المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422045
يتصفح الموقع حاليا : 188

البحث

البحث

عرض المادة

جناية المعتزلة على العقل و الشرع في موضوع الصفات الإلهية

تبنى المعتزلة[1] موقفا واحدا من صفات الله تعالى، فقالوا بنفيها بعبارات تلبيسية من جهة ، و تظاهروا بإثبات بعضها ، و نفوا بها عنهم اتهام غيرهم لهم بنفيها من جهة ثانية . و تأوّلوا الصفات الخبرية تأويلا تحريفيا من جهة ثالثة . فما تفاصيل ذلك ؟، و وما هي مظاهر جناية المعتزلة على العقل و الشرع في موقفهم من الصفات الإلهية ؟ .

 أولا: مفهوم الصفات عند المعتزلة و خطأ موقفهم منها:

    لم يُعبر المعتزلة عن موقفهم الحقيقي من الصفات الإلهية بتعبير واضح صريح لا تلاعب فيه و لا تلبيس ليسهل فهمه ، و إنما عبّروا عنه بألفاظ مُوهمة قد يصعب على غير الخبير بكلامهم أن يفهمها . و لتوضيح ذلك أذكر طائفة من مواقف لكبار علماء المعتزلة من موضوع الصفات الإلهية ، أذكرها فيما يأتي تباعا .

    أولها مفاده أن القاضي عبد الجبار المعتزلي ( ق: 5 الهجري) ذكر أن المعتزلة أجمعوا (( في كل صفات الله تعالى أنها للذات ، أو ترجع إلى الذات ، و منعوا في شيء من صفاته أن يكون بمعنى أزلي . و يقولون في هذه الصفات : واحد لا نظير له ، في كلها و لا في أحدها . فهذا قول مشايخنا في التوحيد)) [2]  .

  و الثاني مضمونه أن المُتكلم أبا الفتح الشهرستاني ( ق: 6 الهجري) ذكر أن شيخ المعتزلة واصل بن عطاء كان يقول في الصفات : (( ومن أثبت معنى وصفة قديمة فقد أثبت إلهين))[3] .

    و الموقف الثالث مؤداه أن أبا القاسم البلخي المعتزلي ( ت نحو: 319 هـ ) ، ذكر أن أبا الهذيل العلاف المعتزلي (ت:3 هـ ) كان يقول : (( إن علم الله هو الله ، و كذلك القدرة لله هي الله )) [4]

      و ذكر المتكلم أبو الحسن الأشعري( ق: 4 الهجري) أن أبا الهذيل العلاف المعتزلي كان يقول في الله و صفاته : (( هو عالم بعلم هو هو ، وهو قادر بقدرة هي هو ، وهو حي بحياة هي هو . و كذلك قال في سمعه وبصره وقدمه وعزته وعظمته وجلاله وكبريائه وفي سائر صفاته لذاته . وكان يقول : إذا قلتُ : إن الله عالم أَثبت له علماً هو الله ، ونفيتُ عن الله جهلاً  ،ودللت على معلوم كان أو يكون . وإذا قلتُ : قادر نفيت عن الله عجزاً ،وأثبتُ له قدرة هي الله سبحانه ، ودللت على مقدور . وإذا قلتُ : لله حياة ، أثبت له حياة وهي الله ، ونفيتُ عن الله موتاً . وكان يقول : لله وجه هو هو ، فوجهه هو هو ، ونفسه هي هو . ويتأول ما ذكره الله سبحانه من اليد أنها نعمة  ))[5] .

 

    و شرح الشهرستاني موقف العلاف بقوله : ((قوله إن علم الله هو الله ، وأن قدرته هي هو ، لأنه إذا كان علمه هو هو ، وقدرته هي هو ؛ فواجب أن يكون علمه هو قدرته ، وإلا لزم التناقض كما لزم أصحاب الاثنين . وهذا أخذه أبو الهذيل عن أرسطاطاليس وذلك أن أرسطاطاليس قال في بعض كتبه : إن البارئ علم كله ، قدرة كله حياة كله ، سمع كله ، بصر كله . فحسّن اللفظ عند نفسه وقال : علمه هو هو ، وقدرته هي هو ))[6] .

 

   و الرابع يتعلق بموقف عمر بن بحر الجاحظ ( ق: 3 الهجري ) من الصفات ، فقال: ((  أننا نعتقِد أنّ لنا رَبّاً يخترع الأجسامَ اختراعاً وأنّهُ حَيٌّ لا بحياة، وعالمٌ لا بعلم، وأنّه شيءٌ لا ينقسم، وليس بذِي طُول ولا عرْض ولا عُمق ))[7] . بمعنى أن الصفات عنده هي عين الذات ، و ليست قائمة بالله أو بغيره ، فهو عنده حي و حياته ذاته ، و عالم و علمه ذاته ، و هكذا[8].

 

    و الموقف الخامس مفاده أن القاضي عبد الجبار نفى أن يكون تعريف المعتزلة لمعنى وصف الله تعالى بأنه قادر يعني أن له قدرة . و نص على أنهم يقولون : (( إنه تعالى قادر بلا قدرة )) ، و عندهم أن الله حي بلا حياة ، و سميع بلا سمع[9] . و نص على أن الله تعالى (( عالم ، قادر ، حي ، سميع ، بصير ، قديم لذاته ، لا يحتاج إلى أمر سوى ذاته ، يصح لأجله أن يستحق لهذه الصفات . و لو كان لا يعلم إلا بعلم لكان محتاجا في كونه عالما إلى ذلك كالواحد منا . و لو لم يُوجد إلا بموجد ، لكان محتاجا إلى فاعل ، كالواحد منا )) . و ذكر أيضا أن الله تعالى عالم لذاته ، فاستغنى عن علم يعلم به [10].

 

     و السادس موقف المحسن بن كرامة الجشمي المعتزلي( ق: 5 الهجري) و مفاده أنه قال : (( مسألة في أنه تعالى لا يجوز أن يكون قادراً عالماً حياً موجوداً بالمعاني: الذي يقول مشايخنا: إن له هذه الصفات لذاته لا لعلّة )). ثم شرح قصده ، بأن معنى ذلك أن الله لا يعلم لسبب ، بقوله : ((   ولا يقال: إنكم تقولون: إنه عالم لنفسه لأنا لا نعني أن ذاته علّة، وإنما أردنا أن ذاته عالم على سبيل الوجوب لا يحتاج إلى علّة لأجلها يعلم ))[11].

 و قال ردا على محاوره : ((  ويقال له: أهو غني أم لا ؟!!.فإن قال: غني . قلنا: أفيحتاج إلى علم به يعلم وقدرة بها يقدر وحياة بها يحيا؟! فإن كان لا يحتاج ترك قوله، وإن كان يحتاج نقض قوله: إنه غني )) [12] .

   و قال أيضا : (( ويقال لهم: إذا كان العلم قديماً والقدرة قديمة وكذلك الحياة والقدم من الصفات النفسية اللازمة، فإذا شاركت هذه المعاني القديم في صفة القدم وجب أن تشاركه في سائر صفات النفس وتكون مثلاً للقديم، ثم يلزم عليه وجوه من الفساد: منها أن يكون العلم إلهاً، والقدرة إلهاً، والحياة إلهاً. ومنها أن يكون الإله بصفة هذه المعاني. ومنها أن تكون هذه المعاني بعضها بصفة بعضٍ حتى يكون المعنى قدرةً، حياةً، علماً. ومنها أن يقع المعنى بواحد عن الباقين. ومنها أن يقع المعنى بذات القديم، فيلزمهم نفي المعاني على أقبح الوجوه  ))[13].

   و السادس موقف محمود الزمخشري المعتزلي ( ق: 6 الهجري ) وصف الله تعالى بأوصاف منها أنه سبحانه : ((  قادر لذاته على جميع المقدورات، عالم لذاته بجميع المعلومات، حي لذاته، سميع بصير لذاته، مدرك للمدركات كلها لذاته، لا لِمَعانٍ أوجبت ذلك ))[14] .

 

   و الموقف الأخير – السابع – مفاده أن أحمد بن يحيى المرتضي اليمني( ت 840 هجرية) عبّر عن موقف المعتزلة من الصفات بقوله :(( إن الله تعالى قديم قادر ، عالم حي لا لمعانٍ ))[15] . بمعنى أنهم قالوا : إن لله صفات ، كالقدرة ، و العلم من دون أن تكون لها معانٍ . 

 

    و تعليقا على هؤلاء و ردا عليهم أقول : إن موقف هؤلاء من الصفات الإلهية لم يقم على الوحي الصحيح ، و لا على العقل الصريح ، و لا على العلم الصحيح ، و إنما أقاموه على نفي الصفات باستخدام التغليط و التلبيس ، و التلاعب بالألفاظ  ،و القول بلا علم ، و إن تظاهروا بإثباتها . لأنه أولا إن القوم أثبتوا صفاتٍ زعموا أنها للذات ، و ترجع إليها ، و أنها عين الذات ، و ليست زائدة عنها ، و لا هي أزلية ، و لا هي ذات معانٍ . و كلامهم هذا عند التحقيق مزاعم باطلة لا تصمد أمام النقد العلمي الصحيح أبدا[16] .

 و ثانيا إنه يستحيل عقلا و علما وجود ذات دون صفات ، و لا صفات دون ذات . فأي موجوج  فهو بالضرورة له صفات تناسبه ، و الذي ليس له وجود هو المعدوم فقط، لأنه غير موجود . و بما أن الأمر هكذا فإن الصفات تابعة للذات وجودا و عدما ،  طبيعة و خصائص ، و لا مبرر للتركيز على حكاية أن الصفات للذات ، و ليست زائدة على الذات ، و أنها عين الذات ، فهذا أمر ثابت مُسلم به، و لا توجد ذات صفاتها زائدة على ذاتها فهذا – عند التحقيق- كلام لا يصح[17] . فإذا كانت الذات مخلوقة فصفاتها مخلوقة ، و إذا كانت الذات أزلية فصفاتها أزلية . و عليه فبما أن الله تعالى هو الخالق الأزلي الحي الذي لا يموت فلابد أن تكون صفاته أزلية بالضرورة ، و لا يُمكن أن تنفك عنه ، و هذا ثابت قطعا بدليل العقل و الشرع . و عليه فإن قول المعتزلة بأن صفات الله ليست أزلية ، هو زعم باطل و مُضحك  مُُثير للدهشة و الاستغراب ، فكيف يصدر مثل هذا الهذيان من قوم يدعون العقل و الفهم ؟؟!! .   

 

   و ثالثا إن قول عبد الجبار بأن الله عالم بلا علم ، لأنه عالم بذاته و لذاته ، و لا يحتاج إلى أمر سوى ذاته ، فاستغنى عن علم يعلم به؛ لأنه لو كان لا يعلم إلا بعلم لكان محتاجا في كونه عالما إلى ذلك كالواحد منا . فهو كلام باطل من أساسه و فيه تلبيس و تلاعب بالألفاظ . لأن الثابت شرعا و عقلا أن الله تعالى كامل بذاته و صفاته ، و صفاته هي من صفات ذاته . فهو سبحانه ليس كالملخوق الذي يعلم بعلم عن حاجة ، و قادر بقدرة عن نقص بحكم أنه مخلوق فصفاته من ذاته ،و ذاته ناقصة مخلوقة . و هذا لا ينطبق أبدا على الله تعالى ، فهو سبحانه الخالق العظيم الكامل الصفات ، يعلم بعلم من ذاته ، و قادر بقدرة بذاته ، و لا يجتاج إلى علم يأخذه من غيره . فاعتراض الرجل باطل من أساسه  بناه على قياس فاسد قاس به صفة العلم عند الخالق بصفة العلم عند الإنسان . فصفات الله تعالى كلها حقيقية لها معانيها من ذاته سبحانه ، و ليست خارج ذاته .

   و نفس الأمر يُرد به على المحسن الجشمي ، فلا يصح تساؤله عندما قال: ((  ويقال له: أهو غني أم لا ؟!!.فإن قال: غني . قلنا: أفيحتاج إلى علم به يعلم وقدرة بها يقدر وحياة بها يحيا؟! فإن كان لا يحتاج ترك قوله، وإن كان يحتاج نقض قوله: إنه غني )) [18] . فلا يصح لأن الله تعالى كامل الصفات بذاته ،  فهو غني بذاته ، و عالم بذاته ، و قادر بذاته ، و لا يصح أبدا القول : هل أنه يحتاج إلى علم يعلم به، و قدرة يقدر بها من غيره  . فهذا حال المخلوق ، و أما الخالق فهو كامل بذاته مُتصف بكل صفات الكمال حقيقة . فلماذا هذا التلاعب و التحريف و التلبيس يا أدعياء العقلانية ؟؟!! .

   و رابعا إن زَعْم هؤلاء بأن إثبات صفات حقيقية أزلية لله تعالى يُؤدي إلى القول بتعدد الآلهة- القدماء- ؛ هو زعم باطل مردود عليهم. فهم إما أنهم لا يعون ما يقولون ، و إما أنهم قالوا ذلك تغليطا و تلبيسا لغايات في أنفسهم . لأن المعروف و الثابت بديهة و علما و شرعا أن الكائن لا يتعدد بصفاته، و إنما يتعدد بذاته ، و لا ذات دون صفات ، و لا صفات دون ذات ، و مهما تعددت صفات الكائن أو قلت فهي تبقى دائما صفات تابعة للذات و لن تصبح ذاتا ، و لن تتعدد إلى ذوات، و لا تنفك عنها. و هذا يعني أن اتصاف الله تعالى بصفات أزلية لا يجعل منها ذواتٍ مُتعددة ، و إنما ستبقى صفات تابعة لذات أزلية واحدة . فإذا كان عندنا 100 تلميذ في المدرسة ، فمهما تعددت صفاتهم النفسية و العضوية و الخُلقية ، فهي صفات تابعة لذواتهم ، و لن تزيد في عدد ذواتهم ، كأن يصبح عددهم 300 تلميذ بحكم تعدد صفات كل ذات منهم  !! . و عليه فإن إثبات الصفات لله تعالى ليس تعديدا للذوات و لا شركا ، و إنما هو إثبات لصفات الله الواحد الأحد التي تليق به و تناسب ذاته . فهل هؤلاء لا يعرفون ذلك ، أم أنهم تعمدوا إغفاله لغايات مذهبية  ؟؟!!.

 

   و قولهم بأن إثبات تلك الصفة و غيرها يُؤدي إلى إثبات إلهين قديمين أو أكثر ، هو دليل دامغ ضدهم و شهادة منهم بأنهم لا يُثبتون شيئا من الصفات على الحقيقة . لأنهم لو أثبتوها حقيقة يكونون قد ناقضوا أنفسهم، و ردوا عليها ، و قد أثبتوا إلهين أو أكثر بالصفات التي تظاهروا بالقول بها . فهم بقولهم بتلك الصفات إن أثبتوها حقيقة ، فيكونون قد ناقضوا أنفسهم ، و إن لم يُثبتوها حقيقة ، فهم قد موهوا و غالطوا ،  و كلامهم ظاهر التناقض . لكن المهم هنا هو أن كلامهم هذا – المتناقض-  ينسجم مع مذهبهم في نفي الصفات الإلهية .

 

   و الحقيقة هي أن قول المعتزلة بأن الصفة هي الله ، و هي ذاته ،    هو الذي يُوصل إلى القول بتعدد القدماء . لأن معنى هذا هو أن صفة العلم هي الله ، و القدرة هي الله ، و الإرادة هي الله ، و هكذا ، فتتعدد الذوات بتعدد الصفات . لكن إثبات الصفات لله كصفة و ليس كذات هو الذي يُقرر التوحيد و يُثبته ، بحكم أن الصفات تابعة للذات . و بما أن الصفات هي الله حسب زعمهم فهم بين أمرين : إما أن معنى قولهم إن الله تعالى متصفت بالصفات التي أثبتوها ، و من ثم هي صفات لذات ، و هذا هو الصواب الموافق للشرع و العقل و لِما عليه أهل السنة . و إما أن قولهم يعني أن كل صفة هي الله بنفسها و هذا يعني تعدد الذوات ، و يُوصل إلى القول بتعدد الآلهة ، و هذا يشبه قول النصارى في أقانيهم الثلاثة ، إذ كل واحد منها يُمثل إلهاً بذاته .

 

    و واضح من ذلك أن حقيقة قولهم هو نفي للصفات و ليس إثباتا لها ، لأنهم جعلوا تلك الصفات ذاتا و إلهاً . فالعلم إله ، و القدرة إله ، و هكذا . و هذا شاهد على صحة قول أهل السنة بأن المعتزلة نفوا الصفات ، لأنهم نفوا الصفات و قالوا بتعدد الذوات حسب كل صفة . و النتيجة هي إثبات ذات لا صفات لها حسب زعمهم ، فإن كانت ذاتا لها عدة صفات فهذا صحيح قاله الشرع و العقل و أهل السنة ؛ و إن كانت تلك الصفات كل صفة منها تمثل ذاتاً أو ذواتٍ ، و لا تمثل صفة و لا صفات ٍ حسب زعمهم ، فهذا شرك و قول بتعدد الآلهة .

 

   و خامسا إن قول أبي الهذيل العلاف : هو عالم بعلم هو هو ، وهو قادر بقدرة هي هو ، ... هو نفسه قول أصحابه : عالم لذاته ، و قادر بلا قدرة ، و عالم بلا علم ،  و أن الصفات عين الذات . لأن قوله: عالم بعلم هو هو ، يعني أنه عالم بلا علم ، وإنما عالم بذاته . فهذه التعابير لها معنى واحد عَبّر بها المعتزلة عن موقفهم من الصفات الإلهية . لكن الأمر الهام الذي يجب أن لا يغيب عنا هو أن قول المعتزلة : إن الله قادر بلا قدرة ، و عالم بلا علم ؛ هو قول فيه تناقض و تلبيس ، و تغليط  و سفسطة ، و لا يستقيم من جهة معناه و مقصودهم منه . لأن قولهم : قادر بلا قدرة ، يعني أنه ليس قادرا ، لأن النتيجة ( بلا قدرة ) نفت المقدمة ( قادر )  !! . فهو إن كان قادرا فلا بد له من قدرة ، و إذا لم تكن له قدرة ، فهو ليس قادرا حتماً !!! . فهو إما قادر ، فله قدرة ، لأنه لا قادر بلا قدرة . و إما ليست له قدرة ، فهو ليس قادرا ، لأن من ليست له قدرة ليس قادرا .

 

   و توضيحا لذلك فإن قول المعتزلة : قادر بلا قدرة  كلام باطل شرعا و عقلا و واقعا ، و ما هو إلا من سفسطاتهم و تلاعبهم بالألفاظ . لأن مقولة المعتزلة : (( قادر بلا قدرة )) ، تعني أساسا كقولنا : (( مُتصف بلا صفات )) ، و صادق بلا صدق ، و كاذب بلا كذب  و هذا تناقض  ، و يعني أيضا أن المعتزلة يُثبتون أسماء بلا معانٍ ، و هذه سفسطة مكشوفة . فالقادر بلا قدرة يعني أنه ليس قادرا حقيقة ، و إن تسمى بذلك . كتسمية الكذاب بالصادق ، و قولنا أنه صادق بلا صدق ، فهذا يعني أنه كذاب .و قولنا : كاذب بلا كذب ، يعنى أنه صادق و ليس بكاذب ، لأنه لا كاذب بلا كذب .

 

    و تلك المقولة تتضمن تناقضا ، لأن نتيجتها تنفي مقدمتها ، فقولنا: قادر بلا قدرة ، يعني أنه ليس قادرا ، و لو كان قادرا لكان قادرا بقدرة . و قولنا : صادق بلا صدق ، يعني أنه ليس صادقا ، و لو كان صادقا لكان صادقا بصدق . و قولنا: موجود بلا وجود ، يعني أنه ليس موجودا ، لأنه لو كان موجودا لكان له وجود . و قولنا: معدوم بلا عدم ، يعني أنه غير معدوم ، لأن المعدوم له عدم . و هذه الشواهد تثبت أن النتيجة تنفي المقدمة بالضرورة ، مما يعني أن المعتزلة بنوا موقفهم في الصفات على التناقض ، فأين حكاية العقل و العقلانية المنسوبة إلى المعتزلة؟؟!!. إنهم قدموا أهواءهم و ظنونهم و آراءهم على الشرع و العقل و العلم ، انتصارا لمذهبيتهم الزائفة !! .

