المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 411206
يتصفح الموقع حاليا : 216

البحث

البحث

عرض المادة

أدلة المعتزلة في الوعيد

         لقد أيد المعتزلة ما ذهبوا إليه في الوعيد بشبهات نقلية وعقلية، منها:-

 الشبهة الأولى:

قال تعالى:(بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) سورة البقرة: آية81.

     يقول القاضي عبد الجبار في بيان وجه الدلالة بالأية:"دلت الآية على أن من غلبت كبائره على طاعته – لأن هذا هو المعقول من الإحاطة في باب الخطايا؛ إذ ما سواه من الإحاطة التي تستعمل في الأجسام مستحيل فيها– هو من أهل النار مخلد فيها".([1])

المناقشة:

       إن الآية الكريمة نزلت في اليهود بدلالة الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى:(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) البقرة:80. فالآية إخبار عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة،([2]) والمعنى أن من ارتكب المعاصي والكبائر حتى جَرَّته إلى الكفر, واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه، وهذا لا يكون إلا فيمن كفر بالله, فاالكفار هم الذين يدخلون نار جهنم ويلازمونها ملازمة دائمةً لا تنقطع.

         يقول ابن كثير:الآية ردُّ على بني إسرائيل الذين زعموا لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، بأن الأمر ليس كما زعموا؛ وليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى:(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)النساء: 123 ، 124. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) أي:عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة. وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك.([3]) 

      قال أبو جعفر الطبري: وقوله:(بلى من كسب سيئة) تكذيب من الله القائلين من اليهود:(لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) وإخبار منه لهم أنه معذب من أشرك ومن كفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، فمخلده في النار، فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله، وأهل الطاعة له، والقائمون بحدوده كما:حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس:(بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة، فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".([4])

          ويقول القرطبي:السيئة: الشرك. قال ابن جريج قلت لعطاء:( بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) سورة البقرة:آية 81. قال: الشرك، تلا قوله تعالى:(وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار) سورة النمل: آية 90.([5])

          ومما يؤيد قول كل من الطبري والقرطبي وغيرهما من المفسرين: في أن المراد بالسيئة هنا:الشرك هو قوله تعالى:(مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) وهو نكرة في سياق الشرط، فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك، بدليل قوله:(وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي: أحاطت بعاملها، فلم تدع له منفذا، وهذا لا يكون إلا الشرك، فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته.(فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما ترى، فإنها ظاهرة في الشرك، وهكذا كل مبطل يحتج بآية، أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه".([6])

       ويقال للمعتزلة إن أصحاب الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لهم من الحسنات من الإيمان والطاعات، مما يمتنع معه أن تحيط به سيئاته، وإنما الأية في الكافر الذي ليس في قلبه ذرة من إيمان.([7])

       وبهذا يتبين أن لا حجة للمعتزلة في الآية الكريمة على خلود صاحب الكبيرة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار؛ لأن الإحاطة لا تصح إلا في شأن الكافر؛ لأنّ غيره إن لم يكن له سوى تصديق القلب بالإيمان والإقرار به لسانه، فلم تحط به خطيئته، لكون قلبه ولسانه منزهاً عن الخطيئة.

الشبهة الثانية:

        قال تعالى:(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) سورة الزخرف: آية 74-75.

          ووجه استدلال المعتزلة بالآيتين:يبينه القاضي عبد الجبار بقوله:"إن المجرم اسم يتناول الكافر والفاسق جميعاً، فيجب أن يكونا مرادين بالآية معنيين بالنار؛ لأنه تعالى لو أراد أحدهما دون الآخر لبينه، فلما لم يبينه دلَّ على أنه أرادهما جميعاً. ثم قال: الكلام في أن اسم المجرم يتناول الكافر والفاسق جميعا ظاهر في اللغة والشرع جميعاً. أما من جهة اللغة؛ فلأنهم لا يفرقون بين قولهم: مذنب، وبين قولهم مجرم،فكما أن المذنب شامل لهما جميعا، فكذلك المجرم. وأما من جهة الشرع: فلأن أهل الشرع لا يفرقون بين قوله مجرم لزناه، وبين قولهم: فاسق لزناه".([8])

