ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
حجة الله البالغة في تصحيح التصور الاعتقادي في سورة الأنعام
حجة الله البالغة
في تصحيح التصور الاعتقادي في سورة الأنعام
د أحمد نصير
تمهيد :-
يتمحور المضمون العام لسورة الأنعام حول دلائل التوحيد وإثباتاته ، وإخلاص العبادة لله تعالى وحده ، ودحض شبهات المشركين ومناقشتهم ومناظرتهم وإقامة الحجة عليهم ... وقد ناسب ذلك البدء بالحمد وذكر الدليل الأول على وحدانيته سبحانه وتعالى بأن الخلق كلهم يشهدون له سبحانه ببديع الصنعة ، بدلالة خلقه للنور مصدرا واحدا ، يعبر به عن الحق ، وخلقه الظلمات في أماكن متعددة نتيجة غياب النور ، كناية عن التخبط في ظلمات الباطل عند غياب نور الحق .
وقد جاء ذكر الأنعام في السورة للاستدلال بها على خالقها باعتبارها أنسب الأشياء للتدليل على قدرة الله في الإيجاد من عدم ، لأن في إيجاد الأنعام بل السماوات والارض وبقاء الكائنات لدليل على تفرد الله بالخلق ، وهذا المعنى لا يجادل فيه أحد بل يصل إليه كل إنسان بشيء من التدبر والتأمل ، بيد أن إفراد الله بالألوهية هو ما اختلف فيه الناس ، بعضهم انتقص من حق الله في التشريع ، وآخرين جعلوه وفق أهوائهم ، والأنعام خير مثال على ذلك فقد حرموا بعضها وأحلوا بعضها بأهوائهم بغير تشريع من الله .
فالمشركون ولأنهم أهل جاهلية اتخذوا من الأنعام قربانًا لشركائهم مع الله ، فجعلوها مظهرا من مظاهر الكفر والشرك بالله ، وهم في الحقيقة يتقربون بها للشيطان ، فإذا كانت سورة المائدة قد تضمنت شعائر الإسلام ، فإن سورة الأنعام تضمنت شعائر الذين كفروا وأشركوا بالله ، لاسيما وأن التناقض واضح وظاهر بين شعائر الإسلام وشعائر أهل الكفر والإلحاد ، فهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم ، ويحرمون منها ما تهواه أفئدتهم افتراءً على الله ، وإرضاءً لشياطينهم ، وقد أبطل القرآن الكريم كل صور الشرك بالله ، ورد على شبهاتهم ، وأصَّلت السورة معنى توحيد الألوهية ، واختصاص الله وحده بالحل والتحريم ، وأنه لا يجوز أن يعدله أحد في ذلك ، لا شريك له ، فحصرت المحرمات إبطالا لكل تحريم لم يحرمه الإسلام ، وتأكيدا على أن الله المتفرد بالإلوهية ولا ينازعه في ذلك أحد من خلقه .
وبينت مفهوم الإخلاص لله في العبادة ، وميزان الأعمال ، واختتمت بتذكير الإنسان باستخلاف الله له على نعمه ليقوم على دينه ، وليعلم أنه مبتلى بالتفاضل في الدنيا ، وذلك هو محل الاختبار ، لينظر الله ماذا نحن عاملين قبل أن يأتي يوم الحساب والجزاء على ما كنا نعمل .
وعليه يمكن إجمال محاور السورة في ثلاثة
الأول : صبر الرسل على المستهزئين
الثاني : تحديد مهمة الرسل إلى قومهم
الثالث : تصحيح العقيدة وتأصيل حق الألوهية بمنهج دعوي بليغ
المحور الأول : صبر الرسل علي المستهزئين
أولا : مدى عناد المعرضين عن الدعوة أول الأمر
ثانيا : تلقين النبي كيف يحاج قومه بعد أن كذبوه
ثالثا : مقارنة بين حال المشركين من الدعوة وحالهم يوم القيامة
رابعا : تثبيت الرسل إزاء مجادلة قومهم لهم في الآيات
خامسا : سنن الله الربانية في المكذبين
المحور الثاني : تحديد مهمة الرسل إزاء قومهم
أولا : أسس المنهج الدعوى
المسألة الأولى : البشارة والنذارة : وذلك هو (البلاغ العام)
المسألة الثانية : تنزيه الرسالة عن مطامع المشركين ، وتوضيح مكانتها الراقية عن ذلك
المسألة الثالثة : الإحاطة بالمؤمنين والحفاظ عليهم من مكر الماكرين
المسألة الرابعة : تبرؤ النبي من عبادة قومه إلى حد المفاصلة
ثانيا : فحوى الخطاب الدعوى
المسألة الأولى : الله يصرف الكون عبرة لعباده الشاكرين
المسألة الثانية : تحذير النبي قومه من عذاب الله النازل بأشقيائهم
المسألة الثالثة : الجهاد السلبي مع المشركين
المسألة الرابعة : الإشعار بنعمة الإسلام
ثالثا : محاججة النبي قومه
المسألة الأولى : الاستشهاد بنموذج عملي (محاججة نبي الله إبراهيم قومه) :
المسألة الثانية : الحجة تتوارث ولا تنقطع عند جيل
المسألة الثالثة : طلب "الأجرة" مبطل "للحجة"
المسألة الرابعة : الاقتصاد في الحجج ، وعدم الاستغراق في الرد على الشبهات
المسألة الخامسة : القرآن هو الحجة المباركة للناس كافة
المسألة السادسة : جزاء الظالمين والمفترين على حجة الله
المحور الثالث : تصحيح العقيدة ومنهج الدعوة وتأصيل حق الألوهية
مطلب تمهيدي "توطئة" : استظهار دلائل القدرة الإلهية كاف لإبطال شبهات الملحدين
أولا : سرد ضلالات المشركين في الاعتقاد
ثانيا : تصحيح التصور عن الله
ثالثا : ترشيد الجهد الدعوى إزاء عناد المشركين مجادلتهم
رابعا : إظهار شعار الإسلام أبلغ وسيلة لتصحيح التصور الاعتقادي في الله
خامسا : الرسل حجة الله علي قومهم
سادسا : مناظرة المشركين في مسألة أن التشريع حق خالص لله ولا لأحد سواه
سابعا : إرشاد الناس للصراط المستقيم باستظهار علة التحريم
ثامنا : استمرار توارث الدعوة رغم صدوف المكذبين وتشيعهم فرقا
خاتمة سورة الأنعام إخلاص التوجه لله
مقدمة سورة الأنعام
(الحمد على نعمة الإيجاد وتعريف الله نفسه)
قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (3)
استهلت السورة بحمد الله على نعمة الإيجاد أي خلق السماوات والأرض ، وأنه جعل من آثار خلقه تباين الظلمات عن النور ، فاستبان بذلك أن طريق الحق واحد وغيره طرق للباطل ، واستبان بذلك أن خالق الكون هو المستحق وحده بصفات الكمال والجلال ، بينما الذي يعدلون مع الله غيره هم الكافرون ، وليس أشد ظلما أن يساوي الإنسان نفسه بربه فنصب نفسه إلها بهواه ، وهو مخلوق من طين ، كما استهلت السورة بتعريف الله نفسه بما يستحق ، فهو الإله الحق في السماوات وفي الأرض ، وهو الذي يعلم سرنا وعلانيتنا ، ويعمل ما تكسب كل نفس من عمل هي مجازية به .
قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..) (1) استفتحت سورة الأنعام بتوجيه الحمد لله تعالى ، وقد تكرر هذا الاستهلال في القرآن خمس مرات :-
- فى أم القرآن (الفاتحة) "الحمد لله رب العالمين" .
- وفي سورة الأنعام "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور" .
- وفي سورة الكهف "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب" .
- وفي سورة سبأ " الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ".
- وفي سورة فاطر " الحمد لله فاطر السماوات والأرض".
وقد ناسب الاستفتاح بالحمد التذكير بنعمة الإيجاد ، نقل السيوطي عن تَفْسِيرِ الْخُوَيِّنيِّ يقول : (ابْتُدِئَتِ "الْفَاتِحَةُ" بِقَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَفِي الْأَنْعَامِ وَالْكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ ؛ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ ، وَهُوَ "خلق السموات وَالْأَرْضِ" وَجعل "الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ" فِي الْأَنْعَامِ، "وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ" فِي الْكَهْفِ ، وَ"مِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الْأَرْضِ" فِي سَبَأٍ ، "وَخَلْقِهِمَا" فِي فَاطِرٍ .. لِأَنَّ "الْفَاتِحَةَ" أُمُّ الْقُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الْإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا) ، أما الإتيان بفرد من أفراد صفاته ، في سورة الأنعام وهي أن الله سبحانه خلق "السموات وَالْأَرْضِ " وَجعل "الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ" ، فذلك ترسيخا لمعنى أن الله سبحانه هو محدث الكون ومبدعه ، توطئة للحديث عن المشركين الذين يعدلون أنفسهم وشركاءهم بربهم الذي فيه يمترون.
قوله (..وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ..) (1) قال ابن عاشور (خص بالذكر من الجواهر والأعراض عرضين عظيمين، وهما: "الظلمات" و"النور" فقال: "وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ" (لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما) ..... والاقتصار في ذكر المخلوقات على هذه الأربعة (السماوات والأرض والظلمات والنور) تعريض بإبطال عقائد كفار العرب فإنهم كانوا بين مشركين يعبدون آلهة أرضية ، وصابئة يعبدون الكواكب السماوية ، ومجوس يعبدون النار ، ونصارى يعبدون عيسى ومريم وهما بشر مثلهم فما أضلهم وقد عدلوا الإنسان بربهم فهذا من أشد صور الظلمات ، ؛ قال ابن عاشور : - (فكلهم أثبتوا آلهة غير الله..
- فـ "المشركون" أثبتوا آلهة من الأرض بعبادة الأصنام
- و"الصابئة" أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية .
- و"النصارى" أثبتوا إلهية عيسى أو عيسى ومريم وهما من الموجودات الأرضية .
- و"المجوس" وهم المانوية ألهوا النور والظلمة، فالنور إله الخير والظلمة إله الشر عندهم .
وقد أخبرهم الله تعالى أنه خالق السماوات والأرض، أي بما فيهن، وخالق الظلمات والنور) .
وقد جمع الله لفظ الظلمات ، وأفرد النور ، للعلم بأن طريق الحق واحد ، وطرق الباطل مظلمة ، وفي ذلك لطيفة ألمح إليها الشيخ الشعراوي فقال (الظلمات تتعدد أسبابها لكن النور ليس له إلا سبب واحد ، والحق سبحانه وتعالى يقول : " وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ " [ الأنعام : 153 ] ، والسبل هي جمع ، وسبيل الله مفرد لأنه واحد ، كأن سبل الشيطان متعددة ، وسبل الناس كذلك متعددة حسب أهوائهم ، لكن سبيل الله واحد ؛ لذلك يجعل الهداية نوراً والضلال ظلمات )
وفي التضاد بين الظلمات والنور يقول صاحب الظلال (لمستان متقابلتان في الهمود والحركة كتقابل "الطين" الهامد والخلق "الحي" في النشأة . . وبين كل متقابلين مسافة هائلة في الكنه والزمن . . وكان من شأن هذا كله أن ينقل إلى القلب البشري اليقين بتدبير الله ، واليقين بلقائه) .
قوله تعالى (..ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) (1) أي (يُسَوُّونَ غَيْرَهُ بِهِ فِي العِبَادَةِ) ، فالذي يعدل مع الله أحد ، (يجعل غيره مساويا له ) ، أي يشركه في صفاته أو أسمائه أو أفعاله .
وهذا من أعظم أبواب الكفر بالله ، أن تجعل لله ندا ، وأن تعدل أحدًا مع الله ، والله سبحانه لا ند له ولا شريك له ، ولا يعدله شيء من خلقه ، وفي ذلك انتقاص من حق الله على العباد ، وإساءة في التصور العقدي لله ، قال تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(91) ، وقال (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى 11) ، أبعد أن يرى الإنسان خلق الله في هذا الكون البديع ، هل يعقل أن يساوي معه غيره من معبودات ؟ فماذا بعد الحق إلا الضلال ، بل (ذلك هو الكفر الصراح ، أن يجعلوا لله عدلا أي مثلا) .
ويترتب على ذلك أنهم يصرفون له كافة أشكال العبادة من الخوف والرجاء والخشية والدعاء ..الخ، قال ابن القيم أي (يجعلون له عدلا -أي مساويا- في العبادة والمحبة والتعظيم) والخوف ، قال تعالى(فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي)(البقرة 150).
ومن صور ذلك الخوف من بطش البشر ، فالمؤمن لا يخاف إلا الله ، كما في قوله (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (ال عمرن 173)
كذلك طلب الرزق من العبد ، والله تعالى يقول (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت 60)
كذلك محبة الأغراض مثل محبة الله ، كما في قوله سبحانه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) (البقرة 165) .
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) (2) أي أن الإنسان الذي خلقه الله من هذا الطين له أجل يصير إليه إذا جاء أجله فلا يستأخر ساعة ولا يستقدم ، فعن مجاهد في قوله " ثم قضى أجلاً " قال : أجل الدنيا الموت " وأجل مسمى عنده " قال : الآخره البعث) ، ولا يزال الإنسان يماري ويجادل في أن الذي خلقه وقدره رزقه وحياته حتى أجله قادر على أن يبعثه ليحاسبه على ما عمل .
فتلك إيماءة لأن يتعقل الإنسان ويتأمل في (آية خلقه من طين) ، وإشارة إلى فهم متطلباته الفطرية التي جُبل عليها ، فالطين هو المادة التي خلقت منها الكائنات الحية ، والنظريات العلمية التي تحدثت عن تاريخ نشأة الحياة على الأرض أثبتت وجود علاقة وثيقة بين الطين وتطور البروتينات ، فالمعادن الطينية كان له حافز أساسي في المراحل المبكرة لتكوين الحياة على الأرض ، (فعناصر الطين هي المادة الأولى لتخليق الكائن الحي) ، ما يعني أن الكائن الطيني له متطلبات لكي يحيى ويعيش منها التنفس والغذاء والإخراج والنوم والتكاثر ...الخ ، وتلك الأمور هي أسباب إبتلائه على الأرض .
Clay minerals mentioned in this article, clay mineral type, and ideal chemical composition.
Clay Mineral Type Chemical Composition
Allophane Short-range-order clay (Al2O3)(SiO2)1.3–2·2.5–3H2O
Kaolinite 1:1 clays, dioctahedral Al2Si2O5(OH)4
Lizardite 1:1 serpentine, trioctahedral Mg3Si2O5(OH)4
Antigorite 1:1 serpentine, trioctahedral Mg3Si2O5(OH)4
Chrysotile 1:1 serpentine, trioctahedral Mg3Si2O5(OH)4
Talc 2:1 clay, trioctahedral Mg3Si4O10(OH)2
Montmorillonite 2:1 clays, dioctahedral (M+y.nH2O)(Al3+2-yMg2+y)Si4+4O10(OH)2
Beidellite 2:1 clays, dioctahedral (M+x.nH2O)Al3+2(Si4+4-xAl3+x)O10(OH)2
Nontronite 2:1 clays, dioctahedral (M+x.nH2O)Fe3+2(Si4+4-xAl3+x)O10(OH)2
Hectorite 2:1 clays, trioctahedral (M+y.nH2O)(Mg2+3-yLi+y)(Si4+4O10(OH)2
Saponite 2:1 clays, trioctahedral (M+x.nH2O)Mg2+3(Si4+4-xAl3+x)O10(OH)2
Sauconite 2:1 clays, trioctahedral (M+x.nH2O)Zn2+3(Si4+4-xAl3+x)O10(OH)2
Stevensite 2:1 clays, trioctahedral (Ca,Na)xMg3-x(Si4O10)(OH)2
Vermiculite 2:1 clays, trioctahedral Mg0.7(Mg,Fe,Al)6(Si,Al)8O20(OH)4.8H2O
Corrensite 1:1 regular interstratified 1 (Mg,Fe)9((Si,Al)8O20)(OH)10·nH2O
Chlorite 2:1 clays, interlayer octahedral sheet ([Mg2+Fe2+]5Al3+)(Si4+3Al3)O10(OH)8
ولأجل استجابة الإنسان لهذه المتطلبات -أي المادة الطينية- فإنه ينتهج أحد نهجين :-
الأول : الاسترسال في تلبية حاجاتها دون ضابط مثل الحيوانات التي تلبي حاجتها بكل طريقة ووسيلة وإن ترتب عليها الافتراس لغيره أو الاعتداء على أنثى غيره ما نسميه باختصار (شريعة الغاب) حيث يأكل القوي الضعيف .
الثاني : أن يفهم أن تشابهه مع الحيوان في أصل مادة الخلق هو من قبيل الابتلاء له ، ليدرك عندئذ أن الواجب عليه أن يُقَوِّم مادته بمنهج الله تعالى ، بحيث يغلب جانب العقل الذي يحجر على رغباته وشهواته وأهوائه ، والروح التي تزكي متطلباته ، فلا يتثاقل الجسد إلى الأرض راضيا بالحياة الدنيا .
إذن الأمر يحتاج لمجاهدة هذا الجسد ومتطلباته حتى يقضي الله للإنسان أجله ، فإذا انفصلت الروح عن الجسد ، فإن الأجساد المتثاقلة بالمادة الطينية لا تستطيع أرواحها أن تصعد إلى السماوات ، بل تنزل إلى سبع أرضين ، كما ورد بالحديث (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنْ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ .. ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ .. فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ .. فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ .. الحديث )
(وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الْآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ ... ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَغَضَبٍ ... فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ (لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا ثُمَّ قَرَأَ (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)..فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ .. الحديث )
قوله تعالى (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) (3) يُعَرِّف اللهُ نفسَه لعبادِه ليعلموا أنه الإله المستحق للعبودية وحده بإخلاص، قال تعالى: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الفرقان 6] ، قال أبو حيان (التنبيه على ما تقدم من أوصاف الخالق يدل على القدرة المطلقة والاختيار التام والعلم الشامل) ، ما يجعلهم منتبهين لصفات خالقهم ومستعدين لأداء حقه عليهم ، فيشرعوا في الخشية منه سبحانه ، والإذعان لأوامره ، والسعي لإرضائه ، قال العلماء (من دلائل ألوهيته أنه يعلم جميع ما تخفونه -أيها الناس- وما تعلنونه، ويعلم جميع أعمالكم من خير أو شر; ولهذا فإنه -جلَّ وعلا- وحده هو الإله المستحق للعبادة)
يقول صاحب الظلال (كانت المشكلة دائماً في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق ، بصفاته الحقة؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله!ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه ، وبأنه الخالق الرازق ، المالك ، المحيي المميت . . إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم ، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضى اعترافهم ذاك : من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم؛ واتخاذ شريعته وحدها قانوناً ، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة ، هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه ، ووصفه بتلك الصفات ، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله ، بما أنه الخالق الرازق المالك ، كما كانوا يعترفون ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان ، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم .. إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع) .
وفي قوله تعالى (..وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) قال الرازي (يجب حمل (الكسب) على ما يستحقه الإنسان على فعله من ثواب وعقاب) ، لينتبه الإنسان إلى مصدر كسبه ونوعه وكيفية اكتسابه ، لأنه سوف يحاسب عليها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ) فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) ، وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ) .
ومن الأحاديث التي جمعت صور كسب الإنسان ما روي عن سهل بن سعد قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي فقال : (يا محمد عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ثم قال : يا محمد شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس) ، ويمكن استخراج بعض الفوائد من هذا الحديث على النحو التالي :-
- التهوين من شأن الدنيا ، وعدم زيادة الأمل فيها ، والاغترار بها ، والاستعداد دائما ليوم الرحيل عنها
- العلم بأن علائق الحب جميعا في الدنيا سوف تؤول إلى فراق ، وفي الآخرة يجتمع المحبون في الله ، ويتخاصم المحبون لأجل الدنيا ، ليخلص قلب المؤمن لله ، فلا يتعلق بشيء غيره ، فلا يعدل حبه لله شيء .
- الحذر من سوء العمل ، فالجزاء رديف العمل ، بما يستلزم مراقبة الله تعالى في السر والعلانية ، واليقين بأن الله لا يضيع أجر المحسنين
- اليقين بشرف العبادة والخلوة مع الله ، فهي رأس ماله الحقيقي في الآخرة
- العلم بأن كرامة المؤمن وعزته في توحيد الطلب من الله ، وعدم احتياجه للآخرين فيذلوه ، ما يعني الاعتماد على الله وحده في قضاء الحوائج، والتعفف عما في أيدي الناس، فذلك يحفظ للمؤمن هيبته وعزته.
المحور الأول
صبر الرسل علي المستهزئين المكذبين
وفيه خمس مطالب :-
الأول : مدى عناد المعرضين عن الدعوة أول الأمر
الثاني : تلقين النبي كيف يحاج قومه بعد أن كذبوه
الثالث : مواساة النبي في تكذيب الكافرين له ، باستظهار حالهم يوم القيامة
الرابع : تثبيت الرسول إزاء مجادلة قومه له في الآيات
الخامس : سريان سنن الله الكونية في المكذبين
المطلب الأول
مدى عناد المعرضين عن الدعوة أول الأمر
قال تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (10)
الأصل أن تكون الآية التي يأتي بها الله وسيلة تدليل على الحق ، فيزداد الناس بها إيمانا ، ولكن الحاصل هو العكس تماما ، إذ يزداد بعض الناس بها إعراضا وتكذيبا ، ولذلك يتهددهم الله تعالى بالهلاك كما حصل للذين من قبلهم ، وقد اغتروا بتمكين الله لهم أسباب المعاش في الدنيا ، فلما أهكلهم الله خلف بعدهم قوم آخرين يحملون واجب الدعوة في سبيله ، فلو أن الخلف أعرضوا عن الحق كما فعل أسالفهم وأنهم ماطلوا في الحق واقترحوا الآيات لما حققوا الإيمان الذي يريده الله منهم ، فقد مضت سنة الله في الساخرين من الدعوة بأنهم هم المستهزئ بهم .
قوله تعالى (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (5) استظهرت الآيات ثلاث مواقف للناس حين بلغتهم الدعوة الإسلامية أول مرة ، فأول عمل علموه أن أعرضوا عنها وعن آيات ربهم لما جاءتهم رغم أنها بينات على الحق ، ولم يقفوا عند مرحلة الإعراض وعدم التصديق الذي هو صورة من صور عدم الإهتمام وحسب ، ولكنهم وقفوا أمام الدعوة الإسلامية موقف الخصم المكذب بها المشوه لحقيقتها بأن كذبوا أصحاب الحق ووقفوا لهم بالمرصاد في كل كلمة يبلغونها عن الله ، وأطلقوا حملات التكذيب والتشويه لأصحاب كلمة الحق ، ثم انتقلوا إلى مرحلة ثالثة أشد تصديا للحق وانحيازا للباطل ، وهي مرحلة الاستهزاء بأهل الحق ، فيقفون ساخرين مما يقولونه لاسيما إذا كانوا يذكرونهم باليوم الآخر ،فإذا حصل منهم "الإعراض" و"التكذيب" و"الاستهزاء" بالتتابع ، كان الواجب تحذيرهم ، وإخبارهم بحال من سبقهم من المكذبين والمستهزئين مثلهم ، وفي ذلك كله (تأكيد لوعد المؤمنين بالنصر وإظهار الإسلام على الدين كله وإنذار للمشركين بأنه سيحل بهم ما حل بالأمم الذين كذبوا رسلهم) .
قوله (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) (6) وهكذا تفعل الذنوب بأصحابها ، حيث يتبدل حال أهل المعصية فبعد أن كانوا ممكنين في الأرض يرزقون من مطر السماء وأنهار الأرض يهلكهم الله فيزيلهم من على وجهها ليكونوا سكانا لقبورها .
قال الشنقيطي (ذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم الهلاك ، فهذا محض قياس العلة، وقد أكده سبحانه بضرب من الأولى)
وسبب الإهلاك إما عظم الذنب كـ "الشرك بالله" المقترن بصور الاستهزاء السالف ذكرها كما في السياق أو وقوع "الظلم" كما في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود 102) أو "بكثرتها" كما في قول النبي (إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى انضجوا خبزتهم وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه) .
قوله (..وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) فسنة الله الكونية أن يتبع الهلاك إحلال وتبديل ، فيأتي الله بقوم آخرين خير من الذين هلكوا ، يقيمون شرعه ، وتلك هي سنته في الظالمين ، بتطبيق قانون الاستبدال عند التولي عن حمل أمانة الدين ، كما في قوله تعالى (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِين، مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (المؤمنون: 41-43 ) ، فهي سنة مطردة ، يقول شيخ الإسلام معلقا على هذه السنة (وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ .....فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا ، بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .
فليس معنى أن الله يهلك الظالمين أن تهلك الدنيا ، بل إنه سبحانه يخلق خلقا آخرين ليحلوا محل الهالكين، فيبتليهم الله بما ابتلى به من كان قبلهم ، فإن أحسنوا جوزوا بالحسنة حسنة ، وإن أساءوا أهلكهم الله مثلما أهلك من قبلهم ،والعلة من ذلك هو أن يتحقق الإتزان الكوني في الأرض ، فالأرض ليست جنة نعيم ، بل هي موطن ابتلاء .
ولكي يتحقق مراد الله من ابتلاء للإنسان لابد وأن يكون الإنسان حرا مختارا ، والظالمون يصادرون حرية الإنسان في الاختيار ، ولذلك يهلكهم الله تعالى إذا ما صادروا هذه الحرية ، ليقيم بعدهم أمة يتحقق فيها الاختيار الذي هو مناط التكليف ، قال ابن عاشور (والمقصود من هذا تعريض بالمشركين بأن الله مهلكهم ومنشئ من بعدهم قرن المسلمين في ديارهم ، ففيه نذارة بفتح مكة وسائر بلاد العرب على أيدي المسلمين) .
قال تعالى (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) (7) هذه الآية إيذان بالتماس البشر للآيات المعنوية للاستدلال بها على الله الخالق المدبر بدلا من انتظار المعجزات المادية التي جاء بها الرسل من قبل ، أي الاستدلال على الإله بكتابه الذي أنزله ، فهي تصرف الناس عن الانشغال بالآيات المادية والانبهار بالمعجزات مثل التي أنزلت على موسى عليه السلام ، فتلك يضعف تأثيرها على عقول الناس ، لأن المعجزة المادية وإن أتى بها الرسول تحيلها العقول البشرية إلى ظاهرة السحر الذي استشرى بين الناس ، فيخلطوا بينهما ، لأنه يتعذر التفرقة كثيرا بين المعجزة والسحر ، ولا يزال الناس يتخوفون من السحر والساحر ، فالظواهر الخارقة للعادات ليس بمعول عليها في إثبات النبوة لاشباهها مع السحر ، ولذلك جاء النبي محمد بمعجزة خارج هذا النطاق ، فأيده الله بمعجزة بالقرآن ، فالقرآن هو ذاته منهجه ومعجزته ، فأضحت المعجزة منهجا والمنهج معجزة ، فمعجزة النبي في منهجه ، لكونه أصلح حياة الناس بعد فسادها ، فصاروا من جاهلية بغيضة إلى قادة للأمم ،وبهذا بطلت شبهة السحر التي ألقت بظلالها على البعض .
قوله (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (9) نفت الآيات صحة تصور أن يكون النبي المبلغ للبشر ملكا ، لأن في ذلك إهدار للمنهج التطبيقي في الإسلام ، بمعنى أن الإسلام ليس مجرد دين نظري يلقي به ملك كريم للبشر وحسب ، بل هو منهج تطبيقي يطبقه نبي بشر مثلهم تعتريه ما يعتري البشر من ابتلاءات ، ويحتاج ما يحتاجه البشر من مقومات للعيش ، بهذا تكون ظروف تطبيق المنهج متساوية بين الرسول البشري والناس المكلفين بهذا المنهج بلا فرق ، وهكذا يحتج الله على البشر بأن منهجه لا يستعصي أن يلتزم به بشر .
فهذه الآية تلفت الناس إلى حياة الرسول محمد لينظروا إليها على أنها سنة يقتدون بها ، قال سبحانه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21) ، وهكذا يكون تطبيق المنهج -كذلك- معجزة أخرى ، فحياته هي معجزة هذا الدين من الناحية التطبيقية ، فقد رأينا بمنهجه وسنته كيف اتبعه السواد الأعظم من الناس ، وكانوا من قبل يحاربونه ويصدونه عن السبيل .
وعليه فإن التماس الناس أن يكون الرسول ملكا من الملائكة يبطل أن يكون لهذا الدين إعجاز تطبيقي في حياتهم ، إذ يستعصي عليهم أن يتبعوا ملكا رسولا لا يأكل ما يأكلون ولا يلبس مما يلبسون ولا يعيش كما يعيشوا ، فأنى لهم تطبيق المنهج وليس عندهم قدوة من البشر يعيش ذات ظروفهم ويحتاج لذات متطلباتهم المادية (الطينية) ، فيأمرهم بصيام شهر رمضان كاملا وهو في الأصل ملك لا يأكل ولا يشرب ، ويأمرهم بالصلاة خمس مرات ، وهو في الأصل ملك لا ينقطع عن الذكر والتسبيح والصلاة ؟ إذن المنطق السليم يقضي بأن يكون المتبوع من جنس التابع ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى (قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً) (الإسراء 95) .
قال تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (10) الاستهزاء بالرسول ينطوي في ذاته استهزاء بالمنهج التطبيقي للقرآن الكريم ، أي أسلوب حياته وسيرته ، ويتضمن تبعا لذلك استهزاء بكتاب الله العظيم الذي هو المنهج المتبع ، فرغم أن بشرية الرسول معجزة هذا الدين التطبيقية ،ودليل على أن منهج الله صالح للتطبيق العملي على البشر كما طبقه النبي على نفسه وأصحابه ، فإنهم –وبالرغم من ذلك - يستهزئون ويستعجبون عن كبر وغرور ، قال تعالى (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (الفرقان 7) .
والغرض من مواجهة الدعوة بمثل هذا الاستهزاء إشغال الناس عن التعامل مع دين الإسلام بجدية ، فمع اعترافهم بحق الربوبية لله ، فإنهم ينكرون حقه في الألوهية ، أي يريدون أن يفرغوا الدين من مضمونه ، ليصير مجرد شعائر تعبدية ، وإن شئت قلت "اختيارية" ، خالية من أي منهج تكليفي .
فإذا كان هذا هو مكرهم ، فإن الله تعالى يمكر بهم ، وينزل عليهم عذابه ، ففي الآية مجاز بتصوير العذاب وكأنه جنود تحيط بالمستهزئين ، فينقلب حالهم إلى وبال عليهم ، وفي ذلك تسلية للنبي كي لا يحزن من سخريتهم واستهزائهم به ، فنصر الله قريب والغلبة للمؤمنين ، وقد بشر الله نبيه بالنصر فقال (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام 34).
المطلب الثاني
تلقين النبي كيف يحاج قومه بعد أن كذبوه
قال تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (21)
قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(11) « ثم » تعني (طول المسافة الزمنية الفاصلة بين "المعطوف" و"المعطوف عليه" ) ، فالسير في الأرض المقصود به السعي على طلب الرزق والاجتهاد في المعاش وبصفة عامة حركة الحياة ، فمصير المكذبين يحتاج لفترة زمنية لكي يتحقق ضمن مجريات الحياة ، فلا يستعجل صناع الحياة أن يزيل الله الباطل عنهم ، بل عليهم أن يمضوا في سعيهم وإصلاحهم ، ولا ينتظروا إزاحة الباطل .
ومن جهة أخرى فإن السائر في ضروب الحياة يرى ألوانا شتى من العبر والدروس ،فقريش تسير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن ما يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم ، ليأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم ، فهذه الآية تحض على قراءة التاريخ واستقراء العبر من بين السطور ، أي قراءة تحليلية ، وليس مجرد سرد حكايات الغابرين .
قال صاحب الظلال (السير في الأرض للاستطلاع والتدبر والاعتبار ولمعرفة سنن الله مرتسمة في الأحداث والوقائع أمور كلها كانت جديدة على العرب ، لقد كانوا يسيرون في الأرض ، ويتنقلون في أرجائها للتجارة والعيش ، وما يتعلق بالعيش من صيد ورعي . . أما أن يسيروا وفق منهج معرفي تربوي . . فهذا كان جديداً عليهم ، كان قصارى ما يروى من التاريخ وما يدون من الأخبار ، مجرد مشاهدات أو روايات عن الأحداث والعادات والناس لا يربط بينها منهج تحليلي أو تكويني يحدد الترابط بين الأحداث ، كما يحدد الترابط بين النتائج والمقدمات ، وبين المراحل والأطوار ... فجاء المنهج القرآني ينقل البشرية إلى هذا الأفق؛ ويشرع لهم منهج النظر في أحداث التاريخ الإنساني ، والذين يأخذهم الدهش والعجب للنقلة الهائلة التي انتقل إليها العرب في خلال ربع قرن من الزمان على عهد الرسالة المحمدية ، وهي فترة لا تكفي إطلاقاً لحدوث تطور فجائي في الأوضاع الاقتصادية ، سيرتفع عنهم الدهش ويزول العجب ، لو أنهم حولوا انتباههم من البحث في العوامل الاقتصادية؛ ليبحثوا عن السر في هذا المنهج الرباني الجديد ، الذي جاءهم به محمد من عند الله العليم الخبير . . ففي هذا المنهج تكمن المعجزة) .
قال تعالى (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ..) (12) حضت الآيات النبي أن يُذَكِّر قومه بصنع الله ولكن بصيغة السؤال والاستفهام حتى يحرك عقولهم إزاء هذه الآية فيتفكروا في ظروف المكان التي تحيط بالإنسان .
والغرض من السؤال معرفة هل عندهم شبهة تمنعهم من أن ينسبوا ما يرونه مما يحيط بهم من ظروف المكان لله تعالى خالق كل شيء ، فالسماء فوقهم والأرض تحتهم ، فمن الذي فعل ذلك ؟ فإن كان عندهم علم غير الله فليأتوا به ، وإن لم يجيبوا ، فأجبهم أنت بقولك الله هو الذي خلقهما ، فمن غيره يقدر على ذلك ؟
قال تعالى (..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) (12) أي (قضى بها وأوجبها على نفسه) - فضلا منه ومنة على خلقه -، وذكر رحمة الله في معرض السؤال عمن ما في السماوات والأرض ، تضمن سؤالا ضمنيا ، هل تعرفون ربكم باسم الرحمن ، قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا)(الفرقان60) ، قال تعالى (وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ)(الرعد30) .
(ومظاهر رحمة الله متجلية في الناس أنه يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم لكنهم يكفرونه ويعصونه ، وما حمدوه ولا شكروه حق شكره) ، فهي رحمة أوجبها على نفسه ، وهي من السعة بأن تسع الخلائق كلها ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ بِسَبْيٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ؟ قُلْنَا لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا) .
ومع سعة رحمة الله بعباده في الدنيا فإن النصيب الأكبر من رحمته مدخر للآخرة ، فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
ومن الملاحظ أن عبارة (كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) [الأنعام: 12] جاءت في سياق التهديد الشديد للمستهزئين ، لطمأنة القلوب، وفتح باب الأمل والتوبة ، فرغم شناعة فعل المستهزئين والتهديد المخيف بعذابهم، بيّن الله تعالى أنه أوجب الرحمة على ذاته لئلا ييأس عاصٍ، ولكي يدرك العباد أن عقوبته تأتي بعد إقامة الحجة، وليس تعجيلاً للانتقام
وقد تكررت الآية في السورة في قوله (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام54)
قوله (..لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ..) (12)يقول الشيخ أبو بكر الجزائري (ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها ، أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله : (ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه " أى الكائن الآتى بلا ريب ولا شك) .
ولذلك فإن أهل التوحيد وإن عصوا فإنهم يعلمون أن الله يجمعهم يوم القيامة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ) ، ولعله أمر بفعل هذا ليرحمه الله عندما يرى خشيته منه ، وقيل أنه فعل ذلك (تَحقيرًا لنَفسِه، وعُقوبةً لها بعِصيانِها، وإسرافِها، وتَذلُّلًا ورَجاءً أن يَكونَ هذا سَببًا إلى رَحمَتِه، ولَعلَّه كان مَشروعًا في مِلَّتِه) .
قال ابن عبد البر (وذلك دليل على إيمانه إذ الخشية لا تكون إلا لمؤمن بل لعالم قال تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر28) ويستحيل أن يخافه من لا يؤمن به وقد روى الحديث قال رجل لم يعمل خيرا قط إلا التوحيد، وهذه اللفظة ترفع الإشكال في إيمانه والأصول تعضدها (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (النساء48) ، وقد (قال فغفر له) ، ولأبي عوانة من حديث حذيفة عن الصديق أنه آخر أهل الجنة دخولا) .
وقال ابن تيمية تعليقا على هذا الحديث (هذا جهل قدرة الله على إعادته ورجا أنه لا يعيده بجهل ما أخبر به من الإعادة ، ومع هذا لما كان مؤمنا بالله وأمره ونهيه ووعده ووعيده خائفا من عذابه ، وكان جهله بذلك جهلا لم تقم عليه الحجة التي توجب كفر مثله غفر الله له)
قوله (..الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (12) قال ابن عاشور (معنى "خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ" عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير، وذلك أنهم لما أعرضوا عن التدبر .. فقد أضاعوا علي أنفسهم أنفع سبب للفوز في العاجل والآجل، .. ، فعدم الإيمان مسبب عن حرمانهم الانتفاع بأفضل نافع) .
فإهمالهم التدبر من جهة ، وتعطيل أجهزتهم التي أنعم الله عليهم بها من جهة أخرى حال بينهم وبين فهم مراد الله ، وما عنده من الثواب والعقاب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) .
