ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
خاتمة سورة الأنعام إخلاص التوجه لله
د/ احمد نصير
خاتمة سورة الأنعام
قال تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
اختتمت السورة ببشرى للمؤمنين ، حيث بين الحق سبحانه كيف يزن أعمال المؤمنين ، ليعلم المؤمن أن الله لا يزن أعماله بعدله وإنما يزنها بكرمه ولطفه فيبارك في الحسنة لتكون بعشر أمثالها ، ولا يجازي على السيئة إلا مثلها ، وليعلم الناس أنه يمتنع الظلم في حقه سبحانه ، فإذا كان ميزان الأعمال على ذلك النحو ، فمن المفترض أن يكون الكل ناج ، ولكن ثمة شرط لهذه القسمة ، وأي لوزن الأعمال بهذا الميزان ، وهو تحقيق التوحيد الخالص لله ، ولذلك أمر الله نبيه أن يبين للناس كافة أن صراط الله المستقيم هو دين الله ، وهو ملة إبراهيم حنيفا مائلا عن الشرك ، بكل صوره ، فهذا هو الدين القيم عند الله ، ولن يقبل الله دين غيره .
ولهذا فلابد وأن يعي المسلم كذلك أن العبادة في الإسلام ليست قاصرة على مجرد الشعائر التعبدية التي يؤدي المسلم ويحافظ عليها بل تشمل كل عمل يعمله ابن آدم سواء أكان عبادة محضا أم كان فيه حظ المكلف ، فحياته كلها لله ومماته لله ، كما أن صلاته لله ، بهذا يبتعد المسلم عن الشرك ، ويخلص عمله من حظوظ نفسه
وعلامة الإخلاص أن يسير المسلم على صراط ربه مستقيما ولا يبالي بمن سار على نهجه ممن خالفه ، بل يكفيه أن يكون هو أول المسلمين ، وهكذا يتحرر المسلم من كل معبود سوى الله سبحانه ، فلا يعبد غير الله ، رب كل شيء ومليكه ، فالمسلم موقن بعدل الله في خلقه ، ويعلم أنه لن يحمل وزر غيره ممن خالفه طالما أدى ما عليه من البلاغ ، فكل واحد يسأل عن عمله ، ولا يسأل عن عمب غيره إلا بقدر تقصيره في البلاغ عن الله .
والحقيقة الذي يجب أن يعيها كل الموحدين أن الناس في الدنيا لا يزالون مختلفين ، ومتفرقين إلى شيع وأحزاب ، كل فريق ينتصر لحزبه وجماعته ويحارب غيره ، ولسوف يظل حالهم على هذا المنوال حتى يفصل الله بينهم يوم القيامة ، فيعلم كل فريق من كان على الحق ومن كان على الباطل ، ما يعني أن الخلاف بينهم لن يحسم في دار الدنيا ، بل في دار الحق سبحانه .
وليعلم الإنسان أنه لم يخلق في الدنيا إلا لكي يختبر بواجب الاستخلاف في هذه الأرض ، فقد كلفه الله بالعبادة وإقامة دينه ، وقد جعل الله التفاوت بين الناس لأجل الاختبار والابتلاء ، فعلى الإنسان أن يكرث جهده لأجل هذا الابتلاء قبل أن يرجع لربه ، فيحاسبه على ما عمل ، يعاقبه إن أساء أو يعفو عنه ويغفر له ويرحمه برحمته .
قال القطان (هذه السورة أجمعَ السور لأصولِ الدين ، مع إقامة الحجج عليها ودفع الشبهة عنها ، وإبطال عقائد أهل الشرك وخرافاتهم- جاءت هذه الخاتمة بقول جامعٍ لجملة ما فُصّل فيها ، وهو أن الدين القيّم والصراطَ المستقيم هم ملةُ إبراهيم دون ما يدّعيه المشركون ، وما حرّفه أهلُ الكتاب ، وأن النبي عليه الصلاة والسلام مستمسكٌ به ، معتصِمٌ بحَبْله ، يدعو إليه قولاً وعملا وأنه هو الذي أكد الدينَ بعد ان انحرفت الامم السابقة عنه ثم بيّن الجزاء عند الله على الأعمال ، لا يؤاخَذ أحدٌ بذنْب غيره ، وأن المرجعَ إلى الله ، فهو الذي يستخلف في الارض من يشاء ويختبر البشر بالنِعم والنِقَم ، يتولّى عقاب المسيئين ورحمةَ المحسنين ، فلا واسطة بينه وبين عباده)[1].
