المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1952124
يتصفح الموقع حاليا : 170

البحث

البحث

عرض المادة

استقامة شعيب على إصلاح الفساد التجاري حتى جاء وقت المفاصلة عندما هددوه بالرجم

د / احمد نصير

المحور السابع

استقامة شعيب على إصلاح الفساد التجاري حتى جاء وقت المفاصلة عندما هددوه بالرجم

 

قال تعالى (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86) قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

 

من اللافت للنظر في هذا المقطع أن دعوة نبي الله شعيب الإصلاحية تقدمها كالعادة الأمر بعبادة الله والشفقة على قومه وخوفه من أن يصيبهم عذاب الله ، لكن هنا بعض التفصيل ، وهو نهييه لهم نقص المكيال والميزان ، أي نهاهم عن الغش التجاري ، وهو أمر لافت للنظر حقا ، لأنه الترجمة الحقيقية لقول لا إله إلا الله ، فالمسلمون معروفون بجملة آداب معينة منها أنهم لا يغشون في التجارة ، هكذا عرف المسلمون الأوائل ، ولابد أن يعرفوا بذلك ، حتى فتح التجار المسلمون بلدان شرق أسيا عبر التجار والدعاة والملاحين المسلمين القادمين من العرب والفرس والهند والصين، دون حروب أو فتوحات عسكرية .

  فقد ظهرت أولى طلائع الوجود الإسلامي في القرن التاسع الميلادي في شمال سومطرة (منطقة آتشيه) ، وانتشر الإسلام بشكل واسع وتأسست الممالك والسلطنات الإسلامية الأولى في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين؛ مثل مملكة بيرلاك (سُجلت كإسلامية عام 1292م) وسلطنة ملقا التي اعتنق حاكمها الإسلام رسمياً عام 1414 [1].

 

وهكذا نهاهم عن الفساد ، والله لا يحب الفساد ، فقال لهم (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) ، فاستبان بذلك أن المصلح ضد المفسد ، وأن الإصلاح ضد الإفساد ، فالمسلم يسير على صراط مستقيم ولا يبالي بمن اعوج عنه ، أما الذي يبتغي أن يعيش الحياة عوجا ، فإنه لا يلتزم بمنهج الإسلام ، وقد استبان أن نبي الله شعيب قد نهاهم عن الفساد ، وأمرهم بأن يعدلوا في الميزان التجاري ، فذلك خير لهم من حيث الربح ، ذلك أن التجارة تقوم في الأساس على الصدق والأمانة والشرف ، والتاجر الأمين هو الذي تروج تجارته ، أما التجار الذين يغشون لابد وأن تبور تجارتهم لعزوف الناس عنهم ، والتفافهم حول الأمين .

 

فلما وجد قوم شعيب أن نبيهم يستطرد في بيان أسباب منهجه الإصلاحي للاقتصاد والتجارة والنابع من منهجه الدعوي لإصلاح العقيدة ذاتها ناقشوه مستنكرين عليه إقحام الدين في التجارة والاقتصاد فقَالُواْ (يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (87) ، وهكذا نجد الفكر العلماني الذي يريد أن يحصر الدين في دائرة المسجد ويقصيه عن دوائر الحياة كلها بكل مجالاتها الاقتصاد والتجارة والسياسة والعسكرية والتعليم والفن والإعلام ........الخ ، هذا الفكر كان موجودا من بعيد الزمان حتى زمننا هذا

 

ولكنه عليه السلام رد عليهم ، (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) أي أن عليه إرادة الإصلاح ، أما إيكال النتائج فعلى الله وحده سبحانه ، وهددهم وحذرهم أن يصيبهم عذاب الله مثلما أصاب من قبلهم من المكذبين بالدعوة ، ثم ترأف بهم في الخطاب الدعوى وألان جانبه وحببهم في رحمة الله فقال (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)

 

هنا بدا انقلابهم عليه ، مثلما انقلبوا من قبل على نوح وعلى صالح وعلى هود وعلى إبراهيم وغيرهم من الأنبياء ، وهذا هو المعتاد من أهل الدنيا ، فبداءة اتهموا منهجه الاقتصادي بأنه منهج معقد غير مفهوم ، فإذا كان كذلك فلابد أنه غير قابل للتطبيق ، وهكذا أبطلوا النظرية الاقتصادية الإسلامية التي جاءهم بها بسياسة الاستعماء والاستحمار ، فلما أصر على منهجه استضعفوه وهددوه بالرجم , وهي عقوبة لا تتناسب إطلاقا مع حرية الفكر التي تنادت بها المجتمعات التي تزعم اهتمامها بحقوق الإنسان ، فعلام يرجم المرء على أفكاره وعقيدته ، ولم يرتكب فعل مادي يمس الآخرين ، إنما هي مجرد أقوال دون أفعال ، عبر عما في قلبه من مشاعر ، وما في عقله من اعتقاد جازم ، ولكن المجتمعات التي تتشدق بالانفتاح الاقتصادي وضمان حقوق الإنسان هي أول من يحتكر السلع ويغش في الميزان ويهضم حرية التعبير ولا يحترم حقوق الإنسان إذا ما لم تكن قد دانت لله تعالى بالعبادة وحده .

 

وقد منعهم من تنفيذ عدوانهم عليه ما بينه وبينهم من قرابة ، فتعللوا بالرهط الذي هم أقربائه وأنسبائه ، فذكرهم بالله حتى يكون الرجاء فيه وحده والخوف منه وحده ، وهكذا يظهر المنهج الدعوي لإصلاح العقيدة في كل موقف ، وظل الحال بينهما على ذلك (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ) ، حيث صار إنكار المنكر بالقلب هو عنوان هذه المرحلة ، وليس يملك أكثر من ذلك حتى جاء الفرج من الله سبحانه ، فنجا الله شعيب والذين آمنوا معه لكونهم أهل إصلاح ولم يسكتوا على المنكر ، بل أنكروه ولو بالقلب ، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فهلكوا جميعا ، (فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) .