        ويقول في موضع آخر بعد سياق هذه الآية:"الآية تدل على أن الوعيد بالخلود لأنه لم يخص مجرماً من مجرم، وبين أنهم خالدون في النار، والخلود هو الدوام الذي لا انقطاع له".([9])

المناقشة:

أولاً: إنَّ المقصود بالمجرمين في الآية الأولى: هم الكافرون. ولهذا ذهب مفسروا أهل السنة.

           يقول ابن جرير الطبري وغيره عند تفسير هذه الآية:"(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر بالله تعالى، فاجترموا به في الآخرة (فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ)".([10]) ويقول الشوكاني:"قوله تعالى:(إن المجرمين) أي أهل الإجرام الكفرية كما يدل عليه إيرادهم في مقابلة المؤمنين الذين لهم ما ذكره الله سبحانه قبل هذا".([11]يقصد الشوكاني قوله تعالى:(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) سورة الزخرف:72-73.

           وأيضا يؤيد كون المراد بالمجرمين في الآية هم الكافرون: ما ذكره فخر الرازي في معرض الرد على استدلال المعتزلة بهذه الآية حيث قال:"إنَّ ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على أن المراد (المجرمين)الكافرين. أما ما قبل هذه الآية فقوله تعالى:(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ) سورة الزخرف:68. هذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين فإنهم يدخلون تحت قوله تعالى:(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ) سورة الزخرف:68. والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد. وأما ما بعد هذه الآية فقوله تعالى:(لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) سورة الزخرف:78. والمراد بالحق هنا؛ إما الإسلام؛ وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام، ولا القرآن، فثبت أن ما قبل هذه الآية -يقصد قوله تعالى:(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) سورة الزخرف:74- وما بعدها، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار".([12])

       يقول الآلوسي:"(إِنَّ المجرمين) أي الراسخين في الأجرام الكاملين فيه، وهم الكفار، فكأنه قيل:إن الكفار(فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون) وأيد إرادة ذلك بجعلهم قسيم المؤمنين بالآيات في قوله تعالى:(الذين ءامَنُواْ بئاياتنا)الزخرف:69، فلا تدل الآية على خلود عصاة المؤمنين كما ذهب إليه المعتزلية والخوارج".([13])

        ويقول الشيخ السعدي في تفسيره:"(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ) الذين أجرموا بكفرهم وتكذيبهم (فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ)أي:منغمرون فيه، محيط بهم العذاب من كل جانب،(خَالِدُونَ) فيه، لا يخرجون منه أبدا".([14])

         فبهذا يتبين أن هاتين الآيتين وما قبلهما وما بعدها يدل على أن المراد من المجرمين:الكفار. والكفار ليس محل نزاع في أنهم من أهل النار مخلدين فيها؛ وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بالآيتين على خلود صاحب الكبيرة في النار.

ثانياً:على فرض التسليم بعموم الآية، وأنها ليست خاصة بالكفار، فإنه ورد ما يبين أنها مخصصة بآيات العفو والتوبة، والآيات الدالة على خروج عصاة المؤمنين من النار، كقوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) سورة الشورى:آية:25. وكقوله تعالى:(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) سورة الشورى:آية 30. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يدخل أهل الجنة الجنة..ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".([15])

        وأيضا فالآيتان معارضة بنصوص الوعد لمـن يعمل الصالحات وهو مؤمـن، كقوله تعالى:(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) سورة الزلزلة:آية 7. وكقوله تعالى:(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) سورة الأنعام:آية160. وترجيح عمومات الوعد أولى؛ لأنها أدخل في باب الكرم الإلهي من عمومات الوعيد. ولأن رحمـة الله  تعالى سابقة على غضبه،بل تغلب غضبه فكان ترجيح عمومات الوعد أولى.([16])

 

 

الشبهة الثالثة:

قال تعالى:(وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) سورة الانفطار:آية 14، 15،16.