يقول الشيخ ابن العثيمين (فالواجب على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في كونه يغلب الخوف أو الرجاء إن رأى نفسه تميل إلى الرجاء وإلى التهاون بالواجبات وإلى انتهاك المحرمات استنادا إلى مغفرة الله ورحمته ، فليعدل عن هذه الطريق وإن رأى أن عنده وسواسا، وأن الله لا يقبل منه فإنه يعدل عن هذا الطريق إلى ما يصلحه في حال الصحة وفي حال المرض)
ويقول صاحب الظلال (إن الذين لا يؤمنون بهذا الدين ..لابد أن تكون أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية في كيانهم معطلة مخربة أو محجوبة مغلفة ، فهم في هذه الحالة قد خسروا أنفسهم ذاتها ، بفقدانهم أجهزة الاستقبال .. ، ومن ثم فهم لا يؤمنون .... وهذا هو التفسير العميق لعدم إيمانهم مع توافر دلائل الإيمان وموحياته من حولهم . . وهذا هو الذي يحدد مصيرهم في ذلك اليوم . وهو الخسارة الكبرى المترتبة على خسارتهم من قبل لنفوسهم!) .
قال تعالى (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (13) أراد الله أن ينشط أجهزة الاستقبال والاستشعار والإحساس بالكون لدي هؤلاء المعرضين ، وذلك بأسلوب تقرير خبري عن ظرف الزمان الذي يعيش فيه الإنسان ، فلا حاجة لتكرار السؤال لمن عجز عن أن يقر بملكية الله للسماوات والأرض ، ولذلك جاء التقرير - هنا - مباشرا بأن الله هو الذي خلق الزمان ، وأية ذلك تعاقب الليل والنهار ، يقول الشعراوي (ما دام الحدث قد وُجد فلابد له من زمان ولابد له من مكان ، أما مكان الحدث فهو السماء والأرض ، وما بينهما ، وأما زمان الحدث فهو الليل والنهار ، إذن فالحق قد تكلم عن خلق الزمان من بعد أن أعلن لنا أنه خالق المكان) .
قال البغوي في قوله (مَا سَكَنَ) أي: (استقر)، قيل: (أراد ما سكن وما تحرك)، كقوله:(سرابيل تقيكم بأسكم) أي: (الحر والبرد) (هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر) ، وقيل: (إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر) ، والسكون في الليل كناية عن الخفاء والاختباء ، وعطف النهار عليه من باب الشمول والعموم ، كما في قوله (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) (الرعد 10)
والمقصود عموم ملكه سبحانه وإحاطته بالمكان والزمان ، قال ابن عاشور (وتخصيص الليل بالذكر لأن الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاء،فهو كقوله: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ) [الأنعام:59] ، وعطف النهار عليه لقصد زيادة الشمول،لأن الليل لما كان مظنة الاختفاء فيه قد يظن أنه لا يقصد إلى الاطلاع على الساكنات في النهار، فذكر النهار لتحقيق تمام الإحاطة بالمعلومات) .
فنعمة السكن من أظهر نعم الله على عباده ، يقول النبي (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) .
وذكر هذه النعمة التي أنعمها الله على عباده بأسلوب الاختصاص بتقديم (المسند) خبر شبه الجملة "الجار والمجرور" في قوله (وله) على المسند إليه (ما سكن) ، تأكيد على أن الله وحده هو المنعم على الجميع بتلك النعم ، فلا يشاركه في هذا الفضل أحد ، أفلا يختص -كذلك - بحقه في الألوهية والتشريع والحكم؟ ، فلا يشاركه فيه أحد .
قوله (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) أي (معبودًا أُوَالِيه بالعبادة والمحبة) غير الله ، وهو أسلوب استنكار كما في قوله (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ) [الزمر:64]، قال الرازي (هذا يقتضي تنزيه القلب عن الالتفات إلى غير الله تعالى ، وقطع العلائق عن كل ما سوى الله تعالى) .
يقول الشعراوي (تطرأ علي الإنسان أحداث تؤكد له أنه ضعيف ، وساعة ضعف الإنسان لا بد وأن يأوي إلى من هو أشد منه قوة ، قال تعالى (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) [الشورى: 9] ، إن الولي - وهو الله - قوته لا يمكن أن تصير ضعفاً ، وغناه لا يمكن أن ينقلب فقراً ، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل ، إنه مُغيِّر ولا يتغير ، ولذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليّاً لهم) .
قال ابن القيم (كثير من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصرا بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه أنهم يقربونه إلى الله وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء .
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام موالاته فموالاة أوليائه لون واتخاذ الولي من دونه لون ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه
وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ولا إلها ولا غيره حكما ) .
وقال ابن القيم (وحقيقة التوحيد وحقيقته إخلاص الدين كله لله ، بمعنى أن يفنى العبد في هذا التوحيد ، وهو فناء مقرون بالبقاء ، بإثبات ألوهية الحق في القلب ، وتنفي الإلهية عما سواه ، بذلك يجمع العبد بين النفي والإثبات ، فالنفي هو الفناء ، والإثبات هو البقاء ، وذلك تفصيل قوله (لا إله إلا الله) ، وحقيقته أن تفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه وبمحبته عن محبة ما سواه ، وبخشيته عن خشية ما سواه ، وبطاعته عن طاعة ما سواه ، وكذلك بموالاته وسؤاله والاستغناء به والتوكل عليه ورجائه ودعائه والتفويض إليه والتحاكم إليه واللجوء إليه والرغبة فيما عنده) .
قوله (..فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..) (14) أي أن الاستدلال بالله خالق السماوات والأرض كاف بتوحيده وقطع الموالاة عما سواه ، ونظير ذلك قوله تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (إبراهيم 10) .
وقد كان النبي يدعو ربه بهذه الصفة ، فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ أَنْتَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
قوله (..وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ..) (14) أي : (يَرْزُق ولا يُرْزَق) ، أي (المنافع كلها من عنده ، ولا يجوز عليه الانتفاع) ، قال تعالى (وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) (الشعراء 79) ، وخص الطعام من مجمل النعم لأنه رزق مباشر من الله للإنسان ، وهو المقوم الأساسي للحياة ، فنعمة الطعام من أظهر النعم ، قال تعالى (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (عبس 24-32)
قال ابن عثيمين في الشرح ( لولا أن الله تعالى يسر لك هذا الطعام ما حصل لك كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) فالإنسان ، لولا أن الله ييسر له الطعام من حين أن يبذر ثم ينبت ثم يحصد ثم يحضر إليه ثم يطحن ثم يعجن ثم يطبخ ثم ييسر الله له الأكل ما تيسر له ذلك) .
وشكر الله على هذه النعمة عظيم الثواب ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)
كما يقتضي إقرار العبد بنعمة ربه عليه أن يتحرر من عبادة أسباب الرزق ، ولكن يعبد الله المسبب المباشر وحده ، وهو الله سبحانه ، فلا يسأل أحدا غيره ، قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ, مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ, إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) ، فإذا استيقن المسلم ذلك لم يذل لنفسه لغير الله تعالى ، فعن النبي فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي) ، قال المناوي (فاستطعموني) اطلبوا مني الطعام (أطعمكم ) أيسر لكم أسباب تحصيله) .
يقول ابن تيمية (الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ ؛ فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ قَلْبُهُ مُعْتَمِدًا عَلَى اللَّهِ لَا عَلَى سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَاَللَّهُ يُيَسِّرُ لَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا يُصْلِحُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ،فَإِنْ كَانَتْ الْأَسْبَابُ مَقْدُورَةً لَهُ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهَا فَعَلَهَا مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ ،كَمَا يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَكَمَا يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ وَيَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيَلْبَسُ جُنَّةَ الْحَرْبِ وَلَا يَكْتَفِي فِي دَفْعِ الْعَدُوِّ عَلَى مُجَرَّدِ تَوَكُّلِهِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ ، وَمِنْ تَرْكِ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَهُوَ عَاجِزٌ مُفَرِّطٌ مَذْمُومٌ) .
قوله (..وَلَا يُطْعَمُ..) (14) فكما كشفت الآيات عن مدى حاجة العبد إلى الطعام ، ومن ثم افتقاره لخالقه ورازقه ، فإذا كان ذلك هو شأن العباد ، فإن هذه الصفة ممتنعة على الله ، فحاشا لله تعالى أن يفتقر إلى مطعم ومشرب وما يحتاجه الإنسان من تنفس وتناسل ...الخ ، فهذا كله ممتنع عن الله ، وحاشا لله أن يكون به مثل هذا النقص ، قَالَ النَّبِيُّ (مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) .
لكنها تضاف إلى الله سبحانه على سبيل المجاز كما جاء في الحديث القدسي (يقول الله استطعمتك فلم تطعمنى قال فيقول يا رب وكيف استطعمتنى ولم أطعمك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أما علمت أنك لو كنت أطعمته لوجدت ذلك عندي ، ابن آدم استسقيتك فلم تسقنى فقال يا رب وكيف اسقيك وأنت رب العالمين فيقول ان عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو كنت سقيته لوجدت ذلك عندي) .
قوله (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ..) (14) وهذا يدل على أنه انقاد لأمر الله دون انتظار لأن ينضموا هم لهذا الأمر ، فأمر إسلامه متأصل في قلبه ، لا علي سبيل التبع ، فهو أول المسلمين في زمانه ، وذلك دليل على عظم المسئولية لأن أول الشيء دليله ، فكون أن النبي أول من أسلم من أمته ، فإنه بذلك يكون دليل لها ومرشدها وناصحها الأمين ، وكل نبي أرسل إلى قومه كان يقول (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) ، أي أمين لإرشادكم وهدايتكم ، فبدلالة هذه الآية تأكد أن النبي قدوة لأمته ، فبسيرته وحياته نقتدي ، وعلى سنته نقتفي أثره ، متبعين غير مبدلين .
وتضمنت الآية مبادرة إلى تكوين النواة الصلبة من المسلمين الذين يكونوا قدوة لمن بعدهم ، وهو ما فعل النبي مع أصحابه الذين جاهدوا معه ونصروه كل غزواته ، حتى قال النبي فيهم (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) ، فأضحوا هم كذلك قدوة بعد النبي ودليلا ومرشدين لنا على الطريق .
قوله (...وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (14) هو خطاب مباشر من الله لنبيه محمد ناهيا له عن الشرك بكل صوره ، فتضمن إثبات عصمة النبي من الشرك الأكبر والأصغر ، فضلا عن الرياء وحب السمعة ، ومن اتبع النبي كان من عباده المخلصين والموحدين ، وهذا من باب المسارعة في سد أكبر أبواب المنكر وهو الشرك بالله تعالى ، وقد كان النبي يستعيذ من الشرك ، فعن معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي فقال يا أبا بكر "للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل" فقال أبو بكر :وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر؟ قال النبي "والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل : "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم") .
قال الغزالي : (ولذلك عجز عن الوقوف على غوائله سماسرة العلماء فضلا عن عامة العباد ، وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها وإنما يبتلى به العلماء والعباد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة فإنهم مهما نهروا أنفسهم وجاهدوها وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم فوجدت مَخْلصا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم ، فنازعت إلى إظهار الطاعة وتوصلت إلى إطلاع الخلق ولم تقنع بإطلاع الخالق ،وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد الله وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه للشهوات وتوقيه للشبهات وتحمله مشقات العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء وبالغوا في التقريظ والإطراء –الاعتزاز- ونظروا إليه بعين الاحترام وتبركوا بلقائه ورغبوا في بركته ودعائه وفاتحوه بالسلام والخدمة وقدموه في المجالس وأكرموه في المحافل غاية الإكرام ، وسامحوه في البيع والمعاملات وقدموه في المجالس وآثروه بالمطاعم والملابس ، وتصاغروا له متواضعين وانقادوا له في أغراضه موقرين ، فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات ، وشهوة هي أغلب الشهوات ، فهو يظن أن حياته بالله وبعبادته المرضية وإنما حياته بهذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول النافذة القوية ، ويرى أنه مخلص في طاعة الله ومجتنب لمحارم الله والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيينا للعباد وتصنعا للخلق وفرحا بما نالت من المنزلة والوقار وأحبطت بذلك ثواب الطاعات وأجور الأعمال وقد أثبتت اسمه في جريدة المنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين ، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون ومهواة لا يرقى منها إلا المقربون ولذلك قيل آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة) .
فمن عصمه الله من الشرك الخفي فقد فاز ونجى ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ) ، قال العلماء أي (من الشرك الجلي)، (أما الخفي وهو نحو الرياء فغير مانع من دخول الجنة) ، أي (وإن ارتكب كل كبيرة فلا بد من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار) ، قال النووي (أما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها فهو تحت المشيئة ، فإن عفى عنه دخل أولا وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد فى الجنة) .
ومن جهة أخرى فإن من نجا من فتنة "الشرك الأكبر" فإنه لا يأمن من فتنة "الدنيا" التي هي نوع آخر من الشرك ، حين تكون محبتها معادلة ومساوية لمحبة الآخرة ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ (صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَقَالَ إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ "أَيْلَةَ" إِلَى "الْجُحْفَةِ" إِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) ، أي (أن رسول في تلك الساعة كان لا يخشى على أمته الشرك) ، والمعنى أنه كان يتحدث مع أصحابه الذين جاهدوا معه في غزوة "أحد" ، وقد ثبتوا بعدما انخزل المنافقون وتركوا الجيش ، فلم يثبت معه غير الصادقون ، وهؤلاء لا يُخشى عليهم من الشرك"-أي الأكبر- ، لأنهم ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ولم يهابوا الموت ، وإنما خشي عليهم النبي من أن تأتيهم الفتنة من جانب آخر ، وذلك حين يُمكنهم الله تعالى فتُفتح عليهم الدنيا ، فيصيرون للشرك من جهة أخرى ، أي من جهة تفضيل الدنيا على الآخرة .
قوله (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (15) جمع مخاوفه كلها في كلمة واحدة (معصية ربه) فالخوف من المعصية دليل علي الحرص على الطاعة والتوبة ، وعاصم من الوقوع في المعصية ، فالمؤمن يشمئز من المعصية لأنه يجد لذة القرب من الله ، والعكس كذلك صحيح ، قال ابن القيم (يجد المذنب نفسَه مستوحشًا قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه وبينه وبين الخلق وبينه وبين نفسه ، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ، وأمَرُُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين ، وأطيب العيش عيش المستأنسين) .
والنجاة من المعصية يكون بالخوف من شؤمها الذي يؤدي إلى الحرمان من الطاعات والاستزادة منها ، قال ابن القيم (المعاصي تزرع أمثالَها وتُولِّد بعضها بعضا حتى يعِز على العبد مفارقتها والخروج منها ، .. فمن عقوبة السيئة السيئة بعدها ، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها أعملني أيضا ،فإذا عملها قالت الثانية كذلك وهلم جرا ،فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات ، وكذلك كانت السيئات أيضا حتي تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة) .
(فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاقت عليه الارض بما رحبت ، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتي يعاودها ، فتسكن نفسه وتقر عينه ، ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتي يعاودها حتي أن كثيرا من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية اليها إلا لما يجد من الالم بمفارقتها ) .
يقول الأعشى :- وَكَأسٍ شَرِبتُ عَلى لَذَّةٍ ..... وَأُخرى تَداوَيتُ مِنها بِها
وقال آخر : - وكانت دوائى وهي دائي بعينه ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر
وخير علاج لمن اقتراف المعاصي هو الانشغال بالطاعات لتكون دليله ومرشده ، ذلك أن التزود بالصالحات ينهى عن الآثام ، قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) (العنكبوت 45) ، فمن استيقظ لصلاة الفجر وقرأ قرآن الفجر وجد همة لأن يستكمل اليوم على ما بدأه من خير ، قال رسول الله (مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)
والنصيحة لمن يخاف المعصية أن يدلج في السير ، فيجتهد في الطاعات قدر استطاعته ، قال (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ) ، قال ابن عثيمين ("أدلج" يعني مشي في "الدلجة" وهي أول الليل ، ومن أدلج بلغ المنزل لأنه إذا سار في أول الليل فهو يدل على اهتمامه في المسير وأنه جاد فيه ، ومن كان كذلك بلغ المنزلة) ، قال المناوي (المراد التشمير في الطاعة، فمن خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالعمل الصالح خوف القواطع والعوائق ، وقيل هو حث على قيام الليل ، جعل قيامه من علامات الخوف لأن الخائف يدلج أي منعه الخوف من نوم كل الليل) .
قوله (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)(16) ، من ذلك نفهم أن الذي يستوجب الدخول في رحمة الله اجتناب نواهيه وأخصها الشرك بالله ، فإن زل العبد فليبادر بالتوبة كي يقي نفسه مس النار ويظل في رحمة ربه ، قال المولى سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) ]طه:82[ ، فإن حظي بذلك فقد فاز ، قال تعالى (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران 185) .
قوله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (17) ذلك من باب التسليم بالقضاء والقدر والرضى والإيمان به ، قَالَ تَعَالَى (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) ،قال رسول الله (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) ، وقد جاء لفظ "الضر" في مقابلة "الخير" ، عدولا عن لفظ "الشر" لأنه ليس من شر يأتي من الله ولا ينسب إليه ، بل إن الضر قد يأتي بالخير كذلك ، ذلك أن مع العسر يسرا ، وأن النصر مع الصبر .
والإتيان بلفظ (يمسسك) في الضر والخير دليل على سرعة تبدل الحال ، ولابد أن يحصل ذلك ، فلا يغرق أحد في الخير مطلقا ، ولا في الضر أبدا ، بل لابد وأن تعتريه المتغيرات كلها ، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء 35) ، وقال (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الأعراف 168)، يقول النبي (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) .
قوله (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ.. ) (17) قال الشوكاني : والمعنى : (أن الله سبحانه هو الضار النافع . فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان ، بل هو المختص بكشفه كما اختصّ بإنزاله)
والحكمة من الابتلاء بالضر عظيمة ، فأيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض ثم شفاه ، فكانت حكمته أن يبتليه ثم يشفيه ليعطى من الثواب العظيم ، والخير الكبير ، قال رسول الله (يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ)
ولا أحد يكشف الضر إلا الله ، كما في قوله (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء 80) ، ولا ينبغي للعبد أن يستعجل كشف الضر عنه ، لأن الله تعالى يكشفه عندما يحين أجله ، وكل شيء عنده بمقدار ، ولذلك قال نبي الله أيوب على استحياء (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ)(الأنبياء).
فإذا كان هذا الضر في الدنيا فأمره هين ، وإن كان في الدين فمصيبته عظيمة ، قال ابن القيم (ومن أعظم الضر حجاب القلب عن الرب وهو أعظم عذابا من الجحيم) ، واستشهد بقوله (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم) ، وهذا الضر لا يكشفه كذلك إلا الله ، قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد17) ، وقال (..وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص 56)
قوله (..وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (17) ذلك المساس أن يتلقي العبد نفحة من رحمات ربه ، فعن أنس بن مالك : أن رسول الله قال : (اطلبوا الخير –وفي رواية افعلوا الخير - دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن الله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوا الله أن يستر عوراتكم و يؤمن روعاتكم ) ، فعلى العبد أن يتلمس المواطن التي أخبرها عنها النبي التي تنزل فيها رحمات الله ، كيوم عرفة ..، والمقصود هو استغلال الفرص كالتي تغلغل فيها الشياطين في شهر رمضان ، وأوقات السجود حيث يكون العبد أقرب من ربه وهو ساجد ، وأوقات الصلاة ، وتحين مجالس العلماء حيث تحفها الملائكة ..الخ .
قال المناوي (والمعنى اطلبوا الخير متعرضين لنفحات رحمة ربكم بطلبكم منه) ، فقيل (التعرض للنفحات الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة حتى إذا مرت نزلت بفناء القلوب) ، قال الغزالي (والتعرض لها بتطهير القلب وتزكيته من الخبث والكدورة الحاصلة من الأخلاق المذمومة)
والأمثلة على ذلك كثيرة ، منها الثلث الأخير من الليل ووقت السحر ، قال رسول الله (قَالَ يَنْزِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ) ، ويقول النبي (إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ) .
ومن صور المساس بالخير أن يسمع العبد وهو سائر آية من آيات الله تتلى عليه فتناله بركتها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ (مَنْ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .
وخير خير يمس المؤمن أن يفقه مسألة في الدين ، فإذا أراد الله بعبده خيرا يفقه في الدين ، لقول رسول الله (مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) ، وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ يَا أَبَا ذَرٍّ لَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ مِائَةَ رَكْعَةٍ ، وَلَأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنْ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّيَ أَلْفَ رَكْعَةٍ) ، ويعضده قول النبي (فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ)
قوله (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (18) القَهَّارُ من صفات الله عز وجل ، قال أهل اللغة (القَهْرُ الغَلَبة ، والأَخذ من فوق) ، قال الفراهيدي (يُقالُ أخذهم قَهْراً أي من غير رضاهم) ، قال الأَزهري (والله القاهرُ القَهّار قَهَرَ خَلْقَه بسلطانه وقدرته وصَرَّفهم على ما أَراد طوعاً وكرهاً والقَهَّار للمبالغة) .
فصفة القهار تليق به سبحانه ، فما من ملك من ملوك الدنيا إلا قهره الله بمرض وبسلب ملكه ثم قهره بالموت ، (ولم يأت اسم الله القاهر في السنة إلا في حديث حصر الأسماء الحسنى عند ابن ماجة)
والفوقية صفته وتقتضي علو الشأن وتنفي المماثلة مع خلقه ، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) (الشورى 11) ، أي (وهو الذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء ، وعلا بذاته على عرشه فوق كل شيء وعلو الشأن ، فتعالى عن جميع النقائص والعيوب المنافية لإلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى) .
قال العلماء (اجتماع "علو القهر" مع "علو الفوقية" يعني أنه الملك من فوق عرشه الذي علا بذاته فوق كل شيء والذي قهر كل شيء وخضع لجلاله كل شيء وذل لعظمته وكبريائه كل شيء)
قال السهيلي (ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق على المعنى الذي يليق بجلاله، لا على المعنى الذي يسبق إلى الوهم من التحديد الذي يفضي إلى التشبيه) ، معنى كلامه إثبات صفة "الفوقية" لله جائزة ومعقولة إذا كانت تدل على فوقية القهر والقدر والعلو المطلق الذي يليق بجلاله، بينما تُمنع وتُستحيل إذا كان يُقصد بها الفوقية المكانية المادية (التحديد والتحيز) التي تؤدي إلى التشبيه بالمخلوقات ، قال أبو حيان (وأبعد من قال أن "فوق" تدل على أنه تعالى حال في الجهة التي فوق العالم ، إذ يقتضي هذا القول التجسيم ، والجمهور ذكروا أن الفوقية هنا مجاز) .
قال الشيخ البراك: قول السهيلي: "ولا يستحيل وصفه تعالى بالفوق ..... ": هذا يتضمن أن الفوقية منها ما يستحيل على الرب سبحانه فيجب نفيه، ومنها ما لا يستحيل عليه فلا مانع من إثباته، وعليه يحمل ما جاء من وصف الله تعالى بالفوقية. وهذا التفصيل مبني على نفي علو الله تعالى بذاته على خلقه واستوائه على عرشه؛ فالفوقية ثلاثة أنواع-:
1- فوقية الذات
2- فوقية القدر
3- فوقية القهر
ونفاة العلو من الجهمية ومن تبعهم يثبتون فوقية القدر والقهر دون فوقية الذات
وأهل السنة والجماعة يثبتون له سبحانه الفوقية بكل معانيها؛ كما قال تعالى: "وهو القاهر فوق عباده"، كما يقولون مثل ذلك في العلو؛ فعندهم أن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه.
قوله (..وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (18) ذكر صفتي (الحكيم الخبير) يدل على أن الله تعالى يقهر عباده بحكمة ، لا من باب العبث ، بل هو خبير بأحوال عباده ، فيقهرهم بالكيفية وفي الوقت المناسب لأحوالهم .
قال ابن كثير " هو الذى خضعت له الرقاب ، وذلت له الجباه، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شىء ، ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه الأشياء ، وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه " ، فقوله (وَهُوَ الْحَكِيمُ) أي: (في جميع ما يفعله) ، وقوله (الْخَبِيرُ) أي : (بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق ولا يمنع إلا من يستحق)
قوله (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) (19) بعدما انتهت الآيات من تعريف الذين كفروا بالإله الحق وبينت صفاته وعظمته شرعت بعد ذلك في الإتيان بدلائل النبوة ، ذلك أنه لما كان كل نبي مؤيد بمعجزة من الله تشهد له بصدق نبوته ، كان السؤال أين معجزة النبي ؟ فأحالت الآيات إلى القرآن المنزل عليه الذي هو كلام الله فهو أكبر شهادة لنبوته .
فقوله (..اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ..) (19) أي كلامه المنزل على عبده وهو "القرآن الكريم"، فالقرآن هو معجزة هذا الدين ، قال المفسرون (سألت قريش شاهداً على صحة نبوة محمد فقالوا : أي دليل يشهد بأن الله يشهد لك؟ فقال : هذا القرآن تحديتكم به فعجزتم عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه) ، وعليه كان لزاما أن يتضمن الخطاب الدعوي شيئا من القرآن الكريم حتى يكون للخطاب شاهد عليه ودليل علي صدقه .
قوله (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(19) أي (لأنذركم به يا أهل مكة ، ولأنذر به أيضاً جميع من بلغه هذا الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم) ، قال الشنقيطي (صرح في هذه الآية الكريمة بأنه منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائناً من كان) ، قال ابن تيمية (فكل من بلغه القرآن فهو مخاطب به يتناوله خطاب القرآن) ،وقال (فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه دون ما لم يبلغه) .
فإذا كان الأمر كذلك فإن بلاغ هذا القرآن للكافة فرض على الكفاية لقول رسول الله (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) ، أي على مجموع الأمة ، وقال ابن تيمية (فَكُلُّ مَنْ بَلَغَهُ الْقُرْآنُ مِنْ إنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ فَقَدْ أَنْذَرَهُ الرَّسُولُ بِهِ) .
فقوله (..وَمَنْ بَلَغَ..) يقصد بهم على وجه الخصوص أهل الكتاب الذين يعرفون صفة النبي في كتبهم ، بل ويستفتحون على مشركي مكة قرب قدومه .
لكن المعنى العام للآية أي "ومن بلغه القرآن" : (فكل من بلغه القرآن وتمكن من فهمه فهو منذر به) ، قال ابن تيمية (والأحاديث التي رويت في امتحان الأطفال والمعتوهين والهالك في الفترة إنما تدل على امتحان من لم يعقل الإسلام فهؤلاء يدلون بحجتهم أنهم لم تبلغهم الدعوة ولم يعقلوا الاسلام ..، وعدم ترتيب الأحكام عليهم في الدنيا قبل البلوغ لا يدل على عدم ترتيبها عليهم في الآخرة)
أما من لم يبلغه القرآن دون تقصير منه فهو معذور ، ولم تقام عليه الحجة حتى يبتلى بالعلم فيعمل بما علم ، فعن النبي قال (أربعة يوم القيامة يدلون بحجة أصم لا يسمع ورجل أحمق ورجل هرم ومن مات في الفترة فأما الأصم فيقول : يا رب جاء والصبيان يقذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول : لقد جاء الإسلام وما أعقل وأما الذي مات في الفترة فيقول : رب ما أتاني رسولك فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا أن ادخلوا النار ) قال : (فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما) .
قوله (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)وهذا هو بيت القصيد ، إذ يبين إشكالية كل نبي مع قومه ، وهي أنهم يشركون بالله ، ويشهدون بذلك زورا وبهتانا ، وهو يؤمن بالله ويكفر بما يشركون به ، ويدعوهم إلى توحيد الله تعالى ، ويتبرأ من شركهم .
فحال النبي معهم كحال مؤمن آل فرعون من قومه قال تعالى (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (42) .
وحال قريش مع نبيها محمد مثل حال بني إسرائيل مع موسى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف 138) .
وأكثر صور الشرك شيوعا في العبادة هي الالتفات إلى الأسباب ، واعتقاد أن السبب بذاته ينفع أو يضر ، والله سبحانه قادر على أن يعدم هذه الأسباب فاعليتها فلا تنفع ولا تضر ، مثال ذلك الأجير لدي صاحب العمل قد يطيعه في معصية الله حتى لا يفصله عن العمل فيظن أنه مضطر لذلك حتى لا ينقطع رزقه ، فإن اعتقد ذلك فهو مشرك بالله ، لأنه اعتقد أن العمل هو الذي يرزقه ، فصار عبدا للعمل وما هو إلا سبب للرزق ، والله هو الرزاق بلا سبب ، قال ابن تيمية (الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ .. . وَبَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى السَّبَبِ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَيْهِ وَرَجَاؤُهُ وَالِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يَسْتَحِقُّ هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ شُرَكَاءَ وَأَضْدَادٍ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَإِنْ لَمْ يُسَخِّرْهُ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ لَمْ يُسَخَّرْ وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ) .
قوله (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (20) التفات إلى من بلغهم علم الكتاب المشار إليهم بقوله سبحانه (وَمَنْ بَلَغَ) ، فهم أهل الكتاب – على وجه الخصوص - الذين يعرفون النبي كما يعرفون أبناءهم لشدة معرفتهم بعلاماته ، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) (الأعراف 157) ، فهم يشهدون لنبيهم بالصدق لأنهم أُخبروا بعلاماته في كتبهم .
لكن بعضهم ولأنهم عبدوا الأسباب أي (الدنيا) باعوا دينهم بثمن بخس ، فخسروا أنفسهم ، وحال ذلك بينهم وبين شرف تصديق النبي ونصرته ، ولأجل ذلك حرفوا التوراة والأنجيل لتوافق أحكامهما المزيفة أهواءهم ، بذلك حذفوا منهما ما يصدق النبي افتراء على الله وتكذيبا لنبيهم .
قال الشيخ الشعراوي (خسروا أنفسهم؛ لأنهم اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً . وخسارة النفس تفوق خسارة المال؛ لأن خسارة المال مردودة ، ولكن خسارة النفس أمرها كبير ...لكنَّ بعضاً من أهل الكتاب أحبوا الدنيا على الآخرة وفصلوا بين الاثنتين فأخذوا حظاً قليلاً من الحياة الدنيا وخسروا الآخرة) ، قال ابن عاشور في قوله تعالى (خسروا أنفسهم)أي عدموا فائدة الانتفاع بما ينتفع به الناس من أنفسهم وهو العقل والتفكير) ، قال السيوطي في قوله تعالى (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (لأنهم كفروا به بعد المعرفة) .
قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (21) الظلم المنسوب لأهل الكتاب الذين ذمهم القرآن الكريم كان بسبب تحريفهم التوراة والإنجيل وافترائهم الكذب على الله ، ومثلهم من كذب بالقرآن ولم يصدق به ، فكلاهما سواء في الذم ، ويشبههم في ذلك من يحرف أحكام الله تعالى عن مواضعها ، ويؤولها على غير تأويلها .
وهؤلاء يخبرنا الله تعالى بخسرانهم ، وفشلهم في خططه (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) قال صاحب الظلال (والله - سبحانه - يقرر الحقيقة الكلية؛ ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين - أو للظلم والظالمين - فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر ، في الأمد القريب ، فلاحاً ونجاحاً . . فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار) .
المطلب الثالث
مواساة النبي في تكذيب الكافرين له ، وكثرة المنافقين والمرائين ، باستظهار حالهم يوم القيامة
قال تعالى (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33)
قوله (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)(24) قال حقي (يروى أن المشركين إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد فيقولون والله ربنا ما كنا مشركين ، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر فلا يفلحون) .
فعن ابن عباس قال في قوله (ثم لم تكن فتنتهم) قال : حجتهم ، وقوله (إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين) يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار : هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا . فقال الله (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم) في القيامة (ما كانوا يفترون) يكذبون في الدنيا)
كما (تصف الآيات حال أناس ظنوا أنهم في الدنيا، بعيدين عن الشرك، خالية قلوبهم من آثاره، وإذ بهم يجدون أنفسهم يوم القيامة من المشركين) ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ "ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" ، يَعْنِي:"الْمُنَافِقِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُنَافِقِينَ، لأَنَّهُمْ كَتَمُوا الشِّرْكَ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ، فَقَالُوا وَهُمْ فِي النَّارِ: هَلُمُّوا فَلْنَكْذِبْ هَاهُنَا، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَنْفَعَنَا كَمَا نَفَعَنَا فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّا كَذَبْنَا فِي الدُّنْيَا فَنَفَعَنَا، حَقَنَّا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَقَالُوا: يَا رَبَّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ" ، وقيل (هم أهل الرياء من أهل التوحيد يزعمون أنهم على اليقين وكمال الاخلاص وأفعالهم الصادرة عن جوارحهم تدل على خلاف ذلك) .
فعن معقل بن يسار يقول : انطلقت مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى النبي فقال يا أبا بكر للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر وهل الشرك إلا من جعل مع الله الها آخر قال النبي (والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ (خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنْ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ قُلْنَا بَلَى فَقَالَ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ) .
وقَالَ رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ قَالُوا وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً) .
وقال رَسُولَ اللَّهِ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) .
قوله تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا)(25) قال الحسن البصري (ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يُعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها) ، لكن هؤلاء المشركين حالهم على العكس من ذلك تماما ، فمنهم من يستمع لكلام رسول الله ، ولكنهم لا يفهمون شيئا مما قيل ، حيث حال بينهم وبين فهم كلام الله ورسوله أن طال الزمان على حواسهم المعطلة ، فقد صدأت من عدم الاستعمال ، لانشغالهم بحياة البهائم ، ولم يدركوا أهمية تغذية الروح كما اهتموا بتغذية الأجساد ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: " أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا " ، قال:"يَسْمَعُونَهُ بِآذَانِهِمْ، وَلا يَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي تَسْمَعُ النِّدَاءَ، وَمَا تَدْرِي مَا يُقَالُ لَهَا" ، قال ابن تيمية (ذكروا الموانع على القلوب والسمع والأبصار وأبدانهم حية تسمع الأصوات وترى الأشخاص لكن حياة البدن بدون حياة القلب من جنس حياة البهائم لها سمع وبصر وهي تأكل وتشرب وتنكح) .
ولذلك تراهم لا يؤمنون بالآيات وإن رأوها بأعينهم ، لأن قلوبهم لا تصدق ، وأمثال هؤلاء يحتاجون لإيصال الخطاب الدعوي لهم ما يزيل عن قلوبهم الأكنة ، وما يزيل عن آذانهم الوقر ، فيجب عليهم الانتهاء فورا عن التلبس بالمعاصي ، ليتسنى لهم رؤية نور الشرع ، فالمتلبس بالزنا والسرقة لا يمكن له أن يرى نور الإيمان إلا أن ينتهي .
فسبب حالتهم هذه الإسراف في المعاصي ، وعدم المبادرة بالتوبة حتى تراكمت الذنوب فحالت بينهم وبين الإيمان بالله ، ف عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
وعنْ حُذَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) ، سئل سَعْد يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ فِي سَوَادٍ قَالَ قُلْتُ فَمَا الْكُوزُ مُجَخِّيًا قَالَ مَنْكُوسًا ، قال ابن القيم : (شبه عرض الفتن على القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير ، وهي طاقاتها شيئا فشيئا وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين : قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس .
فالأكنة هي الغشاوة التي تغلف القلب ، وهي داء الكبر ، قال ابن القيم (هي التي ضربها الله على قلوبهم عقوبة له على رد الحق والتكبر عن قبوله ، .. فإذا ذكر لهذه القلوب تجريد التوحيد وتجريد المتابعة ولى أصحابها على أدبارهم نفورا) ، والقلب هو مركز الشعور والأحاسيس ، لذلك فهو محل الفتنة ، المشار إليها في قوله (لمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) .
وقوله (..أَنْ يَفْقَهُوهُ..) (25) قال الشعراوي أي (كراهية أنْ يفقهوه؛ لأن الله تعالى لا يريد منهم أن يفهموا القرآن رَغْماً عنهم ، بل برضاهم وعن طيب خاطر منهم بالإقناع وبالحجة ، فالله لا يريد منا قوالبَ تخضع ، بل يريد قلوباً تخشع ، وإلا لو أرادنا قوالبَ لما استطاع أحد منا أنْ يشذَّ عن أمره ، أو يمنع نفسه من الله تعالى ، فالجميع خاضع لأمره وتحت مشيئته) .
قوله (..وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا..) (25)كناية عن تعطل ألة الاستقبال عندهم ، لا لعطب في الآلة ذاتها ، بل هي سليمة ، ولكن لوجود عائق يحول دون وصول الموجات الصوتية لطبلة الأذن ، وقد يكون هذا العائق هي أصابعهم أنفسهم ، إذ استمعوا ابتداء فلم يعجبهم القول فوضعوا أصابعهم في آذانهم تكبرا وإعراضا كقوم نوح ، وقد يكونوا لووا أعناقهم يمينا ويسارا استكبارا عن سماعه .
فعدم الاستماع القلبي صفة كل متكبر ، لأنه المتكبر يرى نفسه على صوابه وغيره على خطأ ، فلا يفترض العكس ، ولو بطريقة منهجية في التفكير ، فهو يعيش في وهم مطلق ، فهو من هذا المنطلق يزدري الناس ، ولا يزن لقولهم قيمة ، يستخف بهم ، ولذلك قال رسول الله (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) ، قيل غمط الناس (الاستخفاف بالناس) ، وقيل (احتقارهم وازدراؤهم) ، فالمتكبر يريد أن يتكلم هو وغيره هو الذي يستمع ، لأنه يرى أنه إذا استمع لغيره نزل عن برجه العالي لمن هو دونه .
