المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 426281
يتصفح الموقع حاليا : 280

البحث

البحث

عرض المادة

قصة الاحتلال الصهيوني لفلسطين

بقلم: أ. عبدالمجيد فاضل

أوَّلًا – كيف تَمَّ تجْمِيعُ الصهاينة في فلسطين؟

قال الأستاذ الدكتور محمود بن عبد الرحمن قدح: "الْيَهُود لم تقم لَهُم قَائِمَة وَلَا دولة وَلَا كيان فِي فلسطين إِلَّا فِي عصرنا المؤلم حينما تحالفت الْيَهُودِيَّة الماكرة مَعَ الصليبية الحاقدة – الَّتِي احتلت بِلَاد الْمُسلمين بجيوشها الصليبية – فِي تشريد الْمُسلمين وسلب أراضيهم فِي فلسطين وخاصة بَيت الْمقدس ومنحها أَو بيعهَا للْيَهُود وتشجيع هجرتهم إِلَيْهَا من شَتَّى بقاع الأَرْض لإِقَامَة دولة غاصبة لَهُم فِي فلسطين...

تكونت فِي أوروبا وأمريكا وآسيا وَغَيرهَا عشرات الجمعيات والمنظمات الْيَهُودِيَّة الَّتِي ترعى شؤون الْيَهُود ومصالحهم، وَمن أبرزها (جمعية أحباء صهيون) الَّتِي قدمت عَام 1882م طلبا للقنصل العثماني فِي روسيا يطْلبُونَ الْإِقَامَة فِي فلسطين فَكَانَ الرَّد بالرفض الْقَاطِع من السُّلْطَان عبد الحميد العثماني.

اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يتغلغلوا فِي الأوساط الدِّينِيَّة والاجتماعية والمالية والإعلامية والسياسية فِي الْبِلَاد الغربية ذَات النّفُوذ العالمي مثل بريطانيا وروسيا وفرنسا ثمَّ أمريكا وَغَيرهَا، وَأَن يُسَخِّروا حكومات وشعوب تِلْكَ الْبِلَاد فِي تَحْقِيق الْمصَالح الْيَهُودِيَّة والأهداف الصهيونية وَالَّتِي كَانَت تلتقي مَعَ المطامع والمصالح الصليبية ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين.

فَأَمَّا فِي المجال الديني فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود أَن يندسوا فِي الْكَنِيسَة النَّصْرَانِيَّة ويصلوا إِلَى أَعلَى المناصب الكنسية حَتَّى منصب (بَابا الفاتيكان) ويستصدروا من مجمع (مؤتمر) الفاتيكان العالمي الثَّانِي المنعقد فِي عَام 1963م قراراً بتبرئة الْيَهُود من دم الْمَسِيح عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، ثمَّ أصدر البابا بولس السَّادِس فِي 28 أكتوبر 1965م عَن الْمجمع المسكوني بَيَانا اشْتهر باسم (وَثِيقَة التبرئة) يُؤَكد فِيهِ مَا سبق.

وَأمَّا فِي المجال المالي فقد ظَهرت إمبراطوريات مَالِيَّة يَهُودِيَّة فِي أوروبا وامتد نشاطها إِلَى أمريكا وَمن أبرز تِلْكَ الإمبراطوريات الْمَالِيَّة عائلةُ (روتشيلد) الْيَهُودِيَّة وَغَيرُهَا الَّتِي قَامَت بتمويل الحركات الثورية والمنظمات الصهيونية الَّتِي تخْدم مصَالح الْيَهُود.

وَأمّا فِي المجال الإعلامي فقد سيطر الْيَهُود عَن طَرِيق المَال بشرائهم وإنشائهم للمؤسسات الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية وَعَن طريقها كَانُوا يتحكمون فِي الحكومات والشعوب وتوجيههم حسب خطط الْيَهُود وأهدافهم ومصالحهم...

