المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 401774
يتصفح الموقع حاليا : 346

البحث

البحث

عرض المادة

جناية المعتزلة على العقل و الشرع فيما يتعلق بالقضاء و القدر، وخلق أفعال العباد، والهداية و الضلال

اتخذ المعتزلة مواقف تتعلق بالقضاء و القدر، و أفعال العباد، و الهداية و الضلال  بنوها على مذهبيتهم الاعتزالية انطلاقا من تقديمهم لآرائهم و أهوائهم على الشرع و العقل،و ممارستهم للتأويل التحريفي في فهمهم للنصوص الشرعية . فما تفاصيل ذلك ؟، و ما هي مظاهر جنايتهم على الشرع و العقل فيما يخص تلك المواضيع ؟ .

 

أولا: من جنايات المعتزلة المتعلقة بالقضاء و القدر:

   تبنى المعتزلة آراءً تتعلق بالقضاء و القدر و المشيئة الإلهية خالفوا بها الوحي الصحيح ، و العقل الصريح، و الفهم الصحيح ، أذكر منها طائفة من خلال نماذج من أقوال علمائهم .

     منها قول يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي (ق: 3هـ ) قال منتقدا مخالفيه من أهل السنة و غيرهم : (( فزعموا أن الله شاء شيئا و نهى عنه ، و أراد شيئا و منع منه ، و أنه أرسل رسله إلى جميع خلقه يدعوهم إلى أمر قد منعهم منه ... ))[1]  .

 

   و أقول: هذا نموذج  عن سوء فهم المعتزلة لموضوع الإرادة و المشيئة و الهداية و الضلال ،و القضاء و القدر ، بسب انحرافهم عن الشرع ، و تقديم ظنونهم و خلفياتهم المذهبية عليه ، و نفيهم للصفات الإلهية و تأويلهم الفاسد لها .

   فواضح من قوله أولا أنه يُشهر بالذين قالوا بخلاف رأيه كأهل السنة من جهة ؛ و لا أدري هل أنه لم يفهم مقصودهم ، أو أنه تعمد ذكر ذلك عنهم بتلك الطريقة لغاية في نفسه من جهة أخرى . فإذا كان لم يفهم مقصودهم الصحيح من ذلك ، فهذا نقص كبير في علمه ، و شاهد على أنه لم يكن من الراسخين في العلم . و إذا كان فَهِمَه و أنكره انتصارا لمذهبه الاعتزالي ، فهذه انحراف كبير عن الشرع و العقل ، و ليس من سلوك العلماء النزهاء المحايدين  . وهو بهذا يكون  رد الشرع قبل أن يرد قول أهل السنة .

 

    و ثانيا إن تفصيل ما أنكره عليهم ، و بيان بطلان زعمه يتمثل في أنه قد قام الدليل الشرعي القطعي بأن كل أفعال الإنسان مسبوقة و محكومة قضاءً و قدرا بالمشيئة الإلهية ، و لا يُمكنها أن تتجاوزها و لا أن تخرج عنها ، لقوله سبحانه : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30-، و{ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }الأنعام111- ،و {وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ }المدثر56- ،و{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }-الكهف: 23-24- ،و  {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ }الأعراف89- ،و {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }التوبة51-،و  ،و {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ }القمر53-، و {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }القمر49-،و {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }الحديد22- ،و {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً }الإسراء58-  .

 

     و من الأحاديث النبوية ما رواه مسلم أن النبي- عليه الصلاة و السلام - قال : « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة - قال - وعرشه على الماء »[2]. و في حديث آخر : ((كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء  ))[3] . و قوله-عليه الصلاة و السلام- : ((يا غلام ! إني أعلمك كلمات أحفظ الله يحفظك،  أحفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله . و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام و رفعت الصحف ))[4]  .

 

   و كما أن الشرع نص على أن كل ما في العالم من مخلوقات و أفعال البشر خاضعة لقضاء الله و قدره و مشيئته ، فإن العلم الحديث هو أيضا يُشير إلى ذلك بوضوح . فإذا نظرنا إلى ما يقوله العلم  حول نشأة الكون و نهايته نجده يذكر معطيات تشهد على وجود قضاء و تقدير ، وفق تخطيط مُسبق  يسير عليه العالم ، و خاضع لإرادة حكيمة مُهيمنة عليه . من ذلك : ظهور الكون فجأة ، بحدوث الانفجار العظيم ، فكوّن هذا الانفجار كوناً مُنظما مُحكما لا خلل فيه و لا عبث ، مع أن المعروف أن الانفجار يُؤدي إلى التدمير لا إلى البناء . فما معنا هذا ؟؟!! . ثم يمر الكون بمراحل طويلة تنتهي بظهور الكواكب و النجوم ، و تكوّن البحار و النباتات و الثروات على الأرض ، فماذا يعني هذا ؟؟!! .  ثم تظهر الحيوانات على اختلاف أنواعها و أصنافها ، فينقرض بعضها ، و يبقى بعضها الآخر ، و تظهر أخرى أيضا فماذا يعني هذا ؟؟!! . ثم في النهاية يظهر الإنسان فيجد الأرض مهيأة له ليعيش فيها من دون أن ينقصه شيء . ثم تولى الإنسان عمارتها بما أحدث فيها من صلاح و فساد ، و عدل و ظلم ، فماذا يعني هذا ؟؟!! . ثم يقول لنا العلم : إن الكون بعد هذه المراحل الذي مرّ بها فهو سائر نحو الزوال[5] . فلماذا ينتهي العالم؟؟!! و على ماذا يدل كل الذي ذكرناه ؟؟، إنه يدل على أن العالم مُخطط له مُسبقا وفق خطة مرسومة لا يحيد عنها . و هذا شاهد علمي قوي دامغ على وجود القضاء و القدر و الإرادة الإلهية المهيمنة على العالم نشأة و نهاية .

 

    و بناءً على ذلك فإن وجود الكفر في العالم داخل في مشيئة الله تعالى ، و لا يُمكن أن يُوجد لو لم يكن داخلا فيها . و من جهة أخرى فإن الله تعالى قد نهى عن الكفر و حّذّر منه ، و أعذّ لأهله نار جهنم . فالله تعالى شاء أشياءً و أمر بها ، و شاء أشياءً و نهى عنها بناء على الأمانة التي حملها الإنسان ، و على أنه كائن مُختار في الجانب المُكلف فيه . فلله تعالى إرادة شرعية دينية تتعلق بالأمر و النهي ، و إرادة كونية شامله تتعلق بقضاء الله تعالى و قدره و هيمنته على الكون و ما فيه من جهة ، و إرادته الشرعية مرتبطة بما يُجازي به الطائعين ، و يُعاقب به العصاة حسب أعمالهم المختارين فيها من جهة أخرى.

 

    و ثالثا فإن الله تعالى عندما أمر الناس بالإيمان و نهاهم عن الكفر ، فهدى المؤمنين  و ضل الكفار ، لا يعني أنه أراد الإيمان للكفار و منعهم منه كما زعم الرجل . و إنما المقصود أن الإرادة التي أرد بها الإيمان لكل البشر و أحبه لهم هي الإرادة المتعلقة بأمره و نهيه و بما يُحبه و يرضاه لعباده ، و هذا الجانب مُتعلق بحرية بني آدم و اختيارهم . فإن هم آمنوا و أصلحوا هداهم الله تعالى إلى ما أمرهم به . و إن هم كفروا و أفسدوا في الأرض عاقبهم بأن أضلهم الله تعالى و حرمهم من الإيمان لأنهم طغوا و تكبروا . فهو سبحانه أمرهم بالإيمان من جهة الاختيار ، فلما كفروا شاء لهم الكفر من باب التقدير الكوني ،و حرمهم من الإيمان من باب التدخل لعقابهم . فالله تعالى فرض على الإنسان عبادة خالقه و أمره بها ، فلما لم يلتزم بذلك حرمه من الإيمان و عاقبه على عصيانه .  فأين الإشكال هنا؟؟ . إن الأمر واضح لا إشكال فيه .

 

   و أخيرا- رابعا- إن الله تعالى أرسل رسله مُبشرين و مُنذرين ، فمن آمن و أصلح هداه و لم يمنعه من إتباع الرسل . و من كفر بهم و اتبع هواه أضله الله تعالى ، و منعه من إتباع الرسل . فهو سبحانه لم يمنعه ابتداءً ، و إنما منعه بعدما عصى و أبى إتباع الوحي الإلهي . و هنا قد استخدم الله تعالى إرادته الشرعية مع بني آدم، لأن الأمر يتعلق بالعبادة التي كُلّف بها الإنسان من جهة ، و له فيها حرية التصرف في الطاعة أو العصيان من جهة أخرى . قال تعالى : {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27- ،و { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ }غافر-74- ، و{ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَ }- سورة الليل: 5-10- . 

 

  ثم أن الرجل قال أيضا : (( وأما قوله: ﴿ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة:208]، يعني بكافة: جميعاً، فإذا كان أمره للجميع فكيف يدخل قوم في السلم قد أدخلهم فيه؟ وكيف يأمر قوماً بالدخول فيه، وقد منعهم؟ هذا فعل متلعب عباث، لا ينفذ له أمر في شيء مما يأمر به، ولا مما يريده، فتعالى الله عن ذلك أحكم الحاكمين ))[6] .

 

   و أقول: اعتراضه هذا لا يصح ، لأنه لم يُفرق بين إرادة الله تعالى المتعلقه بأمره و نهيه في شريعته و المتعلق بالجانب ألاحتياري من الإنسان ، و بين إرادة الله و مشيئته المتعلقة بالجانب الكوني القهري الذي ليس للإنسان فيه اختيار . و هذا قد نص عليه الشرع في آيات كثيرة كما سبق أن بيناه . و عليه فإن اعتراضه مُتهافت و لا يصح ، لأن الله تعالى عندما أمر الناس بالدخول في السلم كافة أمرهم أمر اختيار لا جبر فيه ، من جهة و هو مُتعلق بالجانب الاختياري من حياتهم ، فيُمكنهم عدم طاعته من جهة أخرى . فهو أمر لا قهر فيه،و يُشبه قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة21- .  فمن استجاب و دخل في السلم وفّقه الله و مكّنه ، و شاء له ذلك ، و من لم يستجب صرفه عنه و شاء له عدم الدخول فيه ، ليس لأن الله تعالى هو الذي منعه ، و إنما عندما هو امتنع من الدخول فيه عاقبه الله تعالى بصرفه عنه و شاء له ذلك . فأين الإشكال هنا ؟؟!! . و من الذي لم يفهم عن الله تعالى الفهم الصحيح أهل السنة أم المعتزلة ؟؟ .

 

   و يُمكن توضيح ذلك بمثال يُبين أن المشيئة قد تكون موافقة لما يحبه الإنسان مثلا ، و قد لا تكون موافقة لما يُحبه ، مما يدل على أن المشيئة أعم مما يُحبه الإنسان و يرضاها ، و مما لا يُحبه و يرضاه . فمن ذلك الجمع بين مشيئة شيء و إرادته مع عدم محبة حدوثه و الرضا عنه . مثاله أن مدير مدرسة عنده ولده يدرس عنده ، لكنه تلميذ كسول لا يعمل ،و مُهمل لدروسه ، لكن والده المدير مُنضبط و مُلتزم بالقانون ألزم نفسه إدارة مؤسسته بعدل و شفافية من دون محاباة أحدٍ . و مع أن هذا المدير قادر على مساعدة ابنه بطريقة أو أخرى على الانتقال إلى الصف الثالث مثلا ، و هو يُحب أن ينتقل ابنه ، و لا يرضى له الرسوب، و لا يُشرّفه رسوبه ، لكنه مع ذلك وافق على رسوبه ،و أراده له و أصر على تنفيذه . فهذا المدير شاء أمرا و نفّذه مع أنه لا يُحبه و لا يرضاه من جهة ، لكنه نفّذه التزاما بالعدل و النزاهة ، و اعترافا بفشل ابنه ،و عقابا له من جهة أخرى .

 

    و من أقوالهم أيضاً قول محمود الزمخشري : ((  والحكيم الغني العالم بقبحها، العالم بغناه عنها متعال أن يفعلها أو يريدها أو يرضاها أو يأمر بها علوًّا كبيرًا؛ ولأن الله أمر بالخير ووعد عليه الثواب العظيم، ونهى عن الشر وأوعد عليه العذاب الشديد، وأرسل بذلك الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، فلو كانت هذه أفعاله لكان ذلك عبثا وخروجا عن الحكمة ))[7].

 

   و أقول: كلامه هذا يتضمن نفس كلام المعتزلي السابق ، في عدم التفريق بين الإرادة الإلهية الشرعية المتعلقة بالعبادة و حرية الإنسان ، و إرادته الكونية القهرية المهيمنة على المخلوفات و أفعالها . فلا أدري هل هذا الرجل أخطأ في الفهم ، أو أنه لا يعي ما يقول ، أو أنه تعمد قول ذلك لغاية في نفسه ؟؟!! . لأن كلا من الشرع و العقل يشهدان على ضرورة التفريق بين الإرادة الكونية المًهيمنة على العالم ،و الإرادة الشرعية المتعلقة بأوامره و ما يحبه و ما لا يُحبه، و ما يرضاه و ما لا يرضاه سبحانه و تعالى ، فلا تلازم بين الإرادتين . فلماذا هذا الإصرار عل التسوية بينهما ،و  عدم التفريق بينهما ؟؟ !! .

 

  و تفصيل ذلك أولا هو أن كلا من الشرع و الواقع يشهدان على أن الله تعالى خلق هذا العالم بإرادته و مشيئته و قدرته و لم يُشاركه في ذلك أحد . فكان من مخلوقاته الإنسان ، خلقه الله تعالى ولم يكن له –أي للإنسان-اختيار في وجوده ، و ليس هو الذي جعل نفسه مُسيرة في جوانب من ذاته ،و لا هو الذي جعلها مُخيرة في جوانب أخرى . فالإنسان مُجبر على أنه مخلوق ، و مُجبر على أنه مُجبر في جوانب من ذاته ، و مُجبر على أنه مُسيّر في جوانب أخرى ، و لن يستطيع تغيير حاله هذا أبدا . و هذا كله يتعلق بالإرادة الإلهية المُطلقة ، فالله تعالى هو الذي شاء أن يخلقنا على هذا الحال من دون اختيار منا أبدا . و هذه هي الإرادة الإلهية الكونية النافذة التي لا تُرد و لا يُمكن مخالفتها .

 

   و ثانيا إن كلا من الشرع و الواقع يشهدان على أن الله تعالى إذا كان لم يستشيرنا و لا أعطى لنا اختيارا في خلقه لنا ، و فرض علينا إرادته الكونية بقدرته و حكمته و جبروته كما فرضها على العالم بأسره ، فإنه سبحانه خاطبنا بإرادة أخرى تتعلق بالجانب الاختياري من حياة الإنسان . فأخبرنا سبحانه أنه خلقنا لعبادته ،و لم يفرضها علينا فرضا عمليا قهريا ،و إنما فرضها علينا فرضا أمريا يتعلق بما يُحبه و يرضاه ، وأعطى لنا حرية الاختيار ، فمن آمن و عمل صالحا أحبه و رضي عنه و أدخله الجنة ، و من كفر و عصاه أبغضه و غضب عليه و أدخله جهنم خالدا فيها . فهذه الإرادة هي إرادة الله تعالى الشرعية الدينية المتعلقة بحرية الإنسان يستطيع  أن يُخالفها و لا يلتزم بأوامرها ، لكنه لن يستطيع أن يُخالف الإرادة الأولى – الكونية- التي قهر بها الله تعالى العالم بأسره . و هذا معنى قوله تعالى : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30- ، ، فإرادة الإنسان تستطيع أن تخالف أرادة الله الشرعية الدينية المتعلقة بأوامره و نواهيه ، لقوله تعالى : {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ }الكهف29- ، لكنها لن تستطيع مخالفة الإرادة الكونية العامة المتحكمة في كل شيء . منها إرادة الإنسان الحرة فهي ليست مُطلقة تفعل كل ما تريد ،و الواقع يشهد على ذلك من جهة ، و الله تعالى نص عليها بوضوح في قوله سبحانه : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدا } سورة الكهف : 23-24- ، فهي إرادة محكومة بالإرادة الكونية و لن تستطيع أن تفلت منها و لا أن تخالفها كما استطاعت أن تخالف الإرادة الثانية . و لهذا قيل : عبدي أنت تريد ، و أنا أريد ، و لا يكون إلا ما أُريد .

 

   علماً بأنه إذا كانت إرادة الإنسان في طاعتها للأمر و النهي أو مخالفتهما تستطيع أن تقول : نعم ، أو لا . فإنها من جهة أخرى هي نسبية لها مجال مُحدد تعمل فيه ،و ليست مُطلقة تفعل ما تشاء  . و إنما هي أيضا محكومة بالإرادة الكونية التي يأتي منها الإذن و الموافقة على الحدوث من عدمه . و هذا هو الذي نسيه المعتزلة أو تناسوه في موقفهم من الإرادة الإلهية بنوعيها .

 

 و منها أيضا أقوالهم المتعلقة بنفيهم دخول أفعال البشر الشريرة و القبيحة في قضاء الله و قدره و مشيئته لها .  فقد أجمعت المعتزلة على أن الله تعالى (( عدلا حكيما لا يفعل القبيح و لا يُريده ))[8]. فأفعاله سبحانه كلها حسنة ،و أنه لا يفعل القبيح ، و لا يُخِل بما هو واجب عليه، فهذا من العدل عندهم [9] . و ما يوجد من قبائح في الكون ليس من فعل الله تعالى[10] .

 

    و من ذلك أيضا أنه رُوي أن كبير المعتزلة واصل بن عطاء دخل على الوالي الأموي فقال له : (( بلغني أنك قلت قولا فما هو؟ قال : أقول يقضي الله الحق ويحب العدل، قال : ما بال الناس يكذبونك قال : يحبون ان يحمدوا أنفسهم ويلوموا خالقهم، قال: لا ولا كرامة ألزم شانك )) [11] .

