ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
العوامل الداخلية للنصر (الثبات عند اللقاء)
العوامل الداخلية للنصر
(الثبات عند اللقاء)
إذا كان للجهاد أسباب وأغراض ، فإن للنصر عوامل ذات صلة بالمجاهدين أنفسهم وأخرى بالأعداء ، ولن يتحقق النصر إلا بتضافر هذه العوامل بإذن الله ، تلك العوامل ذات الصلة بالمجاهدين يمكن أن نحددها في ستة من خلال فهمنا لما ورد بالآيات :-
أولا : التجرد من طلب المغانم .
ثانيا : أن يكون الهدف الاستيراتيجي للجهاد دعوة الناس للإسلام لا لقتالهم إلا اضطرارا .
ثالثا : عدم مهابة أعداء الله ، والثقة في الله .
رابعا : الثبات عند لقاء العدو والتزام الذكر .
خامسا : الحفاظ على وحدة المسلمين بإطاعة ولي الأمر ، والحذر من التنازع المؤدي إلى تفرق الكلمة .
سادسا : التجرد من التكبر وحب الرياء والظهور أمام الناس .
أولا : تجرد المجاهدين من طلب المغانم .
قوله (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال/41) فالجهاد في سبيل الله تعالى ليس من أجل مغنم أو مكسب دنيوي ، ولذلك تصدر لفظ (اعلموا) الآية للتنبيه على أن الغنيمة وإن جاز الترخص للمجاهدين بنصيب منها ، فإن حق الله فيها الخُمس للتذكير بأنها ليست حقا خالصا للمجاهدين ، بل يوجد حق لله فيها يقسم على من ذكرتهم الآية .
فالأصل أن المجاهد لا يأخذ شيئا من الغنيمة لأن جهاده خالص لله ، والغنيمة لم تحل لقوم قبل رسول الله r ، فإنما حلت له ولأصحابه لأجل التخفيف عليهم وقد هاجروا من أوطانهم وتركوا أموالهم وديارهم لله ، قال رسول الله r في الغنيمة (لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا)[1].
وعليه فإنه إن جاز تعجيل جزءً من نصيبهم في الدنيا ، فإنما ذلك على سبيل الترخص ، وهو ولا شك ينقص من نصيبهم في الآخرة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ)[2] ، و(فيه تسلية للذين لم يحصلوا شيئاً من الغزو – أي لم يغنموا- لأن الثواب الجزيل أمامهم وأنهم سيحصلون الأجر الكامل)[3]، قال النووي (الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم ، وأن الغنيمة هي فى مقابلة جزء من أجر غزوهم ، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثى أجرهم المترتب على الغزو وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر)[4] .
قال القونوي : (فالمجاهد متى غنم وسلم فقد حصَّل نصيب ما ينتفع به من الغنيمة من مأكول وغيره وهو ما يلزم لطبعه ، كما حصَّل من اللذة بالاستيلاء على العدو وقهره والتشفي والانتقام منه ونحو ذلك من حظوظ حيوانية .. ، فالسالم الغانم تعجل ثلثي أجره ، وهما حظ طبيعته ، وحظ نفسه الحيوانية ، وبقي له حظ "روحه" المدخر له في الآخرة)[5] ، ولعل هذا الخُمس الذي يخرجه الله من الغنيمة يذكره بحظه الثالث المدخر له في الآخرة .
قوله (فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) وهذا هو المقصد من الغنيمة ، أي مراعاة هذا الخمس هو الهدف الرئيسي من سلب الغنيمة ، فرغم أنه النصيب الأقل ، إلا أنه هو الهدف من تقسيمها ، فإذا فهم المجاهدون ذلك ساغ لهم أن يزيدوا من مقدار الخمس من أنصبتهم ، لأجل أن يوفروا حقهم للآخرة فلا ينقص ، فلهم أن يضعوه كله في سبيل الله أو بعضه ، فإن فعلوا ذلك فقد تحقق أول عامل من عوامل النصر ، وأنهم يقاتلون لأجل اليتامى والمساكين والمحتاجين كابن السبيل ، فكل ذلك في سبيل الله تعالى ، فإذا كان ذلك غرضهم سهل بذلك الفداء لأجله بأرواحهم وأموالهم .
وهذا هو فقه الصحابة في المسألة فإنهم يأخذون من الغنيمة ما يتقوتون به ، وما زاد عن ذلك فإن العرف جرى على إعادة تقسيمه بين المسلمين ، شاء من شاء وأبى من أبى ، فعن ن عبد الله بن أبي بكر قال : جاء بلال بن الحارث المزني إلى رسول الله r فاستقطعه أرضا فقطعها له طويلة عريضة فلما ولي عمر قال له يا بلال إنك استقطعت رسول الله r أرضا طويلة عريضة قطعها لك وان رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن ليمنع شيئا يسأله وإنك لا تطيق ما في يديك فقال أجل قال فانظر ما قويت عليه منها فأمسكه وما لم تطق فادفعه إلينا نقسمه بين المسلمين فقال لا أفعل والله شيء أقطعنيه رسول الله r فقال عمر والله لتفعلن فأخذ منه ما عجز عن عمارته فقسمه بين المسلمين)[6]
وأما قسمة الخمس فتكون على النحو التالي :-
أولا : السهم الذي لله : بمعنى أن ينفق في وجوه الخير الموصلة لسبيل الله ، ويقصد بها الأمور العاجلة التي تتقدم على سائر أصحاب القسمة ، كعلاج المرضى ، وشراء السلاح ، وما يلزم للجهاد في سبيل الله
ثانيا : السهم الذي للرسول : فهذا هو حقه r باعتباره قائد الجيش يصرفه فيما يشاء ، ولا ينبغي أن ينشغل عن قيادة الجيش وأمور الدعوة بالكسب والعمل لأجل الاقتيات ، فالقائد يجب لَا يُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ جَيْشِهِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِتِجَارَةٍ أَوْ زِرَاعَةٍ لِصَرْفِهِ الِاهْتِمَامَ بِهَا عَنْ مُصَابَرَةِ الْعَدُوِّ وَصِدْقِ الْجِهَادِ)[7] ، فقد وَغَزَا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ لِقَوْمِهِ: " لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا)[8].
والنبي r لم يكن يأخذ منه شيئا لنفسه ، فكان يجعل حقه كله لله ، لأن يبقى أجره كله في الآخرة ، فكان يجعله لأجل تجهيز الجيش ، والسلاح ، فعن ابن عباس : قال : كان رسول الله r (إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك الخمس في خمسة ثم قرا "واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه" إلى قوله "بالله" مفتاح كلام "لله ما في السماوات وما في الأرض" فجعل سهم الله وسهم الرسول واحدا ، "وذي القربى" فجعل هذين السهمين قوة في الخيل والسلاح ، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل ألا يعطيه غيرهم ، وجعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهمين ، ولراكبه سهم وللراجل سهم)[9].
وعن عبادة بن الصامت قال : أخذ النبي r يوم حنين وبرة من جنب بعير فقال يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس والخمس مردود عليكم ) [10]قال الراوي (يعني والله أعلم مردود في مصالحكم) .
ثالثا : سهم ذوي قربى : فهم أهل بيت النبي r وأهل قرابته : لأنهم لا يجوز عليهم الصدقة ، فعن مجاهدٍ، قال: كان آل محمّدٍ r لا تحلّ لهم الصّدقة، فجعل لهم خمس الخمس)[11].
كما أن الرجال منهم كانوا مشغولون بعد إسلامهم بنصرة النبي r والجهاد لتعويض ما فات رغم ما تقدم من نصرته له في العهد المكي ، إلا أن من لم يسلم معه لم يقاتل معه كعمه أبي طالب رغم أنه شهد معه بيعة العقبة ، وأوصى المسلمين بنصرة ابن أخيه ومنعه ممن يريدون إيذائه .
