المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1951552
يتصفح الموقع حاليا : 1137

البحث

البحث

عرض المادة

استقامة صالح على الرجاء في الله دون اكتراث لرجاء قومه فيه أو عنادهم معه

د / احمد نصير

المحور الرابع
استقامة صالح على الرجاء في الله
دون اكتراث لرجاء قومه فيه أو عنادهم معه

قال تعالى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

ذكر الله قصة ثمود في هذا الموضع ليبين لنبيه محمد  صورة ثالثة من صور الدعوة في سبيل الله التي يتعين عليه أن يستقيم عليها ، إذ لم يُقَصِّر نبيهم صالح في الخطاب الدعوي ، ولم يتوان عن البلاغ ، بل استقام على المنهج الإصلاحي ، فتقدم بدعوته إليهم لإصلاح جانب العقيدة وأمرهم بعبادة الله ، وألان لهم الكلام ورغبهم في الله ، وفصَّل لهم آياته تفصيلا ، فلما وجد منهم الصد عنه ، وقد انقطع رجاؤهم فيه - وكانوا من قبل يرجون حسن عشرته - قطعوا حبال الوصال معه ، وأعلنوا خصومتهم له لمجرد مخالفته في العقيدة ، ثم عاندوه وتحدوه أن يأتي بآية مادية شاهدة على صدق دعوته للتوحيد ، فجاءهم بآية بينة ، وهي ناقة الله ، قيل أنها ولدت من الصخرة ، وشاهدوا بأعينهم خروجها ، ولكنهم كذبوا الآية التي اقترحوها ، لا لشيء إلا لمجرد التكذيب وحسب ، والانتصار لرأيهم وفقط ، ما يؤكد على عنادهم الفج ، وقد اتخذوا من سياسة الاستعماء والاستحمار منهجا ليسوقوا الناس لهم في هذا الطريق المعوج عن صراط الله المستقيم .

هنا كان لابد أن يحذرهم النبي مغبة أمرهم ، ويخيفهم من عذاب الله ، ولكن أنى لهؤلاء أن يفقهوا ، وقد ألفوا الكبر ، فلما جاء أمر الله نجا الله المؤمنين وأهلك قوم ثمود ، ليقصي الله ويستأصل هؤلاء القوم لتكون العاقبة للمتقين ، وهم الضعفاء في قومهم الذين لا يؤبه لهم ولم يوضع لشأنهم وزن بين الناس ، ولكنهم عند الله أثقل من الجبال ، بل إنه سبحانه ليصعق أعدائهم بصيحة واحدة ترضية لهم ولقسمهم به ، يقول النبي  (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ) .

فالقصة يُستشهد بها على أن الغاية المرجوة من الاستقامة على المنهج الإصلاحي هي الاجتهاد في الدعوة وبذل الجهد دون انتظار النتائج ، فهداية القوم ليست بيد أحد غير الله ، فالله هو الهادي ، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى .
قوله (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود/61) دوما يقرِن القرآنُ بين قصة عاد وقصة ثمود ، فهما في الزمان متعاقبان ، وقد وصف صالحا أنه أخٌ لثمود رغم ما بينهما من اختلاف في العقيدة ، ما يعني أنه أخوهم في الإنسانية ، وهو معيار كاف كأساس مشترك بينهم لأن يعيشوا معا في وطن واحد ، مما يسمح لهم بالتعامل المدني في إطار مبدأ المواطنة ، ولذلك كان جبريل يوصي النبي  بجاره حتى ظن أنه من كثرة إيصائه به أنه سيرثه بعد وفاته ، فعن عائشة رضي الله عنها عن النبي  قال : (ما زال جبريل  يوصي بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) .

من ذلك نفهم المبدأ الذي اهتم به الإسلام كأساس للتعارف بين الناس ووسيلة لإسداء النصح بينهم وتبادل الخبرات ، فمبدأ المواطنة وضمان حقوق الجيرة هو أول توطئة للدعوة الإسلامية ، ذلك أن المسلم حقا هو الذي يكن لأهله وعشيرته وجيرانه الخير ويعمل دوما لأجل الصالح العام ، فهو لنصحتهم وقيادتهم للخير ، والعكس كذلك صحيح ، فليس أهلا للدعوة من لا يحسن لجيرانه وأصدقائه وأهله وعشيرته .

