ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
استقامة ابراهيم علي التزام الدعاء قوبلت ببشرى الاستجابة ، واستقامته على المجادلة بالحق توافقت مع أمر الله
د / احمد نصير
استقامة ابراهيم علي التزام الدعاء قوبلت ببشرى الاستجابة ، واستقامته على المجادلة بالحق توافقت مع أمر الله
قال تعالى (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)
ضرب نبي الله إبراهيم أورع الأمثلة في الثبات على الحق والصدع به ، وعدم الخوف إلا من الله ، ومصارعة أعدائه بالكلمة ، والثبات عليها ، كما ضرب الله به المثال في التوكل عليه واليقين به ، والثقة فيه ، وقد تكلل ذلك كله بالبشرى ، فبُشر بخير ذرية نسل منها الأنبياء جميعا ، رحمة وبركة من الله ، لما عُرِف عن أهل بيته بالحمد والتمجيد لله سبحانه ، ورغم ذلك فقد سُجل عليه موقف يدل على أن الاستقامة على الحق ابتلاء عظيم ، فقد ذُكرت قصته وهو يجادل الملائكة في قوم لوط ، وهو أمر قد قدره الله عليهم فعلام الجدال ، هنا يأتي دور الاستقامة على الحق ، وعدم المجادلة في أمر الله ، ولذلك شاب شعر رسول الله r من هذه السورة لما تضمنته الاستقامة من معاني يصعب على النفس البشرية أن تحققها بدرجة كاملة إلا من أخلص قلبه لله ، ونبي الله إبراهيم جاء لربه بقلب سليم ، ورغم ذلك لا يزال قلبه يحمل بعض معاني الشفقة علي نبي الله لوط ، فخاف عليه أن يصيبه الهلاك العام عندما ينزل بقومه ، ولكن الله أعلم بمن فيها ، ولذلك ليس عليه بأن يحمل همه والله عليم بحاله وحال قومه ، ومن يستحق الهلاك ومن يستحق النجاة .
إذن يريد الله منا أن يتوجه المؤمن بقلبه بالكلية لله تعالى ، فلا يحمل هَمَ غيره إزاء قدر الله المقدور ، وليس في يديه شيء هو مكلف به من ربه حتى يتدارك ما سيكون ، إذا ما قُدِّر الله له ذلك ، أي إذا ما قَدَّر الله تغيير القدر بما سوف يفعله من التكليف الذي أُمر به ، كما في قوله r (لأن يهدي الله بك رجلا واحدا)[1] قال ابن علان (أي: ينقذه من الكفر والضلال بدلالتك له على الإسلام والهدى)[2] ، قال ابن جبرين (فجعله سبباً للهداية، والله هو الهادي)[3] ، قال حقي (الهداة من العباد الأنبياء عليهم السلام ثم العلماء الذين أرشدوا الخلق إلى السعادة الأخروية وهدوهم إلى صراط الله المستقيم ، بل الله الهادي لهم على ألسنتهم وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره)[4]
أو تفعيل الأحداث لتحقيق الأقدار وفق ما يتمناه المسلم ويهواه ويدعو به ، فلا يرد القضاء إلا الدعاء ، فيصادف هواه ماجاء به القدر ، وهكذا يريد كل نبي الإصلاح ما استطاع ولا يتدخل فيما جرت به المقادير ، بل يكل الأمر لله سبحانه ويرضى بقضائه وقدره .
قوله (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى..) (هود/69) تصدر ذكر قصة إبراهيم عليه السلام بقدوم البشرى إليه بعدما اعتزل قومه الكافرين ، وقد أنجب إسماعيل من هاجر في فلسطين ثم هاجر لمكة وتركها هناك ، ثم عاد لفلسطين لزوجته سارة وأنجب منها اسحق ، وكلاهما أنجبهما في الكبر ، ولذلك قال (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ) ، فلم تكن له من ذرية في شبابه ترث ميراثه من الدعوة في سبيل الله حتى كبر في السن ، فجاءته البشرى مرتين :-
فجاءت البشرى الأولى بولادة إسماعيل في قوله (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (الصافات 100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (الصافات 101) ، فكانت البشرى الأولى - في هذا الوقت- أعظم سلوى ، تعويضا لصبره على ما لاقاه من أذى من قومه وهجرانهم له وقطيعته وجفاءهم معه ، ولكنه ابتلي فيه مرتين :-
المرة الأولى لما أمره الله أن يتركه وزوجته في مكة حيث لا زرع ولا ماء ، فعن ابْنُ عَبَّاسٍ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا)[5]، أي انطلق إلى سارة في أرض فلسطين .
