبو سفيان يعد العدة للانتقام من المؤمنين ، فكانت غزوة أحد هي الضربة المقابلة لبدر من المشركين ، وعندها قال أبو سفيان (يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الأَيَّامُ دُوَلٌ، وَالْحَرْبُ سِجَالٌ)[1] .

 

ولذلك جاء الأمر من الله تعالى لأن يؤسس المسلمين جيشا احترافيا قادرا على ردع الأعداء في أي وقت وكل حال ، فلا يكون أمر القتال بدون إعداد وتجهيز ، بل يجب الإعداد والتجهيز للقتال بالعدة والسلاح والتدريب والجند ، فهذا من جملة الأسباب التي يلتمسها المسلمون للأخذ بأسباب النصر ، وكل ذلك في إطار من بذل ما في الوسع والطاعة[2]، فالعدو لن يتوقف يوما عن ملاحقة المسلمين ، ولابد وأن يتأهب المسلمون للدفاع عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ،  فالجهاد ماض إلى يوم القيامة ، لن يوقفه شيء ، ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا.

 

ورغم أن الأمر الإلهي جاء بتكليف المسلمين للإعداد للجهاد قدر الاستطاعة لتحقيق الإرهاب المعنوي لأعداء الله ، فلا يتجرأون على مهاجمة المسلمين ، وقد نزل هذا الأمر عقب غزوة بدر ، ورغم أن المسلمين اعدوا العدة بالفعل ، وتجهزوا في غزوة أحد ، وكان عددهم في أحد ألف مقاتل إلا أنهم لم ينصروا مثلما نصروا ببدر ، وإن استطاعوا بفضل الله وحده أن يردوا عدوهم دون دخول المدينة المنورة ، ما يعني أن المسلمين لو أخذوا بأسباب النصر ، فإن ذلك وحده غير كاف للنصر ، بل لابد وأن يستعينوا علي ذلك بطاعة الله ورسوله وعدم مخالفة أمره ، فإعداد العدة والسلاح وزيادة عدد الجند إذا لم  تكلله الطاعة لله وللرسول ، فإن أسباب النصر لا تزال قاصرة ، فمن أهم أسباب الإعداد للقتال هو تربية الجنود معنويا على التخلي عن الدنيا وعدم الافتتان بها ، وذلك ثابت في هذه الآية من قوله (مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) ، فالقوة المعنوية أهم من المادية ، لأن الله خفف من الأسباب المادية فأجاز القتال بعُشر القوة المادية ، أما المعنوية فإنه سبحانه لم يخفف منها شيئا غير ما أحله من الغنيمة نظير أن ينقص من الأجر في الآخرة بمقدار الثلثين.

 

لكن إذا انعدمت الأسباب ووجب الجهاد قدرا ، فهنا لابد من المضي والاجتهاد في طريق الجهاد وإن قلت الأسباب ولا رجوع للوراء ، حتى لو لم تكن الأسباب كافية لتحقيق النصر متى بذل العباد قدر الاستطاعة ، ولم يتكاسلوا عن إعداد العدة كما أمر الله ، والشاهد لذلك أنه لم يكن للمسلمين قبل بدر من عدة للجهاد ، وقد تجرأت عليهم قريش ، فانطلقوا بالبعير والسلاح لقتال رسول الله r ، لكن الله تعالى علم أنهم يفتقرون إليه ويتضرعون ، وقد انقطعت عنهم السبل والأسباب للإعداد للجهاد ، فثبتهم وأيدهم بالملائكة ونصرهم وأرعب عدوهم منهم .

 

لاسيما وأن الدولة المسلمة في المدينة كانت حديثة النشأة ، وكذلك الحال في غزوة أحد ، وكذلك الحال في غزوة الأحزاب إذ ردهم بالريح ، فلما استعد المسلمون للجهاد حصل اتفاق الحديبية وحصلت الهدنة مع قريش ، وعندئذ هابهم أعداءهم فحصل فتح مكة بلا قتال ، ثم توالت فتوحات المسلمين بعد ذلك ، وقد أعدوا العدة لكل فتح ولا يزال التوكل على الله هو مفتاح النصر مع الصبر .

 

قوله (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ...) (60) أشارت الآية إلى أن الرباط في سبيل الله لا يقل أهمية عن الجهاد ، ومعناه لغة الحبس أو الاحتباس ، وشرعا ملازمة الثغور أي المناطق الحدودية على وجه الخصوص لحمايتها من أي عدو قادم ، وهو عبادة عظيمة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r يَقُولُ (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ)[3].

قال المناوي (أصل الرباط ما تربط فيه الخيل ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمن خلفه رباط وأخذ منه مشروعية ملازمة -العبادة- للربط لأن المرابط يدفع عمن خلفه والمقيم في الرباط على التعبد يدفع به وبدعائه البلاء عن العباد والبلاد لكن ذكر القوم للمرابطة بالزوايا والربط شروطاً منها قطع المعاملة مع الخلق وفتح المعاملة مع الحق وترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبب الأسباب وحبس النفس عن المخالطات والمعاملات واجتناب التبعات وملازمة الذكر والطاعات وملازمة الأوراد وانتظار الصلاة بعد الصلاة واجتناب الفضلات وضبط الأنفاس وحراسة الحواس فمن فعل ذلك سمى مرابطاً مجاهداً ومن لا فلا)[4].

 

وفي قوله (وأجرى عليه رزقه) قال النووي (هذه فضيلة ظاهرة للمرابط وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد وقد جاء صريحا في غير مسلم كل ميت يختم على عمله الا المرابط فانه ينمى له عمله إلى يوم القيامة)[5].