قوله (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا..) (25) يعني يصير قلبه "كالكوز مجخيا" أي مكبوبا منكوسا .
قال ابن القيم (فإذا اسود وانتكس عرض له مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك :-
أحدهما : اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا والسنة بدعة والبدعة سنة والحق باطلا والباطل حقا .
الثاني : تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول وانقياده للهوى واتباعه له) .
قوله (..حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ..) (25) قال ابن كثير أي (يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل) ، قال ابن عاشور (يخيلون للدهماء أنهم قادرون على مجادلة الرسول وإبطال حججه ثم ينهون الناس عن الإيمان).
قال ابن القيم (أشار بالقلب المنكوس وهو المكبوب إلى قلب المنافق كما قال تعالى : (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) [ النساء : 88 ] أي نكسهم وردهم في الباطل الذي كانوا فيه بسبب كسبهم وأعمالهم الباطلة ، وهذا شر القلوب وأخبثها ، فإنه يعتقد الباطل حقا ويوالي أصحابه ، والحق باطلا ويعادى أهله) .
قوله تعالى (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) قال ابن كثير أي: (ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم) ، وذلك لأنها أقرب شبهة تنطلي على عقول الدهماء ، وذلك لقربهم من أهل الكتاب ، فلما حرفوا كتبهم فقد الناس الثقة في أهل الدين ، وعندما ينسبون ما جاء به النبي من القرآن إلى ما كان سطره المحرفون من أهل الكتاب بغية إهدار قيمته في أعينهم ، فإنهم يحولون بذلك بين النبي وأن يصدقه أحد من الناس ، وهكذا يصير الدين في مفهوم الناس ثقافة موروثة وتقاليد متبعة عن "الأولين" ، وليس في ظنهم "الأولين" بخير من "الآخرين" الذي يعيشون بثقافات متنوعة وتقاليد جديدة ، وقد عفا الزمان عن تقاليد وثقافات آبائهم القديمة .
قوله (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ..) (26) قال الشعراوي (والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله – أي يبتعد- ولا يريد أن يهتدي ، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان ، فكأنه ارتكب جريمتين : جريمة كفره ، وجريمة نهي غيره عن الإيمان ، لقد كانت قريش على ثقة من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به ، لذلك أوصى بعضهم بعضاً ألا يسمعوا القرآن ، وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجاً يحول بين السامع للقرآن وتدبره (وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت : 26] ، إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات ، وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود والنكران ،وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثراً في الفطرة الطبيعية للإنسان ، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية ، ومع ذلك ظل الكافرون على عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء . ولم يكتفوا بضلال أنفسهم ، بل أرادوا إضلال غيرهم ، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من يضلونهم ، .. ، وقد عارضوا دعوة النبي لأنها ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو ، وجبروت ، واستخدام للضعفاء ، وذلك ما جعلهم يقفون من الدعوة موقف النكران لها والكفران بها) .
قوله (..وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (26) قال ابن عاشور (يظنون بالنهي والنأي عن القرآن أنهم يضرون النبي لئلا يتبعه الناس) فهذا الجهد الذي يبذلونه في نهي الناس عن سماع القرآن والاقتراب من محمد وأصحابه سوف يذهب سدى ، ، بما يسمى الإسلاموفوبيا –أي الرهاب من المسلمين أو من أي مظهر إسلامي دون مبرر منطقي -، ولا طائل من أفعالهم في تخويف الناس من الإسلام ، بل الذي سوف يحصل هو العكس من ذلك ، فعلى المدى البعيد أثبتت التجربة أن ظاهرة الإسلاموفوبيا بدأت تنحصر وتقل ، وأصبح إقبال الناس على الإسلام وتعلم أحكامه في ازدياد .
قال صاحب الظلال (لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين ، وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم... وهذا الجهد كله الذي كانوا يبذلونه ليمنعوا أنفسهم ويمنعوا غيرهم من الاستماع لهذا القرآن؛ ومن التأثر به والاستجابة له ... هذا الجهد كله إنما كانوا يبذلونه في الحقيقة لإهلاك أنفسهم - كما يقرر الله - سبحان) .
فعلي سبيل المثال : نشرت مبادرة " (Tracking Hate Lab) وهي مبادرة بحثية تشترك فيها عدة مؤسسات" تقريرًا حول تحولات ظاهرة "معاداة الإسلام" في أستراليا في خلال المدة من يناير 2023 حتى يناير 2026، بعنوان: "من الصدمة إلى التنظيم: تصاعد معاداة الإسلام في أستراليا
" (From Shock to System: The Rise of Anti-Muslim Hate in Australia)
ويمثل هذا التقرير، المعتمد على تقنيات البيانات الضخمة وتحليل أكثر من مليون منشور عبر الإنترنت ومئات الحوادث الواقعية، وثيقة بالغة الأهمية تكشف عن تطور بنيوي خطير؛ حيث تحولت كراهية المسلمين من مجرد ردود أفعال عشوائية وفردية عقب الأزمات إلى شبكات "منظمة وهرمية" تمتلك القدرة على الحشد السريع وإحداث أضرار مجتمعية بالغة .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (28) قال الشنقيطي (هذه الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون، لأنه يعلم أن رُد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون) ، ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون) [المؤمنون 75] ، قال الرازي (المقصود من الآية بيان غلوهم في الإصرار على الكفر وعدم الرغبة في الإيمان) ، قال حقي (الإيمان عند المعاينة إيمان يأس ، فلا يقبل) .
قال ابن عاشور (نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث ، فالعقل هو العقل والتفكير هو التفكير ،وإنما تمنوا ما تمنوا من شدة الهول فتوهموا التخلص منه بهذا التمني فلو تحقق تمنيهم وردوا واستراحوا من ذلك الهول لغلبت أهواؤهم رشدَهم فنسوا ما حل بهم ورجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب والمكابرة، وفي هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل لا قرار لها في النفس ولا تسير على مقتضاها إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس ، فإذا زال زال أثره، فالانفعال به يشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط ونحوهما ، ويزول بزواله حتى يعاوده مثله) .
وما كانوا يخفونه من قبل هو كتمان الإيمان والإصرار على المعصية والعودة إليها ، لعشقهم لها ، قال ابن القيم (فمعنى الآية - والله أعلم بما أراد من كلامه - أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون بالله وآياته ولا يكذبون رسله ، فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك وأنهم ليس فى طبائعهم وسجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله وأخبر أنهم كاذبون فى زعمهم أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا ، فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الاضراب بـ "بل" وتبين معنى الذى بدا لهم والذى كانوا يخفونه والحامل لهم على قولهم يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ، فالقوم كانوا يعلمون أنهم كانوا فى الدنيا على باطل وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن الله وتيقنوا ذلك وتحققوه ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم بل تواصوا بكتمانه ، فلم يكن الحامل لهم على تمنى الرجوع والايمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه من علمهم أنهم على باطل وأن الرسل على الحق، فعاينوا ذلك عيانا بعد أن كانوا يكتمونه ويخفونه ، فلو ردوا لما سمحت نفوسهم بالإيمان ولعادوا إلى الكفر والتكذيب، فإنهم لم يتمنوا الايمان لعلمهم يومئذ أنه هو الحق وأن الشرك باطل وإنما تمنوا لما عاينوا العذاب الذى لا طاقة لهم باحتماله)
وضرب لذلك مثلا فقال (وهذا كمن كان يخفى محبة شخص ومعاشرته وهو يعلم أن حبه باطل وأن الرشد فى عدوله عنه ، فقيل له إن اطلع عليه وليه عاقبَك وهو يعلم ذلك ويكابر ويقول بل محبته ومعاشرته هى الصواب ، فلما أخذه وليه ليعاقبه على ذلك وتيقن العقوبة تمنى أن يُعفى من العقوبة وأنه لا يجتمع به بعد ذلك وفى قلبه من محبته والحرص على معاشرته ما يحمله على المعاودة بعد معاينة العقوبة بل بعد أن مسته وأنهكته ، فظهر له عند العقوبة ما كان يخفى من معرفته بخطئه وصواب ما نهاه عنه ولو رد لعاد لما نهى عنه) .
قوله (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ)(29) أى : (بلغ بالكافرين الحب الدنيا والتعلق بها مبلغا أن قالوا : ما الحياة - التى تسمى حياة فى نظرنا - إلا هذه الدنيا التى نتمتع فيها بما نسترسل في شهوات ، وما نحن بمبعوثين ولا بمحاسبين)
ونظيرتها قوله (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا) (الجاثية 24) فقد أكد المعنى علي حصر الحياة حقيقة - في خلدهم وتصورهم - على الحياة المادية العاجلة ، وقصرها عليها ما يتضمن نفي أن تكون ثمة حياة في الآخرة ، فدل على المبالغة في القطع بعدم وجود حياة أخرى ، قال ابن عاشور (هذا القصر قصر حقيقي في اعتقادهم لأنهم لا يؤمنون باعتراء أحوال لهم بعد الموت) ، فصدق فيهم قول الحق (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) (النبأ 27) .
يقول الشعراوي (الذين يقولون : « دين ودنيا » فالدين ليس مقابلاً للدنيا ، بل الدنيا هي موضوع الدين ، أقول ذلك رداً على من يظنون أن سبب ارتقاء بعض البلاد في زماننا هو أن أصحابها أهملوا الدين وفتنوا بما في الدنيا من لذة ومتعة فعملوا على بناء الحضارات ، نقول : إن الإقبال على الدين بروح من الفهم هو الذي يبني الحضارات ويُثاب المصلح في الدنيا يوم الجزاء ، ولنا أن نعرف أن المقابل للدنيا هو الآخرة ، والدين يشملهما معاً؛ يشمل الدنيا موضوعاً ، والآخرة جزاءً ) .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(30) الآية تصف موقفهم يوم القيامة أي الوقوف موقف الحشر أمام الله خاشعين وهم ينتظرون الحساب ، يقفون والشمس تدنو من فوق رؤوسهم ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، قال رَسُولَ اللَّهِ (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا ،وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) .
قال البقاعي (هذا مجاز عن الحبس في مقام الجلال على (ربهم) ، أي الذي طال إحسانه إليهم وحلمه عنهم ، فهو في هذا المقام يظهر لهم تبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم ، فيسألهم سؤال توبيخ "أليس هذا بالحق"؟ فسياق الآية يرشد إلى أن الله يكلمهم كلام إنكار وإخزاء وإذلال ...وهم يعاينون الجنة والنار رأي العين .
قال ابن عباس (يوم القيامة ذو ألوان : تارة لا يكلمهم الله ، وتارة يكلمهم فيكذبون ، وتارة يسألهم عن شيء فينكرون ، فتشهد جوارحهم ، وتارة يصدقون ، ويحلفون على الصدق) .
(فهو يوم طويل ذو ألوان تارة يسأل فيه، وتارة لا يسأل والأمر في غاية الشدّة وكل لون من تلك الألوان يسمى يوماً فيسأل في بعض ولا يسأل في بعض)
قوله تعالى (..قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)(30) أي عاينوا بأعينهم الجحيم فاعترفوا به ، وأمنوا به إيمان المضطر ، فحق عليهم العذاب ، لأنهم لم يؤمنوا إيمان الغيب ، فصار عين الجحيم حق اليقين .
والتعبير عن عذاب النار بقوله (فذوقوا العذاب) يدل على أنه عذاب حقيقي ، وليس مجازي ، بما يقطع الجدال في هذه المسألة ، فهو عذاب ملموس وحسوس يمكن تذوقه ، استعارة مكنية عن الألم ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا)(56) .
قوله تعالى (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)(31) خسروا الدنيا قبل أن يخسروا الآخرة ، لأنهم حرموا أنفسهم لذة لقاء الله كل يوم خمس مرات في كل صلاة ، والتضرع والوقوف بين يديه ، ومناجاته وطلب رحمته ، ففرطوا في حق الله اختيارا ، فإذا جاء لقاء الله اضطرارا ، شعروا بالحسرة أن كانت الفرصة مواتية فيما مضى لكنهم أضاعواها ، كما في قوله (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) (القلم 43)
قال طنطاوي: (ومن مظاهر الخسران أنهم خسروا الرضا الذى سيناله المؤمنون من ربهم ، وخسروا العزاء الروحى الذى يغرس فى قلب المؤمن الطمأنينة والصبر عند البلاء ، لأن المؤمن يعتقد أن ما عند الله خير وأبقى ، بخلاف الكافر فإن الدنيا منتهى آماله) .
وتزداد حسرتهم عندما تأتيهم الساعة بغتة هم منشغلون بالدنيا ، وهم على ذلك الحال ، وقد فاتتهم التوبة والإنابة وضيعوا أوقاتا ولم ينتبهوا لأجلهم ، قال رسول الله (وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ ،وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ،وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ،وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا)
قال صاحب الظلال (خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوى الأدنى . . وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا . . وهي المفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حساباً)
قوله تعالى (..وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(31) (استعارة تمثيلية تؤكد حسرتهم على ما فرطوا في حق الله) ، (فقد استُعير "الحمل على الظهور" للتدليل على التورط التام في تبعات الذنوب والجرائم وملازمتها لصاحبها بحيث لا يستطيع التخلص منها، كحالة المفتون أو المجرم الذي يُلزم بحمل ثقل باهظ لا يستطيع تفصياً ولا خلاصاً منه) ، وكأن الهيئة المعنوية لانغماس الكافر في آثامه وثقل تبعاتها يوم القيامة قد مُثّلت بهيئة إنسان يحمل حملاً حسيّاً فادحاً ومنهكاً على ظهره ، ونظير ذلك قوله (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ)[سورة العنكبوت:13]
وهذه الاستعارة وإن كانت تصوير بياني لتقريب الصورة للأذهان لكنها تكون يوم القيامة حقيقة واقعية لا تصوير فيها ولا تخييل ، فعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأُتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي قَالَ فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ثَلَاثًا) .
فروعة الاستعارة التمثيلية في هذه الآية أنها تضمنت مجازا وحقيقة في آن واحد ، مثال ذلك قول النبي (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا) ، فهي في الدنيا استعارة وفي الآخرة حقيقة واقعة .
قوله (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (32) صححت هذه الآية مفهوم الدنيا في أذهان الكافرين ، فهم قد بالغوا في الاهتمام فيها حتى أنهم ظنوا أنها الحياة ولا حياة سواها ، فحصروا الحياة فيها وقصروها عليها ، بينما حقر الإسلام من شأن الدنيا ، وقصرها على كونها مجرد لحظات لعب ولهو تنقضي وتمضي ، ويخلفها الجزاء والحساب ، يَقُولُ رسول الله (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) ، قال المناوي (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ )(لأنها غرت النفوس بزهرتها ولذاتها وإمالتها عن العبودية إلى الهوى حتى سلكت غير طريق الهدى)
قوله (ملعون ما فيها) أي ملعون ما يشغل فيها عن ذكر الله وموالاته .
قوله (إلا ذكر الله وما والاه) أي ما يحبه الله في الدنيا والموالاة المحبة بين اثنين، وقد تكون من واحد وهو المراد هنا : يعني ملعون ما في الدنيا إلا ذكر الله وما أحبه الله مما يجري في الدنيا وما سواه ملعون) .
وطريقة تعامل الناس مع الدنيا تختلف بحسب حالهم (فالمؤمن يتزود من الدنيا تقوى الله ، والمنافق يتزين بمتاع الدنيا ، والكافر يتمتع ويأكل كالأنعام) ، فالمؤمن يتزود في الدنيا بحسب حاجته ، قال تعالى (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) (البقرة 197) ، وعلى سبيل الإجمال فإن منتهى سعادة المسلم بزاد الدنيا ما أخبر عنه الرسول بقوله (من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهنىء) .
وتفصيل ذلك فأما عن طعامه فقد قال رسول الله (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) ، وقال النبي (الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ) .
وعن ملبسه قَالَ رسول الله (الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ فَالْبَسُوهَا وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ) .
وأما عن مسكنه ، فقد روي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَهُ (فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ وَالرَّابِعُ لِلشَّيْطَانِ) .
وأما المنافق فإنه يضعف أمام زينة الدنيا التي عدد الله تعالى مفرداتها فقال (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران 14) .
وأما الكافر ، فلا حد لطمعه ولا لرغباته وشهواته ، قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ) (محمد 12) ، وعَن ابنِ عباس رفعه قال : (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا) .
قوله (وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )(32) أخبر الله بأن الآخرة خير من الدنيا ولا شك ، بيد أن دخول جنة الآخرة مرهون بدخول جنة الدنيا ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة) ، قال ابن القيم (معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه) ، وقال بعضهم : (مساكين أهل الدنيا ، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها ، قيل : وما أطيب ما فيها ؟ قال : محبة الله ومعرفته وذكره) ،وقال بعض السلف : "لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف) .
المطلب الرابع
تثبيت الرسول إزاء مجادلة قومه له
قال تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39)
قوله تعالى (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) الحزن أول مدخل من مداخل الشيطان ليصرف أهل الحق عن المضي قدما في طريق الدعوة إلى الله لو تمكن الحزن من قلوبهم فخزلهم عن السير في الطريق المستقيم ، قال ابن القيم (لم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه أو منفيا ، وسر ذلك :أن الحزن موقف غير مسير ولا مصلحة فيه للقلب وأحب شيء إلى الشيطان : أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه) قال الله تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (المجادلة10) ، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال (كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقْولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) ، قال ابن القيم (وكلاهما -الهم والحزن- مضعف للقلب عن السير مقتر للعزم) .
لكن الحزن - من جهة أخرى - عارض يصيب القلب ، فهو أشبه بالمرض ، وذاك هو ابتلاء الله ، وليس الإبتلاء بمطلوب ، ولا بمرغوب ، فلا يتمنى أحد أن يبتلى ، ولكن يسأل الله العافية ، لكن إذا ابتلي المسلم بالحزن فعليه بالصبر ، فهو واجب ، وثواب الصبر عظيم ، قَالَ رسول الله (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) ، قال ابن القيم (فهذا يدل على أنه مصيبة من الله يصيب بها العبد يكفر بها من سيئاته لا يدل على أنه مقام ينبغي طلبه واستيطانه ،فالحزن مصيبة من المصائب التي يبتلي الله بها عبده فإذا ابتلى به العبد فصبر عليه أحب صبره على بلائه) .
قوله تعالى (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (33) عزاء من الله تعالى لنبيه في هذا الموقف الذي بدا فيه حزنه من تعنت قومه معه وعنادهم له وهو يريد بهم الخير ، مبينا له أن عداوتهم له ليست شخصية ، فليس هجومهم عليه نابع من تقصير منه أو عيب صادر عنه ، وإنما هم يعادونه لأجل ولايته من الله ، فهم في الحقيقة أعداء الله ، فليس له أن يحزن على تكذيبهم له ، لأن صاحب الحق هو الله ، والله قد نهاه عن ذلك ، كما في قوله في موضع آخر (فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (المائدة 68) .
فإذا أراد أن ينتصر لصاحب الحق فليس عليه أن يحزن ، لأن ذلك ليس طريق الانتصار ، ولكن عليه أن يعلم الأمر الذي جعلهم يكذبون ، وهو جحود النعمة ، قال أبو حيان (وفي الكلام حذف تقديره : فلا تحزن فإنهم لا يكذبونك ، وأقيم الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على أنّ علة الجحود هي الظلم وهي مجاوزة الحدّ في الاعتداء) .
قوله تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا)(34) لما خوطب النبي بمثل هذه الآية صبر وصبَّر أصحابه ، فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) .
فكأن صبر الرسل ومن تبعهم على أذى من خالفوهم هو دليل إرشادي لأهل الدعوة ليعلموا أنهم على الحق ، فيزدادوا جلدا وصبرا ، وليعلموا أنه لابد من هذا الاختبار حتى يحصل النصر ، ولذلك قيل أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا .
يقول الشيخ سلمان العودة (فالذي يريد أن يدعو ولكنه لا يريد أن يقال له شيء، ولا أن تخدُش أذنه كلمةٌ خشنة، ولا أن يوقف ساعة أو ساعتين، ولا أن يسجن يوماً أو شهراً أو سنة، ولا أن يضيق عليه في رزقه، ولا أن يؤذى، ولا أن تحاصر كلمته ، هذا الإنسان عليه أن يكبر الوسادة، ويجلس في عقر داره، فليس هذا طريق الدعوة؛ طريق الدعوة معروفٌ، والكلام الذي كنت تسمعه نظرياً بالأمس، ينبغي أن تطبقه عملياً اليوم، فلا يضر الإنسان أن يؤذى في ذات الله عز وجل، بل يكفي الإنسان شرفاً وفخراً أن يؤذى في الله، فإن الله عز وجل يصطفي الأخيار للابتلاء والاختبار) .
ومع ذلك لابد من تمنى العافية لا تمني البلاء ، قال رسول الله (اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ) ، وقال رسول الله (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُهُ) .
قوله تعالى (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (34) (فيها تأنيس للرسول عليه الصلاة والسلام، وتطمين له وللمؤمنين بحلول النصر الموعود به) ، قال تعالى (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (الحديد 21) ، ويشهد لذلك ما أخبره الله به من نبأ المرسلين من قبله ، وفي ذلك تأكيد على أنها سنة ربانية ماضية ، ولابد أن تتكرر عبر التاريخ ، ونظيره قوله تعالى (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات 171-173).
يقول الشيخ علي بن نايف (تنتقل الآيات من الاستطراد في تطييب خاطر الرسول إلى الاستطراد بتذكيره بما وقع لإخوانه الرسل قبله ثم ما كان منهم إلا الصبر والمضي في الطريق , حتى جاءهم نصر الله ، ما يعني أن هذه هي سنة الدعوات لا تتبدل , ولا تستعجل مهما ينزل بالدعاة من الأذى والتكذيب والضيق. . فموكب الدعوة موغل في القدم , ضارب في شعاب الزمن , ماض في الطريق.. مستقيم الخطي , ثابت الأقدام ، يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل , فيصيب الأذى الدعاة إلى هذا الطريق , وتسيل فيه الدماء وتتمزق الأشلاء . . لكن الموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد ... والعاقبة هي العاقبة , مهما طال الزمن ومهما طال الطريق . . إن نصر الله دائما في نهاية الطريق (ولا مبدل لكلمات الله , ولقد جاءك من نبأ المرسلين) . .كلمات يقولها الله - سبحانه - لرسوله . . للذكرى , وللتسرية وللمواساة والتأسية . . . ترسم للدعاة من بعد رسول الله طريقهم واضحا , ودورهم محددًا , كما ترسم لهم متاعب الطريق وعقباته , ثم ما ينتظرهم بعد ذلك كله في نهاية الطريق . . .) .
قوله تعالى (وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (35) سبق أن طلب المشركون من النبي أن يُصَيِّر لهم حياتهم الدنيا إلى أحسن حال ، على اعتبار أنه مؤيد من ربه ومؤيد بالمعجزات ، فإذا دعا الله مهد لهم أرض مكة الوعرة وجعلها أنهار وجنات ، وأزال الجبال من حولها ، أو أن يرون نعمة الله عليه حيث الكنوز والبيوت المزخرفة ، (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) (93) وهكذا يتمنون الدنيا أي لا يرغبون في شيء من الآخرة ، والنبي يخاطبهم لأجل الآخرة ، ولهم هؤلاء همهم الدنيا وحسب .
وفي سياق الآية التي نحن بصددها يبين الله تعالى أنه ليس عليه أن يفعل مثلما فعل عيسى بن مريم حين استجاب لقومه فدعا ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم ، فليس عليه أن يكلف نفسه عناء ذلك ، فالدعوة الإسلامية وإن كان فيها جانب يصلح الحياة الدنيا ، فإنها كذلك تصلح الحياة الآخرة ، ولكن ذلك مرهون بالتضحية بشيء من الحياة الدنيا لأجل إصلاح الآخرة كما تقدم ، وليس العكس بصحيح ، ولذلك فإنهم إذا أرادوا أن يبرهن لهم عن صدقه ونجاح دعوته ، فليس عليه أن يسعى لتلبية مطالبهم الأرضية بأن يزيل عنهم أصعب مشكلة جغرافية في مكة فيصنع نفقا يجعلهم يعبرون من تحت الجبال الوعرة أو أن يلبي مطالبهم بمعجزة سماوية ، فيرقى في السماء فيأتيهم بنفسه بما يطلبون من رزق السماء ، لا هذا ولا ذاك .
قال الشيخ سيد طنطاوي والمعنى : (وإن كان - يا محمد - قد شق عليك إعراض قومك عن الإيمان وظننت أن إتيانهم بما اقترحوه من آيات يكون سبباً فى إيمانهم ، فإن استطعت أن تطلب مسلكا عميقاً فى جوف الأرض أو مرقاة ترتقى بها إلى السماء لتأتيهم بما اقترحوا من مطالب ، فافعل فإن ذلك لن يفيد شيئاً لأن هؤلاء المشركين لا ينقصهم الدليل الدال على صدقك ، ولكنهم يعرضون عن دعوتك عناداً وجحوداً)
فمنهج الدعوة الإسلامي يهتم بالإنسان ذاته ، ليجعله قادرا على أن يحسن معيشته ويساعد غيره ويبني مجتمعه وجيشه ودولته ، وليس هذا المنهج مجرد برنامج حزبي يعد جمهوره بتمهيد الطرق وبناء المستشفيات والمصانع وتوظيف أبناءهم ، إنه أعظم من ذلك بكثير ، فهو منهج يصنع الإنسان ذاته ، والذي بدوره يصنع مجتمعه وتاريخه وحضارته .
ولذلك ينبغي لأهل الدعوة الإسلامية ألا ينزلقوا في هذا المنزلق الخطير ، فيتصارعوا مع الأحزاب السياسية أو يتنافسوا مع المؤسسات الاقتصادية أو يشاركوا مع الجمعيات الخيرية ليثبتوا للناس منهج الإسلام بهذه الطريقة ، لأن من الطبيعي أن يفوز عليهم حزب سياسي أو تتفوق عليهم مؤسسة اقتصادية أو يتسع نشاط جمعية خيرية بما يفوق أوجه البر التي يقدمونها للناس ، وليس عليهم أن يقصوا أنفسهم كذلك من هذه المجالات ، وإنما المعنى المراد سوقه هو أن تشاركوا مع الناس كما يتشارك الناس معهم بعيدا عن إقحام الدعوة في هذه الأعمال ، ولتكون باسمهم هو وليست باسم الإسلام ، ولذلك كان النبي حريصا على تعليم أصحابه هذا المعنى فقال لعلي بن أبي طالب قبل غزوته ، (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا) .
قوله (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى) قال القرطبي المعنى : (أي لأراهم آية تضطرهم إلى الإيمان، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن) ، كما في قوله: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" [السجدة 13] وقوله تعالى: "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا" [الأنعام 107] ، وقوله تعالى "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" ، قال ابن عجيبة أي (لو شاء الله جمعهم على الهدى لوفقهم للإيمان ، ولكن لم تتعلق به مشيئته ، ولو شاء الله لأظهر لهم أية تلجئهم إلى الإيمان ، لكن لم يفعل ، لخروجه عن الحكمة) .
فأهل الدعوة إذا رشدوا مجهودهم الدعوي في الدعوة ذاتها لأغناهم ذلك عن الانشغال بالكثير من المجالات باسم الدعوة ، لا غبار عليهم أن ينشغلوا مثل غيرهم بالتجارة والصناعة والتعليم والزراعة ...الخ ، ولكن هذا شيء يستقل تماما عن العمل الدعوى المباشر ، وإن كان اهتمامهم بالحياة الدنيا وتعميرها يؤثر ولا شك في قناعة الناس حين يرون المسلمون ناجحون في تلك المجالات لاتباعهم شرع ربهم ، إلا أن هذا الجانب حظ أنفسهم فيه ظاهر ، بينما جانب الوعظ والإرشاد المباشر له حظ على أنفسهم يجب أن يراعوه ترشيدا للجهد الدعوى من جهة ، وتفويضا للنتائج إلى الله تعالى الذي لو شاء لهداهم بأقل من ذلك الجهد متى أراد.
قوله (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) قال ابن عجيبة أي (ولا تقارب حالهم بشدة التحسر ، ولا تكونن من الذين يحرصون على ما لم تجر به المقادير) ، أي : لا تحرص على هداهم والقدر لم يكتب لهم الهدى .
وقيل (الخطاب له والمراد الأمة ؛ فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم)
قال النيسابوري (فهذا النهي لا يقتضي إقدامه على مثل هذه الحالة ، ولكنه يفيد التغليظ وتأكيد الامتناع عن الجزع والإضراب عن الحزن والأسف على إيمان من لم يشأ الله إيمانه) .
يقول الشعراوي (والحق حين يقول لرسوله ذلك فهو يقولها لا من مظنة أن يفعلها الرسول؛ فالرسول معصوم من الجهل ، ولكن هو قول فيه تنزيه للرسول عن أن يكون في مثل هذا الصنف من الجاهلين) ، أي لا تكونن من الذين يحرصون على حصول النتائج ولا يفوضونها لله .
قال القرطبي (أي لا تكونن من الذين اشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد، وإلى ما لا يحل؛ أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين)
قوله (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ..) جئ بأسلوب القصر لبيان من يستجيب لدعوة الإسلام ، وهم الذين تهيئوا لاستقبال كلام الله بقلب مفتوح ، قال الشعراوي (هناك فارقاً بين سماع ظاهره "مجرد سماع" وفي ذات الوقت باطنه "انصراف" ، وبين سماع ظاهره "طاعة" وباطنه "محبة" لهذه الطاعة) .
ففي الآية جزم قاطع بإيمان كل من يستمع لكلام الله بقلب منشرح للحق غير مستكبر ولا معرض عنه ، ففي خضم التجارب الحياتية أثبتت التجربة أن الأغنياء وصلوا إلى تحقيق أهدافهم من خلال أنهم يسمعون أكثر مما يتكلمون مما أكسبهم الخبرات من الآخرين ، فتعلموا من تجاربهم السابقة ، وفهموا السوق جيدا ، واستمعوا لآراء العملاء والمنافسين ليتخذوا أحسن القرارات ، وكثرة السماع أكسبهم ثقة الناس بهم وبناء علاقات قوية معهم لإحساسهمب الاحترام والقبول ، وهكذا كذلك يحصل للذين يسمتعون للقرآن ، فإنهم إذا استمعوه بنية معرفة الحق عرفوه واستجابوا له ، وإن لم تكن تلك نيتهم فلا شك أنهم لن يستجيبوا له .
ولذلك كان رسول الله يحب أن يسمع القرآن من غيره ، فعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا " قَالَ أَمْسِكْ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ) ، فكان النبي أول المستجيبين .
ومن حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين يصطفون لصلاة الجماعة خمس مرات ، ويستمعون لقرآءة الإمام في صلاة المغرب والعشاء والفجر ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ فُلَانٍ قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَيُخَفِّفُ الْأُخْرَيَيْنِ وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطُوَلِ الْمُفَصَّلِ)
وروي أحمد في مسنده (مَنْ اسْتَمَعَ إِلَى آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كُتِبَ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ ، وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ)
قوله (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (36) العطف لبيان النقيض من الذين يسمعون ،حيث شبه القرآن الذين لا يسمعون كلام الحق لإعراضهم عنه بالموتى الذين لا يسمعون نداءً ، فحالهم أشبه بالميت ، وفي ذلك بيان لشدة انصرافهم عن الحق بعد تعطيلهم لأجهزة الاستقبال طوعا واختيارا ، وهؤلاء قال الله فيهم (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف 179) ، أي أن سبب انصرافهم عن الحق أنهم يعيشون حياة الأنعام يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم ، ولم ينتبهوا لكلام الحق ولم يرعوا له سمعا .
قال ابن تيمية (بَيَّنَ اللَّهُ السَّمْعَ عَنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ : " وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً " وَقَوْلُهُ : " وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ " وَذَلِكَ لِأَنَّ سَمْعَ الْحَقِّ يُوجِبُ قَبُولُهُ إيجَابَ الْإِحْسَاسِ الْحَرَكَةَ وَإِيجَابُ عِلْمِ الْقَلْبِ حَرَكَةُ الْقَلْبِ فَإِنَّ الشُّعُورَ بِالْمُلَائِمِ يُوجِبُ الْحَرَكَةَ إلَيْهِ وَالشُّعُورُ بِالْمُنَافِرِ يُوجِبُ النُّفْرَةَ عَنْهُ فَحَيْثُ انْتَفَى مُوجِبُ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ مَبْدَئِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " إنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ " ، وَلِهَذَا جَعَلَ سَمْعَ الْكُفَّارِ بِمَنْزِلَةِ سَمْعِ الْبَهَائِمِ لِأَصْوَاتِ الرُّعَاةِ أَيْ يَسْمَعُونَ مُجَرَّدَ الْأَصْوَاتِ سَمْعَ الْحَيَوَانِ لَا يَسْمَعُونَ مَا فِيهَا - مِنْ تَأْلِيفِ الْحُرُوفِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْمَعَانِي - السَّمْعَ الَّذِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْقَلْبِ مَعَ الْجِسْمِ) .
قوله (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آَيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (37) قال الشنقيطي (بين الله في موضع آخر أن الحكمة في عدم إنزال ما اقترحوه من آيات ، أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها، لنزل بهم العذاب العاجل كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، وبراء، جوفاء، من صخرة صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، فعقروها: (وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا) [الأعراف 77]، فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال) .
قوله (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (37) أي لا يعلمون النتائج التي تترتب على الاستجابة لمقترحاتهم بالإتيان بآية خارقة للعادة ثم هم يستمرون في تكذيبهم وعنادهم ، كما في قوله تعالى (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) (الإسراء 59)
قال سيد قطب (لقد كانوا يطلبون آية خارقة كالخوارق المادية التي صاحبت الرسالات السابقة ، ولا يقنعون بآية القرآن الباقية ، التي تخاطب الإدراك البشري الراشد ، وتعلن عهد الرشد الإنساني ، وتحترم هذا الرشد فتخاطبه هذا الخطاب الراقي؛ والتي لا تنتهي بانتهاء الجيل الذي يرى الخارقة المادية؛ بل تظل باقية تواجه الإدراك البشري بإعجازها إلى يوم القيامة ، وكانوا يطلبون خارقة ، ولا يفطنون إلى سنة الله في أخذ المكذبين بالدعوة بعد مجيء الخارقة ، وإهلاكهم في الدنيا ، ولا يدركون حكمة الله في عدم مجيئهم بهذه الخارقة ، وهو يعلم أنهم سيجحدون بها بعد وقوعها - كما وقع في الأقوام قبلهم - فيحق عليهم الهلاك ، بينما يريد الله أن يمهلهم ليؤمن منهم من يؤمن ، فمن لم يؤمن استخرج الله من ظهره ذرية مؤمنة ، ولا يشكرون نعمة الله عليهم في إمهالهم ، وذلك بعدم الاستجابة لاقتراحهم ، الذي لا يعلمون جرائره!) .
قوله (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38) انتقال إلى الآية التي لابد للأبصار أن تبصرها والعقول أن تعقلها وللقلوب أن تنشرح لها فتهتدي إلى الله ، ليصرف اهتمامهم من المعجزات المادية التي يراها أناس معينون في حقبة زمنية معينة وحسب ، إلى تلك الآية التي يراها كل الناس في كل زمان ومكان ، إنها خلق الله سبحانه الذي أضحى بالكثرة والتنوع ما لا يستوعبه عقل ، فكل أمة مما خلق الله من صنوف معينة من الكائنات تعيش في جماعات وتهدي لما فيه مصلحتها ، وكل شيء بتقدير الله وقدره ، ولها سلوك على نحو معين ، وإمكانات وقدرات هائلة ، مثل حركة الطير حين يطير في جماعات ويغير اتجاهه في تزامن دقيق مع المجموعة دون أن ينحرف أو يشذ عنهم أحد أو تصطدم مع مثيلتها سبحان الله ، أفلا يتفكر الإنسان في هذه الآية .
قال ابن الأنباري (وموضع الاحتجاج من هذه الآية أن الله ركب في المشركين عقولاً وجعل لهم أفهاماً ألزمهم بها أن يتدبروا أمر الرسول ، كما جعل للدّواب والطير أفهاماً يعرف بها بعضها إشارة بعض) ، ووجه التماثل في ذلك هو أن الله تعالى لم ينشغل في تدبير رزق بعضهم عن بعض ، وإنما الكل يرزقه الله تعالى ويعطيه ، قال الزمخشري : (فإن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف ، وهو لما لها وما عليها مهيمنٌ على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن) ، كما أنهم متماثلون جميعا في المصير والرجوع إلى الله .
قوله (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (38) قال ابن القيم (وهذا يتضمن أنها أمم أمثالنا في الخلق والرزق والأكل والتقدير الأول ، وأنها لم تخلق سدى بل هي معبدة مذللة قد قدر خلقها وأجلها ورزقها وما تصير إليه ثم ذكر عاقبتها ومصيرها بعد فنائها ثم قال إلى ربهم يحشرون ، فذكر مبدأها ونهايتها ، وأدخل بين هاتين الحالتين قوله "ما فرطنا في الكتاب من شيء" أي كلها قد كتبت وقدرت وأحصيت قبل أن توجد ، فلا يناسب هذا ذكر كتاب الأمر والنهي – أي المنزل وهو القرآن- ، وإنما يناسب ذكر الكتاب الأول – أي القدر-) .