        ووجه الاستدلال بالآية الكريمة:يقول القاضي عبد الجبار:"الآية تدل على أن الفاجر وإن كان من  أهل الصلاة فهو من أهل الوعيد ومن أهل النار، وأنه إذ لم يتب ومات على ذلك فهو في الجحيم لا يغيب عنها، وذلك يدل على الخلود؛ لأنهم إذ لم يغيبوا عنها ولا لحقهم موت وقتاً فليس إلا العذاب الدائم".([17])  ويقول فخر الدين الرازي:"أن القاطعين بوعيد أصحاب الكبائر تمسكوا بهذه الآية، فقالوا: صاحب الكبيرة فاجر، والفجار كلهم في الجحيم، لأن لفظ الجحيم إذا دخل عليه الألف واللام أفاد الاستغراق".([18])

المناقشة:

أولاً: المراد بالفجار في الآية:هم الكفار، وهذا ما ذهب إليه المفسرون.

       يقول ابن جرير الطبري عند تفسير هذه الآية:" يقول تعالى ذكره:(وَإِنَّ الْفُجَّارَ):الذين كفروا بربهم...وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل".([19]) ويقول ابن الجوزي:قوله تعالى:(وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) يدل على تخليد الكفار".([20]) ومما يدل على أن المراد بالفجار هم:الكفار لا غيرهم قوله تعالى في حق الكفار:(أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) سورة عبس:آية 42.

         يقول فخر الدين الرازي-في معرض رده على المعتزلة الذين يقولون بخلود أصحاب الكبائر في النار لكونهم من الفجار-:"إن دلالة ألفاظ العموم على الاستغراق دلالة ظنية ضعيفة والمسألة قطعية. والتمسك بالدليل الظني في المطلوب القطعي غير جائز، بل ههنا ما يدل على قولنا:لأن استعمال الجمع المعرف بالألف واللام في المعهود السابق شائع في اللغة، فيحتمل أن يكون اللفظ ههنا عائداً إلى الكافرين الذين تقدم ذكرهم من المكذبين بيوم الدين، والكلام في ذلك قد تقدم على سبيل الاستقصاء، سلمنا أن العموم يفيد القطع ، لكن لا نسلم أن صاحب الكبيرة فاجر، والدليل عليه قوله تعالى في حق الكفار:(أولئك هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) عبس:42، فلا يخلو إما أن يكون المراد (أولئك هُمُ الْكَفَرَةُ) الذين يكونون من جنس الفجرة أو المراد (أولئك هُمُ الْكَفَرَةُ) وهم (الْفَجَرَةُ) والأول:باطل لأن كل كافر فهو فاجر بالإجماع، فتقييد الكافر بالكافر الذي يكون من جنس الفجرة عبث، وإذا بطل هذا القسم بقي الثاني، وذلك يفيد الحصر، وإذا دلت هذه الآية على أن الكفار هم الفجرة لا غيرهم، ثبت أنَّ صاحب الكبيرة ليس بفاجر على الإطلاق".([21])

         وبهذا يتبين أنه ليس في الآية دلالة على خلود صاحب الكبيرة في النار، لأنها في الفاجر وهو الكافر.

ثانياً: لو سلمنا جدلاً أن الفاجر يدخل تحته الكافر والمسلم، لكن قوله تعالى:(وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) سورة الانفطار:آية 16. معناه:أن مجموع الفجار لا يكونون غائبين، ونحن نقول بموجبه، فإن أحد نوعي الفجار وهم الكفار لا يغيبون، وإذا كان كذلك؛ ثبت أن الفجار بأسرهم لا يغيبون، ويكفي فيه ألا يغيب الكفار، فلا حاجة في صدقه إلى أن لا يغيب المسلمون.