 

      و روى القاضي عبد الجبار أن (( واصل بن عطاء رد على جعفر الصادق الذي اتهمه بالابتداع في الدين و تفريق الكلمة . فرد عليه واصل بقوله : ((   الحمد لله العدل في قضائه، الجواد بعطائه، المتعالي عن مذموم، والعالم بكل خفي مكتوم، نهى عن القبيح ولم يقضه، وحث على الجميل ولم يَحُلْ بينه وبين خلقه)) [12] .

 

     و قوله هذا شرحه الشهرستاني ، فذكر أن موقف المعتزلة أصله من القدرية الذين سبقوهم ، ثم أشار إلى موقف واصل بن عطاء فقال:(( وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني وغيلان الدمشقي  . وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات فقال : إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر ، ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه . فالعبد هو الفاعل للخير والشر ، والإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية ، وهو المجازى على فعله ، والرب تعالى أقدره على ذلك كله  .وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم . قال : ويستحيل أن يخاطب العبد ب: افعل ،  وهو لا يمكنه أن يفعل ، وهو لا يحس من نفسه الاقتدار والفعل ، ومن أنكره فقد أنكر الضرورة واستدل بآيات على هذه الكلمات ))[13] .

 

   و قال المُحسن الجشمي المعتزلي  : (( مسألة في أن الله تعالى لا يفعل القبيح . عندنا: يقدر على القبيح ولا يفعله، وعند المجبرة: يفعله ولا يقبح منه، وعند النظام: لا يقدر على فعل القبيح، وقد ثبت أنه قادرٌ لذاته فلا جنس إلا وهو مقدورٌ له، ولأن القبيح من جنس الحسن، فإذا قدر على الحسن قدر على القبيح  )) [14]  .

 

  و قال القاسم الرسي الزيدي المعتزلي (ق: 3الهجري) : (( فقال لا شريك له: ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ﴾ [النور:61]. لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، لأنه جور وباطل. والله جل ثناؤه لا يقضي جوراً ،ولا باطلاً ولا فجوراً، لأن المعاصي كلها باطل وفجور، والله تعالى أن يكون لها قاضياً ومقدراً، بل هو كما وصف نفسه، جل ثناؤه إذ يقول: ﴿ إن الحكم إلا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين ﴾ [الأنعام:75]. بل قضاؤه فيها كلها النهي عنها، والحكم على أهلها بالعقوبة والنكال في الدنيا والآخرة، إلا أن يتوبوا فإنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ))[15] .

 

   و ذكر يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي أن كلا من العقل و الواقع يشهدان على خطأ القائلين بقضاء الله و قدره لأفعال العباد ، و أنهما يشهدان على صحة موقف المعتزلة . فقال : (( ومن أكبر الحجج عليه ما يصح ويثبت عند أهل النُّهى أنهم زعموا أن جميع ما في الأرض من خير أو شر الله قضاه وأراده وشاءه وقدره. وفي الأرض من يقول: إن الله ثالث ثلاثة، وأن له سبحانه ولداً وصاحبة؛ ومنهم من يقول: إنه لا رب ولا خالق، وأن الأشياء لم تزل كذا: ليل ونهار، وشمس وقمر، وسماء وأرض، ومطر وصحو، وموت وحياة؛ ومن ينكح أمه وابنته و آخته وعمته، وكل ذي رحم محرم عليه، ويأتي كل قبيح من الفعل رديء، ويغشى الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ ويقول: إن ذلك من الله ومن قضائه وإرادته ومشيئته، وأن كل عامل عمل منه شيئاً فبأمر الله ورضاه وإرادته. فيا سبحان الله!! ما أعجب هذا من قول وأشنعه! وأحمق من زعم أن أحداً ما يعمل شيئاً مما ذكرنا لله عاص! وما أجهل من ذكر المعصية!  )) [16] .

و (( كيف تكون المعصية عندهم؟ ومن صلَّى ومن زنا كلاهما مطيع لله؛ قضى لهذا بالصلاة، وقضى على هذا بالزنا. فكل من عمل شيئاً من الأشياء حسناً أو قبيحاً، إيماناً أو كفراً، أو غيرهما من الأشياء كلها ففاعل ذلك الشيء مؤد لأمر الله وقضائه، مستعمل نفسه في أداء مشيئته وإرادته. فليس على وجه الأرض عاص، ولا تعرف المعصية من الطاعة، ولا يعرف من يقع عليه اسم الطاعة، ولا اسم المعصية، ولا من يستحقه  )) [17] .

و  (( كيف يكون من سعى في إرادة الله عاصياً؟! لا يُعرف هذا الكلام في شيء من لغة العرب ولا العجم، ولا اسم المعصية التي ذكرها الله في كتابه، وسمى قوماً عصاة، وسمى من عمل به عاصياً، وبطل كل ما جاء في الكتاب من ذكر ذلك، على قولهم وقياسهم، و كل ما جاء لغير معنى؛ إلا أن تكون المعصية غير هذه الأشياء كلها التي نعرفها ونعقلها، مكنونة عند الله لم يبينها لنا، ولم يشرحها ولم يدلنا عليها؛ غير أنه قد حذرنا العصيان ولم يُعرِّفناه، وعرفناه وعرفنا الإحسان والطاعة وحدهما. فنحن للعصيان منكرون، إذ كان أكبر الفواحش هي التي عددنا، وهي عند أهل القبلة أشد الكفر، وقد سموها جميعاً كبائر من العصيان والذنوب  )) [18] .

و  (( زعم هؤلاء أن الله شاءها وأمر بها وأرادها، فما كان سواها وسوى ما سموا كبائر فأمره أقرب وهو أهون، ولا يرى معصية ولا عاصياً؛ إذ كان ما كان مضاداً لما ذكرنا من الصلاة والصيام، والحج والإيمان، وجميع أعمال البر الله شاءها وقضاها وأمر بها، فلا ترى بين المنزلتين فرقاً ولا عنهما تأخراً، كلاهما فرض، وكل من عمل شيئاً من الفعلين فهو لله مطيع، والله بفعله راض، وليس على وجه الأرض لله عاص، كلا الفريقين مجتهد في أداء ما فرض الله عليه. فلا بد لمن قال بهذه المقالة أن يبين المعصية، أين هي؟ وإلا فهو مبطل مفتر على الله أقبح الكذب. فنبرأ إلى الله من هذه المقالة، وممن قال على الله بها )) [19] .

     و قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: (( فأما الكلام في العدل، فالعقل يدل عليه، و ذلك لأنه تعالى إذا كان عالما بالقبيح وغنيا عنه لأن الحاجة إنما تصح على من يشتهي و يتغذى، وتصح عليه الزيادة و النقصان، ومن هذا حاله لا يجوز أن يختار القبيح، و لولا ذلك لما حصل الثقة بكلامه و قوله؛ و لذلك قال الله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ }آل عمران18- ، و هو العدل، و قال: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ }الأعراف29- )) [20] .

 

  و أنه تعالى (( لا يريد شيئا من القبائح ، بل يكرهها )) . و بما أن الله تعالى لا يفعل القبيح فيجب أن لا يُريده . و زعم أن من يقول خلاف رأيه يلزمه أن الله تعالى (( سفيه من حيث أراد السفه و القبيح ))[21] .

 

   و قال أيضا : ((  فان قال: فما الذي يريده تعالى؟ قيل له: انه يريد كل مراد من أفعال عباده، فإنما يريد منها ما أمر وحث عليه دون المعاصي و المباحات . فان قال:فما الدليل على ذلك، و الجبرية تخالفكم فيه؟ قيل له: لأنه قد نهى عن المعاصي، فلا يجوز أن يكون مريدا لها، و قد ثبت أنه ساخط لها و على فاعلها فلا يجوز أن يريدها، كما لا يجوز أن يحبها ))[22] .

 

  و أما  ((  الشر فهو الضُر القبيح ، و الله تعالى لا يفعله ، و إنما يقع من عباده ذلك بسوء اختيارهم ))[23]. و قال أيضا : ( و كل ما يثبت أنه قبيح ، يُعلم أنه فعل العباد ، لأنه تعالى لا يفعل إلا الحسن ، و كل ما يثبت أنه من فعله تعالى فيجب أن يكون حكمة و صوابا )) [24] .

 

    و قال محمود الزمخشري : (( وإذا عُلم أن الله لا يفعل القبيح عُلم أنه لا يريده ولا يرضاه، وأن إرادته في القبح كفعله.  ألا ترى أن العقلاء يذمون من عزم عليه وأراده دون من اشتهاه! فيفرقون بين الشهوة والإرادة. قال الله تعالى: { وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ }آل عمران108- ،و {  وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }الزمر7- ؛ ولأنه ما أمر إلا بالخير، ولا نهى إلا عن الشر، والأمر بعث على الفعل، والنهى صرف عنه، والحكم لا يبعث على ما يكره، ولا يصرف عما يريد، ولو أراد كفر العبد وكره إيمانه لأمره بالإيمان ليتركه، ونهاه عن الكفر ليفعله، ولكان الكافر عنده مرضيا كالمؤمن؛ لأن كل واحد منهما حصَّل ما أراده منه ))[25] .

 

     و رادا عليهم أقول: بصفة عامة إن معظم كلام هؤلاء باطل ، لأنهم لم يُفرّقوا بين إرادة الله الشرعية، و إرادته الكونية ، و لم يُفرّقوا بين فعل الله تعالى في قضائه و تقديره و مشيئته لقبائح البشر ، و بين فعل البشر لها . فهو سبحانه لم يفعل قبائحهم من دون شك ، و إنما هم الذين فعلوها قطعا ، لكنها داخلة في إرادته الكونية القاضية و المقدرة و المريدة لتلك القبائح . فنحن هنا أمام فعلين : فعل إلهي يتعلق بإرادته الكونية أدخل قبائح البشر في القضاء و القدر و المشيئة ، و فعل بشري هو الذي ارتكب تلك القبائح، و هو المسؤول عنها . و واضح من كلام المعتزلة أنهم أخرجوا قبائح البشر من قضاء الله و قدره و مشيئته ، و هذا لا يصح، لأنه سبق أن أقمنا الأدلة القاطعة على أن كل شيء في هذا الكون خاضع لقضاء الله و قدره و مشيئته بعدله و حكمته و رحمته . و عليه فلا يصح إخراجه، لأنه مخالف للشرع، و لأن القول به يجعل في مخلوقات الله ما هو خارج عن إرادته و هيمنته ،و هذا مخالف لما نصّ عليه الشرع، و يتضمن نقصا و قدحا في حق الله تعالى من جهة هيمنته و عظمته و كبريائه سبحانه و تعالى . 

    و تفصيل ذلك أولا إن كلام هؤلاء المعتزلة فيه تلبيس و تغليط ،و سوء فهم ، و تحريف للشرع . لأن الثابت شرعا و عقلا أن كل قضاء الله تعالى هو حق و عدل و حكمة ،و لا يُوجد  في قضائه و تقديره و مشيئته ظلم و لا عبث . و هو سبحانه يحب الحق و العدل ، و من عدله و حكمته أنه قدرّ و شاء كل ما يحدث في العالم قبل خلقه ،  منها أفعال البشر الشريرة و القبيحة . و إثبات التقدير الإلهي لهذه الأفعال ليس ظلما و لا عبثا ، و لا يصح لوم الله تعالى على قضائه و تقديره و مشيئته لها.  ، لأن شرور البشر و قبائحهم منهم و بأفعالهم ، و ليست من الله أمرا و لا منه فعلا . و الذين يلومون خالقهم مخطئون في موقفهم هذا ، و مفترون عليه و على و أنفسهم . يُقابلهم المعتزلة الذين أنكروا ما أثبته الوحي الصحيح من أن الله تعالى هو الذي قدّر أفعال البشر كلها و شاءها بعدله و حكمته من دون أي ظلم منه ، و لا هو فعلها . فالطرفان على خطأ في موقفهم من هذا الموضوع  . 

   علما بأن قضاء الله و تقديره و مشيئته لقبائح البشر ليس فعلا قبيحا كما زعم المعتزلة . فهذا لا يصح، و فيه تحريف للشرع و تلبيس على الناس . لأن الله تعالى ليس هو الذي فعل قبائح البشر، فهم الذين فعلوها و إنما هو قضى و قدّر و شاء ما فعله البشر من قبائح و غيرها بإرادته الكونية المهيمنة على الكون بأسره . و هذا الفعل هو من حكمته و عدله ، و كماله و عظمته ، و ليس ظلما و لا قبحا ، كما زعم المعتزلة . و من جهة أخرى فهو سبحانه أراد ذلك و قدّره و قضاه ليكون حجة على الفاعلين لتلك الشرور و القبائح من عباده بناء على علمه المُسبق لما سيفعله البشر  .

    و ثانيا إن هؤلاء المعتزلة أخطؤوا في موقفهم من الإرادة الإلهية و علاقتها بأفعال البشر عامة و الشريرة و القبيحة منها خاصة ،. مع أن الشرع بيّن ذلك بوضوح ، عندما فرّق بين الإرادة الإلهية الكونية المطلقة المهيمنة ، و إرادته الشرعية المتعلقة بأوامره و نواهيه ،و بما يُحبه و يرضاه، و بما لا يُحبه و لا يرضاه .. فهؤلاء تركوا الشرع و راء ظهورهم ، و تعلّقوا بشبهات و ظنون و أهواء لا دليل صحيح عليها من الشرع و لا من العقل .  

 

    و قد نسي هؤلاء أو تناسوا أن الشرع  قد نص على أن ما يحدث في الكون كله داخل في مشيئة الله و قضائه و قدره ، لكنه من جهة أخرى أشار أيضا إلى أن من بين ما قضاه و قدره و شاءه أفعال لا يُحبها ، و لا أمر بفعلها ، و إنما نهى عنها ،و توعّد فاعليها بالعقاب الشديد . قال تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }الأنعام112- ،و{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }الأنعام137- ،و{إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }الزمر7- ،و {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ }هود118-،و {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ }يونس99- . بمعنى أنه تعالى شاء بأن ذلك لا يحدث ، و هذا لحكمته و عدله ، لأنه ترك للناس حرية الاختيار ، و هذا كله بمشيئته ، فلوا جعلهم كلهم مؤمنين لكان بمشيئته أيضا . فلا يحدث شيء في الكون إلا بقضائه و قدره و مشيئته سبحانه و تعالى ،و إن كان من بين ما يحدث فيه ما لا يُحبه و لا يرضاه . فلا يُوجد في مخلوقاته إلا ما قضاه و قدره و شاءه ، لكن يُوجد منها ما لا يُحبه و لا يرضاه ،و لا أمر به .هذا الذي لا يُريد المعتزلة فهمه و الإقرار به ، لكنهم من جهة أخرى خاضوا فيه بطريقة خاطئة منطلقا و نتيجة جنوا بها على الشرع و العقل معا  .

 

    و ثالثا إن كلام المُحسن الجشمي المتعلق بالأفعال القبيحة[26]، فيه حق و باطل ، و وجهه توجيها تحريفيا انتصارا لمذهبيته الاعتزالية من جهة ، و  أهمل الشرع و جعله من وراء ظهره ، و لم يُقرر الموضوع كما قرره الشرع من جهة ثانية ، و لم يُفصل ذكر موقف مخالفيه الذين سماهم المُجبرة من جهة ثالثة .

 

      فمن الثابت شرعا و عقلا أن الله تعالى يأمر بالعدل و الإحسان ،و ينهى عن الفحشاء و المُنكر و البغي . قال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل90 - ،و {  إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }هود56-. فهو سبحانه لا يظلم و لا يفعل المنكرات ، لكنه من جهة أخرى هو الذي قضى و قدّر و شاء كل ما يحدث في العالم . منها شرور و مصائب تصيب الإنسان في الأرض ، فعلها الله تعالى كعقاب للبشر على كفرهم و عصيانهم، أو فعلها بالمؤمنين تأديبا و ابتلاءا و تمحيصا .  فلا يصح وصفها بأنها قبائح من الله تعالى ، و إنما هي أفعال عقابية لما فعله الإنسان من منكرات و قبائح  . فأفعال الإنسان هي القبيحة ، و أفعال الله تعالى لا تخرج أبدا عن الحكمة أو العدل ، أو الإحسان ، أو الرحمة . و الشاهد على ذلك قوله تعالى : {  وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال30- . فالله تعالى رد على الماكرين و وصف نفسه بأنه خير الماكرين ، لأن مكره هذا هو عدل و حكمة ، و ليس ظلما و لا عبثا ، خلاف مكر البشر الذي هو ظلم و عصيان . فهذه الأفعال الله تعالى هو الذي فعلها و قدّرها و شاءه بحكمته و عدله ، لكن لا يصح نفيها عنه سبحانه بدعوى أنها قبائح كما فعل المعتزلة ،و لا نسبتها إليه ووصفها بأنها أفعال قبيحة .

