المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1952124
يتصفح الموقع حاليا : 170

البحث

البحث

عرض المادة

استقامة لوط على إنكار المنكر -حال الضعف- تكللت بالفرج

د / احمد نصير

المحور السادس

استقامة لوط على إنكار المنكر -حال الضعف- تكللت بالفرج

 

قال تعالى (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (83)

 

سجل القرآن في هذا المقطع أروع مثال في الاستقامة على إنكار المنكر في ظل استفحاله وبشاعته وعلانيته ، وفي الوقت الذي يعجز أهل الإصلاح عن مواجهة أهل المنكر وصدهم عن منكرهم حتى حاق المنكر بمن حولهم وبضيوفهم ، فاستشعروا الحرج والخزي أن يصيبهم مكروه وهم في ضيافتهم ، ولا يملكون من أسباب القوة المادية شيء ليذودوا عن ضيوفهم ، وإنما ينكرون المنكر بالقول تارة وبالقلب تارة أخرى ، ولا يستطيعون أكثر من ذلك

 

 وما أروع تذكير لوط قومه بمنهج الإسلام في تصريف الشهوة ، وأنه منهج معتدل يحقق الغرض من الاستخلاف في الأرض ويحفظ للشهوة طبعها المحمود في إطار عقد زواج شرعي يتفق مع الفطرة ولا يصطدم بها ، ولكن قومه ألفوا سعار الشهوة غير المنضبطة وغير الموظفة لعمارة الكون ، فكلما انساقوا وراءها ازدادوا سعارا ، وهنا اعتذر نبي الله لوط واعتذر المؤمنون معه إلى الله ضعفهم وقلة حيلتهم ، وكأن حال لسان أهل الإصلاح يقول :-

اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس أنت أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك أو ينزل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك

 

فسمع الله دعاء أهل الإصلاح وأمر ملائكته لتقلب قرى المجرمين رأسا على عقب ونجي المؤمنين الذين يستمسكون بالحق ويستقيمون على الصراط المستقيم

 

ولكن وقبل أن تحصل هذه الاستجابة بقي عمل بسيط لابد وأن يقوم لوط والذين آمنوا به جميعا ، وهو الحركة لأجل هذه الدعوة ، بأن يسير بالمؤمنين بالليل ويصبر حتى يأتي قبيل الصبح ، وقد أخبرته الملائكة بأن زوجته ليست ضمن الناجين لأنها لم تكن يوما ضمن طائفة المصلحين المنكرين للمنكر حتى ينجيها الله من نقمته وعذابه الذي سوف يحيق بالظالمين .

 

وهنا لابد وأن نفهم أن المشروع الإصلاحي لابد لنجاحه من عمل ، وهؤلاء المصلحين عجزوا عن مقارعة الباطل بالقوة ، فكانت الحركة التي أمروا بها هي دليل على أنهم لم يقصروا في التماس أسباب القوة ، ولذلك لما أمرهم الله بتلك الحركة لم يتوانوا عنها وانطلقوا حيث أمرهم الله ، لتحصل المعجزة ،وينتصر الحق ويزهق الباطل ، فتنزل حجارة معلمة بأسماء المجرمين لترجمهم واحدا واحدا ، فلا يفلت منهم أحد .

 

قوله (وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (هود 77) التفات عن قصة إبراهيم مع الملائكة لاستكمال قصة الملائكة من جانب نبي الله لوط ، فقد جاءته الملائكة ، ولم يعرفهم أول الأمر ، وظن أنهم بشر ، وهو يعلم أن قومه متلبسون بفاحشة اللواط ، فخاف عدوان قومه عليهم لما قدموا عليه ، وهاله أن يخزلهم وليس به قوة أن يدفع الشر عنهم ، ولذلك سيء من رؤية الضيوف قادمين عليه ، وضاق بهم ذرعا ، لأنه لا يملك نصرتهم والذود عنهم ، في ذلك دليل عظيم على أن المؤمن يقع عليه واجب حماية ضيوفه ، ومن يدخل في جواره ، وبقدر حماه تكون دولته ، ويوسع الله على من يشاء من عباده دولتهم ، فدولتك حيث تستطيع أن تطبق أحكام الله .

