المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1908658
يتصفح الموقع حاليا : 342

البحث

البحث

عرض المادة

غزوة "حنين" المنطلق الفكري لجهاد الطلب

د / احمد نصير

غزوة "حنين" المنطلق الفكري لجهاد الطلب

 

قال تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (27)

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)

 

قال تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)

 

قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)

 

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35)

 

قال تعالى ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)

 

نصر الله المؤمنين في مواطن كثيرة له دلالة على اتساع رقعة الدولة الإسلامية إلي هذه المواطن ، لكن لابد مع هذا التوسع أن يتحلى جنود الإسلام بمزيد من التواضع ، لأن النفس يصعب ترويضها ، لاسيما بعد هذه الانتصارات المتعددة ، فينتابها شيء من الغرور أو الفرح حين تجد أن موضوع النصر أضحى سهل المنال ، ولقد أصاب صحابة رسول الله r شيء من الزهو والفرح بعد فتح مكة ، فخرجوا لحنين  غازين ولكن الرياح جاءت بما لا تشتهيه السفن ، حيث وقعوا بين جبلين وأصابهم أهل هوازن بالسهام والرماح ، فأحسوا بأنهم محاصرون ، ولن يجدوا  ملاذا أو ملجأ ليخرجوا من هذا المأزق ، وكأن الأراضي التي فتحوها ضاقت عليهم ، فلم يستطيعوا حتى الكر والفر كعادة الحرب ، ولم يستطيعوا الرجوع والانسحاب ، وقد ضاقت بهم الأرض بين الجبلين بهذا العدد الغفير من الجنود ، ولكنهم ولأنهم مؤمنين كان هذا درسا لهم وتعليما أن يستعينوا دوما بقوة الله تعالى ، ولا يتكلوا على أنفسهم طرفة عين ، فأعانهم الله وأنزل السكينة عليهم وأمدهم بجنود من عنده ، وحق العذاب على الذين كفروا .

 

والحكم الثاني في مسألة التوسع المكاني هو منع أهل الشرك أن يحكموا ديار المسلمين ، ولا أن يقربوها ، لاسيما المسجد الحرام الذي هو عاصمة الدولة الإسلامية ، وقبلة المسلمين في العالم جميعا ، فكلما حافظ المسلمون على نقاء دولتهم لاسيما أم القرى ، وحافظوا على الطابع الإسلامي فيها وإقامة الشعائر ، وجعلوا بين المشركين وطموحهم أن يدخلوا المسجد الحرام إعلان إسلامهم ، كلما كان أهل هذا الدين أعزة لهم مهابتهم في عيون أعدائهم .

 

فإذا كانت الخطوة السابقة بمنع المشركين  الاقتراب من المسجد الحرام هي إجراء احترازي دفاعي في المقام الأول ، فإن الإسلام لا يكتف بهذه الخطوة لتأمين الإسلام والمسلمين ومقدساتهم ، بل يجب في إطار متوازي السعي باتخاذ اجراءات هجومية استباقية لمواجهة الخطر الدائم من أعداء الإسلام الذين لا يرضون إلا أن يردونا عن ديننا ، فقبل أن يهاجمونا علينا أن نهاجمهم ، ولذلك نزل قوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..) إلى قوله (.. حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) بذلك استبان أن لغير المسلمين مكان في ديار الإسلام ، متى  اتفقوا  معنا  على  الجزية نظير إعفائهم من الانخراط في صفوف جيش المسلمين لأنهم ليسوا أهل ثقة ، وحمايتهم والدفاع عنهم واجب على أهل الإسلام .

