المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1909211
يتصفح الموقع حاليا : 361

البحث

البحث

عرض المادة

حجية اتفاقيات السلام والأمن الدوليين في ظل التحايل عليها حكم جهاد الطلب في "الأشهر الحرم"

د / احمد نصير

حجية اتفاقيات السلام والأمن الدوليين في ظل التحايل عليها

حكم جهاد الطلب في "الأشهر الحرم"

 

قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (37)

 

وظاهر الآيات يفيد أن حكم الأشهر الحرم قد نسخ ، فيحل خروج الإمام لجهاد الطلب في أي وقت ، وقد كان الإسلام قد أقر من أهل الجاهلية هذا الحكم رغبة في إقرار السلام بين القبائل العربية ، وفي إطار العرف المتبادل بينهم ، فلا تحيف واحدة على أخرى ، لكن لما استخف الناس بالأمر ، فأحالوا الحرمة المرتبطة بهذه الأشهر -بحسب أهوائهم ورغباتهم - إلى أشهر بعدها حتى استدار الزمان ، وكان الإسلام لا يؤكد عهد نكثه أصحابه ، وهم وقد نكثوا حرمة هذه الشهور بتلك الحيلة الخبيثة ، فكما أقر الإسلام عهدهم لما عزموا عليه ، فإنه كذلك نقضه لما نكثوا به .

 

قوله (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ ..) (36) إيضاح وبيان للأسس التي يجب الاتفاق عليها ويتم الحساب على أساسها ، حتى لا يخل أحد باتفاق بحجة اختلاف معايير القياس بين طرفي الاتفاق ، بل لابد أن يتم الاتفاق على أسس ثابتة ومحددة ، فلا يكون فيه ثغرات ينفذ منها المخالف ليهدم ما تم الاتفاق عليه ، ولذلك فإن تحديد الأشهر بأنها اثنى عشر شهرا يقطع بتنفيذ الاتفاق في فترة زمنية معروفة ومتفق عليها بين الطرفين ، فلا يغير أحد الأطراف بإرادته المنفردة محل الاتفاق أو يؤجل زمن التنفيذ بحجة اختلاف الزمان بين البلدين ..الخ أو أي حجة باطلة مثل تلك .

 

وهكذا يعلمنا الإسلام أن المسلمين لا يتفقون على أشياء دون تحديد لمحل الاتفاق تحديدا ينفي عنه الجهالة الفاحشة ، ويؤدي إلى التنازع فيما بعد ، بل يلتزم كل طرف بما اتفق عليه ، في ضوء معايير واضحة وأسس ثابتة ومدة زمنية محددة ، ويتم التنفيذ وفقا لمبدأ حسن النية على وجه الدقة والتفصيل .

 

قوله ( مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ..) (36) ولذلك روي البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله r قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُم، ثلاث متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان"[1]

 

قوله ( .. ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..) (36) قال مقاتل أي "ذَلِكَ الْحِسَابُ الْبَيِّنُ"[2] ، أي الذي ليس فيه تدليس ولا تزييف للحقائق وليس فيه نسيء .

 

قال ابن جزي (يعني أن تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم ، دين إبراهيم وإسماعيل ، وكانت العرب قد تمسكت به حتى غيَّره بعضهم)[3] ، بذلك أُدخلت الأشهر الحرم في دين الإسلام ،وأضحت لها قيمة واحترام لإقرار الإسلام بها ، رغم أنها في الأصل كان منشأها في الجاهلية ، ولكن النبي r أقر من أمور الجاهلية السابقة على الإسلام ما يتفق مع مقاصد الشريعة والدعوة الإسلامية ، وما يتفق معها في هذا الأمر إقرار فترة زمنية تتوقف خلالها الحرب لاعتبارات إنسانية ، فلا تظل الحروب قائمة طوال العام ، وإنما يتم الاتفاق على هدنة تقف فيها الحرب إيا كانت الأسباب الداعية لها ، وذلك حتى يتسنى علاج الجرحى والمصابين وتنشيط حركة التجارة ، وغير ذلك مما يساهم في خلق مجتمع أفضل ، ولعلها تكون فترة مناسبة للتفاهم والحوار والاتفاقيات السياسية القادرة على إنهاء الحرب برمتها .