 

ونبي الله لوط لم تكن له دولة ، فأقل قريته قادرون على أن يدخلوا بيته ، ويفعلوا الفاحشة في ضيوفه ، ولذلك أصابه غم كبير ، فقال هذا يوم عصيب ، قال الواحدي (ولمَّا علم قومه بمجيء قومٍ حسانِ الوجوه أضيافاً للوط قصدوا داره ، وذلك قوله (وجاء قومه يهرعون إليه) أَيْ : يُسرعون إليه "ومن قبل" أَيْ : ومِنْ قبل مجيئهم إلى لوطٍ (كانوا يعملون السيئات) يعني : فعلهم المنكر)[1].

 

وقوله (وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) (هود 77) قال هذا القول ليُحَمِّل نفسه مسئولية أداء واجب إنكار المنكر في ذلك الوقت ، وهم في شدة الضعف ، فليس أهم الآن من أن يذود عن ضيوفه الخطر ، وليس له أن يخذلهم ، ولا أن يعجز في دفع الخطر المحدق بهم ، ولذلك تأهب لذلك الخطر ، وحمس نفسه بهذا القول ، واستعد للمواجهة مستعينا بالله حتى لا يقع ، مع قلة حيلته ، وشدة سعارهم وفجورهم .

 

قال العلماء ولا تعارض بين هذا القول وحديث رسول الله r (لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ)[2] ، يعني هو الذي قدر ما قدر في ذلك الزمان ، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ اللَّهُ يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ)[3]، ذلك أنه لم يُرد أن يسب هذا اليوم ويقدح فيه ، فليس لنبي أن يسخط قدر الله ، ولكنه أراد أن يخبر بأنه يوم شديد عليه ، إذ لا طاقة له علي محاربتهم ودفع الشر عن ضيوفه ، ولكنه سوف يفعل ما يقدر مستعينا بالله عليهم رغم ضعفه ، قال العثيمين (يجب الفرق بين الإنشاء والقدح والذم وبين مجرد الخبر، وهذا حسب نية الإنسان)[4]، وهو المستبان من قوله r (لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر)[5]، أي بقصد الشكوى ، والاعتراض على قدر الله وقضائه .

 

قوله (وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ...) (هود/78) تصوير لمدى غلواء الشهوة وسعارها وشذوذ الفطرة وانتكاستها عندما رأى قومه الضيوف ، وتوصيف لحالهم أنهم كانوا متلبسين بها قبل مجيئهم ، ما يبين أنهم لا يكادون ينتهون عنها أبدا ، بل أرادوا أن يستكملوا في الفاحشة من غير انقطاع ودون استراحة ، ما يؤكد أن هؤلاء خطر داهم على البشرية ولابد وأن ينزل بهم عذاب الله لاستئصالهم .

 

 

قوله (.. قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ..) (هود/78) من فطنة لوط عليه السلام أنه لم يواجه الشهوة المستعرة بالصد أو الكبت ، بل أشار إلى مصرفها الطبيعي كما خلق الله ، وهو الزواج من البنات ، فذكرهم بالزواج من البنات اللاتي هن في عمر بناته ، وقد نسب البنات له لأنه وليهن جميعا ، فهن نسوة لا رجال يقومون عليهن ، وقد فسد رجالهن ، فلسن لهن ولي يرعاهن بانشغال الرجال بفعل اللوطية ، فكان نبي الله لوط هو ولي من لا ولي له ، بعدما فقد أهلهن الاعتبار والثقة ، وسقطت الولاية لهم عليهن ، لسوء الخلق  .

 

وهكذا لم يوجد في شرع الله شيئا إلا ويحض على الطهارة والنقاء ، كما قال رسول الله r (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) [6]، فالزواج الشرعي مكتمل الأركان طهر ولا شك ، ولذلك قال نبي الله لوط "هن أطهر لكم" ، أي إتيان الشهوة وتصريفها في مصارفها الشرعية أطهر من تصريفها في غير ذلك ، (فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) ، فعلام تصريفها فيما حرم الله ، والفرصة في الشعور النقي والطاهر باللذة أحله الله في إطار الزواج الصحيح ، قال رسول الله r (وَفِي بُضْعِ – أي المني - أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا)[7] ، ما يعني أن الإسلام لا يضيق مجاري الشهوة ، بل يجعلها تجري في مصارفها الطبيعية بما يحقق الغرض من الاستخلاف في الأرض .