       وأيضاً:فإن الآية الكريمة معارضة بمجموعة من النصوص الدالة على الوعد بالثواب والتي تتضمن عفو الله تعالى والتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ مثل:قوله تعالى:(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء:48. وقوله تعالى:(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) سورة الشورى:25. وقوله تعالى:(فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) والترجيح مع مثبتة الشفاعة؛ لأنَّ دليل المعتزلة لا بد أن يتناول جميع الفجار في جميع الأوقات؛ وإلا لم يحصل مقصودهم، فهو عام. والأدلة الدالة على العفو يكفي في صحتها تناولها لبعض الفجار في بعض الأوقات، فهي خاصة، والخاص مقدم على العام.([22]) والآية التي يستدل بها المعتزلة وجب تخصيصها بالآيات الدالة على اختصاص العذاب المؤبد بالكفار، نحو قوله تعالى:(إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى)سورة طه:48، وقوله:( إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ) سورة النحل:27.([23])

     وبذلك يبطل استدلال المعتزلة بالآية على خلود صاحب الكبيرة في النار.

الشبهة الرابعة:

     قال تعالى:(إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) سورة النساء:آية 10.

        ووجه الاستدلال بالآية يقول القاضي عبد الجبار:"الآية على أن الفاسق من أله الصلاة متوعد بالنار، وأنه سيصلاها لا محالة ما لم يتب، لأن الذي يأكل أموال اليتامى ليس هو الكافر فلا يصح جمله عليه ويجب كونه عاماً في كل من هذا حاله، والأغلب ممن يوصف بذلك أن يكون من أهل الصلاة وأقل أحواله أن يدخل الجميع فيه، فيجب أن يقال بعمومه".([24])

المناقشة:

        لقد ردَّ القرطبي استدلال المعتزلة  بهذه الآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار فقال عند تفسير هذه الآية:"ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب، والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلي ثم يحترق ويموت، بخلاف أهل الشقاء فإنهم لا يموتون ولا يحيون. لما روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال:قال صلى الله عليه وسلم:"إما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناساً أصاًبتهم النار بذنوبهم– أو قال بخطاياهم– فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنها الجنة ثم قيل:يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل".([25]) ساقط بالمشيئة عن بعضهم لقوله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء:آية 48. فالآية تدل على أن الله يغفر ما دون الشرك لمن يشاء من عباده".([26])

        يتبين من رد القرطبي أن صاحب الكبيرة إما أن يعذب مدة ثم يخرج من النار ويدخل الجنة كما يدل الحديث، أو يعفى عنه بمشيئة الله، كما تدل الآية. وعلى ذلك فإنه لا يخلد في كلا الحالتين. وبهذا يبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية.

الشبهة الخامسة:

قال تعالى:(ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) سورة النساء:آية 93.  

يقول القاضي عبد الجبار:"ووجه الاستدلال هو أنه تعالى يبين أن من قتل مؤمناً عمداً جازاه الله جهنم خالداً فيها وعاقبه وغضب عليه ولعنه...وفي ذلك ما قلناه".([27]) ويقول في موضع أخر:"وقوله تعالى:(ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً) سورة النساء:آية 93، يدل على أن قتل المؤمن علة وجه التعمد يستحق به الخلود في النار..إلى أن قال: ولا يمكن حمل الكلام في الآية على الكافر إذ قتل متعمداً من وجهين: الأول:أنه عام؛ لأن لفظة(من) إذا وقعت في المجازاة كانت شائعة في كل عاقل. الثاني:أنه تعالى جعل ذلك جزاء لهذا الفعل المخصوص، ولا يعتبر بمحال الفاعلين، بل يجب  من أي فاعل كان أن يكون هذا الجزاء لازماً له".([28])

 

 

المناقشة:

أولاً:أن الخلود في الآية لمستحيل القتل، وهو كافر إجماعا، والكافر مخلد. يقول الطبري عند تفسير هذه الآية:(قوله متعمداً) أي مستحلاً قتله.([29]) ويقول القرطبي حاكياُ ما روي عن ابن عباس في معنى قوله تعالى(متعمداً)..أنه قال:متعمداً أي مستحلاً لقتله، فهذا يئول إلى الكفر إجماعاً والكافر مخلد".([30])

         ويقول أبو السعود بعد عرضه للآية:"ولا دليل في الآية للمعتزلة في قولهم بخلود عصاة المؤمنين في النار لما قيل أنها في حق المستحل كما هو رأي عكرمة وإضرابه، بدليل أنها نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني المرتد".([31])

       وعلى هذا:فالآية لا تناول صاحب الكبيرة، لأنها في الكفر، وصاحب الكبيرة لم يخرج من الإيمان إلى الكفر. يقول الطبري:"وقوله تعالى:( فَجَزَاؤُه) أي:يستحق ما ذكره الله من العقاب إن شاء أن يجازيه". ([32]) وقال أبو السعود بمثل هذا، واستدل بما روى عن ابن عباس عند تفسير هذه الآية حيث قال:( فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) أي:هي جزاؤه، فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".([33]) ثم قال:"والتحقيق أن ما ورد في الآية إنما هو إخبار منه تعالى بأن جزاؤه ذلك، لا بأنه يجزيه بذلك، كيف لا؟! وقد قال تعالى:(وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) سورة الشورى: آية 40. ولو كان هذا إخبار بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضه قوله تعالى:(وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) سورة المائدة: آية 15. ([34])

        وإذا كان الجزاء في الآية ليس المقصود وقوعه، وإنما الإخبار به، بطل قول المعتزلة:"أنه تعالى جعل ذلك جزاء لهذا الفعل المخصوص، فمتى وقع الفعل، وقع الجزاء". ([35])

ثالثاً: على التسليم بأن الآية ليست خاصة في الكافر، والجزاء فيها المقصود به وقوعه، فإنها مخصصة بالنصوص الدالة على العفو بمشيئته تعالى، والتوبة، وأحاديث الشفاعة الدالة على خروج الموحدين من النار.

يقول القرطبي:"الآية مخصوصة بآيات وأحاديث، فمن الآيات، قوله تعالى:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ) سورة هود:آية 114. وقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) سورة الشورى: آية 25. وقوله تعالى:(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء: آية 48. وتوضيح ذلك؛ أنه ليس الأخذ بظاهر هذه الآية أولى من الأخذ بظاهر هذه الآيات، والأخذ بالظاهرين متناقض، فلا بد من التخصيص. ثم إن الجمع بين آية الفرقان، وهي قوله تعالى وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا  يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) سورة الفرقان:آية 68، 69، 70، وبين هذه الآية ممكن، فلا نسخ ولا تعارض؛ وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناه: فجزاؤه كذا إلا من تاب؛ لا سيما وقد اتحد الموجب وهو القتل، والموجب وهو التوعد بالعقاب. وأما الأخبار المخصصة لعموم الآية فكثيرة منها: حديث عبادة بن الصامت، أنه صلى الله عليه وسلم قال:(بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه)([36]). وكحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن الني في الرجل الذي قتل مائة نفس([37]) ثم أن المعتزلة أجمعوا معنا في الرجل يشهد عليه بالقتل، ويقر بأنه قتل، ويأتي السلطان فيقيم عليه الحد ويقتل قوداً، فهذا غير نافذ عليه الوعيد في الآخرة إجماعاً على مقتضى حديث عبادة، فقد انكسر عليهم ما تعلقوا به من عموم قوله تعالى:(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً) سورة النساء:آية 93. ودخله التخصيص بما ذكر".

        من كلام القرطبي؛ يظهر أن الآية مخصوصة بالنصوص الدالة على العفو والتوبة؛ وعليه فيبطل استدلال المعتزلة بهذه الآية على تخليد صاحب الكبيرة في النار.