 

وهكذا أقصى الله أمة من الأمم واستأصلها من الوجود ، لتظل العاقبة للمتقين رغم ضعفهم وقلة حيلتهم ، فإنهم إذا التزموا واستقاموا على منهج الإصلاح ، فلابد وأن تكون العاقبة لهم رغم انتفاء الأسباب التي تعينهم على إنكار المنكر بالقوة ، فالاستقامة على المنهج الإصلاحي تكفي لتحقيق النتائج ، وليس على أهل الإصلاح تحقيقها وإنما عليهم السعي لها بقولهم (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ) فهذا هو شعار أهل الإصلاح وعنوان منهجهم  .

 

قوله (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) أي (وأرسلنا إلى قبيلة مدين أخاهم في النسب شعيباً)[2] ، من هنا لابد وأن نعي دوما أن لمبدأ المواطنة أهمية قصوى في إيجاد صلة بين الداعي والمدعوين ، وهي صلة قوية تسهل إيصال الدعوة لهم ، لاسيما إذا ما احترمت حقوق الجيرة ،وبدا حسن المعاملة بينهما ، كما أن طول العشرة والجيرة يؤديان إلى توطيد هذه العلاقة حتى تصير أخوة إن لم تكن فعلا كذلك ، من هنا وصف القرآن بأخاهم شعيب

 

وقيل أنه (ما من نبي بعث مرتين إلا شعيب بعث مرة لأهل مدين ، فلما هلكوا بعثه الله لأصحاب الأيكة)[3] ، ولذلك وصف هنا بأنه أخوهم ، ولم يذكر ذلك في شأن أصحاب الأيكة ، لأنه لم يكن من أهل الأيكة ، قال تعالى (إذ قال لهم شعيب).

وكان يحسن الخطاب ، وقد بان ذلك فيما قصه القرآن عنه ، فعن محمد بن إسحاق قال : وشعيب بن ميكائيل النبي r بعثه الله نبيا فكان من خبره وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن وكان رسول الله r إذا ذكره قال : ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه)[4]

 

قوله (قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) (هود 84) واختيار مدين في إطار سرد حكايات الأنبياء له سببه لينضم إلى أسباب هلاك الأمم هو الفساد التجاري ، فعقيدة التوحيد لابد أن تصلح النظام التجاري في البلاد ، من هنا يسود الصدق في التعامل والأمانة في الميزان من منطلق عقائدي ، قائم على عبادة الله وحده ، ولأنهم لم يكونوا على تلك الأخلاق جاءهم نبي الله شعيب ناصحا لهم .

 

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)[5].

وقد تساءل الشيخ عطية سالم  عن حكم الغاش ، ومعنى قول النبي r (ليس مني) هل معناه ليس من المسلمين أي صار كافرا أم ليس من المتقين ، ثم أجاب فقال (مثل هذا النص لا يفسر، ولا يشرح، ويترك على إجماله؛ لأنه كالسوط المعلق، فمن رآه أرهبه، وهذا من أشد الوعيد فيما يتعلق بالغش)[6] ، ويقول الدكتور محمد الوهيبي (مثل هذه البراءة من النبي r معناها أنه ليس من المطيعين لنا ولا المقتدين بنا ، ولا المحافظين على شرعنا [7].

 

 

 فقوله (إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ) (84)  قال الألوسي أي (ملتبسين بثروة واسعة تغنيكم عن ذلك..والجملة في موضع التعليل للنهي)[8] ، فيبدو أن النبي المفوه والخطيب تلمس جانب الخير الذي يظنه فيهم ، ليكون الحياء منه مانعا لهم  أن يحتالوا على الناس ويغشوا  في الميزان والمكيال ، فقال لهم (إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ) أي خاطبهم مادحا حالهم أنهم أهل ثراء ولا حاجة لهم لحيل الغش التجاري حتى يقبلوا نصيحته ، فلا تخلو دعوة من رجاء النبي في قومه الخير لهم ، وأن تدوم لهم البركة في الرزق ، فخاطبهم من حيث هم متفقون معه ، بأنهم على خير حال وليسوا مضطرين لتلك الحيل لعلة الفقر والحاجة ، ولكن الإنسان كعادته (لحب الخير لشديد) ، يقول الرسول r (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ)[9] ، فالطمع يقلل بركة ما جمع.

 

قوله (..وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) (هود 84)  تعضيد لحيثيات النهي ، لأن تبرير النهي بغاية إصلاح الدنيا لا يكفي لتعليل سلوك الفرد المسلم الذي غايته إصلاح الدنيا لأجل إصلاح الآخرة ، فلابد وأن تتضافر مع هذه الحيثية حثية أخرى تتعلق بإصلاح الآخرة ، ولما كان المقام مقام نهي كان التهديد بالعذاب حيثية لابد من ذكرها لردع من تسول له نفسه غش الناس في المكيال أو الوزن لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، ما يعني أن الأمر مرجعه في النهاية إلى يقظة الوازع الديني عندهم .

 

قوله (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) (هود 85) فمن أغراض الشريعة الإسلامية إقامة القسط بين الناس ، كما في قوله سبحانه (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن/7-9).

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا)[10]، وقال تعالى (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات 9) ، قال ابن علان (العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه بغير إفراط ولا تفريط)[11]

قال النووي (فمعناه أن هذا الفضل إنما هو لمن عدل فيما تقلده من خلافة أو إمارة أو قضاء أو حسبة أو نظر على يتيم أو صدقة أو وقف وفيما يلزمه من حقوق أهله وعياله ونحو ذلك)[12] أي ونحو ذلك ولو تولى أمر سلعة ليبيعها للناس .