قوله (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (160) استظهرت هذه الآية كيف يزن الله تعالى أعمال العباد بما يقطع بامتناع الظلم لهم في حقه سبحانه ، فالإتيان بالحسنة أو السيئة محض اختيار للعبد وليس بمسير فيه ، قال الإمام البقاعي (ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه ، كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله (من جاء) [2].
فعَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)[3]، فالله يضاعف الحسنات كيف يشاء ، فيزيدها أضعافا مضاعفة ، قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة 261)
قال الحافظ : (ظاهر الحديث حصول الحسنة بمجرد الترك سواء كان ذلك لمانع أو لا ، ويتجه أن يقال يتفاوت عظم الحسنة بحسب المانع ، فإن كان خارجيًا مع بقاء قصد الذي هم بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر ، ولاسيما إن قارنها ندم على تفويتها واستمرت النية ، وإن كان الترك من الذي هم من قبل نفسه فهي دون ذلك إلا إن قارنها قصد الإعراض عنها جملة ، والرغبة عن فعلها ، ولاسيما إن وقع العمل في عكسها كأن يريد أن يتصدق بدرهم مثلاً فصرفه بعينه في معصية ، فالذي يظهر في الأخير أن لا يكتب له حسنة أصلاً وأما ما قبله فعلى الاحتمال)[4] .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)[5] .
وأعظم حسنة هي حسنة التوحيد ، فهو الحسنة التي ترجح على كل السجلات ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ)[6].
قوله (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (161) عن عبد الرحمن بن أبزى قال : كان رسول الله r إذا أصبح قال (أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد r وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين)[7] .
قال تعالى )وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجتباكم وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرسول شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة واعتصموا بالله هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير( [ الحج : 78 ])[8].
قال الشعراوي (« نحن مسلمون » أما أصحاب الديانات الأخرى فهم أيضا مسلمون لكن بالوصف فقط ، نحن الذين نتبع الدين الخاتم سمانا الله في كتابه المسلمين ، فهذا من إعجازات التسمية التي وافق فيها خليل الله إبراهيم عليه السلام مراد ربه) [9].
قال ابن عاشور (هذا استئناف ابتدائي للانتقال من مجادلة المشركين، وما تخللها، إلى ما أمر به الرسول r في هذا الشأن غلقا لباب المجادلة مع المعرضين ، وإعلانا بأنه قد تقلد لنفسه ما كان يجادلهم فيه ليتقلدوه وأنه ثابت على ما جاءهم به، وأن إعراضهم لا يزلزله عن الحق ، وفيه إيذان بانتهاء السورة لأن الواعظ والمناظر إذا ما أسبع الكلام في غرضه ، ثم أخذ يبين ما رضيه لنفسه وما قر عليه قراره ، علم السامع أنه قد أخذ يطوي سجل المحاجة ، ولذلك غير الأسلوب ، فأمر الرسول r بأن يقول أشياء يعلن بها أصول دينه ، وتكرر الأمر بالقول ثلاث مرات تنويها بالمقول)[10] .
قال ابن عاشور (ومعنى كون الإسلام ملة إبراهيم: أنه جاء بالأصول التي هي شريعة إبراهيم وهي: التوحيد، ومسايرة الفطرة، والشكر، والسماحة، وإعلان الحق) والحنيف: المجانب للباطل، فهو بمعنى المهتدي)[11]
وقال (المناسبة بين الهداية وبين الصراط تامة، لأن حقيقة الهداية التعرف بالطريق، قد صح أن تستعار الهداية للإرشاد والتعليم، والصراط للدين القويم، فكان تشبيها مركبا قابلا للتفكيك وهو أكمل أحوال التمثيلية)[12].
إذن قد جاء ذكر نبي الله إبراهيم احتجاجا به وتوصيفا لدعوته ، للتأكيد على تبرؤ النبي r من أهل الشرك وإن كانوا قومه ، كما تبرأ إبراهيم عليه السلام من قومه ، وقد أشار ابن كثير إلى نظير هذه الآية في قوله (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) [البقرة : 130][13]
وعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ r فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ "الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ" بِأَنْ يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا)[14] .