وَأمّا فِي المجال السياسي فقد اسْتَطَاعَ الْيَهُود السيطرة عَلَيْهِ والتغلغل فِيهِ عَن طَرِيق الإغراء المالي والجنسي والتأثير الإعلامي والجمعيات الماسونية للوصول إِلَى أَعلَى المناصب السياسية أَمْثَال الْيَهُودِيّ (بنيامين دزرائيلي) رَئِيس وزراء بريطانيا، وأعضاء الحزب الشيوعي فِي روسيا بعد الانقلاب الشيوعي – الَّذِي أطاح بالحكم القيصري النَّصْرَانِي – كَانَ معظمهم من الْيَهُود، وَكَذَلِكَ أَعْضَاء الكونجرس الأمريكي ووزراء ومستشارو الرئيس الأمريكي ومعاونوه.

فِي عَام 1896م أصدر الصحفي الْيَهُودِيّ (ثيودور هرتزل) كِتَابه (الدولة الْيَهُودِيَّة) ودعا إِلَى مؤتمر (بازل) بسويسرا عَام 1897م حَضَره زعماء الْيَهُود وحاخاماتهم من جَمِيع أنحاء الْعَالم وتقرر فِيهِ إنْشَاءُ (المنظمة الصهيونية العالمية) وَاخْتِيَارُ فلسطين لتَكون وطناً قومياً للْيَهُود بعد تجميعهم فِيهَا من أنحاء الْعَالم وبذل كَافَّة الجهود لتحقيق ذَلِك.

فِي عَام 1901م أنشأ هرتزل (الصندوق الْيَهُودِيّ الوطني) لشراء الْأَرَاضِي فِي فلسطين، وَعرض على السُّلْطَان عبد الحميد العثماني رشوة مَالِيَّة ضخمة مُقَابل السماح للْيَهُود بِالْهِجْرَةِ إِلَى فلسطين فرفض السُّلْطَان – رَحمَه الله – ذَلِك الْعرض الدنيء وَقَامَ بطرد هرتزل.

فِي عَام 1909م تمكن الماسونيون من الإطاحة بالسلطان عبد الحميد وعزله بانقلاب عسكري عَلَيْهِ، وتولَّى حزبُ الِاتِّحَاد والترقي (مُعظم أَعْضَائِهِ من يهود الدونمة السلانيك والماسونيين) للسلطة الفعلية فِي تركيا، ثمَّ قَامُوا بإلغاء الْخلَافَة العثمانية فِي عَام 1924م على يَد مصطفى كَمَال أتاتورك (عميل الغرب).

ثمَّ فِي 2 نوفمبر 1917م أصدر وَزِير خارجية بريطانيا (بلفور) وعده المشؤم بمنح الْيَهُود حق إِقَامَة وَطن قومِي لَهُم فِي فلسطين ومساعدتهم فِي ذَلِك.

وَفِي نفس الْعَام 1917م احتلت الجيوش البريطانية فلسطين بعد هزيمَة الدولة العثمانية حليفة ألمانيا فِي الْحَرْب العالمية الأولى (1914م – 1917م) ، ثمَّ وضعت فلسطين وَمَا جاورها تَحت الانتداب البريطاني بموافقة عصبَة الْأُمَم المتحدة (الدول الغربية) فِي 25 إبريل من عَام 1929م إِلَى عَام 1932م حَيْثُ قَامَت بريطانيا بتحقيق وعد بلفور المشؤم فِي تشجيع ودعم الْهِجْرَة الْيَهُودِيَّة إِلَى فلسطين وتوطينها وحمايتها، فَهَاجَرَ إِلَى فلسطين أثْنَاء مُدَّة الانتداب البريطاني مَا يقرب من 118 ألف يَهُودِيّ كوّنوا عصابات إرهابية مسلحة مثل الهاجاناه [كلمة عبرية تَعْنِي الدفاع]، والأرجون [اخْتِصَار جملَة تَعْنِي (المنظمة العسكرية القومية فِي أَرض إِسْرَائِيل)]، وشتيرن [تَعْنِي (المحاربون من أجل إِسْرَائِيل)]، وقوات البالماخ [تَعْنِي (سَرَايَا الصاعقة)] وَغَيرهَا بهدف الاستيلاء على أَرَاضِي الْمُسلمين وتشريدهم وإرهابهم، وَقد اندمجت تِلْكَ العصابات الْيَهُودِيَّة بعد ذَلِك فِي (جَيش الدفاع) فِي الدولة الْيَهُودِيَّة.