وهذه كانت سياسة النبي r مع الكفار دوما يتمنى لو يصالحوه ويصالحهم ، وأن يمدوا مدة الصلح ما أمكن ، وقد ظهر ذلك منه r في صلح الحديبية حينما قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا)[4] ، وهي هي ذات الأسباب التي حدت بالنبي r أن يقر حلف الفضول ، وكذا حلف بن جدعان ، فعن طلحة بن عبد الله بن عوف أن رسول الله r قال : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعى به في الإسلام لاجبت قال القتيبي فيما بلغني عنه وكان سبب الحلف أن قريشا كانت تتظالم بالحرم فقام عبد الله بن جدعان والزبير بن عبد المطلب فدعوهم إلى التحالف على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فأجابهما بنو هاشم وبعض القبائل من قريش)[5].

 

قوله (.. فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ..) (36) لا ترجعوا بعدي –النبي r- كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فلا تكون بينكم حرمة دين ولا حرمة أشهر حرم ، ولا حرمة المسجد الحرام ، ولا حرمة شيء ، متى لم يردعكم رادع .

 

 قال قتادة : (الضمير (فيهن) عائد على الأربعة الأشهر ، ونهى عن الظلم فيها تشريفاً لها بالتخصيص والذكر ،وإن كان منهياً عنه في كل الزمن)[6]

 

قوله (..وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (36) قال ابن جزي : أي (قاتلوهم في الأشهر الحرم ، فهذا نسخ لتحريم القتال فيها )[7]

 

وتأكيدا لحكم النسخ ، خرج النبي r بعد هذه الآيات إلى أهل الطائف ، وأرسل سرية إلى أوطاس في الأشهر الحرم للتأكيد على نسخ حرمة الشهر الحرام .

 

 وقد زعم البعض أن خروجه r لأوطاس وأهل الطائف كان دفعا لأذى وليس طلبا للجهاد ، على اعتبار أن طوائف العرب تأهبت لقتاله وقد وصله ذلك الخبر ، فكان ذلك منه من قبيل درء خطر مستقبل وشيك ، ومن المعلوم أن جهاد الدفع غير مقيد بزمن باتفاق لقوله تعالى (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) ، ولكن هذا الزعم مردود عليه بأن الخطر وإن أضحى وشيكا فإنه يسمى بجهاد الطلب ما لم يحصل خطرا حقيقيا واقعا ، فجهاد الدفع يعني أن تتحرك الجيوش فعلا لقتال المسلمين ، أما جهاد الطلب فمناطه درء خطر مستقبل سواء أكان وشيكا أو غير وشيك ، لأن خطر الكفار غير المعاهدين قائم ولم يزل بدلالة قوله (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) .

 

وقد حمل أصحاب هذا الرأي- المنتقد- قوله تعالى (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) على قتالهم معاملةً بالمثل لا ابتداءً ، فتكون الكاف (كما) فيه للتعليل ، وهذا صحيح ، لكنه ليس صارف عن نسخ حرمة القتال في الشهر الحرام ،  والخروج لجهاد الطلب في أي وقت ، لأنه بعد نزول سورة (براءة) أضحى المقصود بالجهاد ليس جهاد الدفع وحسب ، بل هو جهاد الطلب كذلك ، فالتفرقة بينهما تدق في مرحلة ما قبل الفتح

 

(اعلم أن الجهاد على قسمين : الأول فرض عين وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين : فالمسلمون جميعا آثمون حتى يخرجوهم منها . والآخر فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام فمن استسلم من أهلها فبها ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا فهذا الجهاد ماض إلى يوم القيامة) [8] ، إذن متى وقف الكفار في طريق الدعوة في الأشهر الحرم أو غيرها ، وصدوا عن سبيل الله فقد تحقق مناط جهاد الطلب .