قوله (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ) قال أبو حيان (الظاهر أنه استعارة عن عدم الانتفاع الذهني بهذه الحواس) ، ونظير ذلك قوله تعالى : (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) [ الفرقان : 44 ] ، وقوله تعالى (وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) ( الملك : 10 ) ، قال ابن عاشور (فالصمم يمنعهم من تلقي هدى من يهديهم ، والبكم يمنعهم من الاسترشاد ممن يمر بهم ، والظلام يمنعهم من التبصر في الطريق أو المنفذ المخرج لهم من مأزقهم) ، قال ابن حيان قوله : " في الظلمات " كناية عن عمي البصيرة ، فهو كقوله : "صم بكم عمي" لكن قوله : "في الظلمات" أبلغ من قوله : "عمي" إذ جعلت ظرفاً لهم وجمعت لاختلاف جهات الكفر) .
قال الشعراوي (لما كان السمع هو المنفذ الأول للإدراك ، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وقد نشأ البشر في بيئات مختلفة اللغة ، ولما كان الإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع وعرف ارتباط ما يسمع بما يرى ، ولهذا تجد أن البشر لا يتكلمون إلا باللغة التي نشأوا في بيئتها ؛ لأن اللغة سماع ، فلذلك كان الصمم قبل البكم) ، أي أن الذي عطل حاسة السمع عنده لكبره وإعراضه عن الهدى لابد وأن يعطل كذلك حاسة الكلام فلا يستطيع أن يعبر بالكلام لفقدانه وسيلة الاتصال بالمجتمع فهو منعزل عنه لا يفهم كلامهم ولا يفهمون منه ما يريد ، فهذا أشبه بمن يعيش في الظلمات ، وهذا التشبيه يصور حقيقة أمر المكذبين إزاء ما يطلبونه من الآيات والمعجزات المادية ، فهم كالأصم والأبكم والأعمى لا يهتدون ، فلا تنفعهم آية ولو كانت من الوضوح والظهور ما تسمعه الآذان وتتحدث عنه الألسنة وتراه الأعين ، لأنهم عطلوا أجهزة الاستقبال لديهم فلا ينتفعون بشيء ، قال تعالى (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى) (الأعلى 9-11)
قوله تعالى (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(39) قال ابن عاشور (وليس هذا الإضلال بالأمر بالضلال فإن الله لا يأمر بالفحشاء ولا بتلقينه والحث عليه وتسهيله فإن ذلك من فعل الشيطان) ، والمعنى أنه يضلله بتركه في الضلال فلا يمنعه منه كونا ، لأن الله تعالى قال في كتابه (إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) [ غافر : 28 ] ، وقال سبحانه (والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين) ، قال الشعراوي (فبتقديمهم الظلم والفسق والكفر ، وقد فعلوا ذلك اختياراً سار المرض واستقر في قلوبهم وزادهم الله مرضاً ، لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشرك به) ، ولذلك قال (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) ، أي أن ذلك عقوبة لهم وتقرير لحالهم ، قال الألوسي (تحقيق للحق وتقرير لما سبق من حالهم ببيان أنهم من أهل الطبع لا يتأتى منهم الإيمان أصلاً) .
والمراد مما تقدم إيكال النتائج الدعوية لله تعالى ، قال صاحب الظلال (يحدد التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين - ودور الدعاة بعده في كل جيل - إنه التبليغ ، والمضي في الطريق ، والصبر على مشاق الطريق . . أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته . . والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل ، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب ، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب . . إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية ، وحسابه ليس على عدد المهتدين ، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم ، وما استقام كما أمر . . وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس) .
المطلب الخامس
سنن الله في المشركين
قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)
يهدد الله الذين يدعون غيره بأن يأتيهم عذابه فيمسهم منه ليرفعون أكف الضراعة لله ، وعندئذ يستبين لهم أن الأسباب التي كانوا يتكلون عليها لم تنفعهم لكشف الضر أو بأس الله عنهم ، لكن آخرين منهم قست قلوبهم فلم ينتبهوا لحكمة الله لإنزال بأسه بهم ، فهؤلاء يستدرجهم الله تعالى ، ويفتح عليهم أبواب الدنيا ، وينزل عليهم الخيرات ، حتى إذا اغتروا بزينة الدنيا وفرحوا بها أخذهم عذابه بغتة ، فتقوم ساعتهم ويهلكهم ، ويقطع دابرهم ، ويعقب الله تعالى علي تلك الحالة التي أودت بهم الهلاك بأن الاسترسال في المعصية يوشك أن يختم على قلوبهم بالكفر ثم يبغتهم العذاب فيهلكهم ، لأنهم كانوا ظالمين.
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (40) قال ابن عطية : والمعنى : أرأيتكم إن خفتم عذاب الله أو خفتم هلاكاً أو خفتم الساعة أتدعون أصنامكم وتلجؤون إليها في كشف ذلك إن كنتم صادقين في قولكم أنها آلهة بل تدعون الله الخالق الرازق فيكشف ما خفتموه إن شاء وتنسون أصنامكم أي تتركونهم؟ ، وفي ذلك (تبكيت لهم) ، وإبطال لدعواهم أن مع الله آلهة أخرى ، فالإنسان في وقت الأزمات يكون أقرب للصدق في القول كما في قوله (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف 22) ، وقوله تعالى (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت 65).
قوله تعالى (..بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ..) قال القرطبي (أي أنتم عند الشدائد ترجعون إلى الله، وسترجعون إليه يوم القيامة أيضا فلم تصرون على الشرك في حال الرفاهية) ، وقال صاحب الظلال (نحن نشك شكاً عميقاً في أن أولئك الذين يمارسون الإلحاد في صورته هذه صادقون فيما يزعمون.... ذلك أن الفطرة تعرف ربها ، وتدين له بالوحدانية ، فإذا غشي عليها الركام فترة ، فإذا هزها الهول تساقط عنها الركام كله وتعرت منه ، وعادت إلى بارئها كما خلقها أول مرة .. مؤمنة طائعة خاشعة ..) .
قوله تعالى (..فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ..) كما في قوله تعالى (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل 62) ، وفي الآية دليل على أن الله يجيب عبده ولا يتركه دون أن يجيب حاجته شريطة أن يعزم المسألة وهو موقن بالإجابة .
فعن النبي قال (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) ، وعن النبي قال: (لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ قَالَ يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) .
وفي قوله (..إِنْ شَاءَ..) قال السمرقندي (وإنما قرن بالاستثناء وبالمشيئة ، لأن كشف العذاب فضل الله تعالى ، وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء) ، قال أبو السعود أي (إن شاء كشفَه لبيانِ أن قبولَ دعائِهم غيرُ مطَّردٍ ، بل هو تابعٌ لمشيئته المبنيةِ على حِكَمٍ خفيةٍ قد استأثر الله تعالى بعلمها ، فقد يقبلُه كما في بعض دعواتهم المتعلقةِ بكشف العذاب الدنيوي ، وقد لا يقبله كما في بعضٍ آخَرَ منها ، وفي جميع ما يتعلق بكشف العذابِ الأخرويِّ الذي من جملته الساعةُ) .
قوله (..وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (41) كناية على شدة تعلقهم بالله عند حلول المصيبة ، وكأنهم نسوا أنهم قبل ذلك كانوا يشركون بالله ، وفي ذلك دليل على أنهم إنما أشركوا لا عن جهل أو خطأ وإنما عن استكبار وعلو ، فلما قهرهم الله وأذل كبرياؤهم بالمصائب التي نزلت عليهم رجعوا إلى الله يدعونه ، قال تعالى (فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر 49) ، ومثل قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) (الروم 33) .
قوله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (42) هنا تتجلى حكمة الله في إنزال البلاء بالعباد ، بإظهار رحمة الله بهم ، وذلك حين يدفعهم البلاء دفعا لأن يرفعوا أيديهم إلى مولاهم يرجونه ويدعونه ، وليس جميع المضطرين يتضرعون في هذا الحال ، وإنما يكفي أن يكون هذا البلاء سببا لهداية بعضهم ، وهؤلاء هم المرجو صلاحهم وتضرعهم في هذه الآية .
قوله تعالى (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) هذا هو الصنف الثاني من المضطرين الذين لا يتضرعون حتى عند المصيبة ، قال الشوكاني (وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمرّدهم وغلوّهم في الكفر) ، وفي ذلك (استدراكٌ عما قبله أي فلم يتضرعوا إليه تعالى برقةِ القلب والخضوع ، مع تحقق ما يدعوهم إليه ، ولكن ظهر منهم نقيضُه حيث قستْ قلوبُهم أي استمرتْ على ما هي عليه من القساوة أو ازدادَتْ قساوةً) .
قوله تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (43) وهذا من أقوى الأسباب لبعد الإنسان عن الله ، ومجافاته لطريق الحق ، ومخاصمته لأهل الحق ، وهو أن يزين له الشيطان السوء ، فيراه وكأنه خير ، فيظل في الشر ويظل في طغيانه حتى العمه ، (هناك أمم مكنها الله في الأرض وأنعم عليه بالرخاء ، لكنها لا تعرف سنة الله في الشدة والرخاء ، ولا تشعر باستدراج الله لها ، يتعاظمها السلطان ويخدعها إملاء الله ، فلا تعبد الله ولا تعرفه ، بل تتمرد على سلطانه حين تدعي لأنفسها بعض خصائص الألوهية ، فذلك من تزيين الشيطان لها) .
قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي نسي الإنسان ما كان يدعو إليه من قبل لكشف الضر عنه ، كما في قوله تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر 8)
قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا) (44) أي استدرجهم الله ، ونظير ذلك قوله (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حتى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ) [ المؤمنون : 54 - 56] ، وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) (الأعراف 182) .
قال شيخ الأزهر سيد طنطاوي في قوله تعالى (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (يرسم صورة بليغة لإقبال الدنيا عليهم من جميع أقطارها بجميع ألوان نعمها ، وبكل قوتها وإغرائها ، فهو اختبار لهم بالنعمة بعد أن ابتلاهم بالبأساء والضراء) ، وعَنْ النَّبِيِّ قَالَ إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ "فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ"
قوله تعالى (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (44) قال أبو حيان (معنى هذه الجمل معنى قوله " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً") ، وقوله تعالى (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) أي (متحسِّرون غاية الحسرة آيسون من كل خير)
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) (الأعراف 96) ، أي أنهم لو حصلوا التقوى لما أخذهم الله بغتة وانتهى أمد تمتعهم من الدنيا ولكنه استدراج الله لهم حتى أخذهم بشدة ، قال رسول الله (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) ، ثم قرأ قوله سبحانه (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود 102) .
وفي قوله (فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) قال عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ ("الْمُبْلِسُ" "الْمَجْهُودُ الْمَكْرُوبُ" ، الَّذِي قَدْ نَزَلَ بِهِ الشَّرُّ الَّذِي لا يَدْفَعُهُ) ، وعنِ السُّدِّيِّ قَالَ: هو "تَغَيُّرُ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْلَسَهُ وَغَيَّرَهُ" ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ"أُبْلِسُوا" يعني "أَيِسُوا" ، والمعنى فإذا هم يائسون من النجاة مما نزل بهم ، وحل عليهم .
قال تعالى (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) (45) قال الزمخشري أي (لم يترك منهم أحد ، قد استؤصلت شأفتهم) ، وقال الواحدي أَيْ : (غابرهم الذي يتخلَّف في آخر القوم ، والمعنى : استؤصلوا بالهلاك فلم يبق منهم باقية)
قوله تعالى (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إشعار بالنعمة والفضل بإهلاك الظالمين ونصر المرسلين كما وعد الله ، وتطبيق سنته التي لا تتبدل ولا تتغير ، قال السمرقندي (هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين) ، ويعلق صاحب الظلال على هذه النهاية لأهل الشر فيقول (غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير ( الباطل ) أن يقوم في الأرض (حق) يتمثل في (أمة) ... ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذاهو زاهق . . فلا يقعدنّ أهل الحق كسالى يرتقبون أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد ، فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض ، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية) .
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) (46) تصوير لعجز المشركين إزاء بأس الله تعالى ، لاسيما وقد عطلوا -من قبل- أجهزة الاستقبال لديهم ، فأعرضوا عن السماع واستكبروا عما يرونه من آيات ، وهوت قلوبهم إلى زينة الدنيا ، ولم تنتبه إلى ما وعد الله من نعيم الآخرة ، فلم يكن بها متسع لتذكر شيء من أمور الآخرة ، فلما عطلوا نعم الله التي رزقهم إياهم كانت الحكمة أن يسلبها الله منهم .
وتلك القاعدة معروفة في كل العلوم ، ففي مجال اللغة يقولون if you don’t use you will lose ، وفي مجال الرياضة يقولون العضلة إذا لم تعمل فإنها تضمر ، ولذلك يقومون بتحريك المريض كعلاج طبيعي له حتى لا يفقد الكتلة العضلية بعد مكث في الفراش فترة طويلة بعد إجراء العمليات الجراحية ، لأنه لو فقدها لن يستطيع المشي ، وفي مجال القدرة العقلية لو لم يعمل العقل لفترة لأصابه شيء من التخلف والانتكاس ، ويصيبه الغباء ، ثم أمراض مثل الزهايمر ..الخ
والمعنى الذي تشير إليه الآيات هو أنهم لما عطلوا أجهزة الاستقبال لديهم خسروا أنفسهم ، وهم بعد ذلك لن يسترجعوها إذا ما سلبها الله منهم عقوبة لهم .
قال الشعراوي (قد أخذوا نعمة الله واستعملوها لمحادَّة الله وعداوته ، أوتوا السمع ولكنهم صموا عن سماع الهدى ، أعطاهم الأبصار ولكنهم عموا عن رؤية آيات الله ، ومنحوا القلوب ولكنهم أغلقوها في وجه قضايا الخير ، فماذا يفعلون إن أخذ الله منهم هذه النعم؟)
وقال الخازن (وإنما ذكر هذه الأعضاء الثلاثة ، لأنها أشرف أعضاء الإنسان فإذا تعطلت هذه الأعضاء ، اختل نظام الإنسان وفسد أمره وبطلت مصالحه في الدين والدنيا)
وقال الكعبي : (دلت هذه الآية على أنه تعالى مكنهم من الفهم ، ولم يخلق فيهم الإعراض والصد ولو كان تعالى هو الخالق لما فيهم من الكفر لم يكن لهذا الكلام معنى) .
في قوله (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون) أي أن الله لم ينقصهم شيئا ، فقد خلق لهم الحواس جميعا "الأسماع والأبصار والقلوب" ، ولكنهم لم يستعملوا آلتها ، ففقدت هذه الجوارح "الآذان والأعين والقلوب" حواسها ، فأضحت لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ، قال الإمام البقاعي (أي نوحي الآيات لهم ولغيرهم في كل وجه من وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب ، ويكون كافياً في الإيصال إلى المطلوب؛ ولما كان الإعراض عن مثل هذا في غاية البعد عبر بأداة التراخي فقال : "ثم هم" أي بَعُد هذا البيان بصميم ضمائرهم "يصدفون" أي يعرضون إعراضاً لازماً لهم لزوم الصفة) ، قَالَ السُّدِّيِّ: "يَصْدِفُونَ " ، "يَصُدُّونَ" أي عن سبيل الله .
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنشد لهذا المعنى قول أبي سفيان بن الحرث
: عجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزل
قوله (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (47) تهديد ثالث وأخير لهؤلاء الظالمين ، وبعده سوف تطبق عليهم سنة الله ، وليس ثمة إنذار بعد ذلك ،(فالأول بأحد أمرين : العذاب والساعة ، والثاني : بالأخذ والختم ، والثالث : بالعذاب فقط)
ونظير ذلك قوله تعالى : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ) (الأعراف : 97 ، 98)
وقوله (حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس 24)
قوله (هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) (47) قال القاسمي (مناط إهلاكهم ظلمهم الذي هو وضعهم "الإعراض" عما صرفه الله لهم من الآيات ، موضع "الإيمان") .
المحور الثاني
تحديد مهمة الرسل إزاء قومهم
المطلب الأول : أسس المنهج الدعوى
المطلب الثاني : فحوى الخطاب الدعوى
المطلب الثالث : محاججة النبي قومه
المطلب الأول
أسس المنهج الدعوى
قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58)
وفيه أربعة مسائل :-
الأولى : (البلاغ العام) من خلال البشارة والنذارة
الثانية : تنزيه الرسالة عن مطامع المشركين ، وتوضيح مكانتها الراقية عن ذلك
الثالثة : الإحاطة بالمؤمنين والحفاظ عليهم من مكر الماكرين
الرابعة : تبرؤ النبي من عبادة أصحاب الأهواء حتى حد المفاصلة
المسألة الأولى : (البلاغ العام) من خلال البشارة والنذارة :
قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (49)
قوله (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ..) (48) قال الشوكاني (كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل) ، أي (إِنَّهُ لاَ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ مَنْ صَدَّقَهُمْ وَآمَنَ بِدَعْوَتِهِمْ ، بِأَنَّ لَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم الحُسْنَى؛ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ عِقَابَ اللهِ وَعَذَابَهُ ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُرْسِلُ المُرْسَلِينَ لِيَقْتَرِحَ عَلَيْهِمُ الظَّالِمُونَ مِنْ أَقْوَامِهِمْ ، وَيَطْلُبُوا مِنْهُمْ مَا لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهِ) .
قال الشيخ طنطاوي (فالجملة الكريمة كلام مستأنف مسوق لبيان وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - ولإظهار أن ما يقترحه المشركون عليهم من مقترحات باطلة ليس من وظائف المرسلين أصلا) .
قوله (..فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (48) عطف الإصلاح على الإيمان لأن الإصلاح دليل الإيمان ، ولن ينجو من عذاب الله –في الدنيا- إلا من كان مصلحا قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود 117) ، قال الشيخ محمد رشيد رضا (وفيها دليل على أن الإيمان بالله من غير إصلاح الأعمال وعدل العمال لا يمنع الإهلاك) .
قال الشعراوي (إنّ على المؤمن بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل إيمانه بربه إيماناً قوياً معقوداً؛ وهذا هو عمل القلب ، أما أن يكتفي بعمل القلب كتعبير عن الإيمان فليس ذلك بكاف ، وإنما يجب أن ينقاد المؤمن إلى منهج ربه ، بقلبه وجوارح وأجهزة متعددة ،فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما) ، ثم استطرد في توضيح مفهوم "الإصلاح" بما يعني كل محاولة لتعمير هذا الكون كما أمر الله تعالى من زرع وحرث وطب وهندسة وتربية وأخلاق ....الخ .
قال ابن تيمية (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ أَفْضَلُ الْإِصْلَاحِ ، وَأَفْضَلُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ) ، قِيلَ : (يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : إيمَانٌ بِاَللَّهِ) ، قال الشيخ بادحدح (ولو تأملت آيات القرآن لوجدتها تربط بين الإيمان والإصلاح، وتجعل الإيمان مقدمة له، وتجعله سابقاً عليه؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك إصلاح بغير المنطلق الإيماني والمنهج الإسلامي (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف:35] لا ينبعث إلى الإصلاح إلا من اتقى الله وعمر قلبه بخشيته وتقواه؛ لأن ذلك عاصم له بإذن الله من أن يخوض فيما لا ينبغي الخوض فيه، وأن يقترف ما يحرم وما يحول بينه وبين التحقق بتقوى الله جل وعلا، ثم إننا كذلك نلمح الأمر في كلتا الآيتين بذكر الرسل والأنبياء قبل ذكر الإصلاح، وذلك فيه إشارة إلى أن المنطلق للإصلاح مع الإيمان والتقوى هو اتباع الرسل والأنبياء صفوة الله من خلقه صلوات الله وسلامه عليهم) .
قوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (49) التفات إلى النقيض لبيان محل الإنذار الصادر لهم من الرسل وبيان نتيجة تكذيبهم بتلك الآيات الباهرة ، فعاقبة المكذبين تبدأ من حيث يمسهم العذاب الذي كذبوا به ، قال النسفي (جعل العذاب ماساً كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام)
قال إمام الحرم المكي (الانحرافُ عن طريقة الرّسُل إفسادٌ في الأرض، والله تعالى يقول: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) [الأعراف:85]، ولكنَّ الإنسانَ المفسِد غيَّر وبدَّل وتمرَّد وعصَى، واتّبَع خطواتِ الشيطان، فأفسد في الأرض بالشركِ وسَفكِ الدماء المحرَّمة والعدوانِ على المال المعصُوم والزنا والفواحشِ والمحرَّمات وظُلم الأبرياء، فكان جزاءُ المفسدين في الأرض الخزيَ في الدنيا والآخرة، وعقوبةُ المجرمين أشدُّ العقوبة وأنكى النكال) .
والعذاب هنا مسبب ، أي بسبب فسقهم إشارة إلى أن التكذيب بآيات الله لا يصدر إلا من فاسق ، قال حقي أى (بسبب فسقهم المستمر الذى هو الاصرار على الخروج عن التصديق والطاعة) ، قال الإمام البقاعي (وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه ، فيعفى عنه) .
المسألة الثانية : تنزيه الرسالة عن مطامع الدنيا المزينة للمشركين ، وتوضيح مكانتها الراقية عن ذلك
قوله تعالى (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ)(وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ)(وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ) (50) تجريد للدعوة الإسلامية من ثلاثة أشياء :-
الأمر الأول اكتناز المال أو وعد من اتبع النبي اكتساب الكنوز والأموال أو الحصول على الثراء والغنى
الثاني التخرص بالغيب كما كان يحصل لمتبعي الكهان والسحرة ، زعما أن من يعرف المستقبل يملك الحاضر ، والمناسبة في ذلك أنه في زمن النبوة (اختلطت النبوة بالسحر والكهانة ، واختلط الوحي بالجن والجنون أيضاً! وأصبح يطلب من النبي أن يتنبأ بالغيب؛ وأن يأتي بالخوارق؛ وأن يصنع ما عهد الناس أن يصنعه صاحب الجن والساحر!) .
الثالث أن يعدهم بقوة عسكرية تملك أقطار الأرض ، أي ملكا عضودا
فليس ذلك كله من لوازم الدعوة ولا من شأنها ، بل على العكس من ذلك ، فمن يتبع النبي لابد وأن يعلم أنه سوف يضحي بماله واستقرار وملكه وكل شيء لأجل هذه الدعوة .
قال صاحب الظلال (جاءت العقيدة الإسلامية لترد إلى التصور الإيماني وضوحه وبساطته وصدقه وواقعيته ، ولتخلص صورة النبوة من تلك الخرافات والأساطير والأوهام والأضاليل التي شاعت في الجاهليات كلها ، وبعد بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول ، يقدم القرآن عقيدته للناس مجردة من كل إغراء خارج عن طبيعتها ، ومن كل زينة زائدة عن حقيقتها ... فالرسول الذي يقدمه للناس بشر ، لا يملك خزائن الله ، ولا يعلم الغيب ، ولا يقول لهم : إني ملك ... وهو لا يتلقى إلا من ربه ، ولا يتبع إلا ما يوحى إليه منه) .
قوله تعالى (..إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ..) (50) إيجاز بليغ لوظيفة النبي ، فهو لا ينشئ حركة تهدف إلى تغيير واقع سياسي أو نهضة تنموية تقلب أوضاعا اقتصادية أو حملة عسكرية تغير على البلاد فتضم أقاليهما لملك واحد ، بل هو مجرد عبد من عباد الله متبع للوحي الإلهي ، فأينما يوجهه يتجه ، وحيثما يأمره يأتمر ، وإذا نهاه عن شيء ينتهي ، ليس لهواه غرض ولا في نفسه مطمع ولا في قلبه مدخل لأن يشارك ربه في أي خصيصة من خصائص ألوهيته .
والاتباع للوحي الإلهي يقي البشرية كلفة التفكير وعناء البحث ومشقة التجارب لإيجاد علاج لكل مشكلة صغرت أم كبرت ، لأن الله تعالى كفاها ذلك بالمنهج الإلهي الذي أنزله ، فمن يتبعه يسعد ، قال تعالى (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) (طه 123) ، ومن يخالفه يشقى ، وقال تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه 124) وليس هناك اختصار لتلك المسألة أكثر من ذلك ، فمن يظن أنه بعقله المحدود يستطيع أن يحقق المعجزات فهو واهم متى لم يتمكن من أن يتفكر في المنهج الرباني ليستقي منه الحلول لمشكلته.
فالمتأمل في سيرة النبي والمتفكر فيها يجد أنه وعد أصحابه بأن يكون لهم ملك الدنيا كلها ، وفي ذات الوقت علمهم أن يكون هذا الملك في أيديهم لا في قلوبهم ، فهم في دعوتهم متجردين من كل مطمع ، وإنما وعدهم بذلك ليبين لهم سعة البلاغ وأنه لن يحول بينهم وبين البلاغ حائل ، ولن تقع أمامهم قوة حتى يبلغوا هذا الدين للناس كافة ، وأن كل ما يعترض طريقهم مصيره إلى الزوال ، هكذا علم النبي أصحابه المنهج الرباني ودلهم عليه بكل وضوح .
والصحابة رضوان الله عليهم التزموا هذا المنهج ، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه رغم أن خلافته اتسعت أقطار الأرض وامتدت إلى مصر وما بعدها غربا والفرس (إيران حاليا) شرقا إلا أنه كان ينام على الأرض بين الناس ولا يبالي .
قال الشاعر : حافظ إبراهيم
وَراعَ صاحِبَ كِسري أَن رَأى عُمَراً *** بَينَ الرَعِيَّةِ عُطلاً وَهوَ راعيها
وَعَهدُهُ بِمُلوكِ الفُرسِ أَنَّ لَها *** سوراً مِنَ الجُندِ وَالأَحراسِ يَحميها
رَآهُ مُستَغرِقاً في نَومِهِ فَرَأى *** فِيهِ الجَلالَةَ في أُسْمَى مَعانيها
فَوقَ الثَرى تَحتَ ظِلِّ الدَوحِ مُشتَمِلاً *** بِبُردَةٍ كادَ طولُ العَهدِ يُبليها
فَهانَ في عَينِهِ ما كانَ يَكبُرُهُ *** مِنَ الأَكاسِرِ وَالدُنيا بِأَيديها
وَقالَ قَولَةَ حَقٍّ أَصبَحَت مَثَلاً *** وَأَصبَحَ الجيلُ بَعدَ الجيلِ يَرويها
أَمِنتَ لَمّا أَقَمتَ العَدلَ بَينَهُمُ *** فنمت نوم قرير العين هانيها
وكذلك لما وعد النبي سراقة بن مالك أن يلبس سواري كسرى ، ألبسه الخليفة عمر بن الخطاب تاجه ثم خلعها منه ، ليرده إلى بيت مال المسلمين ، فمما اشتهر في السيرة أنه لما هاجر وصاحبه الصديق - رضي الله عنه - ولحق بهما سراقة بن مالك أنه قال لسراقة: "كيف بك إذا لبستَ سواريْ كسرى"؟ وقد ذكر ذلك الحافظان ابن عبد البر وابن حجر -رحمهما الله- في ترجمتهما لسراقة - رضي الله عنه - فقالا: "روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى عن الحسن أن رسول الله - قال لسراقة: .. وذكره: "قال فلما أُتي عمر - رضي الله عنه - بسواري كسرى ومنطقه وتاجه دعا سراقة بن مالك فألبسه إياهما، ... وقال له: ارفع يدك، فقال: الله أكبر والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقة الأعرابي"
روي غير واحد من أهل العلم أنه لما قدُم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصيب من العراق – أي الأموال - قال له صاحب بيت المال أنا أُدْخِله بيت المال ؟ قال لا ورب الكعبة لا يؤوى تحت سقف بيت حتى أُقَسِّمَه ، فأمر به فوُضِع في المسجد ووُضِعت عليه الأنطاع ، وحَرَسَه رجال من المهاجرين والأنصار ، فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب وعبد الرحمن بن عوف أخذ بيد أحدهما أو أحدهما أخذ يده ، فلما رأوه ، كشطوا الأنطاع عن الأموال ، فرأى منظرا لم ير مثله رأى الذهب فيه والياقوت والزبرجد واللؤلؤ يتلألأ فبكى فقال له أحدهما إنه والله ما هو بيوم بكاء ولكنه يوم شكر وسرور فقال إني والله ما ذهبت حيث ذهبت ولكنه والله ما كثر هذا في قوم قط إلا وقع بأسهم بينهم ثم أقبل على القبلة ورفع يديه إلى السماء وقال اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجا فإني أسمعك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ثم قال أين سراقة بن جعشم ؟ فأُتِى به أشعر الذراعين دقيقهما ، فأعطاه سواري كسرى فقال ألبسهما ، ففعل فقال قل الله أكبر قال الله أكبر قال قل الحمد لله الذي سلبهما من كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن جعشم أعرابيا من بني مدلج ، وجعل يقلب بعض ذلك بعضا ، فقال إن الذي أدى هذا لأمين فقال له رجل أنا أخبرك أنت أمين الله وهم يؤدون إليك ما أديت إلى الله ، فإذا رتعت رتعوا قال صدقت ثم فرقة ، قال الشافعي (وإنما ألبسهما سراقة لأن النبي قال لسراقة ونظر إلى ذراعيه كأني بك قد لبست سواري كسرى) قال (ولم يجعل له إلا سوارين) .
قوله (..قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) (50) تبكيت لهم أن عموا عن إدراك كنه الدين ، وهو واضح أمامهم ، ففيه التجرد عن مطامع الناس ومنافعهم المادية ، فهو أرقى من ذلك بكثير ، لأنه يزكي النفس وبه تسمو الروح ، وتُهَذَّب الأخلاق ، فهو عقيدة صافية وشعائر تعبدية ومنهج حياة كامل ومتميز ، فمن لم يدرك هذه الحقيقة فهو كالأعمى لا يدرك مكانه الذي يقف فيه ، بينما الذي يتفكر في هذا الدين فهو مبصر مدرك مكانه وما حوله ، فيسير بثقة وثبات دون أن يقع أو يتردد .
يقول صاحب الظلال (هذا الدين يعد البشرية للرشد العقلي ، ويؤهلها لاستخدام هذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان استخداماً كاملاً في إدراك الحق الذي تنبث آياته في صفحات الوجود ، .... .وكان هذا كله يقتضي الانتقال بالبشرية من عهد الخوارق الحسية التي تلوي الأعناق وتجبر المنكرين على الإذعان .. إلى توجيه الإدراك البشري لملاحظة بدائع الصنعة الإلهية في الوجود كله . وهي في ذاتها خوارق معجزة . . ولكنها خوارق دائمة يقوم عليها كيان الوجود ، ويتألف منها قوامه وإلى مخاطبة هذا الإدراك بكتاب من عند الله باهر معجز .. وقد اقتضى هذا الأمر تربية طويلة ، وتوجيهاً طويلاً ، حتى يألف الإدراك البشري هذا اللون من النقلة ، وهذا المدى من الرقي؛ وحتى يتجه الإنسان إلى قراءة سفر الوجود بإدراكه البشري ، في ظل التوجيه الرباني ، والضبط القرآني ، والتربية النبوية .. ) .
المسألة الثالثة : الإحاطة بالمؤمنين والحفاظ عليهم من مكر الماكرين
قوله (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (51) أي أنذر بالقرآن من يخاف وعيد ، الذين يتوكلون على ربهم ، فهم أهل لأن يتعظوا به ، فهم أولى بالإنذار من غيرهم ، ونظير ذلك قوله تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ) (ق 45) ، وقال تعالى (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)(11: يس) أي أن (هؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه - من دون الله - ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمعُ له ، وأكثر انتفاعاً به)
ويجدر التنويه إلى ما قاله الإمام البقاعي (وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف -وحده-، بل –المقصود- الإشارة إلى جلافتهم وعظيم بَلادَتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه كل واحد) ، يقصد بـ "تجويز الجائز" أي أن يحشروا إلى ربهم) .
وبذلك تحددت أولويات الدعوة الإسلامية ، وتحدد أولى المخاطبين بها ، فكان لمن آمن بالنبي وباليوم الآخر الأولوية في إيصال الدعوة إليه عن غيره ، فهو أحق بالتذكرة وأحق بالموعظة، ولذلك اهتمت هذه السلسلة من الأبحاث بالمؤمنين ليكونوا هم نواة هذه الدعوة لغيرهم .
ولا ينفي ذلك العمل في إطار متوازٍ على إيصال الدعوة للكافة عن طريق البلاغ العام ، كما في قوله (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) (الأنعام 19) .
قوله (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (52) ويترتب على تخصيص الأولوية في توجيه الجهد الدعوي للمؤمنين ، أن لا يقبل الدعاة مساومة أحد في إخوانهم ، فلا يطمع أحد في إيمان المشركين مقابل أن يترك من معه من المؤمنين ، فمن آمن بالآخرة كان أولى بالدعوة من غيره ، ونظير ذلك قوله تعالى (واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ) [ الكهف : 28 ]
وعَنْ سَعْدٍ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ (اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا) قَالَ وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ "وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ") ، قال ابن علان في قوله (فوقع في نفس رسول الله ما شاء الله أن يقع) أي (من تقريب المشركين طمعاً في إسلامهم وإسلام قومهم نظير إعطائه الفىء لجمع من المؤلفة تألفاً له ، ومنع ذلك عن بعض محتاجي المؤمنين اكتفاء بما وقر في قلبه من نور الإيمان المغني عن التألف ، ورأى النبي أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئاً ولا ينقص لهم قدراً (فحدّث نفسه) أي بذلك)
وقد يكون ما حدث به نفسه الميل إلى طردهم عن مجلسه مؤقتا طمعا في إسلام الأكابر المتفرع عليه إسلام الكل بعدهم ، أي ظن أنه بذلك يضمن إسلام الكل ، (فحدث نفسه أي للتألف بهم أن يطردهم صورة – من باب الحيلة - بأن لا يأتوه حال وجود الأكابر عنده أو يقوموا عنه إذا هم جلسوا عنده مراعاة للجانبين) ، ولكن الله قطع هذا الهم بذلك النهي لأن هذه الحيلة تنطوي على تأكيد للفصل العنصري ، ولا شك أن ذلك باطل ، وليس من الإسلام في شيء ، بل يهدم مضمون الرسالة الإسلامية التي لا تفرق بين أعربي وأعجمي ، ولا بين غني وفقير إلا بالتقوى .
فعَنْ خَبَّابٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِلَى قَوْلِهِ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) قَالَ جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فَوَجَدَا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ حَقَرُوهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ ، وَقَالُوا إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُدِ فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا قَالَ فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ (وَلَا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ) )
قوله (..وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (52) ولذلك نهاه الله عن مجرد التفكير في تلك المساومة ، ولو أن يفعل ذلك بطريق الحيلة كما تقدم ارضاءً للطرفين ، قال الشيخ مصطفى العدوى (في هذه الآيات تأديب للدعاة إلى الله، صحيح أننا أمرنا أن ننزل الناس منازلهم، لكن مع إنزال الناس منازلهم لا نضيع حق الفقراء وحق الضعفاء أمام المناصب الزائلة، والوجاهات التي ستزول وتفنى، فكل له حق يؤدى إليه) .
ولذلك كان لهؤلاء الضعفاء من الصحابة منزلة عالية عند رسول الله وشأن عظيم حتى أنه كان يحرص على رضاهم ولو على حساب صاحبه أبي بكر ، ففي صحيح مسلم أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ رأوه -وكان ذلك عام الفتح-فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا ، قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ قَالُوا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي) .
قوله (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) (53) أي أن اختلاف المستوى الاجتماعي بين الغني والفقير هو سبب فتنة بعضهم ببعض ، حيث يحقر الغني الفقير ، ويكون الفقير مفضلا على الغني في بعض المجالات ، وكذلك الحال بين القوي والضعيف ، وبين من آتاه الله سلطانا وغيره من المستضعفين ، قال الشعراوي (وجه الفتنة هنا أن قومًا طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم : (أهؤلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ)؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين ، ونظير ذلك ما ذكره الله من قولهم (قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) [الشعراء:111] ، قال ابن القيم الجوزية (إذا رأى الشريف الرئيس المسكين الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حمى وأنف أن يسلم فيكون مثله ، فيقول أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيع على حد سواء) ، فجاءهم الرد من الله (أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين) ، فسبحانه هو العليم أزلاً بالبشر ، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره)
قوله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) قال حقي (وفيه إشارة إلى أن أولئك الضعفاء عارفون لحق نعمة الله تعالى فى تنزيل القرآن والتوفيق للإيمان شاكرون له تعالى على ذلك ،وتعريض بأن القائلين بمعزل من ذلك كله)
وقد أشار النبي إلى أن الضعفاء الذين يهين شأنهم في أعين الناس هم في الغالب والأعم أقرب إلى الله من غيرهم ، فقال رسول الله (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ) ، قال ابن الأثير (يريد الذي يَتَضَعَّفه الناس ، ويَتَجَبَّرون عليه في الدُّنيا للفَقْر ورَثَاثةِ الحال) ، وقَالَ (رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ)
ولكنه لا يقسم على الله ليغير حاله في الدنيا رضا بربه وقد اطمأن لما قدره الله وقضاه فهذا هو المخبت ، المشغول بالآخرة ، وقد انشغل بها عن الدنيا ، وليس معنى ذلك أنه اختار أن يكون رث الثياب ، ولكن من الضعف بمكان أن صار من ذوي الفاقة والحاجة ، وهو يعلم أن الله جميل يحب الجمال ، ويحب الثوب الحسن والنعل الحسن ، ولكن ليس بالإمكان أفضل مما هو فيه .
ويشهد لذلك قول النَّبِيّ قَالَ (تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْجَنَّةِ أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَقَالَ لِلنَّارِ إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا) ، ولذلك قال النووي في تفسير "الضعفاء" أى (العاجزون عن طلب الدنيا والتمكن فيها والثروة والشوكة) .