 

     و رابعا إن المثال الذي ذكره القاسم الرسي بقوله : (( فقال لا شريك له: ﴿ ليس على الأعمى حرج ولا على المريض حرج ﴾ [النور:61]. لأنهم لا يقدرون أن يؤدوا ما فرض الله عليهم، ولم يقل جل ثناؤه: ليس على الكافر حرج، ولا على الزاني حرج، ولا على السارق حرج. وذلك أنه لم يفعل ذلك بهم، ولم يدخلهم فيه، ولم يقض ذلك ولم يقدره، لأنه جور وباطل، والله جل ثناؤه لا يقضي جوراً ولا باطلاً ولا فجوراً، ... ))[27] . فهو مثال لا يصح لنفي قضاء الله و قدره و مشيئته عن قبائح البشر من جهة ،و فيه تلبيس و تلاعب و سوء فهم لمعنى القضاء و القدر من جهة أخرى . لأن كل ما يحدث في العالم ، و منه قبائح البشر لا يخرج و لن يخرج عن قضاء الله و قدره و مشيئته كما سبق أن بيناه . و هذا الأمر لا دخل له في أفعال البشر الاختيارية الحسنة منها و الشريرة ، فهم الذين يفعلونها بكل حرية ، لكنها من جهة أخرى هي من قضاء الله و قدره و مشيئته من جهة خضوعها للإرادة الإلهية الكونية المهيمنة على كل ما يحدث في العالم ، و من جهة دخولها في العلم الإلهي المُسبق بناءً على أنه سبحانه علام الغيوب . فإذا كان الله تعالى لم يأمر الكفار بالكفر ،و لا أجبرهم عليه ،و إنما نهاهم عنه ، فلما عصوا و كفروا و تمردوا ختم على قلوبهم، فإن كل ذلك حدث بقضاء الله و قدره و مشيئته بناء على علمه المُسبق . و هذا ليس ظلما و لا جورا ،و ليس قهرا ولا جبرا، و لا يصح تسوية عمله هذا بأفعال البشر القبيحة ، كما فعل القاسم الرسي و أصحابه المعتزلة . 

 

   و لا يغيب عنا أن سبق القضاء و القدر ،و المشيئة الإلهية لأفعال البشر الحسنة منها و القبيحة ، هو سبق لا يعني قهرا ، و لا جبرا ، و لا ظلما أبدا ، و إنما هو  فعل إلهي يدل على كمال علم الله ، و طلاقة أفعاله سبحانه و تعالى . و مثال ذلك- و لله المثل الأعلى-  لو أن أستاذا قال : إن التلميذ الفلاني سينجح و ينال الشهادة ، و أن التلميذ الفلاني سيرسب و يُعيد العام . ثم في نهاية السنة كانت النتيجة كما تنبأ الأستاذ ، فإن هذا لا ينعي أن الأستاذ هو السبب في نجاح الأول و قد تعاطف معه و ساعده ، و هو السبب في رسوب الثاني و قد ظلمه؛ و إنما يعني أنه قرأ المستقبل بناء على معرفته بالأول أنه مجتهد ،و معرفته بالثاني أنه كسول .و بذلك يسقط زعم القاسم الرسي و تأويله الفاسد المخالف للشرع و العقل معا .

 

    و خامسا إن الشبهات و الاعتراضات التي أثارها يحيى بن الحسين الزيدي المعتزلي في رده على مخالفيه القائلين بقضاء الله و قدره و مشيئته لكل ما يحدث في العالم منها قبائح البشر ؛ هي اعتراضات و شبهات باطلة شرعا و عقلا ،و تضمنت تلبيسات و مغالطات و مبالغات دلت على أن هذا الرجل إما أنه لم يفهم المعنى الصحيح للقضاء و القدر في الشرع، و إما أنه تعمد قول ذلك لغاية في نفسه . لأنه قد سبق أن أبطلنا معظم  الشُبهات و المغالطات و التأويلات التحريفية التي أثارها الرجل حول القضاء و القدر و المشيئة الإلهية من الناحتين الشرعية و العقلية . و بينا أن لله تعالى إرادتين كونية قهرية مُهيمنة على العالم، و إرادة شرعية تتعلق بأوامره و نواهيه المتعلقة بالعبادة التي فرضها سبحانه على بني آدم . وهي تتعلق بالجانب المُخير من حياة الإنسان ، و به يستطيع أن يُطيع الله تعالى أو يعصيه ، على أن يتحمل مسؤوليته كاملة في كل تصرفاته المُختار فيها . لكنه من جهة أخرى فإن حريته هذه ليست مُطلقة بحيث يستطيع أن يتجاوز الإرادة الكونية كما يستطيع أن يتجاوز الإرادة الدينية ، و إنما هو محكوم بالإرادة الكونية من جهة التنفيذ في الواقع ، فلن يحدث شيء من عمل الإنسان لم توافق عليه المشيئة الإلهية الكونية ، لقوله سبحانه : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30- . 

  و من ذلك أيضا إن الرجل لم يَكن موضوعيا في طرح و عرض موقف السنين في قولهم بالقضاء و القدر و المشيئة الإلهية ، فتحامل عليهم و لم يشرح قولهم كما يقولون به من جهة ، و هجم على موقفهم بخلفيته الاعتزالية تشهيرا و طعنا و اتهاما ،و تضخيما و تهويلا من جهة ثانية ، و قوّلهم أمرا خطيرا لم يقولوه من جهة ثالثة . و هو أنه كان قد نقل قولهم صحيحا في البداية عندما أشار إلى موقفهم – دون تسميتهم – فقال : (( إنهم زعموا أن جميع ما في الأرض من خير أو شر الله قضاه وأراده وشاءه وقدره )) . لكنه عاد و زاد في كلامه أمرا لم يقولوه و نسبهم إليهم ،  فقال : (( زعم هؤلاء أن الله شاءها وأمر بها  )) .  فأهل السنة لم يقولوا و لا يقولون أن الله تعالى أمر بالمعاصي و الفواحش و رضي بها ،  فهذا افتراء عليهم ، و لا أدري هل هذا الرجل أخطأ في نسبة ذلك إليهم ، أو أنه تعمد اتهامهم به لغاية في نفسه. و إنما أهل السنة يقولون : إن كل ما يحدث في الكون من خير و شر ، و ما فيه من مخلوقات كل ذلك تم وفق قضاء الله و قدره  ، و هذا يتعلق بالإرادة الكونية و استدلوا على ذلك بالوحي الصحيح و العقل الصريح ، و العلم الصحيح[28]  . و  من جهة أخرى قالوا بأن الله تعالى كلّف الإنسان بعبادته و فرض عليه شريعته بإرادته الشرعية الدينية المتعلقة بحرية الإنسان ، فأمره بالإيمان و العمل الصالح ، و وعده بالجنة . فإن هو فعل هذا يكون قد أطاع الشرع ، فيهديه الله تعالى ، و يُحبه و يرضى له ذلك ، و يُدخله الجنة . فلو لم يُؤمن و يعمل صالحا ما فاز بذلك ، لكن عمله هذا مُرتبط أيضا بالتوفيق و الإذن الإلهي و مشيئة الله المُطلقة ، فلما رآه سبحانه استوفى الشروط و استحق ذلك الثواب شاءه له ، وأَذِن به . 

   و من جهة أخرى فإن الله تعالى نهى الإنسان عن الكفر و المعاصي ، فإن هو خالفه ، فكفر و أفسد في الأرض يكون قد استحق العقاب الإلهي ، فيُضله و يبغضه ،و يُعاقبه في جهنم . فالله تعالى لم يأمره بذلك ، و لا أحب له ذلك ، و لا رضي له به ، لكنه سبحانه شاءه و أراده لأن هذا الإنسان يستحق ذلك ، و لأن فعله هذا مرتبط بالإرادة الكونية المُطلقة المُهيمنة على الكون القاضية بأنه لن يحدث شيء في الكون إلا بمشيئة من الله تعالى و إذنه[29] . و لهذا قال سبحانه : {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }-الكهف: 23-24-  .

   و أما الذي أشار إليه الرجل من وجود مختلف أنواع الكفر و الفساد في الأرض و استدل به على إنكار كون الله تعالى قد قضى ذلك و قدّره و شاءه . فهو اعتراض لا يصح ، لأن وجود ذلك الضلال و الفساد في الأرض يرتبط بأمرين : الأول يتعلق بأفعال البشر ، فبما أن الله تعالى جعل الإنسان حرا في جانب من حياته ،و هداه النجدين ، و ألهمه الفجور و التقوى من جهة ، و أنزل عليه شريعته و أمره بطاعته ، و نهاه عن معصيته من جهة أخرى . فإن الإنسان الذي كفر و عصى هو الذي أوجد الكفر و الضلال في العالم مع أن الله تعالى قد نهاه عنه و أمره بخلافه .

   و الثاني يتعلق بالقضاء و القدر ، فالله تعالى قدّر بإرادته الكونية  المهيمنة على الكون كل ما سيقع فيه ، و أنه لن يحدث فيه شيء إلا إذا شاءه هو سبحانه . لقوله : {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }-الكهف: 23-24- ، و {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30- . و عليه فإن وجود قبائح البشر على الأرض ليس هو من فعل الله ، و لا هو أمر به، و إنما هو من فعل البشر ، كما أن تقدير الله و قضائه و مشيئته لها ليس هو الذي أوجدها، و لا هو الذي أجبر الناس عليها، و إنما هو قضاها و قدّرها و شاءها بعدل و حكمة لكمال علمه و عظمته من جهة ، و لأنه سبحانه هو الذي شاء أن لا يحدث في مخلوقاته إلا من شاءه من جهة ثانية ،و لأنه سبحانه علام الغيوب قدّر ذلك و قضاه بناءً على علمه المُسبق به من جهة ثالثة .

    و بناءً على ذلك فإنه يوجد في الأرض ما يُحبه الله و ما لا يُحبه ، و ما أمر به  و ما لم يأمر ، و ما يرضاه و ما لا يرضاه ؛ لكن لا يُوجد في الكون إلا ما شاءه الله و قضاه و قدّره . و هذا هو الذي غاب عن الرجل ، أو تناساه .

       و سادسا إن قول القاضي عبد الجبار و أصحابه بأن الله لا يفعل القبائح و لا يُريدها ، هو قول فيه حق و باطل ، و سوء فهم منهم للقضية . لأن الثابت قطعا أن الله تعالى لا يفعل القبائح ، و لا يأمر بها ،و لا هو الذي فعل قبائح البشر ، فهذا أمر مُتفق عليه . لكن الخلاف بيننا و بينهم في قولنا نحن بأن قبائح البشر داخلة في قضاء الله و قدره و مشيئته ،و إنكارهم أن يكون ذلك من قضاء الله و قدره و إرادته .

  و بناءً على ذلك فمشكلة المعتزلة في موضوع الإرادة و المشيئة ، و القضاء و القدر، أنهم لم ينطلقوا من و شرع صحيح  و لا من عقل صريح و لا من علم صحيح ، وإنما انطلقوا من نظرة جزئية للموضوع بنوها على خلفية اعتزالية فاسدة . هي أنهم اتخذوا موقفا كرد فعل على الجبرية انتصارا للقدرية بطريقة غير صحيحة . فأخطؤوا في موقفهم من القضاء و القدر و الصفات الإلهية  . و هو أنهم لم يُفرّقوا بين الإرادة و المشيئة المُعبرة عن الإرادة الكونية المهيمنة من جهة ، و بين الإرادة الشرعية المُعبرة عن أوامر الله و نواهيه ،و ما يحبه و يرضاه ، و ما يكرهه و لا يحبه من جهة أخرى. مع أن الله تعالى قد فرّق بين الإرادتين بوضوح في عديد من آيات الكتاب العزيز . منها قوله  : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30- . ، فهي تُشير إلى الإرادة الكونية المهيمنة على أفعال البشر و غيرهم من المخلوقات . {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقاً }الكهف29- ،و{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } – سورة الشمس: 7-10 ،و منها {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }آل عمران32-،و { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران140-،و {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }الزمر7-  . فهذه الآيات تُشير صراحة إلى التفريق بين الإرادة الكونية و الإرادة الشرعية ، فهو سبحانه لا يُحب الكافرين ، و لا المنافقين ،و لا الظالمين ، لكنه مع ذلك خلقهم ، و أعمالهم داخلة في قضائه و قدره و مشيئته، و ما كان لأفعالهم أن توجد لو لم تكن قد دخلت في قضائه و قدره و إرادته . فهم خالفوا الإرادة الشرعية ، لكنهم لم يُخالفوا الإرادة الكونية ، و لن يستطيعوا ذلك . و منها قوله تعالى: { وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }المائدة41- ، فهو سبحانه لم يرد أن يُطهرهم لأنهم انحرفوا عن شريعته . و هذا يعني أنه أراد عدم تطهيرهم فأضلهم بإرادته و عدله و حكمته بسبب كفرهم و عصيانهم  { وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27 -، مع أنه سبحانه يحب الطهارة و يكره الكفر ، فهو هنا أراد ما لا يحبه و ما لم يأمر به ، و هي إرادة تتعلق بإرادته الشرعية التي أعطت للإنسان حرية الاختيار بين الإيمان و الكفر على أن يتحمل مسؤوليته في أي طريق يتبعه  .

     و سابعا إن الشر ليس هو الضُر القبيح فقط كما زعم عبد الجبار، و إنما هو يشمل كل ما يضر سواء كان قبيحا أو ليس قبيحا . و الشر الموجود في العالم منه شر سببه المباشر هو الإنسان ، فهو الذي يتسبب في وجوده و يُمارسه بيده ، كالشرور التي تترتب عن الحروب و الاعتداءات . و منه شر يُصيب بعض الأقوام سببه الإنسان ، لكن لا يُمارسه بيده ، و إنما يُعاقبه به الله تعالى  بسبب كفره وفساده في الأرض ؛ كحال الأقوام الكافرة التي عاقبها الله تعالى بعقاب من عنده  كقوم نوح  ، و عاد ، و ثمود ، كقوله سبحانه : {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ }الأنفال54-  . وكحال أهل النار يوم القيامة ، فالله سبحانه خلق لهم النار و هي شر لهم ، و توعّدهم بها . و هذا العقاب يندرج ضمن العدل الإلهي ، فالله تعالى عاقبهم بعدل لا بظلم .

 

   و منه أيضا شر يُصيب الإنسان و الحيوانات من دون دخل من الإنسان ، و إنما هو بسبب الفعل الإلهي ، لِما قدّره سبحانه من أمراض ، و زلازل ، و فيضانات ، و كوارث أخرى . لكن هذه المصائب و الكوارث التي تضر الإنسان و الحيوان تندرج ضمن الحكمة الإلهية في تقديره للكون من جهة ، و لها فوائد على الطبيعة و الإنسان من جهة أخرى .

   و لا يغيب عنا أنه يجب النظر إلى وجود الشر في العالم من جهتين : من جهة الفعل ، و من جهة الخلق . فأما من جهة الفعل فقد بينا أن منه شر من فعل الإنسان ، و منه شر من فعل الله تعالى فَعَله بعدل و حكمة ، فهو بالنسبة إليه ليس شرا ، و إنما هو شر بالنسبة للإنسان . و أما من جهة الخلق ، فليس الإنسان هو الذي يخلق الشر، فهو و إن كان يتسبب في كثير من الشرور بأفعاله القبيحة ، لكن ليس هو الذي يخلقها[30] ، و إنما الله تعالى هو الذي يخلقها ، لأنه هو الخالق الذي خلق كل شيء ، و لا خالق سواه . لقوله سبحانه : {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }الأنعام102- ،و { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً }الفرقان2- ،و {مِن شَرِّ مَا خَلَقَ }الفلق2  -. و كما أن الله تعالى هو الخالق للشر ، فهو المّقدر له أيضا بقضائه و قدره و مشيئته لقول النبي- عليه الصلاة و السلام- (( اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت وقنا شر ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك إنه لا يذل من واليت تباركت وتعاليت ))[31] .

 

    و ليس صحيحا أن الله تعالى لا يفعل إلا الحسن فقط  حسب القاضي عبد الجبار ، و إنما الصحيح هو أنه سبحانه كما يفعل الحسن ، فإنه يفعل الأحسن و العدل ،و الأعدل أيضا . من ذلك أنه خلق النار بكل ما فيها من أنواع العذاب الشديد . و هذا لا شك انه شر بالنسبة لمن يدخلها ، و ليس فعلا حسنا في حق من يُعذب بها ، و قد توعّد الله بها الكفار و العصاة من عباده . فعمله هذا هو عدل منه ، جزاء ما ارتكبوه من كفر و عصيان في الدنيا . فأفعال الله تعالى لا تخرج عن الحكمة ، أو عن الحق و الصواب ، أو عن العدل ، أو عن الرحمة و الفضل . لكن المؤكد شرعا و عقلا أنه لا يُوجد في أفعاله سبحانه ظلم ولا عدوان و لا عبث  . قال سبحانه : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }يونس44 -،و  {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }يونس54 -،و {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ }المؤمنون115 - .

 

  و أما  فيما يخص تعلق المشيئة الإلهية بأفعال البشر القبيحة ، فهو أمر ثابت شرعا . و قد دلت عليه نصوص من الكتاب و السنة ، منها قوله تعالى : {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }المجادلة10 -،و{ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ }البقرة102-. فلا يستطيع السحرة و لا الشياطين ،و لا الحساد و لا الظلمة أن يضروا أحدا إلا إذا شاء الله تعالى أن يأذن للفعل بالحدوث ، فهي أعمالهم ، و قد نهاهم الله عنها ، و ليس هو الذي فعلها ، لكنه سبحانه هو الذي شاء لها أن تحدث ، و إلا ما كان لها تحدث أبدا . و منها نصوص عامة تشمل كل أفعال الإنسان الاختيارية بما فيها من أفعال خيرة و شريرة . لقوله سبحانه : {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }التكوير29-،و{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً  إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً }-الكهف: 23-24- ،و {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }التوبة51-. و منها قول الرسول –عليه الصلاة و السلام- : ((يا غلام ! إني أعلمك كلمات أحفظ الله يحفظك،  أحفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله . و اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك . و لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام و رفعت الصحف ))[32] و قوله عليه الصلاة و السلام : « المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أنى فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان »[33] . و هذا الحديث الأخير هو حديث عظيم ، يتعلق بأفعال البشر كلها من جهة ، و يأمر بالعمل و الحرص من جهة ثانية ، و يقرر مبدأ القضاء و القدر و تدخل المشيئة الإلهية المهيمنة على أفعال البشر بالعدل و الحكمة و الرحمة من جهة ثالثة . 