والمرة الثانية
كما في قوله (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) (الصافات 102)
وبُشر مرة ثانية بولادة اسحق كما في هذه الآية من سورة هود ، فالسياق هنا يتحدث عن البشرى الثانية أي ولادة اسحق ، ذلك أن سارة لم تكن تنجب ، فلما أنجبت هاجر إبراهيم تمنن الولد ، فبشرتها الملائكة باسحق[6] .
وقد تزامن مع البشرى الثانية خبر قرب هلاك قوم لوط ، لكن الملائكة لم تتحدث عن ذلك إلا بعدما سألهم عن سبب مجيئهم ، فالملائكة قدمت البشرى ثم ذكرت بعدها ما جاءت لأجله وهو إهلاك قوم لوط ، لنتعلم من ذلك أن البشرى مقدمة على غيرها ، فعن النبي r قَالَ (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا)[7] ، والمؤمن يفرح بالبشري ، فحالة الفرح تدفع المؤمن إلى الخير ، بخلاف حالة الحزن التي تؤدي إلى تثبيط العزيمة فيتكاسل عن العمل ، قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (يونس 63-64).
قال ابن القيم ) لم يأت (الحزن) في القرآن إلا منهيا عنه كقوله تعالي (ولا تهنوا ولا تحزنوا) أو منفيا مثل (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، وسر ذلك أن "الحزن"لا مصلحة فيه للقلب، وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه ، وقد استعاذ منه النبي r "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن")[8].
قوله (..قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ ..) ابتدأوه بالسلام ، فالسلام سنة مؤكدة في الإسلام ، وخلق المسلمين ، وعادتهم ، ورد عليهم النبي السلام دون أن يعرفهم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ (تُطْعِمُ الطَّعَامَ أن َتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)[9] ، قال النووي أى (تسلم على كل من لقيته عرفته أم لم تعرفه ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس) .
مسألة في حكم السلام على الكافر
قال النووي ( ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداء على كافر)[10]، ولعله يقصد بذلك المحارب ، بدليل أن غيره من العلماء أجازوا إلقاء السلام على المسالم منهم استنادا لقوله تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة 8) ، وأقل مراتب البر عدم ترويعته ، ويحصل ذلك بإلقاء السلام عليه ، فيكون ذلك في دار الإسلام -خصوصا- من باب ترقيق قلبه وتأليفه للإسلام ، (وقد سئل عن ذلك سفيان بن عيينة فأجازه واستشهد بتلك الآية (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ..) .
ونقل نقل القرطبي عن الطبري أنه (روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب) ، وبضعهم تمسك بعموم الأمر بالسلام ، وكان أبو أسامة إذا انصرف إلى بيته لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه؛ قيل له في ذلك فقال: أمرنا أن نفشي السلام ، وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم)[11] .
وعن شعيب بن الحبحاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني عليه كارة من طعام، فسلم عليه علي، فقال شعيب: فقلت: إنه يهودي أو نصراني! فقرأ علي آخر سورة الزخرف: ﴿ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الزخرف: 88، 89][12].
عَن عَلْقَمَةَ ، قَالَ : أَقْبَلْت مَعَ عَبْدِ اللهِ –بن مسعود- مِنَ السَّيْلَحين فَصَحِبَهُ دَهَّاقِينَ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْكُوفَةَ أَخَذُوا فِي طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِمْ فَرَآهُمْ قَدْ عَدَلُوا ، فَأَتْبَعَهُمَ السَّلاَمَ ، فَقُلْت : أَتُسَلِّمُ عَلَى هَؤُلاَءِ الْكُفَّارِ ، فَقَالَ : نَعَمْ إِنَّهُم صَحِبُونِي وَلِلصُّحْبَةِ حَقٌّ)[13].