فقوله (لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ) قال ابن الأثير أي (أراذِلُهم وأدْوَانهم)
وقال القاضي عياض (قوله ضعفاؤهم أي مجاويعهم)
وقال صاحب التحفة (المراد بالحصر في قول الجنة إلا ضعفاء الناس الأغلب) .
وقال ابن الجوزي (ورد المدح – في الحديث - لحالها لأنهم قوم ليس فيهم خب ولا دغل شغلتهم التقوى عن ذلك) .
وفي زمننا هذا نجد أن أكثر رواد المساجد هم عمال النظافة وبعض أصحاب المهن البسيطة والحرف الصغيرة ، ولا تجد أحسن حالا في المواظبة على الصلاة بالمسجد إلا هؤلاء في صورتهم البسيطة المتواضع ، وهم خارج المسجد لا يؤبه لهم ، بينما تجد في مقابلة هذه الصورة انشغال أصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والسلطة والنفوذ بالدنيا فلا يكادون يدخلون المسجد إلا قليلا ، فمن أين تبدأ الدعوة ؟ وهنا يسأل المرء نفسه هل هؤلاء الضعفاء هم الذي ينتظر منهم أن ينصروا دعوة الحق ؟ أين المثقفون من هذه المسئولية ؟ أين رجال الصحافة والإعلام ؟ هل تنتشر دعوة الإسلام بدون هؤلاء ، ومن جهة أخرى يتساءل في فرض أن الإسلام قد انتشر ، وقد مكن الله أهل الحق لأداء الأمانات بين الناس ، فيتساءل مرة أخرى كيف يقيم هؤلاء الضعفاء دولة الإسلام وهم بهذا الحال الذي يرثى له ؟ أين رجال القانون ؟ أين رجال الشرطة ؟ أين الاقتصاديون ؟ لماذا مساجد الله خالية من هؤلاء جميعا ؟ فهل يستعمل الله لأمر نشر دعوته وإقامة شرعه هؤلاء الضعفاء من الرجال الذين لا يؤبه لهم ؟ كما يتكرر السؤال مرة أخرى فهل نبدأ بالإعلاميين والمفكرين والاقتصاديين ورجال الشرطة ورجال القانون والاقتصاديين أم نبدأ بأرباب المساجد ؟ هذا هو ما فعله رسول الله تحديدا حيث جمع تركيزه على أرباب المساجد الذين يجلسون معه ، ولم يعر اهتماما بأصحاب المال والجاه والسلطان ، فمن شاء منهم أن ينضم لإخوانه من المؤمنين الذي يجالسون النبي ويتناجون معه فليفعل ، ومن يستنكف فلا حاجة لدعوة الإسلام به .
قوله (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (54) هذه الآية تحض النبي على الاحتفاء بالمؤمنين القادمين عليه لكونهم مؤمنين وحسب ، فقد أمره الله بإلقاء السلام على المؤمنين حين يأتوه ، ما يعني أن لهم حقوق مثل غيرهم من المؤمنين لا فرق بين غني وفقير ، فالكل سواسية ، والجميع ينعمون بسلام الإسلام ورحمة الله ، ولذلك ازداد المؤمنون من حوله بالرغم من أن النواة الأولى التي كانت حول النبي من الضعفاء .
فثبات النبي على موقفه في عدم تجنيب الضعفاء هو الذي ضمن لهذه الدعوة الازدهار ، فعن أبي سفيان بن حرب أن هرقل ملك الروم سأله – لما دَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ - قَالَ (فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَقُلْتُ بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ قُلْتُ بَلْ يَزِيدُونَ.... وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمْ اتَّبَعُوهُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذَلِكَ أَمْرُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ) .
قوله تعالى (..كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) (54) أي بشر هؤلاء القادمين عليك من المؤمنين بأن رحمة الله تحفهم بمجرد إقبالهم عليك طلبا للتزكية والإيمان ، قال رسول الله (وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) .
ومن رحمة الله تعالى بعباده أن سخر هؤلاء الضعفاء من الصحابة لإقامة هذا الدين ، ليكونوا أرفأ الناس حالا بالناس حين يتولون أمانتهم ، وقد تربوا من قبل على هذه الرحمة ، حيث كان النبي يضمهم إلى جناحه ، فكانوا يجتمعون حول النبي في بيت الله تعالى يسمعون ما يتلى عليهم من الذكر والحكمة ، وكثيرا ما كان رسول الله يحدث أصحابه عن رحمة ربه ، ويحثهم على طاعته ومحبته ، ويدلهم على الأعمال التي تقربهم من الله .
وقد كان من رحمة النبي بأصحابه وإحاطته بهم أنه كان إذا جلس معهم يستحي أن يتركهم حتى يتركوه ، عن خباب (فَدَنَوْنَا مِنْهُ –أي النبي - حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَجْلِسُ مَعَنَا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ وَتَرَكَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) (الكهف) ، وَلَا تُجَالِسْ الْأَشْرَافَ (تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) يَعْنِي عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعَ (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) قَالَ هَلَاكًا قَالَ أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، قَالَ خَبَّابٌ فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ) .
قال تعالى (..أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(54) وبشرهم كذلك بتدارك ما فات بالتوبة ، فالتوبة من المعصية كانت محور حديث أصحاب النبي معه ، فعَنْ مُجَمِّعٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَاهَانَ ، قَالَ:"جَاءَ قَوْمٌ إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا أَصَبْنَا ذُنُوبًا عِظَامًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَلَمَّا ذهبوا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: " وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " الآية فَدَعَاهُمْ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ" .
وكان يعزيهم أن الذي اقترفوه ما اقترفوا إلا عن جهالة فإن تابوا بعدما جاءهم العلم وأصلح ما أفسد فإن الله يتوب عليه ويغفر له ويرحمه ، فعَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلَهُ "سُوءًا بِجَهَالَةٍ" ، مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ" ، لأنه لو عرف قدر ربه ما عصاه ، ولم تأمل شرعه لعلم الفرق بين عمل البر والإثم ، فلفظ (الجهالة) يصف حالة التلبس بالمعصية ، ولذلك قال قتادة " أَجْمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ فِي جَهَالَةٍ ، عَمْدًا كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ ، وَكُلُّ مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ " وَكَذَلِك قَالَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ)
فالإسلام يريد من المسلم أن يعرف ربه ويتعرف على شرعه ، فيزيل حالة الجهالة عن قلبه ، ليعرف دينه بمجرد حرصه على إرضاء ربه ، فهذا الحرص كفيل بأن يعرف الحلال من الحرام ، فعن أبي أمامة قال : قال رجل : ما الإثم يا رسول الله ؟ قال : ما حاك في صدرك فدعه : قال : فما الإيمان ؟ قال : من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن) ، وفي رواية عن النبي قال (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)
قال أسعد حومد (وَلَعَلَّ أَقْرَبَ تَفْسِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ - هُوَ أَنْ نَقُولَ : إِنَّ الذِي يَعْمَلُ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ هُوَ الذِي يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الطَّيْشِ أَوِ الانْفِعَالِ أَوِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ أَوِ الهَوَى الجَامِحِ أَو ثَوْرَةِ الغَضَبَ . . . وَمَا مَاثَلَ تِلْكَ الأَحْوَالِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ إنَّمَا يَرْتَكِبُ إِثْماً وَذَنْباً ، وَيُقْدِمُ عَلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يَسْتَشْعِرُ فِي نَفْسِهِ النَّدَامَةَ ، ثُمَّ حِينَمَا يَثُوبُ إلى نَفْسِهِ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَعَلَ ، وَيَتُوبُ إلَى رَبِّهِ ، وَيَسْتَغْفِرَهُ ، وَهُوَ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الذَّنْبِ عَلَى نَفْسِهِ ، وَهَذا غَيْرُ حَالِ مَنْ أَقْدَمَ عَلَى اقْتِرَافِ الذَّنْبِ وَهُوَ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ وَبِحُرُمَاتِ اللهِ ، غَيْرُ عَابِىءٍ بِهَا وَغَيْرُ مُسْتَشْعِرٍ نَدَماً عَلَى فِعْلِهِ) .
قال تعالى (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) (55) أي أن الله يأتي بالآيات الآية تلو الأخرى ليتضح للناس سبيل المجرمين ، فلا يخفى عليهم بعد ذلك ضلالهم ، ولا يلتبس عليهم الباطل بالحق ، وقد استبان الحق من أول آية ، ولكن كما قيل (وبأضدادها تعرف الأشياء) ، فلولا الشمس لم يعرف الظل ، أو كما قال المتنبي (وبضدها تتميز الأشياء) ، (فالضِّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضِّدُّ) .
يقول صاحب الظلال (هذه الآية القصيرة تكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يُعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب ، إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين ، وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق!) .
المسألة الرابعة : تبرؤ النبي من عبادة أصحاب الأهواء حتى حد المفاصلة
قوله تعالى (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (56) قال الشيخ طنطاوي (إشارة إلى أنهم فى عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة ، نابذون للأدلة العقلية ، وفى هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم ، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل)
قال ابن عجيبة (لأني قد اجتمعت أهوائي في محبوب واحد ، حين وصلت إلى حضرته ، وتنعمت بشهود طلعته ، فانحصرت محبتي في محبوب واحد ، وفي ذلك يقول القائل :-
تَركتُ للنَّاسِ ، ما تَهوَى نُفوسُهم ... مِن حُبِّ دُنيا ومن عزِّ ومن جَاهِ
كذَاكَ تَركُ المقَامَات هُذَا وَهُنَا ... والقَصدُ غَيبَتُنَا عَمَّا سِوَى اللهِ
وقد ذم النبي اتباع الهوى فقال (ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع) ، وقال (ثلاث مهلكات ، "شح مطاع" و"هوى متبع" و"إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء") وثلاث منجيات "العدل" في الرضا والغضب و"القصد" في الغنى والفاقة و"مخافة" الله في السر والعلانية)
إذن التجرد عن الهوى هو حقيقة العبادة لله تعالى وشرط صحة العمل ، ونظير ذلك قوله (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)«ص 26» ، وقوله (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن)«المؤمنون 71» ، قوله (وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم)«الانعام 116» ، وعن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال : قال رسول الله : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) .
ومجانبة أصحاب الأهواء خير معين للمرء على اتباع الحق ، فعلي المسلم أن يجعل بينه وبين أهواء الظالمين حجابا ، كما أنه يجعل بينه وبين النار حجاب ، فهو يجتنب أهواءهم كما يجتنب النار لعلمه أنه لو اقترب منها لاحترق ، كما ورد في الحديث (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) .
ولكي يحصل ذلك لابد ومن أن يغلب الحب العقلي الهوي القلبي ، ولذلك قَالَ رسول الله (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) ، وفي رواية مسلم (وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) .
قَالَ الْبَيْضَاوِيّ في قوله (أَنْ يَكُون اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ ) الْمُرَاد بِالْحُبِّ هُنَا الْحُبّ الْعَقْلِيّ الَّذِي هُوَ إِيثَار مَا يَقْتَضِي الْعَقْل السَّلِيم رُجْحَانه ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَاف هَوَى النَّفْس كَالْمَرِيضِ يَعَاف الدَّوَاء بِطَبْعِهِ فَيَنْفِر عَنْهُ وَيَمِيل إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى عَقْله فَيَهْوَى تَنَاوُله ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْمَرْء أَنَّ الشَّارِع لَا يَأْمُر وَلَا يَنْهَى إِلَّا بِمَا فِيهِ إِصْلَاح عَاجِل أَوْ إِصْلَاح آجِل وَالْعَقْل يَقْتَضِي رُجْحَان جَانِب ذَلِكَ تَمَرَّنَ عَلَى الِائْتِمَار بِأَمْرِهِ بِحَيْثُ يَصِير هَوَاهُ تَبَعًا لَهُ وَيَلْتَذّ بِذَلِكَ اِلْتِذَاذًا عَقْلِيًّا إِذْ الِالْتِذَاذ الْعَقْلِيّ إِدْرَاك مَا هُوَ كَمَال وَخَيْر مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ
وَعَبَّرَ الشَّارِع عَنْ هَذِهِ بِالْحَلَاوَةِ لِأَنَّهَا أَظْهَر اللَّذَائِذ الْمَحْسُوسَة قَالَ وَإِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة عِنْوَانًا لِكَمَالِ الْإِيمَان لِأَنَّ الْمَرْء إِذَا تَأَمَّلَ أَنَّ الْمُنْعِم بِالذَّاتِ هُوَ اللَّه وَأَنْ لَا مَانِع فِي الْحَقِيقَة سِوَاهُ وَأَنَّ مَا عَدَاهُ وَسَائِط ، وَأَنَّ الرَّسُول هُوَ الَّذِي يُبَيِّن لَهُ مُرَاد رَبّه اِقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَتَوَجَّه بِكُلِّيَّتِهِ نَحْوه ، فَلَا يُحِبّ إِلَّا مَا يُحِبّ وَلَا يُحِبّ مَنْ يُحِبّ إِلَّا مِنْ أَجَله وَأَنْ يَتَيَقَّن أَنَّ جُمْلَة مَا وَعَدَ وَأَوْعَدَ حَقّ بِيَقِينٍ تَخَيَّلَ إِلَيْهِ الْمَوْعُود كَالْوَاقِعِ فَيَحْسِب أَنَّ مَجَالِس الذِّكْر رِيَاض الْجَنَّة وَأَنَّ الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلْقَاء فِي النَّار) .
قوله (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي)(58) أي أنه اتبع الحق لا عن هوى كما اتبعوا أهواءهم ، وإنما اتبع منهج الله عن بصيرة ويقين ، قال القرطبي (أي دلالة ويقين وحجة وبرهان، لا على هوى) ، قال الشعراوي (هنا يبلغ الحق رسوله أن تركه لعبادة الأصنام ، وإن كان أمراً قد اهتدى إليه بفطرته السليمة ، فإنه قد صار الآن من بعد البعثة عبادة) .
قوله (..وَكَذَّبْتُمْ بِهِ..) أي كذبتم بما عندي من الحجة ، قال ابن عاشور (وجملة "كذبتم به" تفيد التعجب منهم أن كذبوا بما دلت عليه البينة) ، وفي ذلك حجة للمفاصلة بينهم وتهديد لهم باقتراب أن يتأيهم عذاب الله بغتة ، وكأن المعنى (أنا على بينة وأنتم كذبتم بما دلت عليه البينات فشتان بيني وبينكم) .
قوله (..مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ..) تحدى المشركون الرسول أن يأتيهم بما أنذرهم به ، فلقنه الله الإجابة أنه ليس يملك من الأمر شيئا ، وإنما الأمر كله لله ، وإنما هو مأمور بالبلاغ وعلى الله الحساب والجزاء ، قال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) (العنكبوت 53-54)
قوله (..إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ..) قال الشعراوي (إن الحكم لله وحده ، فإن شاء أن ينزل عذابا ويعجل به في الدنيا كما أنزل على بعض الأقوام من قبل فلا راد له ، وإن شاء أن يؤخر العذاب إلى أجل أو إلى الآخرة فلا معقب عليه)
قوله (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (57) أي يبلغه على لسان رسله وأنبيائه ، عَنْ عَطَاءٍ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) ، وَقَالَ: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) أي أن أسلوب القصص في العرض وطريقة البلاغ للناس هو ما يتميز به القرآن ليحبب لهم الحق وأهله بأسلوب يثبت نجاح التجربة العملية ويكره لهم الكفر وأهله بأسلوب يتضمن العبرة والعظة ، فيكون اتباعهم للحق عن منهج عملي منظور قص عليهم أن أمثالهم قد اتبعوه ، قال الزمخشري (أي يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدّره) .
فإذا حصل البلاغ قامت الحجة ، وإذا قامت الحجة حصلت المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل ، قال الواحدي معناه : (يقضي القضاء الحق ، وقوله "وهو خير الفاصلين" الذين يفصلون بين الحقِّ والباطل) ، فإذا قامت حجة الله على العباد فصل بينهم بقضائه ، فيهلك من هلك عن بينة .
قوله (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) قال صاحب الظلال (ولو كان رسول الله يملك هذا الذي يستعجلون به ، ما أمسكه عنهم ، ولضاقت بشريته بهم وبتكذيبهم ، فإمهالهم هذا الإمهال هو مظهر من مظاهر حلم الله ورحمته ، كما أنها مجال تتجلى فيه ألوهيته) .
المطلب الثاني
فحوى الخطاب الدعوى ومنهجيته
قال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62)
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
وفيه عدة مسائل :-
قال تعالى (قال تعالى (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (62)
قوله (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59)
قال الدكتور فاضل السمرائي ( جاء هنا تقديم الخبر علي المبتدأ المعرفة بالإضافة(مفاتح الغيب) لغرض وهو التخصيص والحصر ، ومعنى الآية أن مفاتح الغيب عند الله تعالى حصراً ، وليس هناك ذات أخرى عندها مفاتح الغيب فهذا تقديم للحصر والقصر) .
قال العلماء (أمور الغيب لا يحصيها إلا عالمها وأقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب الأبواب ، والمفاتيح أيسر الأشياء لفتح الباب ، فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف موضعها فما فوقها أحرى أن لا يُعرف) .
قال رَسُولَ اللَّهِ (مَفَاتِحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ) :-
- إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
- وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ
- وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ
- وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا
- وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) .
فالساعة هو نهاية الامتحان ، والغيث هو السبب لأرزاق الناس ، والأرحام هو المسبب وكناية عن استمرار الحياة ، والغد مستقبل تكهن فيه كثير من الناس والمؤمن يفوضه لله ، والأرض التي يموت عليها الإنسان هي منتهى سعيه في الدنيا ، ولعلها كناية عن حسن أو سوء الخاتمة ، فمن مات وهو يصلي أو يجاهد بخلاف من مات وهي يعصي الله في أماكن الفسق والفجور .
قوله (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ) (59) فشتان بين عالم الأحياء المائية وعالم الأحياء البرية ، فهما نقيضان رائعان في طريقة بناء الكائنات الحية وتكيفها ، الأحياء المائية تتكيف مع الضغط العالي والطفو ونقص الأكسجين، بينما تواجه الأحياء البرية الجاذبية الكاملة وتغيرات الحرارة الحادة وندرة المياه.
مقارنة بين الأحياء المائية والبرية
عالم الأحياء المائية عالم الأحياء البرية وجه المقارنة
أجسام انسيابية، خياشم للتنفس، وهياكل مرنة أو عظام خفيفة. أطراف قوية، رئة للتنفس الهوائي، وجلد واقٍ من الجفاف. التكوين البيولوجي
استخدام الزعانف والذيل للسباحة ومقاومة التيارات المائية. المشي أو الجري أو الطيران باستخدام العضلات والعظام الصلبة. التكيف مع الحركة
تحمل ضغط الماء الهائل وثبات درجات الحرارة نسبياً. التكيف مع تقلبات الطقس الحادة والبحث عن الظل أو الدفء. التكيف مع الضغط والحرارة
قوله (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا) (59) ففي الآية دليل على إحاطة علم الله بكل شيء ، فليس من حركة أو سكون في الكون إلا بقدر الله وحكمته ، حتى ما يظنه الناس من الحركات الاضطرارية لأوراق الأشجار عندما تسقط على الأرض فإنها في علم الله وبحكمة وقدر ، (وَأَصْلُ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ) .
فإذا كان علم الله بهذه السعة والإحاطة ، وقد أحاط بكل شيء علما ، فلا شك أنه يتسع ليشمل علمه ما يفعله العباد ، وإذا كانت حكمته قد شملت سقوط ورق الأشجار في الوقت والمكان المقدر لذلك ، فلا جدال أن يفوض المسلم أمره إلى الله في كل صغير وكبير .
قوله ( وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ ) (59) فهذه الحبة تدخر في ذاتها طاقة كامنة ، تتحول بمرور الوقت وفي ظروف معين داخل الأرض إلى برعم صغير ، ثم بقدرته سبحانه تمتد رأسين في اتجاهين متضادين ، اتجاه مع الجاذبية حيث تتكون الجذور ، واتجاه رأسي ضد الجاذبية حيث تخرج السيقان والفروع ، فالآية تعبر عن حالة الكمون والسكون التام للحبة وهي في باطن الأرض قبل بزوغها ونموها ، لتبين قدرة الله ومراقبته لها وهي تطلق تلك الطاقة الكامنة فيها وتتحول لشجرة عالية الأغصان .
فعندما توضع الحبة في باطن الأرض وتشرب الماء ، تبدأ عملية الإنبات؛ حيث ينمو "الجذير" إلى الأسفل مثبتًا النبتة وممتصاً للماء ، بينما ينمو "الساق الجنيني أو الريشة" إلى الأعلى نحو النور عكس اتجاه الجاذبية ليخترق سطح التربة.
قوله (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (59) الرطب هو الشئ الذي فيه رطوبة أي فيه ماء ما يدل على استمرار الحياة فيه ، واليابس هو الشئ الذي جف من الماء ، فقلت فيه الحياة ، يقول الدكتور سفر الحوالي (فالشيء الرطب أدنى نقطة من الرطوبة من الماء يقول علماء الأحياء: "لو وضعتها تحت المجهر لوجدت فيها الملايين من الأحياء، تعيش وتموت وفق أعمار قدرها الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى" فقدر أن هذا المكروب قد يعيش دقيقة أو نصف دقيقة، فبعضها لا يعيش إلا ثلاثين ثانية، وربما أقل من ذلك، لكن هذا العمر مكتوب ومحسوب ومقدر عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ما تنزل قطرة من السماء إلا والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يعلمها).
إذ يكشف الفحص المجهري عن تباين كبير في التركيب والبنية بين الرطب واليابس ؛ فالوسط الرطب يتميز بخلايا حية ممتلئة بالسوائل وجزيئات ماء حرة تدعم التفاعلات الحيوية والحركة المستمرة، بينما يظهر الوسط اليابس بانكماش الخلايا، وتوقف الأنشطة الأيضية، وتصلب الجدر الخلوية وغياب أي حركة مائية جزيئية.
ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : الرطب : الماء ، واليابس : البادية ، وقال عطاء : يريد ما ينبت وما لا ينبت ، وقيل : ولا حي ولا ميت ، وكلها معاني متقارنة تتوافق مع ما أكده علماء الأحياء
فقد استخدمت الاية أسلوب المقابلة والطباق الشامل، حيث تدل العبارة على إحاطة علم الله المطلق بكل موجود في هذا الكون، وهذه المقابلة لها دلالتها من الناحية الشرعية ، الرطب لسان المؤمن رطب بذكر اللّه ، واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر اللّه .
عن عبد الله بن بسر قال : جاء أعرابيان إلى رسول الله يسألانه فقال أحدهما يا رسول الله أي الناس خير ؟ قال : من طال عمره وحسن عمله وقال الآخر يا رسول الله : إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبت به قال : لا يزال لسانك رطبا بذكر الله عز و جل) .
قوله (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (60) هذه الآية تتحدث عن آداب ما قبل النوم ، وهذه الآداب تتعلق بعقيدة المسلم ، ليعلم أن النوم هو صورة مصغرة من الموت حقا ، فالله يقبض روحه أثناء النوم ثم يعيدها إليه مرة أخرى عند الاستيقاظ ، ولا أحد في الدنيا يملك ألا تأخذه سنة ولا نوم ، ولذلك فهذا الاعتقاد لكي يترسخ في قلب المؤمن يحتاج إلى تربية عملية على جملة آداب شرعية لفهم دلالة النوم وعلاقته بالموت والبعث ، وهذا ما علمه النبي لأصحابه ، فعلمهم جملة آداب عند النوم وأذكار تقال عند النوم .
فعَنْ النَّبِيِّ قَالَ (إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ فِرَاشَهُ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلْيَقُلْ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)
وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ (كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ (اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَأَمُوتُ) وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ (بِاسْمِكَ نَمُوتُ وَنَحْيَا) فَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)
وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ اللَّيْلِ أَنْ يَقُولَ (اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مَاتَ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ (اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي وَأَنْتَ تَوَفَّاهَا لَكَ مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا إِنْ أَحْيَيْتَهَا فَاحْفَظْهَا وَإِنْ أَمَتَّهَا فَاغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ عُمَرَ فَقَالَ مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ )
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ (وَلْيَقُلْ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبِّي بِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)
قوله (..وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ..) (60) قال الماوردي أي (ما كسبتم لأنه مستفاد بعمل الجارحة ، ومنه جوارح الطير لأنها كواسب بجوارحها) ، انظر قوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية21] ، قيل (رأى ماكسبت جوارحكم فعلق الاجتراح بالنهار) ، لأن النهار جعل - في الغالب - معاشا للإنسان ، وفيه يكسب قوته ، ويعمل بيده ، ويحتاج إلى الصيد وجرح صيده ليأكله ، فيسفك دم ذبيحته بجرحها ، طلبا للرزق الحلال ، وقد يسفك دما حراما فيأثم ، فسُمّيت أعضاء الإنسان جوارح لأنه يكتسب ويجني بها أعماله، سواء كانت خيراً أو شراً.
قوله (.. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (60) أي مثلما ينام الإنسان ويستيقظ فإن الله يميته ثم يحييه ويبعثه ثم يحاسبه على ما عمل من عمل خيرا كان أو شرا .
قوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ) قال البغوي "(القاهر" الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة ، وهي منع غيره عن بلوغ المراد) ، و"الفوقية" : (صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل) ، ونظيره قوله (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [لأعراف] ، والمعنى أن الله (هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده) ، فيجبرهم على النوم والاستيقاظ ليتأموا قدرته عندما يميتهم ثم يحييهم .
فليس لعبد من عباد الله أن يخرج عن قهر الله ، فيعطل سنة كونية خلقها فيه وجعلها مطردة في غيره ، قال ابن كثير أي: (هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره) .
قوله (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) والحفظ صفة تقابل صفة القهر بما يحقق معنى التكامل بينهما ليدلان معا على إحاطة الله وقدرته المطلقة ، وأن الإنسان بين الكاف والنون ، فكما أنه يقهر عباده فإنه يحفظهم بقدرته ، وكما أنه يرسل ملك الموت ليقهرهم فإنه يرسل ملائكة تحفظهم بأمره ، قال السدي: (هم المعقبات من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله) ، أي يحفظون الأعمال في كتب ، كما قال تعالى (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الإنفطار 20-12) ، أي أن جميع أعمال ابن آدم عليها شاهد من الملائكة يسجلها في دفاتر ، قال تعالى (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (الزخرف80) وقال تعالى (لهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) (الرعد11) فهذه الملائكة موكلة بحفظ الإنسان فتدفع عنه الأذى غير ما قدره الله ، قال ابن عباس (هم الملائكة يحفظونه بأمر الله فإذا جاء القدر خلوا عنه) ، قال رسول الله (الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ) .
قوله (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ في هذه الآية هم (أَعْوَانُ مَلَكِ الْمَوْتِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ) ، فالموت دليل قاطع على قهر الله لعباده ، (والأجل – والذي هو من قدر الله - يحفظ الإنسان من الموت ، فإذا انتهى الأجل جاءه الموت) .
قوله (..وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (61) أي لا يؤخرونه عن ساعة أجله حين يحين لحظة ، قال الزمخشري (التفريط التواني والتأخير عن الحدّ ، والإفراط مجاوزة الحدّ أي لا ينقصون مما أمروا به أو لا يزيدون فيه) ، قال تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف 34) .
قوله تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ..)(62) أي عند الموت ، قال ابن جزي معنى "المولى" مختلف في الموضعين ؛ فمعنى (مَوْلاَهُمُ الحق) أي : ربهم ، وهذا على العموم في جميع الخلق ، فهو الأحق بالولاية من غيره ، بخلاف قوله : (مَوْلَى الذين آمَنُواْ) فإنه خاص بالمؤمنين لأنه معنى الولي والناصر ، أي أنهم حين يردون إلى الله ويرجعون له يعلمون حق العلم أنهم عبيدهم ولا يجادلون ، بينما في الدنيا يسعي كثير منهم إلى إرضاء غير الله وطاعة غيره ولو في معصيته سبحانه.
قوله (..أَلَا لَهُ الْحُكْمُ..)(62) عندئذ لا يقدر أحد من خلقه أن يعلن نفسه منافسا لربه كما كان حال بعض فراعنة الدنيا ، ونظيره قوله (الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر 16) ، وهذا يسري في الدنيا والآخرة ، قال ابن عجيبة في قوله (له الحكم) : «بسطك كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما ، كي لا تكون لشيء دونه » .
قوله (..وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (62) (فلا يشغله حساب عن حساب ، ولا شأن عن شأن ، يعني (لا يحتاج إلى رويّة ولا تقدير) ، قال الشيخ طنطاوي (وبذلك تكون هذه الآيات الثلاث قد أقامت أقوى البراهين وأصحها على كمال قدرة الله ، ونفاذ إرادته ، ومحاسبته لعباده يوم القيامة على ما قدموا وأخروا) .
قوله (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) (64) قال الرازي (بين تعالى أنه إذا شهدت الفطرة السليمة والخلقة الأصلية في هذه الحالة بأنه لا ملجأ إلا إلى الله ، ولا تعويل إلا على فضل الله ، وجب أن يبقى هذا الإخلاص عندهم في كل الأحوال والأوقات ، لكنه ليس كذلك ، فإن الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة ، يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك) .
قوله (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً " ، يقول:"إِذَا ضَلَّ الرَّجُلُ الطَّرِيقَ دَعَا اللَّهَ: " لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ "
قوله (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) عم بعد التخصيص ، والكرب غاية الغم ، وفي ذلك دعاء مأثور يدل على الاستعانة بالله في الكروبات فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)
قوله (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) قول الرازي (الإنسان بعد الفوز بالسلامة والنجاة يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية ، ويقدم على الشرك) ، قال الألوسي (ولم يذكر متعلق الشرك تنبيهاً على استبعاد الشرك في نفسه ) ، ( وتنبيها على أن من أشرك في عبادة الله تعالى فكأنه لم يعبده رأساً إذ التوحيد ملاك الأمر وأساس العبادة ) ، و(المقصود التوبيخ بأنهم مع علمهم بأنه لم ينجهم إلا الله تعالى كما أفاده تقديم المسند إليه أشركوا ولم يخصوا الله تعالى بالعبادة) ، (وكلمة "ثم" ليس للتراخي الزماني بل لكمال البعد بين إحسان الله تعالى عليهم وعصيانهم) .
يقول الشعراوي (يعلم سبحانه بعلمه الأزلي أنهم بعد النجاة سيعودون إلى ما نهاهم عنه من شرك به ؛ لأن الإنسان عندما يجد حياته مكتفية بما يملكه قد يقع فيما قاله الحق تبارك وتعالى (كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى) [ العلق : 6-7 ] والإنسان قد يتجاوز حدوده ويتكبر على من حوله ، بل وعلى ربه إن رأى نفسه صاحب ثراء ، ولا يعصم الإنسان من مثل هذا الموقف إلا الإيمان بالله؛ لأن الإنسان بدون منهج الله يسبح في بحر الغرور والتكبر ، ولكن من يحيا في ضوء منهج الله فهو يعرف كيف يرعى الله في كل ثراء يمنحه له الله ، أما الذي يعيش دون منهج يدعو الله إن أصابه الضرّ ، فإذا ما أنجاه الله ادعّى أن النجاة إنما كانت بأسباب امتلكها هو ، وإذا ما أعطاه الله نعمة من النعم زاد في الادعاء وزعم أن هذه النعمة مصدرها علم من عنده هو ولا ينسب ذلك إلى الموجد الحقيقي وهو الله) .
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
قال تعالى (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) (65) العذاب الذي من فوق هو الرجم ، والذي من تحت فهو الخسف ، وجعلهم شيعا أي أحزاب متنازعة ، يحارب بعضهم بعضا ، إذ فرقت الآية بين نوعين من العذاب ، أحدهما هلاك عام مباشر يخص المشركين ، والآخر هلاك غير مباشر يخص بعض المسلمين ، فعن الحسن في قوله "عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم" قال : هذا للمشركين "أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض" قال : هذا للمسلمين) .
فأما النوع الأول الخاص بالمشركين ، فعَنْ أُبَيٍّ قَالَ (هِيَ أَرْبَعُ خِلاَلٍ ، وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ لاَ مَحَالَةَ ، فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا ، أُلْبِسُوا شِيَعًا , وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، وَاثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لاَ مَحَالَةَ : الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ) ، أي أن الخسف من تحت أرجلهم ، والرجم من فوقهم ، تهديدا لمن لم يطبق حدود الله ، فإنه يستحق الرجم – شرعا –وسوف يخسف الله القرية الظالم أهلها برمتها.
فعن سهل بن سعد : أن رسول الله قال : (سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ ) قيل : ومتى ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر)
أما النوع الثاني الذي خص الله به المسلمين من العذاب ، فذلك ليتميز الخبيث من الطيب ، وفيه شغل المسلمين بتنقية الصف وما فيه من صرف شيء من الطاقة لجهاد المنافقين ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التحريم 73)
قوله (..أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا..) قال البخاري (قوله "يَلْبِسَكُمْ" يَخْلِطَكُمْ مِنْ الِالْتِبَاسِ"يَلْبِسُوا" يَخْلِطُوا"شِيَعًا"فِرَقًا) ، قال أبو حيان (أي يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى كلّ فرقة منكم مشايعة لإمام ومعنى خلطهم انشاب القتال بينهم فيختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال) .
وقال الشعراوي (والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا يتبينها الرائي ، و« شيعاً » هي جمع « شيعة » ، والشيعة هم : المتعاونون على أمر ولو كان باطلا ، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية واحدة) .
قال الطيبي قوله تعالى "أو يلبسكم شيعا" أي يجعل كل فرقة منكم متابعة لإمام وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال يضرب بعضكم رقاب بعض ويذيق بعضكم بأس بعض ، والمعنى يخلطكم فرقا مختلفين على أهواء شتى) .
فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ُ(قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ قَالَ (أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) قَالَ أَعُوذُ بِوَجْهِكَ "أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ) . ، ولذلك قال النبي هذا أوهن وأيسر
وقوله (..وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ..) ظاهر معناه في قول النبي (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) من السجن والحبس ومصادرة الأموال ..الخ .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (إني سألت الله فيها ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة سألته أن لا يهلك أمتي بسنة فأعطانيها وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها)
وفي الصحيح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) .
وقوله (..انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) أي أن العبرة من إنزال العذاب وتنوعه بهم على ما ذكر رجاء أن يتحقق فهمهم الدقيق لمعنى الإيمان بالله والتوكل عليه واليقين بقدره ، قال ابن عاشور (ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم، وهو خوف الله فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيات) .
أي أن الحرب الدائرة بين المسلمين هي في حقيقتها بين من يفقهون ومن لا يفقهون ، فالذين يفقهون يعلمون أن الله سبحانه هو مدبر الأمر ، والعبد يسلم أمره لتدبير الله ويؤمن بقدر الله ، أما من لا يفقه فإنه يظن أن الأسباب هي التي تنجيه وهي التي تنفعه ، من هذا المنطلق العقائدي يتنازع المسلمون بعضهم مع بعض ليحق الله الحق بيد الطائفة التي تفقه دينها .
فعن زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ: " قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ " الآيَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوَفِ"، قَالُوا: وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ:"نَعَمْ"، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ: " انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ " .
قوله (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(66) فالعبرة في معرفة الحق ليس بكثرة المتبعين له ،ولا بقلة المخالفين له ، بل الحق أحق أن يتبع ولو لم يسبق لاتباعه أحد .
وفي ذلك قصة مشهورة تبين أن سبب ضلال بعض الصحابة وتأخرهم عن ابتاع الحق انشغالهم بعادات وتقاليد قومهم ، فعن عبد الله بن أبي بكر قال : قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل) فقال : (أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك -ونحن مع النبي بمكة - فهمت منها -إذ ذاك- ما فهمت اليوم ، لقد كنت إذ ذاك أسلمت) ، أي أنه لو لم يعظم شأن قومه وعاداتهم وتقاليدهم التي عميت بصيرته حالما كان مشركا ، ولاطلع واستمع إلى ما يقوله محمد ذاك اليوم بعين البصيرة ولم يعر اهتماما لمخالفة قومه له لسبق إسلامه من أسلموا قبله ،ولكن العصبية القبلية أخرته عن الفهم ومعرفة الحق وإدراك الخير في هذا الدين ، وقد استبان له ذلك بعدما حارب قومه النبي ، فلم ينتصروا عليه ، بل ظهرت معايبهم وعصبيتهم وظلمهم ، ولكن الله سبحانه نجاهم منهم ونصره عليهم .
وهناك موقف آخر يبين أن الذين أسلموا بعد الفتح كانوا هم أعقل الناس ، وما أخرهم عن الإسلام إلا قلة التدبر ، فعن سهيل بن عمرو قال : لما دخل رسول الله مكة وظهر اقتحمت بيتى وأغلقت على بابى وأرسلت إلى ابنى عبد الله بن سهيل أن أطلب لى جوارا من محمد : فإنى لا آمن أن أقتل ، فذهب عبد الله بن سهيل فقال : يا رسول الله - أبى تؤمنه قال : نعم هو آمن بأمان الله ، فليظهر ثم قال رسول الله لمن حوله : من لقى منكم سهيلا فلا يشد إليه النظر فليخرج فلعمرى أن سهيلا له عقل وشرف ، وما مثل سهيل جهل الإسلام) .
قوله (..وَهُوَ الْحَقُّ..) قال سيد قطب (والخطاب لرسول الله يعطيه ويعطي المؤمنين من ورائه الثقة التي تملأ القلب بالطمأنينة ، الثقة بالحق - ولو كذب به قومه وأصروا على التكذيب - مقررًا أنه الحق ، ولا قيمة ولا وزن لتكذيب القوم!) .