 

فالرباط بذاته كاف لتحقيق جهاد الدفع ، حيث إن مجرد الإعداد للجهاد في سبيل الله تعالى وملازمة ثغور البلاد يرهب الأعداء إرهابا يعزوفون بسببه عن مجرد التفكير في المواجهة ، كما يلقي الرعب في قلوب المنافقين أن ينقلبوا عليهم  ، قال تعالى (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) (آل عمران/151)

 

فحري بنا في هذه الآية أن نتحدث عن أربع مسائل على النحو التالي : -

 

 

  • مفهوم الجهاد في الإسلام والرباط في سبيل الله
  • طريقة الإعداد للجهاد
  • أثر الإعداد للجهاد في إرهاب أعداء الله تعالى
  • نفقة الجهاد في سبيل الله

 

المسألة الأولى : مفهوم الجهاد في الإسلام والرباط في سبيل الله

 

الإعداد للجهاد يتطلب -أولا- الالتزام بالعبادات ، قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران/200) ، فالرباط في سبيل الله يعني الملازمة والمداومة على الطاعة ، وقد جعل الله تعالى في كل عبادة شرعها معنى الرباط في سبيل الله تعالى ، ذلك أن مجاهدة النفس وحملها على الطاعة واجتناب المعصية أصل الجهاد ، قال رسول الله r (الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ)[6]

 

قال المناوي (وجهادها أصل جهاد العدو الخارج فإنه ما لم يجاهد نفسه لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه لم يمكنه جهاد العدو الخارج وكيف يمكنه جهاد عدوه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه ؟ وما لم يجاهد نفسه على الخروج لعدوه لا يمكنه الخروج)[7]

 

وقال الهروي (فالمجاهد ليس من قاتل الكفار فقط، بل المجاهد من جاهد نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشد عداوة من الكفار؛ لأن الكفار أبعد والقتال معهم حيناً بعد حين، وأما النفس فملازمة له ، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلزم الرجل أشد من القتال مع العدو الذي هو بعيد)[8].

 

وعليه فإن الناظر إلى عبادة المسلمين في الصلاة والزكاة والصيام والحج يجد أنها تدريب للمسلمين على هذا المعنى ، فالمشي إلى المساجد خمس مرات خلال اليوم والليل وفي أوقات محددة ، والاحتباس في المسجد حتى الإقامة ، ثم الانتظام في الصف والتسوية ، ومتابعة الإمام في كل حركة وسكنة ، والانتظار للصلاة التي بعدها ، كل ذلك يؤكد معنى الرباط في سبيل الله ، قال رسول الله r (أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)[9] أي (قائم مقام المرابطة في الجهاد)[10]، أي أن الذي يجاهد في العبادة هو هو الذي يجاهد في ميدان القتال ، والعكس بالعكس .

ولذلك قال الشاعر : من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الكفاح)

 

كذلك بالنسبة لعبادة الصوم حيث يحمل الصائم نفسه على الصبر على الجوع والعطش والامتناع عن الزوجة ، والجهاد يتطلب تدريب على مثل تلك الأمور ، قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(التوبة/120) ، فكل ذلك من مقومات الإعداد النفسي والبدني للجهاد في سبيل الله

 

وكذلك الزكاة فيها من بذل المال ما يتدرب عليه المجاهد عندما يبذل كل ماله ونفسه في سبيل الله ، عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قُلْتُ مِثْلَهُ قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قُلْتُ لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا)[11]

 

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ شَهِدْتُ النَّبِيَّ r وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا- يعني بأكسيتها- فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَيَّ ثَلَاثُ مِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَنْزِلُ عَنْ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ)[12]

 

ولا يخفى ما في الحج من معاني كثيرة تتضمن معنى الرباط في سبيل الله منذ الإحرام عن الملبس والنساء والصيد وهجر الدنيا بما تضمنه من أهل وعمل وكسب ،والانشغال بالطواف والسعي والوقوف بعرفة ، وما تضمنه رمي الجمرات من معاني ، قال رسول الله (ألا إن القوة الرمي) ، حتى أن النبي r سمى الحج بالجهاد ، فقال (أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)[13] وذلك في معرض رده على سؤال عائشة رضي الله عنها عن جهاد النساء ، قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ (لَا لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)[14] .

 

وفي قوله (وَأَعِدُّواْ لَهُم..) والخطاب هنا للمؤمنين ، فلا يلتحق بجهاد إلا مؤمن ، وأية ذلك أن النبي r رفض الاستعانة بمشرك في القتال ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَ يَحْيَى إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ r لِيُقَاتِلَ مَعَهُ فَقَالَ ارْجِعْ ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَالَ إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ)[15]، فلو كان الأمر يقتصر على العدة والعدد والتدريب والسلاح لتساهل النبي في قبول من يريد أن يقاتل معه من المشركين ، ولأقبلت عليه قبائل العرب بعد بدر ، وزادت أعداد جيشه في وقت قليل ، ولكنه لم يفعل ذلك ، لأن هذا الجيش رباني يقاتل لكي تكون كلمة الله هي العليا ، ولا يقاتل لمغنم ولا لأجل الحمية أو العصبية أو الشجاعة .

 

ولا يغير من هذا المفهوم أن النبي r أبرم دفاع مشترك مع يهود المدينة (وثيقة المدينة) لأن هذه الوثيقة تعني الاحتفاظ لجيش رسول الله r بتنظيمه وطابعه العسكري وقيادته وأسلحته الخاصة ، بعيدا عن التنظيم العسكري لجيوش اليهود وقياداتهم وأسلحتهم ، كل ما في الأمر هو تحقيق الدفاع المشترك كل في موقفه وحصنه عن المدينة من أي عدوان خارجي ، أي أن هذا الدفاع في إطار مبدأ "المواطنة" في إطار تكوين اتحاد كونفدرالي أو حلف عسكري متى حصل عدوان خارجي عليهما جميعا ، وهو حلف اقتضته اعتبارات الضرورة الجغرافية وكونهم يعيشون في بلد واحد .