 

 لاسيما أنه بعد مرحلة الفتح تربص المشركون بالمؤمنين أينما ثقفوا ، فكذلك وجب أن يتربص المسلمون بالمشركين إينما جدوهم ، ففي سورة البقرة نزل - بعد الهجرة - قوله (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) (البقرة/217) ، فكانت هذه الآية صريحة بتربص المشركين للمسلمين ، لكن في تلك المرحلة لم تكن أركان الدولة قد ثبتت ، وكان إثارة مسألة جهاد الطلب في غير وقتها ، ولذلك لما نزلت سورة براءة وتحدثت عن جهاد الطلب وبعد أن قويت أركان الدولة واتسعت حدودها تغير الحكم بعد بلوغ مرحلة الفتح ، ليعلم المسلمون أنهم مطالبون بالجهاد ضد كل من يتربص بهم ، أي كل من لم يعاهدوهم من غير المسلمين .

 

وهذا الحكم قائم إلى يوم القيامة لقوله r (الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [9] ، لقوله تعالى (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً) ، فتأكد الحكم بالآية والحديث ، وزالت التفرقة بين جهاد الطلب وجهاد الدفع ، في الفرض المتقدم ، أي لا تزال شوكة المسلمين قوية ، ومن ثم أضحى الجهاد ماضيا على هذا النحو إلى يوم القيامة أيا كان اسمه ، وأيا كان مسماه ضد من يصد عن سبيل الله ولم يهان المسلمين ولم يصالحهم مؤبدا أو مؤقتا ، ودون تقيد بأشهر حرم .

 

ولا يدحض ما تقدم الظن بأن الله حرم القتال –بوجه عام - في الشهر الحرام , وهو شهر ذي الحجة ، في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ) (المائدة/2)، فيشمل ذلك تحريم جهاد الطلب في هذا الشهر ، على اعتبار أن أظهرُ ما يتنزَّل عليه التحليل المنهي عنه هو "القتالُ" ، فهذا مما أشكل على البعض

 

وقد سئل عن القتال بمكة ، فأجاب (اختلف العلماء: هل حرمة القتال فيها باقية أو نسخت؟ على قولين :-

الجمهور: على أنها نسخت، وأن تحريم القتال فيها نُسخ .

وقول آخر: أنها باقية ولم تُنسخ، وأن التحريم فيها باقٍ ولا يزال، وهذا القول أظهر من جهة الدليل)[10] ، فهي إجابة تتحدث عن التحريم المكاني وليس الزماني ، لكن أشكل على البعض ففهم منها أن حرمة الأشهر الحرم لا تزال باقية كذلك .

 

فيجاب على ما تقدم بأن سياق الآية – في سورة المائدة - يتحدث عن نهي المحرم عن الصيد في الشهر الحرام ، وكذلك النهي عن الصيد عموما في البلد الحرام ، ومن ثم فإن السياق مرتبط بأداء مناسك الحج على وجه الخصوص  ، ومنها حرمة صيد المُحرم أي أثناء الشهر الحرام وفي البلد الحرام حال أداء هذه المناسك ، أي حرمة إتيان أيا من هذه الأفعال المحرمة علي سبيل التأقيت ، وإن كانت في الأصل مباحة وحل له .

 

 ودليل ذلك تسمية الشهر الحرام بشهر ذي الحجة تعيينا له – دون سائر الأشهر الحرم – بمناسبة ذكر أداء مناسك الحج ، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَنَا النَّبِيُّ r يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ ذُو الْحَجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الْحَرَامِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ قَالُوا نَعَمْ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) .

 

وقد سئل الشيخ ابن باز عن القتال في الأشهر الحرم ، والتمسك بقول النبي r (: كحُرمة شهركم هذا ( بأن فيه دليل لمَن قال: أن الأشهر الحرم باقية لم تُنسخ؟  فأجاب (فيه حجة لمن قال من العلماء أنَّ الأشهر الحرم باقية، وهي المحرم وذو القعدة وذو الحجة، ثلاثة، والرابع رجب الفرد، هذه الأربعة ،  والجمهور على أنه نُسخ فيها القتال، وأنه لا بأس)[11]

 وقال الشيخ (وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه باقٍ؛ استنادا لقول الله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) (البقرة 217)

 