فِي 26 نوفمبر 1947م أصدرت الْأُمَم المتحدة قَرَارهَا بتقسيم فلسطين بَين الْمُسلمين وَالْيَهُود وانتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.

ثمَّ فِي 15 مايو 1948م أعلن بن جوريون قيام دولة يَهُودِيَّة فِي فلسطين على إثر إعلان بريطانيا انْتِهَاء الانتداب، وَقد تسارعت الدول الغربية الصليبية الَّتِي تتلاقى مصالحها ومطامعها مَعَ المخططات الْيَهُودِيَّة إِلَى الِاعْتِرَاف بالدولة الْيَهُودِيَّة الغاصبة وَفِي مُقَدّمَة تِلْكَ الدول أمريكا وروسيا وفرنسا". [موجز تاريخ اليهود والرد على بعض مزاعمهم الباطلة، محمود بن عبد الرحمن قدح، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، السنة: التاسعة والعشرون – العدد (107) – (1418/1419هـ)، ص263 وما بعدها].

 

ثانياً – التوراة بريئةٌ من الاحتلال الصهيوني لفلسطين:

أكّد الحاخام اليهودي دوفيد وايث المتحدث باسم حركة “ناتوري كارتا” أنَّ التوراة تُحرّم على اليهود دخول المسجد الأقصى، وأنه لا حقَّ لليهود في إقامة مملكة خاصة بهم حتى مجيء المسيح الذي يُمثل الخلاص بالنسبة لهم./ انظر مقالاً نُشِر بصحيفة ”الراية“، بتاريخ: السبت 3 مارس 2012م.

رابط المقال: https://www.raya.com/2012/03/03

وجاء في كتاب «أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي»: "يعتقد اليهود أن عودتهم إلى أرض الميعاد سوف تتم على يد المسيح المنتظر، Paraclet ويُقصَد به المنقذ أو المُخلِص؛ إذ سوف يبعثه الله من صهيون مِن نسل داود، لينقذهم من المحن والشدائد والهوان، جزاءَ عصيانهم أوامر الله، ومروقهم عن طاعة أنبيائه، وإمعانهم في الآثام والموبقات، وينتقم لهم من جميع الشعوب، ويفرض عليها سلطان اليهود.

وجاء في التوراة (الإصحاح الثاني من سِفْرِ الملوك الثاني): إنه ظهر في مملكة إسرائيل في عهد الملك أخاب ابن عمري النبيّ إيليا التشبيه، داعيًا إلى تطهير البلاد من أدران الوثنية والمفاسد الخُلُقية التي تَرَدَّى فيها المجتمع الإسرائيلي، إلّا أن دعوته صادفت  ازْوِراراً وإنكارًا، فصعد إلى السماء في غمار عاصفةٍ عاتيةٍ، مستقلًا مركبةً ناريةً، تجرها خيل من نار كذلك.

ويعيش اليهود على أمل هبوط النبيّ إيليا من السماء، بشيرًا بِمَقْدَمِ المسيح المنتظر هاديًا ومخلصًا". [أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي، علي محمد جريشة – محمد شريف الزيبق، دار الوفاء، الطبعة: الثالثة 1399هـ - 1979م، ص 156 -157].