 

     و نفس الأمر ينطبق على قولهم : قادر لذاته ، و عالم بذاته . فإذا كان الله تعالى قادرا بذاته ، فهذا يعني بالضرورة أن له قدرة حقيقية بذاته ، و له علم حقيقي بذاته . و من ثم يصح أن نقول: إنه قادر بقدرة بذاته، أو قادر بقدرة ذاتية ، و عالم بعلم بذاته ، أو عالم بعلم ذاتي . لكن هذه النتيجة رفضها المعتزلة عندما أكدوا على أن صفات الله ليست لها معان حقيقية ، و ليست أزلية  ، و أن الله قادر بلا قدرة ، و عالم بلا علم ، و هكذا . و إذا أصروا على أنهم يقصدون من مقولتهم الثانية : قادر بذاته ، و عالم بذاته ، نفس ما قصدوه بمقولتهم الأولى ؛ فهم قد تناقضوا مع أنفسهم ، و نفوا بالثانية ما قالوه في الأولى .  لأن الثانية لا تُعبر عن معنى المقولة الأولى بأي حال من الأحوال ، و إلا عليهم أن يتركوا هذه المقولة ، و يُعبروا عن معنى المقولة الأولى بتعبير آخر . لأن الثانية تُثبت الصفات الحقيقية و لا يُمكن أن تنفيها بالصيغة التي هي عليها .

 

   و عليه فإن مقولة المعتزلة : إن الله قادر بلا قدرة ، و عالم بلا علم ، هي مقولة فيها تناقض و تلبيس و تغليط ، و تتضمن نفيا للصفات لا إثباتا من جهة ، و متناقضة مع مقولتهم الثانية من جهة أخرى ، و القائلة : إن الله قادر بذاته ، و عالم بذاته . لأنه في هذه الحالة لا تصح مقولتهم : قادر بلا قدرة ، و عالم بلا علم !! ، و تنقضها مقولتهم الثانية .

 

   و قبل إنهاء هذا الموضوع أُشير هنا إلى اعتراضين يتعلقان بما قررناه من موقف المعتزلة من الصفات الإلهية . الأول مفاده أن الباحث    سليمان الشواشي ذكرأنه تبين له مما نقله الشهرستاني عن واصل بن عطاء في موقفه من الصفات خطأ الشهرستاني في قوله بأن واصل ينفي الصفات . لأن واصلا تبين أنه لم ينف الصفات إطلاقا ، و إنما اعتبرها عين الذات . و هذا (( الخطأ وقع فيه عامة أصحاب المقالات من أهل السنة )) ؛ لأن (( رأي واصل في الصفات هو في الواقع رد على المانوية و على الفرق الشيعية الغالية .. ))[19] .

 

    و أقول: أولا إنه سبق أن ذكرنا أقوالا لكبار متكلمي المعتزلة تضمنت نفيا للصفات الإلهية من جهة ، و ذكرنا أخرى صرّحت بإثبات بعض الصفات لله تعالى من جهة أخرى . أذكر منها هنا قولين آخرين : الأول للقاضي عبد الجبار يقول فيه : ((فَعُلم بذلك أنه لابد من قادر مخالف لهذه الأجسام ، و نعلمه حيا عالما قديما، كما نعلمه قادرا ، و نعلمه سميعا بصيرا مدركا .))[20] . و الثاني للمحسن الجشمي يقول فيه: ((والتوحيد: أن تعرف الله وأنه تعالى قادرٌ عالمٌ حيٌّ سميعٌ بصيرٌ قديمٌ غنيٌ ليس له مثل ولا شبيه، وليس بجسم ولا عرض، ولا مكان له ولا جهة، ولا تجري عليه شيء من الصفات المختصة بالجواهر والأعراض )) [21]   .

    فواضح من ذلك أن المعتزلة تناقضوا مع أنفسهم في موقفهم من إثبات الصفات من نفيها تناقضا بيناً . و هذا سبق أن أشرنا إليه و بينا حقيقة موقفهم ، عندما جمعوا بين نفيهم للصفات الإلهية ، و بين تظاهرهم بإثباتها . و سنزيد موقفهم هذا وضوحا فيما يأتي .

 

    و ثانيا إنه سبق أن بينا أن الفهم الصحيح لأقوال المعتزلة المتعلقة بالصفات يُثبت أنها تتضمن نفيا للصفات لا إثباتا لها . منها قولهم : عالم بلا علم ، و قادر بلا قدرة . و قولهم: إن الصفات التي قالوا بها هي صفات بلا معانٍ . بمعنى أنهم يُثبتون صفات جوفاء لا تُعبر عن معنى حقيقي . فهي صفة تعبر عن اسم بلا مضمون .

 

    و الثالث قولهم بأنهم لا يُثبتون لله صفات أزلية ، و إنكارهم على من يُثبتها . و بما أن الله تعالى أزلي لا أول له و لا آخر ،و المعتزلة نفوا اتصافه بالصفات الكمال الأزلية التي تليق به و تناسبه ، فهذا يعني أنهم ينفون عن الله صفاته الحقيقة ولا يُثبتونها له . و قولهم هذا مع أنه مخالف للشرع و العقل ، فهو أيضا من حماقاتهم و هذيانهم ، و ضلالهم و تلبيسهم .

  و الشاهد الرابع مفاده أن المعتزلة يتبنون التأويل التحريفي في موقفهم من الصفات الخبرية التي وردت في الشرع . فقد مارسوه كثيرا في تحريفهم لها ، و سنذكر طرفا منه قريبا . و هذا التأويل شاهد دامغ على أنهم ينفون و يُعطلون تلك الصفات التي وصف بها الله تعالى نفسه . و إلا لماذا يُعطلونها بتأويلهم الفاسد لها ؟؟!! .

 

  و ثالثا إن قول أهل السنة بأن المعتزلة نفوا الصفات هو فهم صحيح فهموه من أقوال المعتزلة التي أشرنا إلى بعضها . فأبو الفتح الشهرستاني فَهِم النفي من أقوال واصل بن عطاء و أصحابه ، فقال: (( والذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد : القول بأن الله تعالى قديم والقِدَم أخص وصف ذاته ، ونفوا الصفات القديمة أصلاً فقالوا : هو عالم بذاته،  قادر بذاته ، حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة .  هي صفات قديمة ومعان قائمة به لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية  ))[22].

 

   و منهم الشيخ تقي الدين بن تيمية ، إنه أشار إلى أن معنى التوحيد عند المعتزلة "(( يتضمن نفي الصفات ))[23] ، و (( و توحيدهم هو توحيد الجهمية الذى مضمونه نفى الصفات )) ، و (( لكن معنى التوحيد عندهم يتضمن نفى الصفات)) ، و ((المعتزلة ومن اتبعهم فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات .  فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات . ومنهم من قال عليم بلا علم قدير بلا قدرة ، سميع بصير بلا سمع ولا بصر . فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات )) ، و ((  ويمتنع وجود حي عليم قدير ، لا حياة له ولا علم ولا قدرة . فإثبات الأسماء دون الصفات سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات))[24] . بمعنى أنهم غالطوا و تلاعبوا بالألفاظ في العقليات ، و مارسوا التأويلات التحريفية في تعاملهم من النصوص الشرعية .

 

   و ذلك الفهم الذي قال به أهل السنة قديما و حديثا ، هو نفسه قد فهمه أيضا بعض المُحدثين . منهم الباحث ألبير نادر نصري ، فذكر أن المعتزلة نفوا الصفات ، و هي عندهم مجرد اعتبارات ذهنية فقط ، و ليست حقائق تتصف بها الذات الإلهية . لكنهم مع هذا لم يمنعهم موقفهم من البحث في بعض الصفات[25].

 

    و اضح من ذلك أن فَهْم هؤلاء لموقف المعتزلة من الصفات ، بأنهم نفوها ، هو الذي فهمناه نحن منه و أشرنا إليه . فهو فهم صحيح ، مبني على الجمع بين أقوال المعتزلة المتناقضة ظاهريا بين النفي و الإثبات من جهة . و المنسجمة في حقيقتها و القائمة على نفي حقيقة الصفات و مضموهنها من جهة أخرى . فهم أثبتوا أسماء جوفاء بلا معانٍ تضليلا و تلبيسا ، و تلاعبا بالشرع و تحريفا له ، و افتراءً على العقل و الناس معا.

   و أخيرا – رابعا - إنه بناءً على ما قررناه يتبين أن الباحث سليمان الشواشي هو الذي أخطأ في موقفه من رأي المعتزلة من الصفات و ليس أهل السنة. فالرجل إما أنه لم يركز على قول واصل بن عطاء- الذي ذكره الشهرستاني- و لا فهمه فهما صحيحا، و إنما نظر إليه من أقوال المعتزلة التي تظاهروا بها بأنهم يُثبتون بعض الصفات . و إما أنه لم يجمع بين أقوال المعتزلة المتناقضة ظاهريا ، لكي يصل إلى الموقف الحقيقي للمعتزلة من الصفات الإلهية . و إما أنه قال ذلك القول انتصارا للمعتزلة لغاية مذهبيه في نفسه .

 

    و يُوضح ذلك أن قول واصل ابن عطاء شاهد بنفسه أنه يتضمن نفيا للصفات . فهو يقول :(( و من أثبت معنى و صفة قديمة فقد أثبت إلهين ))  . فواصل نفى أن تكون صفات الله لها معانٍ أو أزلية ، و هذا يعني أنه نفى اتصاف الله تعالى بصفات حقيقية أزلية  كما سبق أن بيناه .و هذا المعنى  يتناقض مع تفسير الرجل بأن مقصود واصل بن عطاء هو أن الصفات عين الذات . لأن مقولته هي نفي صريح لإثبات صفات حقيقية لله ، فهو يريد إثبات مجرد أسماء بلا مضمون . لكن الباحث هو الذي شرح قوله بأن الصفات عين الذات[26] ، وهذا إثبات للصفات ، بأن الله مُتصف بها  . فهو قد شرح مقولة واصل بما لم تقله ، و لا أرادته .

 

   و أما قوله بأن واصلا أراد بذلك الرد على المانوية و الشيعة الغلاة.   فهذا إن صح أن واصلا أراد ذلك ، فهو قد أخطأ شرعا و عقلا . لأن الخطأ لا يُرد بالخطأ ، و إنما يُرد بالصواب . فقول المانوية بإلهين: إله النور و إله الظلام[27] ، لا يُرد بنفي الصفات الإلهية ، و إنما يُرد بأدلة التوحيد ، التي تُثبت وحدانية الله تعالى . و الصفات سبق أن بينا أنها ليست ذاتا ، و لا هي تنفك عن ذاتها  ، و هي تابعة لذاتها من ناحية طبيعتها .  و واصل بن عطاء قد  خالف الشرع  و العقل صراحة في نفيه للصفات الإلهية  . لأن الوحي أثبت الصفات في نصوص كثيرة جدا ، و العقل يحكم بأنه لا كائن دون صفات تابعة لذاته ، و الذي لا صفات له هو المعدوم لا الموجود .

 

   و أما الاعتراض الثاني فمفاده أنه ربما يقول بعض أهل العلم : إن المعتزلة نفوا اتصاف الله تعالى بصفات حقيقية أزلية لكي لا يُؤدي ذلك إلى القول بتعدد القدماء . و هذا هو الذي وقع فيه النصارى ، فهم كفروا لأنهم أثبتوا أكثر من أزلي واحد .

 و أقول: هذا اعتراض لا يصح لأن الصفات تابعة للذات ، و لا وجود للصفات دون الذات ، و لا ذات دون صفات  . و عليه فإذا كانت الذات أزلية فصفاتها تابعة لها و هي أزلية أيضا و ليست ذاتا . و إذا كانت الذات مخلوقة فصفاتها تابعة لها و هي مخلوقة و ليست ذاتا . و بهذا يسقط اعتراضهم . و أما فيما يخص النصارى ، فهم لم يثبتوا ثلاثة صفات ، وإنما أثبتوا ثلاث ذوات منفصلة ، و كل ذات هي إله بذاتها . و هذا ثابت بدليل القرآن الكريم ، و مواقف المفسرين ، و اعتراف النصارى أنفسهم .

 

     فمن الناحية الشرعية فقد ذكر الله تعالى النصارى في قولهم بالتثليث بأنهم قالوا اتخذ الله ولدا ، و أنه ثالث ثلاثة ، بمعنى أنهم ثلاث ذوات ، و لم يذكر أنهم أثبتوا لله ثلاث صفات أزلية . و الشاهد على ذلك قوله سبحانه : {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً }النساء171- ، و  {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }المائدة73- .

 

    واضح من تلك الآيات أن النصارى قالوا بثلاثة آلهة ،و لم يقولوا بإله واحد بالفعل له ثلاثة صفات ؟ . فهو تعدد في الذوات و ليس تعددا في الصفات الذاتية مع وحدة الذات . و لذلك أكد الله تعالى على أنه هو وحده الإله (إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) ، و (وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ  ) .

 

  و أما مواقف كبار المفسرين ، فمنها أن ابن جرير الطبري قال في قوله تعالى : {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ }المائدة73- ،إنهم قالوا: هو وصاحبته وابنه، جعلوهما إلهين معه [28] . و نقل  الشيخ تقي ابن تيمية عن ابن الجوزي أنه قال في قوله تعالى : ({لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) ،  قال المفسرون : معنى الآية  أن النصارى قالوا بأن الإلهية مشتركة بين الله وعيسى ومريم، كل واحد منهم إله . وذكر عن الزجاج أنه قال : الغلو ، مجاوزة القدر في الظلم، وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم : هو الله، وقول بعضهم : هو ابن الله، وقول بعضهم : هو ثالث  ثلاثة ))[29] . و قال السدي و غيره في تفسير تلك الآية : ( نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله  ثالث ثلاثة )[30] . و قال القرطبي : إن معنى قوله تعالى : {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ }المائدة73- ، يعني أنه أحد ثلاثة [31] .

 

   فواضح من أقوال هؤلاء المفسرين أنهم ذكروا أن معنى ثالث ثلاثة ، أنه توجد ثلاثة ذوات منفصلة ، كل ذات هي إله بنفسها ، و لم يذكروا أن النصارى أثبتوا لله ذاتا واحدة لها ثلاث صفات أزلية .

 

    و أما ما يعتقده النصارى في قولهم بالتثليث ، فهم يعتقدون بما قرره مجمع نيقية في القرن الرابع الميلادي ،و هو (( الإيمان بإله واحد: أب واحد، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، كل ما يرى وما لا يرى . وبرب واحد يسوع، الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، ومن أجل خطايانا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس، وتألم وقُبِر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما في الكتب، وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه. والإيمان بالروح القدس، الرب المحيي المنبثق من الأب، الذي هو الابن يسجد له، ويمجده الناطق بالأنبياء ))[32] .

 

     فواضح مما ذكرناه أن عقيدة النصارى في التثليث هي أنهم يعتقدون بوجود ثلاث ذوات كل واحدة هي إله بذاتها ، و لا يعتقدون بوجود إله واحد  له ثلاثة صفات . فإثبات الصفات الأزلية لله تعالى لا يُؤدي أبدا إلى تعدد القدماء كما يزعم المعتزلة ، لأن الصفات لا تنفك عن الذات ، و هي تابعة لها بالضرورة من جهة ؛ و لا يتعدد الأزلي إلا إذا تعددت الذوات الأزلية من جهة أخرى . فالمعتزلة مُغالطون و مُدلّسون ، عندما سووا بين الصفات و الذوات .

 

    بل إن موقف المعتزلة من الصفات الإلهية يُوصلهم إلى نقض مبدأ التوحيد ، و القول بتعدد الآلهة كالنصارى و أمثالهم . لأن قولهم : إن الصفات عين الذات ، و إنها لذاته ، و أن صفة العلم هي الله ، و القدرة هي الله ، و صفة الحياة هي الله ...إلخ . يجعلهم بين ثلاثة احتمالات لا رابع لها . الأول إما أن تكون هذه الصفات هي كلها صفات لله تعالى  و في هذه الحالة يكونون كغيرهم من الذين أثبتوا الصفات للذات الواحدة ؛  لكنه من جهة أخرى احتمال مخالف لِما هم عليه من نفيهم للصفات .

 

    و الاحتمال الثاني مفاده أن قصدهم من ذلك القوله هو نفي الصفات الإلهية بطريقة سُفسطائة تلبيسا و تدليسا على غيرهم لتمرير موقفهم . و هذا الاحتمال هو الموافق لموقفهم النافي للصفات ، لكنه مُناقض لقولهم: إن الصفات عين الذات ، و إنها لذاته ، و أن صفة العلم هي الله ، و القدرة هي الله ، و صفة الحياة هي الله ؛ لأنه يتضمن إثباتا لتلك الصفات لا نفيها . لأنه أثبت لله صفة العلم ، و القدرة ، و الحياة . و لا معنى لعبارة : عين الذات ، أو زائدة على الذات . لأن الحقيقة هي إما أن الله تعالى عالم، و قادر ، و حي ، و سميع ، و ...  و إما أنه ليس كذلك . فإذا كان عالما حيا قادرا ، فهو مُتصف بها بالضرورة ، و إذا لم يكن كذلك فهو ليس مُتصفا بها أيضا .  و لا يصح القول : عين الذات ، أو زائدة على الذات ، فهذا كلام لا مبرر له، و لا يصح الخوض فيه ، لأمور : منها إن الله تعالى وصف نفسه بالصفات و الأسماء الحسنى ، و أنه مُتصف بها حقيقة ، من دون أن يقول أنها عين الذات و لا هي زائدة على الذات . 

 

   و الأمر الثاني مفاده أنه لا يصح هذا التفريق بين عين الذات و زائدة على الذات ، لأن الأصل هو أن كل كائن له ذات متصفة بصفات تناسبها و لا تنفك عنها ، فصفاته ذاتية بالضرورة . و عليه فهذا التفريق لاوجود له في الحقيقة ، و لا مُبرر صحيح له.

 

   و الأمر الأخير- الثالث- معناه أنه لا يصح للعقل ، و ليس في مقدوره أن يتكلم في الذات الإلهية ، لأن هذا الأمر لا يعرفه إلا الله تعالى . و لهذا قال نبي الله عيسى- عليه السلام-: ) قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ }المائدة116 . فإذا ما تجاوز العقل حدوده يكون قد انحرف منهجيا ، و وقع في الخطأ ، و خالف الشرع و العقل ، و اتبع ظنونه و أهواءه .  

 

 و الاحتمال الثالث مفاده أن قولهم السابق يحتمل وجها صريحا يُوصلهم إلى القول بتعدد الآلهة . لأنه إذا كانت كل صفة هي الله معنى هذا أن كل صفة تمثل ذاتا ، و هذا يستلزم تعدد الذوات . فتكون صفة العلم إلهأً ، و صفة القدرة إلهاً ، و صفة السمع إلها ، و هكذا !! .

 

   و استنتاجا مما ذكرناه يتبين أن المعتزلة أخطؤوا في موقفهم من الصفات الإلهية ، فنفوها بلا دليل صحيح من الوحي و لا من العقل من جهة ؛ و أقاموا موقفهم على التناقض و السفسطة و التلبيس من جهة ثانية؛ و لا حل أمامهم إلا بالإثبات الصحيح الصريح لها ، أو التناقض و السفسطة ،و الجناية على العقل و الشرع من جهة ثالثة .

 

ثانيا: صفات أوّلَتها المعتزلة جنت بها على الشرع و العقل:

   بيّنا سابقا أن المعتزلة نفوا الصفات الإلهية بطريقتهم السفسطائية المتناقضة ؛ لكنهم عندما تعاملوا مع الصفات الخبرية - التي وردت في الكتاب و السنة- ، لم ينفوها مباشرة ،و إنما استخدموا التأويل التحريفي لنفيها و تعطيلها . فما تفاصيل ذلك ؟، و ما هي مظاهر جنايتهم على الشرع و العقل في ممارستهم لتأويلهم الفاسد ؟ .

( أ ) :موقفهم من التأويل و المجاز الكلاميين :

    قبل عرض موقف المعتزلة من التأويل يجب تحديد معناه الصحيح في اللغة و الشرع ، و عند السلف الصالح ، ثم نذكر معناه الفاسد عند المعتزلة و أمثالهم من المتكلمين . فأقول: ذكر ابن منظور الإفريقي أن معنى التأويل في اللغة العربية هو : التفسير ،و التدبير ، و التقدير ، و مآل الشيء الذي يصير إليه . و عبارات : التأويل ، و المعنى ، و التفسير معناها واحد[33] . و أما معناه في الشرع ، فله معانٍ : منها حقيقة الشيء و ما يؤول أمره إليه ، كقوله تعالى : (( قَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حقا))-سورة يوسف : 100 - و ((هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ )) –سورة الأعراف : 53 -، بمعنى يوم يأتي حقيقة ما أُخبروا به من أمر المعاد .و المعنى الثاني هو : التفسير و البيان ، و التعبير عن الشيء ، كقوله تعالى : ((نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ))-سورة يوسف : 36 -[34] ، و{قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ }- سورة يوسف:44 .