كما أن نساء أهل البيت كن مشغولات بتعليم الناس الكتاب والسنة كما أمرهم الله بقوله (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) (الأحزاب 34).
وهذا السهم يعتبر في حقيقته هو الذي لرسول الله r أي كان يتصدق به على أهل قرابته ، كما في قوله (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى23) ، فعن ابن عباس قال : " كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس ، فأربعة منها لمن قاتل عليها ، وخمس واحد يقسم على أربعة : - فربع لله ولرسوله ولذي القربى يعني قرابة النبي r فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي r ولم يأخذ النبي r من الخمس شيئا ، والربع الثاني لليتامى ، والربع الثالث للمساكين ، والربع الرابع لابن السبيل وهو الضعيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين " [12]، أما ما كان لله فهو كان يؤول على اليتامى والمساكين وابن السبيل ، بذلك انحصرت القسمة بعد إخراج ما يحتاجه الجيش من تجهيزات أو الأمور العاجلة كما تقدم ذكره .
أما في كيفية تقسيم هذا السهم ، وهو ما يستبين منه علته وسببه ، أو بمعنى آخر في تعريف أهل قربى النبي r ثلاثة أقوال [13]: - قول بأنها لبني هاشم ، وقول بأنها لبني هاشم و لبني المطلب ، فعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ)[14]، وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، قَالَ جُبَيْرٌ بن مطعم (وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ مِنْ ذَلِكَ الْخُمُسِ كَمَا قَسَمَ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ)[15]
أي أنه r أعطى بني هاشم وبني المطلب معا سهم واحد ، ولم يعط عبد شمس بني عبد مناف رغم أنهم كانوا قرابته ، لأن بني هاشم وبني المطلب كانوا متناصرين ومتحدين مع النبي r في الجاهلية والإسلام، ولم يخذلوه، بينما لم يكن بنو عبد شمس وبنو عبد مناف (ومنهم بنو أمية) في نفس الموقف من النصرة ، بل وقفوا ضده موقف العداء [16].
ولذلك قال النبي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ r ) [17]، أي أن بني عبد المطلب رغم أنهم كانوا على الكفر إلا أنهم كانوا من أكثر المناصرين للنبي r ، ولم تنل قريش من النبي r إلا بعد موت عمه أبو طالب بن عبد المطلب .
وفي رواية أكثر تفصيلا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ r سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَمَنَعْتَنَا فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)[18]
والقول الثالث أنها لقريش كلها وهو ما جرى عليه العمل ثم نسخ ، فعن سعيد المقبري قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن ذي القربى قال: فكتب إليه ابن عباس: "قد كنا نقول: إنّا هم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى" أي أنهم تسامحوا في حقهم فجعلوها لقريش كلها ، ثم لم يستمر الأمر على ذلك ، فعن قتادة: أنه سئل عن سهم ذي القربى فقال: كان طُعْمة لرسول الله r ما كان حيًّا، فلما توفي جُعل لوليّ الأمر من بعده)[19].
فعن الجبير بن مطعم قَالَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقْسِمُ الْخُمُسَ نَحْوَ قَسْمِ رَسُولِ اللَّهِ r غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُعْطِي قُرْبَى رَسُولِ اللَّهِ r مَا كَانَ النَّبِيُّ r يُعْطِيهِمْ قَالَ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعْطِيهِمْ مِنْهُ وَعُثْمَانُ بَعْدَهُ)[20] ، وقد فصل الشيخ عبد المحسن العباد تصرف الخلفاء الراشدين بعد النبي في هذا السهم فقال (ولعل السبب في ذلك -والله أعلم- أن الغلة لم تكن مثلما كانت أولاً، وأنها نقصت فنقص الإعطاء على حسب النقص الذي قد حصل، ولما كانت الغلة كثيرة كان النبي r يعطيهم شيئاً كثيراً، ولما قلت الغلة فإن كلاً ينقص نصيبه منها على حسب النقص وعلى حسب السهام التي تعطى للناس.
قوله [وكان عمر بن الخطاب يعطيهم منه و عثمان بعده ]: يعني: يعطي بني هاشم وبني المطلب من الخمس، ومن أجل ذلك لم تحل لهم الزكاة اكتفاء بما يعطون من خمس الغنائم، فمنعوا من الزكاة؛ لأنه وجد ما يغنيهم
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب له في فضل آل البيت وحقوقهم أنه إذا لم يعطوا من الخمس ومن بيت المال، فإنه يجوز أن يعطوا من الزكاة؛ لأن المانع من ذلك أنهم يعطون من غيرها أي: من الغنائم والفيء، فإذا لم يعط لهم هذا الحق فيجوز أن يعطوا من الزكاة)[21].
رابعا : سهم اليتامى : وهو في الغالب أولاد المجاهدين الذين استشهدوا في المعركة ، فلهم سهم محفوظ غير السهم المحفوظ لأبيهم المقاتل .
فعن المنهال بن عمرو قال: سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين عن الخمس فقالا هو لنا. فقلت لعلي: إن الله يقول: "واليتامى والمساكين وابن السبيل" ، فقالا ( أيتامانَا ومساكيننا)[22].
خامسا : سهم المساكين : وهو ما لا يملك قوت يومه ، وتجوز عليه الصدقة .
سادسا : سهم ابن السبيل : عن ابن عبّاسٍ، قال: الخمس الرّابع لابن السّبيل، وهو الضّيف الفقير الّذي ينزل بالمسلمين)[23].
قوله (إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا..) (41) بهذا استبانت الغاية من القتال ، وأخذ المغانم ، فلم يكن للمجاهد رغبة في مغنم ، وما كان له من مغنم فإنهم كانوا يؤثرون به إخوانهم ، ولا يبقون لأنفسهم إلا ما يتمولون به لأجل مواصلة الجهاد ، وهو وأسرهم ومن يعولون .
فالجملة شرطية ، أي: شرطٌ لامتثال حكم قسمة الغنائم الوارد في قوله: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ..."، حيث جعل الله الإيمان حقيقياً مرتبطاً بتنفيذ هذا الحكم، والتسليم لقسمة الله ورسوله للغنيمة دون منازعة ، فإذا وجدت جيشا يخمس الغنائم على نحو ما ذكرت الآية فهو جيش يؤمن بالله وبما أنزل على نبيه من قرآن .
جاء في الأحكام السلطانية للآمارة على الأمير أنْ يَأْخُذَ جَيْشَهُ بِمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حُقُوقِهِ وَأَمَرَ بِهِ مِنْ حُدُودِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ تَجَوُّزٌ فِي دِينٍ وَلَا تَحَيُّفٌ فِي حَقٍّ ، فَإِنَّ مَنْ جَاهَدَ عَنْ الدِّينِ كَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْتِزَامِ أَحْكَامِهِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ )[24] ، فذلك كله من عوامل النصر ، َقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : (إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ)[25] .
ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان (أداء الخمس من الإيمان) , وأورد تحته حديث النبي r قَالَ (أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ ) قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)[26] ، والحديث في معرض جواب النبي r على وفد رَبِيعَة لما قدموا عليه ، فقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ) ، فأمرهم بالإيمان وذكر الحديث ، فاستبان بذلك أن شهادة أن لا إله إلا الله ترجمتها العملية هي الجهاد في سبيل الله ، ويترتب عليه تقسيم المغنم كما أمر الله .
قوله (.. يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ..) (41) وهو تذكير الصحابة بيوم تجديد بيعتهم للنبي r يوم بدر يوم أن تعاهدوا على نصرته ، فالله يريد منهم كما أمنوا بالله ورسوله وبايعوه على النصرة في بداية الحرب ، أن يظلوا على هذا الحال عند تقسيم الغنائم .