 

قوله (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود/85) نهاهم أن يخفضوا من ثمن السلعة عند الشراء عن الثمن العادل ، وهو الثمن السائد في السوق الحر ، وهذا يحصل عند شراء التجار السلعة من تاجر الجملة ، أو المزارع بكميات كبيرة  فيبخسوا بائع الجملة حقه ، أي يشتريها بائع التجزئة بثمن بخس ، ثم يبيعها بثمن باهظ ، فيقع الظلم في مرتين : الأولى عند الشراء من تاجر الجملة فيبخسوه حقه ، والثانية عند البيع للمستهلك ، فيغبنوا المشتري غبنا فاحشا ، وهكذا يفسدون في الأرض ، ويظنون أن قواعد التجارة تجيز ذلك .

 

 ولكن الإسلام يعلمنا أن نُقدِّر ثمن السلعة للناس بالحق ، بصرف النظر عن مبدأ تراضي الطرفين ، فهذا المبدأ ليس على إطلاقه ، بل تحد قواعد العدالة منه ، بمعنى أن الرضاء المعتبر في الشريعة الإسلامية هو الذي يحقق المصلحة للطرفين ، لا مصلحة أحدهما على الآخر ، وهو ما يحقق مبدأ تكافؤ اقتصاديات العقد ، فيكون المسلم أحرص على شراء السلعة بثمن عدل ، دون بخس حق البائع ، ولا يبيعها – كذلك- بثمن يتجاز حد التسامح ، فيقلب اقتصاديات العقد ، وهو ما يسمى بالغبن الفاحش .

 

 أما الغبن اليسير المتعارف بين الناس فيتسامح فيه ، لأن من السنة التسامح في البيع والشراء والمقايضة ، لقول رسول الله r (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى)[13] ، ولقوله r (وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ)[14]، ولا يتسامح  -  إطلاقا - في الغبن الفاحش ، بل يبطل به العقد ، لكن أنى تبطل العقود إذا كان السوق كله قد استشرى فيه الغبن بصورة فاحشة ، ولم يعرف الثمن العادل للسلع في ظل الفساد التجاري المستشري .

 

كما نهى النبي r عن شراء السلعة قبل قدومها السوق ، وهو ما يسمى بتلقي الركبان ، أي استقبال قافلة التجار خارج السوق ، قال رسول الله r (وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ)[15] ، حيث يخرج تجار السوق إلى القوافل التجارية خارج المدينة فيشترون منهم السلع قبل قدومها للسوق ، فيستغلون جهل التجار بمعرفة الأثمان في السوق ، فيبخسون أصحاب القوافل حقهم ، ولو أنهم تركوهم وشأنهم لباعوا مثل غيرهم من التجار بالسعر السائد في السوق ، الذي يحدده العرض والطلب وفقا لمعايير اقتصادية بحتة ، ولكنهم يفعلون ذلك ليبخسوهم حقهم وليتحكموا في السعر بسياسة الاحتكار ، وقد يضطروهم للبيع بمنعهم دخول السوق أو تخويفهم من دخول السوق بنشر أخبار كاذبة .

 

كذلك الحال فيمن يحتكر سلعة قد ولاه الله عليها ، ولا يعدل في ثمنها عند البيع ، وكذلك من يبخس الناس أشياءهم عند الشراء ، فهذا قد أخل بميزان القسط بين الناس ، وكلاهما يشق علي الناس ، يقول النبي r (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ)[16].

 

وفي علوم الاقتصاد لا يتصور أن يبيع الناس أشياءهم بثمن بخس إلا لمحتكر السلعة اضطرارا ، وهو ما يدل على انهيار ميزان العدل في الأسواق وفسادها بالكلية ، ويحصل ذلك عندما يكون احتكار السلع الأساسية سياسة تجارية متبعة ومتعارف عليها بين التجار ، لأن الطبيعي أن يصحح السوق ذاته من أي خطأ في ظل مرونة العرض والطلب والمنافسة الحرة والشريفة ، فالتاجر الذي يغالي في ثمن السلع لا يشتري منه أحد ، والتاجر الذي يبخس ثمن الأشياء لا يبيع له أحد ، ولكن عند الاحتكار يحصل العكس ، لأن السلعة المحتكرة أضحت عند تاجر واحد أو مجموعة من التجار يتفقون على ذلك ، والجميع مضطر للشراء منهم بالسعر الذي يحددوه وإن كان ظلما ، وإلا توقفت تجارتهم ومصالحهم  ، وكذلك عند البيع حيث إن المحتكر كما أن له قدرة على احتكار الأموال ، فله كذلك قدرة عالية علي اكتناز الأموال وتضخيم رأس المال ليشتري كل ما في السوق جملة واحدة ، ولذلك يقول رَسُول اللَّهِ r قَالَ (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)[17] أي (اشتراه وحبسه ليقل فيغلو)[18] .

 

بل إن سياسة الاحتكار هذه أضحت تنظيما اقتصاديا عالميا ، بحيث يجمع المحتكر الرئيسي غيره من المحتكرين وأرباب السوق ليحملهم على اتباع سياسته التسعيرية ويبيع لهم بالجملة السلع التي احتكرها ، وهم بدورهم يضطرون لأن يبيعوا بذات الثمن ، وهكذا دواليك ، فيمتلكون رأسمال ضخم يشترون به جميع السلع بأبخس الأثمان ويحتكرونها ثم يبيعونها بأغلى الأثمان ليحققوا أعظم دالة ربح اقتصادية .

 

 ومن هنا نشأ الفساد في التجارة ، وعندئذ لا يجد أصحاب الحاجة والفاقة السلعة الأساسية بثمن يتناسب مع دخولهم المنخفضة ، فيحرموا من السلع التي هي قوام الحياة كالطعام والدواء والملبس على وجه الخصوص  ، وقد نفدت من السوق لشراء أصحاب الأموال لها أو يضطرون للاقتراض بالربا لشرائها .