 

    و أما معناه عند السلف من المفسرين و الفقهاء و المحدثين ، فمعناه التفسير و البيان ، و بهذا المعنى عرف هؤلاء معاني القرآن الكريم و الحديث النبوي الشريف[35] . و أما معناه عند المتأخرين ، من المتكلمين و الأصوليين فهو : (( صرف اللفظ عن ظاهره و حقيقته ، إلى مجازه و ما يُخالف ظاهره ،و هذا هو الشائع عندهم )) . لذا يُقال : (( التأويل على خلاف الأصل )) ، و (( التأويل يحتاج إلى دليل )) .و هذا المعنى لم يكن السلف يُريدونه بلفظ التأويل ،و لا هو معنى التأويل في كتاب الله تعالى[36]  .

 

    واضح من ذلك أنه يُوجد تطابق تام بين معنى التأويل في الشرع و اللغة العربية ، و أن علماء السلف أخذوا بالمعنى الشرعي و اللغوي للتأويل ، المتمثل في التفسير و البيان و الشرح . الأمر الذي يدل على أن المعنى الصحيح للتأويل هو ما وافق الشرع أولا ، و اللغة العربية ثانيا ، و ما كان عليه السلف الأول ثالثا . و ما خالف ذلك فهو باطل ، و تحريف للنصوص الشرعية و تلاعب بها ،و هو التأويل التحريفي الذي قال به المعتزلة و أمثالهم من المتكلمين . فتأويلهم فاسد لأنه مخالف لمعنى التأويل الصحيح المتعلق بتفسير النصوص الشرعية ، و لما نصت عليه اللغة العربية ، و لما قاله المفسرون الملتزمون بالمعنى الصحيح للتأويل الموافق للشرع و اللغة العربية معا . إضافة إلى أنه تأويل تحريفي يتقدم على الله و رسوله، و ينفي ما أثبته الشرع لله تعالى .

 

   و فيما يخص التأويل التحريفي عند المعتزلة فهم أخذوا به وأوجبوه بدعوى أن آيات الصفات الواردة في الشرع هي من المتشابه . فمن ذلك أن شيخهم أبا علي الجُبائي زعم أن آية الاستواء على العرش هي من المتشابه ، فقال : (( و تعلقوا بالآيات المتشابهة ، و هو قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }- سورة طه5 - ، إلى ما شاكله .))[37] .

 

     و نفس الكلام قرره القاضي عبد الجبار المعتزلي ، فأوجبه و كفّر من لا يأخذ به ، و زعم أن تلك الآيات المتشابهة هي من المجاز و ليست من الحقيقة .فقال: (( و قد بينا و بين المشايخ - رحمهم الله-  فساد ما يتأولون عليه الآيات المتشابهة، فان القرآن نزل بلغة العرب، و فيه المجاز و الحقيقة كما قال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ }الأنبياء11-  ،و كما قال: {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً }الإسراء58- .و إن ذلك ذكر للقرية، و المراد به أهلها من المكلفين، لأن العذاب لا يصح و لا يحسن إلا فيهم، فهلا تألوا قوله تعالى : {وَجَاء رَبُّكَ }الفجر22- على أن المراد به جاء أمر ربك، أوليس قد تأولوا قوله : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ }المائدة33- على مثل ذلك، و تأولوا قوله: { فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ }النحل26-  على أن المراد به غيره، فكذلك سائر ما نذكره، يجب أن يتأول على موافقة الأدلة القاطعة. و إن من بقي الزمان الطويل يعتقد هذا التشبيه، فحاله أشد من حال من يعبد الأصنام، لان من وصف ربه و خالقه بخلاف صفته، فهو أعظم جرما من جحده أصلا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا  )) [38]  .

 

   و أقول: أولا إن آيات الصفات ليست من المتشابه أبدا ، بدليل الشواهد الآتية : أولها إن آيات الصفات شاهدة بذاتها أنها بينة واضحة وضوح الشمس في أنها تصف الله تعالى بصفات حقيقية محددة لا تحتمل خلاف ما نصت عليه ،و لا تحتاج أبدا إلى تأويل المعتزلة ؛ كقوله سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }غافر20- ،و {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى }طه46-،و { إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل74- . و هي واضحة أيضا بأن الله سبحانه مخالف لمخلوقاته في ذاته و صفاته ،و أن له الأسماء الحسنى و الصفات المُثلى . كقوله سبحانه : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} – سورة الإخلاص:1-4- ،و {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- ، و {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل74- ، و {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الروم27- ، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأعراف180- . فأين زعمهم بأن آيات الصفات تُوهم التشبيه ؟؟!! .

 

  و الثاني مفاده أن الآيات المتشابهة في القرآن الكريم هي متشابهة تحتمل أكثر من معنى بذاتها ، لكنها ليست مُتشابهة عندما نردها إلى نصوص الكتاب المحكمة أولا[39] . لأن القرآن الكريم كتاب مُحكم مُبين مُفصل يُفسر نفسه بنفسه، و لا يأتيه الباطل أبدا ، لقوله سبحانه : {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1- ،وٌ{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }-سورة فصلت: 41-42- . فهو لا يحتاج أبدأ إلى تأويل المعتزلة ، و يرفض أي تأويل تحريفي يُفرض عليه ، لأنه كتاب محكم لا يأتيه الباطل أبدا ، و هو قادر بنفسه على كشف أي تأويل فاسد يُمارسه المُؤولون التحريفيون .

 

    و الشاهد الأخير – الثالث – مضمونه أنه لو كانت آيات الصفات من المتشابه الغامض الذي يحتمل أكثر من معنى ، أو كانت كما زعم المعتزلة من المجاز المقابل للحقيقة ، لاختلف الصحابة في تفسيرها كما اختلفوا في  تفسير كثير من آيات الأحكام ، لكن الثابت  أنهم (( لم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد بل اتفقت كلمتهم وكلمة التابعين بعدهم على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها ، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا ))[40] . فهذا هو الصواب في موضوع المُتشابه في القرآن الكريم، و ليس ما أراد أن يُوهمنا به أبو علي الجُبائي المعتزلي المتلاعب بالقرآن  .

 

   و ثانيا ففيما يخص المجاز ، فقد حرّف المعتزلة معناه عندما جعلوه مقابلا للحقيقة ، و تدخلوا في تحديد مفهومه ، و فصّلوه على مقاسهم[41]. مع أن الصحيح هو أن المجاز لا يعني نفي الحقيقة ، و إنما يعني التعبير عنها بلفظ غير مباشر ، كقولنا للشجاع : هذا أسد ، و للمكار: هذا ثعلب.

  و بناءً على ذلك فإن آيات الصفات مجازها ليس في نفي معانيها ، فهذا أمر ثابت لا شك فيه بأنه لا يصح ، و إنما مجازها في إطلاق أسماء عليها كما تُطلق على بعض صفات البشر . كقولنا : الإنسان عالم ،  ومُتكلم ، و سميع ، و بصير . و قولنا : الله تعالى عالم ، و مُتكلم ، و سميع ، و بصير . فالمجاز هنا ليس في نفي معاني الصفات ، و إنما المجاز هنا هو في إطلاق نفس أسماء تلك الصفات على الخالق و المخلوق . لكن معاني صفات كل من الخالق و المخلوق مُتباينة تماما ، فلا تشابه و لا تماثل فيما بينها من جهة معانيها ، لكنها اشتركت في أسمائها . فهذا هو المجاز الموجدود في تلك الأمثلة ، فهو مجاز لا يعني التأويل الفاسد، و لا يعني نفي الصفات و معانيها كما أراد أن يُوهمنا به القاضي عبد الجبار . 

 

      علماً بأن معنى المجاز لابد أن يُؤخذ أولا من أول مصدر قطعي للغة العربية و هو القرآن الكريم ، ثم من صحيح الحديث النبوي ، ثم من تفسيرات الصحابة  ، و بما صح من تفسيرات التابعين و أهل اللغة . و كل ما خالف المعنى الذي حدده الشرع فهو باطل . و عليه فإن الآيات التي زعم الرجل أنها تُعبر عن المجاز فهي عبّرت عن المجاز الصحيح ، و لم تُعبر عن المجاز الفاسد الذي ينف المعني المقصود . فقوله تعالى: {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً }الإسراء58-، عبّر عن أهل القرية بالقرية ،  فالنتيجة واحدة هي هلاك أهل القرية، كقوله سبحانه : {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ }- سورة يونس:13- . فالقرون كزمن لا تَظلِم و لا تُعاقب حتى يهلكها الله تعالى ، لكنها تعبير مجازي حمل معنى حقيقيا ، تمثل في إهلاك الأمم و الشعوب التي كفرت و أفسدت في الأرض فأهلكها الله تعالى .

 

    و من ذلك أيضا  قوله تعالى : {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }يوسف82- ،و {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً }الكهف59-،و {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً }الكهف77- . و من الحديث النبوي قول النبي- عليه الصلاة و السلام- : (واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ))[42] . هذه النصوص تحمل حقائق قطعية بطريقة مجازية ، و لا تحمل تعبيرات مجازية جوفاء بلا معانٍ حقيقية ؛ و إنما هي عبرت عن الحقائق بأسلوب غير مباشر . فهو أسلوب من أساليب التعبير في اللغة العربية ، و ليس مقابلا للحقيقة و ليس مناقضا للتعبير المباشر ، و لا نافيا له ، و إنما هما وجهان يُعبران عن الحقيقة الواحدة ، و يحملان نفس المعى، و قرائن الموضوع و طبيعته هي التي تحدد المقصود .

 

  و ثالثا إن قوله : ((  فهلا تأولوا قوله تعالى : {وَجَاء رَبُّكَ }الفجر22- على أن المراد به جاء أمر ربك، أوليس قد تأولوا قوله : {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ }المائدة33- على مثل ذلك، و تأولوا قوله: { فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ }النحل26-  على أن المراد به غيره، فكذلك سائر ما نذكره ))[43] . فهو قول لا يصح ، لأن التفسير الصحيح ينطلق من الآية نفسها و من النصوص الأخرى و من القرائن التي تحف بها . فقوله تعالى : {وَجَاء رَبُّكَ }الفجر22-، صريح بأن الآية تتكلم عن مجيء الله تعالى على أنه مجيء ليس كمثله مجيء ، بحكم أن الله تعالي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير . و لا توجد أية قرينة في الآية و من النصوص الآخرى و لا من العقل الصريح يجعلنا نصرف الآية عن معناها الواضح الصريح . فلماذا لا يكون الله تعالى له مجيء يليق به؟ ، و أليس المجيء جائز في كل حي؟. و أليس الذي يقدر على فعل أفعاله بالمجيء و عدمه أحسن من الذي لا يقدر على فعل ذلك إلا بالمجيء ، أو بعدم المجيء فقط ؟؟ .

 

  و أما الآية الثانية :{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ }المائدة33- ، فهي واضحة بينة تحمل تأويلها السليم بذاتها ، و هو تأويل صحيح بمعنى التفسير و البيان . فالآية تقصد الذين يُحاربون الله تعالى و رسوله ، بمعنى يُحاربون دينه و شريعته و أوامره ، و هذا واضح مشهود معروف . و هو تفسير واضح و بديهي ، لأن من يُحارب دين الله تعالى فهو قد حارب الله و رسوله حقا و فعلا ،و ليس مجازا بمعنى نفي ذلك .

 

    و أما الآية الثالثة : { فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ }النحل26-  ، فهي صحيحة بأن الله تعالى فعل ذلك ، لأنه سبحانه أخبرنا أن ما يحدث في حياة البشر هو من أفعالهم ، لكن هناك أفعال يفعلها الله تعالى يتدخل بها سبحانه في عقاب بعض عباده ، و في نصرة آخرين من دون تدخل من أي إنسان. و قد يتدخل فعله سبحانه مع فعل الإنسان في وقوع الحادثة الواحدة . و الدليل على ذلك قوله سبحانه : {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ }الأعراف162-،و {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفال30 -،و  {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ }الأنفال9- ،و ، و {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }الأنفال17- ،و {وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ }الأنفال62-،و  {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ }الأنفال12-  .  

 

  و رابعا إن القاضي عبد الجبار لم يكتف بدعوته إلى التأويل التحريفي  و أنه يجب الأخذ به، و إنما بلغ به تعصبه الأعمى لمذهبه إلى أنه قال : (( و أن من بقي الزمان الطويل يعتقد هذا التشبيه ، فحاله أشد من حال من يعبد الأصنام . لأن من وصف ربه و خالقه بخلاف صفته ، فهو أعظم جرماً ممن جحده أصلا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ))[44]. فمن هو الذي وصف الله خلاف صفته ، أهو الذي أثبت لله ما أثبته لنفسه مع التنزيه و عدم التشبيهن كما هو حال أهل السنة إلتزاماً بالمنهج الشرعي ، أم هو الذي خالفه و كذّبه ، و تسلّط على كلامه تحريفا و تكذيبا كما هو حال المعتزلة و أمثالهم ؟؟ !! . ألا يستحي هذا الرجل و أمثاله من هذا الكلام الباطل ؟! ، ، فعل يُعقل أن يكون المسلم الذي خالفكم و لا يأخذ بتأويلكم التحريفي ، يكون عندكم أشد انحرافا من عابد صنم ، و أعظم جرما من الملحد الجاحد لخالقه ؟؟!! . فأين العقل يا أدعياء العقلانية ؟؟!! ، أليس كلامكم هذا هذيان ، و جهل ، و تعصب أعمى لمذهبكم الزائف ؟؟!!.

( ب ): نماذج من تأويلات المعتزلة لآيات الصفات :

   طبق المعتزلة تأويلهم التحريفي على آيات الصفات حسب طريقتهم المذهبية المتعلقة بالصفات عامة، و الخبرية خاصة ،و سأذكر منها نماذج متنوعة عرضا و نقدا . أولها  صفة الكلام ، قالت المعتزلة: إن القرآن كلام الله مخلوق[45] . و نص القاضي عبد الجبار على أنه كلام مُحدث مخلوق ، لأنه من أفعال الله ، و أفعاله حادثة  ، منها السموات و الأرض ، فقال: (( هلا قلتم أنه تعالى لم يزل متكلما بكلام قديم أزلي ، أو لذاته كما تقولون انه عالم لذاته؟ قيل له: إن الكلام فعل من أفعاله تعالى، يحدثه و يخلقه في الأجسام إذا أراد مخاطبة الخلق بالأمر و النهي ، و الوعد و الوعيد ، و الزجر و الترغيب . و إذا بعث الأنبياء و حملهم الشرائع خاطبهم بكلامه و أصحبهم كتبه ليؤدوا عنه ذلك . وما كان من أفعاله تعالى لا يجوز أن يكون قديما، كما لا يجوز ذلك في إحسانه و سائر نِعَمه ... )) .  فإن قال : (( أفكل كلام الله تعالى محدث؟ قيل له: نعم، لأن ما ذكرناه من الأدلة يوجب في جميع كتبه و كلامه أنه محدث، فهو كإحسانه و نعمه، لأنه من النعم في الحقيقة، لأنه أمر و نهى ، و هَدى و أرشد، فقد أجزل النعم )) [46]  .

 

    فان قيل: (( أفتقولون: إنه مخلوق؟ قيل له: إن المخلوق هو المقدور من الأفعال، و كما يجب أن نصف السموات و الأرضين و سائر أفعاله تعالى بأنها مخلوقة، فكذلك القول في كلامه، لأنه قدره بحسب الحاجة و المصلحة، وقد رُوي في الخبر ما يدل (على ذلك) و هو أنه صلى الله عليه قال:« كان الله و لا شيء، ثم خلق الذكر و ما خلق الله من سماء و لا أرض أعظم من آية الكرسي». و كل ذلك بيّن )) [47] .

 

  و نصّ على أن القرآن و سائر كلام الله مخلوق مُحدث أحدثه الله تعالى مُقدرا . فهو من أفعاله سبحانه ، و بما أن أفعاله مخلوقة فيجب أن يكون القرآن مخلوقا[48] .

 

  و قال أيضا: ((  ومن اعتقد فيه، وما قي كتاب الله من الآيات الدالة على حدثه لا تكاد تحصى كقوله تعالى : {  وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً }النساء47-،و  { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً }الأحزاب38- ،و  {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ }الأحقاف12-، و ما وجد قبله غيره، لا يجوز أن يكون إلا محدثا. و قوله : {قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي }الكهف109- يدل على ذلك ، و أنه محكم مفصل موصل منزل مرتب، فيه ناسخ و منسوخ، و متقدم و متأخر، ويجوز عليه الزيادة و النقصان، يشهد جميعه لما ذكرناه. فأما هذا القرآن المتلو فلا شبهة أنه محدث، لأنه لا ينقل إلا و هو حروف، يتقدم بعضه بعضا، فلو كان قديما لم يكن على هذا الوصف )) [49]  .

 

    و قال محمود الزمخشري : إن الله  متكلم (( بكلام يخلقه في بعض الأجرام كما يخلق سائر الأعراض )) [50] . و ذكر المحسن بن كرامة الجشمي المعتزلي أن الذي يقوله مشايخ المعتزلة هو أن (( كلامه تعالى من جنس كلامنا حروفٌ منظومة، وإن المتكلم هو فاعل الكلام، فإذا خلق الله تعالى كلاماً في محل كان هو المتكلم به، كما خلق في الشجرة فسمع موسى - عليه السلام - وأن القرآن هذه السور والآيات بلغة العرب كلامه، وهو مُحدَث قاله حين بعث النبي - صلى الله عليه وآله - وأنزله وليس بقديم. وهل يوصف بأنه مخلوق؟. اختلفوا، فالأكثر على أنه يوصف به؛ لأن الخلق هو التقدير، فالله تعالى أنزله مقدوراً فيوصف به، ومنهم من قال: فيه إلهام ولا يطلق مع قوله: إنه محدَث )) [51] .

   و قال أيضا : (( و يقال لهم: القرآن غير الله ، أو هو الله ، أو بعضه؟ فإن قالوا: غيره. قلنا: فإثبات غيره قديماً لا يجوز؛ لأن فيه إثبات ثاني مع الله. وإن قالوا: القرآن هو الله. قلنا: باطل؛ لأنه لو كان كذلك لجاز أن يقال القرآن هو الخالق والرازق وهو المعبود، وأنه إله وأنه يتلى، والقديم سبحانه لا تصح عليه التلاوة. فإن قال: هو بعضه. قلنا: فيلزمكم جميع ما ألزمناكم لو قلتم أنه هو الله، ويلزمكم أيضاً أن يكون تعالى ذو أبعاض. ويقال لهم: أليس القرآن عربياً وسوراً وآيات بعضها قبل بعض، وفيه ناسخ ومنسوخ، ومجمل ومبين، وعموم وخصوص، وحروف منظومة، وكلام فاختص القرآن بهذه الصفات، كل ذلك يستحيل على القديم، والقديم عالمٌ قادرٌ حيٌ سميعٌ بصيرٌ فاعلٌ باري لا مثل له، وهذه الصفات تستحيل على القرآن، فلو لم يدلّ هذا على الغيرية لما كان في الدنيا شيئين غيرين.  فإن قالوا: لا هو هو ولا غيره ولا بعضه. قلنا: هذا لا يعقل، مذكوران معلومان لا يكون أحدهما هو الآخر ولا غيره ولا بعضه هذا لا يتصور، وبعد فقد ناقضتم إذا قلتم: لا هو هو أثبتم الغيرية، فلما قلتم: ولا غيره ناقضتم الأول. ويقال: أليس قال تعالى لموسى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾[طه:12]، و﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾[طه:24]، فمن المخاطب به لم يزل وليس ثمّ موسى ولا فرعون ولا نعلين؟ وهل هذا إلا غاية النقص. ويقال لهم: كيف قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾[الشعراء:105] وأمثاله وبعد لم يخلقوا ولم يكونوا ولم يستفد به أحد شيئاً. ويقال لهم: أليس قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾،[يوسف:2 ] ، و﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾[فصلت:3]، وقال: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾[البروج:22]، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾[الحجر:9]، ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾[الإسراء:106]، وكل ذلك لا يجوز وصف القديم به ويدلّ على حدوثه. ويقال: أليس القرآن من جنس كلامنا أم لا؟ فإن قالوا: لا، فما الدليل على أنه متكلمٌ وإنما يعلم في الشاهد أنه متكلّم إذا تكلم بجنس كلامنا وأنه بلغة العرب، فإما أن يقولوا: ما نتلوه ليس بكلام الله فيخرجوا من الملة، أو يقولوا: إنه كلامه فكيف يكون قديماً؟ ولو جاز ذلك لجاز أن يكون جسماً قديماً وإن كانت الأجسام محدَثة. ويقال لهم: أليس هو تعالى قادر على أن يتكلم ويقول مثل القرآن أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد وصفتموه بالعجز، وكيف يصح وصف القديم بالعجز، ولأن الواحد منا يقدر على الكلام فكيف قلت: إنه تعالى لا يقدر عليه، وإن قال: نعم، أثبت الكلام مقدوراً، وذلك يوجب حدوثه  ))[52].