تعقيب: النّصُّ الذي أوردَه الكاتبان جاء في سِفْر الملوك الثاني هكذا:

1 ولمَّا حانَ الوقتُ أنْ يُرفَعَ إيليَّا في العاصفةِ إلى السَّماءِ، ذهَبَ إيليَّا معَ أليشَعَ مِنَ الجِلجالِ...

11 وفيما كانا سائِرَينِ وهُما يتَحدَّثانِ، إذا مَركبةٌ ناريَّةٌ وخَيلٌ ناريَّةٌ فصَلَت بَينَهُما، وا‏رْتَفَعَ إيليَّا في العاصفةِ نحوَ السَّماءِ.

تعقيب: حقيقة المسيح المنتظر عند اليهود:

قال النَّبِيُّ ﷺ: "ما من نبيٍّ إلا وأنذر قومَه الأعْوَرَ الدَّجَّالَ، ألا إنه أَعْوَرُ، وإنَّ ربَّكم ليس بأعْوَرَ، ومكتوبٌ بين عَيْنَيْهِ (ك ف ر)". [أخرجه البخاري، ومسلم باختلاف يسير].

لا شك إذن أن موسى عليه السلام أنذر قومَه بني إِسْرَائِيل المسيح الدجال، فهم يعرفونه جيداً، ولكن أين هي النصوص في التوراة التي تذكر صراحة الدجال وخطورته على الإنسانية؟ هل حذفها اليهود أمْ حرَّفوا معناها؟

إنّ اليهود معروفون بحب الدنيا وحُبِّ السيطرة على باقي الشعوب واستعبادِهم، ومعروفون بقتل الأنبياءِ وحبِّ مَن يُلبِّي شهواتِهم. والدجالُ الأعور هو الشخص المناسب لتلبية طموحاتهم كلِّها؛ ولذلك فإنهم – إلَّا مَن رحم الله – لم يؤمنوا بعيسى عليه السلام، وكفروا بالنبي محمد ﷺ. إنّهم في الحقيقة ينتظرون المسيح الدجال، الذي أفعالُهُ تتوافق مع تطلعاتهم، وهذا هو السّر في كونهم أوَّلَ من يؤمنون به ويتبعونه، كما أخبرنا بذلك نبِيُّنا ﷺ.

إن المسيح الدجال هو الذي سيخرج في آخر الزمان، ويدعي الألوهية، وهو الذي سيعيث في الأرض فسادا، ويَسْتَعْبِدُ مَن يتبعونه!

 

ثالثاً – هل باع الفلسطينيون أرضهم لليهود؟

قال الأستاذ الدكتور المُؤرِّخ محسن محمد صالح: "لقد بدأت المقاومة الفلسطينية النشطة للاستيطان اليهودي في فلسطين منذ أن بدأ هذا المشروع بالظهور، ومنذ المراحل الأولى المُبكِّرة له، في أيام الدولة العثمانية. فقد حدثت صدامات بين الفلاحين الفلسطينيين وبين المستوطنين اليهود 1886، وعندما جاء رشاد باشا متصرفاً للقدس وأبدى محاباة للصهاينة قام وفد من وجهاء القدس بتقديم الاحتجاجات ضده في مايو 1890، وقام وجهاء القدس في 24 يونيو 1891 بتقديم عريضة للصدر الأعظم (رئيس الوزراء) في الدولة العثمانية طالبوا فيها بمنع هجرة اليهود الروس إلى فلسطين وتحريم استملاكهم للأراضي فيها. وقام علماء فلسطين وممثلوها لدى السلطات العثمانية، كذلك صحف فلسطين بالتنبيه على خطر الاستيطان اليهودي والمطالبة بإجراءات صارمة لمواجهته. وترأس الشيخ محمد طاهر الحسيني مفتي القدس سنة 1897 هيئةً محلية ذات صلاحيات حكومية للتدقيق في طلبات نقل الملكية في متصرفية بيت المقدس، فحال دون انتقال أراض كثيرة لليهود. وكان للشيخ سليمان التاجي الفاروقي الذي أسس الحزب الوطني العثماني في سنة 1911 دوره في التحذير من الخطر الصهيوني، وكذلك فعل يوسف الخالدي، وروحي الخالدي، وسعيد الحسيني ونجيب نصار.