 

كما لا يغير مما تقدم استعارة أو شراء السلاح من الكفار ، فصفقات التسليح ممن يملكه لا تخضع لمبدأ الولاء والبراء ، ولا تخضع لحظر الاستعانة بمشرك ، لأنها عمل منفصل عن التنظيم العسكري ،وإن كانت تهدف إلى تقويته ، لكن قبل إمضاء العقد واستلام السلاح فهو عمل مدني ، يخضع لما تخضع له الاتفاقات التجارية من أخذ الضمانات الكافية التي تؤكد العقد وتنفيذه وفقا لمبدأ حسن النبية ، فعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ خَيْبَرَ أَدْرَاعًا فَقَالَ أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ ، قَالَ فَضَاعَ بَعْضُهَا ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ ، فَقَالَ أَنَا الْيَوْمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ)[16]

 

ثم يتوسع مفهوم الجهاد في الإسلام ، والرباط في سبيل الله ، فلا يقتصر على أداء العبادات كما هو  جهاد النساء الذي يعني الرباط علي العبادة وحسن تبعل الزوج ، بل إنه بالنسبة للرجال لابد وأن يعدوا العدة المسلحة لجهاد العدو ، كما لا يتقصر على الإعداد النفسي للجهاد بالتربية البدنية والتريض وحسب ، بل لابد من جهاد حقيقي يتم الإعداد له.

 

وفي قوله (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم..) (60) فالاستطاعة مناط التكليف ، ومعنى ذلك أن التكليف المأمور به شرعا في هذا الشأن هو بذل كل ما في الوسع والقدرة للإعداد للجهاد والاستعانة بأسبابه المادية دون تكاسل أو تخاذل ، قال الشيخ أبو بكر الجزائري (وهذا ما يعرف بالسلم المسلح ، وهو أن الأمة إذا كانت مسلحة قادرة القتال يرهبها أعداؤها يحاربونها ، وإن رأوها لا عدة لها ولا عتاد ولا قدرة على رد أعدائها أغراهم ذلك بقتالهم فقاتلوها)[17] ، آية ذلك قوله تعالى (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) (النساء 102).

 

 وعليه كان لابد من الاعداد للجهاد بمعنى الاستعداد له في كل وقت ، فلا يرى العدو المسلمين منصرفين عن الجهاد فيغريه ذلك للهجوم عليهم ، قال رسول الله r (من مات مرابطا جرى له مثل ذلك الأجر وأجري عليه الرزق وأومن من الفتان)[18]، وهو ما يعني أنه يجب على المسلمين أن يستنفروا طائفة منهم يقومون بأداء هذا الواجب حتى الممات ، أي تكوين جيش مسلح مستعد في كل وقت لهذا الأمر .

 

 ولاشك أنه يتعذر على المسلمين كافة أن ينشغلوا بالجهاد المسلح والاستعداد له ، فينشغلوا به جميعا كل الوقت ، لأن في الأمة فروض أخرى يجب أن يقوم بها البعض الآخر كأعمال البناء والهندسة والطب والتدريس والصناعات والزراعة والتعدين ...الخ ، ولذلك يكون من المناسب أن يوزع هذا الدور على شباب وأبناء الأمة بالتناوب ، لما يتميز به سن الشباب بالصحة والفتوة والقوة ، وهو ما تسميه القوانين الوضعية بسن التجنيد ، ولا شك أن الثواب والأجر عظيم لمن يضحي بوقت عمله لأجل أداء هذا الواجب ويتفرغ له عن جموع الأمة ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا ، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا)[19].

 

المسألة الثانية : طريقة الإعداد للجهاد

 

ففي قوله (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم..) بيان لحد الإعداد المطلوب شرعا للجهاد ، وأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ذلك أن عدة الجهاد شاقة على كل أحد ، فما من قوم أعدوا للجهاد إلا استنفذوا أموالهم وطاقتهم  ، ولم يبق لهم إلا القليل ، فعدة الجهاد شاقة ، ولكن الشارع خفف التكليف وجعل الإعداد للجهاد لا يخرج عن حد الاستطاعة ، فهو تكليف بما هو مقدور ، أما ما ليس بمقدور فليس المسلمون مطالبين به ، ولو بذل المسلمون ما في وسعهم وما في استطاعتم من الإعداد للجهاد في سبيل الله ولم يدخروا وسعا ولا جهدا ما تسلط عليهم عدوهم ليذيقهم بأسه .

 

ولذلك جعل الشارع نصاب الشرعي لعدد الجند باثنا عشر ألفا ، فعنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)[20] ، فقوله (لا يهزم اثنا عشر ألفا من قلة) قال الطحاوي (معناها إذا صبروا وصدقوا)[21]، حيث (خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى على لِسَانِ رسول اللهِ r الاِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كما خَصَّهَا بِهِ أَنْ لاَ تَفِرَّ مِمَّا فَوْقَهَا من الأَعْدَادِ وَأَخْبَرَ على لِسَانِ نَبِيِّهِ r أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا من قِلَّةٍ)[22]،

وقال (تأملنا ما في هذا الحديث فوجدنا فرض الله قد كان على عباده أن لا يفر عشرون صابرون من مائتين بقوله تعالى (يا أيها النبي حرض المؤمنين الآية) فكان الفرض عليهم في ذلك أن لا يفر قوم من عشرة أمثالهم ثم خفف الله تعالى ذلك عليهم رحمة بهم فأنزل (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا الآية) فعاد الفرض عليهم أن لا يفروا من مثلهم ، وكان ذلك مطلقا في قليل العدد وفي كثيره ثم خص الله تعالى على لسان رسول الله r الاثني عشر ألفا كما خصها به أن لا تفر مما فوقها من الأعداد وأخبر على لسان نبيه r أنهم لن يؤتوا من قلة) [23]

قال أبو الطيب (من قلة ) معناه أنهم لو صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر أخر كالعجب بكثرة العدد والعدد وغيره  قال العلقمي أي إذا بلغ الجيش اثنا عشر ألفا لن يغلب من جهة قلة العدد)[24]

 وقال الطيبي (ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين وكانوا اثني عشر ألفا لن نغلب اليوم من قلة ، وإنما غلبوا من إعجاب منهم ، قال تعالى (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) وكان عشرة الآف من أهل المدينة وألفان من مسلمي فتح مكة)[25]

فإذا تجرد جند الله من الدنيا وطلب المغنم ، وتربوا على العقيدة الصحيحة والسنة المطهرة، وبلغوا ذاك العدد ، فقد أعدوا العدة من حيث العدد، ولم يتبق لهم غير أن يعدوا عدة السلاح ، وبذلك يكونوا قد بلغوا حد الاستطاعة الذي إن بلغوه لن يغلبوا بإذن الله.