   و قال أيضا : ((  ويقال لهم: الكلام صفة للذات أو صفة للفعل؟. فإن قالوا: صفة للفعل وافقونا، وإن قالوا: صفة ذاتٍ. قلنا: لا يعقل كونه متكلماً إلا وجود الكلام من جهته و وجود الكلام من جهته، يحيل كونه صفة للنفس. وبعد فإن الكلام حروفٌ مختلفة فوجب أن يكون في نفسه على صفات مختلفة وهي صفات الحروف، وأيضاً يجب أن يكون متكلماً بسائر أجناس الكلام من الصدق والكذب إذ لا اختصاص لذاته بكلام دون كلام. ويقال لهم: أليس الكلام لا يفيد إلا ترتيب الحروف؟ فيقال: زيد، فإذا كان الكلام قديماً لا يترتب بعضه على بعض، فليس قولنا زيدٌ أولى من أن يكون يزداً أو ديزاً؛ لأن الحروف قديمة والترتيب إنما يصح فيما يحدث بعده بعد بعض. ويقال لهم: أليس خَصَ موسى بالكلام في وقته دون سائر الناس؟ فلا بد من: بلى، فيقال: لِمَ صار مكلماً له دون خلقه؟ ولو كان صفة لذاته لوجب أن يكون متكلماً مع سائر الخلق وأن لا يقف ذلك على واحد إذ لا اختصاص لواحد بذاته.  ويقال: هل كان كلامه مع موسى وغيره موقوفاً على اختياره أم لا؟. فإن قال: لا، تجاهل، وإن قال: بلى. قلنا: وقف على اختياره بكونه فعله لا صفة ذاته ))[53] .

  و ردا عليهم أقول : إن مزاعم هؤلاء غير صحيحة كلها تقريبا ،وليس فيها من الحق إلا القليل اليسير . لأنه أولا إن كلام الله تعالى قائم على صفة الكلام ، فهي أزلية كغيرها من الصفات ، التي هي تابعة للذات و لا تنفك عنها  بالضرورة . و بما أن الله تعالى فعال لما يريد ، فإنه سبحانه يتكلم متي شاء ، و كيف يشاء ، و بما يشاء .

  و هؤلاء لم يُفرقوا بين أفعال الله تعالي و بين مفعولاته التي هي مخلوقاته . فجعلوا القرآن من مخلوقاته بحكم أنهم جعلوه من أفعاله ،  و هذا لا يصح . لأن الحقيقة هي أن الأمر يتكون من : الفاعل و هو الله تعالى ، و الفعل و هو الفعل الإلهي ، و المفعول ، و هو المخلوق الذي ترتب عن فعل الفاعل . فلا يُمكن أن يكون الفعل هو المفعول . و هذا أيضا واضح في أفعال البشر – و لله المثل الأعلى- فالإنسان عندما يصنع سيارة مثلا ، فهو الصانع ، ثم قيامه بأفعال الصنع، ثم ينتج المصنوع . فنحن هنا أمام : الصانع، و فعل الصنع ، و المصنوع . و لا يُمكن أن يكون المصنوع هو فعل الصنع، لأن فعل الصنع هو العمل الذي قام به الصانع منه صدر و إليه رجع .

    و بما أن الله تعالى أخبرنا أنه يخلق بعبارة " كن "  لقوله سبحانه : {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40-. فعبارة كن هي من كلام الله ، و هي فعله أيضا . فهي فعل غير مخلوق و لا مفعول ، و إنما هي التي يتكون بها المخلوق ، الذي هو المفعول المُتكوّن بفعل : كن . و هو الشيئ الذي أراد الله تعالى خلقه . و عليه فإن كلام الله ليس مخلوقا ، لأنه من أفعاله و ليس مفعولاته . فهو لا يختلف عن كلمة : كن ، التي هي نفسها من كلامه . و كلامه سبحانه منه خرج و إليه يعود فهو تابع لذاته ، و ليس من مخلوقاته ، و لا مُنفصلا عنه .

 

      ذو ثانيا لا يصح وصف كلام الله ، و منه القرآن الكريم ، بأنه حادث إذا قُصد به أنه مخلقوق كما تقول المعتزلة . لكن يجوز وصفه بأنه مُحدث بمعنى أنه جديد  ظهر بعد أن لم يكن ، لقوله سبحانه : {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ }الأنبياء2-. كما هو حال الكتب الإلهية التي أنزلها الله تعالى على رسله- عليهم الصلاة و السلام- . فقد ظهرت في أزمان و أماكن معروفة و محدودة . فهي جديدة مُحدثة لأنها مُسبوقة بأزمنة لم تكن فيها موجدودة . لكن هذا لا يعني أن كلامها مخلوق ، لأنه سبق أن بينا أن كلام الله كصفة فهوأزلي . لكن كلامه كفعل تكلم به فهو ليس مخلوقا ، و لا أزليا ، لأنه لا أزلي إلا الله تعالى ، و إنما هو كلامه منه خرج و إليه يعود ، و لا يصح وصفه بأنه مخلوق لأنه ليس مخلوقا  ، و لا أنه أزلي لأنه ليس أزليا  . فهؤلاء ذكروا شبهات و نصوص لا تدل على خلق القرآن ، و انما تدل على أنه جديد ، و أن كلام الله مُتعدد و متنوع . فظنوا أن هذا دليل على أنه مخلوق و رد على القائلين بأنه قديم ، و نسوا أو تناسوا أن القرآن مُحدث لكنه ليس بمخلوق و لا بقديم .

 

     و ثالثا إن الحديث الذي ذكره القاضي عبد الجبار المتعلق بخلق القرآن ، و الذي ذكر آية الكرسي مثالا على ذلك ، هو ليس حديثا واحدا كما أورده الرجل ، و إنما هو تضمن جزءاً من حديث ، و قولا مأثورا عن الصحابي عبد الله بن مسعود ، و عبارة زائدة ليست صحيحة . ففيما يخص الجزء من الحديث كما رواه عبد الجبار فهو (( كان الله و لا شيء )). هذا الجزء هو جزء من حديث صحيح ، و ليس جزءاً من الحديث الذي أورده الرجل . و الحديث بكامله كما رواه البخاري : (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء .. ))[54] . واضح منه أنه لم يتضمن العبارة الزائدة التي أشرنا إليها ، و هي (( ثم خلق الذِكر )) التي وردت هكذا عند عبد الجبار : (((( كان الله و لا شيء ، ثم خلق الذِكر  )) ، و إنما تضمن العبارة الصحيحة :(( و كتب في الذكر كل شيء )) .   

 

   و أما القول المأثور- الذي جعله الرجل حديثا نبويا- فقد  رواه الترمذي و لم يرفعه : (( حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبد الله بن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي . ))[55] .

 

  و الحديث كما أورده عبد الجبار لم يصح إسنادا و لا متنا ؛ فمن جهة الإسناد فإن القسم الثاني منه ((ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي )) . لم يصح رفعه إلى النبي –عليه الصلاة و السلام- ، فهو ((  لا يؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أصلا ، ولكن يؤثر عن ابن مسعود نفسه ))[56] .

 

  و القسم الأول منه : (( كان الله و لا شيء ، ثم خلق الذِكر )) ، فإسناده لم يصح بهذه الصيغة ، و إنما صح بهذه الصيغة (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء .. ))[57] . لأن الحديث الذي ورد بالصيغة القريبة التي أوردها عبد الجبار ذكر الفقيه ابن بطة العُكبري الحنبلي ( ق:4 هـ) أنها لم تصح ، و هي من رواية (( محمد بن عبيد ، عن الأعمش ، عن جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز ، عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : « كان الله قبل أن يخلق الذكر ، ثم خلق الذكر ، فكتب فيه كل شيء » ...  فأما ما احتجوا به من هذا الحديث فإن أهل العلم وحفاظ الحديث ذكروا أن هذا الحديث وَهَمَ فيه محمد بن عبيد، وخالف فيه أصحاب الأعمش وكل من رواه عنه ؛ وبذلك احتج أحمد بن حنبل رحمه الله ، فقال : رواه بعده جملة من الثقات ، فلم يقولوا : خلق الذكر ، ولكن قالوا : كتب في الذكر )) [58] .

   و أما من جهة المتن فهو أيضا لا يصح ، لأنه ذكر أن الله خلق الذِكر ، و يعني كلامه تعالى ، و هذا باطل ، فقد سبق أن بينا أن كلام الله تعالى ليس مخلوقا و لا أزليا . و لا يصح أيضا زعم المعتزلة بأن الذِكر المخلوق الوارد في الحديث هو القرآن الكريم  ، لأن الذِكر الوارد في الحديث ليس المقصود به القرآن الكريم ، و إنما (( هو اللوح المحفوظ ، الذي فيه ذكر كل شيء ، ألا ترى أن في لفظ الحديث الذي احتجوا به قال : فكتب فيه كل شيء . أفتراه كتب في كلامه كل شيء وقد بين الله ذلك من كتابه ، وذلك أن الذكر في كتاب الله على لفظ واحد بمعان مختلفة ، فقال : {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ }ص1- ،و يعني : ذا الشرف ، وقال : {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ }الأنبياء10- ، يعني : شرفكم . وقال : { بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ }المؤمنون71- ، يعني : بخبرهم . و {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ }الزخرف44- ، يقول : وإنه لشرف لك ولقومك . وقال : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }الجمعة9 - يعني : الصلاة . وقال : {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أ }الأنبياء105 -  ، يعني : في اللوح المحفوظ ، لا يجوز أن يكون الذكر هاهنا القرآن ، لأنه قال في الزبور : (من بعد الذكر) ، والزبور قبل القرآن ، والذكر أيضا هو القرآن في غير هذه الآيات كما أعلمتك ، إلا أن الحرف يأتي بلفظ واحد ، ومعناه شتى ))[59] .

 

    و كذلك القول المأثور عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- ، فمعناه واضح  لمن تدبره  . فالخلق لم يقع على آية الكرسي ، و إنما على السموات و الأرض ، فهي مع عظمتها ليست أعظم من آية الكرسي ، التي هي من كلام الله لا من مخلوقاته . فالمقارنة كانت من جهة العظمة و المكانة ،و ليست من جهة الخلق . و في هذا يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني : ((  فإنه ليس فيه إثبات أن آية الكرسي مخلوقة ، بل المراد أنها أعظم من المخلوقات وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل حسنة الخلق:  ما في الناس رجل يشبهها ، يريد تفضيلها على الرجال لا أنها رجل ))[60] .

 

    و بصفة عامة فإن الرجل أورد حديثا مركبا اعتمد عليه في قوله بخلق القرآن الكريم انتصارا لمذهبيته  ، من دون  يذكر له سندا ، و لا حققه متنا و لا إسنادا ، و لا اجتهد في تحقيقه، ولا قارنه بالروايات المخالفة له . و هذا تصرف غير علمي و لا شرعي ،لأن الحديث تناول أمرا هاما و خطيرا يتعلق بطبيعة بكلام الله ، و لأنه منسوب إلى النبي –عليه الصلاة و السلام-  . فكان يجب عليه أن لا يكون سلبيا انتهازيا ، و إنما يسعى للتحقق من صحة الحديث قدر استطاعته إسنادا و متنا ، إما أن يُحققه بنفسه، و إما أن يستعين بأهل العلم من نُقاد الحديث ، إن لم يكن قادرا على التحقيق . و هذا ليس عيبا ، و إنما العيب فيما وقع فيه الرجل من أخطاء و عدم مبالاة  .

 

    و رابعا إن قولهم بأن الله تعالى خلق كلامه في الشجرة عندما كلّم موسى- عليه السلام- فهو زعم باطل، و قول بلا علم ، و افتراء على الشرع و العقل معا . لأن الثابت شرعا أن الله تعالى هو الذي كلّم نبيه موسى بنفسه ، و لم يخلق كلامه في الشجرة ، و ليست هي التي تكلمت ، و إنما كلام الله كان يخرج من جهتها، عندما نادى الله نبيه . قال سبحانه : (  {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }القصص:30- ، و { وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً }النساء:164- ،و{وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الشعراء:10- ،و (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى }- سورة النازعات: 15-16- ، و(إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}-سورة طه: 10-14- .  

 

 و أخيرا- خامسا- إن التساؤولات و الشبهات التي أثارها المحسن الجشمي في حواره مع خصمه، و انتصاره لمذهبه ، هي اعترتضات رد بها على القائلين بأن القرآن كلام الله قديم ، فكانت صحيحة في نتيجتها بأن كلام الله ليس قديما ؛ لكنها لا تعني أن موقف المعتزلة صحيح في قولهم بخلق القرآن . و إنما الحقيقة هي أنه سبق أن بينا أن الصواب ليس مع المعتزلة ، و لا مع مخالفيهم القائلين بقدم كلام الله .و السؤال الذي بدأ به الحديث ناقص و لا تصح منه أية حالة من الحالات التي طرحها . لأن القرآن الكريم ، لا هو غير الله ،و لا  هو الله ، و لا هو بعضه ، و إنما هو من كلام الله ، منه بدأ و إليه يعود ، و لا هو بمخلوق ، و لا بقديم . و الرجل نسي أو تناسى أن الكلام صفة أزلية في حق الله تعالى ، و أن التكلم هو فعل مرتبط بمشيئة الله تعالى يتكلم متى شاء و كيفما شاء ، و بما يشاء . فهو سبحانه يفعل ما يشاء و يختار، و على كل شيء قدير .

  و إنهاءً لموضوع قول المعتزلة بخلق القرآن أُشير هنا إلى قولهم هذا يتضمن تناقضا واضحا مع موقفهم بنفي الصفات . فبما أنهم نفوا الصفات كما سبق أن بيناه ، فلا يُمكن أن يكون الله مُتصف بصفة الكلام ، و هذا يستلزم أن القرآن ليس كلامه، و لا يصح وصفه بأنه كلام الله !! . فهم يُغالطون و يدلسون و يُحرفون عندما قالوا: القرآن كلام الله مخلوق . فإما أن يكون كلامه حقيقة ، فهذا يستلزم اتصاف الله تعالى بصفة الكلام ، و هذا مُخالف لموقفهم النافي للصفات الإلهية . و إما أن لا يكون كلامه و إنما هو من مخلوقاته كما يزعمون ، و هنا لا يصح وصفه بأنه كلام الله ؛ لأن المخلوقات ليست من كلام الله ، و إنما هي من مفعولاته . كما أن وصفهم له بأنه كلام الله يتنافى مع وصفه بأنه مخلوق ، لأن الكلام ليس هو المخلوق ، و لا المخلوق هو الكلام كما سبق أن بيناه .     

 

    و النموذج الثاني خاص بصفة الرؤية ، و مضمونه أن المعتزلة أجمعت على أن الله تعالى لا يُرى بالأبصار[61]. و  قال المُحسن الجشمي المعتزلي : ((الذي يقوله  مشايخنا - رحمهم الله – أنه  تعالى ليس بمرئيٍّ في ذاته )) [62] . و قال الزمخشري: إن الله تعالى ( لا يُدرك بحاسة من الحواس، وليس بمرئي في نفسه[63] )) . و إن (( قلت: ما الدليل على أنه لا يدرك بحاسة وأنه ليس بمرئي؟ قلت: لأن ما ليس بجسم ولا عرض يستحيل إدراكه بشيء من الحواس، وإذا استحال ذلك استحالت رؤيته؛ ولأن الأشياء على ضربين: مرئيٌ كالجسم واللون، وغير مرئي كالصوت، فالمرئي تنتفي رؤيته بأحد شيئين: إما بآفة في البصر، وإما بوجود مانع من الرؤية، فلما لم نر الله مع سلامة الأبصار وارتفاع الموانع علم أنه ليس بمرئي. والموانع من الرؤية: الحجاب، والرقة، والصغر، والقرب، والبعد، وخلاف المقابلة؛ ولأن المقابلة شرط في الإدراك بالبصر لأنه لا يدرك إلا ما يقابله والله لا يجوز عليه المقابلة لأنه ليس بجسم ولاحال في الجسم))[64]  .

 

    ثم استدل بالوحي فقال : (( وقال الله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الأنعام103 -،و وقال: ( قَالَ لَن تَرَانِي  }الأعراف143 - ، كما قال: { لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً }الحج73- ، لأن رؤيته في الإحالة كخلقهم الجرم، وقال: { فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }النساء153 -. فلو طلبوا أمرا جائزا لما ظُلِّمُوا ولا صُعِقُوا، كما سأل إبراهيم إحياء الموتى فما ظُلِّمَ ولا صُعِقَ، ولا يلزم قول موسى: { أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ }الأعراف143- ، لأنه إنما قال ذلك ليُبَكِّتَ الذين سألوا الرؤية بالحجة على إحالتها وليلقمهم الحجر عند استماع قوله: { لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً }الحج73- )) [65] .

 

   و قال أبو علي الجُبائي- ردا على معارضيه- : (( و احتجوا بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة 3} سورة القيامة: 22-23-،  و هذا لا حجة لهم فيه، لأن النظر ليس هو الرؤية، فتحل الآية على النظر إلى الثواب أو الانتظار، كما روي عن كثير من الصحابة . ))[66].

 

  و رد القاضي عبد الجبار على مخالفه بقوله :(( فان قال: إن الرؤية تجوز على الله تعالى؟ قيل له: الرؤية بالأبصار على الله تستحيل، و الرؤية بالمعرفة و العلم تجوز عليه. فان قال: فما دليلكم على هذا، و الخلق لكم مخالفون فيه، فيقولون أنه يُرى بالأبصار في الآخرة، ويخص الله تعالى المؤمنين بذلك دون الكافرين ، و يكون من أعظم مننه و نعمه عليهم ولديهم . قيل: الذي يدل عليه قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصار و هو يدرك الأبصار﴾ الأنعام103- ، و إدراك البصر«و» رؤية البصر سواء في اللغة لا يختلفان، فإذا صح ذلك فيجب أن نقطع بأنه تعالى لا يرى الأبصار. فان قال: فقد قال تعالى: ﴿ وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾القيامة23-، ففي هذا إثبات الرؤية. قيل له: لم يقل ناظرة البصر، وقد يكون الناظر ناظرا على وجوه، بأن يكون مفكرا و منتظرا للرحمة و طالبا للرؤية، فهو محتمل إذا، و لا يترك به ما لا يحتمل، و تأويله: منتظرة لرحمة الله و ناظرة إلى ثوابه و نعيمه في الجنة فان قالوا: فقد قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15- ،وذلك يدل على أنه يجوز أن يُرى . قيل «لهم» إن دل على ذلك فيجب أن يدل على جسم في مكان ما، وذلك بين الفساد، والمراد بذلك أنهم عن رحمته ممنوعون )) [67] .

 

   و قال أيضا : ((  دليل آخر: لو كان تعالى يُرى بالبصر لوجب أن يجوز أن يكون في جهة، إما بنفسه و إما بمحله، و ذلك مستحيل عليه، يبين ذلك أن الواحد منا كما يحتاج إلى حاسة البصر في الرؤية، فكذا يحتاج إلى أن يكون ما يراه مقابلا لحاسته، إما بنفسه و إما بمحله، و كذلك متى أراد أن يرى ما لا يقابله يستعين بالمرآة، فتصير مقابلته لها كمقابلته لبصره. إن قالوا: إذا لم يره أهل الجنة، فكيف يتكامل سرورهم؟ قيل لهم: إنما يسر أحدنا برؤية من يراه إذا كان يشتهي النظر إلى صورته، فقولوا: انه تعالى ذو صورة، وممن يشتهي، وهذا كفر من قائله، وإنما يتكامل سرورهم بالنعيم الدائم الذي يديمه لهم من كل وجه ))[68] .

 

    ثم قال : ((  و أقرب ما روي في ذلك، أن النبي- عليه السلام- قال:" ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته". و قد قال أصحابنا: أن خبر الواحد لا يقبل في مثل ذلك، وإنما يقبل خبر الواحد فيما طريقه العمل.  وقالوا: لو قال النبي- عليه السلام- ذلك، لتناولناه و حملناه على العلم، وأنه عليه السلام بشر أصحابه بأنهم يعرفون ربهم في الآخرة ضرورة بلا كلفة ونظر. ورووا في مقابلة ذلك أخبارا مخالفة ))[69]   .