 

قوله (بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (هود/86) أي ما أبقاه الله لكم من رزق هو قسمة لكم خير من ابتغاء محرم ليس لكم فيه حق شرعي ، قال ابن عباس (رزق الله خَيْر لكم)[19]، (يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير مما تأخذونه بالتطفيف)[20] أو (البخس في المكيال والميزان)[21] .

 

قوله (..إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.. ) (هود/86) تأكيد على أن قواعد الأخلاق السامية في التجارة لا يلتزم بها إلا تاجر مؤمن مصدق بالله ورسوله ، قال رسول الله r (التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ)[22] ، وقال r (إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ)[23]

 

قوله (..وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (هود/86) أي ليس له سلطة لإلزامهم بقواعد التجارة العادلة ، ولذلك لما استنفذ شعيب جهده في النصيحة اعتذر إلى الله أنه لا يقدر على أن يلزمهم بتلك الآداب الإسلامية والأخلاق العالية ، لأنه ليس بمسيطر عليهم ولا بحفيظ على أفعالهم ، وإنما هو مجرد داع للخير ، مريد للإصلاح ، ولا يملك سلطة زمنية لإلزامهم بأخلاق التجارة الشريفة  ، خلافا لأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يسوسون قومهم ، وفي ذلك إلماح إلى أنه لم يكن يملك غير ذلك ، فلا يملك غير إرادة الإصلاح بإنكار المنكر بالقول ، وهو لا يزال في مقام الدعوة وليس الدولة .

 

قوله (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) (هود/87) الذين انتقدوا دعوة شعيب الإصلاحية ، هم الذين يريدون أن يفرقوا بين الدين والدنيا ، يريدون أن يحصروا الدين في دائرة الصلاة والشعائر تعبدية فقط ، ويقصونه عن الحياة بكل مجالاتها ، ويقولون لا صلة للدين  بالبيع والشراء والوزن والكيل ، والحقيقة أنهم مخطئون في زعمهم ، بل إن العبادات الصحيحة لا تقبل إلا إذا حسنت أخلاق الناس ، لقوله تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة 177)

 

فمن يصلي لله بإخلاص لابد وأن تجد لصلاته أثر في حياته ومعاملاته وأخلاقه مع الناس ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ قَالَ إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا يَقُولُ)[24] ، إذن الصلاة لابد وأن تغير أخلاق الناس إلى الأفضل دائما ، فلا يمكن فصل العبادة عن المعاملة ، ولا المعاملة عن العبادة ، بل يقاس دين المرء بحسن المعاملة ، يقول النبي r (إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا)[25] ، ويقول r (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَسَكَتَ الْقَوْمُ فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا قَالَ الْقَوْمُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا)[26]

.

من هنا لا يمكن فصل الدين عن الدنيا ،ولا حياة المسلم في المسجد عن حياته في السوق ، فلو كانت الشعائر التعبدية هي الجانب الشكلي للإسلام فإن المعاملات الدنيوية هي الجانب التطبيقي للإسلام ، فإصلاح العقيدة الإسلامية والعبادات والشعائر لا ينفصل عن إصلاح المعاملات والأخلاق .

 

 قوله (.. أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (هود/87) كأنهم يقولون (إذا تراضينا فيما بيننا بالبخس فلم تمنعنا منه؟!)[27] ، فهؤلاء لا يفرقون بين القاعدة الاتفاقية والقاعدة الإلزامية ، فثمة قواعد تركت الشريعة الإسلامية للبشر حق تنظيمها فيما بينهم بالتراضي ، لكن ثمة قواعد أخرى لا يجوز لهم مخالفتها وإن اتفقوا فيما بينهم علي مخالفتها ، فيبطل اتفاقهم عند مخالفتها ، تلك القواعد تسمى بالقواعد الإلزامية ، وهو ما ذكره النبي r في قوله (الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)[28].

 

قولهم (..إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (87) تضمن هذا القول الصادر عنهم تهكم وسخرية من نبيهم ، وهكذا يستبين إصرار العلمانيين على الاستهزاء بأهل الدّين، واتّهامهم بالتخلّف والرجعية وجمود العقل، (وهي نزعة جاهلية ضاربة في القدم، لجأ إليها الجاهليون، وواجهوا بها أتباع الأنبياء والرّسل ، وهكذا يظن العلمانيون أنّ رفض بعض حقائق الدّين، هو قمّة العقلانية والتحرّر)[29] .

 

قوله (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ..) (هود/88) أي أنه يحتج بعلمه بالله وعن الله من أحكام أنزلها تنتظم بها أسواقهم وفقا لقواعد الشريعة الإسلامية ، ولذلك كان عمر بن الخطاب يقول "لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ"[30]، وقيل: "وإلا أكل الربا شاء أم أبى"[31]

 

 

وفي قوله (..وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) قال ابن الجزي (أي سالماً من الفساد الذي أدخلتم في أموالكم)[32] ما يعني أنه يريد أن يبرهن لهم  صدق النظرية الإسلامية في الإقتصاد ، وأن تجارته كمسلم لن تبور لأجل ترك حيلهم في الغش والتدليس على الناس في الكيل والميزان ، والتمسك بمبادئ الإسلام التجارية والاقتصادية ، بل إن ما رزقه ربه من رزق هو حلال دليل على أن اتباع هذه الطريقة ناجح في كسب الأموال وزيادة الربح

 

فاستشهد عليهم بصحة منهجه بالتطبيق العملي ، بأنه مثلهم يمشي في الأسواق كما هو شأن الأنبياء جميعا ، يشتري ويبيع ويتاجر ، وقد بارك الله في رزقه لأنه التزم أحكام ربه في البيع والشراء ، والبركة في الرزق جاءته من ذلك ، يقول النبي r (الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا)[33]، ولذلك اشتهر القول عند السلف بأن (تسعة أعشار الرزق في التجارة)[34] ، (والجزء الباقي في السابياء (أي المواشي

 

قوله ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ..) (هود/88) أي : (أنه ما يريد مجرد المخالفة كشأن المنتقدين المتقعرين ، ولكن يخالفهم لمقصد سام وهو إرادة إصلاحهم)[35] ،فالمسلم ينجح في دعوته عندما يطبق هو الإسلام على نفسه وأهله وما ولى بالشكل الصحيح ،  يقول  النبي r (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)[36].