 

وقد لخصت قصيدة القرضاوي المقصود بحد الاستطاعة في الجهاد في سبيل الله ، وإعداد العدة في تلك الأبيات


يا أمتي وجب الكفاح فدعي التشدق والصياح  ***  ودعي التقاعس ليس ينصر من تقاعس واستراح
ودعي الرياء فقد تكلمت المذابح والجراح *** كذب الدعاة إلى السلام فلا سلامُ ولا سماح
ما عاد يجدينا البكاء على الطلول ولا النواح *** لغة الكلام تعطلت إلا التكلم بالرماح
إنا نتوق لألسنٍ بكم على أيد فصاح ***  يا قوم.. إن الأمر جدُ قد مضى زمن المزاح
سموا الحقائق باسمها فالقوم أمرهمو صراح  ***   سقط القناع عن الوجوه ، وفعلهم بالسر.. باح
عاد الصليبيون ثانيةً.. وجالوا في البطاح  *** عاثوا فساداً في الديار كأنها كلأ مباح
عادوا يريقون الدماء ، لا حياء من افتضاح   ***  والباطنية مثلوا الدور المقرر في نجاح
دور الخيانة وهو معلوم الختام والافتتاح  ****    عادوا وما في الشرق (نور الدين) يحكم أو (صلاح)
كنا نسينا ما مضى لكنهم نكئوا الجراح   ****    لم يخجلوا من ذبح شيخ, لو مشى في الريح طاح
أو صبية كالزهر لم ينبت لهم ريش الجناح  ****   لم يشف حقدهمو دم سفحوه في صلف وقاح
عبثوا بأجساد الضحايا في انتشاء وانشراح  ***   وعدوا على الأعراض لم يخشوا قصاصا أو جناح
ما ثم (معتصم) يغيث من استغاث به أو صاح  ****   أرأيت كيف يكاد للإسلام في وضح الصباح؟
أرأيت أرض الأنبياء, وما تعاني من جراح؟  ****  أرأيت كيف بغى اليهود, وكيف أحسنا الصياح؟
غصبوا فلسطينا وقالوا: مالنا عنها براح   ****   لم يعبأوا بقرار (أمن), دانهم أو باقتراح
عاد التتار يقودهم جنكيز ذو الوجه الوقاح  **** عادت جيوشهمو تهدد بالخراب والاجتياح
عادوا ولا (قطز) ينادي المسلمين إلى الكفاح  ****  لولا صلابة فتية غر, بدينهمو شحاح
بذلوا الدماء, وما على من يبذل الدم من جناح  *** عاد المروق مجاهرا ما عاد يخشى الافتضاح
نفقت هنا سوق النفاق تروج الزور الصراح*** فيها يباع الفسق تحت اسم الفنون والانفتاح
وترى الفساد يصول جهرا في الغدو وفي الرواح *** من كل أكذب من مسيلمة, وأفجر من سجاح
وجد الحصون بغير حراس, لها فغدا وراح ***ومضى يعربد, لا يبالي, في حمانا المستباح
وتعالت الأصوات تدعو للفجور وللسفاح *** مسعورة, إن رحت تزجرها تمادت في النباح
ما من (أبي بكر) يؤدبهم ويكبح من جماح  ***يا أمة الاسلام هبوا واعملوا، فالوقت راح
الكفر جمع شمله فلم النزاع والانتطاح؟  ***  فتجمعوا وتجهزوا بالمستطاع وبالمتاح

يا ألف مليون, وأين همو إذا دعت الجراح؟  ***  هاتوا من المليار مليونا, صحاحا من صحاح
من كل ألف واحدا أغزوا بهم في كل ساح  **** من كل صافي الروح يوشك أن يطير بلا جناح
ممن يخف إلى صلاة الليل بادي الارتياح  *** ممن يعف عن الحرام, وليس يسرف في المباح
ممن زكا بالصالحات, وذكره كالمسك فاح  ***  ممن يهيم بجنة الفردوس لا الغيد الملاح
من همه نصح العباد وليس يأبى الانتصاح  ***  يرجو رضا مولاه, لم يعبأ بمن عنه أشاح
مر على أعدائه ولقومه ماء قراح *** إن ضاقت الدنيا به وسعته (سورة الانشراح)

لا بد من صنع الرجال ، ومثله صنع السلاح  ***  وصناعة الأبطال علم فى التراث له اتضاح
ولا يصنع الأبطال إلا فى مساجدنا الفساح  ***  فى روضة القرآن فى ظل الأحاديث الصحاح
فى صحبة الأبرار ممن فى رحاب الله ساح  ***  من يرشدون بحالهم قبل الأقاويل الفصاح
وغراسهم بالحق موصول, فلا يمحوه ماح *** من لم يعش لله عاش وقلبه ظمآن ضاح
يحيا سجين الطين, لم يطلق له يوما سراح  ****  ويدور حول هواه يلهث ما استراح ولا أراح
لايستوي في منطق الإيمان سكران وصاح  ****  من همه التقوى وآخر همه كأس وراح
شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح *** شعب بغير عقيدة ورق تذريه الرياح
من خان (حي على الصلاة) يخون (حي على الكفاح) ***يا أمتى , صبراً، فليلك كاد يسفر عن صباح

لابد للكابوس أن ينزاح عنا أو يزاح *** والليل إن تشتد ظلمته نقول: الفجر لاح

وفي قوله (..مِّن قُوَّةٍ..) شملت القوة المشار إليها في الآية الإعداد البدني للمسلم ، فضلا عن الآلة التي يجاهد بها العدو ، وما يتطلبه من علم لصناعتها وتشغيلها وصيانتها ، والتدريب عليها ، فهي كناية عن ذلك كله .