الفساد الإداري: ورغم أن السلطان عبد الحميد والسلطات المركزية أصدرت تعليماتها بمقاومة الهجرة والاستيطان اليهودي، إلا أن فساد الجهاز الإداري العثماني حال دون تنفيذها، واستطاع اليهود من خلال الرشاوى شراء الكثير من الأراضي، ثم إن سيطرة حزب الاتحاد والترقي على الدولة العثمانية وإسقاطهم السلطان عبد الحميد 1909، والنفوذ اليهودي الكبير بداخله، قد سهل استملاك اليهود للأرض وهجرتهم لفلسطين. ومع نهاية الدولة العثمانية 1918 كان اليهود قد حصلوا على حوالي 420 ألف دونم من أرض فلسطين اشتروها من ملاك إقطاعيين لبنانيين مثل آل سرسق، وتيان، وتويني، ومدور، أو من الإدارة العثمانية عن طريق المزاد العلني الذي تباع فيه أراضي الفلاحين الفلسطينيين العاجزين عن دفع الضرائب المترتبة عليهم، أو من بعض المالكين الفلسطينيين – ومعظمهم من النصارى – أمثال عائلات روك، وكسار، وخوري وحنا. وقد غطت عمليات الشراء هذه نحو 93% من الأرض التي حصلوا عليها. وعلى أي حال، فإن الخطر الصهيوني لم يكن يمثل خطراً جدياً على أبناء فلسطين في ذلك الوقت، لضآلة الحجم الاستيطاني والسكاني اليهودي وللاستحالة العملية لإنشاء كيان صهيوني في ظل دولة مسلمة (الدولة العثمانية).

بريطانيا والدور القذر: وعندما وقعت فلسطين تحت الاحتلال البريطاني 1917 – 1948، كان من الواضح أن هذه الدولة جاءت لتنفيذ المشروع الصهيوني وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وقد استثمرت كل صلاحيات الحكم الاستعماري وقهره لفرض هذا الواقع. وقد قاومت الحركة الوطنية الفلسطينية الاستيطان اليهودي بكل ما تملك من وسائل سياسية وإعلامية واحتجاجية، وخاضت الكثير من الثورات والمجابهات. وقد بلغ مجموع ما تمكن اليهود من الاستيلاء عليه خلال فترة الاحتلال البريطاني حوالي مليون و 380 ألف دونم أي حوالي 5.1% فقط من أرض فلسطين رغم ما جندته من إمكانات عالمية، ورؤوس أموال ضخمة، وتحت الدعم والإرهاب المباشر لقوة الاحتلال غاشمة.

ولكن مهلاً! فمعظم هذه الأراضي لم يشتروها في الواقع من أبناء فلسطين! فالحقائق الموضوعية تشير إلى أن معظم هذه الأراضي تسرب لليهود عن طريق منح حكومية بريطانية لأراضي فلسطين الأميرية "أراضي الدولة"، أو عن طريق ملاك إقطاعيين كبار غير فلسطينيين كانوا يقيمون في الخارج، ومُنِعوا عملياً ورسمياً من الدخول إلى هذه المنطقة (تحت الاحتلال البريطاني) لاستثمار أرضهم إن كانوا يرغبون بذلك فعلاً.

فقد منحت السلطات البريطانية نحو 300 ألف دونم لليهود من الأراضي الأميرية دون مقابل، كما منحتهم 200 ألف دونم أخرى مقابل أجر رمزي، ففي عهد هربرت صموئيل أول مندوب سام بريطاني على فلسطين (1920 – 1925) وهو يهودي صهيوني، قام بمنح 175 ألف دونم من أخصب أراضي الدولة على الساحل بين حيفا وقيسارية لليهود، وتكررت هباته الضخمة من الأراضي الساحلية الأخرى وفي النقب وعلى ساحل البحر الميت.