 

وعند عقد المقارنة بين الزواج الشرعي من حيث مزاياه وأعبائه وتكاليفه مع غيره من وسائل تصريف الشهوة المحرمة ، نجد أن المحصلة تميل بقوة إلى الزواج الشرعي الذي يتميز عنها بالطهارة ، قال أحد المتأملين في حكمة الزواج (خلق الله لهذه الشهوة قوة ، فالإِنْسَان مسوق إلى التناسل رغم أنفه ومسخر على احتمال كُلّ ما يترتب عَلَيْهِ من النصب ومَعَ ذَلِكَ فهو راضٍ كُلّ الرِّضَا ، وكَذَلِكَ المرأة لولا ما جعل الله فها من هذه الشهوة القوية ما كانت تستطيع حمل عبء الولادة والحمل ومشاق تربية الأولاد وهم صغار والسهر في الليالي والقيام على حراستهم ودفع الأضرار المكروهة عنهم وهم أطفال صغار واحتمال ما يعتريهم من الآلام وعدم الرَّاحَة.

 وأيضًا فإن الله قَدْ خلق النساء على حالةٍ من الضعف لا يقدرن معها على احتمال تكاليف الحياة ومشاق الجهاد في معتركها ، فسخر الله لهن الرِّجَال يحملون عنهن كُلّ ما يعجزن عن احتماله في سبيل حياتهن بدافع هذه الشهوة القوية التي أودعها العزيز الحكيم جَلَّ وَعَلا ، ولولاها –الشهوة- لما كَانَ للنساء هَذَا السُّلْطَان على النُّفُوس .

 

وإذا علمت أن شهوة الفرج لها تلك القوة والتأثير ، علمت كذلك أنها ما خلقت إلا لحكمة أرادها الله ، فاعْلَمْ أن العقل مسئول عن تصريف هذه الشهوة والوقوف معها عَنْدَ الحد الَّذِي خلقت من أجله ، ولا يتركها تهيج بالوسائل المختلفة بل يجب عَلَيْهِ أن يبتعد عن كُلّ الأسباب التي تحركها وتبعثها إلى ما هُوَ ممنوع شرعًا)[8] .

 

قوله (..فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي) (هود/78) لم يملك نبي الله لوط عليه السلام من الأمر شيئا إلا أن ذكرهم بتقوى الله الذي شرع لهم الزواج ، فيلتمسوا طريق الفطرة السليمة ، واسترجاهم ألا يلحقه الخزي والعار من فضيحتهم ، وشناعة فعلتهم ، فأظهر خشيته من عدوانهم على  ضيوفه ، والتمس منهم أن يكفوا عدوانهم عليهم ، ويلتزموا مكارم الأخلاق التي هي معروفة في كل ملة .

 

وهو موقف شديد الحرج على نبي الله لوط ، ويدل على شدة هوانه وضعفه في طريقة دفع خطرهم الوشيك ، فلا يصل إلى هذا الحال من الاسترجاء والاستعطاف من اللوطيين الذين هم أجرم خلق الله إلا من كان في ضعف شديد ، ولكنه بصلته بالله قد آوى إلى ركن شديد وإن انقطعت عنه أسباب الاستقواء وإنكر المنكر ، لكنه لم يستسلم واستقام على كلمة الحق ، وجاهدهم بالكلة ، وهو في هذا الحال من الضعف والهوان .

 

 قوله (.. أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) (هود/78)  التمس أن يجد فيهم رجلا رشيدا ، لعله يعزز موقفه وينهاهم معه عن ذلك ، لكنه لم يجد من يجرؤ على ذلك ، فالظاهر من السياق أن القلة المؤمنة لم تملك حتى حيلة لدفع هؤلاء اللوطيين عن ضيوف نبيهم ، فرغم إيمانهم به ، إلا أن قدرتهم على الإصلاح لا تتعدى إنكار المنكر بالقلب ، وقد استطاع نبي الله لوط أن ينكر المنكر بالقول .