 

أما إن خالفت الأفعال الأقوال ، فلن يقتدي أحد بمن كان حاله هكذا ، فنجد من يتباهى بما يعلم من الحكمة ، وينصح بها الناس من باب الرياسة والزعامة والرياء ، وهو غير متبع لما يقول ، فإن حاله يوم القيامة لا يسر أبدا ، يَقُولُ النبي r (يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ)[37].

 

وهكذا احتج نبي الله شعيب عليهم بأخلاقه معهم ، بأنه يلتزم منهج الله تعالى ، لتكون الأفعال أصدق من الأقوال ، (فالداعية الحق هو الذي يؤثِّر بحاله أكثر ممّا يؤثر بمقاله، فلسان الحال أبلغ، وتأثيره أصدق وأقوى، وقد قيل: حال رجل في ألف رجل أبلغ من مقال ألف رجل في رجل!)[38].

 

قوله (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ .. ) (هود/88) قال القشيري (مَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح ، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير ، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق)[39] ، قال السلمي أي : (مرادي صلاحكم ، ولا أستطيع ذلك إلا بمعونة من الله لي عليه)[40] .

 

قال رسول الله r (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)[41] ، فجعل الاستطاعة مناط ترتيب وسائل تغيير المنكر ، وأبان أن من لم يملك المقدرة على تغيير المنكر باليد مخافة أن يترتب على ذلك حصول منكر أكبر منه أن له أن يغير المنكر بالقول ، فإن تراءى له أن إنكار المنكر بالقول قد يؤدى إلى إضرار بالدعوة وإهلاك لثمارها المرجوة وإفساد لمصالح معتبرة ، هنا وجب عليه أن يغير المنكر بالقلب ، يقول الشيخ الفوزان (هذه مراتب تغيير المنكر ودرجاته، وكل مسلم يجب أن يقوم بما يستطيعه منها، ولا يجوز له أن لا ينكر المنكر، ولا يجوز له أن ينتقل إلى مرتبة وهو يستطيع القيام بالمرتبة التي قبلها؛ فلا يجوز لمن يقدر على تغيير المنكر باليد أن يقتصر على إنكاره باللسان، ولا يجوز لمن يستطيع الإنكار باللسان أن يقتصر على إنكاره بالقلب)[42]

 

ومعنى ذلك أن إنكار المنكر بالقلب وسيلة للتغيير وليس مجرد نصح وإرشاد ، وذلك هو معنى تأثير القدوة الحسنة في تغيير الناس للأفضل ، فصاحب الحق بأفعاله واجتنابه المنكر يغير من حوله من أهل المعاصي ، حيث يرون نجاحه وتفوقه في الحياة دون أن يرتكب محرم ، فيضطروا أن يتبعوه ليجنوا ثمار ما يجني باتباع الشرع كما يفعل .

 

 ورغم ذلك وصف النبي r حالة تغيير المنكر بالقلب بأنها أضعف الإيمان ، معنى ذلك كما قال الفوزان أن (إنكار المنكر بالقلب مسؤول عنه كل مسلم، ومن لم ينكر المنكر بقلبه؛ فليس بمسلم)[43] فلا ينبغي أن يرى المسلم منكرا ولا ينكره ولو بقلبه ، فإن ألف المنكر وتعود رؤيته دون أن يغضب لذلك فأين الإيمان في قلبه ، ولم يستقم على الدعاء إلى الله بأن يزيله ؟ .

 

 يعزى ذلك كذلك إلى أن تغيير المنكر باليد هو الأصل متى تحققت شرائطه ، وفقه التمكين ، ولكنه في ذات الوقت لا يكلف به إلا من له سلطة زمنية ، أي من تولى الولاية وفي حدود ولايته ، بمعنى أنه مسئولية الحاكم أو الراعي أو الولي ، وأصغر ولي هو الأب في بيته على أهله ، وأكبر ولي هو السلطان ، فهو ولي من لا ولي له ، وكل موظف مسئول هو ولي في إطار مكتبه وواجباته الوظيفية ، وهكذا يكون الجميع أولياء كما قال رسول الله r (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) قَالَ –عبد الله بن عمر - وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) [44]، فكل بحسب ولايته يغير المنكر بيده ، وفي حدودها وبقدر السلطة التي خوله الشرع لذلك دون إسراف أو تجاوز حق أو عدوان بظلم .

 

أما تغيير المنكر بالقول فيعتمد على النهي والنصح والإرشاد ، والتحلي بالحكمة والموعظة الحسنة ، ولذلك سمي شعيب عليه السلام خطيب الأنبياء ، وبخطبته لقومه نتعلم منه آداب النصح والإرشاد ، ولأهمية ذلك  أردف الله هارون مع موسى لأنه أفصح منه لسانا حتى يقدر على بيان النصح لقومه مع قوة موسى في تغيير المنكر باليد ، فللقول أهمية لا تقل عن اليد في تغيير المنكر وإقناع الناس بالحق ، كما رأينا في كل قصص الأنبياء في هذه السورة ، فهم يخاطبون قومهم باللسان ، ولم نجد أحدا منهم قدر على تغيير  المنكر باليد إلا إبراهيم عليه السلام حين أتيحت له الفرصة ذلك على غفلة من قومه ، وقد وازن بين الأمور فتراءى له ذلك دون حصول مفسدة ، لكن لما حاجهم بالقول أمروا بحرقه فنجاه الله منهم .