قال ابن الجزري (يعني مِلَّة إبراهيم r التي غَيَّرَتْها العَرَبُ عن اسْتِقامَتِها) [15]، قال الحافظ (أي ملة العرب ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام والمراد باقامتها أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان)[16] .
قوله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (163) أوضحت هذه الآية المفهوم الشامل للعبادة في الإسلام ، بعدما بينت أن شرط قبولها إخلاص النية لله تعالى ، فبها تصير العادات إلى عبادات ، وذلك باقترن العمل بتوجه القصد لله تعالى بإخلاص ، وهذه هي حقيقة الإسلام ، والذي يعني استسلام القلب والأعضاء والجوارح لله تعالى ، من هنا تكن كل حركة وكل سكنة لله تعالى ، فتكون النومة لله كما أن القومة لله .
فعن أَبِي بُرْدَةَ قال (قَالَ مُعَاذٌ لِأَبِي مُوسَى كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَالَ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا قَالَ أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي)[17]، فقوله فاحتسب من الاحتساب من باب الافتعال أي اطلب الثواب في نومتي وطلب الثواب في القومة ظاهر وأما في النومة فلأنه من جملة المعينات على الطاعة من القراءة ونحوها)[18]
قال النووي (والنائم على طهر محتسبا يكرم فإن نفسه تعرج إلى الله فإذا كان طاهرا قرب فسجد تحت العرش ، وإن كان غير طاهر سجد قاصيا فلذلك يندب النوم على طهر والروح والنفس قرينان لكن الروح تدعو إلى الطاعة لأنه سماوي والنفس تدعو إلى الشهوة لأنها أرضية فبالنفس يأكل ويشرب ويسمع ويبصر وبالروح يعف ويستحي ويتكرم ويتلطف ويعبد ربه ويطيع والنفس هي الأمارة بالسوء ، فإذا نام خرجت بحرارتها فعرج بها إلى الملكوت والروح باق معلق بنياط القلب وأصل النفس باق مقيد بالروح وقد خرج شعاعها ومعظمها وحرارتها ولذلك إذا استيقظ النائم يجد في أعضائه بردا فذلك لخروج حرارة النفس)[19].
كذلك فإن سعي المرء لطلب الرزق لاسيما على عياله فإنه كذلك في يكون سبيل الله لأنه من الواجبات ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ r (إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ)[20]
وعن أبي هريرة قال بينا نحن مع رسول الله r إذ طلع علينا شاب من الثنية فلما رميناه بأبصارنا قلنا لو أن ذا الشاب جعل نشاطه وشبابه وقوته في سبيل الله فسمع مقالتنا رسول الله r فقال وما سبيل الله إلا من قتل ؟ من سعى على والديه ففي سبيل الله ، ومن سعى على عياله ففي سبيل الله ، ومن سعى مكاثرا ففي سبيل الطاغوت)[21].
ففعل كل ما يشمله معنى الخير والتطوع يكون عبادة لله متى اقترن بالنية الصالحة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ قَالَ تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ قَالَ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)[22].
قال ابن الأثير (السُّلامَى : جمع سُلامِيَة وهي الأُنْمُلَة من أنامِل الأصَبِع . وقيل واحدهُ وجمعهُ سواء . ويُجمَع على سُلامَياتٍ وهي التي بين كُلِّ مَفْصِلَين من أصابِع الإنْسانِ . وقيل السُّلامى : كل عَظْم مُجَوَّف من صِغَار العِظاَم : المعنى على كُلِّ عظم من عِظاَم ابن آدم صدقة)[23]
كما أن الإمساك عن الشر مجردا عن فعل المزيد من الخير في ذاته عبادة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالَ قِيلَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالَ قِيلَ لَهُ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قَالَ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ الْخَيْرِ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ يُمْسِكُ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ)[24].
بل إن إتيان المرء شهوته في الحلال عبادة ، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r قَالُوا لِلنَّبِيِّ r يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا)[25].