لاسيما وأنهم عند التقاء الجمعان كانوا مستمسكين بالله مؤمنين برسوله ، وقد رأوا من المعجزات ما لم يشاهده أحد من تدخل الملائكة لمعاونتهم ، فأعز الله المؤمنين وجعلهم فرقة قادرة على مناوأة الكافرين ، فسمي هذا اليوم بيوم الفرقان لتميز الحق عن الباطل بعد مباهلة الكفار كما تقدم أن ذكرنا ، فيوم الفرقان هو اليوم الذي حقق الله فيه ما استعجله الكفار من عذاب، فكان إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل ، فنصر الله للنبي بهذه الفئة القليلة المستضعفة على مقاتلي قريش لا تفسير له غير أنهم مؤيدون من الله .
عن ابن عباس رضي الله عنهما : في قوله عز و جل { إن كنتم آمنتم بالله و ما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } يعني بالفرقان يوم بدر يوم فرق الله بين الحق و الباطل )[27]
فمن كان هذا هو حالهم عند بداية المعركة ووسطها ، أفلا يكون حالهم كذلك بعد نهايتها ؟ فإن التمسك بأسباب الدنيا هوان .
قوله (.. وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال 41) أي أن المعجزات التي أجراها الله تعالى في معركة بدر كفيلة بالإقرار على أن الله على كل شيء قدير ، فقد قدر هذه الفئة المؤمنة المستضعفة أن تنال من الفئة الكافرة المستكبرة ، قال أبو حيان (وختم بصفة القدرة لأنه تعالى أيد المؤمنين على قلتهم على الكافرين على كثرتهم ذلك اليوم)[28]، وقال ابن عاشور (فإن ذلك دليل على أنه لا يتعاصى على قدرته شيء، فإن ما أسداه إليكم يوم بدر لم يكن جاريا على متعارف الأسباب المعتادة، فقدرة الله قلبت الأحوال وأنشأت الأشياء من غير مجاريها)[29].
فمن حصلت له مثل هذه المعجرة لابد وألا يأبه لشيء من الغنائم أو متاع الدنيا ، فلا يكون ذلك من المعوقات له عن مواصلة الجهاد في سبيل الله ، ولا يكون سببا لأن تتغير نيته في الجهاد لتصبح لأجل المغنم ،وقد كانت من قبل في سبيل الله ، فهي فتنة لابد من تمحيص القلب منها بتذكر فضل الله ومنته على المؤمنين .
ثانيا : أن يكون الهدف الاستيراتيجي للجهاد دعوة الناس للإسلام لا بقصد القتال إلا اضطرارا .
قوله (إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ[30] الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأنفال/42) وصفت الآية المكان الذي دارت فيه أحداث غزوة بدر والتقاء الفريقين معا – عرضا وقدرا - ليحصل القتال بينهما ،
روي في تفسير ابن أبي حاتم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ " الْعُدْوَةِ الدُّنْيَا " ، قَالَ : "شَاطِئِ الْوَادِي"، وعَنْ قَتَادَةَ" وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى " ، وَهُمْ بِشَفِيرِ الْوَادِي الأَقْصَى" ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قوله " وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ " ، قَالَ : الرُّكَبُ : أَبُو سُفْيَانَ" ، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قوله " وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ " ، يَعْنِي : أَبَا سُفْيَانَ وَغَيْرَهُ، وَهِيَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوَ السَّاحِلِ" ، وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، (وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ أَسْفَلَ الْوَادِي فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا، وَنَفَرَتْ قُرَيْشٌ وَكَانُوا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، فَبَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ : إِنِّي قَدْ جَاوَزْتُ الْقَوْمَ، فَارْجِعُوا، قَالُوا : لا وَاللَّهِ، لا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ مَاءَ بَدْرٍ"
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَوْلُهُ تَعَالَى " وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ " ، أَيْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ مِيعَادٍ مِنْكُمْ وَمِنْهُمْ، ثُمَّ بَلَغَكُمْ كَثْرَةُ عَدَدِهِمْ، وَقِلَّةُ عَدَدِكُمْ، مَا لَقِيتُمُوهُمْ"[31]
يقول الشعراوي (الآية توضيح وبيان لجغرافية المعركة ، وأهل الإسلام كانوا من ناحية المدينة ، وقوله تعالى : «دنيا» أي الأقرب ، فالمسلمون كانوا قريبين من المدينة ، وكان الكفار قادمين من مكة ، ونزلوا في المكان الأبعد ،"والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ " والركب هو العير أي الجمال التي تحمل التجارة ، وكان المسلمون قد خرجوا ليأخذوها ، ولما عرف أبو سفيان بذلك غيّر سير القافلة واتجه إلى ساحل البحر ، وساحل البحر - كما هو معلوم - يكون دائماً أسفل من أي أرض يابسة[32] ، ويقول الحق سبحانه وتعالى : "وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ولكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً " [لأنفال : 42] ، الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره الله سبحانه وتعالى ، والأمر هو معركة بدر ، وليلقى المؤمنون الكافرين ، لينتصروا عليهم) [33] .
قال الشوكاني (أخرج –الله- المسلمين لأخذ العير وغنيمتها ، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها ، ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة)[34] ، قال القشيري (يخبر - سبحانه - أنَّ ما جرى يَومَ بدرٍ من القتال ، وما حَصَلَ من فنون الأحوال كان بحكم التقدير ، لا بما يحصل من الخَلْق من التدبير ، أو بحكم تقتضيه رَوِيَّةُ التفكير ، بل لو كان ذلك على اختيار وتَوَاعُد ، كنتم عن تلك الجملة على استكراه وتَبَاعدُ ، فجرى على ما جرى ليقضِيَ الله أمراً كان مقضيًّا ، وحصل من الأمور ما سَبَقَ به التقدير )[35]
كل ما تقدم يبين أن المسلمين لم يكونوا يخططون للغزوة ، وإنما كان التخطيط لمجرد استرجاع المسلمين ما سلب من أموالهم عند الهجرة بالهجوم على عير أبي سفيان وهو قادم من قريش تعويضا عن تهجيرهم القسري من مكة ، وترك أموالهم وديارهم لقريش ، فعن كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ (تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يُعَاتَبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ)[36]، فلم يكن في حسبانهم أن حربا سوف تقوم بينهم وبين قريش ، وذلك لانشغالهم بالعير والدعوة ، وعدم انشغالهم بالنفير والجهاد ، بيد أن مشيئة الله أن يأذن بالنفير للجهاد .
قال رسول الله r (يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ) ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ r وَقَالَ (اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)[37] ، قال النووي (إنما نهى عن تمنى لقاء العدو لما فيه من صورة الاعجاب والاتكال على النفس والوثوق بالقوة وهو نوع بغى ، وقد ضمن الله تعالى لمن بغى عليه أن ينصره ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره وهذا يخالف الاحتياط والحزم)[38] .
وقال ابن الجوزي (اعلم أن تمني لقاء العدو يتضمن أمرين أحدهما استدعاء البلاء والثاني ادعاء الصبر وما يدري الإنسان كيف يكون صبره على البلاء والمدعي متوكل على قوته معرض بدعواه عن ملاحظة الأقدار وتصرفها ومن كان كذلك وُكل إلى دعواه ، كما تمنى الذي فاتتهم غزاة بدر فلم يثبتوا يوم أحد وكما أعجبتهم كثرتهم يوم حنين فهزموا)[39] .