 

والمؤمن في ذلك كله لابد وأن يتجرد من كل شيء حتى تكون وسيلته للإصلاح وتغيير المنكر متناسبة مع الحدث فلا يسيء التصرف حال تغيير المنكر ، قال القشيري (مَدَارُ الأمر إلى الأغراض المقضية حُسْنُ القصد بالإصلاح ، فيَقْرِنُ اللَّهُ به حسن التيسير ، ومَنْ انطوى على قصدٍ بالسوء وَكَلَ الحقُّ بشأنه التعويق)[45] ، قال السلمي أي : (مرادي صلاحكم ، ولا أستطيع ذلك إلا بمعونة من الله لي عليه)[46] .

 

ومناسبة هذا القول الذي صدر من نبي الله شعيب كما قال ابن عاشور (أنهم ظنوا به أنه ما قصد إلا مخالفتهم وتخطئتهم ، ونفوا أن يكون له قصد صالح فيما دعاهم إليه، فكان مقتضى إبطال ظنهم أن ينفي أنه يريد مجرد مخالفتهم)[47] ، بدليل التزامه هو ذاته بالمنهج ، وأفصح أن الله هو الذي هداه لذلك ، ولذلك قال عقبها (وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) .

 

قوله ( وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود/88) أي لن استطيع أن أحقق الإصلاح وإن أردته إلا بتوفيق الله لي ، فإن وفقني بلغت مرادي وتحقق الإصلاح علي يدي ، وفي هذا المعنى قال الطبري (وما إصابتي الحق في محاولتي إصلاحكم وإصلاح أمركم إلا بالله، فإنه هو المعين على ذلك) [48]، قال رسول الله r يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)[49].

 

قال الشيخ مصطفى العدوي (فالشاهد: أننا أعلنا أننا نعبد الله ولا نعبد غيره، ولكن طلبنا عونه سبحانه وتعالى على عبادته، فهنا اتضح وجه الربط بين: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة:5] ، فإذا فهم الشخص هذا المعنى لم يغتر بعبادته لربه، فالذي أعانه على العبادة هو الله سبحانه وتعالى)[50]، كما قال رسولنا: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا)[51] ، وكما قال أهل الإيمان:  (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف:43] .

 

قوله (..عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ..) (هود 88) قدم المسند إليه على  المسند ، ليدل على أنه قصر توكله على الله لا غيره ، ونتيجة ذلك أضحى لا يبالي بنتائج عمله ، فقد ضمن الأجر والثواب من الله ، فلا يهتم هل يرى نتيجة الإصلاح في معاشه أم بحصل الإصلاح بعد مماته ، قال القشيري (التوكل تفويض الأمر إلى الله ، وأمارته تركُ التدبير بشهود التقدير ، والثقة بالموعود عند عدم الموجود ،ويتبين ذلك بانتفاء الاضطراب عند عدم الأسباب) [52]، وقال ابن عجيبة (وفيه إشارة إلى محض التوحيد ، الذي هو أقصى مراتب العلم بالله)[53]

 

قوله (..وإليه أنيب) أي (ارجع إليه فيما أنا بصدده فى جميع أمورى)[54]، أي فإلى الله أنيب وأرجع وأتوب ، من أن ينال قلبي شيء من العجب من هذا العمل الذي أخلصت وجهي فيه لله رب العالمين

 

قوله (وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ) (هود/89) دعاهم إلى التفكير بموضوعية دون أن يكون للخصومة التي بينه وبينهم تأثير على السعي لإصلاح السوق ، أي دعاهم لبناء نهضة اقتصادية بشكل موضوعي لا يتأثر بالخصومة والشقاق الذي بينهم بسبب العقيدة  ، فلا تحملهم تلك الخصومة على معاندته في الحق فيصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم من الأمم التي أهلكها الله تعالى لما عاندت مع أنبيائها .

 

 ولكي يحملهم على التفكير بموضوعية فإنه يذكرهم بما أصاب الأقوام السابقين من العذاب الذي نزل بهم ، أي دعاهم قبل الحكم على كلامه وأفكاره الاقتصادية أن يجردوا نظرتهم له من أي (مواقف مسبقة أو مشاعر كاذبة أو تمنيات موهومة أو عادات وتقاليد موروثة أو اتهامات مفتراه أو رؤى محدودة أو ظنون وأوهام لا أساس لها من الصحة) [55]، فلا شك أنها نظرة قاصرة في الحكم على الموضوع لاسيما إذا كانت المسألة المعروضة مسألة مصيرية يتوقف عليها نجاة شعوب بأكملها أو هلاكها .

 

ولكنهم لم يتجردوا ولم يكونوا على الحياد في تحقيق الصالح العام ، فإذا كان هذا هو أسلوب الكافرين في التفكير ، فلا محيص من أن يستأصلهم الحق ويستبدل قوما غيرهم بهم ثم لا يكونوا أمثالهم

 

قوله (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود/90) لفت انتباههم إلى مسألة إصلاح القلوب بالاستغفار والمبادرة إلى التوبة ، وحضهم إلى ذلك بذكر صفتي الرحيم والودود اللتين هما من صفات الله تعالى المطلقة ، وهاتان الصفتان تجد معناهما واضحا في حديث النَّبِيِّ r قَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِذَا تَقَرَّبَ عَبْدِي مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا أَوْ بُوعًا وَإِذَا أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)[56].

 

قوله (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود/91) اغتر هؤلاء التجار الظالمون بقوتهم إزاء ضعف نبي الله شعيب ، وأنه لم ينصره في دعوته إلا رهط من بني قرابته ، فهم لا يفقهون حكم العقل ولا منطق الأشياء ولا يستوعبون شيئا مما تعقله القلوب ، فإن ما يعيه هؤلاء ويقدرونه وحسب هي القوة ، فهؤلاء القوم طُبع في قلوبهم حب المادة ، واشربت بها ، فهم لا يفقهون معنى العامل العام ، ولا النشاط الاجتماعي ، ولا يعيرون اهتماما للتكافل والضمان الاجتماعي ، فهم يفقهون شيئا واحدا ، أن المال يصنع المال ، ولا غاية لهم غير المال ، ولذلك قال رسول الله r (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ) [57].