 

     و أخيرا- ثامنا- إن كلام الزمخشري المتعلق بالقبائح ، فيه حق و باطل، و لا يصح كلية من جهة القضاء و القدر ، و فيه تلبيس و تحريف في موقفه من النصوص الشرعية المتعلقة بالموضوع . لأنه ثبت شرعا أن كل ما يحدث في الكون لا يُمكن أن يحدث إلا بعد قضاء الله و تقديره و مشيئته له ، و هذا أمر سبق أن بيناه فلا نعيده هنا.

 

    و بما أن الأمر كذلك، و الله تعالى يقول: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }آل عمران32 و { وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ }آل عمران57- ، { وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }القصص77-، و {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }الزمر7-. و بما أن الظالمين و المفسدين و الكفار موجدون في الأرض فهذا يعني بالضرورة أن هؤلاء يدخلون في مشيئة الله و إرادته ، مع أنه نهاهم عن ذلك ، و لم يأمرهم به ،و لا هو يحب ما هم فيه من كفر و ضلال . و بما أن الله تعالى أكد في آيات كثيرة أنه هو الذي أضل الكفار بسبب كفرهم و عصيانهم ، كقوله سبحانه : {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27-،و { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ }غافر74- ، فهذا يعني بالضرورة أنه سبحانه شاء لهم ذلك ، لأنه هو الذي أضلهم عدلا و حكما ، و لا يُمكن أن يفعل الله بهم ذلك من دون إرادته له . فهم يدخلون في مشيئة الله لأن الشرع أكد على ذلك ، و لأن القول بخلافه يعني وجود أشياء خارج الإرادة الإلهية من جهة ، و لأن هذا نقص و عيب و طعن في الإرادة الإلهية من جهة أخرى . و من كل ذلك يتبين قطعا أن الله تعالى فرّق بين مشيئته الكونية المهيمنة المطلقة المتعلقة بالخلق و القضاء و القدر ، و بين إرادته الشرعية المتعلقة بأوامره و نواهيه تجاه الإنسان . فكل ما يحدث في الكون يدخل في قضاء الله و قدره و مشيئته ، لكن منه ما يحبه و أمر بفعله ، و منه ما نهى عنه ،و ما لا يُحبه .

 

  و أما احتجاج الرجل بقوله تعالى : { وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ }آل عمران108-، و { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }الزمر7-. فهو احتجاج في غير محله ، و لا ينفي قضاء الله و قدره و مشيئته المتعلقة بقبائح البشر . لأن الله تعالى لا يريد ظلما للعباد من جهتين: الأولى أنه لا يفعله ، و الثانية أنه لم يرده بإرادته الشرعية الأمرية ، و إنما نهاهم عنه بها، فهو سبحانه لا يظلم أحدا ،و لا يُحب لهم الظلم  ،و لا أمر به . لكنه من جهة أخرى أراد وجود الظلم الذي فعله البشر بإرادتيه الكونية و الشرعية ،و لو لم يرده بهما  ما وُجد أصلا . فبإرادته الكونية دخل ذلك الظلم في القضاء و القدر ،و بإرادته الشرعية قرر أنه لا يُريد ظُلما و لا كفرا لمن آمن و عَمِل صالحا ،، لكنه من جهة أخرى قرر بها أنه يريد ذلك لمن كفر و عمل سوءا ، و في هذه الحالة فهو سبحانه أراد ذلك بعدما أراده الإنسان لنفسه  . 

 

 و كذلك قوله تعالى : { وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ }الزمر7-، فهو سبحانه لم يرضه لهم ، و قد نهاهم عنه ، و حبب إليهم الإيمان و كرّه إليهم الكفر و الفسوق و العصيان ، لكنه من جهة أخرى قضاه و قدّره و شاءه بإرادته الكونية ،و أراده بإرادته الشرعية التي حذّرهم بها من مغبة ذلك، و قرر بها عقاب من يفعله ، فعل كل ذلك فيهم بعدله و حكمته . و ذلك بسبب عصيانهم و كفرهم و تمردهم على شريعة خالقهم ، قال سبحانه : { وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27-، { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ }غافر34 ،و { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ }غافر74- .

 

  و بناء على ذلك فإن القبائح و الانحرافات التي تحدث في الأرض ، ليس الله تعالى هو الذي أرادها بمعنى فَعَلها و أمر بها ، فهو سبحانه لا يفعل ذلك و لا يأمر به ، و إنما حذّر من ذلك،و حدد مصير من يعله . لكن إرادة الإنسان  للقبائح و فعله لها هي السبب في تدخل الإرادة لتجعل ما يصدر عنه يكون ضمن المشيئة الإلهية المُقدرة و المُهيمنة ،و تُحمّله مسؤولية أفعاله فيما يتعلق بالإرادة الشرعية الأمرية التي بينت له طريق السعادة و أمرته باتباعه، و طريق الشقاء و حذّرته من اتباعه . و هذا كله من كمال الإرادة الألهية ،و ليس نقصا و لا عيبا فيها كما أراد أن يُوهمنا به الزمخشري  . و بذلك تسقط استدلالاته و شبهاته عندما أراد بها أن ينفي دخول قبائح أفعال البشر في المشيئة الإلهية .

 

       و من مواقفهم أيضا- المتعلقة بالمشيئة الإلهية و قبائح البشر- أن المعتزلة أجمعوا على أن (( الله سبحانه لا يرزق الحرام ، كما لا يملك الله الحرام ، وأن الله سبحانه إنما رزق الذي ملكه إياهم دون الذي غصبه  ))[34]. و قال المُحسن الجشمي المعتزلي : (( الرزق ماله أن ينتفع به و ليس لأحد منعه ، و لا يكون إلا حلالا ، و الحرام لا يكون رزقا ))[35] .

 

   و قال محمود الزمخشري : ((  ما مُكِّنَ الحي من الانتفاع به، وحظر على غيره أن يمنعه منه ، ولذلك لم يسم مال الغاصب رزقا؛ لأن الله تعالى منعه من الانتفاع به ودعا غيره إلى منعه منه ، ولو كان الحرام رزقا؛ لجاز أن ينفق منه الغاصب، وبالإجماع لا يجوز، بل يجب الرد ))[36] . و (( فإن قلت: أفتقولون فيمن أكل طول عمره من الحرام: ما أكل من رزق الله؛ لأنه لم يأكل مما أباحه له؟ قلت: ما نقول: إن الله رزقه من الحرام؛ ولا نقول: ما رزقه الله، بل قد رزقه حيث مكنه من التوصل إلى المنافع بالطرق المباحة، لكنه خالف عنها إلى غيرها )) [37].

 

     و أقول: موقفهم هذا لا يصح ، أقاموه على خطئهم في موقفهم من إرادة الله الكونية، و إرادته الشرعية كما سبق أن بيناه . فظنوا أن الله تعالى لا يؤيد إلا ما يُحبه و هذا خطأ . لأن الصواب هو أن الله تعالى يريد ما يحبه و ما لا يُحبه  ؛ و لا يكون في مُلكه إلا ما يُريده ، لكن يوجد فيه ما لا يُحبه و لا يرضاه . و إذا وُجد شيء في مُلكه فهو سبحانه قد أراده بالضرورة ، و إلا لن يُوجد . و عليه فإن الله تعالى هو الرزاق الوحيد و لا رازق سواه ، لكنه يرزق كل البشر بالرزق العام الذي يشمل كل بني آدم ، يرزقهم بالشمس و الأمطار ،و الحيوانات و النباتات ،و الهواء الضوء  . و هناك أرزاق أخرى مرتبطة بأعمال البشر الشرعية و غير الشرعية سواء المتعلقة بالمؤمنين أو بالكفار ، فهنا هو الرزاق لهم أيضا حسب أعمالهم ، و هم المسئولون عنها ،و سيُحاسبهم عليها من جهة طريقة حصولهم عليها، و فيما أنفقوها، و لما أنفقوها ،و من أين تحصّلوا عليها   .

 

   و الشاهد على ذلك هو أن الله تعالى نص صراحة على أنه يُعطي الدنيا بما فيها من أرزاق لمن يُحب و لمن لا يُحب من البشر. و لاشك أن كثيرا من أعمال هؤلاء أو أكثرها هي مخالفة للشرع ، اكتسب بها أصحابها أرزاقا من حرام . قال تعالى : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }الأنعام44-،و {كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً }الإسراء20-،و {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }هود6-،و(({مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً }الإسراء18- ،و {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }الذاريات58-، و{وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }الإنسان30- . فلا مشيئة و لا إرادة لمخلوق في هذا العالم و إلا و هي محكومة بالإرادة الإلهية ، و لا تتم إلا بعد مشيئة الله تعالى . و بما أن الرزق الحرام متعلق بإرادة الإنسان ،و إرادته لا تتم إلا بعد مشيئة الله تعالى ، فذلك الرزق لا يتم إلا بمشيئة من الله أيضا ، و إن كان لا يُحبه و لا يرضاه ، و أنه حرام و قد نهى عنه. بل أنه ذكر الله أقوما يتوسع في رزقهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز منتقم ، قال سبحانه : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }الأنعام44-  . 

     و من مغالطاتهم أيضا أن المُحسن الجشمي المعتزلي (ت457هـ) قال : ((  ويقال: ما تقولون فيمن أطعم خمراً أو شيئاً حراماً أليس قد أعطاه رزقه عندكم؟ فلا بد من: بلى، فيقال: كل واحد منهما محمود أو مذموم؟ فإن قالوا: مذموم. قلنا: ولم هذا أعطاه رزقه وذاك أكل رزقه وهذا واضح. ويقال لهم: إذا وقف العبد يوم القيامة فيقال له: لِمَ عصيت وسرقت؟ فيقول: يا ربّ ما أخذت شيئاً قلّ أو كثر إلا وأنت جعلته رزقاً لي وكنتُ لا أتمكن من تركه، ولو لم تجعله رزقي ما أكلته وما أخذته، أهو صادقٌ أم كاذبٌ؟. فإن قالوا: كاذبٌ وافقونا، وإن قالوا: صادقٌ. قلنا: فإذا قال: يا ربّ إذا كنت صادقاً فلماذا أمرت بقطعي ولماذا تعذبني؟ وليس هذا بعدل منك أيحسن منك مثل ذلك وأنت أحكم الحاكمين؟ أليست العقول تشهد بصحة ذلك وتكون له الحجّة؟ وكلّ مذهب يؤدي إلى أن تكون الحجة للخلق على الخالق كان باطلاً )) [38] .

    و أقول: اعتراضه هذا باطل و فيه تلبيس و تغليط ، و مخالف لسنة الله في الكون ، أقامه صاحبه على خلفيته المذهبية و لم يُقمه على الشرع الصحيح و لا على العقل الصريح . لأن الله تعالى خلق الكون و قدّر الأرزاق و أخبرنا أنه سبحانه هو الرزاق ذو القوة المتين، فلا رازق و لا متحكم في الرزق إلا هو ، و أنه سبحانه يرزق كل مخلوقاته كما سبق أن بيناه من جهة ، ثم خلق الإنسان و جعله مختارا مُكلفا و فرض عليه أن يطلب رزقه بالحلال ، و إن طلبه بالحرام فهو يستطيع طلبه من ذلك ، لكنه سيكون مُخالفا لخالقه و يُعرض نفسه لسخطه و عذابه . فإن طلب رزقه بالحرام فإن الله تعالى سيرزقه من حرام لأمرين : الأول هو أن الله تعالى هو الرزاق ، و لا رازق غيره . و الثاني أن هذا الإنسان هو الذي طلب رزقه من حرام فأعطاه الله له ، و ليس من الحكمة و لا من سنة الابتلاء بأن لا يُرزقه الله تعالى من الطريق الذي طلبه هو بنفسه . و إلا بطُلت سنة الابتلاء و التكليف و إنزال الرسالات و إرسال الرسل،  فلو كان الله تعالى لا يرزق إلا المؤمنين و الصالحين ، فلا معنى للتكليف . لذا اقتضت السُنة الإلهية انه سبحانه أمر بإتباع شريعته ، و حذّر من مخالفتها من جهة ، و انه يرزق الملتزمين بشريعته الرزق الحلال ، و يرزق الخارجين عليها الرزق الحرام من جهة ثانية . و في الحالتين فإن العبد هو المسؤول عن أعماله و ليس الله تعالى ، فهو سبحانه لم يظلم أحدا ،و كان رازقا عادلا حكيما في الحالتين . و هذا يُبطل كل مغالطات الرجل و مزاعمه و تهويلاته .

     و أما اعتراض الزمخشري فهو غير صحيح في معظمه عقلا و شرعا ، لأنه أولا إن العالم مملوء بمختلف الأرزاق ، من أموال ،و ثروات ،و دواب . و هي كلها من خلق الله تعالى صخّرها لبني آدم . فكل ما يناله البشر من خيرات هي من أرزاق الله تعالى . و هو الذي يرزق بها كل الأجناس و الشعوب و الأمم على اختلاف لغاتها و أديانها . و هذا واضح جدا من قوله سبحانه : {  مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً  كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً  }الإسراء: 18-20- . و هذا العطاء رزق من أرزاق الله يرزق به المؤمن و الكافر. فهو سبحانه يُعطي من يُحب من عباده ،و من لا يُحب ، لكنه لا يُدخل الجنة إلا من يُحب ،و لا يُدخل النار إلا من لا يُحب .

     و ثانيا إن الأموال و الخيرات مهما كانت مصادرها ،و كيفية تحصيلها ، فهي أرزاق بلا شك . غير أنه توجد فيها أرزاق حرام لأنها اُكتسبت بطريقة مخالفة للشرع ،و توجد فيها أرزاق حلال ، لأنها اُكتسبت بطريقة موافقة للشرع . و الشاهد على هذا أيضا أنه رُوي لابن عباس قول وردت فيه عبارتا: الرزق الحلال ، و الرزق الحرام[39] .و فسّر مجاهد قوله تعالى : { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ }النساء2 ، بقوله : لا تعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال »[40] . و هذا يعني أن العبارتين كانتا معروفتين عند السلف، و قد تداولها أهل العلم فيما بينهم.

 

    و ثالثا إن في كلام الزمخشري مغالطات و تلاعبات انتصر بها لمذهبيته الاعتزالية . منها قوله : ((ولذلك لم يسم مال الغاصب رزقا  )) . و هذا باطل، لأن الرزق هو الرزق في ذاته ، و إنما طريقة تحصيله هي التي قد تختلف ، من جهة الحلال و الحرام . و منها قوله : ((لأن الله تعالى منعه من الانتفاع به ودعا غيره إلى منعه منه )) . و هذا لا يرفع اسم الرزق عن الرزق، و إنما حدد الطريق الشرعي لتحصيله، و نهى عن تحصيله بما يُخالف ذلك . و منها قوله : ((ولو كان الحرام رزقا؛ لجاز أن ينفق منه الغاصب، وبالإجماع لا يجوز، بل يجب الرد )) . و هذا لا يصح أيضا ، لأن عدم جواز الإنفاق منه ليس سببه أنه ليس رزقا ، و إنما سببه أنه حُصّل بطريق حرام ، فهو رزق حرام .

 

    و منها زعمه بأن من أكل الحرام طول عمره فهو ليس من رزق الله ، و إنما الله ((رزقه حيث مكنه من التوصل إلى المنافع بالطرق المباحة، لكنه خالف عنها إلى غيرها ))[41] . و هذا لا يصح ، لأن الرزق مهما كانت طريقة تحصيله فهو من رزق الله ، و هو الذي أعطاه للبشر من المؤمنين و الكفار ،و مكنهم منه ، بل و ذكر صراحة أن أقوامهم ضالين توسع في رزقهم ثم أخذهم أخذ عزيز منتقم، كما في قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ }الأنعام44- . و هذا التمكين قائم على أساس أن الله تعالى خلق الإنسان حرا و هداه النجدين ليبتليه . و الدليل القاطع على هذا قوله سبحانه  {  مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً  كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً  }الإسراء: 18-20- . و لا يصح قول الرجل بأن الله تعالى رزق العاصي من جهة أنه مكّنه من التوصل إلى المنافع بالطرق المباحة ، لأن هذا ليس تمكينا ، و إنما هو توضيح منه سبحانه للطريق الصحيح الذي يُوصل إلى الرزق الحلال ، و خلافه يُوصل للرزق الحرام . و التمكين للمؤمنين و الكفار لا يتم إلا بالعمل و موافقة المشيئة الإلهية عليه ،و لهذا كم من مؤمن طلب الرزق الحلال و لم يصل إليه؛ و كم من كافر طلب الرزق الحرام و لم يصل إليه ؛ و العكس صحيح .

 

     و إنهاءً لهذا المبحث يُستنج منه أن المعتزلة وقعوا في أخطاء فاحشة تتعلق بموضوع القضاء و القدر و المشيئة الإلهية ، وقعوا فيها بسبب خلفيتهم الاعتزالية الفاسدة في موقفهم النافي للصفات الإلهية . فأخطؤوا عندما لم يُفرّقوا بين إرادة الله الكونية المهيمنة على العالم كله ،و بين إرادته الشرعية المُتعلقة بأوامره و نواهيه . فأوصلهم ذلك إلى إنكار دخول قبائح البشر في قضاء الله و قدره و مشيئته ، فخالفوا الشرع مخالفة صريحة ،و أدخلوا في مخلوقات الله ما لم يشأه . و تبين أيضا أن القوم لم يفهموا موضوع القضاء و القدر فهما صحيحا كما ورد في الشرع، و لا كما يقوله العقل الصريح، و إنما فهموه فهما معوجا مُنحرفا أقاموه على كثير من التغليط و التلبيس و المبالغات ، فكَثُرت أخطاؤهم و جنوا بها على مذهبهم،و على الشرع و العقل معا .