 

    و ردا عليهم أقول : أولا ففيما يخص إنكارهم لرؤية الله تعالى ، و قولهم أنها مستحيلة في حقه سبحانه و تعالى . فهذا موقف لا يصح ، و مخالف للعقل و الشرع معا . فأما عقلا فإن كل موجود يُمكن ُرؤيته ،لأن المعدوم هو الذي لا يُمكن رُؤيته لأنه غير موجود . لكن هذا لا يعني أن كل موجود يجب أن يُرى ، وإنما يعنى أنه يُمكن أن يُرى  بحكم أنه كائن موجود . و فيما يخص الله تعالى فرؤيته سبحانه مع أنها مُمكنة ، فإنها لا تحدث إلا إذا شاء الله لها أن تحدث . فهو سبحانه فعال ليما يُريد في تمكين الإنسان من حدوث رؤية الإنسان له سبحانه من عدمها .

 

   و أما شرعا فقد وردت نصوص من القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة لم تنص على إمكانية رؤية المؤمنين له فقط، و إنما نصت على أنهم سيرونه يوم القيامة فعلا  . فمن القرآن قوله تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}- سورة القيامة:22-23- ، و{كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين:15- . و من السنة النبوية الصحيحة قول النبي- عليه الصلاة و السلام – قوله : ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ))[70] . و قوله : « إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار - قال - فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل »[71] .

 

     و أما تأويلاتهم لتلك النصوص و غيرها ، فهي تأويلات تحريفية مكشوفة لا يُمكنها أن ترد تلك النصوص في إثباتها لرؤية الله يوم القيامة. فمن ذلك تأويل المحسن الجشمي لقوله تعالى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}- سورة القيامة:22-23- ، فحرّف الآية و زعم أن النظر ليس هو الرؤية . و هذا زعم باطل مردود عليه ، بدليل قوله تعالى: {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143- .  فهذه الآية دليل قاطع على بطلان زعمه في تفريقه بين النظر و الرؤية ، و أن النظر ليس هو الرؤية ، فقد جمع الله بينهما في آية واحدة ، فدلّ هذا على النظر يعني الرؤية ، و الرؤية تعني النظر .  و نفس الأمر حدده الحديث الصحيح الذي رواه مسلم، و فيه أن النبي –عليه الصلاة و السلام- قال : «  ... فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل »[72] . فالنظر هنا يعني الرؤية .  و من ذلك أيضا قوله تعالى : {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }الأنعام:11- ، و {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ }يونس101- ، و {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ }الروم42-، و{أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } سورة ق:6- . فهذا النظر الذي أمرت به هذه الآيات و دعت إليه يعني من دون شك: الرؤية ، و المشاهدة و الإبصار بالعين .

 

   علماً بأنه يوجد فرق واضح بين النظر الذي يعني الرؤية و المشاهدة و الإبصار،  و بين الإنظار بمعني التأخير و الإمهال[73] ، كقوله تعالى :  قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ، قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ ) سورة الأعراف: 13-15- . 

   فهل هذا الرجل أخطأ فيما قاله ، أم أنه تعمد قول ذلك لغاية مذهبية في نفسه ؟! . لا شك أنه تعمد قوله انتصارا لمذهبه في إنكاره لرؤية الله تعالى يوم القيامة . لأن خطأه هذا مخالفة صريحة لنصوص الكتاب و السنة ، و ليس هو من الأخطاء التي يقع فيها أهل العلم بسبب الاجتهاد في طلب الحقيقة . 

 

      و ثانيا ففيما يخص اعتراضات و شبهات الزمخشري المتعلقة بإنكاره للرؤية ، فهي اعتراضات لا تصح . لأنه من الخطأ إصدار حكم مُطلق باستحالة رؤية ما ليس بجسم ، و لا عرض بشيء من الحواس . لأن الذي يستحيل رؤيته هو المعدوم لأنه غير موجدود ، و أما الموجدود ، فبما أنه كائن موجود فيُمكن رؤيته من جهة الإمكان حتى و إن عجزت حواسنا المجردة عن رؤيته . لأنه يمكن أن تتوفر لنا ظروف و وسائل تمكّن عيوننا من رؤية كائنات غير جسمية . فلا يُوجد أي مانع يمنع هذا الذي ذكرناه . فالاعتراضات التي ذكرها الرجل هي موانع تمنع عيوننا من رؤية كائنات لايُمكنها رؤيتها ، لكن رؤيتها ليست مُستحيلة ، فيُمكن رؤيتها لو تغيرت الظروف، أو توفرت وسائل تُمكننا من رؤية كائنات لم تكن عيوننا قادرة على رويتها . فعدم قدرة عيوننا على رؤية الله تعالى في الدنيا أمر ثابت قطعا بدليل الشرع و الواقع، لكن لا يعني هذا إستحالة رؤيته مُطلقا ، فيُمكن أن يصبح مُمكنا في العالم الآخر ، خاصة و نحن نعلم أن كوننا هذا فيه الزمان و المكان نسبيان ، فما بالك بعالم يوم القيامة ؟! .

      كما أن استدلاله بأن عدم رؤيتنا لله في الدنيا مع سلامة أبصرنا دليل على أنه لا يُرى  هو استدلال لا يصح . لأن الكون مملوء بمخلوقات كثيرة  لا نراها ، لكنها قابلة للرؤية من جهة الإمكان ، و يُمكن أن نراها حقيقة  لو تتوفر لنا وسائل تُمكننا من رؤيتها . و هذا هو الذي حدث في عصرنا الحالي ، فبفضل التطور العلمي أستطاع العلماء من رؤية كائنات كثيرة دقيقة لا يُمكن رؤيتها بالعين المجردة ؛ فرأوها  بالمجاهر الإلكنرونية ، كالجراثيم و البكتريا .

 

    و هذا يعني أن عيوننا يُمكنها أن ترى كائنات غير مرئية لها ، إذا توفرت لها ظروف تُمكنها من ذلك . و بما أن الأمر هكذا فما المانع من أن يُهيء الله تعالى الظروف للمؤمنين يوم القيمة ليرونه؟ . فواضح أنه لا يُوجد أي مانع عقلي ،و لا علمي ، و لا شرعي ،  يمنع ذلك ،فهو أمر مُمكن الحدوث .

 

     و أما استدلاله بالقرآن الكريم لنفي الرؤية فلا يصح ،و  فيه تغليط و إغفال لنصوص أخرى صريحة في إثبات الرؤية يوم القيامة . فمن ذلك أن الرجل استدل بقوله تعالى: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الأنعام103- على نفي حدوث الرؤية . و هذا استدلال لا يصح ، لأن الآية نفت إدراك الأبصار له ، و من معاني الإدراك: الإحاطة و العلم بحقيقة الشيء ؛ و هي لم تنف إمكانية رؤية الأبصار لله ، و إنما نفت إدراكها له . فقالت : لا تدركه ، و لم تقل: لا تراه .  فالفرق واضح بين الإدراك و الرؤية ، فهما غير مُتطابقين ،و لا مُترادفين من جهة المعنى .و حتى إذا افترضنا جدلا أن الآية قصدت بالإدراك الرؤية بالبصر ، فهذا يعني أن الآية نفت حدوث رؤية الله في الدنيا لا في الآخرة ، مصداقا لقول النبي –عليه الصلاة و السلام- : ((تعلمون أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت))[74].

 

   و استدل أيضا على موقفه بقوله تعالى : {  قَالَ لَن تَرَانِي }الأعراف143- ،و {  فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ }النساء153-  ، فزعم أن هذا يعني أنهم طلبوا أمرا غير جائز مُطلقا . و هذا غير ثابت ، و إنما قد يعني أنهم طلبوا أمرا غير جائز في الدنيا لا في الآخرة . بل هذا هو الصحيح ، فالمنع خاص بالدنيا لا بالأخرة ، و قد سبق أن ذكرنا النصوص الشرعية على أن المؤمنين سيرون ربهم في الآخرة .   

 

     و الاستدلال الثالث مفاده أن الزمخشري قال: ولا يلزم قول موسى: {  قَالَ لَن تَرَانِي }الأعراف143- ، لأنه إنما قال ذلك ليُبَكِّتَ الذين سألوا الرؤية بالحجة على إحالتها وليلقمهم الحجر عند استماع قوله: {  لَن تَرَانِي }الأعراف143-. بل الصحيح خلاف قوله هذا ، لأن طلب موسى- عليه السلام- رؤية الله تعالى هو نفسه شاهد على إمكانية حدوث الرؤية ، فلو كانت مستحيلة من جهة الإمكان لما طلبها موسى . فهي قد كانت غير مُمكنة في الدنيا فقط، و لم تكن غير مُمكنة كليةً ، و لهذا لم يقل الله له أنها مُستحيلة مُطلقا ،و إنما نفى أن يراه في الدنيا ، و لم ينف الرؤية يوم القيامة . فقال سبحانه : {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143- .

 

    وثالثا إن رفض المعتزلة لرؤية الله تعالى يوم القيامة بدعوى أنها تتطلب المقابلة و الجهة في مكان ، و الله تعالى لا تجوز في حقه المقابلة لأنه ليس بجسم و لا هو في جسم ؛ فهو اعتراض باطل لا يصح الاحتجاج به . لأن المقابلة ليست خاصة بالكائن الجسماني دون غيره من الكائنات ، و إنما هي تخص كل كائن مهما كانت طبيعته. و نفس الأمر ينطبق على المكان  . فبما أنه موجود فالمقابلة و المكان من صفاته حسب طبيعته و ما يليق به و يُناسبه  ، و إلا فهو غير موجود ، لأن المعدوم لا يُوصف بالمقابلة و لا بالمكان ، بسسب أنه غير موجود . و عليه فبما أن الله تعالى موجود أزلي ، فرؤيته ممُكنة و المقابلة في حقه سبحانه ليست مُستحيلة ، و لا هي بنقص و لا بعيب.  

 

    و أخيرا – رابعا -  ففيما يخص اعتراضات القاضي عبد الجبار و تأويلاته ، فلم يصح منها شيء ، و ما هي إلا تأويلات فاسدة ، أظهرت عدم احترامه للمنهج العلمي في البحث و الاستدلال . فمن ذلك أنه رد ما نص عليه قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}- سورة القيامة:22-23- . رده باحتمالات و تفسيرات وهمية زائفة نفى بها الرؤية التي نصت عليها الآية . و هي احتمالات و تأويلات لا تصح ، لأن الآية لا تقبلها ، و لأنها مطلقة و ليست مُقيدة ،و عامة و ليست خاصة ، و لا يحق له أن يُُقيدها و لا أن يُخصصها . فهي تشمل الرؤية بالبصر أولا ، و حتى و إن جعلنا النظر عاما لمختلف انواع النظر ، فهو يبقى يشمل النظر بالبصر بالدرجة الأولى . و أما احتمالاته التأويلية التي ذكرها، فهي لايُمكنها أن تُغيّر معنى الآية من جهة ، و تبقى مجرد احتمالات شخصية لا دليل على ثبوتها ،و لا على رجحانها من جهة أخرى . و لا يُمكنها أن تنفي الرؤية بالبصر الذي دلت عليه الآية ، و لا يصح  الاعتراض بها لتعطيلها .

 

   و نفس الأمر ينطبق على تأويله الفاسد لقوله تعالى : {كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ }المطففين15- ، بأنها تعني أنهم محجوبون عن رحمة ربهم  . فهي واضحة بأن الكفار لا يرون ربهم ،و تتضمن بأن المؤمنين سيرون ربهم . و تأويله بأنهم محجوبون عن رحمة ربهم ، هو تحريف للآية ، فهي قالت : { عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } ، و لم تقل : عن رحمة ربهم لمحجوبون . فهذا لا يصح لأن كلام الله تعالى مُحكم مُفصل ، كل كلمة في مكانها و لا يُمكن أن تُغَيَر بكلمة أخرى . و الفرق واضح بين( عن ربهم )، و بين ( عن رحمته  ) . فهما لا يُعويضان بعضهما ، لأن الرحمة قد تصل إلى المعني من دون أن يرى صاحبها ، و من وصلته و رأى صاحبها فهو قد حقق أمرين و ليس أمرا واحدا . و اما اعتراضه على ما نصت عليه الآية بحكاية الجسمية و المكان فقد سبق بيان بطلانها .  

 

   و منها أنه- أي عبد الجبار- أنكر على من يُثبت لله صورة ، و أنه مما يُشتهى، و كفّر من يقول بهذا . و الحقيقة هي خلاف زعمه هذا ، و هو قد أصدر الحكم بالاستحالة و التكفير على هواه و مذهبيته و ليس على أساس من الشرع الصحيح و لا من العقل الصريح . لأنه ليس حراما و لا مستحيلا شرعا و لا عقلا بأن تكون لله صورة تليق به و تناسبه  على أساس من التنزيه المُطلق الذي الذي أثبته الوحي الصحيح و قال به العقل الصريح  . فكما أن الله تعالى له سمع يليق به بدليل الشرع و العقل ، فكذلك له صورة تناسبه حسب ذاته بنفس الدليل . و كما أن الشرع نص على أن الله تعالى يراه المؤمنون يوم القيامة ، و أنه سبحانه جميل و أنه أجمل الكائنات[75] . فإن العقل يُثبت ذلك أيضا و يقول به ، لأن كل موجود له صورة تليق به حسب ذاته ،و إلا فهو غير موجود ، لأن المعدوم هو الذي ليست له صورة ، بحكم أنه غير موجود . و هذا الكون يشهد بالضرورة على صفات خالقه ، فكما هو يشهد على أن خالقه عظيم و قوي ،و رحيم و حكيم ، فإنه يشهد أيضا على أن خالقه بديع و جميل ، ودود و رحيم . فهذا الرجل و أصحابه يزعمون العقل و العقلانية - و قد شاع بين أكثر الناس أنهم كذلك - لكن الحقيقة أنهم ليسوا في ذلك المستوى أبدا ،و ليس لهم من ذلك إلا القليل ، و أن الغالب عليهم في أصول مذهبهم التي اختصوا بها مخالفة الشرع الصحيح و العقل الصريح.

   و منها أيضا أنه رفض الأخذ بأحاديث الرؤية بدعوى أنها خبر آحاد . و هذا اعتراض مرفوض و لا يصح ، لأن خبر الآحاد لا يعني انه لا يصح، و إنما يعني أنه يحتمل الخطأ و الصواب ، و بالتحقيق قد تثبت صحته ، بل قد يصل إلى درجة الثبوت القطعي[76] . و أحاديث الرؤية هي صحيحة بذاتها من ناحية إسنادها و متنها ، لأنها تتفق مع ما نصّ عليه القرآن الكريم ، فهي لها قرائن تتقوى بها و تُثبتها . علما بأن هؤلاء المعتزلة  متناقضون في موقفهم من خبر الآحاد ، فعندما يكون في صالحهم يأخذون به ، و إذا لم يكن في صالحهم أوّلوه تأويلا فاسدا ، فإن كان واضحا و لم يقدروا على تحريفه بتأويلهم رفضوه بدعوى أنه حديث آحاد[77] . و هذا موقف نفعي انتهازي تحريفي  غير مقبول من جهة منهج الاستدلال العلمي الصحيح  .

 

   و أما تأويله للرؤية التي وردت في حديث : (( إنكم سترون ربكم ...)   بأنها تعني العلم ، فهو تأويل فاسد لا يصح ، لأن الحديث صريح في الرؤية من جهة ، و تشهد على صحته نصوص كثيرة من جهة أخرى .  و الرؤية ليست هي العلم بالتطابق ، فشتان بين رؤية الشيء و العلم به فقط . لأن العلم له وسائل كثيرة ، منها الرؤية ، و اللمس ، و الشم ، و السمع ، و الإحساس الداخلي. و قد نرى الشيء و لا يكفي للعلم به  . و لهذا فرّق الله بينهما ، فقال سبحانه : { كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ }- سورة التكاثر: 5-7- . و لو وضعنا عبارة العلم مكان الرؤية ، فيصبح  الحديث هكذا (( إنكم ستعلمون ربكم كما تعلمون هذا القمر لا تضامون في علمه ))[78]  . فواضح أن الحديث لا يستقيم إذا فسرنا الرؤية الواردة فيه بالرؤية من جهة ؛ و لا يكون له معنى واضح ، بل يضطرب و يفسد معناه من جهة أخرى .

 

    فواضح مما ذكرناه أن المعتزلة نفوا رؤية الله تعالى من دون دليل صحيح من الشرع و لا من العقل ، و تمسكوا بتأويلات تحريفية لغايات مذهبية في نفوسهم  . فجنوا بذلك على العقل الصريح و الوحي الصحيح انتصارا لمذهبيتهم الزائفة .

 

     و النموذج الثالث يتعلق بمتفرقات من تأويلاتهم الفاسدة ، منها تأويلهم لصفة اليد . فقال أبو الهذيل العلاف و أبو إسحاق بن يسار النظام أن صفة اليد تعنى النعمة[79] . و أوّل المحسن الجشمي قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، بأن المراد بها النعمة ، و نصّ على أنه يجب(( أن تُحمل الآي على ما يجوز عليه تعالى ))[80] .

 

   و أقول:أولا إن هؤلاء أوّلوا صفة اليد تأويلا فاسدا من دون أي مُبرر صحيح من الشرع و لا من العقل ، و وقعوا في التشبيه مع أنهم فروا منه حسب زعمهم . فهم قد نفوا عن الله تعالى ما وصف به نفسه بأن له يدين ، و أوّلوهما بالنعمة . و هذا تشبيه له بالمخلوق الذي له نعمة . فإذا قالوا : أوّلنا ذلك على أساس عدم التشبيه و المماثلة . قلنا : كان عليكم أن تطبقوا هذا على صفة اليد ، فالله تعالى بما أنه ليس كمثله شيء في ذاته ، فهو ايضا ليس كمثله شيء في صفاته . فتكون يده سبحانه صفة تليق به و تناسبه بلا تشبيه ، كصفة السمع التي أثبتناه له مع أن في مخلوقاته من يتصف بها .

 

     و أما إذا قالوا : نحن نفينا عنه اليد لأنها ترمز للأعضاء و الجوارح ، و وصفناه بالنعمة لأنها ترمز للمعاني  . فنقول : هذا موقف لا يصح ، و سببه التشبيه لا التنزيه ، و هو خطأ في التنزيه أيضا . لأنه بما أن الله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ، فهذا يستلزم قطعا أن صفاته كلها ليست كصفات مخلوقاته ، حتى و إن اشتركت في الاسم . فيد الله لاشك أنها ليست كيد المخلوقات ، فهي تابعة لذاته سبحانه . و عليه فلا يصح نفيها بدعوى أنها ترمز للأعضاء و الجوارح فهذا مبرر باطل ، مُنطلقه التشبيه لا التنزيه .

 

    و هم أيضا قد نقضوا زعمهم هذا ، عندما أثبتوا لله صفات هي في المخلوق جوارح و مرتبطة بالجوارح ، منها السمع و البصر . فلماذا أثبتوا له ذلك مع أن السمع مرتبط بالأذن و أجهزتها الداخلية ، و الثانية مرتبطة بالعين و مكوناتها الداخلية ؟؟  فلماذ أثبتوهما لله و لم يقولوا : إنهما جارحتان ؟؟ . و حتى صفة القدرة ، فهي في المخلوق مُرتبطة بالبدن و جوارحه ،و نفس الأمر ينطبق على النعمة التي يفعلها الإنسان مثلا . بل و حتى صفة الوجود فهي في المخلوق مرتبطة بالجسم و أعضائه  . فلماذا أثبتوا لله  كل هذه  الصفات و لم يقولوا أنها ترمز للأعضاء و الجوارح مع أنها في المخلوق هي كذلك ، لكنهم عندما جاؤوا إلى صفة اليد أوّلوها تأويلا فاسدا بدعوى أنها ترمز للجوارح ؟؟!! . فهذا موقف متناقض ،و باطل مخالف للشرع و العقل معا .