وقد استهل نبي الله صالح دعوته بذلك الأمر ، فكانت الأخوة الإنسانية وسيلته إلى تبليغ دعوة الإسلام لهم وشرحه لمجمل عقيدة التوحيد بعبارة بليغة (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) ، وشرح توحيد الربوبية مجملا بقوله (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ) وتفصيل ذلك المعني بقوله (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) (السجدة/7-8) ، ودعاهم لتوحيد الألوهية بقوله (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ما يدل على وجوب الحركة لعمارة الأرض، قال ابن العربي (الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى للوجوب) ، وهو مناط التكليف الشرعي للإنسان في هذا الكون ، ويتضافر معه التكليف الشرعي بالعبادة المحضة في قوله سبحانه (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ) فجمع بذلك بين تكليفين ، أحدهما "توحيد الربوبية" ومن مظاهرة العبادات التوقيفية ، والثاني "توحيد الألوهية" بقصد الاستخلاف في الأرض ، ومن مظاهره عمارة الكون وفيه حظ للنفس البشرية ، كل ذلك في آية واحدة .

قوله (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) تذييل الآية بما يستوجب الطمع والرجاء في رضوان الله ، ليحثهم على أن يخلصوا في الطلب من الله ، ولا يطلبوا من غيره ، كما في قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186] ، قال رسول الله  (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) .

قَالَ رسول الله  (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) ، فمن استقام على كثرة السجود زاد قربه من ربه ، ومن استقام على الدعاء في هذا الحال ، استجاب الله له ولابد أن يستجيب ، قال ابن تيمية (وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ "قَرِيبٌ مُجِيبٌ" مُقِرُّونَ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَرَادَ بِهِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ لِاسْتِغْفَارِ الْمُسْتَغْفِرِينَ التَّائِبِينَ إلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ رَحِيمٌ وَدُودٌ بِهِمْ وَقَدْ قَرَنَ الْقَرِيبَ بِالْمُجِيبِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّهُ مُجِيبٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ وَإِنَّمَا الْإِجَابَةُ لِمَنْ سَأَلَهُ وَدَعَاهُ فَكَذَلِكَ قُرْبُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) .

قوله (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (هود/62) قال ابن عجيبة أي : (كنا نرجو أن ننتفع بك؛ لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد ، فتكون لنا سيداً ، أو مُستشاراً في الأمور ، وإن توافقنا على ديننا ، فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا منك) ، (ويبدو من تلك العبارة انقلاب أهله عليه ، فبعد أن كان صالح يُرجَى في أهله ، لكن لما دعاهم إلى الحق وإلى ترك الباطل كرهوه) ، وكونهم ذكَّروه بذلك يعني طمعوا أن يرشوه باسترداد مكانته بينهم ، ليكون أهلا للرجاء فيهم كما كان من قبل ، وكذلك فعلوا من قبل مع النبي محمد  لما قالوا له (فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا) .
فأجابهم النبي  إجابة الواثق في ربه المتوكل عليه ، فقال لهم (ما أدري ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ، أو كما قال رسول الله ) .

بذلك ضحى النبي  بمكانته من قومه ليستقيم على أمر الدعوة ، وقد كان بينهم مصدقا ، ويشهد لذلك أنه لما جمعهم قال لهم (أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟) قَالُوا نَعَمْ (مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا) ، وبالرغم من تصديقهم له إلا أنه لما دعاهم للإسلام كذبوه ، فقَالَ (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ (تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا) ، وهكذا أهل الباطل ينقلبون على أهل الحق ويتناسون مكانتهم بينهم عندما يشرعون في تذكيرهم بالله .

قوله (..وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) (62) هذا هو ردهم عليه ، أي شككوا في دعوته وكانوا من قبل يصدقونه لما له من منزلة عالية عندهم ، قال ابن عاشور (جاء حرف التأكيد في (إننا) لبيان يأسهم من حاله) ، شككوا في دعوته ، بمعنى انقلبوا عليه .
وهذا الموقف أشبه بموقف اليهود من عبد الله بن سلام ، لما أسلم قال للنبي  (إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ فَجَاءَتْ الْيَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ قَالُوا أَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا وَأَخْبَرُنَا وَابْنُ أَخْيَرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ قَالُوا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَوَقَعُوا فِيهِ) .

وهكذا يزداد الكفار ريبا في رسولهم ومن ينذرونهم عندما يتعاطف إنكار المنكر مع الأمر بالمعروف ، قال سيد قطب (وهكذا يعجبون مما لا عجب فيه ؛ ويستنكرون ما هو واجب وحق ، ويدهشون أن دعاهم إلى عبادة الله وحده) ، ويقول (فصالح الذي كان مرجواً في قومه ، لصلاحه ولرجاحة عقله وخلقه ، يقف منه قومه موقف اليائس منه ، المفجوع فيه! لماذا؟ لأنه دعاهم إلى الدينونة لله وحده على غير ما ورثوا عن آبائهم من الدينونة لغيره ! إن القلب البشري حين ينحرف شعرة واحدة عن العقيدة الصحيحة ، لا يقف عند حد في ضلاله وشروده حتى إن الحق البسيط الفطري المنطقي ليبدو عنده عجيبة العجائب التي يعجز عن تصورها؛ بينما هو يستسيغ الانحراف الذي لا يستند إلى منطق فطري أو منطق عقلي على الإطلاق!) .