 

فمن أضعف حالات إنكار المنكر أن يستنصر المؤمن بعدوه ، فيستنصر بمروأته أو رشده ، ولا غرو في ذلك متى انتهكت حقوق الإنسان وأضحى المستضعفين تنتهك كل حقوقهم ولا ناصر لهم ، فلعل يأتي من بني الإنسان من لم يزل عنده نخوة فيدافع عن الحق رغم أنه لا ينتمي لأهل الحق ، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ)[9].

 

والحقيقة أنه لا يستنصر بهم بقدر ما يكون غرض سؤاله التوبيخ والإنكار عليهم ، ولعله يقصد من تلك المناشدة –كذلك - تقسيم مطالب أعدائه حتى تكون المنعة منه ذاته ، فينشغلون بأنفسهم ، ويقل الضرر علي ضيوفه ، وقد حصل مثل ذلك في شأن أخوة يوسف لما هموا بقتله ، قال تعالى (قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ) (يوسف/10) ، وكذلك حصل مثل ذلك في قصة امرأة فرعون لما وجدت موسى في اليم وهو رضيع ، قال تعالى (وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (القصص/9) .

 

 وهكذا أراد نبي الله لوط أن يلتمس منعة من أي عاقل منهم ، ليكون عونا له عليهم ، قال ابن عاشور (وهذا إغراء لهم على التعقل ليظهر فيهم من يتفطن إلى فساد ما هم فيه فينهاهم، فإن ظهور الرشيد في الفئة الضالة يفتح باب الرشاد لهم ، وبالعكس تمالؤهم على الباطل يزيدهم ضراوة به)[10].

 

قوله (قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ..) (هود/79) والمعنى (ما لنا في بناتك رغبة)[11]، وهو ما يؤسف عليه ، أن تنطفي الشهوة التي أحلها الله ، وتستعر الشهوة المحرمة في المقابل ، وهذا من شؤم المعصية ، فما من شهوة محرمة إلا وبسببها ينطفئ التلذذ بالنعمة التي أحلها الله تعالى ، تماما مثل شارب الخمر ، فإنه إذا أدمنه لم يشرب اللبن والعسل إلا نادرا ، تماما مثل الخنزير يأكل الروث والفضلات والقاذورات ويرغب عن المراعي الخضراء .

 

 

وقولهم (وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) (هود/79) فيه شيء من التأدب مع هذا الشيخ الكبير وعدم التصريح بمطلبهم أمامه رغم جراءتهم على ضيوفه ، وفي ذلك فائدة وهي الحرص على أن يظل الحاجز الأدبي قائما بينه وبين عدوه حتى في أحلك الظروف وأحرجها .

 

ويشهد لهذا المعنى ما روي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَتَى النَّبِيَّ r أُنَاسٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ)[12]، فالشاهد من الحديث أنهم كانوا يلقبونه بكنيته رغم تمنيهم موته ، وقد بدا ذلك من أفواههم ، لأن (السام) يعني الموت ، فتجدهم يحرفون السلام لمعنى آخر بقصد الدعاء عليه بالخلاص منه ، ولكنهم ورغم ذلك يظهرون له احترامهم ، بمناداته بكُنْيته ، أي اللقب الذي اشتهر به .

 

قوله (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً..) (هود/80) هنا يلتمس النبي من الأسباب الشرعية ما يجعله قادرًا على مواجهة خيانة قومه ، وإنكار منكرهم ، وجهادهم ، ودفع صولتهم ، فكنى بالقوة عن الأهل والعشيرة ، ولذلك قيل (.. إنما أراد العدة من الرجال ، وإلا فله ركن وثيق مع معونة الله ونصرته ، فضمنت الآية بيان عما يوجبه حال المحق إذا رأى منكرًا ولا يمكنه إزالته ، فيتحسر بقلبه على أنه ليس معه قوة أو معين على دفع المنكر ، ما يدل على حرصه على طاعة ربه ، وجزعه من معصيته ، فامتنع من إنكار المنكر بالقوة لامتناع من يعينه على ذلك)[13]، وهذا من أقوى الأدلة على الاستقامة على إنكار المنكر بالقلب في شدة الضعف والتحسر على ذلك .