لكن عند التحقيق نجد أنه عند استكمال الآية 217 من سورة البقرة ، فقد قال تعالى (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) ما يعني أن حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام لا تمنع أهله بقتال من أخرجوهم منه ، وهذا يندرج تحت مفهوم جهاد الدفع

 كما قال الله في ذات الآية (..وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) فالفتنة من الأسباب الداعية للجهاد بوجه عام سواء سمي بجهاد دفع أو جهاد طلب ، والقصد هو درء الفتنة قبل أن تستفحل

 كما قال الله في ذات الآية (..وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ) (217) وهكذا استبان أنه لا مبرر لبقاء حرمة القتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ما كان لذلك سبب يستوجب القتال مما تقدم ذكره .

 

وقد ظن البعض أن هذا الحديث نبي r في حجة الوداع المتقدم ذكره ناسخ للحكم باعتباره كان في حجة الوداع، أي بعد سرية أوطاس وبعد حصار الطائف، فيكون ناسخا للأحكام المتقدمة ، أي نسخ النسخ ، وهذا أيضا من باب الإشكال .

 

وقد أجيب على ذلك بأن الخطاب "للحجاج" وليس "للمشركين" ، وأن حرمة المسلم دائمة وليست مؤقتة ، وعليه فإنه لابد من صرف الخطاب عن ظاهره بتأويل ، وهو تأكيد رسول الله r على حرمة  دم المسلم سواء من حيث الزمان أو المكان ، فلا يعني ذلك أنه خارج البلد الحرام أو البلد الحرام أو بعد الشهر الحرام تستحل دماء المسلمين ، وإنما هو من باب التأكيد على تلك الحرمة بكاف التشبيه لما عاينوه أثناء أداء مناسك الحج من حرمة الصيد وما شابه .

أي كما أنهم عاينوا وتدربوا بأنفسهم علي أداء مناسك الحج ومنها حرمة قتل الحيوان في الشهر الحرام والبلد الحرام ، فإنه لابد وأن يكونوا أكثر حرصا على عدم استحلال دماء بعض في أي وقت وأي مكان متى كان الدم معصوما ، أي لمسلم أو معاهد ، كما قال رسول الله r (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)[12]

 

قوله (.. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ..) (37) فـ "النسيء" : (وهو تأخير الأشهر الحرم وتقديمها والتلاعب بها مما يزيد كفر الكافر)[13] ، ذكر المفسرون : (أن أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا القتال في شهر من الأشهر الحرم - وهي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم - جعلوه حلالا وحرموا مكانه شهرا آخر من أشهر الحل ليوافقوا عدد الأشهر التي حرم الله تعالى ، فجعل الله تعالى هذا التشريع الذي لم يأذن به الله تعالى زيادة في الكفر)[14].

 

فعَنْ مُجَاهِدٍ، في قوله " زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ "  قَالَ:"ازْدَادُوا بِهِ كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ"[15] ، لأنهم يحلون الشهر الحرام ، فيسفكون فيه الدماء المعصومة بالعهد ، ويحرمون الشهر الحلال الذي ليس فيه عصمة لدماء غير المعاهدين ، فصار الدم المعصوم حلالا بأمزجتهم وقتما يريدون ، وصار الدم غير معصوم حراما في أوقات حله ، ما يدل أنهم لا يريدون الالتزام بما يلتزم لا شرعا ولا عرفا ، وأنهم لا يلتزمون بعهد ولا اتفاق ، فهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ، ويغيرون أحكام الاتفاق بحسب أهوائهم .

 

ويستبين مما تقدم أن (بعض الكفر أشد من بعض)[16]، ما يعني أن الكفر درجات والإمعان في الكفر يزيد من صعوبة الاهتداء ، فمعلوم أن ترك شرع الله اعتقادا ببطلانه كفر ، أما تشريع غيره ومضاهاته به واعتقاد صلاحه فهو زيادة في الكفر ، ولذلك قالوا (أن الديموقراطية - بمفهومها الغربي -المناقض لمفهوم الشورى في الإسلام - تعتبر زيادة في الكفر، كونها جاءت بعد ترك حكم الله تعالى، الذي يعتبر كفراً في حد ذاته)[17].