 

    و ثانيا إن هؤلاء عندما أوّلوا صفة اليد انطلقوا من خلفيتهم المذهبية الاعتزالية ، و جعلوا الشرع  و العقل من وراء ظهورهم ، فأخطؤوا خطأ بيناً في تأويلهم لليدين . لكنهم مع ذلك لم يُبالوا و انتصروا لمذهبهم بالباطل . إنهم خالفوا الشرع و أهملوا نصوصا واضحة تخالف زعمهم ، منها قوله تعالى : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً }المائدة:64- ، و قول النبي- عليه الصلاة و السلام : « إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عز وجل وكلتا يديه يمين الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا ».[81]. و أخطؤوا في تفسيرهم لآية اليدين بالنعمة ، لأن معناها لا يستقيم و لا يصح ، فالآية تقول : ((﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]- ، و حسب تأويلهم التحريفي تصبح الآية : ( لما خلقتُ بنعمتي )) ، و هذا معنى فاسد، لأن الله تعالى لا يخلق بنعمته و لا بنعمتيه ، و لا بِنِعَمه !! ، و إنما يخلق بإرادته و قدرته و بيديه . فهل هؤلاء لم ينتبهوا إلى هذا التحريف الفاحش للآية ، أم أنهم تعمدوا فعله لغاية مذهبية في نفوسهم ؟؟ !! . بل واضح أنهم تعمدوا فعله !! .

 

   و منها تأويلهم لصفة الاستواء ، قالت المعتزلة : (( إن الله استوى على العرش بمعنى استولى ))[82]  . و قال القاضي عبد الجبار :((  فتأويل قوله تعالى : { اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ }الأعراف54- ، انه استولى واقتدر وملك
ولم يرد تعالى بذلك انه تمكن على العرش جالساً، وهذا كما يقال في اللغة (استوى البلد للأمير) و(استوت هذه المملكة لفلان)، وقال الشاعر :
قد استوى بِشْرُ على العراق*** من غير سيف ودم مهراق
فلم يرد جلوسه، وان أراد استيلاءه واستعلاءه.
ولولا أن الأمر كما قلنا لم يكن ذلك تمدحاً عظيماً، لأن كلاً يصح أن يجلس على سريره وعلى مكانه. وإنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم خلقه، فنبه به على أنه على غيره أشد اقتداراً، كما قال: { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ }التوبة129 - ونبه بذلك على أنه أن يكون رباً لغيره أولى.  ))[83].

 

    و أقول: إن الرجل و أصحابه لم يفعلوا شيئا صحيحا بتأويلهم لهذه الصفة و غيرها من الصفات ؛ و إنما حرّفوا الشرع و وقعوا في التشبيه مع تظاهرهم بالهروب منه . لأنه أولا إنه نفى عن الله الاستواء الذي وصف به نفسه ، ثم وصفه بصفات أخرى يتصف بها المخلوق ،و شبهه بها . فزعم أن معنى الاستواء المذكور في النص السابق يعني الاقتدار و الملك ، و الاستيلاء و الاستواء ، كحال الأمير الذي يستولي على البلد و يملكه و يقتدر عليه ،و كحال استواء بِشْر على العراق  . و هذا تشبيه صريح صارخ لله تعالى ببعض بالأمراء و الملوك من البشر ، فشبّه فعله ببعض أفعال هؤلاء . فالرجل لم يُقدم حلا ،و إنما زعم أنه يفر من التشبيه فذهب إليه بنفسه ، فكان كالذي سعى بظلفه إلى حتفه . 

 

    و أما إذا قيل : إن الرجل أوّل صفة الاستواء بالاستيلاء و الملك و الاستعلاء مع عدم المشابهة بين الخالق و المخلوق . فنقول: إن الرجل لم يقل هذا ، و إنما مباشرة هجم على الآية و حرّفها عن أصلها و شبهها بما ذكرناه عنه . و إذا سلمنا بذلك ، فكان عليه من البداية أن ينظر إلى أية الاستواء على العرش بمنظور الإثبات و التنزيه ، المأخوذ من قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- ، و بذلك نثبت لله الاستواء كما وصف نفسه بلا تشبيه و لا تمثيل و لا تكييف . و لا نحتاج أبدا إلى تأويله التحريفي للآية التي لم توصله إلا إلى التشبيه و التحريف و عدم الوصول إلى حل صحيح للمشكلة التي توهمها هو و أصحابه .  

 

   و ثانيا إن كل كائن حي فالاستواء جائز في حقه و ليس هو مُستحيلا ، و لا  نقصا و لا عيبا . و كل كائن استواؤه يليق به و تابع لذاته . و عليه فإن وصف الله تعالى لنفسه بالاستواء على العرش ليس مستحيلا و لا نقصا ، و إنما هو كمال في حقه على أساس نصوص التنزيه . و لا يصح أن يُؤوّل استواؤه بالاستيلاء و التملك ، فهذا لا يليق به أبدا ، لأنه يستبطن وصفا له بالعجز و النقص ، بل هو صريح بوصف الله تعالى بالعجز و النقص ، و أنه لم يكن مالكا ، ثم هيمن و ملك بعد صراع خاضه مع طرف آخر!! . فهل هذا تنزيه و كمال ؟، و هل يصف عاقل الخالق بذلك ؟! ، و أليس هو وَصْف له بصفات المخلوقين الذين يتصارعون على الدنيا حتى يتغلب طرف على آخر . و أما الله تعالى فهو كامل و غني  ،  و مهيمن و مالك ، و جبار و مُتكبر بذاته المقدسة ،و ليس هو كما زعمت المعتزلة .

 

    و منها صفة الشديد ، أوّلها القاضي عبد الجبار بقوله : (( فأما وصفه تعالى بأنه شديد فلا يصح ، لأن الشدة هي الصلابة، و لذلك يُقال في الأشياء الصلبة إنها شديدة ، و أُجري على القادر تشبيها و مجازا . و أما قوله : (شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة : 196- ، فالشديد صفة للعقاب لا له ، فلا يُعترض ما قلناه . و أما قوله سبحانه : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً }فصلت- 15- ، فالمراد به أنه أقوى منهم  ))[84].

 

    و أقول: هذا الرجل يتكلم بهواه و مذهبه و لا يتكلم بعلم صحيح، و لا بعقل صريح، و لا بوحي صحيح . لأن قوله تعالى : (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }البقرة : 196- يختلف عندما نقول: هذا عقاب شديد . فهنا الوصف خاص بالعقاب ، لكن في الآية الوصف خاص بالله تعالى و ليس بالعذاب . قال تعالى : {  إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ }الأنفال52- . فالوصف هو لله من دون شك، فكما هو قوي ، فهو شديد العقاب ، فالآية هي في صدد وصف الله بذلك، و لم تكن في صدد وصف العقاب بالشدة ، و لا بغيرها . و كذلك قوله تعالى : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ }الرعد6- . فالآية أكدت على وصف الله تعالى بأنه لشديد العقاب ، و لم تقل : إن العقاب لشديد .

  و قال تعالى : {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ }غافر3 - . أليس هذه الصفات كلها وصف لله تعالى ، منها أنه سبحانه شديد العقاب ؟؟!! .

 

   و قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ }الرعد13- . فالآية هنا صريحة واضحة بانها وصفت الله تعالى بالشديد المحال . بمعنى أنه الشديد القوة أو الأخذ . فلماذا أغفل عبد الجبار هذه الآية التي تنسف تأويله الفاسد من أساسه . إنه غَالَط و حَرّف ، و مارس الانتقتاء و الاغفال حسب هواه و مذهبه ، و لم يكن يهمه معرفة الحقيقة شرعا و لا عقلا ، و إنما كان همه أن ينتصر لمذهبيته التحريفية . فلو كان يهمه معرفة الحقيقة لجمع كل الآيات التي وصفت الله تعالى بالشديد، و فسرها بنفسها أولا ، ثم بما صح من السنة النبوية ثانيا، و بما يقوله العقل الصريح و العلم الصحيح ثالثا . لكن الرجل جعل كل هذا وراء ظهره و أوّل الآية تأويلا تحريفيا حسب هواه .

 

    علما بأن تلك الآيات كما وصفت الله تعالى بأنه شديد العقاب ، فلا شك أن العقاب الذي يُعاقب به سيكون شديدا أيضا . و هنا  أقول: لماذا إذن هو شديد ؟ الجواب: لأن الذي أوقعه شديد . فشدة العقاب نتيجة لاتصاف الله تعالى بالشديد . فلا عقاب شديد، دون مُعاقب شديد . فالرجل مراوغ ، و مُغالط، و مُلبس  فلماذا هذا التحريف المُتعمد للشرع ؟!، و أية فائدة منه ؟  .

 

    و لا يخفى عنا أن صفة الشديد ليست نقصا و لا عيبا ، بل هي صفة كمال في حق الخالق ، و صفة كمال في الإنسان الذي يستخدمها بحق و عدل و حِكمة . و عليه لا يصح نفيها و لا تأويلها تأويلا فاسدا . و هي صفة توصف بها الماديات و المعنويات ، كقولنا:  رجل صلب ، و خشب صلب ، و موقف صلب . فعجباً من هذا المعتزلي !!،  إنه رجل أعماه تعصبه لمذهبه ، و أبعده عن الالتزام بالمنهج العلمي الصحيح في الفهم و البحث و الاستدلال !! . 

 

   و النموذج الأخير- الرابع – يتعلق بصفتي الحركة و المكان ، و مضمونه أن المعتزلة أجمعت على أن الله تعالى لا يتحرك و لا يسكن ، و ليس له جهات ، و لا فوق و لا تحت [85]. و قال القاضي عبد الجبار: ((  فان قال: فَجَوِزوا عليه المكان، قيل له: لا يجوز ذلك، و لأن المكان إنما يجوز على الجسم الذي يجاور مكانه أو على العرض الذي يحل كحلول السواد في الأسود، و الله جل وعز يتعالى عن الأمرين فلا يجوز عليه الكون في المكان، وإنما وصف بذلك مجازا من حيث يدبر الأماكن و يحفظها، فيقال انه فيها، ويراد تدبيره و حفظه ))[86] .

 

    و قال المحسن الجشمي : ((مسألة في نفي المكان والجهة :الَّذي يقوله مشايخنا :  إنه تعالى لا يجوز عليه المكان والجهة، والمشبهة بأسرها يثبتون له مكاناً وجهةً، ومنهم من يقول: هو على العرش مستقر. يقال لهم: المصحح لكون الشيء في مكان وجهة التحيز، أفتقولون إنه متحيزٌ أو لا؟. فإن قالوا: لا أحالوا الوصف مع عدم التحيز بالجهة كالأعراض، وإن قالوا متحيِّزٌ. قلنا: فوجب أن يكون مثلاً للأجسام؛ لأن التحيز من الصفات الواجبة التي توجب التماثل )) [87]  .

 

  و قال محمود الزمخشري :( ولا يشغل جهة، ولا يحل في جرمٍ، ولا يكون في مكان[88] )) ،و  ((وليس في مكان؛ لأنه لو شغله لكان جسما، ولو لم يشغله لم يفصل بين أن يكون فيه وبين أن لا يكون فيه، ومعنى قولنا: هو في كل مكان أنه عالم بما في كل مكان ))[89]. ولا يشغل جهة، ولا يحل في جرمٍ، ولا يكون في مكان[90].

 

    و أقول:أولا إن هؤلاء خالفوا بتلك الأقوال العقل و الشرع و جنوا عليهما فيما يتعلق بصفة الحركة و المكان و الجهة . فأما عقلا فإن الصفات التي أجمعوا عليها بأن الله تعالى لا يتحرك و لا يسكن ، و ليس له جهات ، و لا فوق و لا تحت [91]. فهي في الحقيقة كلام متناقض،و لا يمكن أن يتصف بها موجود، و لا يتصف بها إلا معدوم . فهل يُعقل أن يُوجد كائن مُتصف بتلك الصفات ؟ّ،. و أين العقل الذي احتكموا إليه ؟؟!! . أليس العقل يقول : إن الموجود إما أن يكون يتحرك ، أو ساكن لا يتحرك ،  أو أنه يجمع بين الحركة و السكون . و لا يُوجد احتمال آخر يُمكن أن يتصوّره العقل في الكائن. فبأي عقل تصوّروا مزاعمهم ؟؟! ، و أي عقل احتكموا إليه في زعمهم ؟؟ ،و ما هو الدليل الصحيح الذي يُثبت قولهم  ؟! . إنهم لم يُقدموا دليلا صحيحا يُثبت مزاعمهم ، و إن تَصُورها كافٍ واحده لرفضها، لأنها ليست من الشرع و لا من العقل ، و لا من العلم ، و إنما هي من أهواء المعتزلة و ظنونهم و سفسطاتهم .

 

    علما بأن اتصاف الله بصفات الحركة و السكون ،و الجهة و الفوقية  ليست هي صفات نقص و لا عيب لكي يتنزه الله تعالى من الاتصاف بها ، و إنما هي صفات كمال هي في حق الخالق لا نقص فيها و لا عيب .فهذا هو الذي يقوله العقل البديهي ، و هو قول صحيح لا تشبيه فيه ،و لا تجسيم و لا نقص فيه . فالله تعالى بما أنه فعال لما يريد و مُتصف بكل صفات الكمال ، و على كل شيء قدير ، فهو إن فعل ساكنا ، أو متحركا فهذا كله كمال في حقه ، لأنه يفعل ما يشاء و يختار عن غنى لا عن حاجة . و لاشك أن الكائن الذي يستطيع أن يفعل في سكونه و حركته أفضل من الذي يفعل في سكونه دون حركته ، أو في حركته دون سكونه . 

    و أما بالنسبة لصفة الجهة ، فهي أولا ليست صفة نقص حتى تُنفى ، و إنما هي صفه ضرورية لكال موجود ، لأن المعدوم هو الذي لا جهة له، و لا فوق و لا تحت  و أما الموجود فمن المنطقي جدا أن تكون له جهة بحكم أنه موجود  . فإذا كان هذا الموجود مخلوقا لا شك أن له فوق و تحت  و قد توجد مخلوقات فوقه . و أما بالنسبة للخالق عز وجل  فهو سبحانه هو الأعلى  الأعظم ، فيكون أعلى و فوق مخلوقاته شرفا و مكانا و لا شيء فوقه أبدا .

 

  و أما من الناحية الشرعية فقد أكدت النصوص الشرعية على أن الله تعالى يتحرك و يسكن و هو الأعلى ، و فوق عباده سبحانه . منها قوله سبحانه : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143 - ،و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }طه5- ،و {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }الفجر22-،و {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }النحل50-،و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }الأعلى1-. و في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له »[92] .  و الله تعالى هو الأدرى بنفسه، و لا معقب لأحد من بعده ، و ليس من العقل الاعتراض و لا التقدم عليه . فهؤلاء لم يتكلموا بعقل و لا بشرع و إنما تكلموا بظنونهم و أهوائهم . فلا للعقل اتبعوا ، و لا لشرع التزموا .

 

     و ثانيا إن اعتراض الزمخشري لا يصح ،و سببه التشبيه لا التنزيه ، لأن المكان المعروف لدينا هو مكان مخلوق لله خاص بالمخلوقات ، و هو مكان نسبي أيضا كما هو معروف في علم الفيزياء ؛ لكن المكان الذي لله تعالى يختلف عن مكاننا بالضرورة ، فهو مكان يليق بالخالق و يُناسبه ، لأن الذي ليس له مكان ، و ليست له صفات هو المعدوم . و ليس صحيحا قولهم بأن المكان خاص بالجسمية ، فهذا زعم باطل، و إنما الصواب هو أن المكان من ضروريات الموجود بغض النظر عن طبيعته ، فبما أنه موجود فبالضرورة أن له مكانا يُناسه و يليق به . و لا يغيب عنا أن المكان نسبي حتي بين المخلوقات ، فما بالك بين الخالق و المخلوق؟؟ . فهذا هو الذي يقوله العقل الصريح و الوحي الصحيح، و ليس ما زعمه هؤلاء أدعياء العقلانية .  ثم إن هذا الرجل متناقض في قوله الأخير ((: هو في كل مكان أنه عالم بما في كل مكان )) . فهو قد أثبت له المكان من جهتين : الأول أن كلامه هذا صريح أن له مكانا بحكم أنه في كل مكان . و الثانية أنه فسّر وجوده في كل مكان بأنه بعلمه في كل مكان لا بذاته ،و هذا يستلزم أن له مكانا لذاته . كما أن أسلوبه هذا فيه تغليط و تلاعب و عدم صراحة في تحديد أفكاره . لأن عبارة موجود في كل مكان لا تتفق مع تأويله لها بالعلم . فلماذا لا يُصرّح بذلك صراحة ليكون الكلام واضحا لا سفسطائيا يحتمل أكثر من معنى ؟؟!! .

 

   و أخيرا – ثالثا- إن من مغالطات المعتزلة قولهم بأن المُشبهة هم الذين يُثبتون لله المكان والجهة . و هذا تغليط و تلبيس ، لأن الذي أثبت لله المكان و الجهة هو الشرع الصحيح من الكتاب و السنة . و من يعترض على الله و رسوله في إثبات ذلك، فهو الجاهل المحرف الضال الجاني على الشرع و العقل معا . كما أن إثبات صفتي المكان و الجهة لله تعالى بالطريقة الشرعية لا يُعد نقصا و لا تشبيها ، و لا تجسيما و لا تكييفا .و الحقيقة هي أن هؤلاء هم المُشبهة من جهتين : الأولى إنهم عندما نفوا عن الله تعالى المكان و الجهة يكونون قد شبههوه بالمعدوم ، بحكم أن الذي لامكان له و لا جهة هو المعدوم لأنه غير موجود . و الجهة الثانية مفادها أنهم عندما نفوا عنه صفتي المكان و الجهة ، فهم قد نظروا إليهما بمنظور التشبيه و التجسيم بدليل أنهم تكلموا عن حكاية التحيز و الجسمية !!. مع أن الحقيقة هي أن حكاية الجسمية و التحيز التي ذكروها تتعلق بالمخلوق لا بالخالق ، لأن الخالق بما أنه موجود فهو فوق الزمان و المكان و فوق كل مخلوق  لا تحيط به مخلوقاتاه من جهة ،  و له مكانه و جهته حسب ذاته و صفاته على أساس عدم مماثلته لمخلوقاته من جهة أخرى .

 

   و إنهاءً لهذا المبحث يُستنتج منه أولا إن تبني المعتزلة لمبدأ التأويل التحريفي للصفات الإلهية و ممارستهم له ، لا يتفق مع مذهبم في نفيهم للصفات كما سبق أن بيناه في المبحث الأول . فبما أنهم نفوها فلماذا يُؤوّلون ، وماذا يُؤولون ؟؟ . فممارستهم له هو نقض لمبدئهم في نفي الصفات !! ، و الذي يتفق مع مذهبهم عدم الأخذ به مُطلقا ، لأن الأخذ به هو نقض لأصلهم المُتعلق بالصفات . لكن القوم هذا هو حالهم و ديدنهم، فعندما خالفوا الشرع و العقل في موقفهم من الصفات الإلهية وقعوا في التناقض، و لم يقدروا على التخلص منه و ما ترتبت عنه من أخطاء و انحرافات .

 

   و ثانيا إنه لا توجد في الشرع الصحيح  مشكلة صفات أصلا ، لأن الشرع حسم موضوعها حسما ، و بينها بيانا واضحا جليا لا لُبس فيه لمن أحسن الفهم عن الشرع و أخذ به بطريقة صحيحة و من دون خلفيات مذهبية . و تفصيل ذلك من جهتين: الأولى مفادها هو أن الشرع أجمل في التنزيه و فصّل في الإثبات ، فذكر قواعد و منطلقات تحكم الصفات الإلهية ،  منها يجب النظر إلى الصفات كلها . و قد نصت عليها آيات قرآنية مُحكمة ، منها قوله تعالى : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} – سورة الإخلاص:1-4- ،و {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- ، و {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل74- ، و {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الروم27- ، {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }الأعراف180-

 

     تلك المنطلقات هي قواعد التنزيه ، منها يجب النظر إلى كل الصفات الإلهية التي فصّلها الشرع ، كقوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143 - ،و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }طه5- ،و {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً }الفجر22-،و {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }النحل50-،و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى }الأعلى1-. و في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له »[93] . و بناء على ذلك فإذا عرضنا كل آيات الصفات على قواعد التنزيه لا نجد أي إشكال أمامنا ، بحكم أن الله تعالى هو أدرى بنفسه ، و أنه سبحانه ليس كمثله شيء ، و أن تلك الصفات هي تابعة للذات ، و لا تُشبه صفات مخلوقاته إلا في الإسم فقط. فهو مجرد اشتراك في الإسم مع التباين الكلي في  حقيقة معاني صفات الخالق و المخلوق . علما بأن هذا التباين الكبير موجود حتى بين صفات المخلوقين أنفسهم : فشتان بين وجه الإنسان ، و وجه النملة، و وجه الثوب و وجه الحائط ، و بين رأس الإنسان و رأس الدبوس ، و رأس النملة و رأس الجبل !! . فإذا كان هذا التباين حتى بين صفات المخلوقين ، فلا شك أن التباين بين صفات الخالق و المخلوق أساسي و كبير جدا ، لا مجال للمقارنة بينهما في الذات و لا في الصفات .