 

قال ابن تيمية (هكذا قال هؤلاء : لا نفقه كثيرًا مما يقول الرسول، وقالوا كما قال الذين يستمعون للرسول، فإذا خرجوا من عنده (قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا) [ محمد : 16 ] . وصاروا كالذين قيل فيهم : ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا) [ الإسراء : 45، 46 ] ، فتدبر ما ذكره اللّه عن أعداء الرسل، من نفي فقههم وتكذيبهم، تجد بعض ذلك فيمن أعرض عن ذكر اللّه وعن تدبر كتابه، واتبع ما تتلوه الشياطين وما توحيه إلى أوليائها، واللّه يهدينا صراطًا مستقيمًا)[58] .

 

قوله (..وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود 91) فلما لم يروا بيد نبيهم من قوة إزاء قوتهم استضعفوه ، بل إنهم من استضعافهم له هددوه بالرجم لولا الرهط الذين معه ، أي أن الذي يشفعون له عندهم ، وهم من أهل صلة القرابة أو الرحم التي بينهم وبينه ، والجمهور على أن قوله (ولولا رهطك) أي عشيرتك [59] ، يقول النبي r (ما إن بعث الله بعده –أي لوط - من نبي إلا في ثروة من قومه)[60] قال المناوي (أي كثرة ومنعه من قومه تمنع منه من يريده بسوء تنصره وتحفظه) [61] ،  لكنهم يستضعفون هؤلاء الرهط من حيث القوة وإن كانوا يضعونهم موضع الاعتبار من حيث المكانة الأدبية تلك التي حالت بينهم وبين أن يرجموه فعلا بعد تهديدهم له .

 

قوله (.. وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) (هود 91) أي لا يعز علينا مضاراتك أو اغتيالك أو قتلك بالرجم أمام الناس ، قال سيد قطب (وحين تفرغ النفوس من العقيدة القويمة والقيم الرفيعة والمثل العالية؛ فإنها تقبع على الأرض ومصالحها القريبة وقيمها الدنيا؛ فلا ترى حرمة يومئذ لدعوة كريمة ، ولا لحقيقة كبيرة؛ ولا تتحرج عن البطش بالداعية إلا أن تكون له عصبة تؤويه؛ وإلا أن تكون معه قوة مادية تحميه ، أما حرمة العقيدة والحق والدعوة فلا وزن لها ولا ظل في تلك النفوس الفارغة الخاوية)[62] .

 

ولكن يعز عليهم أن يقال عنهم أنهم خرموا مبدأ المواطنة ، فالذي منعهم من رجمه ألا يفزع الناس من سوقهم ، فالتجارة تحتاج دوما إلى  استقرار سياسي ، واستتباب الأمن في أرجاء البلاد ، وإلا هرب المستثمرون والتجار بأموالهم لأسواق يأمنوا فيها على أنفسهم وأموالهم وتجارتهم ، فكانت تلك هي علة كف أيديهم عنه ، ولكنهم اختتموا قولهم بتهديدهم ليعلم أنه لن يمنعهم شيء عزيز عن أذيته إن استمر في دعوته بصورة علنية .

 

 قوله (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (هود 92) يعني (أحرمة قرابتي أعظم عندكم من حرمة الله تعالى؟)[63]،قال الرازي (فكأنه يقول : حفظكم إياي رعاية لأمر الله تعالى أولى من حفظكم إياي رعاية لحق رهطي)[64] ، وفي ذلك إحراج لهم أنهم وإن تلطفوا معه لأجل قرابتهم له ، فالأولى بهم أن يأخذوا بنصيحته له لأجل الخير الذي تلمسه فيهم ، ورغبة النبي في نمو بذرة الخير فيهم إن كانت حقا لأجل الله

 

قوله (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا )(92) أي ألقيتم أوامر الله وراء ظهوركم ، فلم تعيروا لأوامر الله ونواهيه اهتماما ، بل نبذتموها وراء ظهورهم استخفافا بها وعدم اكتراث بحكمتها وأهميتها .

 

قوله (..إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (هود/92) حذرهم من الله ، وأنه قد أحاط بما يعملون ، فلن تنفعهم اتفاقاتهم الاحتكارية ولا سياساتهم التي تواطؤوا علي اتباعها في أسواقهم ، وكأنهم بعيدون عن أعين الله ، وهو محيط بهم ، كإحاطة الجيش باللصوص قبل القبض عليهم .

 

قوله (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) (هود/93) هنا تكررت المفاصلة بين النبي وقومه بعدما بلغ عنادهم معه مبلغا دل على يئسه من هداهم ، وقد هددوه بالرجم ، فما كان منه إلا أنه التزم مكانته بالعمل بهذا الدين ، وتركهم وما يعملون من عمل قد أنكره عليهم بالقول فلم ينتهوا ، فأنذرهم عذاب الله أن يتأتيهم جزاء تكذيبهم ، فلم ينتبهوا ، قال الألوسي (قد جرت عادة الله تعالى أن لا يهلك قوما بالإستئصال إلا بعد الإنذار لأن من أنذر فقد أعذر) [65] ، وقد نفذ أساليب التلطف ، فكان لابد من المفاصلة والتخويف من عذاب الله .

 

قوله (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (هود94) تربص شعيب وتربصوا معه ، حتى تحققت سنة الله الكونية ، كما في قوله (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (يوسف/110)

 

قوله (كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) (هود/95) وهكذا يقصي الله الأمم الظالمة من حمل أمانة الاستخلاف في الأرض ، بعدما ظهر الفساد بسبب معاصيهم ، ليحمل هذه الأمانة الذين آمنوا جيلا بعد جيل لا يقصيهم منها أحد من الظالمين ، بل إن الله تعالى ليقصي الظالمين من طريقهم حتى  ينفردوا بحملها بلا عائق.