 

 قال ابن كثير: "هذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله وتحريمهم ما أحل الله)[18]، أي إنهم يسلبون الله حقه في التشريع ، وهم عاجزون ، ليشرعوا –هم- وفق أمزجتهم وأهوائهم ، فهذا هو معنى زيادتهم في الكفر ، لأنهم يشرعنون للمعصية ، ويجرمون الطاعة لله .

 

قوله (..يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ..) (37) أي يضلون عن الحق ضلالا زائدا عما هم فيه من ضلال ، ذلك أنهم يضلون في طريقة الاستدلال والتفكير ذاتها ، فمن يضل مثل هذا الضلال فلا سبيل لاهتدائه ، وقد فقد ألة التمييز ، أي أن ألة الحساب والقياس ذاتها ، أي تعطلت عن إصدار نتائج صحيحة ، وأخرجت نتائج باطلة ، فالذي يغش في المسلمات يسهل عليه قلب الحقائق زورا ، ومن تعود على تلبيس الحق بالباطل أنى له يهتدي ، وهو يعلم أنه على الباطل ، ويصر عليه ويسميه بغير اسمه .

 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ"  قَالَ"الْمُحَرَّمُ كَانُوا يُسَمُّونَهُ صَفَرًا، وصَفَرًا يَقُولُ: صَفَرَانِ الأَوَّلُ وَالآخَرُ، يَحِلُّ لَهُمْ مَرَّةً الأَوَّلُ، وَمَرَّةً الآخَرُ"[19] ، وقد أخبر النبي r على أن هذه العقلية التي تستحل الحرمات ،وتزيف الحقائق سوف تعود مرة أخرى في هذه الأمة ، فقال رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)[20].

 

قوله ( ..يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ..) (37) أي (فَيُحِلُّونَ صَفَرًا عَامًا وَيُحَرِّمُونَ الْمُحَرَّمُ عَامًا ، وَيُحَرِّمُونَ الصَفَرًا عَامًا وَيُحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ عَامًا ، فَذَلِكَ النَّسِيءُ الَّذِي قَالَ رَبُّكُمْ)[21].

 

فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r أَنَّهُ قَالَ (إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ثُمَّ قَالَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ قُلْنَا بَلَى) [22]وساق الحديث بطوله .

 

قال السيوطي (وكانوا قبل – أي هذا العام- يقدمون ويؤخرون في التحريم وهو النسئ فصادف تلك السنة تحريم ذي الحجة ورجوع المحرم إلى موضعه) [23]، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال كانت العرب يجعلون عاما شهرا وعاما شهرين فلا يصيبون الحج في أيام الحج إلا في كل خمس وعشرين سنة ، وهو النسئ الذي ذكر في القرآن فلما حج أبو بكر بالناس وافق ذلك العالم الحج فسماه الله الحج الأكبر وحج رسول الله r من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلة فقال رسول الله r إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ففيه ما دل على استدارة الزمان حتى صار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) ، فلما رأى الإسلام منهم ذلك نسخ حرمة هذه الأشهر ، لتؤول القاعدة إلى عدم تقييد الجهاد سواء أكان دفعا أم طلبا بأشهر دون أخرى .

 

قوله ( .. فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ ..) (37) فقد حرم الله سفك دماء المعاهدين ، والاتفاق جرى على عصمة الدماء وقت دخول الأشهر الحرم ليتسنى مرور قوافل التجارة بسلام ، ولكنهم يحلوا الدماء الحرام في الشهر الحرام رغبة في مغنم ، ويحلون فعلهم بحجة النسيء أي تأجيل الشهر الحرام لشهر آخر .

 

قال ابن كثير (تارة يقدمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر، أي: يؤخرونه)[24] ، وهذا شأن كل تشريع يضعه البشر ،  لا يسري على قاعدة موضوعية ، فتارة في زمن معين تجد الفعل مجرما ، وفي زمن آخر مع تغير السلطان يزال التجريم ويعود الفعل للإباحة ، ثم تارة ثالثة في زمن آخر وسلطة أخرى يعود الفعل للتجريم ، وهكذا لا يسري التشريع على هدى .