 

والمقصود أنه لم يكن معه أحد ينصره من أهل قرابته قال رسول الله r (ورحمة الله على لوط إن كان ليأوى إلى ركن شديد إذ قال لقومه لو إن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ما إن بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه) ("الثروة" الكثرة والمنعة)[14] ، ونحن نعلم من سيرة رسول الله r أن عمه أبو طالب كان يمنع القوم عنه ، ما يعني أن نبي الله لوط لم يكن له قرابة وأهل ينصرونه ، بينما غيره من الأنبياء الذين جاؤوا بعده كان لهم عصمة من الأنبياء ، قال الطحاوي (فدل ذلك أن قول لوط هذا كان لأنه لم يكن في ثروة من قومه يكونون له ركنا يأوي إليهم)[15]

 

 قوله (.. أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) (هود/80) أي أنه لم يجد غير ركن الله تعالى ، فيأوي إليه وهو يعلم أنه ركن شديد ، بما يستدل منه على انقطاع الأسباب إلا الدعاء ، أي أنه ليس عليه أن يأخذ بالأسباب ، فليس عليه تكليف شرعي لصد قومهم بعدما استفرغ وسائل الإنكار اللسان ، غير أن يتوجه بالدعاء لله .

 

 فعن النَّبِيَّ r قَالَ (يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطٍ إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)[16]، قال النووي (المراد بالركن الشديد هو الله سبحانه وتعالى)[17] ، قال المناوي (أي أشد أي أعظم وهو الله تعالى) ،وقال البيضاوي : (لا ركن أشد من الركن الذي كان يأوى إليه وهو عصمة الله وحفظه)[18] .

 

فقوله هذا يدل على أنه قد انقطعت عنه الأسباب ، ولم يبق غير جناب الله ليأوي إليه ، قال أبو حيان (كنى به عن جناب الله تعالى)[19]، فمن آداب التوكل على الله ومن آداب الدعاء ، الفراغ من الأسباب ، ليكون الدعاء بعدها هو عين التوكل وليس التواكل .

 

قوله (قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ) (هود/81) بشرت الملائكة نبي الله لوط بالفرج القريب ، وأخبرته بأنه في منعة منهم  ، ما يعني تفريج همه بأنهم لن يصلوا إلى ضيوفه ولن يمسوهم سوء ، وهو ما يعني كذلك أن ما ألم به من عسر وإن طال زمنه فقد صاحبه اليسر ، وهو لا يدري ، فالذين جاءوا لنجدتهم ظن أنهم هم المجني عليهم ، فجاء أمر الله وحان وقت الفرج .

 

قوله (..فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ ) اشترطوا عليه استمرار الحذر والابتعاد من عدوه ، فالأخذ بالأسباب عبادة ووسيلة إصلاح شرعية حتى عند قرب ظهور المعجزة ، وقد أوشك عذاب الله ينزل عليهم ، ما يعني أن وجوب الأخذ بالأسباب حتى آخر لحظة ، فأمروه بأن يسير بالليل حتى لا يتبعهم أحد ، وهو عين ما أمر الله به نبيه موسى لما أمره بأن يضرب بعصاه البحر فانشق ، فالمعجزة وإن كانت ستحصل فإنها تحصل بجهد أهل الصلاح أنفسهم ، وذلك بالتماس أسباب النصر والإصلاح ، ولو شاء الله أن يشق البحر بغير أن يضرب بعصاه لفعل .

 

قوله (..وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ ) (هود/81) تلك هي النصيحة التي أسدوها إليه ، بأن يعتزل قومه بالليل غير آبه ما سوف يصيبهم من العذاب ، فلا يلتفت إليهم مرة أخرى مهما سمع من أصواتهم وصرخاتهم .