 

   و الجهة الثانية مفادها أنه بما أن القرآن الكريم كتاب مُحكم مُفصل مُبين لا يأتيه الباطل أبدا ، لقوله تعالى : {الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ }هود1- ،وٌ{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌلَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }-سورة فصلت: 41-42-. فإنه لا يصح أبداً القول بأن القرآن فيه تشبيه ، أو ما يُوهم التشبيه . و إنما هذا التشبيه  ليس في الشرع و إنما هو في رؤوس المُحرفين لآيات الصفات بتأويلاتهم الفاسدة لها . و من يُصر على اتهام الشرع بأنه مُوهِم للتشبيه في إثباته للصفات ، فالحقيقة هي أنه هو المُحَرف للشرع و المُفتري عليه من حيث يدري أو لا يدري . لأنه لم ينظر إليها بمنظور شرعي صحيح ، و إنما نظر إليها نظرة جزئية بعيدا عن قواعد التنزيه ، و إما أنه نظر إليها من خارج الشرع انطلاقا من خلفياته المذهبية . 

 

   و ثالثا إنه بناءً على ما ذكرناه فإن أية محاولة لنفي صفة أثبتها الشرع لله تعالى هي تأويل فاسد ، و لا مبرر صحيح لها من الشرع و لا من العقل من جهة . و هي عمل تأويلي تحريفي ينتهي بصاحبه إلى تشبيه الله بصفات المخلوقين أو المعدومين ،و نفي ما وصف الله تعالى به نفسه من جهة ثانية . و هي في النهاية لا ترفع إشكالا ، و لا تناقضا ، و لا تقدم حلا صحيحا للمشكلة التي توهمها المُؤوّل ، و تجعله يدور في حلقة مُفرغة من جهة ثالثة . لأنه مثلا عندما أوّل المعتزلة صفة اليد بالنعمة ، فهم قد نفوا عن الله ما وصف به نفسه ، و وصفوه بصفة أخرى هي النعمة ، و هي صفة يتصف بها الإنسان . و نفس الأمر حدث عندما أولوا الاستواء على العرش بالاستيلاء ، فنفوا صفة كمال أثبتها الله تعالى لنفسه ، ثم وصفوه بصفة أخرى هي صفة نقص في حق الله تعالى ، و هي أيضا صفة يتصف بها الإنسان  .

 

    فواضح من ذلك أن تأويلات المحرفين لآيات الصفات قامت أساسا على مخالفة قواعد التنزيه الشرعية من جهة، و على مخالفة النص نفسه ، بتحميله ما لا يحتمل و إخراجه من سياقه ، و التسلط عليه بتفسيرات فاسدة من جهة أخرى . و عليه فإنه يجب التوقف عن الخوض في موضوع الصفات الإلهية ، لأن الشرع حسم الأمر، و لا يصح الخوض فيها شرعا و لا عقلا . و من يُصر على الخوض فيه ، فهو إما أنه إنسان جاهل ، أو أنه مريض ، أو أنه صاحب هوي يفعل ذلك لغايات في نفسه. 

   و أخيرا – رابعا - قد تبين أنه ليس في الشرع تشبيه ، و إنما المعتزلة هم المُشبهة ، لأنهم نظروا إلى تلك الصفات بنظرة تشبيهة كنظرتهم إلى صفات المخلوق، و لم ينظروا إليها إنطلاقا من قواعد التزيه الشرعية ، و لا من نظرة العقل الصريح في موقفه من الله تعالى بذاته و صفاته التي تُثبت له عدم مماثلته لمخلوقاته . فنظروا إليها بمنظور التشبيه، و أوّلوها بنفس المنظور فانطقلوا من التشبيه و عادوا إليه . فما سبب ذلك ؟؟ . إن السبب الأساسي الذي أوقعهم في التشبيه و التحريف يتمثل في أمرين : الأول عدم أخذهم  و التزامهم بالمعنى الشرعي الصحيح لمعنى التنزيه و التشبيه في مجال الصفات الإلهية . و الثاني أخذهم بالتأويل التحريفي في موقفهم من الصفات ، و تركهم لمعناه الصحيح كما سبق أن بيناه .

 

ثالثا:استنتاجات من جناية المعتزلة على العقل و الشرع في الصفات

    نُخصص هذا المبحث لتجميع و إبراز أهم الاستنتاجات التي تضمنها المبحثان السابقان ، نوردها في النقاط المركزة الآتية :

 

    منها أولا إن المعتزلة بنوا موقفهم من الصفات الإلهية على مواقف مستحيلة و باطلة عقلا و شرعا  : الأول قولهم : إن صفات الله تعالى ليست أزلية ، و هذا كلام باطل، و مستحيل ، و ليس من الشرع و لا من العقل ، لأن الصفات تابعة للذات بالضرورة ، فحسب طبيعة الذات تكون الصفات . و عليه فإنه من المستحيل أن أن تكون صفات الله تعالى ليست أزلية ، وهي تابعة لذاته الأزلية . فلا يُمكن أن يكون الإله أزليا و صفاته ليست أزلية مثله . و كيف يكون إلهاً و صفاته ليست أزلية ؟! .

 

   الثاني قولهم: إن إثبات صفات أزلية لله يُؤدي إلى تعدد القدماء . و هذا زعم باطل و مستحيل ، لأن الأزليين- القدماء- لا يتعددون إلا إذا تعددت ذواتهم ، و لا يتعددون بتعدد صفاتهم . و بما أن الله تعالى هو الخالق الواحد الأحد الحي الذي لا يموت ، فإن إثبات صفات الكمال الأزلية له ، لا يُؤدي أبدا إلى تعدد الأزليين- القدماء- .

 

 و الموقف الثالث قولهم : إن الله تعالى له صفات بلا معانٍ ، : قادر بلا قدرة، و عالم بلا علم . و هذا مستحيل و باطل شرعا و عقلا كما سبق أن بيناه .

 

 و الموقف الأخير- الرابع- إقراهم بالله تعالى بأنه ذات بلا صفات . و هذا باطل و مستحيل عقلا و شرعا ، لأنه لا يُمكن أن توجد ذات بلا صفات ، فهي إما أنها لها صفات ، و إما أنها بلا صفات فهي معدومة و لا وجود لها أصلا .

 

   و بناءً على ذلك فالمعتزلة بنوا موقفهم من الصفات الإلهية على مستحيلات ، خالفوا بها بديهيات العقل و الشرع ، و جنوا بها عليهما. فهل من يقول ذلك هو من العقلانيين  ؟! ، كلا ، و ألف كلا ، إنهم من أدعياء العقلانية ، و أهل الأهواء و الظنون . و هل يصح مذهب أقام أهم أصوله على أباطيل و مستحيلات ؟؟! .

 

    و ثانيا فقد تبين أن المعتزلة بنوا موقفهم من الصفات الإلهية على انحراف منهجي واضح في الفهم و الاستدلال . من ذلك أنهم لم يفهموا أو لم يريدوا أن يفهموا أن العقل البشري لا يستطيع أن يخوض في كل المواضيع بنفس الشرعية و القوة و الفاعلية . و إنما طبيعة الموضوع هي التي تحدد منهجه . و عليه فإنه لا يصح شرعا و لا عقلا أن يُزج بالعقل في موضوع لا يُدركه مباشرة  و لا يعرفه بآثاره . و لا يصح أن يتقدم في الكلام عن موضوع يُوجد من هو أسبق منه بمعرفته و الكلام فيه بحق و بيقين .

 

   فموضوع الصفات الإلهية مثلا،  فإنه إذا كان في مقدور العقل أن يتكلم فيه بصفة عامة كإثبات كثير من صفات الكمال ، و نفي كثير من صفات النقص بناءً على مظاهر الطبيعة ، فإنه لن يستطيع أن يخوض في كل الصفات بحق و يقين. و لا يحق له عقلا و لا شرعا أن ينفي صفات أثبتها الله تعالى لنفسه . و هذا يعني أن الشرع هو الوحيد الذي يستطيع أن يتكلم فيها بحق و يقين ، و هو الأولى من غيره بأن يتكلم فيها من جهة ؛ و لا يصح للعقل أن يتقدمه و لا أن يُزاحمه ، و لا أن يُساوي نفسه به في الكلام فيها من جهة أخرى . فمن جعل عقله ندا للشرع ، أو مُزاحما له ، أو قدّمه عليه ، فهو جاهل مُتبع لهواه ، و مخالف للعقل و الشرع معا . و هذا هو حال المعتزلة في موقفهم من الصفات الإلهية .  

 

   و من انحرافاتهم الاستدلالية في تعاملهم مع آيات الصفات أنهم يُقدمون مذهبهم عليها، ثم يتسلطون به على النصوص التي يرون فيها إمكانية تأويلها ، فيُؤّلونها تأويلا تحريفيا ، و يُغفلون النصوص التي تخالفهم و لا يستطيعون تأويلها . و إن كانت تلك النصوص أحاديث نبوية فيأخذون بها إن كانت في صالحهم حتى و إن لم تكن صحيحة . و إن كانت تخالفهم أوّلوها تأويلا فاسدا  ، أو أنكروها بدعوى أنها اخبار آحاد .

 

   و ثالثا فقد اتضح أن حقيقة موقف المعتزلة من الصفات الإلهية هو نفيها و تعطيلها ، لكنهم تظاهروا بإثبات بعض الصفات إثباتا شكليا صوريا مُتناقضا لا حقيقة فيه، كقولهم : عالم بلا علم، و قادر بلا قدرة ، و سميع بلا سمع . و أوّلوا صفات أخرى تأويلا تحريفيا كموقفهم من الاستواء و اليد ، فنفوهما و عوّضوهما بصفتين أخريين لا يصح أن تكونا عوضا عنهما .

 

  و قد لاحظتُ على بعض المعتزلة أنهم يستشهدون على موقفهم من الصفات بقوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ }الشورى11-،من دون إكمال الآية  { وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11-. من ذلك قول القاضي عبد الجبار: (( و أن قوله : " ليس كمثله شيء " حقيقة في الوحيد ))[94] . و قول أبي علي الجبائي: (( و خرجوا بذلك عما كان عليه الرسول و الصدر الأول ، عما نطق به الكتاب من أنه " ليس كمثله شيء " )) [95] .

      فهل هؤلاء فَعَلا ذلك عن قصد و تعمد و ترصد ، لغاية في نفسيهما، أم أنهما فعلا ذلك عفويا من غير تعمد ؟! . الأرجح عندي أنهما تعمدا ذلك ، انتصارا لمذهبهما . لأن الآية بتمامها هي ضدهم ، و تنقض مذهبهم نقضا صريحا ، فهي جمعت  بين التنزيه و الإثبات ، فنفت مُماثلة الله تعالى لمخلوقاته ،و أثبتت له السمع و البصر كنموذجين من صفاته من باب المثال لا الحصر ؛  لكن الجزء الذي استشهدوا به مع أنه في الحقيقة لا يُُثبت موقفهم النافي للصفات ، إلا أنهم رأوا فيه أنه يتضمن نفيا من أن يكون الخالق مُشابها لمخلوقاته في ذاته ، قتمسكوا به تغليطا و تلبيسا لنفي الصفات الإلهية ، ليُوهموا أنفسهم و غيرهم بأن هذا الجزء يُثبت ذاتا بلا صفات .

 

    و الشاهد على ذلك أيضا أن القاضي عبد الجبار اتهم أهل السنة – دون أن يُسميهم- بأهم متناقضون في موقفهم من الصفات ، فقال : (( و قال قوم : إن الله تعالى ليس كمثله شيء ، و هو مع ذلك على العرش يستوي و ينزل إلى السماء الدنيا ، فناقضوا )) [96] .

 

    و أقول: قوله هذا اتهام باطل جملة و تفصيلا ، و لا يُوجد أي تناقض في موقف أهل السنة ، وإنما الرجل نظر إلى الموضوع من خلفيته المذهبية التشبيهية التحريفية للنصوص . و الشواهد الآتية توضح ذلك و تكشف الرجل و أصحابه على حقيقتهم . أولها إنه واضح من كلام الرجل أنه فهم من قوله تعالى(( ليس كمثله شيء )) نفي اتصاف الله تعالى بالصفات، و لم يفهم منه ما أراده الله تعالى بالآية كاملة من نفي للمماثلة مع مخلوقاته ،و إثبات للصفات من جهة أخرى .

 

  و الثاني مفاده إأن هذا الرجل- في الحقيقة- أنكر ما أثبته الشرع لله تعالى من صفات من ناحيتين: الأولى أن آية عدم المماثلة جمعت بين التنزيه و الإثبات ، فنزّهت الله تعالى و أثبتت له السمع و البصر { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- . فجاء هذا الرجل المُحرّف فأخذ بالجزء الأول من الآية و فهمه فهما تحريفيا ، و أغفل الجزء الآخر الذي أثبت لله صفتي السمع و البصر. و الناحية الثانية أن ما أثبته أهل السنة من استواء و نزول ، هو أمر أثبته الشرع لله تعالى و ليس أهل السنة هم الذي أثبتوه له . قال تعالى : { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }الأعراف143 - ،و {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى }طه5- .و في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال « ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعونى فأستجيب له ومن يسألنى فأعطيه ومن يستغفرنى فأغفر له »[97] .

 

    فواضح من ذلك أن هذا الرجل خالف الشرع مُخالفة صريحة ، و أوّله تأويلا تحريفيا ، ثم اختفى من وراء النقد الذي وجهه لأهل السنة . مع أن الحقيقة هي أن السنيين أثبتوا لله تعالى مأثبته له الشرع ، لكن هذا الرجل هو الذي انحرف عنه و أوّله تأويلا فاسدا . و هو باتهامه لأهل السنة بالتناقض يكون قد وصف القرآن الكريم بالتناقض من حيث يدري أو لا يدري . بل إن الحقيقة  هي أن  عبد الجبار قد اتهم الله تعالى بالتناقض لأن القرآن هو الذي أثبت تلك الصفات ، و هو كلامه سبحانه و تعالى. و هذه جريمة كبرى وقع فيها هذا المعتزلي باتهامه لله و كتابه بالتناقض. فهو في الوقت الذي يتظاهر بأنه حريص على الشرع وجدناه حربا عليه ، بأنكار حقائقه و التسلط عليه بالتأويل التحريفي لنصوصه .

 

   و الشاهد الثالث مضمونه أن موقف أهل السنة من الصفات لا يُوجد فيه أي تناقض ، وهو مُنسجم  تمام الانسجام مع الشرع و العقل . لأن قولهم بأن الله ليس كمثله شيء ، لا يعني عندهم نفي الصفات ، و لا إثبات الصفات يعني عندهم التشبيه كما هو حال نُفاة الصفات . و إنما يعنون بذلك إثبات كل الصفات التي قام الدليل على اتصاف الله بها ، مع عدم مماثلتها لصفات مخلوقاته ، و هذا أمر سبق أن بيناه. و عليه فهم عندما أثبتوا صفات  السمع و البصر ، أو الاستواء على العرش ، أو النزول إلى السماء الدنيا أثبتوها على أساس امرين ، هما : إن تلك الصفات الشرع هو الذي أثبتها لله فيجب إثباتها له ، و إن تلك الصفات يجب إثباتها على أنها لا تُشبه صفات المخلوقين أبدا . فأين التناقض المزعوم ؟؟!! . و إثبات الاستواء و النزول ليس نقضا لقاعدة التنزيه ، و لا لإثبات الصفات ، فهما صفتا كمال في حقه سبحانه ، و قد نص عليهما الوحي الصحيح ، و لا ينكرهما العقل الصريح . و لا فرق بين إثباتهما و إثبات الصفات الأخرى كالسمع و البصر ، و القدرة و الإرادة . فكما أن هذه الصفات أثبتها الله تعالى لنفسه ،و هي لا تُشبه صفات مخلوقاته ، فنفس الأمر ينطبق على صفتي الاستواء و النزول . و عليه فلا يُوجد أي تناقض في إثباتهما مع قوله تعالى:(( ليس كمثله شيء )) . بل هو موقف ينسجم تمام الإنسام مع آية عدم المماثلة التي جمعت بين التنزيه و الإثبات ، كما سبق أن بيناه .

 

      لكن من جهة أخرى ، أن هذا المعتزلي هو الذي حرّف آية عدم المماثلة من جهتين: الأولى أنه قسّم قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- إلى جزأين : فأخذ بالأول ، و أغفل الثاني الذي هو صريح في إثبات صفتي السمع و البصر . و الجهة الثانية أنه أوّل الجزء الأول تأويلا تحريفيا أفسد به المعنى . لأن قوله تعالى: (( ليس كمثله شيء  )) لم ينف الصفات عن الله تعالى ، و إنما نفى عنه مُماثلته لخلقه في ذاته و صفاته ؛ فجاء هذا المُحرّف و فهم منه نفي الصفات !! . 

 

     الشاهد الأخير – الرابع-  مضمونه أنه إذا فرضنا جدلا أن إثبات الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه يعني تناقضا و تشبيها ، فهذا لا يخص أهل السنة وحدهم و إنما يخص كل الطوائف دون استنثاء . لأن ما من طائفة إلا و أثبتت لله بعض الصفات التي أثبتها لنفسه . و عليه فتكون كلها منناقضة مع نفسها ،و مُشبهة لصفات الله . و بما أن هذا لا يصح ، فالصواب هو أن التناقض و التشبيه لا يحدثان عندما نُثبت لله ما أثبته لنفسه من صفات على أساس من التنزيه و عدم مماثلتها لصفات المخلوقين ؛ و إنما يحدث التناقض عندما نُثبت وجود الله ثم ننفي عنه اتصافه بصفات الكمال التي أثبتها لنفسه . و يحدث التشبيه عندما نُثبت لله الصفات و نُشبهها بصفات مخلوقاته ونُمثلها بها . 

 

   و رابعا فقد اتضح أن المعتزلة في نفيهم للصفات الإلهية غالطوا و لبّسوا على غيرهم . فهم مع أنهم نصوا صراحة على عدم اتصاف الله تعالى بصفات لها معانٍ حقيقية ، إلا أنهم تظاهروا أنهم يُثبتون صفاتٍ هي عين الذات، بمعنى أنها هي الذات ، و هي الله . و هذا تحريف و تلاعب منهم، و لا يصح أيضا ، لأنه إذا كان الله تعالى مُتصف بصفات الكمال اتصافا حقيقيا ، فهذا يُبطل قولهم بنفي اتصاف الله تعالى بصفاتٍ لها معانٍ . و لا معنى لمقولة: الصفات عين الذات، أو زائدة على الذات . لأن الحقيقة هي أن الله تعالى مُتصف بصفات الكمال ، و لا يصح بعد هذا الخوض في حكاية عين الذات ، أو زائدة على الذات . لأن الأصل هو أنه لا ذات دون صفات ، و أن الصفات تابعة للذات بالضرورة . 

 

    و أما إذا لم يكن الله تعالى مُتصف بتلك الصفات ، فهذا يتفق مع موقف المعتزلة في نفيهم أن يكون الله متصفا بصفات حقيقية ، لكنه لا يتفق مع قولهم : الصفات عين الذات ، لأن قولهم هذا يحمل إثباتا لها لا نفيا ، فهو واضح بأنه أثبت الصفات و لم ينفها . فالقوم مُتناقضون و مُغالطون في موقفهم من الصفات الإلهية !! .    

 

 و خامسا تبين من مواقف المعتزلة من الصفات الإلهية ، أن من أصولهم الفاسدة و الخطيرة و المخالفة للشرع و العقل أنهم يستخدمون عبارة : إن الله ليس محلا للحوادث[98] ، لنفي ما أثبته الشرع لله تعالى و يقول به العقل الصريح ، يستخدمونها بطريقة تغليطية تلبيسية ،و يُطبقونها في غير محلها . نعم إن الله سبحانه و تعالي ليس محلا للنفائص ولا للفساد ، بحكم أنه سبحانه الخالق العظيم الحي الذي لا يموت ، و المُتصف بكل صفات الكمال ، و له الأسماء الحسنى و الصفات المُثلى . لكن الذي تبين لي من مقصود المعتزلة من تلك المقولة أنهم يقصدون بها أساسا إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى . و هذا موقف باطل مُخالف للشرع و العقل و الواقع .

