ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
استقامة موسى على الصدع بالحق في وجه فرعون دون اكتراث لعدد الأتباع
د / احمد نصير
استقامة موسى على الصدع بالحق في وجه فرعون دون اكتراث لعدد الأتباع
قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)
من أحرج مواقف تغيير المنكر عندما يوَجِّه المسلم كلمة الحق لأصحاب السلطان والنفوذ ، وهم في شدة ظلمهم وبطشهم ، ولكن المسلم يعلم يقينا أنه يقولها حسبة لله وليحصل ما يحصل ، فإن ما يحصل لن يخرج عن قدر الله ، لكن سبحان الله تلك الكلمة تصدع الباطل ، وتفرقه ، وتشق عصا الطاعة العمياء في نفوس أتباعه ، ولو بعد حين ، ولو لم يستجب لها الكثير .
لكن من العجيب كذلك وفي ذات المثال أن نجد أن كثير من الناس يتبعون الباطل رغم وضوح الحق وجلاؤه ، فيتبعونه حتى لو سقطوا معه في الهاوية ، وهكذا نجد الفراش يتهافت على النار ، رغم أن الطريق للنجاة مستقيم ليس فيه انحناءات لكنهم يبغونها عوجا بهذا الاتباع .
قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ) (96) (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ..) (97) تذكير برسالة موسى وكيف أن الله أيده بالآيات والسلطان ، قال ابن عرفة : (الآيات : المعجزات ، والسلطان المبين راجع إلى التحدي بها)[1] ، وقد تحداهم بها فسحقوا قبل أن يغرقوا ، فجمع الله له بين القيادة الدينية والسلطة الدنيوية ، حيث تحدى السحرة وغلبهم ، فانقادوا له وآمنوا به ، وسجدوا لله ، وخالفوا أمر فلرعون ، وتحداه فرعون فأغرقه الله وجنوده ، فسلب سلطانه منه ، وأورث قوم موسى أرضهم ، قال الزجاج : (السلطان هو الحجة والسلطان سمي سلطاناً لأنه حجة الله في أرضه)[2].
قال الرازي (العلماء سلاطين بسبب كمالهم في القوة العلمية والملوك سلاطين بسبب ما معهم من القدرة والمكنة ، إلا أن سلطنة العلماء أكمل وأقوى من سلطنة الملوك ، لأن سلطنة العلماء لا تقبل النسخ والعزل وسلطنة الملوك تقبلهما ، ولأن سلطنة الملوك تابعة لسلطنة العلماء ، وسلطنة العلماء من جنس سلطنة الأنبياء وسلطنة الملوك من جنس سلطنة الفراعنة) [3]
ورغم ذلك فإن الأكثرية عاندوا نبيهم وخالفوه متبعين أمر فرعون ، رغم أن حكم فرعون لم يكن برشيد ، كما أن بني إسرائيل انتكسوا وارتدوا على أعقابهم واتبعوا أمر السامري ، وهو مثل مما ورثه السامري من أمر فرعون بعد هلاكه فضلوا وعبدوا العجل ، الأمر الذي يحيلنا إلى السؤال عن سبب اتباعهم لفرعون والسامري ، مخالفتهم لنبيهم رغم البون الشاسع بين من كان مؤيدا بالبينات من الله ، ومن كان البين من حكمه الطيش وعدم الرشاد ؟
قوله (..فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (97) وإيرادُ "الفاء" مشعر بسرعة اتباعهم لفرعونَ في الكفر ، وعدم اكتراثهم للآيات الواضحات والحجة المبينة التي أيد الله بهما نبيه ...ولهذا قال أبو السعود (نعى عليهم سوءَ اختيارِهم)[4] ، لأنهم اتبعوه دون بصيرة .