وكان هناك أملاك إقطاعية ضخمة لعائلات حصلت على هذه الأراضي، خصوصاً سنة 1869 عندما اضطرت الدولة العثمانية لبيع أراض أميرية لتوفير بعض الأموال لخزينتها، فقامت بشرائها عائلات لبنانية غنية، وقد مثَّل ذلك وجهاً آخر للمأساة. فقد باعت هذه العائلات ما مجموعه 625 ألف دونم. فقد باعت عائلة سرسق اللبنانية أكثر من 200 ألف دونم من أراضي مرج ابن عامر للصهاينة وتسبّب ذلك في تشريد 2746 أسرة عربية هم أهل 22 قرية فلسطينية، كانت تفلح هذه الأراضي لمئات السنين. وتكررت المأساة عندما باعت عائلات لبنانية أخرى حوالي 120 ألف دونم حول بحيرة الحولة شمال فلسطين، كما باعت أسرتان لبنانيتان أراضي وادي الحوارث (32 ألف دونم) مما تسبب في تشريد 15 ألف فلسطيني. ومن العائلات التي قامت ببيوع كبيرة للأراضي لليهود في أثناء الاحتلال البريطاني: آل سلام، وآل تيان، وآل قباني، وآل يوسف، والصباغ، والتويني، والجزائرلي، وشمعة، والقوتلي، والمارديني، وكلها أسر لبنانية أو سورية. وقد بلغت نسبة الأراضي الزراعية التي باعها الملاك الإقطاعيون الغائبون خارج فلسطين خلال الفترة 1920 ـ 1936 ما نسبته 55.5% مما حصل عليه اليهود من أراض زراعية. وعلى الرغم مما يتحمله من قام بهذه البيوع من أبناء هذه العائلات من مسئولية، فإن اللوم لا يقع بشكل كامل عليهم وحدهم، إذ إن السلطات البريطانية منعتهم من الدخول لاستغلال هذه الأراضي، بحجة أنهم أجانب، وذلك بعد أن تم فصل فلسطين عن سوريا ولبنان وفق تقسيمات سايكس-بيكو بين الاستعمارين البريطاني والفرنسي.

أما مجموع ما تسرب إلى أيدي اليهود من أراض باعها لهم عرب فلسطين خلال الاحتلال البريطاني فكان حوالي 260 ألف دونم. وقد حصل اليهود على هذه الأراضي بسبب الظروف القاسية التي وضعت حكومة الاستعمار البريطاني الفلاحين الفلسطينيين فيها، ونتيجة لاستخدام البريطانيين لأسلوب نزع الملكية العربية لصالح اليهود وفق مواد من صك الانتداب البريطاني على فلسطين، والتي تخول المندوب السامي هذا الحق. كما حدثت حالات بيع بسبب ضعف عدد من الفلسطينيين ووقوعهم تحت الإغراءات المادية وليس من المستغرب أن توجد في كل زمان ومكان في أي بلد عربي أو غير عربي، فئات قليلة تضعف أمام الإغراءات ، لكنها على أي حال فئة منبوذة محارَبة من مجمل أبناء شعب فلسطين، وقد تعرض الكثير منهم للمقاطعة والتصفية والاغتيال خصوصاً في أثناء الثورة العربية الكبرى التي عمت فلسطين خلال 1936 ـ 1939.

وعلى هذا فإن مجموع ما حصل عليه اليهود من أبناء فلسطين حتى سنة 1948 لا يتجاوز 1% من أرض فلسطين، وخلال سبعين عاماً من بداية الاستيطان والهجرة المنظمة لفلسطين، وتحت ظروف قاسية. وهذا بحد ذاته يبرز مدى المعاناة التي لقيها اليهود في تثبيت مشروعهم وإنجاحه في فلسطين، ومدى إصرار الفلسطينيين على التمسك بأرضهم.