قوله (..قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ)(66)
قوله تعالى (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)(67) قال الشنقيطي أي: (لكل خبر حقيقة ووقوع، فإن كان حقاً تبين صدقه ولو بعد حين، وإن كان كذباً تبين كذبه، وستعلمون صدق هذا القرآن ولو بعد حين) ، ذلك أن الذي يكذب لايمكنه أن يكذب كل الوقت ، ولو حاول ذلك لوجب عليه أن يتذكر كل تفاصيل ما رواه من كذب ، لأنه حين يعيد الكلام يحرص على أن لا يغير الرواية ، وهذا يحتاج لجهد خارق في التذكر ، فإذا ما استطال عليه الزمان لابد وأن يخطئ ، والعكس كذلك صحيح فإن الصادق إذا لم يصدقه الناس اليوم ، فإنهم سوف يصدقونه كلما مر الزمان وتحقق شيء مما ذكره لهم ، ولذلك فإن مضي الزمن عامل من عوامل إظهار الحقيقة ، لكن العاقل هو من يصدق الصادق قبل أن تظهر كل الحقائق ، لظهور أماراتها ، ويكذب الكاذب لثبوت كذبه من أول مرة
أما الغافل فهو من ينتظر أن تصيبه المصيبة حتى يصدق الصادق بأن مصيبة سوف تلحقه إن لم يتحرز لها ، وعَنْ مُجَاهِدٍ في الآية قال (مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا فَسَوْفَ تَرَوْنَهُ، وَمَا كَانَ فِي الآخِرَةِ فَسَوْفَ يَبْدُو لَكُمْ) .
وقد أخبر النبي بوقوع العذاب بالمشركين المكذبين ، فعن الْحَسَنَ أنه قَرَأَ: " لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ " ، قَالَ:"حُبِسَتْ عُقُوبَتُهَا حَتَّى إِذَا عُمِلَ ذَنْبُهَا أُرْسِلَتْ عُقُوبَتُهَا"
وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
قوله تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (68) هذه المرحلة من أضعف صور إنكار المنكر ، وكان ذلك فيما مضى من أقوى صور الإنكار في العهد المكي
قال صاحب الظلال (لقد كان هذا الأمر للرسول ويمكن في حدود النص أن يكون أمراً لمن وراءه من المسلمين . . كان هذا الأمر في مكة . حيث كان عمل الرسول يقف عند حدود الدعوة ، وحيث كان غير مأمور بقتال للحكمة التي أرادها الله في هذه الفترة ، وحيث كان الاتجاه واضحاً لعدم الاصطدام بالمشركين ما أمكن . . فكان هذا الأمر بألا يجلس النبي في مجالس المشركين متى رآهم يخوضون في آيات الله ويذكرون دينه بغير توقير ، والمسارعة إلى ترك هذه المجالس - لو أنساه الشيطان - بمجرد أن يتذكر أمر الله ونهيه ، وكان المسلمون كذلك مأمورين بهذا الأمر كما تقول بعض الروايات . . والقوم الظالمون ، المقصود بهم هنا القوم المشركون . كما هو التعبير الغالب في القرآن الكريم . . فأما بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة ، فكان للنبي شأن آخر مع المشركين ، وكان الجهاد والقتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، حيث لا يجترىء أحد على الخوض في آيات الله!) .
والحكم المشار إليه لا يختص بالمشركين وحده ، فهو يتعدى كذلك إلى المنافقين ، فقد ورد نظير هذه الآية في العهد المدني في سورة النساء ، في قوله (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) ، ولعل مناط تطبيق الحكم هو أن المنافقين كانت لهم شوكة في المدينة ، ولم يكن بالمستطاع إنكار المنكر عليهم غير بتلك الطريقة السلبية واعتزالهم وجهرهم حال تلبسهم بالمنكر ، ولذلك يقول النبي "ليأتين عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم، فلا يكونن عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا خازنا" ، وأساس هذا الحكم في تلك المرحلة قوله تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا إلَى الّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسّكُمُ النّارُ) (هود113)
قوله (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (68) فالنسيان أمر عارض على الإنسان ، ولا أحد معصوم منه ، حتى النبي يقول (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي)
قوله (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (69) أي من يتقي مجالستهم اعتراضا على استهزائهم وكفرهم فقد برئ منهم ، ولا يتحمل وزرهم وقد أنكر منكرهم بتلك العزلة والإعراض عنهم ، فذلك أضعف الإيمان .
قال أبو حيان في قوله (الذين يتقون) هم المؤمنون والضمير في (حسابهم) عائد على المستهزئين الخائضين في الآيات) ، قال ابن عاشور (لما كان الإعراض عن مجالس الذين يخوضون بالطعن في الآيات قد لا يحول دون بلوغ أقوالهم في ذلك إلى أسماع المؤمنين من غير قصد أتبع الله النهي السابق بالعفو عما تتلقفه أسماع المؤمنين من ذلك عفوا، فتكون الآية عذرا لما يطرق أسماع المؤمنين من غير قعودهم مع الطاعنين) .
قوله (..وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) يفيد أن المسلم لا ييأس إطلاقا من دعوته ، ولا من الذين يدعوهم في سبيل الله ، بل عليه أن يتخذ موقفا إزاء المنكر ولو بإعلان اعتراضه ، فالمولى سبحانه يرسل عباده المؤمنين لهؤلاء الذين يستهزئون بآيات الله رجاء تذكيرهم ، ورجاء حصول تقواهم ، ولو بتلك المواقف السلبية ، وإعلان رفضهم الخوض في الباطل معهم ، فيتقي المشركون حزن المؤمنين منهم ، وهجرهم لهم بسبب ذلك ، فيتركوا الخوض ترضية لهم .
فعن قتادة (وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانَ يُعْجِبُهُمْ مُجَالَسَةُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، فَكَانُوا إِذَا خَاضُوا قَامَ عَنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانُوا يَتَّقُونَ الْخَوْضَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَقُومَ عَنْهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ) ، وعَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ "لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" ، قال:"لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ مَسَاءَتَكُمْ" ، أي مخافة أن يهجرهم المؤمنون لسوء أدبهم مع آيات الله .
وفي ذلك دليل على أن العلاقة بين المسلمين والكفار آنذاك إن لم تتخذ شكل المواجهة والعناد ، فإنها أحيانا تأخذ أسلوب الترضية والتعايش في وطن واحد ، قال أبو حيان (عليكم أن تذكروهم ذكرى إذا سمعتموهم يخوضون بأن تقوموا عنهم وتظهروا كراهة فعلهم وتعظوهم لعلهم يجتنبون الخوض في الآيات حياء منكم ورغبة في مجالستكم)
إذن هجرة مجالس الكفار يكون سلاحا فعالا في تغيير المنكر إذا ما كان للمسلمين حضور بينهم ، أما إذا لم يكن لهم شأن بين قومهم فكيف يعبرون بصمتهم عن رفضهم الخوض في الباطل ؟ كيف تصير لسلبيتهم تأثير في قومهم وهم في الأصل منعزلون منهم ، ولذلك يقول النبي (الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) ، بذلك استبان متى تحقق العزلة تأثيرها وسببها ، وأنها ضرورة تقدر بقدرها ولا يتوسع فيها .
بل إن الواحدي له رأي حثيث في الجلوس معهم بنية الإصلاح ، حيث أجاز ذلك متى كانت المصلحة أكبر من المفسدة ، وذلك في حالة تذكيرهم بالله ونهيهم مباشرة عن الخوض ، وتلك مرحلة أقوى من مرحلة الإعراض عنهم ، فقال (أمر الله تعالى رسوله عليه السَّلام فقال : إذا رأيت المشركين يُكذِّبون بالقرآن ، وبك ، ويستهزئون فاترك مجالستهم ( حتى يخوضوا في حديث غيره ) حتى يكون خوضهم في غير القرآن ( وإمَّا ينسينَّك الشيطان ) إنْ نسيت فقعدت ( فلا تقعد بعد الذكرى ) فقم إذا ذكرت ، فقال المسلمون : لئن كنَّا كلَّما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم ، لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ، وأن نطوف بالبيت ، فرخَّص للمؤمنين في القعود معهم يُذكِّرونهم فقال : ( وما على الذين يتقون ) الشِّرك والكبائر ( من حسابهم ) آثامهم ( من شيء ولكن ذكرى ) يقول : ذكِّروهم بالقرآن وبمحمَّد ، فرخَّص لهم بالقعود بشرط التَّذكير والموعظة ( لعلَّهم يتقون ) لِيُرجى منهم التَّقوى .
من هنا أجاز بعض العلماء المعاصرين التقدم لدخول المجالس النيابية في البلدان التي لا تطبق شرع الله ، بنية تذكيرهم بالله ، والعمل على تقليل الضرر منهم قدر المستطاع ، ولذلك قال ابن تيمية (" الورع " المشروع هو الورع عما قد تخاف عاقبته ، وهو ما يعلم تحريمه ، وما يشك في تحريمه ، وليس في تركه مفسدة أعظم من فعله - ... وكذلك من " الورع " الاحتياط بفعل ما يشك في وجوبه ... وتمام " الورع " أن يعلم الإنسان خير الخيرين وشر الشرين ، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات) .
مثال ذلك مناقشة قوانين الزواج والطلاق والولاية على النفس والحضانة عند المسلمين حتى لا تخرج عن إطار الشريعة أو تخفيف الأضرار عند مخالفتها قدر الإمكان ، وقس على ذلك كافة أوجه الإصلاح قدر الاستطاعة .
ثم انتقد الإمام تقي الدين أبو العباس مسلك بعض الناس الذين أخطئوا في العمل بالورع ، فتركوا الجهاد مخافة إعانة الإمام الظالم ، وليس ذلك من الورع في شيئ أو تركوا الجمعات لمخافة الصلاة خلف أهل البدعة والفجور ، فعلق الإمام على هذا بأنه خطأ لأنه أدى إلى توسيع المفاسد لأجل تحصيل مصالح أقل .
والحق أنه قلما دخل أناس من هذا الباب بنية صالحة ، وإن دخلوا بنية صالحة فقلما تجد أحدهم بعدما دخل إلا فسدت نيته وساء عمله ، فأهل المغالبة لهم حيل ومكايد ، ولا شك أن مخالطة الجسد الضعيف للمرضى تؤثر فيه ، أما إن كان الجسد قويا بما يكفي لمقاومة المرض ، وقد اتخذ الاجراءات الاحترازية لمنع نقل العدوى وانتشارها ، فهنا قد يؤدي المخالط دور الطبيب إن كان من أهل المهنة ، وإلا فإنه يتحذلق ويكون أول الهالكين ، وهو ما حذر منه الشيخ الألباني ، من ذلك نفهم أن المسألة تحتاج لفقه وإمام وتدريب على استخراج المرض من الجسد ، وهو ما نصح به الشيخ الحويني ، فلا تسير بعفوية أو بمجرد الشجاعة .
قوله (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) على وجه التعزيز كقوله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقتُ وَحِيداً) ، قال الثعالبي (هذا أمر بالمتاركة ، وكان ذلك بحَسَب قلَّة المسلمين يومَئِذٍ) ، أي (لا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأمورا بوعظهم) ، وهذا من باب المخاصمة في الله ، وتلك هي أقل درجات إنكار المنكر وتغييره بالقلب ، وهو أمر كذلك يتفق وطبائع الأمور ، لاسيما وقد تعذر أن يجتمع من اتقى الله والتزم أمر دينه بمن اتخذ دينه لعبا ولهوا، قال البيضاوي أي (بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً) ، فلا يجتمع من عزف عن الدنيا وأقبل على الآخرة بمن غرته الحياة الدنيا ولن يشبع منها ، بذلك استبان متى تكون العزلة مستحبة ومتى تكون المخالطة هي الأولى ..
قوله تعالى (وَذَكِّرْ بِهِ..) استدراك كي لا يظن ظان أن مقتضى أن الأمر بأن يذرهم والإعراض عنهم ، أن يترك الدعوة وإيصالها لهم وإنما المعنى (اعرض عنهم واترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم ، وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال "وذكر به" أى بالقرآن من يصلح للتذكر) .
قوله (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (70) وأصل كلمة "تبسل" البسل وهو المنع أي ترهن حتى لا محيص لها ، فالغاية من التذكرة الانتفاع بها ليقي نفسه من أن تُحبس في النار بما كسبت ، كما في قوله (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ) (المدثر 38)
جاء في لسان العرب (قال الحسن أُبْسِلوا أُسلِموا بجَرائرهم وقيل أَي ارْتُهِنوا وقيل أُهلِكوا وقال مجاهد فُضِحوا وقال قتادة حُبِسوا وأَن تُبْسَل نفس بما كسَبَت أَي تُسْلَم للهلاك) ، يقول الدكتور مهران ماهر (أقوال المفسرين لا يمكن أن ترادف اللفظَ القرآني فكان جمعُ جميع أقوالهم في الآية أحسن وأكمل)
قوله (..لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا..) (70) قال الإمام الرازى (والمقصود من هذه الآية : بيان انسداد وجوه الخلاص على تلك النفس ، فلا "ولي" يتولى دفع ذلك المحذور ، ولا "شفيع" يشفع فيها ، ولا "فدية" تقبل ليحصل الخلاص بسبب قبولها حتى لو جعلت الدنيا بأسرها فدية من عذاب الله لم تنفع ، فإذا كانت وجوه الخلاص هي هذه الثلاثة في الدنيا ، وثبت أنها لا تفيد في الآخرة البتة ، وظهر أنه ليس هناك إلا الإبسال الذي هو الارتهان والانغلاق والاستسلام ، فليس لها البتة دافع من عذاب الله تعالى ، وإذا تصور المرء كيفية العقاب على هذا الوجه يكاد يرعد إذا أقدم على معاصي الله تعالى) .
قوله (..أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ:" " أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا " ، يَعْنِي فُضِحُوا" ، أي على رؤوس الأشهاد وهم محبوسون موقوفون في أرض المحشر مرتهنون بأعمالهم ينتظرون الحساب ، كما في قوله (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات24)
قوله (..لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) (70) ونظيره قوله (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) (الكهف 29)
قال تعالى (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73)
قوله (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ) السؤال هنا استنكاري ، بمعنى لا يليق لنا أن ندعو من دون الله ما يملك النفع ولا الضر ، مع العلم أن الله وحده هو النافع وهو الضار ، قال رسول الله (اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) .
قوله (..وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ..) أي أتريدوننا أن نكفر بالله بعد أن استنقذنا من الضلالة بالإسلام ، أي بعد أن تعرفنا على الله وعلمنا أنه المجيب لدعائنا ننتكس ونعود للوراء فندعو غيره ، ونسأل أرزاقنا من غير الله ، وهذا يدل على المحبة ، فالذي يكره الكفر ويحب الإيمان يكون قلبه قد تزين بالمحبة لله ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7) ،يقول النبي (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) .
كما لا يمكن للمحب لله أن يتخلى عن الإسلام بالكلية أو شيء منه ، فالمعنى كذلك ألا نتخلى عن مبادئ الإسلام التي تساومونا عليها لأجل أن تحتفظوا بمكانتكم بين الناس فلا يشارككم العبيد والضعفاء تلك المكانة ، إذ كان هدف المساومة التي أجراها المشركون مع النبي ليدخلوا في الإسلام هو إقصاء أصحابه عنه ، وهم لا يدرون عاقبة هذا الأمر ، وأنه سوف يؤدي إلى مزيد من الكره والبغض بينهما ، والإسلام جاء ليؤلف القلوب ، ولم يأتي ليشرعن لحياة العصبية القبلية والجاهلية البغيضة ، فيغير بعضهم على بعض ، فبتلك الفكرة البغيضة يهدمون مبادئ الإسلام بدلا من أن تبنى في ضمائرهم وعقيدتهم ، فيؤمنوا بالمساواة بين البشر ، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى .
والنَّبِيِّ حذر من ذلك فقَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) قال النووي (ذلك كفر فى حق المستحل بغير حق) ، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ محذرا (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ) ،وقال (فلا يكفر به عند أهل الحق كفرا يخرج به من الملة إلا إذا استحله) .
وقيل أي : (كفارا لنعمة الإسلام تاركين الشكر فيه ، فإن من الشكر على نعمة الإسلام مواصلة أهله ، وموافقتهم ، واجتماع الكلمة فيه ، والتحاب لأجله ، وترك التقاطع وبغي بعض على بعض ؛ لأن من أحب شيئا أحب أهله ، ألا ترى إلى قوله : « لا تؤمنون بي حتى تحابوا » .
وقد كان رسول الله يقول (اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) أي (أتممها ولاتبطلها) ، قال السيوطي أي (بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية) ، أي لا تجعل سعيه في هجرتهم خائبا ، بل سدد خطاهم ووفقهم لمرضاتك ، فلا يرتدوا إلى الكفر بعد أن ضحوا بأموالهم وأنفسهم في سبيلك ، وثبتهم على طاعتك ، وقيل أي (تَوْفِيقَهُمْ وَعَوْنَهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَدِينَةِ دَارِ الْهِجْرَةِ مِنْ إمْضَاءِ الْهِجْرَةِ لَهُمْ وَتَصْحِيحُهَا فِي جَنْبَتِهِمْ) ، لأن شأن الهجرة عظيم ، وقد يرتد في الطريق بعضهم ، وقد ثبت أن بعضهم لم يتحمل جو المدينة فارتد ، وبعضهم لم يتحمل كثرة غزوات الرسول فارتد إلى البادية حيث الراحة والرعي ، قال العلماء وفيه دليل على تعظيم أمر الهجرة وأن ترك إتمامها مما يدخل تحت قوله: "ولا تردهم على أعقابهم" .
فالانقلاب على الأعقاب كناية عن الرجوع للوراء بعد المشي قدما ، فيبطل سعيه إلى وجهته ، وقد قطع منها شوطا ، بل من الناس من كاد أن يصل لوجهته ، ولكنه لما انقلب على عقبه ورجع إلى الوراء خسر المسافة التي قطعها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) ("الحَوْر" : الرجوع و"الكَوْن" : الحصول على حالة جميلة يريد التراجعَ بعد الإِقبال) ، قال السندي (والحور بعد الكور الكور لف العمامة والحور نقضها والمراد الاستعاذة من النقصان بعد الزيادة أو من الشتات بعد الانتظام أي من فساد الأمور بعد صلاحها) .
قوله (..كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ..) قال الأصفهاني أي (حملته على اتباع الهوى) ، قال ابن منظور أَي (زيَّنت له الشياطينُ هَواه) .
قال الشعراوي أي (جعلته يتقبّل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما تشاء) .
(فساعة ترى « همزة » و"سيناً" و« تاء » واقعة على شيء من الأشياء ، فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه ، كما في « استطعم » ، وفي « استسقى » ، ولم يوجد « استهوى » لطلب الهواء ، لكن وجد في القرآن « استهوى » بمعنى طلب أن تكون على هواه. (« فاستهوته » طلبت هُوِيَّة ، فمعنى « استهوى » بمعنى طلب أن تكون على هواه ، أي " طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعاً لما يريدون لا لما يريده الله" .
وقال ابن عاشور (وهو تمثيل بهيئة متخيلة مبنية على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسوسين....، ذلك لأن الحالة التي تتوهمها العرب استهواء الجن يصاحبها التوحش ، وذهاب المجنون على وجهه في الأرض راكبا رأسه لا ينتصح لأحد)
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين في الأرض ، يقول : (مثلكم إن كفرتم بعد الإِيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق فضل الطريق فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض ، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم يقولون ائتنا فإنا على الطريق فأبى أن يأتيهم ، فذلك مثل من تبعكم بعد المعرفة لمحمد ، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق والطريق هو الإِسلام) .
ولذلك ورد في القرآن ذم من اتبع الهوى كما في قوله (ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا)
وقوله (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)(الأنعام 56)
وقوله (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)(الشورى 15)
وقوله (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً)(4) [القصص50]
وقوله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية23]
وقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) [محمد 16]
وقوله (وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام 119] .
قوله (..حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا) قال الشعراوي ("الحَيْرة" هي التردد بين أمر ومقابله ، و"الحَيْرة" في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رُدَّ على أعقابه ورجع ، ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى ، فهو بين شيطان يستهويه ، وأصحاب يدعونه للمنهج ؛ لذلك يكون حيرانا : بين هاوية ونجاة ، والشيء الذي يهوي لا استقرار ولا اتجاه له . . أما من يتبع الذين يدعونه إلى منهج الحق سبحانه وتعالى فهو إلى هدى أي المنهج والطريق الموصل للغاية ، فالصنعة لا تضع غاية لنفسها ، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها) .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا .." ، قَالَ:"هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلآلِهَةِ، وَلِلدُّعَاةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ تَائِهًا ضَالا إِذْ نَادَاهُ مُنَادٍ: فُلانُ ابْنَ فُلانٍ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، وَلَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ: يَا فُلانُ، هَلُمَّ إِلَى الطَّرِيقِ، فَإِنِ اتَّبَعَ الدَّاعِيَ الأَوَّلَ انْطَلَقَ بِهِ حَتَّى يُلْقِيَهُ فِي هَلَكَةٍ، وَإِنْ أَجَابَ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْهُدَى اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ، وَهَذِهِ الدَّاعِيَةُ الَّتِي تَدْعُو فِي الْبَرِّيَّةِ مِنَ الْغِيلانِ، يَقُولُ: مَثَلُ مَنْ يَعْبُدُ مِنَ الآلِهَةِ هذه دُونِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَيَسْتَقْبِلَ الْهَلَكَةَ وَالنَّدَامَةَ" .
ففي الآية تصوير لمشهد المتحير في الضلال ، وقلبه متوزع بين آلهة متعددة ، كما في قوله (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(الزمر 29) فهو حيران لأنه لا يستطيع أن يرضي كل هؤلاء الشركاء جملة واحدة ، في حين أن العبد الذي له مالك واحد ويستطيع أن يرضيه يكون بعيدا عن هذا التشتت والتيه الذي أصيب به من يملكه عدة شركاء متشاكسون ، كل منهم يأمره بأمر خلاف الآخر ويعاقبه على مخالفة أمره ، فما أتعس هذا العبد حين يحاول أن يرضي أحد أسياده فيغضب عنه الآخرون ، ولذلك يقول النبي (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ) .
يقول سيد قطب (. . ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله -.. ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرآت هذا النص . . ولكن مجرد تصور . . حتى رأيت حالات حقيقية ، يتمثل فيها هذا الموقف ، ويفيض منها هذا العذاب . . حالات ناس عرفوا دين الله وذاقوه - أياً كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة ، تحت قهر الخوف والطمع . . ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير . . وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة ، وماذا يعني هذا التعبير!) .
قوله (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (71) هذا هو المنهج الذي يريده الله ، منهج يقوم على الاستسلام لله والانقياد لحكمه والوقوف بين يديه وإطاعة أمره واجتناب نواهيه ، المنهج الذي يذكرنا باليوم الآخر ، نتذكر اليوم الذي نقف فيه ونحشر أمام الله مجبرين .
أما الذين يعيشون في حيرة وتيه فهم الذين دعاهم القرآن إلى الهدى ليهتدوا به ، وليس ثمة هدى دون التسليم لله رب العالمين ، وليس ثمة هدى دون إقامة شرعه وأول ذلك إقامة الصلاة ، وليس ثمة هدى دون أن تنهى الصلاة العبد عن الفحشاء والمنكر ، وليس ثمة هدى دون تذكر المصير الأخروي ، فإذا اهتدى العبد للطريق فإن قلبه لابد وأن ينشرح وهو يمضي في طريقه إلى الله ، قال رسول الله (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) ، قال ابن تيمية (الرِّضَا بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ " فَأَصْلُهُ وَاجِبٌ ، وَهُوَ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْمَحَبَّةِ قَالَ تَعَالَى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .
وإضافة (رب العالمين) للاستسلام يؤكد أن الإنسان مطالب بأن يستسلم الله اختيارا كما استسلم الكون كله لله اضطرارا ، فإذا استسلم الجسد لقدرة الله ، أفلا يستسلم الإنسان بقلبه لله ، (فالوجود كله يستسلم للقوانين التي وضعها الله له ؛ ولا يملك الخروج عليها ، والإنسان – كذلك- يستسلم تركيبه العضوي لهذه القوانين ، ولا يملك الخروج عليها . . فجسده يعمل بطريقة لا يستطيع أن يتدخل فيها أو يوقفها القلب يضخ الدم والرئتين تستنشق الهواء وتخلطه مع الدم ، والأمعاء تمتص الغذاء من الطعام وتحوله للدم ، كل ذلك والإنسان لا يتدخل في ذلك مطلقا ، إنما هو الله رب العالمين ، يبقى أن يستسلم قلب الإنسان لله ، وهذا هو جانب الاختيار فيه (اختيار الهدى أو الضلال). . فلو استسلم قلبه كما استسلام كيانه العضوي ، لاستقام أمره ، وتناسق تكوينه وسلوكه ، وجسمه وروحه ، ودنياه وآخرته .. )
قوله (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (72) أي بعد الإيمان والاستسلام الكامل لله تجيء بعد ذلك التكاليف التعبدية والتزكية النفسية : (وأن أقيموا الصلاة واتقوه) فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين ، وسلطانه وتربيته وتقويمه ، ثم تجيء العبادات الشعائرية القائمة على تزكية النفس لتحقيق التقوى) .
قوله (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(72) قوله (وهو الذي..) تكرر في هذه السورة كثيرا ، إشارة إلى الله سبحانه مدبر الأمر ، لكي تخلص القلوب له وحده ، فعندما يكون إليه المنتهى ، وإليه المصير ، وإليه تحشرون ، تتحدد الغاية على نحو دقيق ، فلا يشغل المسلم عنها شاغل ، وقد علم هذه الحقيقة واستيقنها في قلبه .
قوله (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ ..) قال أبو السعود في الآية استئنافٌ لبيانِ أنّ خلقَه تعالى لما ذَكر من السمواتِ والأرض ليس مما يَتوقَّفُ على مادّةٍ أو مُدّة بل يتَمّ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير توقفٍ على شيءٍ آخَرَ أصلاً) .
يقول الشعراوي (إياك أن تغرك الأسباب ولكن سلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى الله)
وقال ابن عاشور (والمعنى أنه أنشأ خلق السماوات والأرض بالحق، وأنه يعيد الخلق الذي بدأه بقول حق، فلا يخلو شيء من تكوينه الأول ولا من تكوينه الثاني عن الحق) .
قوله (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)(73) أى : أن الملك لله تعالى وحده فى ذلك اليوم فلا ملك لأحد سواه) ، كقوله (لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار) (غافر ) ، قال أبو السعود (تقييدُ اختصاصِ المُلك به تعالى بذلك اليومِ مع عموم الاختصاصِ لجميع الأوقات لغاية ظهورِ ذلك بانقطاعِ العلائقِ "المجازيةِ" الكائنةِ في الدنيا ، المصحِّحة للمالكيةِ المجازية في الجملة) ، يَقُولُ رَسُولَ اللَّهِ (يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ) ، وفي رواية (يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ..) .
يقول صاحب الظلال (إن تصور حقيقة الحشر يوحي للناس بأن يستسلموا لله رب العالمين قبل أن يقفوا أمامه مسؤولين ، فيكون تصور هذه الحقيقة موحياً بالاستسلام في المبدأ ، ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير!) .
المطلب الثالث
محاججة النبي قومه
وفيه ست مسائل :-
انتقال إلى نموذج عملي بين كيف واجه النبي قومه بالدعوة الإسلامية ، وطريقته محاججة لهم
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (90)
قوله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً ..) (74) في البداية حاول نبي الله إبراهيم محاولة صريحة وقوية لإنكار المنكر وهو لا يخشى في الله لومة لائمة رغم أنه لا يملك شيئا من أسباب القوة لدفع المنكر ، فأنكر المنكر في مواجهة أبيه وقومه ، ذلك أن (العقيدة فوق روابط الأبوة والبنوة ، وفوق مشاعر الحلم والسماحة) ، ويظل يحاجهم ويناظرهم ويحثهم علي النظر والتفكر ، فقال لأبيه: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً) إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى) ، لأن كل ما سوى الله فهو باطل ، كما قال النبي (أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ) ، قال بعض الحكماء (كل ما عبد من دون الله، بل كل ما يشغل عن الله تعالى يقال له: "صنم" .
وعلى هذا الوجه قال إبراهيم (اجنبني وبني أن نعبد الأصنام) [إبراهيم 35] ، ومعلوم أن إبراهيم مع تحققه بمعرفة الله تعالى، واطلاعه على حكمته لم يكن ممن يخاف أن يعود إلى عبادة تلك الجثث التي كانوا يعبدونها ، فكأنه قال: اجنبني عن الاشتغال بما يصرفني عنك) .
فقوله (..إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (74) أنكر عليهم دون شفقة أو ترخص ، موضحا لهم سوء عبادتهم وضلالهم المبين دون خجل منه ولا مواربة ، وذلك هو الحب الحقيقي الذي يقدمه المسلم لقومه ، وهذا هو الانتماء الحق لأبيه وقومه ، فلا يهادنهم في الحق ولا يسايرهم في ضلال ، وإنما يبصرهم الهدى وينكر ضلالهم دون استشعار لحرج .
وقوله (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75) قال ابن عجيبة (العارف يرى الحق في الخلق كقول بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه)
وقال ابن تيمية (وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ : مَا رَأَيْت شَيْئًا إلَّا وَرَأَيْت اللَّهَ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ رَبُّهُ وَالرَّبُّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ رَأَيْت اللَّهَ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ آيَتُهُ وَدَلِيلُهُ وَشَاهِدُهُ ؛ وَالْعِلْمُ بِالْمَدْلُولِ بَعْدَ الدَّلِيلِ أَوْ رَأَيْت اللَّهَ فِيهِ بِمَعْنَى ظُهُورِ آثَارِ الصَّانِعِ فِي صَنْعَتِهِ فَهَذَا صَحِيحٌ) .
وكذلك رأى نبي الله محمد ربه في الدنيا بمعنى رأى قدرته في ملكوته ، قال رسول الله (رأيت ربي في أحسن صورة قال فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت أنت أعلم يا رب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماوات والأرض وتلا (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) ، إذ اتفق المحققون من أهل السنة والجماعة على أن هذه الرؤية وقعت في المنام (الرؤيا)، لا في اليقظة الدنيوية ، وبناءً على ذلك انحسم الخلاف في امتناع رؤية الله بـ"عين اليقظة" في الدنيا.
وهكذا ارتقي نبي الله إبراهيم عليه السلام في الفهم ، ليدرك حقيقة الملكوت وأن فاعلية الأسباب بيد الله وحده ، قال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) ، فالله تعالى بيده ملكوت السماوات والأرض ، والأسباب ما هي إلا خلق من خلق الله تعالى ، فالاعتماد علي الأسباب شرك ، فلا يعبد السبب ، ولكن يتمسك به ، مع العلم بأن الله هو مسببه ، قال ابن عجيبة (أهل السير من المريدين يشهدون الكون ثم يشهدون المكون عنده) .
في قوله (..وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (75) فنبي الله إبراهيم كان يرى قدرة ربه في كل عمل وفي كل حال ، وهو يدرك تماما أن ما من حركة ولا سكنة في السماوات والأرض إلا وقد صرفها الله على هذا النحو ، ولكن هذا الإدراك يسمى باليقين ، لكنه عندما يعاين الملكوت يزداد يقينا بالمعاينة فيسمى ذلك بعين اليقين ، فإذا ما تعايش مع الملكوت واستشعر به وتعلم أسبابه وقوانينه ازداد يقينا على اليقين ، وتلك المرحلة تسمى بعين اليقين ، ولذلك روي ابن أبي الدنيا عن خالد بن معدان ، قال : «تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني أتعلمه » ، ففي الحديث قال النبي لأبي هريرة (اذْهَبْ .. فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) ، فإذا استيقن القلب أن إلى الله المصير وعمل لهذا اليوم فقد حظى بتلك البشرى ، أي بالجنة .
فالمحصلة أنه يتوصل إلى إدراك مرتبة اليقين بالتفكر في الملكوت أي (خلق الله) ، فعن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي-أي بالأذان- فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ، فقوله (يقينا) هو ما يبين شرط دخول الجنة إذا ما أديت العبادات واتبعت الشعائر ، حيث يلزم أن يكون القلب موقنا بها ، وهو ما حصله نبي الله إبراهيم في عبادته لربه .
فأمور الغيب تدرك في الدنيا باليقين ولا تدرك بعين اليقين لأنها غيب ولا بحق اليقين لأنها لم تباشر ، ويكفي للإيمان بها مجرد اليقين ، لكن ذلك لا ينفي أن يصل العبد لأعلى مراتب اليقين دون معاينة ولا مباشرة ، فعن الحسن قال : « ما أيقن عبد بالجنة والنار حق يقينهما إلا خشع ووجل ، وذل واستقام ، واقتصر حتى يأتيه الموت » .
وعليه فإن مراتب اليقين تنقسم إلى ثلاثة :-
1- علم اليقين
2- عين اليقين
3- حق اليقين
قال ابن القيم (ذكر الله سبحانه في كتابه مراتب اليقين وهي ثلاثة : حق اليقين وعلم اليقين وعين اليقين كما قال تعالى ( كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين) فهذه ثلاث مراتب لليقين أولها عليه وهو التصديق التام به بحيث لا يعرض له شك ولا شبهة تقدح في تصديقه كعلم اليقين بالجنة) ، وهذه المرتبة هي أول مراتب اليقين وهي علمه وتيقنه وهي الكشاف المعلوم للقلب بحيث يشاهده ولا يشك فيه كانكشاف المرئي للبصر ثم يليها المرتبة الثانية وهي مرتبة عين اليقين ونسبتها الى العين كنسبة الاول الى القلب ثم تليها المرتبة الثالثة وهي حق اليقين وهي مباشرة المعلوم وإدراكه الادراك التام) .
وقد تبوأ نبي الله إبراهيم مرتبة حق اليقين عندما أدرك صنع الله في ملكوته وكيف أنه أبطل فاعلية النار بكوني بردا وسلاما فكانت كذلك ، قال الشعراوي (سيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في كل أدوار حياته؛ لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك ، ما وراء مظاهر الأشياء؛ وعواقبها ، فعندما أُخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول : ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم : أمّا إليك فلا ، ويقول ذلك وهو يعرف أن النار تحرق ، ولكن هذا ظاهر المُلك وظواهر الأشياء ، وسيدنا ابراهيم يعلم أن الذي خلقها جعلها محرقة ، ويستطيع ألا يجعلها محرقة ، وهو متيقن به ، ولذلك لم يطفئ الله النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليّاً لأعناق خصومه ، فأوضح الحق : يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق ، وأنا أقول لك الآن : لا تحرقي (قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ) [الأنبياء : 69] إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء المُلك الظاهر) .
والذي يحول بين الإنسان ودرجات اليقين هو الانشغال بغير الله ، وكلما قل ذلك الانشغال كلما زاد اليقين ، يقول الرازي (نور جلال الله تعالى -شرعه- لائح غير منقطع ولا زائل البتة ، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب –أي محجوبة من الرضا-، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى ، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل التجلي) ، أي تجلي قلب المؤمن لنور الله –حكمه وشرعه- الذي يقذفه فيه بعد إزالة هذه الحجب.
قوله (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) استلهم إبراهيم عليهم السلام من النظر في الملكوت حججا لإبطال ضلال قومه في عبادة غير الله ، ولم يتكلف في الأمر بل إنه نظر في وقت الليل تارة ووقت النهار تارة دون أدنى تكلف ، فوجد الظرف الذي يحيط به في الليل وقد ظهر القمر ، وكذلك الظرف الذي يحيط به في النهار فوجد الشمس ، فأثبت أنهما حدثتان ومتغيرتان ، والله تعالى ليس بحادث يعرض ولا بمتغير ، فأبطل عبادتهم للكواكب من هذا المنطلق .
وفي هذا الصدد لابد من الوقوف على أمرين في حجة إبراهيم التي قدمها لقومه ، أحدهما أمر إثبات والآخر نفي
فأما الأمر الأول فهو قوله (هذا ربي) : قال الرازي (يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي ، على سبيل الإخبار ، بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وآلههم ، فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله) .
والأمر الثاني هو إثباته لأفول الكواكب ، لأن (الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها)
قال ابن الجزي (أي لا أحب عبادة المتغيرين ؛ لأن التغير دليل على الحدوث ، والحدوث ليس من صفة الإله ، ثم استمرّ على ذلك المنهاج في القمر وفي الشمس ، فلما أوضح البرهان ، وأقام عليهم الحجة ، جاهرهم بالبراءة من باطلهم)
قال ابن عجيبة (التغير بالاستتار والانتقال يقتضي الإمكان والحدوث وينافي الألوهية)
وقال أبو حيان الأندلسي (أي لا أحب عبادة الآفلين المتغيرين عن حال إلى حال المنتقلين من مكان إلى مكان المحتجبين بستر ، فإن ذلك من صفات الأجرام وإنما احتج بالأفول دون البزوغ ، وكلاهما انتقال من حال إلى حال ، لأن الاحتجاج بالأفول أظهر لأنه انتقال مع خفاء واحتجاب ، وجاء بلفظ "الآفلين" ليدل على أن ثم آفلين كثيرين ساواهم هذا الكوكب في الأفول فلا مزية له عليهم في أن يعبد للاشتراك في الصفة الدالة على الحدوث) .