حتى إن لهو العبد ومرحه إذا كان بغرض الترويح عن النفس لكي تنشط بعد ذلك في طاعة الله فهو عبادة ، قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص 77)
فعن عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمَئِذٍ لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ)[26]
وعن عُرْوَة بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرَسُولُ اللَّهِ r يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ ، وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ r وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ)[27]
وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ وَالنَّبِيُّ r مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ النَّبِيُّ r عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ r يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ r دَعْهُمْ أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ يَعْنِي مِنْ الْأَمْنِ)[28]، قال المباركفوري في شرح سنن الترمذي (وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ) أَيْ سَاعَةً كَذَا وَسَاعَةً كَذَا يَعْنِي لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُنَافِقًا بِأَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ عَلَى الْحُضُورِ وَفِي وَقْتٍ عَلَى الْفُتُورِ, فَفِي سَاعَةِ الْحُضُورِ تُؤَدُّونَ حُقُوقَ رَبِّكُمْ, وَفِي سَاعَةِ الْفُتُورِ تَقْضُونَ حُظُوظَ أَنْفُسِكُمْ). [29]
قوله ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) وذلك يعني وجوب تبرؤ المسلم من شرك المشركين ورياء المرائين ، والحذر مما يداخل النفس مما لا يبتغي به وجه الله ، فشرط قبول العبادة تجريد العمل من حظوظ النفس ، حتى لا تصير النفس إلها مع الله ، وتلك أعلى درجات الشرك بالله ، قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) (الجاثية 23)
فإن أجاز الشرع أن يراعي العبد حق نفسه ، فذلك من باب الامتثال لقول النبي r قول سلمان (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ)[30]، لا من أجل تسلطها عليه بأن تكون هي الباعث القوي للإقبال على العمل ، وإن جاز القول بأن باعث النفس قوي لما جلبت عليه من حب الشهوات ، فإن علامة صحة نيته أن يأخذ حظ نفسه بالقدر الذي قدره الشرع ، أي بلا إسراف ولا تقتير ، وبالطريقة التي أحل الله بها مراعاة حق نفسه ، ونصب عينيه على مقاصد الشرع ، كقوله r (حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ)[31].
قال أبو حامد الغزالي (اعلم أن العمل إذا لم يكن خالصا لوجه الله تعالى بل امتزج به شوب من الرياء أو حظوظ النفس فقد اختلف الناس في أن ذلك هل يقتضي ثوابا ؟ أم يقتضي عقابا ؟ أم لا يقتضي شيئا أصلا؟ فلا يكون له ولا عليه ؟ أما الذي لم يرد به إلا الرياء فهو عليه قطعا وهو سبب المقت والعقاب ، وأما الخالص لوجه الله تعالى فهو سبب الثواب ، وإنما النظر في المشوب وظاهر الأخبار تدل على أنه لا ثواب له) [32]
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا أَجْرَ لَهُ فَأَعْظَمَ ذَلِكَ النَّاسُ وَقَالُوا لِلرَّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَلَعَلَّكَ لَمْ تُفَهِّمْهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ يُرِيدُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ لَا أَجْرَ لَهُ فَقَالُوا لِلرَّجُلِ عُدْ لِرَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ لَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ لَهُ لَا أَجْرَ لَهُ)[33] .
كذلك يحبط العمل الصالح لو شاركه حب الرياء والسمعة ، حتى ولو لم يقصد صاحبه حصول منفعة مادية منه ، وإنما قصد نفعا معنويا بأن يذكره الناس بالثناء الحسن ، فليس ذلك مما يبتغي به وجه الله ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَالَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r لَا شَيْءَ لَهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ)[34].
قال أبو حامد الغزالي (والعلم عند الله أن ينظر إلى قدر قوة الباعث، فإن كان الباعث الديني مساويا للباعث النفسي تقاوما وتساقطا وصار العمل لا له ولا عليه ، وإن كان باعث الرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع وهو مع ذلك مضر ومفض للعقاب) [35].
إذن إذا كان الثناء الحسن لا يؤثر في قوة الباعث للعمل الصالح ، فبها ونعم وإن كان الرجل يفرح لذلك ، لما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ r أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ)[36].