 

فأما الإعداد البدني فذلك ثابت بقول رَسُولُ اللَّهِ r (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ)[26] ، والقوة أمر نسبي يختلف من شخص لآخر ، بيد أن المقصود الحفاظ على قوة الجسد والاهتمام به دون إهماله ، وذلك ثابت بقول رسول الله r (وَلِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا)[27]، ويكون ذلك بمراعاة التغذية الجيدة ، لأنها مما ينفع المؤمن وينبغي أن يحرص عليه ، وكذا التريض المنتظم ، والتنوع في التدريبات ، وكل ما يعمل على تقوية البدن .

   

 

 قال الطيبي (العدة لا تُستتب بدون المعالجة والإدمان الطويل) [28]، وهو الأمر الذي يتطلب صبر ومصابرة ، وجهاد ومجاهدة ، ولن يصبر على التدريب وإعداد العدة إلا من امتلك قوة العزيمة ، وهو ما عناه النووي بقوله (والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه وأشد عزيمة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والاذكار وسائر العبادات وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك) [29] .

 

وأما ألة الحرب فالغاية بذل قدر الاستطاعة دون أن يدخر وسعا لذلك ، بثلاثة أمور (تحصيل العلم لصناعته ، تمويل تلك الصناعة ، التدرب على آلة الحرب

 أولا بتحصيل العلم الكافي لصنعة آلة الحرب ، كما علم الله داود صنع الدروع ، فقال سبحانه (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (الأنبياء80) ،  وقوله (..وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سبأ11) ، فقوله (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) يعني أن يجعل قميص المجاهد المصنوع من حلقات حديدية مرنا بحيث يتحرك بسهولة وفي ذات الوقت تضيق حلقات القميص حتى لا تنفذ منها سهام الأعداء ، ما يعني مهارة الحرفة ودقة الصنعة .

وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنَبِّلَهُ)[30]، قال العلماء الجهاد يكون بالمال ويكون بتصنيع و شراء الأسلحة ، والمعدات للمجاهدين ، وما يلزمهم من طعام وكساء وغير ذلك )[31].

 

ثانيا : نفقة القتال : إذ لابد من تحصيل المال اللازم لتجهيز العدة وألة الحرب ، فهذا هو ثاني أمر للإعداد للجهاد ، ولابد للأمة كلها محاربيها وغير محاربيها أن تشارك في هذا الأمر وتتضافر جهود النساء والرجال ، ولا فرق ، لبذل نفقة الجهاد من أموالهم الخاصة ، وكان خمس الغنيمة مصدرا أساسيا لتمويل فتوحات المسلمين ، لاسيما بعد فتح دول كبرى مثل الفرس والروم ،وإنفاق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر النبي r بذلك.

كذلك ضريبة الخراج التي كانت تفرض على الأراضي المفتوحة عنوة ولا توزع على المقاتلين ، وكذلك الجزية التي كانت تستقطع من غير المسلمين مقابل الحماية لهم ، فكانت تصب في بيت مال المسلمين لتجهيز نفقات الجيش والدفاع ، وفي الأخير صدقات المسلمين التي كانوا يتبرعون بها في سبيل الله .

 

ثالثا بتجهيز الجند للتدريب علي ألة الحرب ، فإن الشعوب تقاتل كما تتدرب ، وقد روي أن رَسُولَ اللَّهِ r كان يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)[32]، فهذا تفسير منه r لمعنى القوة ، حيث يصيب الرمي العدو من مسافة بعيدة ، فيمنعه من الاقتراب ، قال القرطبي إنما فسر القوة بالرمي وأن كانت القوة تظهر باعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤنة لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه) [33]

قال الطيبي (وليس شيء من عدة الحرب وأداتها أحوج إلى المعالجة والإدمان عليها مثل القوس والرمي بها ولذلك كرر صلوات الله وسلامه عليه تفسير القوة بالرمي بقوله ( ألا ) للتنبيه (إن القوة الرمي ) أي هو العمدة ) [34]، وعَنْ رَسُول اللَّهِ r قَالَ (سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ ، فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ)[35]، ففيه دليل على استحباب التدريب على ألة الرمي وهي السهم ، والتصويب به .

   

 

ويشمل ذلك في زمننا ألات التصويب الخفيفة كالمسدسات والثقيلة كقاذفات القنابل والصواريخ ...الخ ، وهو ما تفعله الجيوش المدربة خلال فترات التجنيد ليظل التدريب على تلك الآلات متوارثا جيلا بعد جيل .

فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ أَنَّ فُقَيْمًا اللَّخْمِيَّ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ تَخْتَلِفُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْكَ ، قَالَ عُقْبَةُ لَوْلَا كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r لَمْ أُعَانِيهِ قَالَ الْحَارِثُ فَقُلْتُ لِابْنِ شَمَاسَةَ وَمَا ذَاكَ قَالَ إِنَّهُ قَالَ (مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى) [36]، قال المناوي (من علم الرمي) أي رمي النشاب (ثم تركه فليس منا) أي من علم رمي السهم ثم تركه فليس من المتخلقين بأخلاقنا والعاملين بسنتنا أو ليس متصلا بنا ولا داخلا في زمرتنا ، وهذا أشد ممن لم يتعلمه لأنه لم يدخل في زمرتهم وهذا دخل ثم خرج فكأنه استهزاء به وهو كفران لتلك النعمة)[37] .

 

وفي قوله (وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ) إشارة إلى آلات نقل الجند والمعدات والقدرة على تحريك الجيوش بسرعة من مكان لآخر ، والقدرة على اختراق الصفوف الأمامية للعدو ،وهو ما يسمى قديما بسلاح الفرسان ، وحديثا بسلاح المدرعات .

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ)[38]، فقد كانت في زمان رسول الله r سرعة المجاهد تقاس بسرعة الخيل ، وستظل الخيل رمزا للجهاد  إلى يوم القيامة لاسيما في الحروب الجبلية أو الصحراوية طويلة الأمد ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[39]، وعنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ)[40].