قوله (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) وجهي أي (قصدي) ، قال الواحدي أَيْ : (جعلت قصدي بعبادتي وتوحيدي لله عزَّ وجلَّ) ، قال ابن تيمية (فَإِقَامَةُ الْوَجْهِ ضِدُّ إزَاغَتِهِ وَإِمَالَتِهِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، فَإِذَا قَوَّمَ قَصْدَهُ وَسَدَّدَهُ وَلَمْ يَنْحَرِفْ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا كَانَ قَصْدُهُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال رسول الله (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ وَكَانَ يَقُولُ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يَخْفِضُهُ وَيَرْفَعُهُ)
قوله (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أي: (إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه) .
فإذا قيل لك : بم عرفت ربك ؟
فقل : بآياته ومخلوقاته ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومن فيهن وما بينهما ، والدليل قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت 37]
وقوله تعالى ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف54] .
كذلك قيل لبعض الاعراب بم عرفت ربك فقال البعرة تدل على البعير وآثار الخطا تدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج كيف لا تدل على العلي الكبير ، وقد أشارت الرسل عليهم السلام إلى هذا المعنى في قوله تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)(إبراهيم11) .
وقوله (..حَنِيفًا..) (79) مائل عن الباطل والاعوجاج إلى الحق والاستقامة ، قال القرطبي (و"حنيفا" مائلا عن الأديان المكروهة إلى الحق) ، مأخوذ من الميل والاعوجاج ، قال الشعراوي (الحنف هو الاعوجاج ، فالعدول عن المعوج استقامة ) ، ولذلك قيل نفي النفي إثبات (فالحنيف المائل إلى العبادة) ، (فالأحنف الذي تميل قدماه كل واحدة منهما إلى أختها بأصابعها)
قال الأصفهاني (مَيْلٌ مِن الضَّلالِ إِلَى الاسْتِقَامةِ) ، يعني: (متبعًا أمرَ الله وطاعته، مستقيمًا على محجَّة الهدى التي أمر بلزومها) .
وقوله (..وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (79) قال النسيابوري (لا شركاً جلياً ولا شركاً خفياً ) ، هذا نتيجة لتوجيه القصد -في كل عمل - لله بإخلاص ، والميل عن الضلال إلى الاستقامة على الهدى ، فكان مؤدى ذلك ولازمه الاحتراز من الشرك بالله تعالى ، ونتائج هذا الإعلان بأنه لا يشرك بالله ، أنه لا يرضي لنفسه غير الإخلاص لله دينا ، ولا يأبه برضاء قومه عنه في معصية الله ، ولا يبالي بغضبهم منه في طاعة الله ، أي أنه يعلن تبرؤه من شركهم صراحة ، وأنه لا يقبل أن يساومه أحد في هذه المسألة ، ولو قيد أنملة .
قوله (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) (80) أي بعد أن قدم إبراهيم لقومه الحجة الدامغة ، فإنه ليس بحاجة لأن يأتي بحجة تعضدها ، وليس عليه أن يستطرد في الإتيان بالحجج ، بل الواجب عليه –بعد ذلك - أن ينشغل ببيان أحكام الإسلام وشريعته لمن يتبعه من المسلمين ، فكان لابد وأن يقتصد في محاجاتهم ليفرغ إلى التزكية أي "التربية لمن اتبعه" ، وليس عليه أن يبارز الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان ، فقد قدم الدليل الدامغ على الحق وكفى .
بيد أنه وقبل أن يشرع في ذلك وجه إليه المشككون وابل من الحجج المصطنعة ليعطلوه عن دعوته ، ويبادلونه الحجة بالحجة فيحاجونه كما يحاجهم ، قال الإمام البقاعي (ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من الشمس ، عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه ، ولما كان من المعلوم أن محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض ، نزه المقام عن ذكرها ، إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر ، وبين جوابه لما فيه من الفوائد الجمة بقوله : ( قال ) أي بقول منكراً عليهم موبخاً لهم (أتحاجوني)
قوله (..أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ..) (80) أي في وحدانيته ، وهنا يأت الرد من القلب السليم المطمئن بذكر الله ، فيقول لهم مستنكرا (أَتُحَاجُّونِّي) قال ابن عاشور (الاستفهام إنكار لعدم تذكرهم مع وضوح دلائل التذكر ، والمراد التذكر في صفات آلهتهم المنافية لمقام الإلهية، وفي صفات الإله الحق التي دلت عليها مصنوعات)
وهذا إن دل فإنه يدل على سعة صدر النبي وقبوله لمحاجاتهم وبقدرها ، لكنهم ما لبثوا أن انقلبوا عليه وبدأوا بتهديده وإخافته ، فهم ليسوا بأهل فكر ولا يحترمون الحجة ، وإنما الشرك يعني القمع وهو الترجمة الحقيقية لكبت الحريات ، ولذلك رد عليهم بأنه لا يخاف ما يخوفونه به .
قوله (..وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا..) (80) قال ابن عجيبة أي : (لا أخاف معبوداتكم أن تصيبني بشيء؛ لأنها جوامد لا تضر ولا تنفع ، إلا أن يشاء ربي شيئًا أن يصيبني بقدَره وقضائه ، فإنه يصيبني لا محالة ، لا بسببها) ، لأنه أيقن أن الضر والنفع من الله ، فإذا أصابه ضر فليس منهم في شيء وإنما هو قدر الله وابتلاءه لعبده ، وقد رضي به وصبر عليه ، قال أبو السعود (أي لا أخاف ما تشركونه به سبحانه من معبوداتكم في وقتٍ من الأوقات إلا في وقتِ مشيئتِه تعالى شيئاً من إصابة مكروهٍ بي من جهتها ، وذلك إنما هو من جهته تعالى من غير دَخْلٍ لآلهتكم فيه أصلاً) .
وقد ثبت في السيرة أن النبي أصيب بالسحر نتيجة أعمال لبيد الأعصم ، فكان ذلك بقضاء الله وقدره ، وقد شفاه الله منه ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهُوَ عِنْدِي لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ..ثم قالت عائشة في آخر الحديث (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ –أي السحر من مكانه- قَالَ (قَدْ عَافَانِي اللَّهُ) ، فاستغنى بذلك عن استخراجه وقد عافاه الله .
وفي قوله (..وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا..) (80) قال أبو حيان (ذكر عقيب الاستثناء سعة علم الله .. فلا يستبعد أن يتعلق علمه بإنزال المخوف بي إما من جهتها .. أو مطلقاً) .
فالله يجعل للضر أسبابا ، ليتدبر الإنسان ضعفه ، (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ (النساء: 28) ، ولا يغتر بقوته ، (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (النازعات 27) ، فيجعل غيره ، ومن هو أضعف منه قادر على أن يقهره ، من ذلك الفيروسات والأمراض فإنها تهلك أعتى العتاة ، ولا يخفي من ذلك حكم كثيرة ، فها هي الجبال الرواسي الشامخات من أشد مظاهر القوة في الأرض يقطعها الحديد الذي فيه بأس شديد ومنافع للناس ، والحديد تذيبه النار بحرارتها العالية ، والماء يطفء النار ، والسحاب يحمل الماء ، والريح تعبث بالسحاب فترسله يمينا وشمالا ، والإنسان يتقي الريح بثوبه وبيته ، والنوم يغلبه ويقهره ..الخ .
ولعلنا نلحظ ذلك من سيرة الأنبياء يوسف ويعقوب وأيوب وسليمان ويونس وموسى ..الخ ، فلكل قصة منها حكمة فيما ابتلاه الله منهم بشيء من الضر.
فجعل مس الشيطان سببا لأن يصيب نبي الله أيوب الضر ، فقال (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ) (ص41)
وكذلك فُتن سليمان ، وسلب ملكه (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ) (ص34)
وكذلك فتن موسى لما سحرت عينه وأعين الناس واسترهبوهم (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف 116) ، وفي سورة طه (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى) (طه 68)
كذلك فتنة يونس لما التقمه الحوت وهو مليم (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (المؤمنون 88)
وفي قوله (..أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ) (80) قال الشعراوي (يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة ، وإقبال النفس على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة ، فليس المطلوب منك أيها الإنسان إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر) .
قوله (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ..) (81) قال ابن عاشور (ذلك إثبات أن المتصرف المطلق في أحوال الموجودات هو الله تعالى بعد أن أثبت بالجمل السابقة أنه محدث الموجودات كلها في السماء والأرض) .
ذلك أن المشركين دوما يخوفون أولياء الله فيقولون (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) ، وأولياء الله لا يخافون إلا الله ، فلا يأبهون لقولهم ، بل يتعجبون ويستنكرون أن يخوفونهم غير الله ، كما في قوله (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران 175)
قوله (..وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا..) (81) قال القطان (إنه لمن العجب أن أخاف ألهتكم الباطلة ولا تخافون أنكم عبدتم مع الله ، الذي لا إله إلا هو ، آلهةً باطلة!؟ ) ، وفي ذلك إبطال لتهديدهم إياه بأن ينزل به ضر منهم ، بالإتيان بتهديد مثله ، وهو الحق ، ذلك أنهم إذا زعموا عدم خوفهم من الله الذي اشركوا معه غيره ، فإذا كان هذا هو زعمهم ، وقد هددوه بأن يصيبه الضر من آلهتهم ، فإنه من حقه كذلك أن يعلن لهم في ثقة أنه لا يخاف ما يخوفونه به من تهديدات ، وذلك من باب التحدي لهم وإثبات الثقة في الله ، بل ويهددهم بالله أن يعاقبهم على شركهم به ، فكيف يأمنون عقابه ، أي إنه إذا كان أهل الباطل يدافعون عن باطلهم ولا يخشون الله ، بل ويموتون من أجل باطلهم ، فأولى بأهل الحق أن يدافعوا عنه جهارا نهارا ولا يخشون في الله لومة لائم ، ولا يهابون الموت لأجل إعلاء كلمة الله.
قوله (..مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا..) (81) أي أنكم تعبدون هذه الآلهة بدون دليل من الشرع ، فلم ينزل وحي يوحى بإجازة عبادتها ، أو اعتبارها وسطاء كما تزعمون ، فليس لكم مستند من العقل ولا من النقل ، فعلام تعبدون ما ليس لكم فيه دليل ، إلا أن تكون عبادتكم هذه إلى ضلال ، لأن الأصل في العبادة المنع إلا بدليل ، فإذا لم تأتوا بالدليل فلا شك أنها باطلة دون حاجة لإثبات ذلك .
قال أبو حيان (والسلطان الحجة ، والإشراك لا يصح أن يكون عليه حجة ، وكأنه لما أقام الدليل العقلي على بطلان الشركاء وربوبيتهم ، نفى أيضاً أن يكون على ذلك دليل سمعي ، فالمعنى أن ذلك ممتنع عقلاً وسمعاً فوجب إطراحه) .
قوله (..فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (81) قال الشعراوي (وهذا منتهى الحيدة في الجدل ، فلم يصرح بأن منهجهم هو الضلال ، وأن منهجه هو الصواب المستقيم ثقة منه أنهم حين يستعرضون منهجه ويستعرضون منهجهم سيحكمون بأنه على هدى وأنهم على ضلال ، وهذا هو الجدل الارتقائي ، مثلما يعلم الحق رسوله ليقول لخصومه (وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [ سبأ : 24 ] (قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [ سبأ : 25 ] .
إذن الشعور بالإمن هو رهين بالإيمان ، فعندما يؤمن العبد بالله يعطيه الله شعورا بالأمان في قلبه لا يفارقه ، كما في قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28)، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة277) ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام: 82).
بينما يشعر الكافر بالله بالخوف والفزع ، ولا يشعر بالأمن إطلاقا لا في الدنيا ولا في الآخرة ، كما في قوله ) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151].
قوله (الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (82) جملة الصلة بتعريف الآمنين من عذاب الله يوم القيامة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ " الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ " شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَقَالُوا أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، جاء في الشرح (ولم يلبسوا أي لم يخلطوا) ، أي (لا تخلط الإشراك بالإيمان بالله وسائر ما يجب الإيمان به إن الشرك لظلم عظيم استئناف تعليل أي فإنه يبطل الإيمان ويستأصله ولا يجتمع معه أصلا فضلا عن غيره من الأعمال) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) .
قوله (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (83) قال الشيخ سيد طنطاوي أى : (وتلك الحجة التى لا يمكن نقضها أو مغالبتها فى إثبات الحق ..أعطيناها إبراهيم ليكون مستعلياً بها على قومه ، قاطعاً لألسنتهم عن المجادلة والمخاصمة)
قال الرازي (جميع مخلوقات الله تعالى دالة على وجود الصانع وقدرته باعتبار واحد ، وهو أنها محدثة ممكنة ، وكل محدث ممكن فهو محتاج إلى الصانع ، وإذا عرف الإنسان هذا الوجه الواحد فقد كفاه ذلك في الاستدلال على الصانع .. ، وكأنه- إبراهيم- قد طالع جميع الملكوت بعين عقله وسمع بأذن عقله شهادتها بالاحتياج والافتقار) أي الاحتياج لله والافتقار له ، فما من مخلوق إلا ظهرت فيه الحاجة والافتقار لخالقه .
ويعلق صاحب الظلال على رحلة إبراهيم الشائقة مع الفطرة الصادقة بأنها (رحلة من نقطة الإيمان الفطري إلى نقطة الإيمان الوعي! الإيمان الذي يقوم عليه التكليف بالفرائض والشرائع؛ والذي لا يكل الله - سبحانه - جمهرة الناس فيه إلى عقولهم وحدها ، فيبينه لهم في رسالات الرسل ، ويجعل الرسالة - لا الفطرة ولا العقل البشري - هي حجته عليهم ، وهي مناط الحساب والجزاء ، عدلاً منه ورحمة ، وخبرة بحقيقة الإنسان وعلماً) .
قوله (..نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (83) أي: (علا بها عليهم، وفلجهم بها) ، فعن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ) قَالَ (بِالْعِلْمِ) ، وهكذا كان المسلمون هم السابقون في علم المناظرة والكلام والجدال بالحق ، وهو ما يسميه البعض بعلم (المنطق) أو (الفلسفة) أو (الحكمة) .
فرفع الله نبيه إبراهيم على النمرود الذي أله نفسه ، وأراد محاجاة إبراهيم فبهته إبراهيم بالبرهان (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [ البقرة : 258] .
قوله (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (87) قال النيسابوري (اعلم أن الله تعالى ذكر أربعة من الأنبياء وهم : نوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب ، ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر نبياً : داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى والياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً، فالمجموع ثمانية عشر ، وأنه لم يراع الترتيب بينهم في الآية لا بحسب الفضل والشرف ولا بحسب الزمان والمدة)
وقال الشعراوي (وأنت إن نظرت إلى هؤلاء الثمانية عشر نبياً المذكورين هنا ، ستجد أنهم من الخمسة والعشرين رسولاً الذين أمرنا بالإيمان بهم تفصيلا ، أي بقى سبعة وهم (إدريس هود شعيب صالح وكذا ... ذو الكفل آدم بالمختار وقد ختموا) ، وهؤلاء السبعة مشار إليهم بقولهم (وَمِنْ آَبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ) فهم جميعا إما أباء لأنبياء مثل آدم أو من ذرية الأنبياء وكذلك أخوة لأنبياء سواء في النسب مثل موسى وهارون أو في الزمن مثل لوط وإبراهيم.
فقد استجاب الله لدعوة نبيه إبراهيم حيث أبدله الله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وبارك في ذريته فجعلهم أنبياء ، قال تعالى (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) (إبراهيم 40) ، وأظن والله أعلم أن جمعهم في هذا الموضع والإشارة إلى أنهم ذرية بعضها من بعض ، أو لأنهم أخوان مثل أخوة موسى وهارون في النسب ، وأخوة إبراهيم ولوط عليهما السلام في الدعوة ، للتأكيد على أن نبي الله إبراهم لما خاصم أبيه وقومه في الله لما رفضوا دعوته وحاولوا حرقه ، فإن الله تعالى بارك في ذريته وأصحابه فجعلهم أنبياء ، ليعلم الناس أن دعوة الإسلام لا تفرق بين الأب وابنه ولا الأخ وأخيه كما اشتهر الإفتراء علي النبي من كفار قريش بأنه (فَرّقَ جَمَاعَتَنَا وَشَتّتَ أَمْرَنَا وَإِنّمَا قَوْلُهُ كَالسّحْرِ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) ، بل على العكس من ذلك فإن الإسلام يحث المرء على أن يبدأ في دعوته بأقرب الأقربين إليه ، قال تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(الشعراء 214) ، وقد بارك الله في ذرية نبيه إبراهيم فكانوا أنبياء .
لكن يجب الاحتراز والفهم أنه إذا وقف النسب أو وقفت صلة القربى أمام الدعوة فلا يحول بين مضيها في طريق الحق حائل كما كان في قصة إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).
قوله (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) قال ابن كثير أي: (إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله وهدايته إياهم) ، قال الرازي (المراد من هذه الهداية : الإرشاد إلى النبوة والرسالة ، لأن الهداية المخصوصة بالأنبياء ليست إلا ذلك) ، وقال (واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الهدى هو معرفة التوحيد وتنزيه الله تعالى عن الشرك ، لأنه قال بعده : (وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [ الأنعام : 88 ] وذلك يدل على أن المراد من ذلك الهدي ما يكون جارياً مجرى الأمر المضاد للشرك) .
قوله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (88) هذه الآية تثبت عصمة الأنبياء عن الشرك بالله تعالى ، وذلك قبل البعثة أو بعدها ،)قال أهل اللغة (لو))- هو حرف امتناع لامتناع – أي امتناع الجواب لامتناع الشرط، وهذا الحرف لا عمل له- أي أنه شرط غير جازم) (حرف شرط يدل على امتناع وقوع جوابه ، لأجل امتناع وقوع شرطه) ، قال الشعراوي (وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم) .
قال ابن تيمية (الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ عَنْ الْكَبَائِرِ دُونَ الصَّغَائِرِ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ الطَّوَائِفِ حَتَّى إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْكَلَامِ) ، قال النيسابوري (يعني ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره فعبدوا معه غيره (لحبط عنهم) أي بطل عنهم وذهب عنهم ما كانوا يعملون)
ونظير ذلك قوله (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر 65-66) ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ) ، فالأنبياء أخلص الناس لله ولا يريدون من عملهم جزاءً ولا شكورًا.
قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) "الكتاب" كناية عن المنهج الرباني الذي كلف الله به عباده أي الشريعة المتبعة ، "الحكم" وهو قوة السلطان ، لأن السلطان حارس للشريعة ، وقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم ، و"النبوة" الدعوة للحق ، ويرثها أنبياء عن أنبياء ، كما في الحديث (كلما مات نبيه خلفه نبي بعده) ثم يرثها عنهم العلماء كما في الحديث (العلماء ورثة الأنبياء)
قال الشعراوي (والحق سبحانه وتعالى لم يجعل من الأنبياء ملوكا إلا اثنين "داود وسليمان" حتى يعطينا فكرة أن الله إذا أراد أن يقهر خلقاً على شيء لا يقدر عليه أحد يبعث مَلِكاً رسولاً؛ لأن المَلِك لا يقدر عليه عبد لأنَّ القدرة معه ، والمجتمع آنذاك كان في حاجة إلى ملك يدير أمره ويضبط شأنه ، وسبحانه لا يريد الإيمان بالقوة والخوف والرهبوت إنما يريده بالاختيار ، ولذلك جعل أغلب الأنبياء ليسوا ملوكاً) .
قوله (.. فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ) (89) أي إن تنكب عن حمل أمانة الدعوة قوم ، حمَّلها الله لقوم غيرهم يستخلفهم بدلا منهم يكونوا خيرا منهم وأهلا لحملها ، قال العثيمين (المراد "بالتوكيل" الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون) ، قال ابن تيمية (فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ - وَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ - لَا يَضُرُّونَ الْإِسْلَامَ شَيْئًا ، بَلْ يُقِيمُ اللَّهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ وَيَنْصُرُ دِينَهُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ) .
قال ابن عاشور (التوكيل هنا استعارة ، لأن حقيقة التوكيل إسناد صاحب الشيء تدبير شيئه إلى من يتولى تدبيره ويكفيه كلفة حفظه ورعاية ما به بقاؤه وصلاحه ونماؤه ، يقال : وكلته على الشيء ووكلته بالشيء فيتعدى بعلى وبالباء . وقد استعير في هذه الآية للتوفيق إلى الإيمان بالنبوءة والكتاب والحكم والنظر في ما تدعو إليه ورعايته تشبيها لتلك الرعاية برعاية الوكيل ، وتشبيها للتوفيق إليها بإسناد النظر إلى الوكيل ، لأن الوكالة تقتضي وجود الشيء الموكل بيد الوكيل مع حفظه ورعايته ، فكانت استعارة " وكلنا " لهذا المعنى إيجازا بديعا يقابل ما يتضمنه معنى الكفر بها من إنكارها الذي فيه إضاعة حدودها) .
إذن في الآية ذكر لفظين " الإيتاء" و "وكلنا" ، فالإيتاء للكتاب ، ووكلنا أي عهدنا لأهل الكتاب القيام بأمر الدعوة ، فالوكالة تعني إسناد الأمر إلى من يتولى الحفظ والتدبير والرعاية ، أما الإتياء فيعني الأخذ ولا يلزم منه إسناد الأمر لمن يحفظه ويقوم عليه) ، وهذا هو ما وقع فيه بعض أهل الكتاب الذين حرفوه وبدلوه .
وفي مفهوم الوكالة عن الله قال ابن القيم الجوزية (فوكالة الرب عبده أمر وتعبد وإحسان له وخلعة منه عليه لا عن حاجة منه وافتقار إليه كموالاته) ، وقال ابن القيم (فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعا لهم) .
ويقول صاحب الظلال (وهذا يدل على أن أهل الخير دائما وكلاء عن الله؛ لأن الذي يمد يده بالمعونة لضعيف من خلق الله؛ هذا الضعيف قد استدعاه الله إلى الوجود ، ومن يمد يده بالمعونة فقد جعل من نفسه وكيلاً لربنا؛ لأنه يقوم بالمطلوب له - سبحانه - وجعل من نفسه سبباً له؛ لأن الله رب الجميع ، ومربي الجميع ، وراعي الجميع ، ورزّاق الجميع ، وليثق من يقوم بالخير ويجعل من نفسه وكيلاً عن الله في أن يشيع الخير في خلق الله ، ليثق أن الله سيكرمه أضعاف أضعاف ما أعطى) .
والمعنى بهذه الوكالة في الأصل هم الأنبياء وكذا من تبعهم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ " يَعْنِي"أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَالأَنْصَارَ" ، قال قتادة : (وكلنا بها الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرناهم يعني قبل هذه الآية) ، وقال ابن القيم (والقوم الموكلون بها هم الانبياء أصلا والمؤمنون بهم تبعا، فيدخل كل من قام بحفظها والذنب عنها والدعوة إليها ،ولا ريب أن هذا للأنبياء أصلا وللمؤمنين بهم تبعا وأحق من دخل فيها من أتباع الرسول خلفاؤه في أمته وورثته فهم الموكلون بها) .
قوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ) ذلك (أن الأنبياء دينهم واحد، وشرعهم شرع لنا) ، مالم يأت دليل بنسخه ، والمعنى العام يدل على ذلك ، يقول الكيا هراسي (يستدل به على وجوب اتباع شرائع الأنبياء وإلتزامها) ، قال السعدي (أمره الله رسوله أن يقتدي بجميع ما عليه المرسلون من الهدى، الذي هو العلوم النافعة والأخلاق الزاكية، والأعمال الصالحة، والهدى المستقيم .
وهذه الآية أحد الأدلة على الأصل المعروف: [أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه] وشرع الأنبياء السابقين هو هداهم في أصول الدين وفروعه، وكذلك قوله تعالى: " وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ " [الأنعام: 153]، وهذا يعم جميع ما شرعه لعباده، فعلاً وتركاً، اعتقاداً وانقياداً، وأضافه إلى نفسه في هذه الآية لكونه هو الذي نصبه لعباده) .
قال الواحدي (ويحتمل أن يكون فيه تخصيص) أَي : (اصبر كما صبروا؛ فإنَّ قومهم كذَّبوهم فصبروا) ، والمعنيان جائزان معا مفهومان من السياق بلا تعارض .
قوله تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ) (90) قد ألغي الشارع الحكيم حظ المكلفين من الدعوة الإسلامية ، فجعل دعوتهم خالصة لوجهه لا يجوز أن يبتغي المكلف منها أجرًا من غيره ، وهو ما يعني بطريق التضمن إلزام كل نبي أن يتخذ مهنة يقتات منها ليقيم بها دنياه ، ولذلك كان لكل نبي مهنة يكتسب منها قوته وقوت عياله .
فنبي الله آدم كان يصنع اللباس ، ونبي الله نوح كان نجارًا ومهندس تشييد والدليل على ذلك أنه صنع سفينة ضخمة ، ونبي الله إبراهيم كان بناءً فقد بنى الكعبة ، ونبي الله داود كان حدادًا ويصنع الدروع وأمره الله بأن يقدر في السرد ، ونبي الله عيسى كان طبيبا يداوى المرضى ، وهكذا لم يخل نبي من مهنة حتى أن نبي الله محمد عمل بالرعي ثم التجارة وثم الإدارة المدنية ثم الإدارة العسكرية .
قال رسول الله (مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) ، قال العلماء (وليس الإبل لأنها تكسبه الهدوء والسكينة والرفق، إذ لا يمكن أن يتجبّر على شاة صغيرة، أما الجمل فإنه إذا هاج إن لم تتجبر عليه قضى عليك) ، فإذا كانت لكل نبي مهنة فإنه يستعف بمهنته عن رزق قومه ، فلا يسألهم أجرا مقابل دعوته لهم ، وقد حبذا الإسلام أن يكون طيب الطعام من عمل يد المرء نفسه ، فعن رسول الله قال (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ) .
قال تعالى (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
قوله (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (91) قال ابن تيمية أي (مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، وَمَا وَصَفُوهُ حَقَّ صِفَتِهِ) ، فهذه العبارة من جوامع الكلم في علم العقيدة ، وذلك بنفي كل ما قدره البشر في شأن الله تعالى ، فكل ما خطر ببالك فالله سبحانه بخلاف ذلك ، ذلك أن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع العليم ، (فمن لم يوحد الله فما قدر الله حق قدره ، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الخالق والمخلوق في الحب والخوف والرجاء ، كيف يمكن لعاقل أن يسوى بين الملك والمملوك في الاستغاثة والدعاء) .
ومن جهة ثانية فإن الملائكة وإن كانت تعبد الله ولا تعصيه فإنها تقر بأنهم لم يعطوا الإله حقه من العبادة ، ففي الحديث قال النبي (يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت ، فتقول الملائكة : يا رب لمن يزن هذا ؟ فيقول الله تعالى : لمن شئت من خلقي فتقول الملائكة : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ويوضع الصراط مثل حد الموس فتقول الملائكة : من تجيز على هذا ؟ فيقول : من شئت من خلقي فيقول : سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) .
قوله (..إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) (91) الذي أطلق هذه الشبهة وقال : (إنّ الله لا يبعث رسولاً من البشر) ، هذا ما قدر الله حقّ قدره، لأنّه اتهم الله سبحانه وتعالى بأنّه ترك عباده بدون هداية ولا بيان، ولا بيّن لهم طريق الحقّ من طريق الباطل، ولا وضّح لهم) .
وأغلب المفسرين ينسبون هذا القول لكفار قريش ، لأن أهل الكتاب يعلمون أن الله أنزل التوراة والإنجيل ، ولكن لا يستبعد إطلاقهم لمثل هذه الشبهة ويخصون بها محمد ، قال النيسابوري (كفار قريش متشاركين مع اليهود والنصارى في إنكار نبوة محمد ) ، معنى كلامه أن أصحاب هذا القول الباطل هم كفار سواء أكانوا من المشركين أم من اليهود أو من الملحدين ، فجميعهم يتفقون على إفراغ الدين من مضمونه بنفي الرسالة وتجريدها من المنهج ، ليكون الدين عندهم - بنفي الرسالة - بلا منهج صالح للتطبيق ، فيستوون في ذلك بمن لا يؤمنون بإله أصلا .
قوله (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ..) لقن الله نبيه الإجابة على الشبهة التي أثارها مشركي مكة ، وهي نفي الرسالة ، أي نفي المنهج الذي مع النبي ، وذلك بالإشارة إلى التوراة ، فتلك الإجابة تحيلهم للبحث عما سبق القرآن من كتب أنزلها الله على عباده ، أي أحال في إجابته إلى اليهود الذين يؤمنون بموسى عليه السلام عليه ، فهؤلاء هم أهل الكتاب ، ومشركوا مكة يعرفونهم ، ويتعاملون معهم .
قال ابن عاشور : أي (فذكّرهم بأمر لا يستطيعون جحده لتواتره في بلاد العرب, وهو رسالة موسى ومجيئه بالتوراة وهي تدرس بين اليهود في البلد المجاور مكة، واليهود يترددون على مكة في التجارة وغيرها، وأهل مكة يترددون على يثرب وما حولها وفيها اليهود وأحبارهم، وبهذا لم يذكرهم الله برسالة إبراهيم عليه السلام لأنهم كانوا يجهلون أن الله أنزل عليه صحفا) ، ولعل السبب لعدم تذكيرهم برسالة عيسى عليه السلام أن اليهود كانوا منتشرين في جزيرة العرب دون النصارى الذين كانوا يستوطنون الشام ومصر في العهد المكي للنبوة ،ولا يزال المسلمون بلا دولة.
فاليهود كانوا إذاك أقرب للمسلمين من مشركي مكة ، ولعل ذلك إيذان إلى قرب الهجرة إلى المدينة المنورة والاستعداد لمعاملتهم ودعوتهم للإسلام أو مواجهتهم كما جرت بذلك الأحداث .
وبذلك أسبر القرآن عن حجج المشركين ، وقسمها إلى فئات ، فاستبعد الذين لا يؤمنون بكتاب عن تلك المجادلة في هذه المسألة لأن الأولى أن يدور الجدال معهم في المسألة الأصلية وهي أين الله ؟ وما هي صفاته وأسمائه ؟ أما أهل الكتاب فأحرى بهم وحدهم أن يتحروا عن مسألة التصديق بالقرآن الكريم وبعث النبي إليهم .
ولا غرو كذلك في أن يكون المخاطب بهذه الآية بعض مشركي مكة الذين يكنون في صدورهم احتراما لليهود من أهل المدينة وما حولها والذين هم أقرب لليهود من عبادة الأصنام .
قوله (..تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا..) المقصود ذم أهل الكتاب الذين أخفوا الحق وكتموه ، فعمُّوا على أهل مكة حقيقة النبي وهو مكتوب عندهم في التوراة ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، قال الطبري (والمراد منه المكتوب في القراطيس) ، قال القرطبي (هذا لليهود الذين أخفوا صفة النبي وغيرها من الأحكام) .
قال الرازي (فمن المعلوم بالضرورة أن هذه الأحوال لا تليق إلا باليهود) ، ولذلك قال الله في حقهم (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة 75)
وفي قوله تعالى (..وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آَبَاؤُكُمْ)(91) عَنْ قَتَادَةَ قال:"هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَوْمًا آتَاهُمُ اللَّهُ عِلْمًا فَلَمْ يَقْتَدُوا بِهِ، وَلَمْ يَأْخُذُوا بِهِ، وَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِ، فَذَمَّهُمُ اللَّهُ فِي عَمَلِهِمْ ذَلِكَ" ، قال الشوكاني (والخطاب لليهود ، أي والحال أنكم قد علمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم ، .. والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا محمد من الأمور التي أوحى الله إليه بها ، فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ، ولا على لسان أنبيائهم ، ولا علمه آباؤهم) .
وفي ذلك تأكيد على تفاعل اليهود عند نزول آيات القرآن وقد فوجئوا بأنها بينت لهم ما كانوا يخفونه من قبل ، أي وعلى الرغم من أن اليهود حرفوا التوراة وبدلوا أحكامها وأخفوا بعضا منها إلا أنه لا يزال كتابهم مشهورا وإن كان محرفا ، ولا يزال العرب يتحدثون عما عندهم من علم عن الله بذلك الكتاب "التوراة" ، فلما نزل القرآن الكريم وقد أخبرهم ببعض ما كانوا يخفونه من كتبهم ، أضحى ذلك حجة عليهم
قوله (قُلِ اللَّهُ) فذلك إجابة للسؤال السابق (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى) ودلالته أن الذي أنزل التوراة التي تعرفونها ، هو الذي أنزل القرآن الذي تنكرونه ، والدليل هو إخبار القرآن عما في التوراة من أحكام كانوا يخفونها .
وفي قوله (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) أي لا تنشغل بما يثيرونه من شبهات القصد منها تعطيلك عن المضي في طريق الدعوة ، وانشغل باستكمال وظيفتك دون التفات إلى كل حجة يلقونها إليك ، قال الشعراوي (هذا لعب منهم ولن يستطيعوا الصمود أمام الدعوة ، فالدعوة سائرة في طريقها ، ولن يتمكنوا منها أبداً ، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب لا جدوى منه ولا صلة له بالجد) .
قال تعالى (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
قوله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) (92) التفات إلى كتاب الله المبارك ، بالتركيز على ما فيه من خير وفير وبركة عظيمة ، وكنوز جليلة ، كما في قوله (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الأنعام155) ، وقال تعالى (وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) (الأنبياء50) ، وقال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص29) ، فهو كتاب مبارك من كل وجه ، فهو بركة لقارئه ولسامعه ولمتدبره ولمن عمل به واتبعه ، ويكفي من بركته أنه يزيد الإيمان بتلاوته ، قال تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ (الأنفال: 2).
قال الرازي (ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة) .
قال صاحب الظلال (الآية الواحدة تؤدي من المعاني وتقرر من الحقائق ما يجعل الاستشهاد بها على فنون شتى من أوجه التقرير والتوجيه شيئاً متفرداً لا نظير له في كلام البشر) .
وقال الشعراوي (وبركة القرآن غالبة ومهيمنة ، فحجم القرآن مقارنة بحجم الكتب الأخرى أقل ، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب ، ورغم كثرة المؤلفات والتفاسير فيه ما استطاع واحد أن يصل إلى حقيقة المراد من الله؛ لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فكيف تستقبله القرون الأخرى؟! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية به لأنه سيكون كلاماً مكرراً ، إذن فقد بيّن فيه كل شيء ومنه أخذ كل إنسان وزمان قدر ذهنه ، ولو أن القرآن يراد تفسيره لما فسّره أحد غير من انفعل له نزولاً عليه وهو سيدنا رسول الله أيستطيع واحد بعد ذلك أن يقول شيئا في التفسير؟! إذن لو فسره الرسول لجمّده لأنه لا يجرؤ أحد أن يأتي بتفسير بعد الرسول ، وقد علم الرسول أن عطاءات القرآن لا تتناهى ، لذلك لم يفسّره ، بل أوضح بما تطيقه العقول المعاصرة حتى لا ينصرفوا عنه... ، إن القرآن يخاطبنا بأسلوب يحتمله العقل المعاصر ، وإذا ما جدّ جديد نجد الأمر مكنوزاً في القرآن ، ونجد تأويلا جديداً لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به )
قوله (..مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ..) (92) فتصديقه لما في التوراة والإنجيل من أحكام عامة لم يطلها النسخ هو كفيل بإثبات أنه من عند الله تعالى ، لأن العقائد لا تنسخ ، والمبادئ العامة في الأخلاق والمعاملات – كالأمانة والصدق- لا يطولها النسخ ، ولذلك جاء القرآن بتصديق ما فيهما من أحكام اعتقادية ومبادئ عامة ، فمن التزم منهم بتلك الأحكام فهو هو الذي يقبل على الإسلام وصدره منشرح له ، أما من خالف هذه الأحكام التي في التوراة والإنجيل ، ولم يؤمن بها فهذا الذي يجد في صدره حرجا وضيقا وهو يصعد في السماء .
قوله تعالى (..وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا..) (92) فدلالة بركته هو توسع دائرة المؤمنين به حول مكة وأقطارها ، قال ابن عاشور (الاقتصار على إنذار أم القرى ومن حولها لا يقتضي تخصيص إنذار الرسول بأهل مكة ومن حولها، فإن الرسول بعث للناس كافة) ، قال تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً" [سبأ: 28] ، قال الشعراوي (الحول هو المحيط الذي حول النقطة ، وحول كل نقطة قُطْر ، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه النقطة ، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله ، وحول كل مكان يشمل كل مكان) .
وإنما المقصود هو تكليفه بإنذار أم القرى ومن حولها من القرى ، فهذا هو طاقته ووسعه في زمانه ، ثم بعد ذلك انتشر الإسلام إلى ربوع الأرض حتى وصل إلى بلاد الهند والسند شرقا والمغرب والأندلس غربا ، وامتد إلى أطراف ووسط أوروبا شمالا ، ووسط أفريقيا وجنوب آسيا كذلك
تبين الخرائط لامتداد العالم الإسلامي أن مكة المكرمة تتوسط هذا الامتداد عبر التاريخ
قَالَ رسول الله ( النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ ) ، قال طنطاوي (وسميت مكة بأم القرى لأنها مكان أول بيت وضع للناس ، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم ، ولأنها أعظم القرى شأنا وغيرها كالتبع لها كما يتبع الفرع الأصل ، وفى ذكرها بهذا الاسم المبنىء عما ذكر إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة ) .
قوله (..وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (92) أي أقرب الناس للإيمان بالرسالة المحمدية ، وبالقرآن المبارك هم الذين لا ينكرون البعث واليوم الآخر ، فإذا كانت عقيدتهم تؤمن باليوم الآخر ، فإن الرسالة المحمدية تؤكد هذا الاعتقاد ، فيكونون هم أولى الناس بالبلاغ ، قال النيسابوري (لأن أصل الدين خوف العاقبة فمن خالفها لم يزل به الخوف حتى يؤمن ، وفيه أن كفار مكة يبعد منهم قبول هذا الدين لأنهم كانوا لا يعتقدون البعث والحشر) .