قوله (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (هود/63) جاء رد نبي الله صالح لقومه قاطعا لرجاءهم فيه ، وطمعهم في رشوته ، بإخبارهم أنه لن يحيد عن الحق ويعصي ربه لأجل خاطرهم ، فليس لأحد خاطر يخول له حق أن يُجامل أحدا في دين الله ، فهم يذكرونه برجائهم فيه قبل نبوته ، كأنهم يكشفون له عن نيتهم في أن يجعلوه زعيما وسيدا عليهم ، وهو يؤكد لهم أنه على بينة من ربه ، أي واثق في ربه متوكلا عليه ،مستيقنا الصراط المستقيم الذي يسير فيه إليه ، محدثهم عن رحمته ، ومحذرهم من غضبه.

وفي ذلك تأصيل لمسألة سمو دين الإسلام وقداسته على أي اعتبار ، فلا تجوز المداهنة مع الكافر على حساب الاعتقاد في الله ، ولو كُسِر خاطرهم ، يقول الشيخ مصطفى العدوي (فمع أقرب الأقربين لا مجاملة في أصل المعتقد بحال من الأحوال) ، قال سيد قطب (وفرقٌ بين الاعتقادِ والتجارة كبير، فصاحبُ العقيدة لا يتخلى عن شيءٍ منها، لأنَّ الصغير منها كالكبير، بل ليس في العقيدة صغير وكبير، إنَّها حقيقةٌ واحدةٌ متكاملة الأجزاء، لا يطيعُ فيها صحابها أحدًا، ولا يتخلى عن شيءٍ أبدًا، وما كان يمكنُ أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصفِ الطريق، ولا أن يلتقيا في أي طريق)

قوله (..فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ) (63) بيَّن لهم في غير مواربة أنه لن يطيعهم بشيء مما يطلبون ، ولا يظنون عندما ألان الخطاب معهم أنه يمكن أن يخالف أمر ربه لمجرد قرابته لهم وجيرتهم له ورجاءهم فيه ، فلا يكون ذلك أبدا على حساب دعوته ودينه ، لأنه يخاف الله ، ويخشى إن فرط في شيء من البلاغ أن يصيبه شؤم المعصية ، فالذي يخاف جناب الله لا يجامل أحدا على حساب دينه ، ولو قيد أنملة ، قال سبحانه (قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأنعام/15) .
قال ابن تيمية (الْخَائِفُ مِنْ اللَّهِ مُمْتَثِلٌ لِأَوَامِرِهِ مُجْتَنِبٌ لِنَوَاهِيهِ) ، وقال ابن القيم الجوزية (فأعرف الناس -بالله - أخشاهم لله ، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له ، وكلما ازداد معرفة ،ازداد حياء وخوفا وحبا) .

قوله (وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ) (هود/64) النداء هنا غرضه إظهار الضجر الممزوج بالتحسر والتحزن والأسى على حالهم أن كذبوه وبالبينات التي جاءته من ربه ، فقد ذكرهم من قبل بصنع الله وقدرته علي الخلق والتدبير .

ولكنهم ولإلحاحهم عليه طلبوا آية مقترحة ، وقد أشفق عليهم هذا النبي الصالح أن يفتنوا بها ، (إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ) (القمر 27) ، فيصيبهم عذاب الله إن كذبوها بعد ظهورها ، ولكنه أمام هذا الإلحاح سأل الله أن يأتيهم بتلك الآية التي اقترحوا ، فكان ما أرادوا ، وقد اختصرت الآيات هذه الحكاية في ذلك السياق ، ولكنها فصلتها في موضع آخر وهو قوله سبحانه (قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (الشعراء 153) مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (الشعراء 154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) (الشعراء 155)

أي قال لهم (فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (الأعراف 74) ، وقال لهم ( أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (الشعراء 146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الشعراء 147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (الشعراء 148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (الشعراء 149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الشعراء 150) ، وفي سياق هذه السورة قال لهم (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ، كل ذلك تذكير منه لهم بآيات الله ، حتى إذا لم ينتبهوا لها آتاهم بأية هي من اقتراحهم ، وهي الناقة التي قيل أنها خرجت لهم من الصخرة .