حيث تتميز الخيل بأنها تتغذى على ما يملأ بطونها من خشاش الأرض، فعنَّ النَّبِيَّ r قَالَ (الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرًا وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ)[41]، بينما تحتاج الآلات الحربية إلى مواد بترولية لإنتاج الطاقة المحركة لها مثل السيارات والطائرات والمدرعات ، فإذا نفدت لم تكن لها فائدة.

 

والتاريخ الإسلامي شاهد على سبق المسلمين لعلوم تطوير الأسلحة قبل أعدائهم ، فهذا محمد الفاتح يتبنى أفكار المهندس المجري (أوربان) الذي صمم المدفع العملاق (الدردنيل) وقد عجز البيزنطيون عن تمويل مشروعه ، فأشرف السلطان على صناعته وساعده مهندسيون عثمانيون مثل صاروجة ومصلح الدين في الصب والتطوير مما ساهم في تدمير أسوار القسطنطينية [42]، وكان عاملا حاسما لفتحها ، وهو موجود الآن في متحف بريطانيا بعد إهداء السلطان عبد العزيز الأول به للملكة فيكتوريا.

كذلك سحب السفن برًا: ابتكار استراتيجي عبقري تم فيه سحب السفن الحربية على أعمدة خشبية فوق الجبال والالتفاف حول سلاسل البيزنطيين البحرية وإنزالها في البحر مجددًا، وهو ما فاجأ العدو. 

الصواريخ الحارقة: ذكرت مخطوطات (مثل مخطوطات حسن الرماح) وصفًا دقيقًا لـ "الطيار" أو الصواريخ التي استعملها العثمانيون لاحقًا.

الأسلحة النارية: كان المماليك والعثمانيون من أوائل من استعملوا البارود المتفجر في الحروب. 

 

كذلك استخدم صلاح الدين عددا كبيرا من المنجنيقات الثقيلة المتطورة ، وأبرزها المنجنيق ذو الثقل الموازن (Trebuchet)  الذي كان يستخدم في الشرق الأوسط في القرن الثاني عشر قبل انتشاره في مناطق أخرى. نجحت هذه الآلات في قصف أسوار المدينة وتحطيم أبراجها بفعالية عالية.

كذلك استخدم المهندسون العسكريون في جيش صلاح الدين النقب (حفر أنفاق تحت الأسوار) كاستراتيجية رئيسية(Mining/Sapping):   فتمكنوا من حفر أنفاق تحت أسوار المدينة، وخاصة بالقرب من جبل الزيتون، مما أدى إلى انهيار جزء من السور في 29 سبتمبر 1187م.

كذلك استخدام النار الإغريقية (Greek Fire):  ، وهي مادة حارقة شديدة الخطورة، لإحراق التحصينات الخشبية للصليبيين وشغلهم عن الدفاع.

كما اعتمد صلاح الدين على أبراج خشبية متحركة ، أبراج الحصار المتحركة (Siege Towers):  لتمكين جنوده من تسلق الأسوار العالية ومواجهة المدافعين في نفس المستوى.

كما عملت جيوش صلاح الدين تطوير "المدفعية" الجاهزة (Prefabricated Artillery):  بنقل أجزاء المنجنيقات وتجهيزها مسبقاً في دمشق أو غيرها، ثم تجميعها بسرعة فائقة أمام الأسوار ، وسُجلت قدرتهم على تجميع أربع آلات حصار في غضون ثلاثة أيام فقط.

 

وهذا لا يعني تجاهل التطور الرهيب الحاصل في الآلة الحربية في في زمننا سواء البرية أو الجوية أو البحرية .

   

فأضحى تعلم العلوم التي تجعل الأمة قادرة على صناعة الآلات الحربية الحديثة بكل أنواعها فرض على الكفاية [43]، كما أن إعداد مراكز تعليم وكليات ومعاهد عليا متخصصة في تلك الصناعات أضحى ضرورة ملحة ، وواجب يجب علي ولاة الأمور القيام به .

 

المسألة الثالثة : أثر الإعداد للجهاد إرهاب أعداء الله

 

ففي قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ..) (60) أي تحقيق الغاية من الإعداد للجهاد وهو ما ذكره أبو بكر الجزائري بقوله (الجهاد السلمي) ، فبمجرد إعداد عدة الجهاد تتحقق الغاية بإرهاب العدو ، وردعه ،  فيمتنع عن مهاجمة ديار الإسلام ، قال رسول الله r (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ) [44]، أي (بخوف العدوّ مني ، والمعنى نصرني الله بالقاء الخوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر يعني بيني وبينهم من سائر نواحي المدينة وجميع جهاتها)[45].

 

ولما كانت قوة العبد قاصرة وقوة الله هي الغالبة ، كما في قوله(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف/21)، وقوله (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ)(آل عمران/160) ، فإنه لابد من أن يستعين العبد بربه لا بقوته وإلا ضل وخاب ولم يدرك قصده ، فإذا استعان بالله ، فإن الله تعالى يعطيه قوة من عنده ، (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة/56) ، لكن الله سبحانه يختبر عباده ، فيشرع لهم من أسباب القوة ما إن التمسوها مع توكلهم عليه أعانهم ، وإن تخاذلوا في التماسها لم يعنهم ولم ينصرهم ، قال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد/7)، فإن التمسوها كما أمر الله كانوا جندا لله بحق ، فيستعملهم وينتصر بهم ، قال تعالى (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات/173) .

 

 وقد فهم صاحب الإشارة هذه المعاني فجمع بين الأمرين ، فقال ابن عجيبة (سمى الله آلة القتال بـ "قوة" ، وتلك القوة قوة الإلهية التي لا ينالها العارف من الله إلا بخضوعه بين يديه ، ويغريه إلى الدعاء عليهم ، فيأخذهم بلحظة ، ويسقطهم صرعى بين يديه بعونه وكرمه) [46]، قال صاحب الإشارة (رمى نبي الله r إلى منكريه حين قال « شاهت الوجوه » وهذا الرمي من الله بقوله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)[47] ، وهذا المعنى أشار إليه قول رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا)[48] .