 

[1] ) مسلمو آسيا ثقافة واندماج : بوابة الأزهر ،

 https://azhar.eg/observer/details/ArtMID/1142/ArticleID/8818

[2] ) التفسير الميسر لأبي بكر الجزائري 2 185

[3] ) تفسير البحر المحيط لأبو حيان ج8 ص 427  وكذا الألوسي ج7ص297

[4] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 620 رقم 4071

[5] ) رواه مسلم ج1 ص 267 رقم 147

[6] ) شرح بلوغ المرام درس 193 ص 8 تفريغ الشبكة الإسلامية

[7] ) د محمد الوهيبي : نواقض الإيمان الاعتقادية ج1 ص 90

[8] ) تفسير الألوسي ج8 ص 329

[9] ) رواه البخاري ج20 ص 65 رقم 5956

[10] ) رواه مسلم ج9 ص 350 رقم 3406

[11] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 74

[12] ) شرح النووي على مسلم ج12 ص 212

[13] ) رواه البخاري ج7 ص 240 رقم 1934

[14] ) رواه مسلم ج9 ص351 رقم 3407

[15] ) رواه البخاري ج7 ص 382 و 240 رقم 1934 و2020

[16] ) رواه مسلم ج9 ص351 رقم 3407

[17] ) رواه مسلم ج8 ص 313 رقم 3013

[18] ) سبل السلام ج3 ص 25

[19] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 343

[20] ) تفسير البغوي ج4 ص 195

[21] ) تفسير السمعاني ج2 ص 451

[22] ) رواه الترمذي ج4 ص 471 رقم 1130  وصححه الألباني : كنوز صحيح السنة ج1 ص 135

[23] ) رواه الترمذي ج4 ص 472 رقم 1131 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج2 ص 693 وصحيح الترغيب والترهيب 1785

[24] ) رواه أحمد في مسنده ج19 ص 445 رقم 9402 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج16 ص 27

[25] ) رواه البخاري ج18 ص 454 رقم 5569

[26] ) رواه أحمد ج13 ص 485 رقم 6447 وصححه الألباني : كنوز صحيح السنة النبوية ج1ص70

[27] ) تفسير القرطبي ج9 ص 87

[28] ) رواه الترمذي ج5 ص 199 رقم 1272 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 352 رقم 1352

[29] ) سلطان بركاني : العلمانية.. عندما تَستعبد العقلَ للهوى مقال بتاريخ 19/2/2016 جريدة الشروق الجزائرية

[30] ) رواه الترمذي ج2 ص 308 رقم 449 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج1 ص 487 رقم 487

[31] ) إحياء علوم الدين للغزالي ج2 ص 355

[32] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 711

[33] ) رواه البخاري ج7 ص 246 رقم 1937

[34] )  رواه سعيد بن منصور في سننه عن نعيم بن عبد الرحمن الأزدي ويحيى بن جابر الطائي مرسلا، وأعله الحافظ العراقي في تخريج الإحياء بالإرسال

[35] ) التحرير والتنوير ج11 ص 315

[36] ) رواه أبو داود ج11 ص 362 رقم 3740  وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 147

[37] ) رواه البخاري ج11 ص 46 رقم 3027

[38] ) المعجم الجامع في تراجع العلماء وطلبة العلم المعاصرين ج1 ص 35

[39] ) تفسير القشيري ج3 ص 362

[40] ) تفسير السلمي ج1 ص 324

[41] ) رواه مسلم ج1 ص 167 رقم 70

[42] ) المنتقى من فتاوى الفوزان ج24 ص 5

[43] ) المنتقى من فتاوى الفوزان  المرجع السابق

[44] ) رواه البخاري ج3 ص 414 رقم 844

[45] ) تفسير القشيري ج3 ص 362

[46] ) تفسير السلمي ج1 ص 324

[47] ) التحرير والتنوير ج11 ص 315

[48] ) تفسير الطبري ج15 ص 454

[49] ) رواه أبو داود ج4 ص 318 رقم 1301 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج5 ص 253

[50] ) دروس للشيخ مصطفى العدوي ج1 ص 3 تفريغ الشبكة الإسلامية 

[51] ) رواه البخاري ج10  ص 236 رقم 2808

[52] ) تفسير القشيري ج3 ص 362

[53] ) البحر المديد ج3 ص 68

[54] ) تفسير حقي ج5 ص 488

[55] ) رمضان وهدان : التفكير الموضوعي.. عدالة المحايد! : مقال منشور في يقظة فكر بتاريخ 21 مارس 2012 (معوقات التفكير وإعمال العقل)

ومن كتاب: مهارات لصناعة العقول - المؤلف: د. حسن يوسف الشريف - إشراف: يقظة فكر- دار النشر: الثريا للنشر والتوزيع, القاهرة - الطبعة: الأولى 2011

[56] )رواه مسلم ج13 ص 190 رقم 4850

[57] )  رواه البخاري ج20 ص 64 رقم 59

[58] ) مجموع فتاوى ابن تيمية  التفسير  ج4 ص 248 – ج16 ص 212   تحقيق أنور الباز وعامر الجزار ، دار الوفاء ، الطبعة الثالثة

[59] ) النكت والعيون ج2 ص 223

[60] ) الأدب المفرد للبخاري ج1 ص 212 رقم 605

[61] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 58

[62] ) في ظلال القرآن ج4 ص 263

[63] ) بحر العلوم ج2 ص 352

[64] ) تفسير الرازي ج8 ص 462

[65] ) روح المعاني ج11 ص 160

  • الاربعاء PM 01:31
    2026-09-02
  • 37
Powered by: GateGold