الشبهة السادسة: عدم خلف وعيد الله تعالى بالعقاب:

         ذكر عبد الرحمن الإيجي أن المعتزلة قالوا:"إن الله سبحانه وتعالى أوعد بالعقاب وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خسره، وهو محال".([38])

        يقول القاضي عبد الجبار:"إن الله توعد العصاة بالعقاب...وأنه يفعل ما توعد عليه، ولا يجوز عليه الخلف والكذب". ([39]) ويستدل على عدم جواز الخلف في الوعيد بقوله تعالى قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) سورة ق:آية 28، 29. ثم قال:"الآية تدل على أن الوعيد الوارد عن الله تعالى ذلك لا يتبدل ولا يتغير...وأنه لا يجوز فيه الخلف، لأن ذلك يقتضي التبديل، وقد أبي الله تعالى ذلك في وعيده"([40]). كما يستدل القاضي عبد الجبار أيضاً على عدم جواز الخلف في الوعيد"بأنه لو جاز الخلف في الوعد، لأن الطريقة في الموضوعين واحدة".([41])

المناقشة:

           يقال للمعتزلة:الوعيد إما أن يتوجه للكافر والمشرك أو العاصي؛ فأما الوعيد الذي توعد الله به الكافرين: فإنهم سينالونه حتماً إذا ماتوا على كفرهم، كما دل على ذلك القرآن الكريم من مثل قوله تعالى:(إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) سورة النساء:آية 48.

         وأما الوعيد الذي توعد به الله به العصاة: فإما أن توبوا أو لا. إن تابوا تاب الله عليهم وعفر لهم؛ وبذلك يسقط الوعي عنهم، كما قال تعالى:(إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) سورة الفرقان:آية 70.

         أما إذا مات العاصي وهو لم يتب؛ فإنه تحت مشيئة الله،إن شاء عذبه على قدر ذنبه بمقتضى عدله ثم أدخله الجنة، فلا يخلد في النار؛ بدليل حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى:أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)([42]). ففي هذا الحديث دلالة على أن من معه إيمان لا يبقى في النار خالداً؛ بل يخرج منها، وصاحب الكبيرة معه إيمان، وإن شاء الله عفا عنه بمقتضى عفوه ورحمته([43])، قال تعالى:(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء:آية 48. ففي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى يمكن أن يخلف وعيده في حق الموحد العاصي الذي مات وهو مرتكب للكبائر من غيره توبة. ومثل هذه الآية حديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – وحوله عصابة من أصحابه-:(بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تسرقوا....إلى أن قال: ومن أصاب شيئاً من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه).([44])

      يقول أبو عثمان المازني([45]):"وفي الحديث رد على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه تحت المشيئة ولم يقل: لا بد من تعذيبه".([46])

ولو سلمنا بأن الخلف في الوعيد يعتبر كذباً، فأنه من الله لا يستلزم الكذب، لما يلي:

أولاً: أن الوعيد مشروط بشرائط مثل عدم العفو، فلا يلزم منه الكذب، فمحصل آيات الوعيد أنا نعذبهم إن لم نعف عنهم، ولكن عفونا عنهم، فما نعذبهم،وليس في هذا خلف وعيد حتى يلزم منه الكذب.

ثانياً: أن معنى آيات الوعيد: إنشاء الوعيد؛ لا إخبار به، فهي لا تتصف بالصدق والكذب، لأنهما من صفات الخبر دون الإنشاء، فلا يلزم الكذب في إخلاف الوعيد.([47])

وأما استدلال القاضي عبد الجبار المعتزلي ومن معه بقوله تعالى:(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) سورة ق:آية 29. على أن الله لا يخلف وعيده. فالجواب:إن الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى لا يخلف وعيده في الكافر؛ بدليل الآيات التي قبلها. وبدليل النصوص  الدالة على أن الله يغفر لمن يشاء من العصاة. قال تعالى:(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) سورة النساء:آية 48. وذلك جمعاً بين الآيات.