فضلا عما تقدم فإن القتال مكروه لأي أحد ، لا سيما المسلمون لما فيه من تفويت الفرصة لتوبة الكفار ، والمسلم يرجو هدايتهم ، وإنما يقاتلهم لأجل أن يزيل الحواجز التي تمنع من تبليغ الدعوة لأقوامهم ، فهو لا يقاتل سادتهم إلا اضطرارا ولأجل تبليغ الدعوة ، فإن حصل ذلك دون قتال فبها ونعمة ، وكفى الله المؤمنين شر القتال .
قوله (..لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ..)(الأنفال/42) عبر عن قتلى المشركين بالهلكى وقد قامت عليهم الحجة فلا عذر لموتهم على الكفر ، وقد كانوا أشد المضطهدين لدعوة النبي r إبان العهد المكي حتى سلم منهم بالهجرة .
فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ r وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَرَسُولُ اللَّهِ r سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ r رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ قَالَ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْ قَالَ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ r صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ)[40].
قوله (.. وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ..)(الأنفال/42) عبر عن شهداء المسلمين بالأحياء ، أي عند ربهم يرزقون ، فعن الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قال (أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا r عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ)[41] ، فقد استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا: ستة من المهاجرين أبرزهم: عبيدة بن الحارث، عمير بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وثمانية من الأنصار أبرزهم: سعد بن خيثمة، مبشر بن عبد المنذر، حارثة بن سراقة، عمير بن الحمام.[42] [
وقد فهم هذا المعنى عمير بن الحمام لما علم أنه إذا قتل وهو يجاهد فإنه سوف يحيى في الجنة فعلام الانتظار ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ فَدَنَا الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ نَعَمْ قَالَ بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ) [43]، فآثر الحياة الباقية على الحياة الفانية .
ويدخل في المعنى –كذلك - من أسلم من الكفار بعد بدر ، فهو بالإسلام أصبح حيا بعد أن كان ميتا ، كما في قوله (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)(الأنعام 122) ، وهكذا ينبغي أن يكون هدف المجاهدين في سبيل الله ، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور ، وهو ما أوضحه النبي r لعلي بن أبي طالب لما سأله (عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟) قَالَ (قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ،فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)[44]، والمعنى حتى يشهدوا بالتوحيد دون أن يعوقوهم أو يصدهم عن ذلك صاد ، أي خلي بينهم وبين الشهادة بالحق ، إذ لا إكراه في الدين.
ويدل على ذلك كذلك رواية البخاري المفسرة التي سأل فيها علي بن أبي طالب النبي r فَقَالَ (نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟) ، فَقَالَ النبي r (عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) ما يعني أن مقام الدعوة واجب قبل البدء بقتال ، والعبرة ليس بكثرة المؤمنين ، بل بتخلية الطريق لإيمان واحد منهم إن شاء أن يؤمن ، فإن خلو بينه بين الدعوة لله فلا حاجة لقتال ، لكن التاريخ شاهد على أن ذلك لم يحدث بل في كل مرة يتقدم المترفون قومهم ويصدون الدعاة عن إيصال الدعوة ، ويحرضون قومهم على القتال اغترارا بكثرة أموالهم وأولادهم وجنودهم ، كما قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ 35) .
فغاية الرسول من القتال هو تخلية الطريق علي هذا الرجل الواحد لأن يؤمن بالله بعد إيصال الدعوة لقومه ، وليس همه أن يؤمن الجميع إذا شاءوا أن يكفروا ، إنما هو مبلغ وليس بمسيطر ، فغاية الجهاد هو أن يؤمن الناس بالله الواحد الأحد دون أن يحول بينهم وبين الله حائل .
أ
قوله (.. وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ)(الأنفال/42) قال ابن عجيبة والألوسي ، أي (بكفر من كفر وإيمان من أمن ، فيجازي كلاًّ على فعله ، ولعل الجمع بين صفة السمع والعلم؛ لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد)[45].
قال ابن عاشور (تذييل يشير إلى أن الله سميع دعاء المسلمين طلب النصر، وسميع ما جرى بينهم من الحوار في شأن الخروج إلى بدر ومن مودتهم أن تكون غير ذات الشوكة هي إحدى الطائفتين التي يلاقونها، وغير ذلك، وعليم بما يجول في خواطرهم من غير الأمور المسموعة وبما يصلح بهم ويبني عليه مجد مستقبلهم)[46].
ثالثا : عدم مهابة الأعداء ، والثقة في الله .
قوله (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً ..) (43) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : أَرَاهُ إِيَّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلاً، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ r أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ، وَكَانَ تَثْبِيتًا لَهُمْ"[47]، مؤدى ذلك : (أَنْ يُقَوِّيَ نُفُوسَهُمْ بِمَا يُشْعِرُهُمْ مِنْ الظَّفَرِ وَيُخَيِّلَ إلَيْهِمْ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ لِيَقِلَّ الْعَدُوُّ فِي أَعْيُنِهِمْ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَجْرَأَ وَبِالْجُرْأَةِ يَتَسَهَّلُ الظَّفَرُ)[48].
قال الماوردي : فيه وجهان :-
أحدهما : قاله الحسن أن الله أرى نبيه r قلة المشركين عياناً ، وقوله " فِي مَنَامِكَ" يريد في عينيك التي هي محل النوم .
والثاني : وهو الظاهر ، وعليه الجمهور ، أنه ألقى عليه النوم وأراه قلتهم في نومه .
وإنما أراه ذلك على خلاف ما هو به -لطفاً أنعم به عليه وعلى أمته - ، ليكون أثبت لقلوبهم وأقدم لهم على لقاء عدوهم ، ولولا ذلك لما جازت هذه الحالة من الله تعالى في نبيه r )[49].
قوله (..وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ ..) (43) عَنْ مُجَاهِدٍ يَقُولُ : "لَفَشِلْتَ أَنْتَ، فَرَأَى أَصْحَابُكَ فِي وَجْهِكَ الْفَشَلَ فَفَشَلُوا"[50].
وأول بدايات الفشل في الجند كراهية الموت في سبيل الله ، والتعلق بأسباب الدنيا ، قال رسول الله r (وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)[51] ، ولذلك نهينا أن نهاب أعداءنا أو أن يكبروا في أعيننا ، فالتهويل والتضخيم من حجم العدو يقصر عزيمة المؤمنين ، وقد يؤدي إلى الجبن أحيانا ، فالأسد يأكل الغزالة رغم أنها أسرع منه لانشغالها بمطارته لها ، ولو أنها لم تنشغل به ولم تنظر وراءها لسلمت منه لأنها أسرع منه ..
من هنا يستبين واجب القائد أن يداري على جنوده ما يخاف منه ، فلا يجعل حالته النفسية تنعكس على جنوده ، بل الواجب أن يستر مشاعره وأحساسيه بحاجز عنهم ، فلا يصيبهم الوهن إن أصابه شيء من هذا القبيل ، وقلما نجد من يستطيع أن يفعل ذلك ، لاسيما أهل الصدق والشفافية ، لكن لا يعدم التمكن من ذلك بعد اجتياز مرحلة من التدريب على ذلك ، فالقائد الناجح لا يلغي مشاعره ولكنها يديرها ولا يترجمها إلى ملامح وجه متوترة أمام جنوده ، مدركا أن تعابير وجهه هي أجهزة إرسال فورية لجنوده إما سلبا أو إيجابا ينعكس ولا شك على حالتهم المعنوية .
وبالرغم من ثقة النبي r في ربه إلا أنه قبل غزوة بدر كان مثقلا بالهموم حتى أنه ناجى ربه فقال r (اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ)[52]، فمناشدته ربه تأكيد على ثقته في ربه ، وهوان عدوه إزاء قدرته سبحانه
وكان يكثر استشارة أصحابه: لشعوره المسؤولية تجاه الأنصار –خصوصا -الذين بايعوه على الحماية داخل المدينة، فقام بمشورتهم قبل الخروج ، وقد كرر الخطاب والطلب ، وهو يخطب الناس قائلاً: "كيف ترون؟" (أي في الخروج للقتال)، وكررها بعد استشارة أبي بكر وعمر، مما يدل على حرصه على معرفة موقف الصحابة (خاصة الأنصار) من خوض معركة غير متكافئة.