 

وأخبروه بأنه سوف يفقد في الطريق امرأته فلا يلتفت لصراخها ، لأنها لم تكن من أهله ، فأهل الدعوة هم أهل الحق الذين ينكرون المنكر ولو بالقلب ، ولم تكن هي منهم ، فمن لم يكن من أهل الإصلاح وصف بالخيانة ، وإن كان صالحا ، لأن الصلاح لا يكون حقا إلا لأهل الإصلاح ، واستقام على إرادة الاصلاح ما استطاع في ظل أحلك الظروف وأشد لحظات الاستضعاف ، قال سبحانه (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (التحريم/10) .

 

قوله (..إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ) تضمنت البشرى تحديد موعد وقوع هذا العذاب بالقوم المسرفين ، بأنه وقت الصبح ، ليكون لهم وقت يراجعوا فيه أنفسهم بعدما طمس الله أعينهم عن ضيوفه ، لعلهم يتوبون .

 

 وترتب على ذلك أن على نبي الله لوط ظل صابرا محتسبا حتى جاء موعد إهلاكهم في الصبح ، فالنصر لابد معه من صبر ، وهو وإن صبر زمنا طويلا ، إلا أن صبره حتى الصبح هذه المرة أطول من ذي قبل ، وذلك ليعلم المؤمن أنه ليس هو الذي يختار وقت النصر ، وإنما يأتيه الله به ، وليس عليه سوى التماس أسبابه حتى يبشره الله به ، قال تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر/51) .

 

قوله (فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ) (هود/82) المنضود المتتابع بقوة لا سبيل للنجاة منه ، فالقصف المتتابع يدك القرى دكا ، فيجعل أعلاها أسفلها ، وتصير بيوتهم درما ، فهذا التعبير كناية عن التدمير الشامل ، فعن رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ)[20].

 

قوله (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) (هود/83) مسومة يعني معلمة ، مكتوب على كل حجر اسم من يصيبه ، قال الواحدي (مًعلَّمة على كلِّ حجرٍ منها اسم مَنْ يهلك به)[21] ،فلا يفلت منهم أحد أي أن هذا العذاب ليس عام وحسب، فهو وإن كان في ظاهره عام ، إلا أنه خاص بأسماء مستحقيه فردا فردا .

 

 


 

[1] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 348

[2] ) رواه مسلم ج11 ص 313 رقم 4169

[3] ) رواه البخاري ج19 ص 161 رقم 5713

[4] ) العثيمين : لقاء الباب المفتوح ج39 ص 14 دروس صوتية فرغها موقع الشبكة الإسلامية

[5] ) رواه البخاري ج1 ص 269 رقم 769

[6] ) رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 175 رقم 331

[7] ) رواه مسلم ج5 ص 177 رقم 1674

[8] ) عبد العزيز بن محمد عبد المحسن السلمان : موارد الظمآن لدروس الزمان ج5 ص 93 عضو في ملتقى أهل الحديث : المتوفي 1422 هـ

وقد ذكر الغزالي في إحياء علوم الدين فوائد من هذا القبيل وقرأتها منذ زمن ، ولكنني وجدت كلام الشيخ عبد العزيز يعدلها فاكتفيت بكلامه اختصارا للوقت

[9] ) رواه البخاري ج20 ص 273 رقم 6116

[10] ) التحرير والتنوير ج11 ص 303

[11] ) وهو ما عليه جمهور المفسرين : التحرير والتنوير ج11 ص 304 ، التسهيل لعلوم التنزيل لابن الجزي ج1 ص710 ،

[12] ) رواه مسلم ج11 ص 133 رقم 4028

[13] ) شرح صحيح البخاري لابن بطال ج10 ص 293 مع كثير من التصرف

[14] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 212 رقم 605 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص 238رقم 473/605

[15] ) الطحاوي : بيان مشكل الآثار ج1 ص 173

[16] ) رواه البخاري ج11 ص 166 رقم 3124

[17] ) شرح النووي على مسلم ج2 ص 184

[18] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 58

[19] ) البحر المحيط ج6 ص 445

[20] ) رواه ابن ماجة ج7 ص 462 رقم 2551 وصححه الألباني ج7 ص 462 رقم 2551

[21] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 934

  • الاربعاء PM 01:26
    2026-09-02
  • 52
Powered by: GateGold