 

وقد أفصحت الآيات عن مبررات جهاد الطلب – من ناحية إعلاء حقوق الإنسان - بالكشف عن الواقع المرير الذي يعيشه الناس في غير ديار الإسلام ، وذلك من خلال ثلاثة أمور أساسية :-

 

الأمر الأول أن هؤلاء الكفار يعبدون أنفسهم ، فيؤله بعضهم بعضا دون وجه حق ، أي يقسمون الناس على درجات ومراتب باسم دين مخترع من عندهم ، فهم يجعلون الانتساب لأي دين يسمونه على مراتب ودرجات ، وليس الكل سواسية أمام الله ، ويجعلون التقرب إلى الله من خلال التقرب لمن فوقهم في الدرجة ، بذلك اتخذوا (أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أربابا) من دون الله ، وهكذا أضحى كل واحد منهم يعبد من فوقه في الدرجة ليصل إلى الله ، بما يسمى بالتدرج الهرمي ، حتى يجلس على قمة الهرم إبليس نفسه ، والكل له خاضعون عابدون ، وهو لا يؤمرهم بخير ، بل يأمرهم  بالفحشاء والمنكر ، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ، فجاء جهاد الطلب لتحرير أنفسهم من ذل العبودية لغير الله تعالى .

 

 الأمر الثاني أنهم جميعا يتحزبون ضد الإسلام والمسلمين ، ولا يرقبون في مؤمن ولا ذمة ،  يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون ، فكان الاستباق لجهادهم وقتالهم خير من انتظار أن يبدأونا فنرد عليهم  ، فذلك أدعى لدرء الشر قبل أن يستفحل ، وأضمن لحقوق الإنسان ، ذلك أن الذي يسبق بخطوة يملك المبادرة ، ومن يملك المبادرة  يفوز بالحرب قبل أن تبدأ ، لاسيما في ظل التقدم التكنولوجي الرهيب الذي يعيشه العالم اليوم ، وهكذا يفرض المسلمون السلم العالمي في ظل مبادئ الإسلام .

الأمر الثالث  أن رهبانهم وأحبارهم الذين يُفترض فيهم أنهم أحسن الناس –عندهم – دينا وأرفعهم شرفا ، وأعلاهم مكانة وأكثرهم أمانة ، هم هم أنفسهم  سارقو أموالهم ، وليست مجرد سرقات بسيطة أو قليلة ، بل كنوز من الذهب والفضة ، ما يعكس مقدار الظلم الواقع على هؤلاء الناس ، ومن ثم شرع جهاد الطلب لرفع الظلم عنهم ، ناهيك عن تقويض حرياتهم في اختيار عقائدهم ودينهم .

 

هناك مسألة أخيرة في هذا المطلب وهو مراعاة القوانين الدولية أو بمعنى أصح قوانين حفظ الأمن والسلام الدوليين ، والتي نصت قبل زمن البعثة على اختيار أشهر معينة لإيقاف الحروب بين القبائل المتصارعة حتى يتسنى للقوافل التجارية بين البلاد أن تمر بسلام ، فلا تتوقف أرزاق الناس ومعاشهم ، وهذا قد يبدو حسنا ، لكنهم وبأنفسهم يخرقون هذه القواعد الدولية التي اتفقوا عليها حين لا تكون الدفة لصالحهم ، فيؤجلون حرمة هذه الأشهر لأشهر مقبلة حتى يتم مخططهم وأهدافهم العسكرية ، بذلك أفسدوا بأنفسهم المبدأ الإنساني الذي وضعوه لأجل إقرار هدنة عسكرية من الحرب طوال العام ، قال تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر ، يحلونه عاما ويحرمونه عاما) ، ما يعني أنه لا يوجد ما يسمى بالقانون الدولي الذي يجب أن تحترمه كل الدول ، بل القانون الدولي يعني بكل بساطة قانون الدولة التي تفرض سيطرتها على العام ، فكل قانون دولي يسهل اختراقه من الدولة الأكثر تسلحا والأجرأ على المواجهة .

 

بمعنى أن القانون الدولي يفتقر إلى وضع عقوبات على الدولة التي تخالف أحكامه ، ويفتقر إلى وضع آليات فاعلة وعادلة وسريعة لمعاقبة هذه الدولة ، في ظل نظام عالمي يجعل زمام الأمور بيد الدول القوية التي تتحالف مع بعضها لتحكم العالم بنظام يقوم على التبعية والتدرج الهرمي كما ذكرنا ، والذي من خلاله ، تنشر قواتها العسكرية في كل مكان ، فأنى لنظام أن يحترم مبدأ السيادة للدولة ، والذي أسس قواعده هو من يخرمها ، فإذا كان الأمر كذلك فعلام نلتزم نحن بتلك القواعد التي هم وضعوها بأنفسهم ونتقيد بها ، وهم أنفسهم لا يلتزمون بها حالما تتعارض مع مصالحهم .