ولذلك كان النبي محمد r بحاجة لهذه الرؤيا المنامية حتى يهدأ قلبه ، وينعكس هدوئه على أصحابه فيشعروا بالطمأنينة وهم مقبلون على عدوهم ، فكان هذا هو خلق النبي r يخبره ربه بأنه سوف ينتصر في "بدر" ويقلل أعداءه في عينيه ، ويظل يناشد ربه أن ينصره ويلح عليه في الدعاء حتى سقط رداؤه ، فيقول له أبو بكر (يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ) .
قوله (..وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ ..) (الأنفال/43) ذلك أن التهويل من شأن العدو يوهن القلب ويزلزل الأقدام ، ويسبب –من جهة أخرى – كثرة اختلاف الأراء بين الجند ، ما بين من يفكر بالانسحاب والانخزال - وإن شئت قلت الفرار- وغيره من يأبون ذلك ويدعو لمواصلة القتال والثبات ، وقد ينشق صف المسلمين عندئذ ، والحياة العسكرية لاسيما في ميدان الحرب لا تحتمل مثل هذا الجدال .
فالحياة العسكرية تبنى على الانضباط وفق أوامر القيادة دون مناقشتها إلا متى سمح بالنقاش فيها ، لأن مجرد باب الرأي في الأمور العسكرية لاسيما من القادة يعني عدم تنفيذ الأمر بالسرعة والدقة الواجبتان ، بل يتعين الحسم الأمور واتخاذا القرارات الهامة بحسب مستويات القيادة المختلفة ، فليس كل الموضوعات محلا للنقاش على كافة مستويات القيادة ، بل من الطبيعي أن يختلف الناس على عدة آراء ، وطبيعي أن يحصل بينهم التنازع نظرا للإفراط في الحمية ، ولكن ليس من الطبيعي أن يتعطل العمل العسكري بسبب تسريب معلومات هامة عن حجم وقدرات العدو إزاء ضعف قدرات وقلة عدد جيش المسلمين.
نعم هي معركة غير متكافئة من حيث الأسباب العسكرية ، لكن المسلم الواثق في وعد ربه لا يهاب أعداءه ، ولا يكترث بكثرتهم ولا قوتهم ، وإن كان الواجب الاجتهاد في معرفة عددهم ، وتقييم عدتهم ووزن قوتهم ، كما اجتهد النبي r لما سأل الأسير عن عدد جيش قريش ، فقال (كَمْ يَنْحَرُونَ مِنْ الْجُزُرِ؟) فَقَالَ عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الْقَوْمُ أَلْفٌ كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ)[53].
جاء في الأحكام السلطانية ( أَنْ يَعْرِفَ أَخْبَارَ عَدُوِّهِ حَتَّى يَقِفَ عَلَيْهَا وَيَتَصَفَّحَ أَحْوَالَهُ حَتَّى يُخْبِرَهَا فَيَسْلَمَ مِنْ مَكْرِهِ وَيَلْتَمِسَ الْغِرَّةَ فِي الْهُجُومِ عَلَيْهِ)[54] .
فالنبي r رغم أنه علم أن عددهم ألف ما يعني ثلاثة أضعاف جيش المؤمنين ، إلا أنه لم يهابهم ،وقد أراه الله إياهم قليلا ، وقد استنبط أبو حيان من ذلك أن (المراد بالقلّة هنا قلة القدر واليأس والنجدة ، وأنهم مهزومون مصروعون ولا يحمل على قلة العدد لأنه r رؤياه حق ، وقد كان علم أنهم ما بين تسعمائة إلى ألف فلا يمكن حمل ذلك على قلّة العدد)[55].
أما إذا حصلت المهابة من العدو – لأي سبب كان - هنا يقع النزاع بين الجند ، فالجدال مدخل لوقوع التنازع والتنازع أول طريق للفشل ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ)[56] .
والمثال لحالة التنازع ما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ r وَجَعُهُ قَالَ ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ قَالَ عُمَرُ إِنَّ النَّبِيَّ r غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا ، فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ قَالَ قُومُوا عَنِّي وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ)[57] ، أي أنهم اختلفوا هل يكتفون بما في الكتاب دون حاجة لوصية رسول الله r لهم وقد بين لهم كل شيء قبل وفاته ، أم يستزيدوا من الهدى بوصيته ؟ فإذا كانت مثل هذه الحالة تعد تنازع مذموم ، فإن العمل العسكري لا يتحمل مثل ذلك كذلك .
قوله (..وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (43) فعن ابن عباس يقول في قوله: "ولكن الله سلم" : (سلم الله لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم) ، ما يعني ضرورة الاحتفاظ بالحالة المعنوية الجيدة للجند ، وأنها من ضروريات القتال ، وهو ما يعني الاحتفاظ بالأسرار الحربية وعدم إفشائها للجند ، لأن القائد وإن كان يستطيع تقدير الموقف فإن الجند بخلافه ، لا يقدرون على تقدير الموقف التقدير السليم ، فلو أنهم علموا عدد جيش قريش إزاء قلة عددهم وقلة فرسانهم وعتادهم إزاء كثرة فرسان عدوهم وعتاده لأثر ذلك عليه بالسلب ولا شك ، فليس كل معلومة حربية أو عسكرية يمكن تقال أو تتداول وتنتشر بين الجند ، بل الواجب هو نقل المعلومات الإيجابية فقط للحفاظ على هذه الروح التي هي روح العافية والسلامة .
ففي الآية "استدراك" أفاد : بأنهم في معية الله وحفظه ، وعلمه وإحاطته بالرعيل الأول من الدعوة الإسلامية ، وحاجتهم لأن يخفف الله عنهم البلاء ، فالتباهي بالقوة هو نوع من التباهي بالأسباب ، وليس ذلك من الشرع ، كما أن التباهي بالإيمان وأن الله مع المؤمنين هو نوع من الغرور والتواكل المذموم شرعا ، بل على العبد أن يستر نفسه ، ويسأل الله العافية قال رسول الله r (مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)[58].
أما الذين يتباهون بالقوة أو حتى بالإيمان فإنهم أول المفتونين ، إذ يعرضون أنفسهم إلى ما لا تطيقه صبرا ، يقول النبي r (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ)[59]، (بل ينبغي له أن يطلب العافية في الدين والدنيا والآخرة)[60] ، فقد ورد : (مَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ)[61].
فملاقاة العدو من البلاء ، والنبي r نهى عن تمني ملاقاته حتى لا يعرض المسلم نفسه لبلاء قد لا يطيقه ، ولكنه في ذات الوقت أمر بالثبات عند اللقاء ، فإذا حصل ما لا يتمناه فعليه بأن يرضى بالقضاء ، وعندئذ يهون الله العدو في أعين المؤمنين فيرونه قليلا ولا يرونه كثيرا حتى يظل قلب المؤمن ثابت مرابط لا يهاب عدوه .
والقائد الناجح لا يعرض جنوده لبلاء لا يطيقونه ، فإذا كانت الأسباب قاصرة عن تحقيق النجاح فبالتوكل على الله يجبر الله النقص في الأسباب ، ويحقق النجاح بلا أسباب إن شاء ، لكن في كل الأحوال لا يكشف القائد للجند عجزه أو نقص مؤنته أو عدته ، بل ينبغي أن ينقل لهم ما يشعرهم بالسلامة ، مخافة أن يقل اليقين عندهم في الله ، فإن تجاوزوا معا هذه المحنة ، فإن ما ينتظرهم من محن أشد قادم لو كانوا على الحق ، قال رسول الله r (يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ)[62].