بذلك تضمنت الآية إرشاد الدعاة إلى الله إلى ترتيب الخطاب الدعوى وأولويته ، ليكون خطابهم منصب ابتداء على شرح عقيدة الإيمان باليوم الآخر ، قبل الشروع في بيان أن القرآن هو كتاب الله المنزل للبشر ، ولذلك روي عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ : كُنَّا غِلْمَانًا حَزَاوِرَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فَتَعَلَّمَنَا الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ تَعَلَّمَنَا الْقُرْآنَ ، فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا وَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ) ، وعن ابن عمر يقول : لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدثنا يؤتى الإيمان قبل القرآن وتنزل السورة على محمد فيتعلم حلالها وحرامها وما ينبغي أن يوقف عنده فيها كما تعلمون أنتم القرآن ثم قال : لقد رأيت رجالا يؤتى أحدهم القرآن فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما أمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه ينثره نثر الدقل) .
وفي ذلك اختصار كبير لجهد الدعاة إلى الله تعالى ، وذلك عندما يجادلهم الذين كفروا في التصديق بالقرآن الكريم ، وهم في الأساس لا يؤمنون بالآخرة ، فكان الواجب في دعوتهم إعادة ترتيب الخطاب الدعوي ، لينصب - ابتداء – على تصحيح اعتقادهم في قضية البعث والحساب والجزاء حتى يتسنى بعد ذلك الانتقال لقضية الكتاب والمنهج ، فمن آمن بالبعث أشفق على نفسه الحساب ، ومع علم أنه سوف يحاسب على ما يعمل اتقى الله فيما عمل ، ومن ثم يسهل توجيهه فيما يعمله ومالا يعمله .
كما وصفت الآيات المرجو إيمانهم بالله وتصديقهم بالكتاب بأنهم هم الذين يحافظون على الصلاة لله ، قال النيسابوري (يعني أن الإيمان بالآخرة كما أنه يحمل المكلف على الإيمان بالنبي وبالكتاب كذلك يحمله على المحافظة على الصلوات ، وخصت "الصلاة" بالذكر –من جملة التكاليف الشرعية- لأنها عماد الدين وسنام الطاعات ، وكاد المحافظ عليها أن يأتي بأخواتها كلها ويجتنب المنكرات بأسرها) ، إذ لا يخلو دين من صلاة وزكاة ، ولذلك مهما بدل أهل الكتاب في دينهم ، فإنهم يعلمون أن عليهم صلاة وأنها من أعمال القربات إلى الله ، ولذلك قال النبي (لا خير في دين لا ركوع فيه) .
قال تعالى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) ونظير ذلك قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ) (الأنفال 31) ، من ذلك ما روي عن النضر بن الحارث كان يشتري كتبا فيها أخبار الأعاجم فكان يقول للعرب : محمد يحدثكم عن عاد وثمود وأنا أحدثكم عن رستم و اسفنديار) .
قوله (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (93) وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله (غمرات الموت) قال : (سكرات الموت) ، بوب البخاري بابا بعنوان بَاب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ..)، وذكر بعده هذه الآية ، ونظيرها كقوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [الأنفال: 50] ، قال البغوي أي:(أرواحكم كرها) ، لأن (نفس المؤمن تنشط للقاء ربها) ، أما نفس الظالم فإنها تجزع ، وتتأبى أن تخرج طوعا ، قال الرازي (هذا صريح أن النفس غير البدن) .
عَنْ النَّبِيِّ قَالَ الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيَقُولُونَ فُلَانٌ فَيُقَالُ مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وَأَبْشِرِي بِحَمِيمٍ وَغَسَّاقٍ وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ فَلَا يَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَلَا يُفْتَحُ لَهَا فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ فُلَانٌ فَيُقَالُ لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً فَإِنَّهَا لَا تُفْتَحُ لَكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَيُرْسَلُ بِهَا مِنْ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ) .
قال الشعراوي في قول الملائكة للظالمين حين الموت (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) (كأن ملائكة قبض الروح تقول لهم : إن كنتم متأبّين على الله في كثير من الأحكام لقد تأبّيتم على الله إيماناً ، وتأبّيتم على الله أحكاماً ، وتأبّيتم على الله في تصديق الرسول ، فهاهو ذا الحق قد أمرنا أن نقبض أرواحكم ، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق؟ إن كنتم كذلك فليظهر كل منكم مهارته في التأبّي على قبض روحه) ، قال تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)(مريم 69)
قوله (..الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (93) الإفتراء على الله الكذب ، والاستكبار عن قبول آياته هما سببا لحوق عذاب الهون بهم .
قال ابن القيم (عذاب الهون المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت ، ونظيره قوله تعالى (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق) فهذه الاذاقة هي في البرزخ وأولها حين الوفاة فإنه معطوف على قوله (يضربون وجوههم وأدبارهم) وهو من القول المحذوف مقوله لدلالة الكلام عليه)
قوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (94) قال القطان (لقد تأكدتم الآن أنكم بُعثتم أحياء من قبوركم ، كما خلقناكم أول مرة ، وجئتم إلينا منفردين عن المال والولد ، تاركين وراءكم في الدنيا كل شيء كنتم تغترّون به ، إننا لا نرى معكم اليوم أولئك الشفعاء الذين زعمتم أنهم ينصرونكم عند الله ، لأنهم شركاء له في العبادة . . . لقد تقطّعتْ بينكم وبينهم كل الروابط ، وخابت آمالكم في كل ما زعمتم ، فلا فداء ولا شفاعة ، ولا يغني عنكم من عذاب الله من شيء) .
قوله (..وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ..) أي (ما أعطيناكم من الأموال والأولاد) ، فعنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ:" " وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ "مِنَ الْمَالِ وَالْخَدَمِ" ، والمعنى المراد إيصالهم عدم الحرص على الدنيا ، فالإنسان لابد وأن يغادر كل ما فيها ، يقول النبي (يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ) ، وقَالَ (يَقُولُ الْعَبْدُ مَالِي مَالِي إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ مَا أَكَلَ فَأَفْنَى أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ)
قوله (..لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ..) قال رسول الله (يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ) ، المشار إليه الأسباب الدنيوية التي كانت تربط الناس بغير الخالق سبحانه ، ولذلك يقول عز وجل (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ) (البقرة 166).
قوله (..وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) أي لم ينفعكم شيء مما كنتم تعتزون به في الدنيا ، فهو في الآخرة غير نافع ، كما في قوله (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ) [الأحقاف:5، 6]، قال تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ) [مريم:82، 81] .
المحور الثالث
تصحيح العقيدة وتأصيل حق الألوهية بمنهج دعوى بليغ
وفيه ثمانية مطالب بالإضافة إلى مطلب تمهيدي
مطلب تمهيدي "توطئة" : استظهار دلائل القدرة الإلهية كاف لإبطال شبهات الملحدين
المطلب الأول : سرد ضلالات المشركين في الاعتقاد
المطلب الثاني : تصحيح التصور عن الله
المطلب الثالث : ترشيد الجهد الدعوى إزاء عناد المشركين مجادلتهم
المطلب الرابع : إظهار شعار الإسلام أبلغ وسيلة لتصحيح التصور الاعتقادي في الله
المطلب الخامس : الرسل حجة الله علي قومهم
المطلب السادس : مناظرة المشركين في مسألة أن التشريع حق خالص لله ولا لأحد سواه
المطلب السابع : إرشاد الناس للصراط المستقيم باستظهار علة التحريم
المطلب الثامن : استمرار توارث الدعوة رغم صدوف المكذبين وتشيعهم فرقا
مطلب تمهيدي
توطئة : استظهار دلائل القدرة الإلهية كاف لإبطال حجج الملحدين
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99)
لما ذكر الله تعالى أن الذين يؤمنون بالآخرة هم الذين يؤمنون بالقرآن كان مقتضى ذلك أن ينشغل الدعاة في سبيل الله تعالى بتعريف الناس بركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالآخرة ، وعندئذ يكون الإيمان بالقرآن تبعا للإيمان باليوم الآخر ، لكن لما كان أمر الأخرة من الأمور الغيبية ، وكان أمر الكتاب هو إيمان بما هو مشاهد ، وقد يكون تبليغ الناس بأمور الآخرة أصعب من تبليغهم بأمر الكتاب ، ظهرت الحاجة لأن يصور لنا القرآن أمور الآخرة لاسيما البعث بأمور نشاهدها بأعيننا ليُقَرِّب تصوير أمر الآخرة لآذهان الناس ، فكان في تنزيل هذه الآيات شرحا وافيا لإثبات قدرة الله تعالى على البعث بدلالة قدرته سبحانه على تدبير أمور الدنيا ، ولذلك قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ، أي يفلق الحب ليخرج منه نباتا أخضرا ويفلق النوى فينبت منه الشجر .. وهكذا .
فتضمنت الآيات أبلغ رد من الله تعالى على الملحدين الذين ينكروا وجود الله سبحانه ، ولا يؤمنون بالبعث ، كما أنها تدرجت معهم رويدا رويدا لتنقلهم من لحظة التكذيب وعدم الإيمان المقترن بالإفك والافتراء لتدحض افتراءهم ثم تحملهم إلى التأمل والتفكر في تقدير الله وتدبيره للكون ثم تأطرهم جميعا إلى مرحلة العلم ، حيث يفصل المولى الآيات الدالة علي قدرته تفصيلا كافيا ، فتكون شاهدة على أن الله سبحانه وحده هو المتصرف في هذا الكون وهاديه ، لينتقل الشاك إلى مرحلة الفقه والفهم عندما يتفكر في الخلق ونشأته وقد علم أن الله لم يخلق ذلك عبثا ، ولم يأت شيء إلى الكون مصادفة ، وحينما يدقق النظر بكل صنعة أبدعها الرحمن وكل نبتة صورها وخلقها عندئذ يستقر الإيمان في قلبه .
قوله (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبّ) (95) تشهد هذه الآية بقدرة الله تعالى على البعث والإحياء ، قال ابن عجيبة أي : (يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها ، ويفلق النوى لخروج الشجر منها) ، قال الرازي (إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ، ثم مر به قدر من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شقاً ومن أسفلها شقاً آخر ، أما الشق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء ، وأما الشق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة ، وتصير تلك الحبة والنواة سبباً لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض)
والمقصد من ذلك أن يتفكر الإنسان في طعامه الذي هو بحاجة له كل يوم ، (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) (عبس 24-28) ، قال أبو حيان قوله : "فالق الحب والنوى" من جنس إخراج الحيّ من الميت لأن النامي في حكم الحيوان ألا ترى إلى قوله : (يحيي الأرض بعد موتها) ، قال ابن عاشور (فلق الحب ينشأ عنه إخراج الحي من الميت) ، أي أن ذلك كله توطئة للمتفكر في أن يؤمن بالبعث بعد الموت .
قوله (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(95) قال الشعراوي (فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتاً لكن لو نظرت إلى الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة) ، فالموت هنا معنى مجازي لأن الحبة ليست بميت كما أنها ليست بالحي،وإنما بها مقومات الحياة التي أستودعها الله فيها
قال الشيخ طنطاوي والمعنى : (أن الله وحده هو الذى يشق الحبة اليابسة كالحنطة فيخرج منها النبات الأخضر النامى ، ويشق النواة الصلبة فيخرج منها النخلة والشجرة النامية ، وفى ذلك أكبر دلالة على قدرة الله التى لا تحد ، وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره) .
وهذا المعنى ظاهر في الحيوان والنباتات ، فجنين الحيوان يتغذى في بطن أمه على مواد أولية مما تتغذى عليه الأم ، وهذه المواد تتحول بقدرة الله تعالى إلى كائن حي ثم يتحول بعد ذلك إلى مولود جديد ، وكذلك النباتات ، فالحبة تتغذى في التربة على مواد أولية وأملاح ومعادن وماء ثم هي تبدأ في الانفلاق كما ذكرت الآية السابقة فينبت من أسفلها الجذر وينبت أعلاه الساق والورق والثمر ، ثم يتغذى هذا النبات على ثاني أكسيد الكربون ليقوم بعملية البناء الضوئي كما نعلم ، وهكذا يكون المقصود مثل (أن يخرج الإنسان من النطفة ، والدجاجة من البيضة ، ويخرج النبات من الأرض ويخرج النطفة من الإنسان)
يقول الدكتور زغلول النجار أن (هذه الآية تشير إلى قدرة الله تعالى على خلق الأحياء من المواد الأولية التي أوجدها مع بدء خلق الكون ، وهي مواد ميتة لا روح فيها ولا حياة ، وبعد انتزاع الروح من الكائن الحي يعود جسده إلى تلك المواد الأولية التي بدأ خلقه منها ، وهي عمليات مستمرة إلى قيام الساعة ومنضبطة بسنن كونية) .
وقال آخرون (إن الله يخرج من ظهر الفاجر أو الفاسق عالما) ، روي عن عُمَر قَالَ:" " يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ " ، يُخْرِجُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ" فتأمل سبحان الله .
وفي قوله (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ) عن مجاهد قال (الناس الأحياء من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء ، ومن الأنعام والنبات كذلك أيضاً) .
وقال آخرون المقصود مادي ملموس ، وضربوا لذلك الأمثلة منها (حال إثمار النبات والشجر، وإخراج البيض واللبن والمسك واللؤلؤ وحجر"البازهر"من بواطن الحيوان الحي) ، وهذا الذي يخرج من الكائن الحي فيه نفع للناس.
والعلماء عندما تأملوا هذه الآية وبحثوا عن الشيء العجيب فيها ، كما وجدوه في إخراج الحي من الميت ، وجدوا أن ثمة أمور لو تفكر فيها الإنسان لازداد دهشة وتعجبا ، فتوصلوا إلى أن جهاز الإخراج لديه يخرج من جسمه سموما لو ظلت في جسده لافسدته ومات ، فكيف يخلصه الله منها بقدرته سبحانه ؟
فمن المعلوم أن الجسم يطرد العديد من السّموم المتراكِمة بشكلٍ ذاتيٍّ عن طريق الكبد والأجهزة الهضميّة والتنفسيّة والبولية والتعرّق) ، ويُعدّ الكبد أكبر عُضوٍ مسؤول عن التخلُّص من السّموم في جسم الإنسان، فكلّ مادّةٍ تدخل الجسم من أيِّ مكان حتّى الجلد تمرّ عبره، ويُحوّل الكبد الموادَّ السّامة إلى عناصر قابلة للذّوبان في الماء؛ ليستطيع الجسم إخراجها مع البول أو البراز، كما تُخلّص الكليتان الجسم من السّموم النّاتجة عن الأدوية والموادّ الكيميائيّة الأخرى؛ حيث تصفّيان الدّم، وتُخرِجان السّموم مع البول ، وتُخلّص الأمعاء الجسم أيضاً من كميّات كبيرة من السّموم الصّلبة، ويتمّ ذلك عن طريق من خلال عملية الهضم أو البكتيريا النّافعة الموجودة في الأمعاء؛ حيث تحلّل هذه البكتيريا الموادّ غير المهضومة، فتتخلّص الأمعاء من كميّات كبيرة من الدّهون والمعادن الثّقيلة داخلها، ويتخلّص الجهاز التنفسيّ بدوره من الغازات السامّة في الجسم، وذلك عن طريق عملية التنفس، أمّا الجلد الذي يُعدّ أكبر جهاز مناعة ودفاع أوَّليّ للجسم، فإنّ الغُدد العرقيّة فيه تُفرِز العرق المحتوي على موادّ سامّة من مخلَّفات عمليّات الأيض القابلة للذّوبان في الماء، مثل: موادّ اليوريا، وحمض البوليك) .
وقد لاحظ فاضل السامرائي الفارق بين قوله تعالى (يخرج) ، (مخرج) فقال (استعمل لفظ (يخرج) مع الحي والحركة ، و(مخرج) اسم فاعل مع الميت) ، قال تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة 28]
وصدق الله إذ قال (..ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(95) الإفك معناه : (الكذب المتعمّد) ، والمعنى أن الذي ينكر قدرة الله في البعث هو كاذب متعمد ، إذ كيف يظل "الملحد" على إلحاده والله ينجيه كل يوم من تلك السموم التي لو أمسكها فيه لما استطاع أن يظل على إفكه ونشر إلحاده .
دخل ابن السماك على الرشيد يوماً فبينما هو عنده إذ استسقى ماء، فأتى بقلة من ماء- وفي الإحياء: فقال لابن السماك عظني- فلما أهوى بالماء إلى فيه ليشربه قال له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو منعت هذه الشربة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب، هنأك الله، فلما شربها، قال له: أسالك بقرابتك من رسول الله لو منعت خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها، قال: بجميع ملكي، قال ابن السماك: إن ملكاً قيمته شربة ماء وبولة لجدير ألا ينافس فيه! فبكى هارون.(
قوله (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) عن ابن عباس في قوله (فالق الإصباح) قال : (يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار ، وضوء القمر بالليل) .
الإصباح هو وقت الصبح ، وهو قبيل طلوع الشمس ، أي قبل طلوعه وقريب من ذلك ، حيث يسبق ضوء النهار طلوع الشمس فيفلق ظلمة الليل ، كما قال الشاعر
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي . . . بصبح وما الإصباح منك بأمثل
يستظهر المولى أية أخرى تدل على قدرته في تدبير الكون ، ليقسر الملحد علي أن ينتقل من مرحلة الإفك والكذب المتعمد إلى مرحلة التفكر في تقدير العزيز العليم لو أنه تفكر في هذه الآية ، فعندما يتأمل كيف تسير دورة الكون ابتداءً من طلوع الفجر حيث يفلق ضوء الصبح ظلمة الليل ، وذلك كل يوم جديد ، فإنه لابد وأن يعلم أن البعث مثل ذلك ، وليس بعيي على الله أن ييحي الموتى ، كما أحيا الصباح بعد سكون ليل حالك.
قوله (..وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا..) أي جعل الليل ظرفا زمانيا لتأوي الكائنات إلى أوكارها ، حيث يعود للكون السكون والظلام من مرة أخرى بعد نهار طويل مملوء بالنشاط والحيوية ، حتى تستيرح الكائنات النهارية من تعب العمل ونصب السعي للرزق بما يتوافق مع ساعتها البيولوجية .
وفي قوله (..وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) أي أن حركة الشمس والقمر بحساب محكم ، قال الرازي (حساب الأوقات لا يعلم إلا بدورهما وسيرهما) قال الشعراوي (لم يقل (بحسبان) لأنها هي في ذاتها حساب وليست محسوبة ، أي أن حسابها آلي) ، وهكذا تظهر الشمس صباحا والقمر ليلا في أوقات معينة وبحساب محدد وتقدير محكم ، ليتفكر الملحد في تقدير الله، ألذي يفعل ذلك قادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم من قبورهم ؟
قال إسماعيل حقي (إنه تعالى قدر حركة الشمس بمقدار من السرعة والبطئ بحيث تتم دورتها فى سنة وقدر حركة القمر بحيث تتم الدورة فى شهر ، وبهذا التقدير تنتظم المصالح بالفصول الأربعة كنضج الثمار وأمور الحرث والنسل ونحو ذلك مما يتوقف عليه قوام العالم وباختلاف منازل القمر وتجدد الأهلة فى كل شهر تُعلم آجال الديون ومواقيت الأشياء)
قال العلماء في تفسير ظاهرة تغير الفصول الأربعة أنها تعتمد علي ميلان محور الأرض، حيث إن للأرض محوراً وهمياً يقطعها من نقطة القطب الشمالي إلى نقطة القطب الجنوبي مروراً بمركزها ، وافترضوا أنه من الممكن أن يعمل هذا الميلان مع دوران الأرض حول الشمس في اختلاف زاوية الأشعة الساقطة على الأرض، ومن ثم في اختلاف الأحوال المناخية طوال العام، لتتشكّل بذلك ملامح الفصول المختلفة.
فالثابت علميا أن الأرض تدور حول الشمس مرة كل 365 يوماً تقريباً بمحور مائل، فيتسبب هذا الدوران مع ميلان محورها إلى اختلاف كمية الأشعة الواصلة إلى نصفي الكرة الشمالي والجنوبي ، ومن العوامل المهمة لحدوث هذه الظاهرة ثبات محور الأرض في ميلانه، بمعنى أنه يميل في اتجاه واحد طوال دورته حول الشمس، ونتيجة لهذا الثبات، فإن القطب الشمالي يكون مواجهاً للشمس في إحدى مراحل الدورة ليحظى النصف الشمالي بنصيب وافر من الأشعة الشمسية، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الشمالي والشتاء في النصف الجنوبي ، وبعد نصف دورة حول الشمس وبسبب ثبات المسألة في اتجاه ميلانه، يكون القطب الشمالي غير مواجه للشمس فيما يكون القطب الجنوبي هو المواجه، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الجنوبي والشتاء في النصف الشمالي، وفي أثناء تحرك الأرض بين هاتين النقطتين تحدث الفصول الانتقالية وهي الربيع والخريف) .
(فلو فرضنا – جدلا - دوران الأرض حول الشمس بمستوى عامودي ، فإن مؤدى ذلك إختفاء ظاهرة الفصول المتتالية ، وستثبت الأحوال المناخية على حالها طوال العام، حيث ستسقط أشعة الشمس بشكل عامودي على خط الاستواء طوال العام، وبالتالي ستكون هناك مناطق صيفية دائمة، ومناطق شتوية دائمة، ومناطق انتقالية فيما بينهما، كما سيتساوى طول الليل والنهار في أي مكان على سطح الأرض كون الأشعة الشمسية تسقط عامودية بذات الدرجة على منتصف الأرض طوال العام، مما يخل بنظم الطقس والمناخ على الأرض، فتفاوت الفارق الحراري بين المناطق على دوائر العرض المختلفة سيعمل على خلق فارق كبير في مقدار الضغط الجوي ، ومن ثم في سرعة الرياح وأنماط الهطول، مما يعني أن أحوال المناخ ستكون كارثية) .
قوله (..ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)(96) تذييل الآية ، كقوله تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) [الفرقان: 2] ، وقد عقب ابن الجزي عليه فقال (ما أحسن ذكر هذين الإسمين هنا لأن العزيز يقلب كل شيء ويقهره ، وهو قد قهر الشمس والقمر وسخرهما كيف شاء ، والعليم لما في تقدير الشمس والقمر والليل والنهار من العلوم والحكمة العظيمة وإتقان الصنعة) .
فكل شيء مقدر في هذا الكون لحكمة ، ولا شيء يسير عرضا أو مصادفة ، من ورقة الشجر التي تسقط على الأرض إلى الشمس والقمر الذين يجريان بحسبان كل ذلك بتقدير العزيز العليم ، يقول الشعراوي (فالكَوْن من يسير بأمر خالقه ، منضبطًا لا يتخلف عن أمره ، دليل ذلك أن السنة الشمسية 365 يوما تقريبا ، وفي كل يوم تطلع الشمس من مطلع معين ، ومعلوم دورة الفلك الميلادية 28 سنة ، يتكرر خلالها أيام الأسبوع بنفس تواريخ الأشهر الميلادية تماماً) .
وقد سجل العلماء خلالها كل الظواهر ،فإذا رصدت مطلع الشمس في يوم من أيام السنة ، ثم جئت السنة التي تقابلها في الدورة الفلكية لترصد مطلعها في ذات اليوم لوجدتها تطلع من ذات المطلع ، أي في ذات اليوم وذات المكان بدقة متناهية ، فسبحان الخالق ، ومن ذلك حدَّد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حَلْقي ، فإذا ما تابعته وجدته منضبطاً تماماً في ذات موعده ، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه؛ ولا تدخلُّ لنا فيه) ، فالذي قدر على كل ذلك وأعاد الأيام والأسابيع هي ذاتها والظواهر الكونية في ذات ميعادها ، ألا يقدر على أن يبعث البشر بعد موتهم.
قوله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (97) جعل الله النجم وسيلة السائر في الصحراء والبحر ليهتدي به في الليل فيعرف الطريق ، وذلك لا يتأتى إلا عن دراسة لمواقعها ومعرفة بأشكالها ، (وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) ، فالذي يقدر على الاهتداء بالنجم ليعرف الطريق ألا يقدر على الاهتداء بها ليعلم أن الله هو الذي حدد للنجم موقعه ومسلكه ، هو العليم القدير.
تخيل لو أن تائها في الصحراء لا يعرف الاتجاهات ، وكذلك تائها في البحر لا يعرف الشمال من الجنوب كيف يسير وإلى أين يهتدي ، يقول الدكتور الدوغان: «لا نستطيع أن نتصور أهمية النجوم في الاستهداء عند العرب، إلا إذا تمثلنا رهبة الصحراء، وشح الماء، وانعدام المعالم، وانقطاع الطريق، وبعد الشقة، وتوهج الحرارة أو شدة البرودة، حينئذ نعرف كيف تمثل لهم النجوم، وكيف تصبح هي المعالم والأدلة التي لا تخطئ، والسراجات التي تضيء الطريق؟ وكم كانوا - حين يتيهون في أسفارهم - يسرون بصفاء السماء ، وكم كانوا يحزنون إذا غامت وانطمست معالمها، لأن ذلك يؤدي إلى المتاهة المحققة والهلاك المؤكد. ولذا سموا الصحراء المهلكة)
آلَ المُظفَّرِ أنتمُ النجمُ الذي .. لا يهتدي البازي –الصقر- بغيرِ ضِيائِهِ
فمن الذي رتب النجوم على تلك الأشكال التي يعرفها العلماء ، ويحسبون بها سحاباتهم الفلكية ، لا شك أنه الله
قال صاحب الظلال (الاهتداء بالنجوم في ظلمات البر والبحر يحتاج إلى علم بمسالكها ودوراتها ومواقعها ومداراتها ... كما يحتاج إلى قوم يعلمون دلالة هذا كله على الصانع العزيز الحكيم . . فالاهتداء هو الاهتداء في الظلمات الحسية الواقعية ، وفي ظلمات العقل والضمير . . والذين يستخدمون النجوم للاهتداء الحسي ، ثم لا يصلون ما بين دلالتها ومبدعها ، هم قوم لم يهتدوا بها تلك الهداية الكبرى؛ وهم الذين يقطعون بين الكون وخالقه ، وبين آيات هذا الكون ودلالتها على المبدع العظيم . .) ، ولذلك قال الرسول (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم) .
قوله (..قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (97) فهذه آيات كونية مفصلة لمن تدبر وتفكر وتعلم ، فلابد وأن يهتدي بهذه الآيات إلى صراط الله المستقيم .
قال الشاعر : -
وما الناس دون العلم إلا بظلمة .. من الجهل لا مصباح فيها ولا نجم
فهل يهتدي إلا بنجم سمائه ... إذا ما بدا من أفقه ذلك النجم
فهذا أوان القبض للعلم فلينح.. عليه الذي في الحب كان له سهم
فليس بمبقى العلم كثرة كتبه ..فماذا تفيد الكتب إن فقد الفهم
قال طنطاوي أي (لقوم يعلمون وجه الاستدلال بها فيعلمون بموجب علمهم ، ويزدادون إيمانا على إيمانهم) .
قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (98) عن ابن عباس في قوله (فمستقر ومستودع) قال : ("المستقر " ما كان في الرحم ، وقال تعالى (وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى) ، و"المستودع" ما استودع في أصلاب الرجال والدواب) ، روى الحاكم عن ابن عباس قال (المستقر في الرحم والمستودع في الصلب) .
وعن ابن مسعود قال : (المستقر الرحم ، و"المستودع" المكان الذي تموت فيه) ، قال تعالى(وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ) ، قال الألوسي (أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو في القبر أو موضع استقرار) .
قال ابن عطية : (والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه ، وليس بمستقر فيه استقراراً مطلقاً لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار ، فيستقر في أحدهما استقراراً مطلقاً ، .... وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الظرفين « مستقر » بالإضافة إلى التي قبلها و« مستودع » بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد)
أي أن ماء الرجل الذي هو مستقر في صلبه هو ذاته مستودع لكثير من النطف ، فإذا ما انتقل إلى المرأة بالزواج والاتصال بالأنثى ولقح بويضتها عندئذ يتكون منهما المشيج المسمى بـ (الزيجوت) ثم يتطور ليكون جنينا مستقرا في رحم الأنثى ، فيكون مستقر في الرحم ومستودع فيها إلى مرحلة الولادة ، وتلك المراحل مذكورة في قوله تعالى(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف 189) ، ثم إذا استقر في الأرض وأمضى حياته الدنيا ثم انتقل إلى القبر كان القبر مستودعه إلى الآخرة .
وفي قوله تعالى (قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) يقول الشيخ الشعراوي (والتفصيل يعني أنه جاء بالآيات مرة مفصلة ومرة مجملة؛ لأن الأفهام مختلفة ، وظروف الاستقبال للمعاني مختلفة ، فتفصيل الآيات أريد به أن يصادف كل تفصيل حالة من حالات النفس البشرية؛ لذلك لم يترك الحق لأحد مجالاً ألا يفقه ، ولم يترك لأحد مجالاً ألا يتعلم ) .
ونلحظ أن تذييل الآيتين المتتابعتين مختلف مرة (لقوم يعلمون) ، ومرة (لقوم يفقهون) .. أراد الحق في قوله : "لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" الدعوة للنظر في آيات خارجة عن ذات الإنسان (الشمس والقمر والنجوم ) ، وهنا في قوله سبحانه : "لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ" لفت للنظر والتدبر في آيات داخلة في ذات الإنسان) .
قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (99) تحمل هذه الآية الإنسان التفكر في خلق الله وتقديره وتدبيره للكون ، ما يحمله على الإقرار بالإيمان بالله تعالى ،فشأن التفكر في خلق الله تعالى عظيم ، والتفكر هو أقصر الطرق للاستدلال على الله تعالى.
قال أبو حامد الغزالي (الفكر فهو أشرف العبادات إذ فيه معنى الذكر لله تعالى وزيادة أمرين أحدهما زيادة المعرفة إذ الفكر مفتاح المعرفة ، والثاني زيادة المحبة إذ لا يحب القلب إلا من اعتقد تعظيمه ولا تنكشف عظمة الله سبحانه وجلاله إلا بمعرفة صفاته ومعرفة قدرته وعجائب أفعاله، فيحصل من الفكر المعرفة ، ومن المعرفة التعظيم، ومن التعظيم المحبة ، فالمحبة سببها المعرفة) .
قال ابن الجوزي (تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي "عادات" ، فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية ، فإن الغافل يقول سبحان الله "عادة" ، والمتيقظ لا يزال فكره في عجائب المخلوقات أو في عظمة الخالق ، فيحركه الفكر في ذلك فيقول: سبحان الله) .
(ولو أن إنسان تفكر في رمانة ، فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل، وإقامة الماء على عظم العجم ، وجعل الغشاء عليه يحفظه، وتصوير الفرخ في بطن البيضة ، والآدمي في حشا الأم ، إلى غير ذلك من المخلوقات، لأوعزه هذا الفكر إلى تعظيم الخالق، فقال: سبحان الله، وكان هذا التسبيح ثمرة الفكر؛ فهذا تسبيح المتيقظين) .
قوله (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ..) قال أبو حيان (أشار إلى أن السبب واحد والمسببات كثيرة) ، وهذا يذكرنا بقوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء 30) ، فهذه الآية وحدها كافة وشاهدة على الخالق القدير ، لاسيما وأن الماء يمثل من 70 _ 90 % من جسم الإنسان البالغ ، بل إنه ليشكل ما يقرب 99 % من الجسم الزجاجي للعين ، و90 % من الدم و79% من القلب و75% من العضلات و75% من المخ ، و30 % من العظام و 1.8 % من مينا الأنسان ، ويساعد الماء على امتصاص الغذاء من الأمعاء ومرونة وليونة الجلد وامتصاص الصدمات داخل الأعضاء والحبل الشوكي ، وموازنة درجة حرارة الجسد ، كما يساعد على طرد السموم من الجسد ، وتنشيط الدورة الدموية والمحافظة على الطاقة والحيوية ، وتعزيز الجهاز المناعي .
كما تعتبر الزراعات التي تعتمد على الأمطار الأصل فى الزراعة لأنها تمثل 83 % من زراعات العالم، فى حين تمثل الزراعات المروية 17% فقط .
قوله تعالى (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) فرق الشعراوي بين أخضر وخَضِرًا فقال (« خضرا » فيها أشياء كثيرة؛ فيه « لون » متعلق العين ، و« غضاضة » نعرفها بالحس ، وفيه "نعومة" نعرفها باللمس) ، فعلماء النفس يرشحون اللون الأخضر لإراحة النفس فهو يبعث السرور ويضيف البهجة والفرح والأمل ، ولذلك تجد الطبيب في العمليات الجراحية يرتدي اللون الأخضر لأنه يوحي بالطمأنينة والهدوء ، فسبحان الذي زين الأرض باللون الأخضر .
وقوله تعالى (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا) دعوة أخرى للنظر إلى تفاصيل النبات الأخضر الذي يخرج الله منه الحب: وهو ثمر النبات، كالبر والشعير ، والنظر إلى انتظامه بشكل هندسي عجيب ، فقوله (متراكبا) المتراكب: الملتصق بعضه على بعض في السنبلة، مثل القمح وغيره .
قال ابن الجوزي ("حبا متراكبا" كالسنبل) ، فمن الذي ركبها على هذه الهيئة ، فسبحان الله .
وقوله (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ) يشحذ الذهن للنظر ف طلع النخل والتأمل في منظره ، والتفكر في صنع الله ، فـ(الطلع أول ما يخرج من ثمر النخل) ، قال ابن الجوزي (القنوان عذوق النخل) ، وفي المعجم (هو العذق بما فيه من الرطب) ، قال ابن عاشور (والقنو: عرجون التمر، كالعنقود للعنب، ويسمى العِذق ويسمى الكِباسة) (القنوان هو الفرع الصغير ، وفي النخلة هو العذق الذي يحمل الثمر) ، قال ابن منظور (العَذْقُ كل غصن له شُعَب) ، دانية (أَي قريبة المُتَناوَلِ والقِنْوُ الكباسة)
فعن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال : أمر رسول الله بصدقه فجاء رجل من هذا النخل بكبائس ...) جاء في المعجم "كَبائس" (جمع كِباسة وهو العِذْق التامُّ بشماريخه ورُطبه) ، فهذه الصورة التي يصفها القرآن للنخل تثير الدهشة والاستعجاب بعدما لفت انتباهنا إلى تراكيب الحب في السنبلة واصطفافه بعضه فوق بعض بشكل يحمل على التأمل فيه ، ثم يصف هنا فروع النخلة التي تحمل التمر ، وهي تتدلى من فروع متعددة وتحمل أوزانا من التمر دون أن تنقطع ، كيف ذلك ؟ سبحان الله الذي خلقها .
قوله تعالى (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) هذا تنوع بين ثمار شتى من عدة وجوه ، اللون والمذاق والمضغ ، فالعنب يتميز بأن طعمه حلو المذاق ، وبه مزازة ، والزيتون مذاقه لاذع شيئا ما ، وليس بحلو وفيه مرارة ، والرمان لاذع حلو ، كذلك في اللون ، فإن العنب أخضر وأحمر وأسود ، والزيتون أخضر وأصفر وأسود ، والرومان أحمر ، قال ابن الجوزي (مشتبها في المنظر وغير متشابهة في الطعم) ، فسبحان الله .
و"المشتبه" الملتبس بحيث يختلط بعضه ببعض في الظاهر وهو مختلف عنه في الحقيقة ، ويقصد به التشابه بين النوع الواحد من الثمار ، وعدم التشابه في الصفات ، فعلى سبيل المثال هناك أكثر من 1000 صنف من الزيتون متشابهة في الشكل والمكونات مما يشتبه بعضها ببعض لكنها في الحقيقة غير متشابهة من الناحية الجينية، الأمر الذي حدا بالعلماء لوضع قواعد بيانات لها لكبر حجم المعلومات عن كل صنف .
) وضع المجلس الدولي OleaDB للزيتون قواعد بيانات متطورة تشتمل على أكثر من 1200 إلى 1800 صنف (سلالة وراثية) من الزيتون المستزرع (Olea europaea L.). تُصنف هذه الأنواع علمياً بناءً على خصائصها المورفولوجية (الشكلية) والجينية، ونسب الزيت فيها، والغرض من استخدامها ، وأهم أوجه المقارنة الأساسية بينها أمران :-
الحجم واللب: الأصناف المخصصة للمائدة (مثل سيرينولا والتفاحي) تمتلك ثماراً ضخمة ونسبة لب سميكة لسهولة الأكل. أما الأصناف الزيتية (مثل كورونيكي) فتكون ثمارها صغيرة لأن التركيز يكون على استخلاص الزيت وليس اللحم.
طبيعة الزيت: الزيوت الناتجة عن أصناف مثل كوراتينا وبيكوال تتميز بمدة صلاحية طويلة جداً وحدّة في الطعم (لاذعة) بسبب محتواها الهائل من مضادات الأكسدة الـ (Polyphenols). بينما أصناف كـ أربيكينا تعطي زيتاً ناعماً وحلواً يناسب من لا يفضلون طعم المرارة.
لغرض. تلخص الجدول التالي مقارنة شاملة بين 10 من أشهر وأبرز أصناف الزيتون في العالم من عدة أوجه: [1]
بلد المنشأ الأصلي الغرض الرئيسي من الاستخدام نسبة الزيت في الثمرة شكل وحجم الثمرة الخصائص والمميزات النكهية اسم الصنف
-
الثلاثاء PM 02:20
2026-09-22 - 6