وأما قولهم "أنه لو جاز الخلف في الوعيد؛ لجاز في الوعيد..."([48]). فقول فاسد؛ لأن الخلف في الوعيد بخل ولؤم، والله أكرم الأكرمين، والخلف في الوعيد كرم وجود. وهو من صفاته جل علا.([49])

الشبهة السابعة: المؤمن العاصي لا يستحق العفو الإلهي يوم القيامة:

        يقول القاضي عبد الجبار:"العاصي لا يخلو حاله من أحد أمرين؛ إما أن يعفى عنه، أو لا يعفى عنه. فإن لم يعف عنه؛ فقد بقي في النار خالداً، وهو الذي نقوله. وإن عفى عنه، فلا يخلو؛ إما أن يدخل الجنة أو لا. فإن لم يدخل الجنة لا يصح، لأنه لا دار بين النار وبين الحنة، فإذا لم يكن في النار وجب أن يكون في الجنة لا محالة، وإذا دخل الجنة فلا يخلو:إما أن يدخلها مثاباً أو متفضلاً عليه، لا يجوز أن يدخل الجنة متفضلاً عليه، لأن الأمة اتفقت على أن المكلف إذا دخل الجنة فلا بد من أن يكون حاله متميزاً عن حال الوالدان المخلدان، وعن حال الأطفال والمجانين، ولا يجوز أن يدخل الحنة مثاباً، لأن غير مستحق، وإثابة من لا يستحق الثواب قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح...لذل يجب أن يكون معاقباً على ما نقوله".([50])

المناقشة:

         هذه الشبهة باطلة، ولا تدل على تخليد الفاسق في النار، وبيان ذلك أن الفاسق في حال العفو عنه يدخل الجنة تفضلاً من الله سبحانه وتعالى، بدليل قوله تعالى:(الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) سورة فاطر:آية 35. ولما روي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال صلى الله عليه وسلم:"لن ينجي أحداّ منكم عمله قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟ قال:ولا أن إلا أن يتغمدني الله برحمته".([51])

        ففي هذه الآية والحديث: دلالة على أن الله يدخل من شاء من عباده الجنة بفضله سبحانه وتعالى، وعليه فإنه يبطل قولكم...(ولا يجوز أن يدخل الجنة متفضلاً عليه").([52]) إذن فالفاسق في حالة العفو عنه يدخل الجنة بفضل الله ورجمته.

       أما في حالة عدم العفو عنه:فإن الله سبحانه وتعالى يعذبه على قدر ذنبه ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار؛ بدليل قوله تعالى:(مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا) سورة الزلزلة:آية 7، واحتمال رؤية العامل مثقال ذرة من خير ما عمله قبل دخوله النار، أي:بأن يدخل الجنة جزاء لما عمله من الخير صم يخرج منها ويدخل النار عقاباً لما عمله من الشر يبطله قوله تعالى في شأن أهل الجنة:( لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) سورة الحجر:آية 48. فلم يبق لرؤيته موضع إلا بعد الخروج من النار.

       ومما يدل على أن استيفاء الأجر بالنسبة لمن يدخل النار لا يكون إلا بعد الخروج منها ما في البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:"يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى:أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان".([53]) فعلى هذا:فإن الله يعذب العاصي في النار لأجل معصيته، ثم يخرجه إلى الجنة لأجل ما عمله من خير، وأهل الجنة لا يخرجون منها بدلالة الآية:(وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) سورة الحجر:آية .48 ([54]) وعليه فأنه يبطل قول المعتزلة(إن الفاسق في حال عدم العفو عنه يخلد في النار).([55])

 

[1]- متشابه القرآن 1/97.

[2]- تفسير ابن كثير 1/313.