قوله (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (164) جاءت هذه الآية ردا على المعارضين للنبي r ، الذين أرادوا أن يتبعهم النبي على أن يحملوا خطاياه ، فقررت الآية أن كل نفس بما كسبت رهينة ، قال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (العنكبوت 12)
قال أبو حيان الألوسي (أي ولا تكسب كل نفس شيئاً يكون عاقبته على أحد إلا عليها ، أي لا تذنب نفس مذنبة ذنب نفس أخرى ، والمعنى لا تؤاخذ بغير وزرها فهو تأكيد للجملة قبله وهو جواب لقولهم (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم)[37]، والله تعالى يقول (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (العنكبوت 13) .
قوله (..وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (164) استكمالا للبيان بشأن ميزان قياس الحسنات والسيئات ، فإن ثمة أعمالا تجري لابن آدم أو تجري عليه في هذه الدنيا ، وذلك بحسب ما إذا نمي خيرا أو نمي شرا ، فإن نمى خيرا فله أجر من عمل من خير ، وإن نمى شرا فله وزر من عمل به .
فهذه هي القاعدة "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ولا استثناء عليها[38] ، اللهم إلا إذا قيل بأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عملها بها ، والعكس كذلك صحيح ، قال رسول الله r (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ)[39] ، ولذلك قال تعالى (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ) (النحل 25) ، قال مجاهد (حمَّلهم ذنوب أنفسهم وذنوب من أطاعهم ، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئا)[40] .
قوله (..ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (164) أي إلى هنا انتهى الجدل وأغلقت صفحة المناظرة ، ولم يبق غير انتظار أن يفصل الله بين المسلمين وغيرهم ممن صرفوا الناس عن دين الحق .
قال ابن كثير كما قال تعالى ( قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) [سبأ : 25 ، 26] ، فالدنيا ليست محلا للقصاص ، وإن كان القصاص فيها شرع من الله ، ولكن الآخرة هي دار الحكم في كل قضية اختلف عليها الناس ، والقضاء في كل مظلمة بينهم ، فمن لم يقتص حقه في الدنيا فعزاؤه أن ثمة آخرة سوف يقضي الله له فيها ممن ظلمه .
قوله (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) قال رسول الله r (الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ)[41]، (مستخلفكم فيها) أي (يجعلكم خلفا من القرن الذي قبلكم)[42]، (فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد آخرين)[43]، (والمراد مستخلفكم فيما كان بأيدي من قبلكم بتوريثكم إياهم)[44]، أي (جاعلكم خليفة) أي (وكيلا ففيه أن أموالكم ليست لكم بل الله سبحانه جعلكم في التصرف فيها بمنزلة وكلاء أو جاعلكم خلفاء للأرض ممن كان قبلكم وأعطاكم ما كان في أيديهم)[45].
قوله (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ) وذلك هو مناط الابتلاء في هذه الدنيا ، حيث ثمة تفاوت وتباين في الأرزاق والمراتب بين الناس ، وهذا التفاوت قد يحملهم على الحسد أو الحقد ، وقد يحملهم على السخط ، وقد يحملهم على التعاون والتكامل وتحقيق النماء الجمعي والرقي الحضاري ، فالمسلمون لا يحقدون ولا يحسدون ولا يسخطون ، وإنما يرضون بما قسمه الله لهم من رزق ، قَالَ رَسُولِ اللَّهِ r (إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ)[46] ، قال المناوي (أي من هو دونه فيهما ليرضى فيشكر ولا يحتقر ما عنده)[47] ، (فإنه أجدر ألا يزدري نعمة الله... لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يؤثر ذلك فيه حسدا ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه ليكون ذلك داعيا إلى الشكر )[48]
قال الشاعر : -
إذا شئت أن تحيا غنيا .... فلا تكن على حالة ....إلا رضيت بدونها[49]
قال النَّبِيِّ r قَالَ (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ)[50]، قال السيوطي (أي الغنى المحمود العظيم النافع شبع النفس وقلة حرصها)[51] ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ r فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ)[52].
قوله (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (165) وذلك خير ختام للسورة ، حيث يؤكد الله تعالى أنه جمع بين صفات القوة والبطش بالظالمين ، والمغفرة والرحمة للمؤمنين .