 

 وفي قوله (..وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ..) (60) قال مقاتل يعني المنافقين (الله يعلمهم) يقول : الله يعلم ما في قلوب المنافقين من النفاق الذي يسرون) [49]، قال أبو حيان أي (لا تعلمون أعيانهم وأشخاصهم إذ هم متسترون عن أن تعلموهم بالإسلام .. الله يعلّمهم بتلك الحالة والظاهر أن يكون إشارة إلى المنافقين كما قلنا على جهة الطّعن عليهم والتنبيه على سوء حالهم وليستريب بنفسه كلّ من يعلم منها نفاقاً إذا سمع الآية وبفزعهم ورهبتهم غنى كبير في ظهور الإسلام وعلوّه)[50].

 

وعند التأمل في حديث النَّبِيِّ r قَالَ (لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) [51]، ورواياته تجد أنها جميعا تبين أهمية الرباط في سبيل الله لإرهاب أعداء الدين من الداخل والخارج سواء ، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ)[52] ، وعن رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[53]، وعن رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)[54]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَلَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[55]، وعن رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ)[56]، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)[57].

 

ففي الروايات المتقدمة وردت هذه الألفاظ (لا يضرهم من خذلهم) ، (أو خالفهم) ، ( ظاهرين على من ناوأهم) ، (لا يضرهم من خالفهم) ، وجميعها تشير إلى ما ذكرته الآية من قوله سبحانه (وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ) أي المنافقين الذي يخالفون الطائفة التي تقاتل على الحق ، الظاهرون به ، العصبة المجاهدة في سبيل الله ، فهم يناوئونهم ويخذلونهم ، ولكن استعداد هذه الطائفة للقتال يرهب المنافقين الذين يحسبون أنهم مهتدون .

 

المسألة الرابعة : نفقة الجهاد في سبيل الله

 

وفي قوله (..وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (60) قال ابن عجيبة أي (في شأن الاستعداد ، وغيره مما يستعان به على الجهاد)[58] ، قال الخازن (قيل أراد به نفقة الجهاد والغزو وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخير والطاعة فيدخل فيه نفقة الجهاد وغيره)[59] ، قال الطبري (وما أنفقتم أيها المؤمنون من نفقة في شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كراع أو غير ذلك من النفقات، في جهاد أعداء الله من المشركين يخلفه الله عليكم في الدنيا، ويدخر لكم أجوركم على ذلك عنده حتى يوفيكموها يوم القيامة)[60] .

 

فالإنفاق في سبيل الله دليل إخلاص نية المجاهد لله ، فإذا كان المجاهد يبذل ماله في سبيل الله فكيف يقصد الغنيمة ! إنما تأتيه عرضا ولا يطلبها قصدا ، وإذا كان يُهلك نفسه في سبيل الله ، فكيف يقصد شفاء غليله من الذين كفروا ! إن صدره يشفى تبعا ، لا انتقاما ، فالإنفاق  دليل الإخلاص لله في جهاده بماله وبنفسه ، قال القشيري (المجاهد لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها ، أو لاشتفاء صدره من قضية حقد ، بل قصده أن تكون كلمة الله هي العليا) [61].

 

 قَالَ النَّبِيُّ r (مَنْ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[62]، قال ابن عاشور (وإذا قد كان إعداد القوة يستدعي إنفاقا، وكانت النفوس شحيحة بالمال، تكفل الله للمنفقين في سبيله بإخلاف ما أنفقوه والإثابة عليه ، وجعل الإنفاق كالقرض لله ، وسمي جزاءه "توفية" على طريقة الاستعارة المكنية ، أي : أداء الحق كاملا)[63] .

 

ولما كان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وكانت نفقة الجهاد لا تتم إلا باقتصاد قوي ، فلا يقوم عليه فرد أو طائفة أو جماعة ، وإنما لابد من الأمة بأسرها أن تنهض لسداد تكلفة الجهاد في سبيل الله بما تستقطعه من إيرادات قومية من الدخل القومي ، كان لابد -أولا- لإعداد عدة الجهاد أن تنهض البلاد اجتماعيا واقتصاديا وتعليميا حتى ترقى لمصاف حد الاستطاعة الذي أمرها الله به ، فتهتم بالزراعة والصناعة والتجارة والاقتصاد ، وبقدر جلب الأموال لنفقة العيش تكون قد أعدت جيشا تنفق عليه مما تستقطعه من الإيرادات الداخلة لها من الاستثمار القومي .

 

 ولما كانت الجيوش تظل قائمة ومرابطة في حالتي السلم والحرب ، ولا فرق ، كان لابد من تخصيص نفقة دائمة لها ، فكان من المستساغ أن تنهض الجيوش بهذا العبء - كذلك - ، فتشترك مع الدولة المدنية في مجالات الاستثمار المتنوعة كالزراعة والصناعة والتجارة لتكفي جيشها باعتباره موازيا للمجتمع المدني ، ومن ثم جاز أن يتخصص جنود في الجيش لإدارة هذه الاستثمارات ، كما يجب على المجتمع المدني أن يستقطع من دخله نسبة تورد لأجل إعداد الجيش ، وهو ما نسميه الآن بـ (الضرائب) ، فضلا عن تخصيص أراضي الدولة لخدمة الجيش بالمجان .

 

 ولا غرو أن مشاركة الجيش في الاقتصاد خلال فترات السلم يعمل على تحريك دورة الاقتصاد القومي والاستثمار الإنمائي ، فإذا ما تحقق ذلك ، فإن ما يعود على الجيش من أرباح لأجل هذه المشاركة ، ينفق - أولا - لأجل أغراض التسليح والتدريب والخدمات العسكرية ، بهذا نفهم قوله تعالى (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أي أن هذه الأموال تعود فائدتها على المجتمع كله في الدنيا كذلك ، ينتفع به الجيش والأمة على السواء ، فقوله (وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) يتضمن معنى الجبر في أخذ أموال الضرائب لأجل أغراض الجيش ، وأنها وإن كانت تتضمن معنى الجبر إلا أنه لا ظلم فيها ، وهو ما يسمى الآن بمبدأ (العدالة الضريبية) .