فتاوى بتحريم بيع الأرض لليهود: وقد قام أبناء فلسطين خصوصاً في الثلاثينيات من القرن العشرين بجهود كبيرة في محاربة بيع الأراضي، وكان للمجلس الإسلامي الأعلى بقيادة الحاج أمين الحسيني، وعلماء فلسطين دور بارز. فقد أصدر مؤتمر علماء فلسطين الأول في 25 يناير 1935 فتوى بالإجماع تحرِّم بيع أي شبر من أراضي فلسطين لليهود، وتعدُّ البائع والسمسار والوسيط المستحل للبيع مارقين من الدين، خارجين من زمرة المسلمين، وحرمانهم من الدفن في مقابر المسلمين، ومقاطعتهم في كل شيء والتشهير بهم. وقام العلماء بحملة كبرى في جميع مدن وقرى فلسطين ضد بيع الأراضي لليهود، وعقدوا الكثير من الاجتماعات وأخذوا العهود والمواثيق على الجماهير بأن يتمسكوا بأرضهم، وأَلا يفرطوا بشيء منها. وقد تمكن العلماء من إنقاذ أراض كثيرة كانت مهددة بالبيع، واشترى المجلس الإسلامي الأعلى قرى بأكملها مثل دير عمرو وزيتا، والأرض المشاع في قرى الطيبة وعتيل والطيرة، وأَوْقف البيع في حوالي ستين قرية من قرى يافا. وتألفت مؤسسات وطنية أسهمت في إيقاف بيع الأراضي، فأُنشِئَ "صندوق الأمة" بإدارة الاقتصادي الفلسطيني أحمد حلمي باشا، وتمكن من إنقاذ أراضي البطيحة شمال شرقي فلسطين، ومساحتها تبلغ ثلاثمائة ألف دونم.

الخسارة والسبب الحقيقي: إن الخسارة الحقيقية لأرض فلسطين لم تكن بسبب بيع الفلسطينيين لأرضهم وإنما بسبب هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948، وإنشاء الكيان الصهيوني – إثر ذلك – على 77% من أرض فلسطين، وقيامه مباشرة وبقوة السلاح بطرد أبناء فلسطين، والاستيلاء على أراضيهم، ثم باحتلال باقي أرض فلسطين إثر حرب 1967 مع الجيوش العربية، وقيامه بمصادرة الأراضي تحت مختلف الذرائع. وقد ظلت نظرة أبناء فلسطين حتى الآن إلى من يبيع أرضه أو يتوسط بالبيع نظرة احتقار وازدراء، وظل حكم الإعدام يلاحق كل من تُسوِّل له نفسه بيع الأرض، وقام رجال الثورة الفلسطينية بتصفية الكثير من هؤلاء على الرغم من حماية قوات الاحتلال الصهيوني لهم". [مقال للدكتور محسن محمد صالح بعنوان «هل باع الفلسطينيون أرضهم؟ وتخلوا عنها لليهود؟!»، نُشِر بموقع «إسلام ويب»، بتاريخ: 02/09/2022].

(*) البروفسور محسن محمد صالح، كاتب وباحث أرْدُنّيّ من أصل فلسطيني، وحاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر. أستاذ في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، ومتخصص في الدراسات الفلسطينية، سياسياً واستراتيجياً وتاريخياً./ رابط المقال: https://www.islamweb.net/ar/article/81812

 

وكتبه: أ. عبد المجيد فاضل/ بتاريخ: الجمعة 29 جمادى الآخرة 1445 هـ – 12 ديسمبر 2023 م

 

 

  • الاربعاء PM 04:54
    2024-01-17
  • 775
Powered by: GateGold