 

ثانيا : نقد موقف المعتزلة من أفعال العباد :

  لاشك أن أفعال العباد مخلوقة ، بحكم أنهم مخلوقون ، فلا يُمكن أن يكون الإنسان مخلوقا و أفعاله غير مخلوقة ، فهذا أمر بديهي . لكن من هو خالقها ، أهي من خلق الله تعالى ، أم هي من خلق الإنسان ؟؟ . قال أهل السنة : إن أفعال العباد هي من خلق الله تعالى[42] . فخالفهم المعتزلة وقالوا : بل إن العباد هو الذين خلقوها .

 

     و تفصيل ذلك أن أبا الحسن الأشعري ذكر أن المعتزلة أجمعت على (( أن الله سبحانه لم يخلق الكفر والمعاصي ، ولا شيئاً من أفعال غيره ، إلا رجلاً منهم فإنه زعم أن الله خلقها بأن خلق أسماءها وأحكامها ،حُكي ذلك عن صالح قبة .)) [43]  .

 

     و نص القاضي عبد الجبار على أن أفعال العباد ليست من خلق الله ، و إنما هي واقعة حادثة من جهة العباد[44] .  و قال المُحسن الجشي المعتزلي : (( مسألة في خلق الأفعال : الخلاف فيه من ثلاثة أوجه: الأول: مذهب أهل العدل، فإن أفعال العباد فعلهم حادثة من جهتهم ليست بخلق لله تعالى. والثاني: مذهب جهم أنها خلق الله تعالى لا تأثير للعبد فيها، وإنما نسبت إلى العبد كما ينسب إليه طوله وقصره، وحركة الشجر إلى الشجر . والثالث: مذهب النجارية والكلابية أنها خلق الله تعالى كسب للعبد. ))[45]. و قال أيضا : (( وسأل شيخنا أبو علي - وهو بعد حدثٌ - بعض المجبرة فقال: أليس الله تعالى خلق العدل؟. قال: بلى.  قال: أنسميه عادلاً؟. قال: نعم.  قال: فهل خلق الظلم؟.  قال: نعم.  قال: فنسميه ظالماً؟.  قال: هذا لا يجب.  قال: فما أنكرت ممن يقول لا نسمي بفعل العدل عادلا، فانقطع  )) [46] .

 

   و قال الزمخشري : (( فإن قلت: بِمَ علمت أن غير الله يكون مُحدِثًا لبعض الأفعال؟ .  قلت: علمته باضطرار؛ لأن العقلاء عندهم علم ضروري بحسن مدح المحسن وذم المسيء، ولم يكن علمهم بذلك ضروريا حتى يكون علمهم بكونهما فاعلين ضروريا؛ لأن هذا العلم فرع على ذلك العلم؛ ولأن الفاعل هو الذي يفعل الفعل بِدَاعٍ ويتركه بصارِفٍ, وكلُّ أحدٍ يجد نفسه بهذه الصفة؛ ولأن في أفعال الخلق ما هو قبائح: كالكفر، والظلم، والكذب، والافتراء على الله تعالى، وتكذيب الرسل وقتلهم وغير ذلك. والحكيم الغني العالم بقبحها، العالم بغناه عنها متعال أن يفعلها أو يريدها أو يرضاها أو يأمر بها علوًّا كبيرًا؛ ولأن الله أمر بالخير و وعد عليه الثواب العظيم، ونهى عن الشر وأوعد عليه العذاب الشديد، وأرسل بذلك الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج، فلو كانت هذه أفعاله لكان ذلك عبثا وخروجا عن الحكمة ))[47].

 

   و أقول: أولا إن قول المعتزلة بأن العباد يخلقون أفعالهم ، هو قول لا يصح عقلا و لا شرعا و لا واقعا . فأما عقلا و واقعا فإن الثابت قطعا أن الإنسان مخلوق ، و بما أنه كذلك فأفعاله هي أيضا مخلوقة بالضرورة لأنها جزء منه . و بما أنه مخلوق لله تعالى ،و ليس هو الذي خلق نفسه ، فهو بذاته و أفعاله مخلوق لخالقه . فلا يُعقل و لا يصح أن يصبح المخلوق خالقا لذاته وأفعاله . فالعبد يعمل و يتحرك على أنه مخلوق بذاته و أفعاله، لا على أنه خالق لذاته ،و لا لأفعاله .

 

    و أما أعماله التي تصدر عنه فهي جزء من مكوناته كمخلوق مُكلف و مسؤول عن نفسه و أعماله ، و له القدرة على الفعل و الحركة . فهو يعمل و يفعل و يكسب حقيقة ،و هو المسؤول عن ذلك لكن لا يصح وصفه بأنه يخلق و خالق لأفعاله . فلو كان خالقا ما كان مخلوقا أبدا ، و بما أنه مخلوق فلا يصح وصفه بأنه خالق لأعماله ، و لو تجاوزا . فالصحيح إذن هو أن الإنسان يفعل ، و يعمل ،و يُوجد ،و يكسب ، و يصنع ،و لا يخلق شيئا .

    علما بأنه لا يصح نفي القضاء و القدر و المشيئة الإلهية المهيمنة على الكون لإثبات حرية الإنسان و خلقه لأفعاله كما يفعل المعتزلة . لأن هذا الأمر سبق أن تناولناه في المبحث السابق و بينا خطأ المعتزلة في موقفهم من الإرادة الإلهية ،ومن دخول قبائح البشر في القضاء و القدر. لأن حرية الإنسان أمر ثابت شرعا و عقلا ، و هي داخلة في قضاء الله و قدره و مشيئته ، و هو الذي جعل الإنسان حرا مُخيرا في جانب من حياته . فلا يصح نفي القضاء و القدر لإثبات حرية الإنسان ،ولا للقول بأنه يخلق أفعاله . فهو مع أنه مخلوق لله بذاته و أفعاله فإنه مُخير و حر في جانب من حياته ، و ممارسته له لا يجعله خالقا لأفعاله، لأنه يعمل و يسعى و يجتهد ، و يكسب و يفعل حقيقة  من دون أن يخلق أعماله .      

 

   و أما شرعا فإن الله تعالى لم يصف أفعال البشر العادية بأنها عمليات خلق ، و إنما وصفها بأنها أعمال ، و كسب ،و أفعال ،و عليها يُحاسبهم يوم القيامة ،و لا يقول لهم : بما كنتم تخلقون، و إنما : بما كنتم تعملون ، و بما كسبت أيديكم... . كقوله تعالى : {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }التوبة105- ، لم يقل لهم : و قل اخلقوا . و قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }المائدة105-،و {وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ }الأعراف39-. فلم يقل لهم : بما كنتم تخلقون . و قوله سبحانه { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأعراف43- .و بما أن الله تعالى لم يصف أفعال العباد بأنها خلق منهم ، فلا يصح القول بأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم . و لهذا نفى الله تعالى أن يُشاركه أحد في الخلق ، فقال : {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ }الأعراف191 . (( بما كسبت أيديكم )) ،و (({أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ }النحل17- ،و {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }الأنعام102 -، و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }فاطر3- ،و {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }غافر62-،و {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ }النحل20-،و {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً }الفرقان3- . فالإنسان ليس خالقا لأفعاله و لا يخلق شيئا .

 

  و مع أن ذلك هو الصحيح ، فتوجد في القرآن آيات نسبت الخلق لغير الله تعالى ، فما تفسير ذلك ؟، و هل تنقض ما قررناه ؟؟ . لقد وجدتُ خمس آيات نسبت الخلق لغير الله تعالى ، منها آيتان تتعلقان بنبي الله عيسى بن مريم-عليه السلام- ، قال تعالى : { وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي }المائدة 110- ،و {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران49- . فالآيتان نسبتا خلق الطير من الطين لعيسى –عليه السلام-  ، لكنهما من جهة أخرى نصتا صراحة على أن هذا تم بإذن من الله و قدرته . و لولا التدخل الإلهي بإذنه و قدرته ما استطاع عيسى أن يخلق من الطين طيرا . فالحقيقة هي أن النبي عيسى لم يخلق الطير بفعله العادي كبشر ، و إنما خلقه كمعجزة و عمل غير عادي لا يستطيع فعله لولا تدخل الله تعالى .

 

   و الآية الثالثة تتمثل في قوله تعالى : {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }العنكبوت17-. فالآية صريحة في أنها وصفت الكفار بأنهم يخلقون إفكا ، لكن يجب النظر إليها من جهتين لكي تُفهم فهما صحيحا . الأولى هي أن الآية يجب فهمها انطلاقا مما ذكرناه سابقا من أن الله تعالى لم يصف أفعال العباد بالخلق ، بمعنى أنهم لا يخلقونها عند ممارستهم لها ، و لا جعل البشر خالقين لأعمالهم . و بما أن القرآن الكريم كتاب مُحكم مُفصل مُبيّن لا يأتيه الباطل أبدا ،و يُفسر نفسه بنفسه ، فلا بد أن تلك الآية لا تعني بقولها((وَتَخْلُقُونَ أفكا )) أنهم يخلقون أعمالهم . و الوجه الثاني مفاده أن قوله تعالى )) : وَتَخْلُقُونَ أفكا )) ، لا يعني أن هؤلاء خلقوا عملا حقيقيا ، و إنما فعلوا عملا زائفا كاذبا لا حقيقة له في الواقع ، و هذا خلاف الخلق الحقيقي . و بما أنه لا يُوجد خلق زائف و غير حقيقي ، فإن معنى الخلق الوارد في الآية يعني الاختلاق ، أي الإفك و الكذب المُتعمدان . قال تعالى : {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ }ص7- . فهؤلاء الكفار أختلقوا أباطيل و أكاذيب ، فوصفهم القرآن الكريم بقوله : ((وَتَخْلُقُونَ أفكا )) . و الله تعالى أعلم بالصواب .

 

     و أما الآيتان الأخيرتان فهما : قال تعالى : {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ }المؤمنون14- ،و { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ ، أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ }- سورة الصافات:123-125- . فالآيتان أشارتا إلى وجود خالقين و ليس وجود خالق واحد فقط . فهل يُوجد خالق غير الله تعالى ؟؟!! . إنه يجب فهم الآيتين فهما صحيحا انطلاقا من مُحكمات الشرع و يقينياته و بديهياته ، أولها هو أنه لا خالق و لا رب إلا الله تعالى ، قال تعالى : {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }الأنعام102-، و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }فاطر3-،و {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }غافر62- . و منها أنه سبق أن بينا أن الشرع لم يصف أفعال العباد بالخلق ، و إنما بالفعل و العمل و الكسب ، لا أنهم خالقون لها . و بما أن الأمر كذلك فلا يصح تفسير الآيتين بأنهما أشارتا إلى وجود خالقين حقيقيين غير الله سبحانه و تعالى . و إنما أشارتا إلى الخالقين و الآلهة و الأرباب المزيفة التي يعبدها الكفار . فهي عندهم أرباب و آلهة حقيقية تخلق و تتصرف في الكون حسب اعتقادهم الزائف . فالله تعالى أشار إلى أنه سبحانه هو الإله الحق ، و أنه أحسن هؤلاء الخالقين الزائفين المُختلقين الذين يعبدهم الكفار . و هذا واضح جدا من قول النبي إلياس عليه السلام : {أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ }- سورة الصافات:123-125-

 

 و ثانيا إن قول المُحسن الجشمي لا يصح بالطريقة التي ذكره بها ، و فيه تلبيس و تغليط . لأن معنى قولنا : إن أفعال العباد مخلوقة لله لا يعني أن الله تعالى هو الذي فعلها و مارسها ، فهذا باطل ، بدليل الشرع و الواقع . فالله يقول : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }فصلت:40- ، و {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }التوبة105-، و { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }الأعراف43-،و   المقصود بذلك هو أن الإنسان لا يستطيع خلق شيء ، بحكم أنه مخلوق لله ، فهو و أفعاله مخلوق له ، و ما يصدر عن الإنسان هو مخلوق لله تعالى . و هذا أمر عادي و طبيعي جدا ، فلا يُمكن أن يكون الإنسان مخلوقا ، ثم يكون خالقا من جهة أخرى !! . و هذا أمر سبق أن بيناه فلا نعيده هنا . و ما يصدر عن الإنسان من أعمال ، هي أفعاله حقيقية هو مسؤول عنها ، لأنه هو الفاعل لها و المُتصرف فيها . فهو مسؤول عن أعماله المُخيّر فيها ، و حريته هذه لا تجعله خالقا لأفعاله ،و لا خَلْق الله له و لأفعاله  يُلغي أفعاله و يُعفيه عن مسؤولياته و واجباته التي فرضها الله تعالى عليه .

 

   و بناءً على ذلك لا يصح قول أبي علي الجُبائي لمخالفه : فنسميه ظالماً؟. لأن الظلم الذي يصدر عن الإنسان مُتعلق بفعل الإنسان بحكم أن الإنسان مريد مختار و مسؤول عن أعماله . فالظالم هو الإنسان لأنه هو الفاعل للظلم ،و المسؤول عنه .  أما الله تعالى فهو الخالق للإنسان الذي هداه النجدين و حمّله الأمانة ،و كلّفه بعمارة الأرض ، و أنزل عليه شرعه. فالله تعالى هو الخالق العادل الذي لا يظلم أحدا ، و أما الإنسان هو الفاعل المسؤول عن أفعاله، و بهذا يسقط ما زعمه الرجل في تغليطه و تلبيسه .

 

   و إنهاء لهذا المبحث يتبين منه أن المعتزلة قالوا بخلق الإنسان لأفعاله ليُثبتوا حريته و قدرته على الفعل من جهة ، و ليُبينوا أن القول بخلق الله لأفعال العباد يعني الجبر و إلغاء التكليف من جهة أخرى  . لكن الحقيقة ليست كذلك لأن خلق الله لأفعال العباد مرتبط بخلق الإنسان ككل ، و لهذا فان الإنسان ليس هو الذي خلق نفسه ، و إنما هو مخلوق جمع بين الجبر و الاختيار ، و مُسيّر و مُخيّر . فهو عندما يفعل من جهة مجاله المُخير فيه يعمل بحرية لكنه لا يخلق شيئا ، و إنما يعمل و يكسب ، و يصنع و يفعل حقيقة، و لا يصح وصف عمله هذا بأنه خلق، و أنه خالق لأفعاله . فإثبات حرية الإنسان و قدرته على الفعل و التأثير أمر طبيعي  فطري بديهي يحسه كل إنسان من نفسه، و يُمارسه عمليا حتى و إن أنكره بلسانه لغاية في نفسه . لأن حياته لن تستقيم دون ممارسته للجانب المُسيّر فيه . و لهذا فإثبات ذلك لا يحتاج أبدا إلى القول بمقالة المعتزلة بأن الإنسان يخلق أفعاله . فهذه مقولة لا تصح،و لا مبرر لها شرعا و لا عقلا و لا ممارسة . 

ثالثا: من جنايات المعتزلة المتعلقة بالهداية و الضلال:

  نُخصص هذا المطلب لعرض موقف المعتزلة من قضيتي الهداية و الضلال، و خلود مرتكب الكبيرة في النار من جهة ، و تبيان مخالفة موقفهم هذا للوحي الصحيح و العقل الصريح من جهة أخرى .

 

    فبالنسبة لموضوع الهداية و الضلال ، فقد أجمع المعتزلة على أن الله تعالى (( لا يحول بين أحد و بين ما أمر به بوجه من الوجوه ))[48] . و اختلفوا في : هل يُقال : إن الله سبحانه قويّ الكافر على الكفر أم لا ؟ . فقال أكثرهم : (( لا يجوز أن يُقال : إن الله قويّ أحدا على الكفر ،و أقدره عليه ))[49] . و ذكر أبو الحسن الأشعري أن المعتزلة امتنعت أن تقول : (( إن الله سبحانه أضل عن الدين أحدا من خلقه )) [50] . و قال المُحسن الجشمي : (( والذي لا يجوز على الله تعالى ويختص بالكلام فيه الإضلال عن الدين  ))[51].

 

  و ذكر القاضي عبد الجبار أن المعتزلة ردوا على المجبرة القائلين بالجبر في الإيمان و الكفر بقولهم: ((فعلى هذا الوجه ألزموهم ذلك فقالوا لهم: أليس أنه تعالى لو منع من الإيمان، لوجب أن يوصف بأنه صرف عنه و صد عنه،و إذا فعل فيه ضد الإيمان، يوصف بأنه اضطره إلى أن لا يؤمن فيجب أن يقولوا أيضا بأنه أجبره على الكفر ))[52] .

 

     و قال محمود الزمخشري: ((ليس في أفعاله ظلم ولا عبث، مُنَزَّهٌ عن جميع المُقبحات، متعالٍ عن أن يُضِلَّ عبادَه ثم يعذبهم أو يعاقب على غير جرم، أو يكلف ما لا يطاق ))[53] .