قال صاحب الظلال (لطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف ، والرؤيا صادقة في دلالتها حقيقية ، فقد رآهم رسول الله r قليلاً . . وهم كثير عددهم ، ولكن قليل غناؤهم ، قليل وزنهم في المعركة ، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع ، والإيمان الدافع ، والزاد النافع . . وهذه الحقيقة الواقعة - من وراء الظاهر الخادع - هي التي أراها الله لرسوله؛ فأدخل بها الطمأنينة على قلوب العصبة المسلمة) [63].
قوله (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً ..) (الأنفال/44) هذه هي الرؤيا الثانية ولكن عند التقاء الجمعين ، وهنا تكون هذه الرؤية حقيقية وليست مجازا ، فبالرغم من رؤية المسلمين لجمع الكفار وقد تجاوز عددهم ثلاثة أضعاف المسلمين ، إلا أن الله قلل عددهم في أعين المؤمنين ، قال ابن مسعودٍ : (لقد قُلَّلوا في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : أراهم مائة ، وأسرنا رجلاً فقلنا : كم كنتم؟ قال : ألفاً) [64]، قال الكلبي (إن المسلمين لما عاينوا المشركين يوم بدر رأوهم قليلا فصدقوا رؤيا رسول الله )[65]، فقد أرى الله المسلمين الحجم الطبيعي لعدوهم ، وإنه مهما بلغ من القوة فإنه ضعيف ، ومهما زاد من الكثرة فإنه قليل .
فالمؤمن واثق في ربه ، ويعلم أنه إما أن يستعمله لينصر به هذا الدين أو يصطفيه عنده ليكون مع الشهداء ، قال رسول الله r (عجبت للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان خيرا له)[66] ، فكان قضاء الله في أمر المؤمن إما النصر وإما الشهادة ، وكلاهما خير .
قوله (..وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ) (الأنفال/44) قال الكلبي (وقلل الله المسلمين في أعين المشركين فاجترأ المؤمنون على المشركين ، واجترأ المشركون على المؤمنين ليقضي الله أمرا كان مفعولا)[67]
إذن لابد أن نفهم أن حديث من الأحداث يجريها الله تعالى على غير ما نراها ، ولو كنا قد رأيناها الرؤية الحقة لما أقدمنا عليها ، ولكن لطف الله يمنعنا من تلك الرؤية وذلك التحليل أو الاستنباط أحيانا ، لأجل إمضاء حكمته ، وإرادته الإلهية ، يقول سبحانه (يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة 251)
رابعا : الثبات عند لقاء العدو والانشغال بالذكر .
قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) (الأنفال/45) ، ذلك أن النصر إنما صبر ساعة ، فالغلبة لا تأتي بالقوة ، وإنما بالعزم والشدائد ، ومن توكل على الله فهو حسبه ، ومن ثبت على ثغره حيث أمره الله ، واستعان بالله ، وأمضى وقته في ذكر الله ، كانت الغلبة له بإذن الله لا محالة ، أما من خارت عزيمته أو اغتر بقوته أو استعان بغير الله أو أمضى وقته في غير ذكر الله وهو في ميدان الجهاد ، فأني يأتيه النصر وقد تخلف عنه شرائطه ، قال تعالى)وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّه)(البقرة 250 – 251) .
والأدب الثاني للمجاهد أن يلتزم الذكر ولا يحدث جلبا ولا صياحا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r «لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا الْعَافِيَةَ فَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا ، وَأَكْثِرُوا ذَكَرَ اللَّهِ ، فَإِنْ أَجْلَبُوا وَصَيَّحُوا ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ»[68]، فلا يليق بالمجاهدين الجلب والصياح ، وإن جاز لهم أن يمضوا بعض الوقت في المرح ترويحا لأنفسهم ، إلا أن ذلك بقدر الحاجة ، ليكون أغلب شأنهم ذكر الله كثيرا ، كما ورد بالآية .
وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ r خَيْبَرَ أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ r النَّاسُ عَلَى وَادٍ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ r فَسَمِعَنِي وَأَنَا أَقُولُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)[69].
قال الشنقيطي (وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ لا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد)[70].
فإذا كان الحبيب في أيام الجاهلية يذكر حبيبته في المعارك ، أفلا يذكر المجاهد ربه ومولاه وهو يجاهد في سبيله ، قال عنترة في معلقته: "الكامل" : - ولقد ذكرتك والرماح نواهل .... مني وبيض الهند تقطر من دمي.
خامسا : الحفاظ على وحدة المسلمين بإطاعة ولي الأمر ، والحذر من التنازع المؤدي إلى تفرق الكلمة .
قوله (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال/46) ، لابد أن يحافظ الجند على وحدة الصف بإطاعة ولي الأمر ، قال الشنقيطي (ذكر تعالى من عوامل النصر الثبات عند اللقاء وذكر الله والطاعة والامتثال والحفاظ عليها بعدم التنازع والصبر عند الحملة والمجالدة فتكون حملة رجل واحد وكلها داخلة تحت معنى البنيان المرصوص في قوته وحمايته وثباته وقد عاب تعالى على اليهود تشتت قلوبهم عند القتال في قوله تعالى (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر 14]، وامتدح المؤمنين في قتالهم بوحدتهم (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [71].
وقد جاءت السنة بهذا التشبيه للتعاون في قوله r " الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ " [72]، إذن يجب الحذر من التنازع المؤدي إلى تفرق الكلمة ، ويكون هذا الأمر قبل الغزو وأثناءه وبعده ، أما إذا تنازعوا لاسيما في الغنيمة فهنا يحصل لهم الضعف وعندئذ يصيبهم الفشل ، يقول النبي r (فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) [73].
قال ابن عاشور (ولفظ شيء نكرة متوغلة في الإبهام فهو في حيز الشرط يفيد العموم، أي في كل شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمة، وشمل تنازل العلماء بعضهم مع بعض في شئون العلم ..الخ) [74]، فقد نرى هذا يفسق هذا وهذا يكفر هذا لمجرد الاختلاف في الآراء ، ولو الأمور عولجت بهدوء وروية لاستبان وجه الصواب والخطأ ، دون حاجة للتراشق بالكلمات .
لذا كان التأدب بخلق "اللين" هو الذي يساعد على التئام الصف وسد الخلل ، ويمنع التنازع والاختلاف المذموم ، ولذلك أدبنا الإسلام على هذا الخلق ودربنا عليه من خلال أداء فريضة الصلاة جماعة ، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)[75].
وكان r يقول (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ) ، قَالَ أَبُو دَاوُد وَمَعْنَى وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ إِذَا جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الصَّفِّ فَذَهَبَ يَدْخُلُ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُلِينَ لَهُ كُلُّ رَجُلٍ مَنْكِبَيْهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الصَّفِّ)[76] ، أما من لم يتأدب على خلق اللين والاستواء في الصف للصلاة ، فأنى له أن ينازع إخوانه في أمور المال والغنيمة في أرض الجهاد .
والمثال للتنازع : هو الاختلاف في تقسيم النفل ، والذي من أجله سميت السورة ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : خرجت مع رسول الله r إلى بدر نلقي العدو فلما هزمهم أتبعهم طائفة من المسلمين يقتلونهم وأحدقت طائفة برسول الله r واستولت طائفة بالعسكر فلما كفى الله العدو ورجع الذين قتلوهم قالوا : لنا النفل نحن قتلنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم ، وقال الذين كانوا أحدقوا برسول الله r : والله ما أنتم بأحق به منا هو لنا نحن أحدقنا برسول الله r لا ينال العدو منه غرة وقال الذين استولوا على العسكر : والله ما أنتم بأحق به منا نحن استولينا على العسكر فأنزل الله عز وجل "يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " إلى قوله "إن كنتم مؤمنين" فقسمه رسول الله r بينهم عن فواق)[77]، قال العلماء (لَمْ يُفَضِّلْ فِي ذَلِكَ , الَّذِينَ تَوَلَّوْا الْقَتْلَ عَلَى الآخَرِينَ , فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ سَلَبَ الْمَقْتُولِ لاَ يَجِبُ لِلْقَاتِلِ بِقَتْلِهِ صَاحِبَهُ)[78].