 

والمثال على ذلك الترخيص لبيوت الدعارة ، فالقانون قد يحظر البغاء مطلقا وقد يرخص به ، وهكذا لا تسير السياسة التشريعية على هدى ، وكذلك الحال بالنسبة للخمر والميسر والقمار ...الخ ، وذلك كله توطئة للحديث على جراءة الذين كفروا في تحليل ما حرم الله ، سواء أكان في شأن سفك الدماء أو جرائم الأموال والاتجار أو المضرة بالصحة والإنسان ..الخ ، وتلك الأمور قد نزل بشأنها قوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة 29) ، إذ لا تستقيم حياة البشر حتى هذا التهديد لدمائهم وأموالهم وأعراضهم ، والإسلام هو الدين الوحيد الذي وضع التشريعات الجنائية والعقابية على مثل هذه الأفعال المجرمة التي تمس بصورة مباشرة النظام الأمني العام في المجتمع .

 

قوله (.. زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) (37) هكذا يبرر المجرم جريمته بل ويضع نفسه في البيئة المناسبة لارتكاب الجريمة دون أن يُدان ، فإن لم تكن البيئة مناسبة لارتكاب الجريمة ، فإنه بدلا من العزوف عن ارتكابها ، فإنه يسعى لتغيير البيئة المحيطة به برمتها ليكون ارتكاب الجريمة غير معاقب عليه ، أي يشرعن لنفسه حلها ، ومن هنا تراه يسعي لأن يمسك بزمام الأمور في السلطتين التشريعية والتنفيذية ، ليكون كل جرم يرتكبه حتى إطار المشروعية المزيفة التي هو سنها ووضع أسسها ، فلا يلومه أحد على ما يفعل من سوء وجرم  .

 

تأمل ماذا قال فرعون لوزرائه وشعبه قبل أن يحشد الجنود ليقتل موسى ومن معه ، (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر 26) .

 

قوله (..وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (37) أي إنهم سوف يظلون في هذا التخبط التشريعي والضلال عن استبيان وجه المصلحة والتيه عن إصابة الصالح العام ماداموا على الكفر ، وأنه لا سبيل لهم للهداية إلى ما فيه خير لدنياهم وآخرتهم إلا بالإسلام .

 

 

 

 

[1] ) صحيح البخاري ج ص رقم

[2] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 246

[3] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص  597

[4] ) رواه البخاري ج9 ص 256 رقم 2529

[5] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج6 ص 367 رقم 12859 وصححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ج1 ص 67

[6] ) المحرر الوجيز لابن عطية ج3 ص 252

[7] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 597

[8] ) قول الألباني في التعليق على الطحاوية ص71

[9] ) رواه البخاري ج9 ص 449 رقم 2637

[10] ) نشرت في مجلة (التوعية الإسلامية) العدد التاسع عام 1401هـ. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 18/ 433).

[11] ) https://binbaz.org.sa/fatwas/25016/ /ما-صحة-القول-بنسخ-القتال-في-الاشهر-الحرم

[12] ) رواه البخاري ج10 ص 423 رقم 2930

[13] ) شرح لمعة الاعتقاد للشيخ خالد المصلح ج14 ص8

[14] ) شرح منظومة الإيمان ج1 ص 182

[15] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 250

[16] ) د سفر الحوالي : ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ص 181 ، علي بن نايف الشحود : المفصل في أحكام الهجرة ج4 ص 80

[17] ) علي بن نايف الشحود : موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة ج54 رقم 397

[18] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 150 

[19] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 250

[20] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 161 رقم 3375  وصححه الألباني : صحيح سنن ابن ماجة ج2 ص 243 رقم 2729

[21] ) رواه البزار في مسنده ج2 ص 264 ، إتحاف الخيرة المهرة ج6 ص 307

[22] ) رواه مسلم ج9 ص 32 رقم 3179 ، ومثله في البخاري ج 17ص 243 رقم 5124

[23] ) الديباج على مسلم ج4 ص 280

[24] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 152

  • الاربعاء PM 03:52
    2026-05-13
  • 10
Powered by: GateGold