    و قال أيضا: ((اللطف: هو المصلحة، وهي ما فيه فائدة للمكلف في أداء ما كلف، ومن شرطها التعري من وجوه القبح، وتكون من قبل الله تعالى: إما منفعة كالصحة والغنى والرخص، وإما مضرة كالمرض والفقر والغلاء، ومن قبل العبد إما معلومة بالعقل: كمعرفة الله تعالى وصفاته وعدله، وإما بالسمع كمعرفة الشرائع، وهي على ضربين: محصلة: وهي التي عندها يطيع المكلف على وجه الاختيار ولولاها لم  يطع مع تمكنه في الحالين. ومقرِّبة: وهي التي يكون معها أقرب إلى الطاعة ولولاها لم يكن أقرب مع تمكنه في الحالين . ونقيضها المفسدة: وتنقسم إلى محصلة ومقربة.)) [54] . و (( فإن قلت: هل يجب على الله تعالى اللطف؟ قلت: نعم؛ لأنه مريد لصلاح عبده، عالم أنه لا يصلح إلا به، كمن أراد صلاح ولده، وعلم أنه لا يصلح إلا بالرفق وجب عليه، حتى إن لم يرفق به علم أنه لا يريد صلاحه، ولأن منع ما لا يقع الغرض إلا به كالمنع من الغرض، ومنع الزَّارع من السقي كمنعه من الزراعة، ولا يلزم أنه لو وجب [وجب] اللطف بالجميع؛ لأن فيهم من لا لطف لهم، كما يكون في ولدك من لا يصلحه شيء من الرفق. فإن قلت: هل يجب الأصلح ؟ وهو المنفعة الدنيوية التي لا يستضر بها أحد ولا فيها وجه قبيح  قلت: يجب عند أبي القاسم الكعبي ( معتزلي بغدادي ، ت نحو: 319 هـ) ؛ لأن انتفاع العبد به داع ولا صارف، فكان منعه شُحًّا. وقال الشيخان ([55]): لو وجب منه مقدار لوجب ما زاد عليه إلى غير نهاية، وفعل ما لا نهاية له محال، وهو إذاً تفضل والشُّحُّ إنما هو ترك الواجب )) [56]

 

     و رداً عليهم أقول: إنهم أخطؤوا في موقفهم من قضية الهداية و الضلال ، لأنهم أقاموه على خلفيتهم المذهبية الزائفة من جهة ، و بنوه على قراءة خاطئة للشرع و الواقع من جهة أخرى .

    و تفصيل ذلك أولا هو أنهم دائما يرتكبون خطأهم المنهجي القاتل ، عندما قدموا آراءهم و ظنونهم و أهواءهم على الشرع الصحيح، ثم تسلّطوا عليه بالانتقاء و الاغفال لنصوصه، ، و الهجوم عليه بتأويلاتهم الفاسدة . فكان عليهم أن يجمعوا كل النصوص الشرعية المتعلقة بالهداية و الضلال ، ثم يفهمونها بالمنهج الصحيح الموافق للشرع و العقل معا . لكنهم لم يفعلوا ذلك ، فضلوا و أضلوا في موقفهم من هذه القضية .

     

    و بيان ذلك هو أننا إذا رجعنا إلى الشرع وجدناه قد ، حسم أمر الهداية و الضلال حسما قطعيا ، و بينه بيانا واضحا جليا لا يحتاج إلى زيادة أبدا .  فنص صراحة على أن الهداية و الضلال هما بيد الله  وحده يهدي من يستحق الهداية و يضل من يستحق الضلال ، و أن القلوب بيده سبحانه يٌقلبها بعدله و حكمته كما يشاء ،و كيفما يشاء ، و متى يشاء . قال سبحانه :( وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }البقرة213-،و { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ }المدثر31-،و {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ }-،و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24- ،و {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }الأنعام110-،و {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً }الإسراء46- . لكنه سبحانه أخبرنا من جهة أخرى أنه لا يفعل ذلك ظلما ، و لا عبثا ، و إنما يفعله عدلا و حكمة و حقا ، و جعله مرتبطا أولا بأفعال الإنسان من إيمان و عمل صالح ، أو كفر و عصيان . فقال سبحانه : { وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }التغابن11-،و { وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ }إبراهيم27-،و (( و من يؤمن بالله يهدي   )) ، و { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }-،و {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }المائدة16 -،و {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }الأعراف55-،و { فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }آل عمران32-.

 

    و ثانيا إن الشاهد الدامغ على ما ذكره الشرع ، هو أن المتدبر في نفسه و في غيره من الناس  يتأكد من أن أحوال قلبه لا يملكها ،و لا يستطيع التحكم فيها في حالات كثيرة ، منها موضوع الهداية و الضلال . و لو كان الإنسان هو المالك و المتصرف في قلبه و أحواله الوجدانية تصرفا كاملا و في كل الأحوال ،و بما يُريد و متى يريد، و كيفما يُريد لجعل نفسه أسعد الناس في كل أحواله سواء كان مريضا أو صحيحا ، أو غنيا أو فقيرا ، مؤمنا أو كافرا . و لهدى نفسه من دون إيمان و لا عمل ، و لاستطاع أن يتذوق أحوال المؤمنين و الكفار متى أراد لكي يختار منها ما يُريد . و لاستطاع أيضا أن يجعل أحواله الداخلية مُستقرة سعيدة مُطمئنة في كل أحواله. و كم من إنسان كانت أحواله الوجدانية مستقرة مُطمئة هادئة ، فلما انحرف و ظل فقد هذه الأحوال رغما عنه ،  فلماذا ذهبت منه ؟. و كم من إنسان كان يعيش قلقا و اضطرابا نفسيا عندما كان على كفره و ضلاله ، و لم يستطع جلب السعادة الحقيقية لنفسه ، لكنه عندما آمن و التزم بالعبادات انقلب إنسانا آخر تماما ، و أصبح من أسعد الناس من الناحية الروحية  . فلماذا لم يتحصل على هذه الحالة الوجدانية عندما كان ضالا منحرفا ؟؟ . و لماذا عندما آمن و استقام أصبح من أسعد الناس ؟؟!! . فكل هذا و غيره دليل دامغ على أن الله تعالى هو الذي يملك النفوس و القلوب و يتحكم فيها ، فيهدي من يستحق الهداية ، و يُضل من يستحق الضلال ، يفعل ذلك بعدله و حكمته و رحمته . و أما  الإنسان فهو يحس بذاته أنه لا يملك هداية و لا ضلالا ،  بحيث يتحكم فيهما كما يريد ، لكنه من جهة أخرى يحس من نفسه أن يملك قدرة على طلب أحد الطريقين إذا أرد ذلك ، فيكون سببا في الوصول إلى أحدهما .  فهؤلاء المعتزلة لا للوحي الصحيح اتبعوا ، و لا بالعقل الصريح أخذوا !! .  

 

     و بناءً على ذلك فإن عمليتي الهداية و الضلال تتم بين طرفين : الخالق و المخلوق ، و يتمان بشروط كما سبق بيانه . فالله تعالى هو الذي وضعها ، لكنه أعطى للإنسان الحرية و جعله  مُختارا مُكلفا و قادرا على العمل و طرفا أساسيا في حدوث إحدى العمليتين . فالإنسان مسؤول عن نفسه ، و هو الذي يصنع مستقبله ،و يتحكم فيه من جهته ، و من ناحية الأمور المتعلقة به . و يمكن توضيح هذا بقولنا : إن الله تعالى هو الهادي يهدي من يشاء أن يهديه . لكن من الذي يشاء الله له ذلك ؟ . إنه الإنسان الذي آمن و أخلص و أرد الهداية و طلبها ، و سعى لطلبها ؛ فيُكافئه الله تعالى بالهداية إلى صراطه المستقيم . فالله تعالى يهدي من يريد له الهدية ، و هو لا يُريد الهداية إلا لمن يستحقها و أرادها و طلبها و سعى لها سعيها . و نفس الأمر ينطبق على الضلال فالله تعالى يُضل من يشاء أن يُضله . و من الذي يُريد له ذلك ؟ ، إنه الإنسان الذي أراد الضلال و سعى إليه ،و أخذ بموجباته . فالله تعالى لا يضل إلا من طلب الضلال و سعى إليه بكفره و عصيانه لله تعالى .

 

     و ثالثا إن اعتراضات القاضي عبد الجبار لا تصح ، لأنه طرحها بطريقة تغليطية تلبيسية تحريفية من جهة ، و دلت على أنه و أصحابه إما أنهم لا يفهمون الشرع ، أو أنهم يتعمدون طرح تلك الاعتراضات الزائفة لغايات في أنفسهم من جهة أخرى . لأن الله تعالى بيّن موضوع الهداية و الضلال بوضوح لا لُبس فيه ، و حسمه حسما قطعيا كما سبق أن بيناه . فالله تعالى دعا كل البشر إلى الإيمان به ، و هداهم النجدين ، فمن شاء فليُؤمن ،و من شاء فليكفر ، على أن يتحمل كل إنسان مسؤولية أعماله . فمن آمن و اتبع شرعه هداه و أدخله الجنة ، و من كفر و عصاه و خالف شرعه أضله و أدخله النار . فالله تعالى هدى المؤمنين و جنّبهم الضلال، لأنهم استجابوا له، و ظلّ الكفار و حرمهم من الإيمان لأنهم  كفروا به و عصوه . فهو لم يمنعهم من الإيمان ابتداءً ، و لا صرفه عنهم ظلما ، و إنما هم الذين عصوا خالقهم و اختاروا الكفر برضاهم ، فعاقبهم بالضلال وفق عدله و حكمته . و عليه فلا تصح اعتراضات المعتزلة و شقشقاتهم و تلبيساته و تهويلاتهم ، بدعوى أن الله منع الإيمان عن الكفار ، و أضطرهم إلى الكفر . فهذا كلام سخيف ، و اعتراض صبياني ، و فهم فاسد و قاصر لموضوع الهداية و الضلال.

 

    و رابعا إن قول الزمخشري بأنه يجب على الله تعالى فعل الصلاح ، أو الأصلح ، أو هما معا ، من أجل مصلحة الإنسان ، فهو زعم باطل عقلا و شرعا . لأنه لا يحق للمخلوق أن يُوجب أمرا على الخالق ، لأن الخالق عز وجل فعال لما يُريد ،و يفعل ما يشاء و يختار ،و لا أحد يُوجب عليه فعل أمر ما إلا ما أوجبه هو على نفسه .و الوحي الإلهي الصحيح بين أيدينا- القرآن الكريم- دليل قاطع على أن الله سبحانه هو الذي خلق الإنسان و أوجب عليه عبادته من باب الأمر و ليس من باب الإجبار القسري العملي . ثم بعد ذلك هداه النجدين ، و أنزل عليه شريعته ، فمن آمن به و ألتزم بشرعه أدخله الجنة ، و من عصاه أدخله النار .

    و بناءً على ذلك فالله تعالى أراد مصلحة عباده على شرط طاعته ، فإن أطاعوه أدخلهم الجنة التي خلقها للمؤنين الصالحين . و إن هم عصوه أدخلهم النار التي خلقها عقابا لمن عصاه . و هذا يعني أنه أراد لهم ذلك لأنهم عصوّه . و لا شك أنه ليس من مصلحة الإنسان عامة أن يخلق الله النار . و ليس من مصلح الكفار أن يخلقها . بل و هناك من الناس من يرى أنه من مصلحته لو أن الله تعالى لم يخلق جنة و لا نارا ، فهو قد يتمنى لو أنه عندما يموت ينتهي كلية فلا معاد ، و لا جنة ،و لا نار. و هناك من يرى أن من مصلحته  لو أن الله خلق الجنة للطائعين ،و لم يخلق النار للعصاة ، و إنما يفنيهم بعد موتهم ، فيكفيهم أنهم أُبيدوا و حُرموا من الجنة . فأين هذا الصلاح و الأصلح، و المصلحة التي يتغنى بها المعتزلة ؟؟!! . فليس صحيحا أنه يجب على الله تعالى أن يعمل لمصلحة الإنسان ، و ليس صحيحا أن كل عمله في صالح الإنسان . فهو في صالح الطائعين ، و أما العصاة فهم الذين رفضوا عبادة ربهم ، وما وعدهم به في الجنة ؛ فعاقبهم بأن حرمهم الجنة و أعد لهم جهنم . و لا شك أنه ليس في صالحهم أن يَخلق لهم النار ، و قد أخبرنا الله تعالى بما يُعانيه أصحاب النار من عذاب أليم في جهنم . فهل هذا في صالحهم ؟؟، كلا و ألف كلا ، فلو كان في صالحهم ما تألموا ،و لما ندموا ، و لا طلبوا أن يُخفف عنهم العذاب ، و ... . و لوكانت أفعال الله تعالى موجهة لصالح الكفار لَمَا قال لهم : {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً }مريم86-،و {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ }الزخرف74-،و {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ }السجدة20- .

 

     و الحقيقة هي أن الله تعالى أراد مصلحة البشر كلهم إن هم أطاعوه و ألتزموا بدينه ، فهي مصلحة مشروطة من جهة . و لم يرد مصلحتهم إن هم عصوه ، و إنما أراد عقابهم جزاءً لهم من جهة أخرى . و هنا تكمن عدالة الفعل الإلهي و حكمته . فليس من الحق و لا من العدل ، و لا من الحكمة أن يكون الفعل ألإلهي من أجل مصلحة الإنسان من دون شرط . فبما أن الناس معادن ،وليسوا على طريق واحد ، و إنما هم على طريقين، لقوله سبحانه : { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاها }سورة الشمس: 7-10- ،و {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ }البلد10-،و{ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى{6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى }سورة اليل: 5-10- ؛ فإنه لا يُمكن أن تكون كل أفعال الله تعالى لمصلحة الإنسان من دون شروط . إنه لن ينال رضوان الله و إنعامه ،و لن يدخل جنته إلا من آمن و عمل صالحا و جاء الله بقلب سليم ، لأن سلعة الله غالية لا ينالها إلا من عمل لها .

 

  و قبل إنهاء موضوع الهداية و الضلال ، أُشير هنا إلى أن المفسر الفخر الرازي الأشعري ( ت:606هـ) يرى أن القول بأنه لا أحد يستطيع الخروج من علم الله ، هو قول صريح بالجبر ، و فاسد معناه ، لأن((  العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان ، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف  بالجمع بين النفي والإثبات. ))[57] .

 

    و أقول: اعتراضه هذا لا يصح ،  لأن علم الله المستقبلي هو من كماله سبحانه، و من ضروريات الألوهية ، و قد نصت عليه النصوص الشرعية ، كقوله سبحانه : {أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }التوبة78-،و {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ }الرعد9-،و { عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }سبأ3- . و لا يُوجد في إثبات علم الله المستقبلي بمصير كل إنسان ،و بين تكليفه بالإيمان تناقض و لا فساد . لأن سبق العلم الإلهي لا يعني جبرا ، و لا قهرا ، و إنما هو كشف عما سيقع مستقبلا ، و لن يستطيع الإنسان أن يعمل عملا ما ، لا يكون داخلا في العلم الإلهي   .

 و لا يُوجد في العلم و التكليف فساد ، لأن تكليف الله تعالى للبشر بالإيمان مع علمه بمن سيستجيب و يُؤمن بكامل حريته فيدخل الجنة ، و بمن لا يستجيب فلا يُؤمن بكامل حريته فيدخل النار ، ليس هو جبرا و لا عبثا ، و لا تناقضا ، و إنما هو إقامة للحجة من الله تعالى على عباده . فمن كان في علم الله أنه لا يُؤمن فلن يُؤمن قطعا ، لكن كفره هذا لا جبر فيه و لا قهر، و إنما هو فعل حر أختاره صاحبه بإرادته . و تكليف الله له هو من باب إقامة الحجة على البشر بحق و عدل و حكمة . و مع أنه سبحانه لو حاسب البشر على أعمالهم من دون أن يخلقهم و يقومون بأفعالهم في الدنيا ، لكان عادلا معهم و لم يظلمهم ، لأنه يعلم بما سيقومونه به في الدنيا  ؛ لكنه مع هذا فإنه لم يفعل ذلك معهم ، و قرر خلقهم  ليُقيم الحجة عليهم عمليا ، فَخَلقهم و كَلفهم و أشهدهم على أنفسهم و أعمالهم قطعاً لأي تحجج من الإنسان لو حاسبه على أفعاله -التي كان على علم بها مُسبقا- من دون أن يخلقه في الدنيا و يُمارس أعماله فيها .

 

    و مثال ذلك لو أن أستاذا في فصله الدراسي يعلم يقينا أن من تلامذته من هو ضعيف جدا ، و لا يستطيع أن يُجيب على أسئلة الامتحان ،فهل  يستطيع أن يمنعه من إجراء الامتحان و يُرسبه ؟!، و هل له الحق في ذلك ؟  . كلا ، و إنما يجب عليه أن يسمح له بإجراء الامتحان مع علمه المسبق برسوبه . فهل هذا باطل و فاسد ؟؟ !! ، كلا ، بل هو عدل ، و من حق التلميذ أن يجري الامتحان ،  و على الأستاذ أن يسمح له بذلك  إقامة للحجة على التلميذ و أهله ،و على إدارة المدرسة . و عليه فلا يُوجد التناقض و لا الفساد  اللذان أشار إليهما الفخر الرازي عندما أنكر العلم المُسبق مع وجود التكليف .

 

     و أما الموضوع الثاني ، فمفاده أن المعتزلة أجمعوا على أن ((  من أدخله الله النار خلّده فيها ))[58] . و دافع عن موقفهم القاضي عبد الجبار و انتصر لهم بقوله : ((  (( إن قيل: كيف يصح أن يستحق المرء على ذنوب واقعة في أوقات معدودة، العقاب الدائم الذي لا آخر له؟ و كيف يصح فيمن آمن بالله و رسوله، و عمل ما يلزمه من العبادة، أن نقطع على أنه من أهل النار بهذه الكبائر، التي اتبع فيها الشهوة في حالة واحدة؟ و كيف تضيع عليه كل طاعاته بهذه الكبيرة؟ وكيف يصح في المكلف فيما لا يعلمه كبيرا أن يكون قد خطر؟ و هلا صح ما روي أن مع الإيمان لا يضر شيء ، و أن مع الكفر لا ينفع شيء، إلى غير ذلك من الأخبار في هذا الباب. قيل له: إن القول بأن العقاب الدائم لا يحسن في الكفار و غيرهم ، و إن وقع ذنبهم في أوقات يسيرة، خارج عن طريقة الإسلام، و إنما يسأل عن ذلك الملحدة . وقد صح من دين نبينا عليه السلام أن الكفار يعاقبون أبدا، وقد ورد الكتاب بمثله فيهم، فلا وجه يقتضي ذلك، و إنما الكلام مع المرجئة و العامة في أهل الكبائر. و كما ثبت خلود أهل الكفر في النار، ثبت أيضا في قاتل النفس، و الفار من الزحف، و آكل مال اليتيم، و غير ذلك التخليد )) [59] .