لكن العلماء استثنوا من هذا الحكم ما أمر به الإمام فقالوا (إلَّا بِجَعْلِ الإِمَامِ إيَّاهُ لَهُ عَلَى مَا فِيهِ صَلاَحُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ التَّحْرِيضِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّ)[79]، وهو ما حكم به النبي r في غزوة حنين لأبي قتادة ، وقَالَ النَّبِيُّ r (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ)[80] قال أبو قتادة (فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ)[81]، ليضحى أمر تقسيم الغنيمة بأمر الإمام وبعد الإتيان بالبينة ، ولا يكون بالغلبة والجلبة والتنازع .
(أما ما صالح الإمام عليه أهل الكفر وما يؤخذ منهم من "الجزية" ، وما تأتي به الريح من مراكب العدو بغير أمان أو يموت منهم ميت في بلاد المسلمين لا وارث له ، فكل هذا وما كان مثله مما يفيء الله على المسلمين بغير قتال ولا مؤونة حرب فهو الفيء الذي قصد بالآية التي في سورة الحشر)[82]، أي حكمه أنه لا يقسم على المجاهدين ، وإنما كما ورد بالآية (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر/7)
قوله (..وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..) يعني عند التنازع يذهب الخوف من قلوب أعدائهم منهم لأجل التنازع ، فعن عَنْ قَتَادَةَ،" " وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ " ، قَالَ : رِيحُ الْحَرْبِ"[83].
قال البيضاوي (والريح مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها ، أي لا يصدها صاد ، قالا الرازي والخازن (والريح هنا كناية في نفاذ الأمر وجريانه على المراد)[84] ، وقيل المراد بها الريح الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله)[85] ، كما في الحديث « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» ، وكلا المعنيان صحيح ، لكن الأول هو المقصود في السياق ، قال الرازي (القول الأول أقوى ، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثراً في ذهاب الريح ، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا)[86]
ففي الفرض العكسي حيث لا يأبه المسلمون المجاهدون للدنيا ولا للمغنم ، فإن فمشهد روح الأخوة والإيثار التي تسري بين المسلمين ، كما في قوله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر 9) ، والالتفاف حول الإمام لطاعته كما في قوله r (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ)[87] يحولان دون خاطر أعدائهم مجرد الهم بقتالهم
لقَوْلِهِ تَعَالَى (سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ) [ آل عمران : 151 ] ، وقول رسول الله r (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ)[88] ، فقد (أوْقَع اللّه تعالى في قلوب أعداء النبي r الخوفَ منه فإذا كان بينَه وبينهم مَسِيرة شهرٍ هابُوه وفَزِعوا منه)[89] ، أي المَسافة التي يُسار فيها من الأرض[90]، والمعنى: مسافة ما يسير الإنسان شهراً بالسير العادي على الأقدام أو على الإبل، قالوا: مسيرة شهر أمامه، ومسيرة شهرٍ وراءه، ومسيرة شهر عن يمينه، ومسيرة شهر عن يساره، فكل من سمع به على بعد شهر فإنه يخاف منه)[91] ، فتلك الوحدة التي يراها أعداء الله في المسلمين ترعبهم وترهبهم .
قال السعدي (فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم)[92].
قوله (..وَاصْبِرُواْ ..) (الأنفال/46) عَنْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ : "الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلِّدُ لا يُرَى مِنْهُ إِلا الصَّبْرُ".[93]
أي يصبر كل واحد على خلق أخيه المسلم ، حتى تتآلف القلوب وتهدأ النفوس ، فالصبر مفتاح الفرج ، والنفوس تتخوف من بعضها البعض ، فإذا ما عولجت بدواء الصبر عالجت الأيام ما لم تعالجه الأدواء ، فقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الصبر على أخلاق بعضهم البعض ، مثل صبر أبي بكر على مسطح بن أثاثة بعد حادثة الإفك، وصبر النبي r على جفاء الأعراب، وصبر صحابته على أخلاق بعض من وصفوا بالجهل واحتواء الصحابة للموقف .
فعلى سبيل المثال : روي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ r قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ r ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ)[94].
وعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ r (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ)[95].
قوله (..إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال/46) أدخل الله نفسه مع الصابرين لأن الصبر صفته ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ يُشْرَكُ بِهِ وَيُجْعَلُ لَهُ الْوَلَدُ ثُمَّ هُوَ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)[96].
قال ابن القيم (المعية قرب تتضمن الموالاة والنصر والحفظ وكلا المعنيين مصاحبة منه للعبد لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة وهذه مصاحبة موالاة ونصر وإعانة)[97].
سادسا : التجرد من التكبر ورياء الناس .
قوله (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (الأنفال/47) فالآية تحذر المجاهدين من المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق الكافرين في القتال ، فلم تجز لهم التفاخر ولا الرياء والتكبر ، بل عليهم أن يتمسكوا بأخلاق الإسلام كما فعلى النبي r حين دخل مكة وهو مطئطأ الرأس تواضعا ، بعد أن فتحها الله له بدون قتال ، فالتمسك بأخلاق الإسلام في موطن النصر دليل على صدق النية لله .
فعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)[98] .
أما الكافرون فأخلاقهم بخلاف ذلك ، فعَنْ قَتَادَةَ قَالَ (كَانُوا مُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَاتَلُوا النَّبِيَّ r يَوْمَ بَدْرٍ، فَخَرَجُوا وَلَهُمْ بَغْيٌ وَفَخْرٌ، وَقَدْ قِيلَ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ : ارْجِعُوا، فَقَدِ انْطَلَقَتْ عِيرُكُمْ، وَقَدْ ظَفِرْتُمْ، فَقَالُوا : لا وَاللَّهِ، حَتَّى يَتَحَدَّثَ أَهْلُ الْحِجَازِ بِمَسِيرِنَا وَعَدَدِنَا"[99]، قال طنطاوي (والمعنى : احذروا - أيها المؤمنون - أن تتشبهوا بأولئك الذين خرجوا من ديارهم بطرا ومفاخرة . . واذكروا وقت أن ( زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ ) فى معاداتكم ، بأن وسوس لهم بأنهم على الحق وأنتم على الباطل ، وحسن لهم ما جبلوا عليه ، وأوهمهم بأن النصر سيكون لهم عند لقائكم ، بأن قال لهم (لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ) أى : (لن يغلبكم أحد من الناس ، لا محمد r وأصحابه ، ولا غيرهم من قبائل العرب ، وأنى مجير ومعين وناصر لكم)[100].
كذلك المنافقون ، فأخلاقهم أشبه بالكافرين قَالَ النَّبِيُّ r (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ)[101]، قال البغوي (يريد من عمل عملا على غير إخلاص ، وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه) [102]، قال العلماء (معناه من رايا بعمله وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيرة سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه ، وقيل معناه من سمع بعيوبه وأذاعها أظهر الله عيوبه ، وقيل أسمعه المكروه ، وقيل أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه ، وقيل معناه من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس وكان ذلك حظه منه)[103] ، وقيل (معناه من سمع بعمله الناس وقصد به اتخاذ الجاه والمنزلة عندهم ، ولم يرد به وجه الله ، فإن الله تعالى يُسمع به خلقه ، أى يجعله حديثًا عند الناس الذى أراد نيل المنزلة عندهم بعمله ، ولا ثواب له فى الآخرة عليه ، وكذلك من راءى بعمله الناس راءى الله به ، أى أطلعهم على أنه فعل ذلك لهم ولم يفعله لوجهه ، فاستحق على ذلك سخط الله وأليم عقابه)[104] .
فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالَ مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)[105]
[1] ) رواه مسلم ج 9 ص 185 رقم 3287
[2] ) رواه مسلم ج10 ص 11 رقم 3528
[3] ) عبد المحسن العباد : شرح سنن أبي داود ج13 ص 375
[4] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 52
[5] ) المناوي : فيض القدير ج5 ص 629 باختصار
[6] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 149 رقم 11605
[7] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 75
[8] ) رواه البخاري ج 10 ص 367 رقم 2892
[9] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج12 ص 124 رقم 12691
[10] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 303 رقم 12527 ورواه النسائي ج13 ص 14 رقم 4069 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 1383 رقم 13830
[11] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج3 ص 215
[12] ) أخرجه الطحاوي في معاني الآثار ج 7 ص 66 ، وصححه الألباني :إرواء الغليل ج5 ص 59
[13] ) https://www.youtube.com/watch?v=M4KkHCHIWR0
338 - واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى...) - عثمان الخميس
[14] ) رواه البخاري ج11 ص 322 رقم 3241
[15] ) رواه أبو داود ج8 ص 210 رقم 2585
[16] )
[17] ) رواه أبو داود ج8 ص 212 رقم 2587 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 480
[18] ) رواه النسائي ج13 ص 13 رقم 4068 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج9 ص 209
[19] ) تفسير الطبري ج13 ص 555
[20] ) رواه أبو داود ج8 ص 210 رقم 2585 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج6 ص 478
[21] ) شرج سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج15 ص 144
[22] ) انظر تخريج الطبري ج13 ص 559 رقم16128 ، القرطبي ج8 ص 10 : واحتج به أبو حيان في البحر المحيط ج6 ص 87
[23] ) تفسير الطبري ج13 ص 560
[24] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 75
[25] ) رواه البخاري ج9 ص 378
[26] ) رواه البخاري ج1 ص 92 رقم 51
[27] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 25 رقم 4307
[28] ) البحر المحيط ج6 ص 89
[29] ) التحرير والتنوير ج9 ص 109
[30] ) العدوة شطّ الوادي وتسمي شفيراً وضفّة سميت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء أن يتجاوزه أي منعته.(تفسير البحر المحيط ج6 ص 79)
[31] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 100-101
[32] ) وهكذا يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن أسفل ما في الأرض هو ساحل البحر وقد اتخذ الناس سطح البحر مقياساً للارتفاعات
[33] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3281
[34] ) فتح القدير ج3 ص 186
[35] ) تفسير القشيري ج3 ص 32
[36] ) رواه البخاري ج12 ص 346 رقم 3657
[37] ) رواه مسلم ج9 ص 169 رقم 3276 ومثله رواه البخاري ج 22 ص 195 رقم 6696
[38] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 45
[39] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 948
[40] ) رواه البخاري ج1 ص 400 رقم 233
[41] ) رواه البخاري ج9 ص 397
[42] (سيرة ابن هشام (١/ ٧٠٦- ٧٠٨)
[43] ) رواه مسلم ج9 ص 500 رقم 3520
[44] ) رواه مسلم ج12 ص 131 رقم 4422
[45] ) البحر المديد ج2 ص 361 ، تفسير الألوسي ج7 ص 93
[46] ) التحرير والتنوير ج9 ص 115
[47] ) تفسير بن أبي حاتم ج7 ص 103
[48] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 73
[49] ) النكت والعيون ج2 ص 71
[50] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 104
[51] ) رواه أبو داود ج11 ص 371 رقم 3745 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9 ص 297
[52] ) رواه مسلم ج9 ص 214 رقم 3309
[53] ) رواه أحمد في مسنده ج2 ص 410 رقم 904 – الروض والحدائق في تهذيب سيرة خير الخلائق لعلي بن محمد بن ابراهيم البغدادي ج2 ص 218
[54] ) الأحكام السلطانية ج1 ص 75
[55] ) البحر المحيط ج6 ص 92
[56] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وحسنه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 14 رقم 45
[57] ) رواه البخاري ج1 ص 194 رقم 111
[58] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 306 رقم 3841 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 41
[59] ) رواه الترمذي ج8 ص 209 رقم 2180 وأحمد ج47 ص 416 رقم 22347 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحةج2ص170 رقم 613
[60] ) الملا علي القاري : شرح مسند أبي حنيفة ج1 ص 232
[61] ) رواه الترمذي ج11 ص 421 رقم 3437
[62] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 30 رقم 4013 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 371 رقم 3249
[63] ) في ظلال القرآن ج3 ص 413
[64] رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج14 ص 274 ورواه الطبراني في المعجم الكبير ج10 ص 147 رقم 10291
[65] ) تفسير ابن أبي زمينين ج1 ص 233
[66] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج2 ص 507 رقم 728 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة -المجلدات الكاملة ج1ص147رقم148
[67] ) تفسير ابن أبي زمينين ج1 ص 233
[68] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج9 ص 153 رقم 18935 ، وابن أبي شيبة في مصنفه ج12 ص 461 رقم 34101وعبد الحميد في مسنده ج1 ص 134 رقم 330 والحديث أصله في الصحيحين من رواية عبد الله بن أبي أوفى بلفظ: "لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا...".
[69] ) رواه البخاري ج13 ص 105 رقم 3883
[70] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 102
[71] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج8 ص 107
[72] ) رواه البخاري ج8 ص 315 رقم 2266
[73] ) رواه البخاري ج10 ص 413 رقم 2924
[74] ) التحرير والتنوير ج4 ص 167
[75] ) رواه مسلم ج2 ص 425 رقم 654
[76] ) رواه أبو داود ج2 ص 309 رقم 570
[77] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 147 رقم 2607 ، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم وله شاهد من حديث ابن اسحق القرشي ، وقال الذهبي في التلخيص على شرط مسلم
[78] ) أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي : معاني الآثار ج6 ص 462
[79] ) أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي : معاني الآثار ج6 ص 462
[80] ) رواه البخاري ج10 ص 394 رقم 2909
[81] ) رواه البخاري ج10 ص 394 رقم 2909
[82] ) ابو عمر النمري القرطبي : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ج6 ص 460
[83] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص109
[84] ) تفسير الخازن ج3 ص 200 تفسير الرازي ج7 ص 410
[85] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 394
[86] ) تفسير الرازي ج7 ص 410
[87] ) رواه البخاري ج22 ص 50 رقم 6609
[88] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323
[89] النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج2 ص 570
[90] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 1055
[91] ) الشيخ عطية محمد سالم : شرح بلوغ المرام ج34 ص 4
[92] ) تفسير السعدي ج1 ص 126
[93] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص 111
[94] ) رواه البخاري ج18 ص 124 رقم 5362
[95] ) رواه البخاري ج14 ص 187 رقم 4276
[96] ) رواه مسلم ج13 ص 403 رقم 5016
[97] ) مدارج السالكين ج2 ص 265
[98] ) رواه البخاري ج1 ص 209 رقم 120
[99] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 113
[100] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1837
[101] ) رواه البخاري ج20 ص 153 رقم 6018
[102] شرح السنة للإمام الغوي ج14 ص 323
[103] شرح النووي ج18 ص 116
[104] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج10 ص 208
[105] ) رواه البخاري ج10 ص 28 رقم 2683
-
الاربعاء PM 01:01
2026-04-22 - 13