ومن الفقهاء من قصر الجواز على رد السلام لا ابتداؤه ، واستند في الجواز على ما رواه البخاري عن بن عباس قال : ردوا السلام على من كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا ذلك بأن الله يقول وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها[14]
(فهي مسألة مختلف في حكمها بين الفقهاء) [15]وقد ذكر ابن القيم الخلاف بشأنها في زاد المعاد ، ولذلك فلا إنكار على أحد سلم أو لم يسلم عليهم لأجل هذا الاختلاف ، فقد سئل الأوزاعي عن مسلم مر بكافر فسلم عليه، فقال: إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك .
وقد علل المانعون من ابتداء السلام عليه ذلك بوجوب المصارحة لا المهانة في أمور العقيدة ، ومنهم المناوي بعدما نقل قول النووي فيها (وقيل بإجزائها في أصل الرد ، وإنما امتنع السلام على الكافر لأنه لا سلامة له ، إذ هو مخزي في الدنيا بالحرب والقتل والسبي وفي الآخرة بالعذاب الأبدي)[16] ما يعني أن القائلين بعدم جواز الابتداء بالسلام عليهم في دار الإسلام معنى دعوى ، فهو من قبيل إنكار المنكر عليهم ، وتعريفهم بحالهم إن بقوا على الكفر ، فإن ظلوا على الكفر ليس عليهم سلام الله ، وإن كانوا محاربين فليس عليهم سلام المسلمين ، وليس ذلك من باب العقوبة لهم أو تأديبهم ، بل على العكس من ذلك ، فإن الصراحة مع الكافر وعدم التصنع له في أمور الاعتقاد يعني إظهار الشفقة بهم ، وتوضيح أمور العقيدة لهم بجلاء ، لكن إن جاز لبعضهم تأليف قلوبهم والصفح عن مسالميهم ،والبر لصحبتهم وجيرتهم كما كان يفعل بعض السلف تلك مثلما تقدم ذكره ، وكانت تلك هي غاياتهم من السلام ، فلا بأس .
قوله (..فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) أكرم ضيوفه بعجل سمين ، وهو لا يعرفهم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ)[17]، فالسلام هو القول الحسن ، ويستحب أن يلحقه إعطاء الهدية ، لم عنده فضل زاد ، لقول النبي r (تهادوا تحابوا)[18] ، فذلك أدعى لتحقيق المحبة بين الناس ، ومعلوم أن إطعام الطعام يؤلف القلوب بين الناس ، فكان مستحبا تقديمه للضيف وإن لم تعرفه ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ r أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)[19] ، ذلك أن المسلم يستشعر سعادة عند رؤية غيره سعيدا ، وتلك الحالة النفسية تظل مصاحبة له متى استقام على آداب الإسلام .
والسؤال المطروح الآن ، لماذا جاءهم بعجل حنيذ ويكفيهم للضيافة أقل من ذلك بكثير ، فتكون الإجابة أنه نظر إلى حالهم وأنهم على سفر ، والمسافر يحتاج لأن يتزود ، فجاءهم بعجل سمين ، ليأكلوا منه ثم يتزودوا في سفرهم منه ، وهكذا يكون التضامن الاجتماعي في الإسلام .
قوله (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) (هود/70) قال ابن الجوزي (نكرهم وأنكرهم بمعنى واحد وأوجس أضمر حظرا أن يكونوا لصوصا)[20] ، قال القطان (الذّي لا يأكل الطعام من الضيوف يكون أمره مريباً ، ويُشعر بأنه ينوي خيانةً أو غدراً حسب تقاليد العرب)[21] ، ذلك أن من عادة العرب قبول الدعوة ، لكن الملائكة لا تأكل ولذلك امتنعت عن الطعام ، وهو لا يدري أنهم ملائكة .
فمن السنة تلبية الدعوة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا)[22]، والمقصود هو تلبية الولائم التي تحض على صلة الأرحام لا تلك التي يقصد بها الرياء والتفاخر ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ r)[23] ، إذن لابد النظر إلى الدعوة إلى الوليمة فإن كانت بقصد التفاخر والتباهي ، فهي شر ، وإن كانت بقصد التحاب والتآلف في الله ، فهي خير .
وعليه تكون إجابة الدعوة من باب تأليف القلوب بين الناس ، وكسر الكبرياء بينهم والعلواء ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ)[24]، فكان من تواضعه r أن يقبل الكراع كهدية وإذا دعي إلى وليمة بها كراع أجاب ولم يرفض .