 

    (( و قد صح أن من عظمت نعمة الله عليه، كانت معصيته أعظم، يبين ذلك أن الوالد إذا عظمت نعمته على ولده ثم عصاه، عظمت معصيته، و نعمة الله تعالى بان خلق احدنا على كمال و تمام، و بأن كلفنا و بين لنا، قد بلغت النهاية ، فيجب في معصيته أن تعظم عظما خارجا عن العادة، وذلك يبين حسن العقاب الدائم، و لأنه إذا حسن أن يذم على الدوام ، فكذلك العقاب، وإذا ثبت ذلك فيجب أن يرجع فيما الذي يفعله تعالى إلى السمع ))[60] .

 

   و قال أيضا : ((و اتفقوا على أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن و لا مسلم و دَيّن، وان أجازوا أن يقال مؤمن بالله مقيدا و يقولون فيه أيضا: ليس بكافر و لا منافق، لأن أحكام الكفر منتفية عنه، فلهذا قالوا بالمنزلة بين المنزلتين، و قد بينا أن ذلك أحد ما له لقبوا بالاعتزال  ))[61] .

 

    و  استشهد  بأحاديث نبوية عن خلود مرتكبي الكبائر دون توبة في النار، فذكر  منها حديث : (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأ بها نفسه في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ... )) ، و حديث ((  صنفان من أهل النار لم أراهما بعد ، قوم يضربون الناس معهم سياط كأذناب البقر . و نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها )) [62] .

 

     و ذكر محمود الزمخشري أن الكبيرة (( تحبط الطاعات، ومن مات من أهل الصلاة مُصِرًّا عليها خُلَّدَ في النار، وله منزلة بين منزلتين، ولا يسمى مؤمنا ومسلما على الإطلاق ولا كافرا ومشركا ومنافقا، بل يسمى فاسقا. وقالت الخوارج: يسمى كافرا ومشركا، وعن الحسن البصري يسمى منافقا، وعند المرجئة يسمى مؤمنا ومسلما على الإطلاق ))[63] .

 

   و قال: (( فإن قلت: أما يشفع رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته ؟ .  قلت: بلى ولكن لمن ارتضى الله ليزدادوا تفضُّلا، وقصد بقوله : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) : التائبين وخصهم؛ لأنهم أحوج إلى الشفاعة وازدياد الفضل من غيرهم؛ لأن الكبائر أسقطت ما تقدم من ثواب أعمالهم، وهم بعد التوبة كمن استأنف العمل )) .و (( فإن قلت: ما الدليل على خلود المُصرين في النار وعند المرجئة أنهم يخرجون منها؟  . قلت : قوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا }النساء14-،و {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }الانفطار14-، و {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }البقرة81- . وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ( من تردى من جبل فهو يتردى في النار خالدا مخلداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه في النار خالدا مخلدا"  ))[64].

 

      و ردا عليهم أقول : أولا إن قول المعتزلة بخلود مرتكب الكبيرة في النار خلودا مُؤبدا لا يصح شرعا و لا عقلا . فأما شرعا ، فقد أشار القرآن الكريم إلى بعض مرتكبي الكبائر من المسلمين و نص على دخولهم جهنم و خلودهم فيها من دون تأبيد ، كقوله سبحانه : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93- ، . و قد صح عن النبي –عليه الصلاة و السلام – أن أقواما يخرجون من جهنم بعد دخولهم فيها . منها قوله:(( يخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا اله الا الله وفى قلبه وزن ذرة من خير  ))[65].

 

 و أما عقلا فلا يصح أن نسوي بين المسلم العاصي ،و بين الكفار بأي حال من الأحوال . لأنه ليس من العدل أن نسوي بين المسلم العاصي الذي كان قد آمن بدين الإسلام ،و له أعمال صالحة أطاع فيها الشرع و له أعمال أخرى عصى الله فيها بسبب بعض الكبائر مثلا ، فرجحت كفة السيئات على الحسنات فدخل النار.  فلا نسوي بينه و بين الكافر الذي كفر بدين الإسلام وارتكب المنكرات ، و عاداه و حاربه !! . فمن العدل أن لا يُخلّد المسلم العاصي في النار ، و من الظلم تخليده فيها . و بما أن الله تعلى لا يظلم حدا ، فلا شك أنه سبحانه لا يُخلّد المسلم العاصي في النار.

 

    و أما الحديثان اللذان استشهدا بهما ، فالثاني ((  صنفان من أهل النار لم أراهما بعد ، قوم يضربون الناس معهم سياط كأذناب البقر . و نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها ...))[66] . فهو حديث صحيح رواه مسلم و غيره[67] ، لكنه لم ينص على أن هؤلاء من عُصاة المسلمين ، و إنما قال: (( صنفان من أهل النار ... )) . فهم ربما من المسلمين ، و ربما من الكفار ، أو من الطائفتين معا . و عليه فلا يصح الاحتجاج به، لأنه يُمكن حمله على الكفار دون المسلمين . فإذا كانوا من الكفار فأمرهم واضح ، و كلامنا نحن يتعلق بعصاة المسلمين لا بالكفار . و حتى إذا افترضنا جدلا أن الحديث يشمل المسلمين ، أو انه يخصهم دون غيرهم ، فإن الحديث لم ينص و لا أكد على خلود هؤلاء في النار تخليدا مُؤبدا . و إنما هو نفى عن هؤلاء دخول الجنة مباشرة بسبب ما ارتكبوه من ذنوب ، و لم ينف عنهم دخولها بعد دخولهم إلى جهنم و قضاء ما قدّره الله عليهم من المكوث فيها . و الدليل على هذا أيضا ، أن النصوص الشرعية نصت على أن المسلمين العصاة لا يُخلدون في جهنم تخليدا أبديا[68] .

    و أُشير هنا إلى أنه توجد أحاديث نبوية أخرى نصت صراحة على عدم دخول عُصاة المسلمين الجنة ، منها قول النبي- عليه الصلاة و السلام- : (( لا يدخل الجنة منان،  ولا عاق ، ولا مدمن خمر ))،و  ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة))[69] . وقال: (( لا يدخل الجنة قاطع رحم))[70].

    و أقول : إنها أحاديث صريحة في عدم دخول عصاة المسلمين إلى الجنة ، لكنها من جهة أخرى لم تنص و لا أكدت على عدم دخولهم الجنة مُطلقا على التأبيد .و بما أنه صحت الأحاديث بعدم خلود هؤلاء في جهنم ، فلابد من رفع التناقض و البحث عن الوجه الصحيح الذي يجمع بين نفي دخول هؤلاء الجنة ،و بين نفي خلودهم في جهنم خلوداً أبديا . إنه يُمكن رفع تناقضها بتفسيرين : الأول مفاده أن مقصود أحاديث عدم دخول عصاة المسلمين إلى الجنة ، معناه أنهم لا يدخلونها بهذه الذنوب ، فهي بذاتها تحرمهم من دخولها ، لكنها لا تحرمهم من دخولها بما لهم من طاعات قد ترجح كفة الحسنات على السيئات،  و بشفاعة – النبي-عليه الصلاة و السلام- لهم يوم القيامة[71]  .

 

     و التفسير الثاني مضمونه أن ذنوب العصاة تمنع أهلها من دخول الجنة مباشرة بعد الحساب ، لأن كفة السيئات ترجحت على كفة الحسنات ، فلا بد عليهم من دخول النار، لكنها لا تمنعهم من دخول الجنة بعد قضاء ما عليهم من العذاب في جهنم . و بهذا يُرفع التناقض و الله تعالى أعلم بالصواب .

 

   و أما الحديث الأول (( من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يَجَأ بها نفسه في جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ... )) [72] . فقد أورده أصحاب السنن و الصحيح ، بألفاظ متقاربة ، و مداره عن الأعمش عن أبي صالح ذكوان عن أبي هريرة ، منها رواية الترمذي (( حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود عن شعبة عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.  ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا.  ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ))[73] .

 

    فهذا الحديث صريح في تخليد عصاة المسلمين في النار، و لهذا تكلم فيه العلماء، و تباينت مواقفهم منه بين التأويل و التضعيف، و قال بعضهم أن فيه زيادة ليست منه[74] . و عليه فقد ترجح لدي أنها زيادة  ليست منه هي (( خالدا مخلدا فيها أبدا ))[75] ، فهو بهذه الزيادة حديث ضعيف بدليل الشواهد الآتية :

 

   أولها مفاده أنه حديث يُخالف القرآن الكريم مخالفة صريحة ، مضمونها أن القرآن نصّ صراحة على أن المسلم الذي يتعمد قتل المؤمن سيخلد في جهنم خلودا غير مُؤبد ؛ لقوله تعالى :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93 -.

 

   علما بأن الخلود في جهنم حسب القرآن الكريم على نوعين : الأول هو الخلود الطويل ، لكنه محدود في النهاية ، و الثاني هو الخلود الأبدي . فالأول هو الذي يتعلق بأهل الكبائر من المسلمين لقوله تعالى :{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93 -. و الثاني يتعلق بالكفار من المنافقين و أهل الكتاب و المشركين و غيرهم . و هذا الخلود دائم أبدي يختلف عن خلود عصاة المسلمين ، لأن الله تعالى نص على أنه خلود أبدي ، كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً )سورةالنساء : 168- 169- ، و { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً }- الأحزاب : 64- 65 .

   و في مقابل خلود هؤلاء الأبدي في النار، نص الله تعالى على وجود خلود أبدي آخر يتعلق بأهل الجنة ، كما في قوله سبحانه : (({وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً }النساء57- . لكن ليس في الجنة إلا خلود واحد أبدي ،و لا يُوجد معه خلود طويل محدود.

 

    و الشاهد الثاني مفاده أن تلك الزيادة تخالف الأحاديث الصحيحة التي أكدت على أن عصاة المسلمين لا يخلدون في النار مهما مكثوا فيها . منها حديث رواه الترمذي بقوله  : ((حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان قال أبو سعيد فمن شك فليقرأ { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } قال هذا حديث حسن صحيح ))[76] .

 

    و الشاهد الثالث مضمونه أن معنى ذلك الحديث ورد من طريق آخر ليس فيه تلك الزيادة التي نصت على الخلود المؤبد . و فيه يقول الترمذي : وروى محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل نفسه بسم عذب في نار جهنم. ولم يذكر فيه خالدا مخلدا فيها أبدا . وهكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا أصح لأن الروايات إنما تجئ بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها ولم يذكر أنهم يخلدون فيها  ))[77] .

 

 و الشاهد الأخير- الرابع- يتعلق بإسناد ذلك الحديث ، إنه إسناد فيه كلام يُضعفه من جهتين : الأولى تخص أبا صالح ذكوان ، ففي رواية أنه قال : ((عن أبي صالح عن أبي هريرة أراه رفعه قال : ... )) [78] . و في أخرى أنه قال : ((  عن الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ... )). [79] و في رواية ((عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ... »[80]   . فواضح أن ذكوان لم يكن مُتأكدا من أن أبا هريرة رفع الحديث إلى النبي-عليه الصلاة و السلام- لأنه قال: ((أراه رفعه )) . و مرة عنعن الحديث ، و لم يُصرّح بالسماع من أبي هريرة- رضي الله عنه - .

 

    و الجهة الثانية تتعلق بالراوي سليمان الأعمش ، و هو و إن كان قد وثّقه بعض كبار المحدثين كالبخاري و مسلم ، فإنه قد وُجد من جرّحه منهم في عدالته و ضبطه أيضا . من ذلك إنه كان يُدلس عندما يُعنعن[81] ،و حدّث عن أقوام لم يسمع منهم[82] ، و حدّث عن محدثين ما لم يسمع منهم[83] . و قيل فيه: ما أفسد أحد حديث الكوفة إلا أبو إسحاق، يعني السبيعي، وسليمان الأعمش )) [84] . و قال يزيد بن زريع: حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، وكان والله خربياً سبئياً، والله لولا أن شعبة حدث عنه، ما رويت عنه حديثاً أبداً )) [85].  و قال علي بن سعيد النسوي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: منصور أثبت أهل الكوفة، ففى حديث الاعمش اضطراب كثير ))[86] .

 

  فواضح من ذلك أن الرجل فيه ضغف واضح من جهة عدالته و ضبطه ، و حديثه السابق بينا أن متنه لا يصح بسبب تلك الزيادة . و هذا يكفي لرفض الحديث ، لأنه لم يثبت و لا صح متنا و لا إسنادا .   

 

   و أُشير إلى أنه كانت لبعض أهل العلم مواقف و تأويلات من ذلك الحديث- أي حديث الأعمش- منهم الترمذي ، و قد سبق أن ذكرنا موقفه ، فقد رجح الرواية التي ليست فيها عبارة الخلود الأبدي على رواية الأعمش التي نصت عليه .

 و الثاني الحافظ ابن حجر العسقلاني قال معلقا على الحديث: ((  وقد تمسك به المعتزلة وغيرهم ممن قال بتخليد أصحاب المعاصي في النار وأجاب أهل السنة عن ذلك بأجوبة منها توهيم هذه الزيادة قال الترمذي بعد أن أخرجه رواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة فلم يذكر خالدا مخلدا . وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يشير إلى رواية الباب قال: وهو أصح لأن الروايات قد صحت أن أهل التوحيد يعذبون ثم يخرجون منها ولا يخلدون . وأجاب غيره بحمل ذلك على من استحله فإنه يصير باستحلاله كافرا والكافر مخلد بلا ريب، وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ وحقيقته غير مرادة . وقيل المعنى : إن هذا جزاؤه ، لكن قد تكرم الله على الموحدين فأخرجهم من النار بتوحيدهم وقيل التقدير مخلدا فيها إلى أن يشاء الله . وقيل : المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول يخلد مدة معينة . وهذا أبعدها وسيأتي له مزيد بسط عند الكلام على أحاديث الشفاعة أن شاء الله تعالى  ))[87] .

 

     و الثالث جلال الدين السيوطي ذكر أن الحديث مُؤول بطول المدة[88]. و الرابع المحدث محمد المبارك فوري  ذكر أن عبارة خالدا مخلدا فيها هي من زيادة الأعمش ، فقال : ((قلت هذه الزيادة زادها الأعمش وهو ثقة حافظ وزيادة الثقة مقبولة ،فتأويل هذه الزيادة أولى من توهيمها  ))[89].

 

   و تعليقا عليهم أقول: إن الحديث واضح جلي لا يقبل أي تأويل يُخالف ما نص عليه بخلود مرتكب الكبيرة في النار ، كررها ثلاث مرات . ، و كل محاولة لتأويله بغير ذلك، فهي مرفوضة لأنها تقوم على رغبة ذاتية عند صاحبها و لا تقوم على معطيات علمية صحيحة من الشرع و لا من العقل تُثبت خلاف ما نصّ عليه الحديث . و بما أن الحديث أثبتنا أنه ضعيف و مخالف للصحيح من الشرع ، فإن أية محاولة لتأويله ، فهي محاولة مرفوضة و باطلة مُسبقا .

 

  و أما القول بأن زيادة الثقة في الحديث مقبولة ، فهذا لا يصح من جهتين : الأولى أنه سبق أن بينا أن الأعمش ليس كلمة إجماع بين النقاد من جهة عدالته و ضبطه ، فالأمر غير ثابت في حقه ضبطا و لا عدالة . و الجهة الثانية مفادها أنه لا يحق لأحد أن يزيد شيئا  في كلام النبي –عليه الصلاة و السلام- و يجعله من كلامه . و إذا زاد فهو كلام الراوي من باب الشرح لا غير ،و لا يصح نسبته إلى رسول الله . و إذا كانت زيادة تخالف الوحي الصحيح و العقل الصريح فلا تُقبل ، و إن قالها من قالها من الرواة . و ليس من الشرع و من لا العقل أن تٌقبل أحاديث النبي- عليه الصلاة و السلام بهذه الطريقة .  فالحديث دين ، و الدين يجب أن يُبنى على اليقين أولا ، ثم على الصحيح ثانيا ، و ليس بعد هذا شيء آخر . و عليه فإن توهيم الأعمش هو الصحيح ، و الأولى و الأحكم ، و الأضمن و المطلوب ،و ليس قبول زيادته على أنه حديث نبوي ؛ فهذا أمر خطير جدا ، و انحراف عن المنهج الصحيح في نقد الأخبار الحديثية خاصة و التاريخية عامة .

 

    وثانيا إن كلام القاضي عبد الجبار فيه حق و باطل ، و  باطله أكثر من صوابه، لأنه  كان عليه أن يرد على كل تلك الاعتراضات شرعا و عقلا ، من جهة و على ما سماه باعتراضات الملاحدة من جهة أخرى . لأن عدم الجواب الكامل و ترك بعض الشُبَه مُثارة هو عمل ناقص و قد يكون فيه ضرر كبير. فمن الواجب على العالم أن يرد على كل الشبهات بما يستطيع ، ولا يترك بعضها بدعوى أنها من فلان أو فلتان . فهذا لا يصح و عليه أن يرد عليها بكل ما يستطيع و لا يهمه صاحبها . و من جهة أخرى فمن حق الملحد على العالم أن يرشده ، و يُبين له تهافت مواقفه و شُبهاته ، فهذا المُلحد إنسان من حقه أن يسأل و يبحث عن الإجابات الصحيحة لشبهاته ، و قد يكون مخلصا طالبا للحق و اليقين ليتخلص مما هو فيه من ضلال . و هنا يصبح من الواجب على العالم إن يرد على شبهاته بكل ما يستطيع . و حتى و إن كانت نيته سيئة فمن الواجب الرد عليه إذا كان داعية لأفكاره بين الناس ، و إقامة للحجة عليه و أمثاله ،و لكي لا نترك شبهة بلا جواب صحيح ، فقد تكون فتنة لبعض الناس.