ذلك أن إعلانهم متابعتهم لفرعون جاء متزامنا مع عصيانهم لموسى ، مخافة أن يظن فرعون أنهم إن لم يعلنوا تبعيتهم له ، فيقلق ويظن أنهم سوف ينقلبون عليه ، فكان شعار دولة فرعون إن لم تكن معنا فأنت ضدنا ، ولا ثالث ، يعني أن الذي يقف على الحياد يفكر ويعمل عقله ويقارن بين الاثنين ويتمهل هو في دولة فرعون خائن لابد من عقوبته ، ومن يعلن تبعيته لفرعون دون تفكير أو ترو هو فقط المواطن الذي يستحق العيش والبقاء ، ولكنه في الحقيقة فراش يتهافت على النار .
فعن بن مسعود (لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا)[5]، وعنه كنا نَعُدَّ الَّإمعة في الجاهلية الذي يْتَبُع الناس إلى الطَّعَامِ من غير أنْ يُدْعى ; وإنَّ الإمَّعة فِيكم اليوم المحُقْبُ النَّاس دينه ، والإمَّعة الذي يَتْبَع كلَّ ناعقٍ ويقول لكل أحد أنا معك ; لأنه لا رَأْى له يرجع إليه)[6].
وهنا وقفة نتأمل من خلالها موقف الناس من موسى وفرعون ، وحديث بن مسعود سالف الذكر، ففي بعض الرويات "لا يكن أحدكم إمعة ، يقول: أنا مع الناس ? إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت !! ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ? وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم " ، وقيل ما الإمعة ، فأجيب الذي يجري مع كل ريح ، هنا قال الشيخ محمد الغزالي (والرجل الضعيف هو الذى يستعيده العرف الغالب ، وتتحكم فى أعماله التقاليد السائدة ، ولو كانت خطأ يجر معه متاعب الدنيا والآخرة ، وقد أحدث الناس فى أفراحهم وأحزانهم بدعا شتى ، وتواضعوا على الاستمساك بها أشد من استمساكهم بحقائق الدين نفسها)[7].
فأين إذن توطين النفس وتزكيتها واستقامتها على الصراط المستقيم ، حتى لو اعوج الناس ، وغفلوا واتبعوا أمر فرعون ، يقول النبي r (الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ)[8]، وقال القرطبي : "المتمسك في ذلك الوقت... أجره كأجر المهاجر إلى النبي r ؛ لأنه ناسبه؛ من حيث إن المهاجر فرَّ بدينه ممن يصدُّه عنه للاعتصام بالنبي r ، وكذا هذا المنقطع للعبادة فرَّ من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو في الحقيقة قد هاجر إلى ربه، وفرَّ من جميع خلقه"[9]
قوله (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (98) تضمن هذا الأسلوب ذما للمكان الذي أوردهم فيه فرعون حيث كانوا يظنون أنهم يردون معه مواطن النعيم والظل والسرور ، وإذا بهم يردون النار .
ففي الآية تصوير لعاقبة الاتباع دون تعقل وتبصر لقائد أعمى هو الوقوع في الهاوية ولا شك ، وهو تصوير يدل على أن استهانة المتبعين بعاقبة أمرهم أوردتهم المهالك.
وهذا أشبه بمن اتبع دجال آخر الزمان ، قال رسول الله r (الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى جُفَالُ الشَّعَرِ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ)[10]
قوله (وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ..) (هود 99) المقصود باللعنة هنا ما هو ضد الرحمة ، بذلك يتضح مدى العذاب الذي يحيط بهم في الدارين ، فلا دنيا استراحوا ولا آخرة نالوا منها خيرا ، بل هو السوء والضيق والعذاب يرصدهم في الدنيا وكذا في الآخرة ، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يصاحب مخالفة الله ورسوله خير أبدا ، بل هو الشر كل الشر.
ونظير ذلك قوله (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) [القصص:41، 42]، أي أتبعوا بلعنتين :-
اللعنة الأولى في الدنيا ، حيث سلط الله عليهم ما نكد عليهم معيشتهم ، حيث فسدت زراعتهم بالطوفان ، وكثرت الحشرات فأكل الجراد ما بقي من زراعتهم ، وسلط القمل على رؤوسهم ،والضفادع في بيوتهم والدم في أوانيهم ، قال تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (الأعراف 133) , وسمى الله لعنته في الدنيا رجزا فقال (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (الأعراف 134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ) (الأعراف 135).