أي أن الأمر إذا صار إلى الإتيان بالآية المقترحة لإقامة الحجة عليهم ، فلا محيص من أن يأتيهم بها كما طلبوا ، ولكن هذا الأمر جد خطير ، لأن الإيمان بما هو مشاهد بخلاف الإيمان بما هو غائب ، ولذلك فإنه أشفق عليهم أن يأتيهم بآية يشاهدوها بأعينهم ، لأنهم بعد مشاهدتها لا يملكون تكذيبها ، وإلا فإنهم ملومون ومعاتبون ومعذبون .
وهذا ما حصل فيهم ، إذ أنهم ذبحوها رغم نهي نبيهم لهم ألا يمسوها بسوء ، فلا يعود ذبحها عليهم بشيء فمرعاها ليس على أحد ، بل هي تأكل في أرض الله ، فلا يكلفهم رعايتها شيء ، لكن عقرهم لها دليل دامغ على تكذيبهم بنبوته وعصيانهم أمره ، بما لا يُرجى معه صلاحهم ، وعندئذ يحق عليهم عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة .

وذلك مثل قوله تعالى (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ) (المائدة/115) , فالعذاب القريب المذكور في الآية يعني استئصالهم لتطهر البشرية من هذه الجبلة من الناس المعاندة مع الخالق سبحانه ، قال تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (فصلت/17-18)

قوله (فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ) (هود/65) "فعقروها" يعني قتلوها بالطعن في الرقبة لأن الناقة (الجمل) طويل العنق ويصعب ذبحه إلا بالطعن قائما ، قال (تمتعوا) أي : (تمتعوا بالعيش في منازلكم ثلاثة أيام ، فإن العقاب نازل عليكم بعدها) ، قال تعالى (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق/17)

ولعل الامهال –والله أعلم- الذي منحه الله لثمود نظير قولهم لصالح (قد كنت فينا مرجوا) فلأجل ما بينهم وبين صالح من رجاء الصلة بينهم متعهم الله في الدنيا حظهم كاملا ولم ينقصهم منه شيئا ، يقول النبي  (الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا) .

قوله (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (هود/66) نجاة المؤمنين في الموطن الذي ينزل الله غضبه وعذابه على الكافرين هو تحقيق لوعد الله تعالى بأن يصطفي من خلقه الذين آمنوا لينجيهم من عذاب الخزي يوم أن ينزل بالظالمين ، قال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس/13-14) .

قوله (..إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (66) تذييل الآية بما يتناسب مع ختام القصة ، فأشارت إلى قوته لاستظهار قدرته وقوته وبطشه بقرى الظالمين ، قال تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود/102)

ذكرت عزته ، لأنه بعزته أعز أهل هذا الدين ، قال تعالى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)(فاطر/10) ، وقال سبحانه (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/8) .

قوله (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود/67) أي صرعى "هامدين" "خامدين" موتى لا يتحركون" ، فحالهم أشبه بحال عاد الذين قال الله في شأنهم (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ) (الحاقة/7) ، وتلك هي نهاية الظالمين ، يقول النبي  (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ") .

قوله (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ) (هود/68) يدل على أن الظالمين مهما طالت أعمارهم في هذه الدنيا فكأنهم لم يغنوا فيها بشيء من متاعها ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  (لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) .

فقوله (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا) يعنى محو آثارهم كما قال (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) [يونس: 24]، تصويرا لهول وشدة ما ألم بهم من العذاب ، وقد فنوا فلم يأبه أحد بهم ، إذ (قضى عليهم بعذاب الاستئصال فهلكوا جيمعاً) ، ولم يبق غير المؤمنين الذي استعملهم الله تعالى واستخلفهم لاستعمار الأرض ، لتظل دعوة الله ماضية حتى يرث الله الأرض ومن عليها .

قوله (..أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ) (هود/68) فالله يقصي من طريق الدعوة من يتصدى للسائرين فيه ليقطع عليهم سبيلهم ، فيبعدهم إقصاء وطردا ، ليخلي بينه وبين عباده السائرين الله

وبختام هذه القصة انتهى عهد الآيات المقترحة فبعدا لهؤلاء القوم الذي يقترحون الآيات ثم يكذبون بها لمجرد التكذيب والعناد ، كما في قوله (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا) (الإسراء 59) ، وأضحت الآيات التي يرسلها الله لعباده تخويفا بالرعد والبرق والزلالزل والبراكين والسيول والظواهر التي يسميها الناس ظواهر طبيعية ، وهي بالفعل طبيعية لأنها خلق الله ، ومن الطبيعي أن يسبح الكون لله ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (الرعد 12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) (الرعد 13) ، لكن من غير الطبيعي ألا يفقه الإنسان هذا التسبيح ، ويظل يعاند أهل الحق ليتجنب صراط الله .

  • الثلاثاء PM 01:38
    2026-09-01
  • 27
Powered by: GateGold