 

    فأما شرعا فإن الله تعالى كما وصف نفسه بأنه حي لا يموت ، و هو الأول و الآخر، و المُتقدم و المتأخر ،و الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يُولد، فإنه سبحانه قد وصف نفسه بأنه يفعل ما يشاء و يختار ،و متى أراد ، و كيفما يُريد . قال سبحانه : {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }القصص68 -،و { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }هود107-،و {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }البروج16،و { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ }الحج14- ،و{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }النحل40- ،و {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }البقرة:30-. فواضح من ذلك أن الله تعالى فعال لما يريد ، و قد وصف ما صدر عنه بأنه أفعال ،ولم يصفه بأنه حوادث كما قالت المعتزلة ، فخالفت الشرع في المعنى و المُصطلح .

 

    و أما عقلا و واقعا فمن الثابت قطعا أن أفعال الكائنات تابعة لذواتها ، فحسب طبيعة الذات تكون الأفعال من جهة التنوع و الدرجة و التأثير و ... . فالمخلوقات أفعالها لا تخرج عن صفات المخلوقين ، حتى وإن تباينت فيما بينها . فلاشك أن أفعال الحيوان تختلف عن أفعال الإنسان من جوانب كثيرة ، كما هو مُشاهد في الواقع من جهة التأثير في الأرض و عمارتها ، لكنها تبقى مُعبرة عن أفعال المخلوق و طبيعته. و نفس الأمر ينطبق على الله تعالى ، فبما أنه سبحانه هو الخالق الحي الذي لا يموت ، و المُتصف بكل صفات الكمال فأفعاله سبحانه تكون تابعة لذاته ، و مُعبرة عنها بالضرورة . و هذا يستلزم أنه سبحانه يستطيع أن يفعل ما يشاء ، و متى يشاء ، و كيفما يشاء ،و لا يصح الطعن في أفعاله بدعوى أنها حوادث  لها بداية و نهاية ، و من ثم فهي لا تليق به ، و أنها ترمز للحدوث .  فهذا اعتراض باطل يصدق على المخلوق لا على الخالق ، و لا يصح تسوية أفعال الله تعالى بأفعال مخلوقاته ، لأن صدور تلك الأفعال عن الله تعالى هي من صفات الكمال من جهة ، و هي تابعة للذات الإلهية الأزلية التي لا يلحقها ما يُلحق أفعال المخلوقين من نقائص من جهة أخرى . فأفعال المخلوق تابعة لذاته و تليق به و تناسبه ، و أفعال الخالق تابعة لذاته و تليق به و تناسبه ، ولا تلحقها النقائص التي تلحق أفعال المخلوق، و من ثم لا يصح وصفها بنقائص أفعال المخلوق .   

 

 و بما أنه من الثابت شرعا و علما بأن الكون مخلوق له بداية ، و ستكون له نهاية ، فهذا دليل قاطع على أن الأفعال الاختيارية تقوم بالله تعالى متى يشاء ، و كيفما يشاء  . و إلا ما كان للكون أن يظهر في الوقت الذي ظهر فيه ، و لا أنه سينتهي في الوقت المححد له . و هذه دليل قاطع على قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى ، و بطلان الزعم المتعلق بحكاية الحوادث التي سبق ذكرها . 

 

   و سادسا فقط اتضح من مواقف المعتزلة من الصفات الإلهية أنهم أخطؤوا في فهمهم لمعنى التشبيه، و تعليلهم لسبب ظهور التشبيه بين المسلمين ، عندما زعموا بأن التشبيه ظهر عندما تعلق المُشبهة بالآيات المتشابهة ، و لم يتأولوها على ما يُوافق دليل العقل و الآيات المُحكمة[99] . و الحقيقة أن هذا التعليل لا يصح ، لأن التشبيه هو أن تُشبه الله تعالى بمخلوقاته في ذاته و صفاته كما فعل المُشبهة ، و ليس هو إثبات الصفات لله تعالى كما يعتقد المعتزلة ، الذين نفوا عنه الصفات بدعوى عدم التشبيه . فكل من الطرفين أخطأ في فهمه لمعنى التشبيه  ، و يجب أخذ المعنى الصحيح للتشبيه من الشرع الصحيح أولا ، و من العقل الصريح الموافق له ثانيا . و الله تعالى قد حدد المعنى الصحيح للتنزيه و التشبيه في قوله سبحانه: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- . فالتشبيه هو أن  نُُشبّه الخالق بمخلوقاته في ذاته و صفاته، و ليس هو أن تُثبت لله صقاته التي أثبتها لنفسه بلا تجسيم ، و لا تشبيه ، و لا تعطيل، و لا تكييف . 

 

   و ليس صحيحا أن آيات الصفات مُتشابهة ، فيجب تأويلها كما زعم المعتزلة . فهذا زعم باطل جملة و تفصيلا، لأنه سبق أن بينا أنه آيات الصفات ليست من المتشابه ، و لا يصح تأويلها بالتأويل التحريفي الذي قال به المعتزلة ، لأن هذا التأويل باطل في معناه و تطبيقاته ، كما سبق أن بيناه . و بذلك يتبين أن السبب الأساسي في ظهور التشبيه عند المُشبهة ، و التأويل التحريفي عند المعتزلة هو عدم إلتزام هؤلاء بالمفهوم الشرعي لمعنى التشبيه و التنزيه ، و ليس ما ادعاه المعتزلة ، الذين جمعوا بين نفي الصفات و مُمارستهم للتأويل التحريفي ، فوقعوا في التعطيل و التشبيه .

 

   لذلك أُلحق المعتزلة بالمُشبهة ، فسًموا بمُشبهة الأفعال . و فيهم يقول الشيخ تقي الدين بن تيمية : (( ولكن المعتزلة ونحوهم ومن وافقهم من الشيعة النافين للقدر يوجبون على الله من جنس ما يوجبون على العباد ويحرمون عليه ما يحرمونه على العباد ، ويضعون له شريعة بقياسه على خلقه فهم مشبهة الأفعال )) . فهم مُشبهة الأفعال لأنهم (( قاسوا أفعال الله على أفعال خلقه وعدله على عدلهم وهو من أفسد القياس )) ، و لأنهم ((يأخذون القدر المشترك في الأفعال بين الله وبين عباده فما حَسُن من الله حَسُن من العبد ، وما قَبُح من العبد قَبُح من الله . ولهذا سماهم الناس مشبهة الأفعال ، ولاشك أن هؤلاء هم المتكلمة المذمومون عند السلف لكثرة بنائهم الدين على القياس الفاسد الكلامي،  وردهم لما جاء به الكتاب والسنة  ))[100] .

 

    و قال المحقق ابن قيم الجوزية :  ((والمعتزلة مشبهة الأفعال ، والمشبهة مشبهة الصفات وكل منهما أعور . فإن من قال:  يَحسُن منه ما يَحسُن منا ، ويقبح منه ما يقبح منا،  فقد شبه الخالق بالخلق ومن قال: يُوصف الباري بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف به الخالق فقد اعتزل عن الحق ))[101]  .

 

    و سابعا لقد اتضح أن المعتزلة متناقضون مع أنفسهم في نفيهم للصفات الإلهية كلية ، و في قولهم بالتأويل التحريفي و ممارستهم له من جهة أخرى . فلماذا استخدموا التأويل التحريفي بما أنهم نفوا الصفات الإلهية ؟؟!! و ماذا يُؤوّلون بما أنهم نفوا الصفات ؟! . فلا يصح الجمع بينهما ، و من يجمع بينهما فهو متناقض ، لأن التأويل التحريفي ليس نفيا ، و إنما هو تعطيل لصفة و تعويضها بصفة أخرى ، و بمعنى آخر هو استبعاد صفة ، و استبدالها بصفة أخرى . 

 

     و أخيرا- ثامنا-  ربما يعترض علينا بعض أهل العلم ، فيقول : إن المعتزلة نفوا اتصاف الله تعالى بصفات حقيقية أزلية ، لأن هذا يُؤدي إلى القول بتعدد القدماء . و هذا الذي وقع فيه النصارى ، فهم كفروا لأنهم  أثبتوا أكثر من أزلي واحد .

 

   و أقول: هذا اعتراض لا يصح لأن الصفات تابعة للذات ، و لا وجود للصفات دون الذات ، و لا ذات دون صفات  . و عليه فإذا كانت الذات أزلية فصفاتها تابعة لها و أزلية و ليست ذاتا . و إذا كانت الذات مخلوقة فصفاتها تابعة لها و هي مخلوقة و ليست ذاتا ، و هذا أمر سبق بيانه مرارا ، وبه يسقط هذا الاغتراض . و أما فيما يخص النصارى ، فهم في الحقيقة لم يثبتوا ثلاثة صفات ، وإنما أثبتوا ثلاث ذوات منفصلة ، و كل ذات هي إله . و هذا ثابت بدليل القرآن الكريم ، و أقوال كبار المُفسرين ،و اعتراف النصارى أنفسهم . و هذا أمر سبق أن بيناه و وثقناه فلا نعيده هنا . فالذي يُؤدي إلى تعدد الأزليين ليس هو إثبات الصفات للإله الواحد، و إنما هو إثبات أكثر من ذات أزلية .

 

      و إنهاء لهذا الفصل- الأول- فقد تبين منه أن المعتزلة نفوا الصفات الإلهية، و مارسوا التأويل التحريفي في تعاملهم من النصوص الشرعية المُتعلقة بالصفات. و أقاموا موقفهم النافي للصفات على أباطيل و مستحيلات أقاموها على أهوائهم و ظنونهم . فأخطؤوا في موقفهم من الصفات ،و جنوا به على الشرع الصحيح و العقل الصريح .

 --------------------------------------------

 

[1]  هم فرقة كلامية مؤسسها واصل بن عطاء على أشهر الأقوال في مطلع القرن الثاني الهجري .و كان ممن يحضرون مجلس الحسن البصري ، فثارت بينهم قضيّةٌ أثارت الأذهان في ذلك العصر، وهي مسألة مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن مطلقًا أو كافر مطلقًا أو هو في منزلة بي منزلتين؟  .  فقال واصل مخالفًا الحسن البصري: " أنا أقول : إن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن بإطلاق، بل هو في منزلة بين المنزلتين " . ثم اعتزل مجلس الحسن، واتخذ له مجلسًا آخر في المسجد. فأُطلق على هذه الجماعة  المعتزلة بعد أن قال الحسن البصري: " اعتزلنا واصل "  . أنظر: الشهرستاني: الملل و النحل، دار المعرفة، بيروت، 1998 ، ص: 56 و ما بعدها . و الموسوعة العربية العالمية ، النسخة الإلكترونية ، مادة : المعتزلة .  و أفكار المعتزلة سيأتي ذكرها في كتابنا هذا .

[2] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 347   .

[3] الشهرستاني: الملل و النحل ، ج 1 ص: 45 .

[4] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي :   المصدر السابق ، ص: 69  .

[5] الأشعري: مقالات الإسلاميين ، ص : 165 .

[6]  نفس المصدر ، ص:  217 .

[7] الجاحظ : كتاب الحيوان ، ج 4 ص: 90  .

[8] علي بُو ملحم : المناحي الفلسفية عند الجاحظ  ، ط 2 ، دار الطليعة ، بيروت ، 1988 ، ص: 119  .

[9] القاضي عبد الجبار المعتزلي : المغني في أبواب التوحيد و العدل : الفرق غير الإسلامية ، محمود محمد قاسم ،   ،   ص: 205 ، 229 ، 241  .

[10] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 212  .

[11] الجشمي : تحكيم العقول في  تصحيح الأصول ، ص: 64 .

[12] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، حققه عبد السلام عباس الوجيه ، ص:  70 .

[13]    نفسه ، ص:  70 .

[14] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  8  .

[15] أحمد بن يحيى المرتضي : باب ذكر المعتزلة من كتاب المُنية و الأمل في شرح كتاب الملل و النحل ، صححه توما  أرنولد ، مطبعة دائرة المعارف النظامية ، حيدر آباد ، الدكن ، 1916 ، ص: 6 .

[16] سيتبين ذلك فيما يأتي .

[17] سنعود إلى هذا الموضوع لاحقا .

[18] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص:  70 .

[19] سليمان الشواشي : واصل بن عطاء و آراؤه الكلامية ، الدار العربية للكتاب ، ليبيا ، 1993 ، ص: 153 .

[20] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، حققه فؤاد سيد ن الدار التونسية للنشر ، ص: 140  .

[21] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول  ، ص: 21 .

[22]  الشهرستاني : الملل و النحل ، حققه  محمد سيد كيلاني ، دار المعرفة - بيروت ، 1404 ، ج 1 ص:4

[23] ابن تيمية : الفتاوى الكبرى ، حققه  حسين محمد مخلوف ،  دار المعرفة، بيروت، لبنان 1398هـ-1978م ، ج 4 ص: 343 .

[24] ابن تيمية : مجموع الفتاوى ،ج 3 ، ص: 8 ،  ج 13 ، ص: 357  . و منهاج السنة النبوية ، حققه محمد رشاد سالم ن ط1 ، مؤسسة قرطبة ن القاهرة ن 1406 ،  ج 2 ص: 58 .

[25] ألبير نادر نصري : فلسفة المعتزلة : فلاسفة الإسلام الأسبقين ، مطبعة دار نشر الثقافة ، الإسكندرية ، ج 1 ص: 55 .

[26] سبق أن شرحنا هذا المقولة ، و بينا حقيقتها .

[27] أنظر مثلا : الموسوعة العربية العالمية ، النسخة الإلكترونية ، 2004 ، مادة : المانوية .

[28] الطبري : تفسير الطبري ، دار الفكر ، بيروت ، ج 10 ، ص: 196 .

[29] ابن تيمية : تفسير ابن تيمية  ، ج  6، ص: 198 .

[30] ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ، دار طيبة ، السعودية ، 1999 ،  ج 3 ص: 158 .

[31] القرطبي : تفسير القرطبي ، ج 6 ص: 249 .

[32] محمد أبو زهرة : محاضرات في النصرانية ، ط 3 ، دار الكتاب العربي ، القاهرة ، ص : 98 .

[33] ا بن منظور : لسان العرب ، ط1 ، بيروت ، دار صادر ، ج 11 ص: 32 . و الفيروز آبادي : القاموس المحيط ، ص: 1244

[34] ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ، بيروت ، دار الفكر ، 1401 ، ج1 ص: 348 .

[35] ابن تيمية : دقائق التفسير ، حققه محمد السيد الجليند ، مؤسسة علوم القرآن ، دمشق ، 1404 ج 1 ص: 329 . و ابن قيم الجوزية : الصواعق المرسلة ،  ط2 ،  تحقيق : د. علي بن محمد الدخيل الله ،  دار العاصمة – الرياض ،1418 - 1998 ج 1 ص: 175 . و ابن سلام : غريب الحديث ، ط1 ، تحقيق : د. محمد عبد المعيد خانج ، دار الكتاب العربي – بيروت ، 13962 ، ص: 141 ، 146 ، 154

[36] ابن تيمية : نفس المصدر ، ج 1 ص: 330 . و ابن القيم : نفس المصدر ، ج 1 ص: 175 . ابن قيم الجوزية : الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة ، ج 1 ص: 12  .

[37] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ، ص: 140- 149 .

[38]  نفس المصدر ، ص: 140- 152 .

[39] ثم بعد ذلك نفسرها بالسنة النبوية الصحيحة الموافقة للكتاب ، ثم نفسرها أيضا بما صح من إجماع الصحابة ، و باللغة العربية الموافقة للكتاب و السنة الصحيح، و نفسرها أيضا بالعقل الصريح و العلم الصحيح . 

[40] ابن قيم الجوزية : الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة ، ج 1 ص: 24 .

[41] القاضي عبد الجبار المعتزلي : المغني في أبواب التوحيد و العدل : الفرق غير الإسلامية ، محمود محمد قاسم ،   ،   ص: 188 و ما بعده  .

[42] البخاري: الصحيح ، ج 4 ص: 22  .

[43] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ، ص:  152 .

[44] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ،  ، ص: - 152 .

[45] الأشعري: مقالات الإسلاميين ، ص: 268 و ما بعدها .

[46] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 221 ، 222 و ما بعدها .

[47] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 221 ، 222 و ما بعدها .

[48] القاضي عبد الجبار المعتزلي : المغني في أبواب التوحيد و العدل  : خلق القرآن ، حققه إبراهيم الأنباري  ،     ص: 201  .

[49] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: - 157 .

[50] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  8  .

[51] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص:  110 .

[52] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص:  111- 112 .

[53] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول  ، ص:  113 – 114 .

[54] البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 106 ، ج 9 ص: 124 .

[55] الترمذي : السنن ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، رقم : 2884 ، ج 5 ص: 161 .

[56] ابن تيمية : الفتاوى الكبرى ، ط1 ، دار المعرفة ، بيروت ، ج 6 ص: 493 .

[57] البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 106 ، ج 9 ص: 124 .

[58] ابن بطة العكبري : الإبانة الكبرى ، رقم الحديث : 2389  ج 5 ص: 476 .

[59]  نفسه ، رقم الحديث : 2389  ج 5 ص: 476 .

[60] ابن حجر: فتح الباري ، ط2 ، دار المعرفة ، بيروت ، ج 10 ص: 174 .

[61] أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين ، حققه محي الدين عبد الحميد ،  المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت ، ج 1 ص: 235 ، 236 ، 238 .

[62] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص:  79 .

[63] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  8  .

[64] نفسه،  ، ص: 8- 9 .

[65]  نفسه ، ص:  9 .

[66] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 158  .

[67] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 220 .

[68] نفس المصدر  ، ص: 221 ، 222 .

[69] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة  ، ص: 158  .

[70] البخاري: الصحيح ، ج 1 ص: 115 .

[71] مسلم : الصحيح ، ج 1 ص: 112 .

[72]  الصحيح ، ج 1 ص: 112 .

[73] ابن منظور: لسان العرب ، ط قم ، إيران ، 1405 ، ج 17 ص: 434 .

[74] الترمذي : السنن ، ج 4 ص: 270 . و مسلم : الصحيح ، ج 8 ص: 195 .

[75] صح الحديث أن النبي- عليه الصلاة و السلام- قال: . قال « إن الله جميل يحب الجمال  ». مسلم : الصحيح ، ج 1 ص: 65. فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل » . مسلم : الصحيح ، ج 1 ص: 112 .

[76] ليس هنا مجال التوسع في هذا الموضوع ، لكن سنتوسع فيه  في الفصل الثالث من كتابنا هذا ، بحول الله تعالى .

[77] سبق ذكر نماذج من ذلك، و سيأتي ذكر غيرها فيما يأتي من كتابنا هذا .

[78] البخاري: الصحيح ، ج 1 ص: 115 .

[79] الأشعري : مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 245 ، 248 .

[80] الجشمي : تحكيم العقول في  تصحيح الأصول ، ص: 64 .

[81] مسلم : الصحيح ، ج 6 ص: 7 .

[82] الأشعري : مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص:  285 .

[83] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 216-217 .

[84] القاضي عبد الجبار المعتزلي : المغني في أبواب التوحيد و العدل : الفرق غير الإسلامية  ،   ص: 216   .

[85] أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين ، حققه محي الدين عبد الحميد ،  المكتبة العصرية ، صيدا ، بيروت ، ج 1 ص: 235 ، 236 .

[86] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 219 .

[87] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول ، ص:  75 .

[88] الزمخشري : المنهاج في أصول الدين ، ص:  8  .

[89]  نفسه  ، ص: 9  .

[90] نفسه  ، ص:  8  .

[91] أبو الحسن الأشعري : مقالات الإسلاميين ، ج 1 ص: 235 ، 236 .

[92] مسلم : الصحيح ، ج 2 ص: 175 .

[93] مسلم : الصحيح ، ج 2 ص: 175 .

[94] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة  ، ص: 139 .

[95]  نفس المصدر ، ص: 149 .

[96] القاضي عبد الجبار : المختصر في أصول الدين  ، ص: 282  .

[97] مسلم : الصحيح ، ج 2 ص: 175 .

[98] المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول  ، ص:  59  .

[99] أبو القاسم البلخي، و القاضي عبد الجبار ، و الحاكم الجشمي : فضل الاعتزال و طبقات المعتزلة ، ص: 149 .

[100] ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ، حققه رشاد سالم ، ط1 ، مؤسسة قرطبة ، القاهرة ، 1406 ،  ج 1 ص: 241  . و مجموع الفتاوى ، ج 2 ص: 8  .

[101] ابن قيم الجوزية : الصواعق المرسلة على الجهمية و المهطلة ، ط3 ، دار العاصمة ، الرياض ، 1998 ، ج 4 ص: 1544 .

  • الاحد PM 03:44
    2021-07-25
  • 3363
Powered by: GateGold