والإسلام حرر المسلم من الاتباع لغير منهج الله تعالى طاعة لله ولرسوله ، وفي غير ذلك لا يتبع ، ولذلك قال ابن تيمية (فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُوجِبْ عَلَى أَحَدٍ طَاعَةَ أَحَدٍ إلَّا طَاعَةَ رَسُولِهِ وَالْأَخْذَ بِمَا جَاءَ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ خَالَفَ الْعَبْدُ جَمِيعَ الْخَلْقِ وَاتَّبَعَ الرَّسُولَ مَا سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ فَإِنَّ مَنْ يُطِيعُ أَوْ يُطَاعُ إنَّمَا يُطَاعُ تَبَعًا لِلرَّسُولِ وَإِلَّا لَوْ أَمَرَ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ مَا أُطِيعَ ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاسْمَعْ وَأَطِعْ وَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ . تَكُنْ أَبْتَرَ مَرْدُودًا عَلَيْك عَمَلُك بَلْ لَا خَيْرَ فِي عَمَلٍ أَبْتَرَ مِنْ الِاتِّبَاعِ وَلَا خَيْرَ فِي عَامِلِهِ)[11].
واللعنة الثانية في الآخرة ، حيث يكونون مطرودين من رحمة الله ، فليس لهم في الآخرة إلا النار ، (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (هود 16)، قال تعالى (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [غافر:46].
ولأن سياسة فرعون هي أن يجعل متبعيه هم ذاتهم تابعين ومتبوعين في ذات الوقت في تدرج هرمي للسلطة ، فيأمر كل تابع لفرعون كل من خلفه باتباعه طاعة لفرعون كذلك ليصير الجميع تابعين لفرعون بعمه ، بما يسمى بسياسة الاستعماء الاجباري ، فينفذون أوامره دون تعقل ، فإن الوزر الذي يحمله كل تابع يزيد بأوزار تابعيه كذلك ، مصداقا لحديث رسول الله r (من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها) ، فلعنة المعصية تلحقه حتى بعد موته ، ولذلك فإن من اللطيف ما ذكره الشعراوي في هذه الآية قال أي :(أن اللعنة قد بقيت لهم ، وما زلنا نحن المسلمين نلعنهم إلى الآن ، ثم يصيرون إلى اللعنة الكبرى ، وهي لعنة يوم القيامة )[12].
قوله (..بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) (هود/99) تضمن هذا الأسلوب ذم الصحبة ، قال البخاري (الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ)(الْعَوْنُ الْمُعِينُ رَفَدْتُهُ أَعَنْتُهُ)[13] ، إذ ظنوا أنهم بصحبتهم لفرعون منصورون وإذا هم خاسرون ومنهزمون ، وذلك مثل قول السحرة قبل إسلامهم (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (الأعراف 113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (الأعراف 114) .
قال رسول الله r (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)[14]، فما نالهم من اتباع فرعون إلا الهلكة.
[1] ) البحر المديد ج5 ص 362
[2] ) لسان العرب ج7 ص 320
[3] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2474
[4] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 387
[5] ) انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول ج11 ص 699 رقم 9349 ، ورواه الترمذي ج7 ص 290 رقم 1930 عن حذيفة ، وصححه الألباني موقوفا على ابن مسعود ، انظر مشكاة المصابيح ج3 ص 112 رقم 5129
[6] ) الفائق في غريب الحديث والأثر ج1 ص 57
[7] ) خلق المسلم ص 78
[8] ) رواه مسلم ج14 ص 187 رقم 5242
[9] ) تفسير القرطبي ج ص
[10] ) رواه مسلم ج14 ص 161 رقم 5222
[11] ) مجموع الفتاوى ج16 ص 529
[12] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4293
[13] ) رواه البخاري ج14 ص 267
[14] ) رواه البخاري ج17 ص 214 رقم 5108
-
الاربعاء PM 03:34
2026-09-02 - 34