والكراع هو رجل الشاة أو البقرة ، وكانوا يحقرون من شأنه في الماضي ، لأنه ليس فيه لحم
قوله (قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ..) أجابت الملائكة علي ما كان يساور إبراهيم في نفسه دون أن يطرح عليهم سؤالا ، ولكنهم استشعاروا توجسه منهم خيفة ، وهكذا تكون لغة الجسد أقوى تعبيرا من اللسان .
فالخوف الفطري لا غبار عليه ، بينما الخوف الاعتقادي من غير الله شرك بالله ، والفرق بينهما كبير ، فالخوف الفطري (أو الطبيعي/الجِبِلّي) هو شعور غريزي يحدث نتيجة استجابة تلقائية من المخ لخطر متوقع ، ينتج عنه رد فعل الجهاز العصبي مما يؤدي إلى إفراز هرمونات تحفز الجسم لمواجهة هذا الخطر المحدق به ، مثلما خاف موسى من الحية التي تسعى ، فهذا الخوف ما هو إلا نوع من الأخذ بالأسباب الشرعية ، لكن لما أمره ربه بعدم الخوف وإمساكها بقوله (خذها ولا تخف) لما أدبر خوفا من الحية كان النهي عن الخوف يدل على معنى طلب إقباله)[25] ، فأخذها ولم يتردد طاعة وامتثالا لأمر ربه وتغلبا على خوفه الفطري بخوفه الاعتقادي من ربه الذي خلق الأسباب وأودع فيها فاعليتها وأضعفها وأبطلها ، أما الخوف الاعتقادي (خوف العبادة) فهو خوف قلبي مقترن بالتذلل والخضوع واعتقاد أن المخوف يضر أو ينفع بذاته دون أسباب ظاهرية ، ولا يجوز وصرفه لغير الله ، ذلك أن الأسباب وحدها لا تضر ولا تنفع ، فالنار سبب للإحراق ورغم ذلك لم تحرق نبي الله إبراهيم .
قوله (..قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ..) (هود 70) بيان لسبب وجومهم وأنه مرسلون للعذاب لا للرحمة ، وأنهم مرسلون خصوصا لقوم لوط ، ولذلك ألقي في قلبه خوفا منهم لما رآه من حالهم
قوله (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ..) (71) جاء ضحكها بعدما طمأنت الملائكة إبراهيم روعه بقولهم (لا تخف) ، فهذا هو حال الإنسان دائما أن ينتابه الضحك والسرور بعدما يزول عنه الروع والقلق ، قال تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) (النجم 43) ، فحالها قبل الضحك مثل حال إبراهيم الخوف والروع والترقب والوجس ، وسبحان الله انقلب الحال إلى النقيض تماما بعد قول الملائكة (لا تخف) ، وبينوا سبب تجهمهم أنهم مرسلون بالعذاب لقوم لوط ، فاستبشرت بذلك أن حال وقت هلاك القوم المجرمين .
وقد تعجبت من حالها قبل هذه البشرى ، فسرت لزوال الغم عنها والترقب والخوف ، فكان ضحكها لأجل التعجب من تغير الحال بين لحظة وأخرى ، قال الشنقيطي (كان ضحكها ضحك تعجب واستبعاد)[26]، قال العلماء (وضحكها كان للتعجب بدلالة قوله (أتعجبين من أمر الله)[27] ، وقال الخازن (أنها ضحكت لزوال الخوف عنها)[28] .
وهكذا تأتي البشري بالسرور على المؤمن ، ولا يخفى عظم أجر من يفعل ذلك ، يقول النبي r ( أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا)[29].
قوله (..فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ) (هود/71) جاء هذه البشرى بعد الإخبار بهلاك قوم لوط ، وذلك لبيان أن أن الله تعالى لا يهلك قوما إلا وقد كان في قدره أن يستبدل قوما بآخرين ، فلا يهلك الله القرى إلا ويستبدل خير منها .