 

ناهيك عن أن الآية تشير إلى الثواب في الآخرة ، قال رسول الله r (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا)[64]

 

 

[1] ) رواه البخاري ج10 ص 243 رقم 2812 ، تفسير ابن أبي حاتم ج3 ص 217

[2] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 51

[3] ) رواه مسلم ج10 ص 26 رقم 3537

[4] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 54

[5] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 61

[6] ) رواه الترمذي ج6 ص 163 رقم 1546 - وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 121

[7] ) فيض القدير ج6 ص 341

[8] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج1 ص 104 رقم 34

[9] ) رواه مسلم ج2 ص57 رقم 369

[10] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1040

[11] ) رواه أبو داود ج4 ص 494 رقم 1429 وصححه الألباني ج5 ص 365 صحيح أبي داود ج5 ص 365 رقم 1472

[12] ) رواه الترمذي ج12 ص 161 رقم 3633 وضعفه الألباني

[13] ) رواه البخاري ج9 ص 346 رقم 2576

[14] ) رواه البخاري ج5 ص 399 رقم 1423

[15] ) رواه أبو داود ج7 ص 367 رقم 2356 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 232 رقم 2732

[16] ) رواه أحمد ج30 ص 315 رقم 14763

[17] ) أبو بكر الجزائري : أيسر التفاسير ج2 ص 51

[18] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 90 رقم 2422 وقال الذهبي صحيح ، ورواه النسائي ج10 ص 246 رقم 3116 وصححه الالباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 239

[19] ) رواه البخاري ج10 ص 19 رقم 2678

[20] ) رواه الترمذي ج6 ص 50 رقم 1476 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 55 رقم1555 والسلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص60 رقم 986 وقال (أخرجه أبو داود ( 1 / 407 ) و الترمذي ( 1 / 294 ) و ابن خزيمة في " صحيحه " (1 / 255 / 1 ) و ابن حبان ( 1663 ) و الحاكم ( 1 / 443 و 2 / 101 ) و أحمد ( 1/ 294 ) و عبد بن حميد في " المنتخب من المسند " ( 73 / 1 ) و محمد بن مخلد في" المنتقى من حديثه " ( 2 / 3 / 2 ) و الضياء في " المختارة " ( 62 / 292 / 2 ))

[21] ) بيان مشكل الآثار : الطحاوي ج2 ص 68

[22] ) شرح مشكل الآثار ج2 ص 49

[23] ) بيان مشكل الآثار : الطحاوي ج2 ص 68 وقال ( يذكر أن العمري العابد وهو عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب جاء إلى مالك فقال له يا أبا عبد الله قد نرى هذه الأحكام التي قد بدلت أفيسعنا مع ذلك التخلف عن مجاهدة من بدلها فقال له مالك إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف عن ذلك وإن لم يكن معك هذا العدد من أمثالك فأنت في سعة من التخلف عن ذلك وكان هذا الجواب من مالك أحسن جواب وإنما أخذه عندنا والله أعلم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس الذي رويناه ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة وبالله سبحانه)

[24] ) عون المعبود ج7 ص 193

[25] ) المباركفوري : تحفة الأحوذي ج5 ص 139

[26] ) رواه مسلم ج13 ص 142 رقم 4816

[27] رواه مسلم ج6 ص 41 رقم 1963

[28] ) عون المعبود ج7 ص 137

[29] ) شرح النووي على مسلم ج 16 ص 215

[30] ) رواه النسائي11ص332والحاكم في المستدرك على الصحيحين ، وأبو داود في سننه وأحمد ،وضعفه الألباني لوجود خالد بن زيد فهو مجهول ، اضطربوا في ضبط اسمه ، فأعله الحافظ العراقي بالاضطراب "تخريج الإحياء 252/2

[31] ) محمد بن جميل زينو المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة : منهاج الفرقة الناجية والطائفة المنصورة ج1 ص 6 طبعة 18

[32] ) رواه مسلم ج10 ص 32 رقم 3541

[33] ) فتح الباري ج6 ص 91

[34] ) عون المعبود ج7 ص 137

[35] ) رواه مسلم ج10 ص 33 رقم 3542

[36] ) رواه مسلم ج10 ص 34 رقم 3543

[37] ) فيض القدير ج6 ص  235

[38] رواه البخاري ج9 ص 451 رقم 2639

[39] رواه البخاري ج9 ص 449 رقم 2637

[40] رواه البخاري ج9 ص 453 رقم 2640

[41] رواه مسلم ج5 ص 141 رقم 1648

[42] ) علي محمد الصلابي : الدولة العثمانية عوامل النهوض ج1 ص 121 ، الفتوح الإسلامية عبر العصور ج361

[43] ) التشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة

[44] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323

[45] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 343 -346

[46] ) البحر المديد ج2 ص 369

[47] ) البحر المديد ج2 ص 369

[48] ) رواه البخاري ج20 ص 158 رقم 6021

[49] ) الدر المنثور ج4 ص 483 – تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 129

[50] ) البحر المحيط ج6 ص 106

[51] ) رواه مسلم ج10 ص 38 رقم 3546

[52] ) رواه مسلم ج10 ص 36 رقم 3544

[53] ) رواه مسلم ج10 ص 40 رقم 3548

[54] ) رواه مسلم ج10 ص 39 رقم 3547

[55] ) رواه مسلم ج10 ص 41 رقم 3549

[56] ) رواه مسلم ج10 ص 42 رقم 3550

[57] ) رواه مسلم ج10 ص 43 رقم 3551

[58] ) البحر المديد ج2 ص 269

[59] ) تفسير الخازن ج3 ص 212

[60] ) تفسير الطبري ج 14 ص 39

[61] ) تفسير القشيري ج3 ص 49

[62] رواه البخاري ج9 ص 455 رقم 2641

[63] ) التحرير والتنوير ج9 ص 147

[64] ) رواه مسلم ج9 ص 488 رقم 3511

  • الاثنين PM 05:17
    2026-04-27
  • 24
Powered by: GateGold