[3]- تفسير ابن كثير 1/315 -بتصرف بسيط-.

[4]- تفسير الطبري 2/280.

[5]- تفسير القرطبي 2/12.

[6]- تفسير ابن سعدي 1/49.

[7]- انظر المواقف:الأيجي ص 377.

[8]- متشابه القرآن 2/609.

[9]- شرح الأصول الخمسة ص660،661.

[10]- تفسير الطبري 25/98، وانظر زاد المسير7/329، وتفسير أبي السعود 5/49.

[11]- تفسير فتح القدير:الشوكاني 4/ 804.

[12]- التفسير الكبير27/227

[13]- روح المعاني:الألوسي 18/404.

[14]- تيسير الرحمن الرحيم في تفسير القرآن:عبد الرحمن الناصر بن سعدي 1/770.

[15]- أخرجه البخاري رقم 22،.كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان بالأعمال. ورواه مسلم رقم 184،كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار.

[16]- التفسير الكبير:الرازي 3/171.

[17]- متشابه القرآن 2/682.

[18]- التفسير الكبير:الرازي 31/85.

[19]- جامع البيان للطبري 30/56.

[20]- تفسير زاد المسير 9/49.

[21]- التفسير الكبير:الرازي 31/85.

[22]- التفسير الكبير:الرازي 31/86 يتصرف. 

[23]- المواقف:الإيجي ص 377-378. 

[24]- متشابه القرآن 1/178.

[25]- سبق تخريجه.

[26]- تفسير القرطبي5/54.

[27]- شرح الأصول الخمسة ص659.

[28]- متشابه القرآن1/201، 202، وانظر شرح الأصول الخمسة ص659.

[29]- مختصر تفسير الطبري 1/119.

[30]- تفسير القرطبي 5/334.

[31]-  تفسير أبي السعود 2/217.

[32]- مختصر تفسير الطبري 1/119.

[33]-  تفسير أبي السعود 2/217، بتصرف.

[34]-  تفسير أبي السعود 2/217، بتصرف.

[35]- انظر متشابه القرآن 1/202.

[36]- أخرجه البخاري رقم18، كتاب الإيمان، الباب العاشر. ورواه مسلم رقم 1709،كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها.

[37]- أخرجه مسلم رقم 2766. كتاب التوبة باب قبول التوبة وإن كثر قتله.

[38]- المواقف ص 376.

[39]- شرح الأصول الخمسة ص135، 136.

[40]- متشابه القرآن 2/626.

[41]- شرح الأصول الخمسة ص136.

[42]- سبق تخريجه.

[43]- انظر عمدة القارئ 1/186.

[44]- سبق تخريجه.

[45]- هو بكر بن محمد بم حبيب بن بقية من مازن شيبان، أحد الأئمة في النحو، من أهل البصرة، ووفاته فيها سنة 249هـ. له مؤلفات، منها: كتاب ما تلحن فيه العامة، والعروض، يقول الطحاوي سمعت القاضي بكار بن قتيبة يقول: ما رأيت نحوياً قط يشبه الفقهاء إلا حيان بن هرمة، والمازني. انظر وفيات الأعيان 1/283-286.

[46]- فتح الباري1/68.

[47]- القول السديد ص15، بتصرف.

[48]- شرح الأصول الخمسة ص136.

[49]- انظر القول السديد ص15، 230، مدارج السالكين 1/396.

[50]- شرح الأصول الخمسة ص666، وانظر ص650.

[51]- أخرجه البخاري رقم 6463، كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل، وأخرجه مسلم رقم 2816، كتاب صفة القيامة والجنة والنار. باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى.

[52]- شرح الأصول الخمسة ص666.

[53]- سبق تخريجه.

[54]- انظر الحصن والجنة في عقيدة أهل السنة ص99، 100.

[55]- انظر شرح الأصول الخمسة ص666.

  • الاحد PM 03:22
    2021-07-25
  • 2500
Powered by: GateGold