فصارت البشرى مركبة ، أي ليست بشرى واحدة ، فلم تبشر بولد وحسب ، وإنما بُشرت كذلك بأن اسحق سوف ينجب يعقوب فتكون من ذريته أنبياء ، وتستمر ذرية يعقوب ثم يوسف ومن بعده إلى موسى وداود وسليمان ثم عيسى هذا من فرع ، ومن فرع إسماعيل جاء النبي محمد r خاتم الأنبياء جميعا ، فما قطع الله شيئا إلا وصل بغيره ، قال ابن عطاء الله السكندري: "ومتى فتح لك باب الفهم في المنع، صار المنع عين العطاء"
قوله (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) (هود/72) جاء توقيت البشرى في وقت يئست فيه امرأة إبراهيم (سارة) أن تنجب ولدا ، وقد يئست من المحيض ، الأمر الذي أثار استغرابها ، أتلد بعد كل هذه المدة وقد صارت عجوزا ، لا تلد ، أتلد وزوجها صار شيخا كبيرا ، فالأسباب العلمية والطبية لحصول الحمل منعدمة ، ولكن لله قدرة على تفعيل الأسباب الضعيفة وخلق أسباب فاعلة تحل محل الأسباب المنعدمة ، ولله الحكمة في ذلك .
وجاء عجبها بعدما ازداد شوقها للولد ، سيما أن (هاجر) أنجبت من نبي الله من إبراهيم ابنه "إسماعيل" والذي من ذريته جاء رسول الله r ، فجاءت البشرى لسارة حتى تعلم أن الله صدقها في نيتها لله خيرا ، فرزق الله تعالى آت آت ، ولا يعلم أحد متى سوف يأتي إلا الله .
قال ابن حجر أخرج الطبري من طريق السدي قال (انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقى سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر ، فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد ثم ذكر قصة مجيء الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتبشيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشرة سنة)[30].
قوله (قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ..) (73) حيث عجبت من أن الله يخلق الله منها ولدا ، وقد تمنت الولد زمنا ،ولم يقدر لها ذلك ، واليوم بعد أن كبرت يجيب الله دعوتها ويرزقها الولد ، فكم تمنت المرأة في شبابها الولد لتربيه وتهتم به ، فلما كبرت في السن وأصبحت عاقر لا تنجب تأتيها البشرى بالولد ، فكيف تهتم به وهي بحاجة لمن يهتم بها ويرعاها ؟ فحسبان الله الذي قدر المقادير على هذا النحو لحكمة هو يعلمها ، فالمستقبل بيد الله وحده ، والإنسان لا يكلف إلا بما يستطيع ، فليس عليها أن تحمل هَمَّ المستقبل ، وهَمَّ وليدها ورضيعها ، (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) (النساء 9) .
قوله ( رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) (هود 73) فلا ييأس العبد من رحمة الله أن تصله ، ولا بركته أن تفيض عليه ، طالما سأله فلابد وأن يستجيب ، قال النبي r (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل) ، فإعطاء سارة الولد من رحمة الله التي أنزلها عليها ، ومن بركته أن جعلها تحمل في هذا السن ، قال ابن عاشور (فأهل بيت النبوة أهل لتلك الرحمة والبركة فلا عجب في وقوعها عندهم)[31] .
وعلى وجه العموم فإن الرحمة والبركة التي يعم الله بها المؤمنين الموحدين بوجه عام ، قال سبحانه (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب/43) ، والبركة عم الله بها المتبعين لسنة نبيه ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ)[32] .
قوله (..إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) (هود/73) قال ابن عاشور (تعليل لتوجه رحمته وبركاته إليهم بأن الله يحمد من يطيعه، وبأنه مجيد، أي عظيم الشأن لا حد لنعمه فلا يعظم عليه أن يعطيها ولدا، وفي اختيار وصف الحميد من بين الأسماء الحسنى كناية عن رضى الله تعالى على إبراهيم – عليه وآله) [33]
وقد خص الله الرحمة والبركة -هنا- بأهل البيت ، لمعنى خاص ، حيث تظل الرحمة والبركة في آل البيت إلى يوم القيامة ،وقد سن النبي r الصلاة الإبراهيمية في التشهد في كل صلاة ،كدليل على هذه الرحمة والبركة عليهم ، فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ r فَقُلْتُ بَلَى فَأَهْدِهَا لِي فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ)[34] .