 

  و أما بالنسبة للمسلم المرتكب الكبيرة إن مات و لم يتب ، فقد سبق أن تناولنا الموضوع من الناحيتين الشرعية و العقلية، و بينا أن الصحيح هو أنه سيخرج من النار بعد قضاء المُدة المُقررة عليه فيها . و أما فيما يخص خلود الكفار في النار خلودا أبديا ، فلا شك أن الشرع قد نص على ذلك و أكد عليه، كما سبق أن بيناه . لكن الشبهة التي أشار إليه القاضي عبد الجبار من أنها شبهة يُثيرها الملاحدة لا المسلمون ، بقولهم : لا يوجد تناسب و لا عدل بين أفعال الكفار و العقاب الدائم ، فهذا عمل لا يحسن فعله معهم  . هي في الحقيقة شُبهة قد تَرِد على ذهن المسلم و الكافر معا ، و هي شبهة ظاهرها قوي ، و يجب الرد عليها . فأقول و بالله التوفيق : إن القاضي عبد الجبار أجاب على عليها بجواب ناقص و غير واضح من الناحية العقلية و الشرعية . و من المعروف أن العقاب يكون حسب الجريمة ، و الجريمة قد تكون عملا إجراميا عند طرف ، و قد تكون عملا بطوليا عظيما عند طرف آخر. و عليه فإن الطرف الذي يرى في ذلك العمل جريمة قد يحكم على صاحبه بالإعدام . لكن الطرف الآخر يُخالف هذا الحكم و يحكم على الفاعل بالبراءة ،و يُنوّه بفعله ، و يكافئها بجائزة نفيسة . و نفس الأمر ينطبق على ظاهرة الكفر بالله ، فقد يرى الملحد أن الكافر بالله هو إنسان ذكي ،و يجب شكره على كفره ، و يُخالفه المؤمن بالله ، و يرى في الكافر بخالقه أنه إنسان مجرم في حق الله ،و مريض مُتبع لهواه ، أضلته الشهوات و الشبهات ، و أنه مُخالف للشرع و العقل و العلم . و بما أن الأمر هكذا بين البشر من جهة التباين الكبير في الحكم على أفعال البشر و تقدير عقوباتها و ثوابها ، مدحها و ذمها . فإنه لا أحد يستطيع أن يُقدر التقدير الصحيح لعقوبة الكفر بالله و عصيانه ، إلا الله سبحانه و تعالى . فهو الوحيد الذي يستطيع أن يضع العقاب العادل للكفر و العصيان، و لهذا قال سبحانه : {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ }النور15-، و {  وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة216-. و بما أنه سبحانه عادل و لا يظلم أحدا ، فإن تخليده المؤبد للكفار في النار هو العدل بعينه. و لو لم يكونوا يستحقونه بنواياهم و أفعالهم ما أخلدهم فيه .

 

    و الشاهد على ذلك أيضا أن الله تعالى أخبرنا بأمر غريب و عجيب جدا و لا يُصدق لو لم يُخبرنا هو به سبحانه و تعالى ، بقوله : {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ }الأنعام28- . فهل يُعقل أن الكفار الذين أخلدهم الله تعالى في النار و عذّبهم بها ، لو أخرجهم منها و أعادهم إلى الدنيا ، سيعودون إلى الكفر و العصيان ؟؟!!! . نعم إنه أمر مُذهل  و لا يكاد يُصدق، و لو أخبرنا به بشر ما صدقناه ، لكنه صحيح و صدق لأنه الله تعالى علام الغيوب أخبرنا به . فهؤلاء الكفار جنوا على أنفسهم بنواياهم و أعمالهم فعاملهم الله تعالى بعدله و حكمته .

 

   و ثالثا إن قول المعتزلة بأن مرتكب الكبيرة هو في منزلة بين المنزلتين في النار ، هو قول بنوه على ظنونهم و أهوائهم ، و تقدموا به على الله و رسوله . و هذا لا يصح شرعا و لا عقلا ، و كان من الواجب عليهم أن يرجعوا فيه إلى الشرع . فتكلموا في أمر ليس لأحد أن يتكلم فيه قبل الشرع و لا يجزم فيه، و هذا نموذج من انحرافات القوم المنهجية و جناياتهم التي ارتكبوها في حق الشرع و العقل معا . علماً بأن الشرع قسم البشر إلى مسلمين و كفار . و الكفار أنواع حسب كفرهم ، من يهود ، و نصارى ، و مجوس ، و غيرهم . و المسلمون على ثلاثة فئات : مسلمون مؤمنون ، و مسلمون غير مؤمنين  ، و مسلمون منافقون . فالمسلمون المؤمنون هم الذين يصدق عليهم الذين شهد لهم الشرع بالإيمان كقوله تعالى : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ }الحجرات15-،و {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً }النساء136-. و المسلمون غير المؤمنين هم أصناف غير مشهود لهم بالإيمان  أشار إليهم الشرع في آيات كثير ، منها قوله تعالى : {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }الحجرات14-،و {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }فاطر32-،و {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التوبة102- . و المسلمون المنافقون لم يُؤمنوا بالإسلام أصلا ، لكنهم تظاهروا به ، و كانوا محسوبين على الإسلام و المسلمين ،و لهذا فهم كفار ، و في الدرك الأسفل من النار . و عليه فإن المنزلة بين المنزلتين التي قال بها المعتزلة لا وجود لها في الشرع كمبدأ ، و مرتكب الكبيرة هو مسلم عاصٍٍ من أمة الإسلام ، و لا يصح تسميته بأنه في منزلة بين المنزلتين ، و لا يصح تخليده في النار شرعا و لا عقلا .

 

  و القول بالتخليد المُؤبد لمرتكب الكبيرة في النار  يجعله كافرا لا يختلف عن الكفار في النهاية ، و لا معنى من القول بأنه في منزلة بين المنزلتين . و إما إذا قيل : بل يختلف عن الكافر في درجة العذاب . قيل : إن هذا التباين موجود بين الكفار أنفسهم ، فهم ليسوا في درجة واحدة من العذاب، بل هم في ذلك حسب أعمالهم . و اختلاف هؤلاء في درجة العذاب لا يُغير من الحقيقية النهائية شيئا، هي أن الجميع مُخلّد في النار تخليدا مُؤبداً . ففي الشرع لا توجد منزلة بين المنزلتين ، و إنما توجد الجنة أو النار ، و الجنة مراتب و درجات من جهة النعيم ،و في جهنم دركات من جهة العذاب . و لا يصح عقلا و لا شرعا أن ننزع عن المسلم العاصي صفة الإسلام كليةً ، ما لم ينقض أصوله اعتقادا و عملا ؛ لأن المسلم مهما كان انحرافه فهو يختلف عن الكافر من جهة اعتقاده . و عليه فلا يصح أن نسوي بينه و بين الكافر بأن نخلده معه في النار تخليدا أبديا . فهذا ظلم و إجحاف ، و الله تعالى مُنزه عن ذلك .

 

  و أخيرا- رابعا - إن تأويل الزمخشري بأن شفاعة النبي –عليه الصلاة و السلام- تخص التائبين من المسلمين و لا تشمل مرتكبي الكبار ، هو تأويل فاسد و باطل و فيه تغليط و تحريف . لأن أحاديث الشفاعة نصت صراحة على أن الشفاعة تكون عامة تشمل كل عصاة المسلمين ، فلا هي خاصة ، و لا مُقيدة بشروط . لكنها لا تمنع من دخول بعضهم جهنم ، فإن منهم من يدخلها ثم يُشفع فيه لقوله عليه الصلاة و السلام : (( أقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل ، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع لك،  وسل تُعط واشفع تُشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه. فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا؛ فيقول: يا محمد ارفع رأسك ،وقل يُسمع لك، وسل تعط، واشفع تُشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي ، فيقول: انطلق ،فأُخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأُخرجه من النار فأنطلق فأفعل ...  ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا،  فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يُسمع ،وسل تُعطه واشفع تُشفع فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله فيقول : وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله ))[90]. لذا لا يصح للزمخشري و لا يحق له أن يجعل الحديث خاصا بالتائبين فقط ، من دون أي دليل صحيح .

 

    و ليس صحيحا قوله بأن كل التائبين يكونون أحوج الناس إلى الشفاعة من غيرهم . و إنما الذين يكونون أحوج الناس إليها هم عصاة المسلمين . و أما التائبون الصادقون فالأصل فيهم أنهم تابوا و عادوا إلى الصراط المستقيم ،و ازداوا إيمانا و تقوى . لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، و الله تعالى قد قبل توبتهم و غفر لهم ، و بدّل سيئاتهم حسنات ، لقوله سبحانه : {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الفرقان70- . فأين ما زعمه الزمخشري من أن التائبين هم المعنيون بالشفاعة يوم القيامة لحاجتهم إليها ؟؟!! . فالعصاة هم الأحوج إليها من غيرهم من المسلمين ، و ليس ما زعمه الرجل بتأويله التحريفي للحديث !! .

 

     و ختاما لهذا الفصل يُستنتج منه أن المعتزلة خالفوا الشرع و العقل في نفيهم تقدير الله تعالى و قضائه لقبائح البشر و دخولها في مشيئته. و خالفوهما في قولهم بأن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم ، و أن مرتكب الكبيرة خالد مُخلد في النار أبدا .

  و تبين أيضا أنهم كانوا مغالطين مُحرفين مُلبيسين في معظم مواقفهم المتعلقة بالقضاء و القدر و المشيئة الإلهية ، فعلوا ذلك تعصبا و انتصارا لمذهبيتهم الزائفة . فلم يُفرّقوا بين إرادة الله تعالى الكونية و الشرعية ،و لا بين ما يُحبه و يرضاه ، و بين ما لايُحبه و لا يأمر به ، مع دخوله في إرادته الكونية المهيمنة على العالم .و زعموا أن إدخال شرور البشر في قضاء الله و قدره و مشيئته هو ظُلم و قُبح ، و لم يُفرّقوا بين فعل البشر لها و دخولها في المشيئة الإلهية . و لا ميزوا بين دور الإرادة الإلهية في حصول الهداية و الضلال ، و بين دور الإنسان في اتخذاذ الأسباب المؤدية إلى ضلاله أو هدايته . فأوقعهم كل ذلك في أخطاء و انحرافات منهجية جنوا بها على الشرع و العقل معا .

 ---------------------------------------------

[1] يحيى بن الحسين : الرد على المجبرة و القدرية ، ضمن رسائل العدل و التوحيد ، تحقيق محمد عمارة ، ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة ، 1988 ، ج 2 ص: 30 .

[2] مسلم : الصحيح ، ج 8 ص: 51  .

[3] البخاري: الصحيح ، ج 4 ص: 106 .

[4] الألباني: صحيح الجامع الصغير ، ج 2 ص: 191 .

[5] أنظر مثلا : الموسوعة العربية العالمية ، مادة الأرض  ، و الكونيات ، و الانفجار العظيم . و عبد الحميد سماحة : في أعماق الفضاء، ط 2 ، دار الشروق، القاهرة، 1980 ، ص: 71 و ما بعدها ، 84 و ما بعدها .

[6] يحيى بن الحسين : الرد على المجبرة و القدرية ج 1 ، ، ص: 33 .

[7] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  7  .

[8] أحمد بن يحيى المرتضي : باب ذكر المعتزلة من كتاب المُنية و الأمل في شرح كتاب الملل و النحل ، صححه توما  أرنولد ، مطبعة دائرة المعارف النظامية ، حيدر آباد ، الدكن ، 1916 ، ص: 6 .

[9] عبد الرحمن بدوي: مذاهب الإسلاميين : المعتزلة الأشاعرة ...  دار العلم للملايين ، بيروت ، 1997 ،   ص: 60 .

[10] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 348 .

[11]  نفس المصدر ، ص: 209- 240  .

[12]  نفس المصدر ، ص: 239 .

[13] الشهرستاني : الملل و النحل ، ج 1 ، ص: 45 .

[14] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص: 83 .

[15] القاسم الرسي : كتاب العدل و التوحيد ،و نفي التشبيه عن الله الواحد الحميد ، ضمن : رسائل العدل و  التوحيد ، تحقيق محمد عمارة ، ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة ، 1988 ، ص: 139 .

[16] يحيى بن الحسين : الرد على المجبرة و القدرية ،ج 2 ،  ص: 54 .

[17] نفسه ،ج 2 ، ص: 54  .

[18]نفسه 55 .

[19]  نفسه 55  .

[20] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 141  .

[21] القاضي عبد الجبار المعتزلي : المغني في أبواب التوحيد و العدل : الإرادة ، حققه محمود محمد قاسم   ، ص:  218 ، 341 . 

[22] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 227 .

[23]  نفس المصدر، ص: 230 .

[24] نفس المصدر ، ص: 233 .

[25]  الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص: 17 .

[26] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، حققه عبد السلام عباس الوجيه ، ص: 83 .

[27] القاسم الرسي : كتاب العدل و التوحيد ،و نفي التشبيه عن الله الواحد الحميد ، ضمن : رسائل العدل و  التوحيد ، تحقيق محمد عمارة ، ط 2 ، دار الشروق ، القاهرة ، 1988 ، ص: 139 .

[28] من أوسع الكتب السنة و أحسنها التي تناولت موضوع القضاء و القدر ، كتاب : شفاء العليل في مسائل القضاء و القدر و الحكمة و التعليل لابن قيم الجوزية .

[29] للتوسع في موقف أهل السنة من القضاء و القدر ، انظر كتاب ابن قيم الجوزية المذكور في الهامش السابق .

[30] سنعود إلى هذا الموضوع في المبحث الثاني من هذا الفصل بحول الله تعالى .

[31] ابن حبان : صحيح ابن حبان ، حققه شعيب الأرناؤوط ،و الحديث صححه المحقق ، ج 2، ص: 169 .

[32] الألباني: صحيح الجامع الصغير ، ج 2 ص: 191 .

[33] مسلم : الصحيح ، ج 8 ص: 56 .

[34] الأشعري: مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 322 .

[35] المحسن الجشمي: تحكيم العقول في تصح الأصول ، ص: 125 .

[36] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص: 25 .

[37]   نفسه ، ص: 25

[38] المحسن الجشمي: تحكيم العقول في تصح الأصول ، ص: 127 .

[39] ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ، دار المعرفة ، بيروت ، 1992  ، ج 3 ، ص: 389 .

[40] ابن بطة العكبري: الإبانة الكبرى ، 3 ص: 468 . ابن كثير : نفس المصدر، ، ج 2 ص: 207 .

[41] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص: 25 .

[42] للبخاري كتاب خلق أفعال العباد شرح فيه موقف أهل السنة ، و احتج له بالنصوص الشرعية ، و رد على مُخالفيهم .

[43] الأشعري : مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 298 .

[44] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 238 .

[45] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ،، ص: 86 .

[46]  نفس المصدر ، ص: 87- 88  .

[47] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  7  .

[48] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة  ، ص: 64 .

[49] الأشعري: مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 307 .

[50] نفس المصدر ، ج 1 ص: 326 .

[51] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص: 96  .

[52] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 199 .

[53] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  8  .

[54]  نفس المصدر ، ص:  21 .

([55]) أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم،  حسب ما ذكره محقق الكتاب .

[56] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  21 .

[57] الفخر الرازي: مفاتيح الغيب من القرآن الكريم ، دار إحياء التراث العربي ، ج 1 ص: 214  .

[58] الأشعري: مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 334 .

[59] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 209- 210 .

[60]  نفسه ، ص: 209- 210 .

[61] نفس المصدر ، ص: 350 .

[62] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة  ، ص: 154 .

[63] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص: 26 .

[64]  نفس المصدر، ص:  30 .

[65] البخاري: الصحيح ، ج 1 ص: 17 .

[66] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 154 .

[67] أنظر : مسلم : الصحيح ، رقم الحديث : 5704 ، ج 6 ص: 168 .

[68] سنذكر بعضا قريبا بحول الله تعالى .

[69] البخاري : الصحيح ، رقم: 3166 ، ج 4 ص: 99 .

[70] مسلم : الصحيح ، رقم الحديث: 8566 ، ج 8 ص: 8 .

[71] سنذكر بعض أحاديثها قريبا .

[72] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة  ، ص: 154 .

[73] الترمذي: السنن ، ج 4 ص: 206 .

[74] سنذكر هذا لاحقا .

[75] الترمذي: السنن ، ج 4 ص: 206 .

[76] الترمذي : السنن ، ج 4 ص: 396 .

[77] نفس المصدر، ج 4 ص: 206 .

[78] نفسه  ، ج 4 ص: 206 .

[79] الترمذي: السنن ، ج 4 ص: 206 .

[80] مسلم : الصحيح ، ج 1 ص: 72 .

[81] ابن حجر : تقريب التهذيب ، ج 1 ص: 390 .

[82] ابن حجر : تهذيب التهذيب ، ج 3 ص: 150 .

[83] أبو المعاطي النوري:  موسوعة الإمام أحمد في الجرح و التعديل ، ج 2 ص: 91 . الذهبي : ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 224 .

[84]   نفسه ، ج 2 ص: 224 .

[85] أحمد بن حنبل : العلل و معرفة الرجال ، ص: 92 . أبو المعاطي النوري:  موسوعة الإمام أحمد  ، ج 2 ص: 93 .

[86] الذهبي : ميزان الاعتدال، ج 2 ص: 224 .

[87] ابن حجر: فتح الباري ، ط2 ، دار المعرفة ، بيروت ، ج 13 ص: 358 .

[88] السيوطي : الديباج على صحيح مسلم ، ج 2 ص: 43  .

[89] محمد المبارك فوري: تحفة الأحوذي في شرح جامه الترمذي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ج 12 ، ص: 195 .

[90] البخاري: الصحيح ، ج 9 ص: 149  .

  • الاحد PM 03:48
    2021-07-25
  • 2527
Powered by: GateGold