[1] ) القطان ج2 ص 29
[2] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج2 ص 751
[3] ) رواه البخاري ج20 ص 140 رقم 6010
[4] ) أبو الحسن عبيد الله الرحماني المباركفوري : مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج8 ص 98
[5] ) رواه مسلم ج6 ص 18 رقم 1945
[6]) رواه الترمذي ج9 ص 232 رقم 2563 وابن حبان في صحيحه ج1 ص 461 رقم 225 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة ج1 ص 261 رقم 135
[7] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج6 ص 3 رقم 9829 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج7 ص 190 رقم 2989
[8] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 879
[9] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 879
[10] ) التحرير والتنوير ج7 ص 146
[11] ) التحرير والتنوير ج7 ص 149
[12] ) التحرير والتنوير ج7 ص 148
[13] ) تفسير ابن كثير ج3 ص 380
[14] ) رواه البخاري ج7 ص 321 رقم 1981
[15] ) أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري : النهاية في غريب الأثر ج3 ص 600
[16] ) ابن حجر : فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج4 ص 343
[17] ) رواه البخاري ج13 ص 241 رقم 3998
[18] ) بدر الدين العيني الحنفي : عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج26 ص 223
[19] ) فيض القدير ج4 ص 381
[20] ) ج1 ص 96 رقم 54
[21] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج4 ص 284 رقم 4214 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج26 رقم 51
[22] ) رواه مسلم ج5 ص 180 رقم 1677
[23] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 985
[24] ) رواه مسلم ج5 ص 179 رقم 1676
[25] ) رواه مسلم ج5 ص 177 رقم 1674
[26] ) رواه أحمد في مسنده ج43 ص 115 رقم 25962 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 443 رقم 1829 – وحسن الرواية التي في مسند أحمد في السلسلة الصحيحة المجلدات ج6 ص 423 رقم 2924
[27] ) رواه البخاري ج2 ص 247 رقم 435
[28] ) رواه البخاري ج4 ص 66 رقم 934
[29] ) إحياء علوم الدين ج2 ص 30
[30] ) رواه البخاري ج7ص 76 رقم 1832
[31] رواه ابن ماجة ج10 ص 105 رقم 3340 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 237 رقم2704/ 3340
[32] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 384
[33] ) رواه أبو داود ج7 ص 38 رقم 2155 وصححه الالباني : صحيح أبي داود ج7 ص 276 رقم 2272
[34] ) رواه النسائي ج10 ص 204 رقم 3089 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 212 رقم 3140
[35] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 384
[36] ) رواه مسلم ج13 ص 97 رقم 4780
[37] ) البحر المحيط ج5 ص 315
[38] ) فإن قيل : كيف يجني الجاني وتؤخذ عاقلته بجريرته والله تعالى يقول : { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } [ الأنعام : 164 ] ويقول : { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } [ الأنعام : 164 ] ؟ فالجواب : أن هذا ليس من باب تحميل الرجل وزر غيره ، لأن الدية على القاتل ، وتحميل ( العاقلة ) إيّاها من باب المعاونة والمواساة له ، وقد كان هذا معروفاً عند العرب وكانوا يعدونه من مكارم الأخلاق ، والنبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق ، والمعاونة والمواساة والتناصر وتحمل المغارم ، كل هذا ممّا يقوّي الألفة ويزيد في المحبة فلذلك أقره الإسلام) تفسير آيات الأحكام ج1 ص 231 ، هذا وللعاقلة أن ترجع على الجاني بما دفعته من مقدار الدية ، فهي تضامنت معه في تحملها ولها أن ترجع عليه .
[39] ) رواه مسلم ج13 ص 163 رقم 4830
[40] ) فتح الباري لابن حجر ج13 ص 302
[41] ) رواه مسلم ج13 ص 286 رقم 4925
[42] ) جلال الدين السيوطي : الديباج على مسلم ج6 ص 84
[43] ) محمد بن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج1 ص 311
[44] ) المناوي ج2 ص 226
[45] ) شرح سنن ابن ماجة ج1 ص 288
[46] ) رواه البخاري ج20 ص 138 رقم 6009
[47] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 262
[48] ) تحفة الأحوذي ج5 ص 388
[49] ) أبو الفرج ابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1001
[50] ) رواه البخاري ج20 ص 79 رقم 5965
[51] ) الديباج على مسلم ج3 ص 130
[52] ) رواه البخاري ج5 ص 318 رقم 1376
-
الثلاثاء PM 12:54
2026-09-22 - 9