قوله (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) (هود/74) فلما اطمأن لهم وجه إليهم سؤالا ، كما في قوله تعالى (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) (الذاريات/31-34) ، ولم يأت في سورة هود ذكر لهذه الحكاية ، ولعل سبب حكاية القصة بهذه الطريقة في سورة هود الاهتمام بالأمر الذي جاءوا منه أجله ، والذي لأجله جادلهم نبي الله ابراهيم ، وهو إهلاك قوم لوط ، وقد جاء التلطيف بالبشري حال الإخبار به ، في حين أن المقصود في سورة الذاريات هو استظهار البشرى ذاتها ، وهو ما يتماشى مع سياق السورة والتي تتحدث عن الرزق ، وإنما جاء الإخبار بالعذاب في ثنايا الحديث عن البشرى لمن كذب بهذا الرزق ، وبحث عن الحرام لتلبية شهوته .
فكانت مجادلته لأجل نبي الله لوط ، قال تعالى (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ)[العنكبوت/31، 32] ، بيد أن المجادلة هنا تطرقت إلى قوم لوط ، ولعله يقصد الصالحون في قوم لوط ، ولم يكونوا مصلحين .
ويشهد لذلك ما سألت عنه زوج رسول الله r ، فعن زَيْنَبُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)[35]، أي إذا لم يستطع الصالحون أن ينكروا على أهل الخبث خبثهم فكثر الخبث ، ولم يؤثر صلاحهم في ردعهم عنه أو الحد منه أو تقليله ، جاز أن يهلكوا جميعا ، قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود/117)، فلم يعتد بصلاحهم وإنما بمحاولة إصلاحهم .
قوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) (هود/75) ذلك أن الأنبياء يعملون بالإرادة الشرعية لله تعالى ، ويسلمون للإرادة الكونية لله ، فالإرادة الشرعية معلومة بما ورد عن الوحي ، أما الإرادة الكونية فلا تُعرف إلا حالما تقع وتحصل ، ولا يبقى غير التسليم لله بها ، إيمانا بقضاءه وقدره ، فالنبي في إطار علمه ووظيفته الشرعية يرجو تأخير العذاب عن قوم لوط لعلهم يتوبون ويسلمون ، لكنه لما علم أن قضاء الله نافذ كونا أعرض عما كان يتمناه وسلم تسليما لقضاء الله وقدره .
من هنا جاز (وصفه r بثلاثة أوصاف :-
الأول : بأنه "حليم" أي صبور على أذى قومه ، يصفح عن جنايتهم ، ويقابلها بالإحسان
والثاني : أنه "أواه" أي كثير الدعاء والتأوه والتضرع
والثالث : أنه "منيب" أي سريع الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار وإلى كل ما يحبه الله ويرضاه) [36]
إذن كان جدل إبراهيم في إطار العمل بالإرادة الشرعية للمولى سبحانه ، قال الرازي (ولو كان هذا "الجدل" من الذنوب لما ذكر عقيبه ما يدل على المدح العظيم)[37]، أي أن الله مدحه بوصفه "أواه" ، "منيب" وهما صفتان محمودتان ، أي أنه "أواه" بما يعني أنه يطيع الله تعالى بخشوع حتى التأوه في الدعاء والإلحاح على الله ، وأنه "منيب" أي يعود إلى الله وينيب إليه ، ويسترجع بقوله لا حول ولا قوة إلا بالله .
قوله (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) (هود/76) والمقصود نهيه عن السبب الذي حمله على المجادلة وهو (رقة قلبه وفرط ترحمه)[38]، فقد أخبره الله بأن أمر الله الكوني قد نفذ ، ولا وجه لاستكمال العمل الدعوي ، فهو يعلم ما لا يعلمه ، مثلما كان يعلم سبحانه أن ابن نوح ليس صالحا ، وكان نوح يظن فيه خيرا ، لكن الله عاتبه أن استمر في المجادلة فيما لا يعلمه ، قال سبحانه (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود/46).
فتلك صورة أخرى من صور الاستقامة على الصراط المستقيم ، وأنه لا سبيل للمجادلة فيما قدره الله وأمره به ، وكان قدر الله أمرا مقدورا ، فلا راد لحكمه ولا مانع لقضائه إذا نزل ، يقول ابن عطية (هذه الآية تقتضي أن الدعاء إنما هو أن يوفق اللهُ الداعيَّ إلى طلب المقدور ، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع)[39].
[1] ) رواه البخاري ج10 ص 198 رقم 2787
[2] ) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج2 ص 144
[3] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن جبرين ج3 ص 292
[4] ) تفسير روح البيان ج4 ص 226
[5] ) رواه البخاري ج11 ص 150 رقم 3113
[6] ) ملتقى أهل التفسير
https://mtafsir.net/threads/ /المسافات-الزمنية-المطوية-في-قصة-إبراهيم-عليه-السلام.25229/
[7] ) رواه البخاري ج1 ص122 رقم 67
[8] ) مدارج السالكين ج1 ص 506
[9] ) رواه البخاري ج1 ص 19 ص 11
[10] ) شرح النووي على مسلم ج2 ج10
[11] ) تفسير القرطبي ج11 ص 112
[12] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفهج8 ص 468 رقم 26386 : قال الدكتور حاكم المطيري: إسناده صحيح.
[13] ) رواه ابن أبي شيبة ج8 ص 467 رقم 26383 بسند صحيح على شرط الشيخين
[14] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 378 رقم 1107 وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ج1 ص 441
[15] ) فقد اختلف العلماء في السلام على الكافر ابتداءً، وفي رد السلام عليه إن سلم هو، فأكثر العلماء من السلف والخلف على تحريم الابتداء ووجوب الرد عليه، فيقول في رده على سلام الكافر: وعليك أو عليكم. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقه" رواه مسلم.
وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام وكذلك ردنا عليهم، وهو مذهب ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه عند الشافعية، لكن باللفظ المفرد كأن يقول: السلام عليك للواحد، والسلام عليكم للجماعة، بخلاف المسلم فإنه يسلم عليه بلفظ الجمع سواء كان مفرداً أو جماعة.
وذهبت جماعة إلى أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة، أو لسبب معتبر كمصلحة دينية مرجوة، وهو قول عكرمة والنخعي، وعن الأوزاعي أنه قال: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون .
والأظهر ـ والله أعلم ـ أن المسلم إذا كان في دار الإسلام فإنه يحرم عليه ابتداؤهم بالسلام لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام.." وغيرهم من الكفار من باب أولى، إلا إذا كان المسلم في دار الكفر بينهم فله أن يسلّم عليهم مبتدئا وراداً، مصانعة لهم ودفعاً للضرر الذي قد يحصل من ترك السلام عليهم
فتوى عبد السلام البسيوني – الأقصى 16 صفر 1422 ، 10/5/2001 ، انظر المفصل في أحكام الهجرة ج5 ص 168 للشيخ علي بن نايف الشحود
[16] )فيض القدير ج1 ص 483
[17] ) رواه البخاري ج18 ص 437 رقم 5559
[18] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 208 رقم 594 وصححه الألباني ج1 ص 235
[19] ) رواه البخاري ج1 ص 19 ص 11
[20] ) الامام ابي الفرج ابن الجوزي : تذكرة الأريب تفسير الغريب ج1 ص 251
[21] ) تيسير التفسيرللقطان ج2 ص 228
[22] ) رواه البخاري ج16 ص 163 رقم 4775
[23] ) رواه البخاري ج16 ص 168 رقم 4779
[24] ) رواه البخاري ج16 ص 170 رقم 4780
[25] ) التحرير والتنوير ج20 ص 50
[26] ) التحرير والتنوير ج11 ص 296
[27] ) أبو القاسم الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 292
[28] ) تفسير الخازن ج3 ص 466 وذكر البغوي قال قتادة : ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي : ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة في بيته وهو فيما بين خدمه وحشمه، وقيل: ضحكت سرورًا بالبشارة مختصر تفسير البغوي ج4 ص 77 المؤلف : عبد الله بن أحمد بن علي الزيد
[29] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج12 ص 453 رقم 13680 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 154
[30] ) فتح الباري ج12 ص 379
[31] ) التحرير والتنوير ج11 ص 298
[32] ) رواه مسلم ج10 ص 332 رقم 3796
[33] ) التحرير والتنوير ج11 ص 298
[34] ) رواه البخاري ج11 ص 156 رقم 3119
[35] ) رواه البخاري ج11 ص 432 رقم 3331
[36] ) تفسير الوسيط لطنطاوي ج1 ص 2235
[37] ) تفسير الرازي ج8 ص 443
[38] ) البحر المديد ج3 ص 62
[39] ) المحرر الوجيز ج3 ص 449
-
الثلاثاء PM 01:57
2026-09-01 - 43