 

وقد علم الله ذلك من البشر ، وأخبرنا به ، وأنزل في كتابه حكما محكما لم يطله النسخ ولا يعارضه معارض ، فقال (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) أي ما لم يكن ثمة اتفاقات سلام مرعية ومضمونة من الطرفين ، وهو فرض نظري يصعب إثباته عملا ، فعلام نغل أيدينا عنهم ،وقد امتدت أيديهم علينا ولا تزال ؟.

 

ولذلك فإننا سوف نتحدث هنا عن خمس مسائل : -

 

  • تحقيق التوازن بين تربية الصف الداخلي والتوسع الخارجي قراءة في (غزوة حنين) (25-27)
  • علة تميز عاصمة دار الإسلام بأحكام عن سائر الدور (28)
  • انضمام الذميين الطوعي لولاية الدولة المسلمة واكتسابهم مركزا قانونيا في شخصية الدولة (29)
  • مناط جهاد الطلب رفع الظلم الواقع على الناس (30-35)
  • جهاد الطلب غير مقيد بالأشهر الحرم (36-37)

 

المسألة الأولى : تحقيق التوازن بين تربية الصف الداخلي والتوسع الخارجي

 

بالرجوع إلى أحداث غزوة "حنين" نجد أنها جاءت في فترة زمنية لاحقة مباشرة لفتح مكة ، لما دخل الناس في دين الله أفواجًا ، فكان لهذا الفتح رد فعل معاكس لدى القبائل العربية الكبيرة القريبة من مكة، وفي مقدمتها قبيلتا (هوزان) و( ثقيف) فقد اجتمع رؤساء هذه القبائل، وسلموا قيادة أمرهم إلى مالك بن عوف سيد (هوزان) ، فقام بحشد قِواهم المادّية والبشرية واتّحدت معه هذه القبائل نصر، وجشم، وسعد بن بكر، وبعض بني هلال، وقرّروا الذهاب لحرب المسلمين، وقرَّر مالك بن عوف أن يأخذ معه النساء والأطفال والبعير إلى الحرب حتى يُبقي المقاتلين في حالة ثباتٍ ويقاتلوا عن أنفسهم وأموالهم ونسائهم، وتجمّعوا في وادٍ يُطلق عليه وادي أوطاس، أما المُسلمين فقد نزلوا في وادي حُنين .

 

وقد انتقل خبر مالك بن عوف وما عزم عليه إلى رسول الله r ، فأخذ يجهز جيشه، ويعد عدته لمواجهة هذا الموقف ، وكان مالك بن عوف قد استبق زمام المبادرة وتوجه بمجموعة من الرماة إلى حنين خلسة ، وأدخلهم بالليل في مضائق من ذلك الوادي ، وفرق أتباعه في الطرق والمداخل، وأصدر إليهم أمره، بأن يرشقوا المسلمين عند أول ظهور لهم، ثم يشدوا عليهم شدة رجل واحد ... وهكذا تبدأ أحداث هذه الغزوة التي سبقت حكايتها حكاية السورة لغزوة تبوك ، باعتبارهما صورتين لجهاد الطلب ، بينما فتح مكة كان جهاد دفع لأن المهاجرين أهلها أخرجوا منها بداءة ، وفي كل غزوة منهما دروس مستفادة في العمل الدؤوب على تربية الصف الداخلي قبل التوسع في الفتوحات الإسلامية.

 

قوله (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) (25) أراد الله تذكير الصحابة رضوان الله عليهم بنعمة النصر ، ليعلمهم أن النصر من عند الله ، وأن ما لحقهم من هزيمة في أول معركة حنين لم يكن لأنهم ليسوا أهلا للنصر ، بل هم أهله ، ولكن أهل النصر لابد وأن يأخذوا كل مرة بأسباب النصر ، فالعبرة ليست بالكثرة ، وإنما بمقدار التوكل على الله سبحانه ، الذي قال لهم في المرات التي انتصروا فيها (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) .

 ولذلك ذكرهم بما كان منهم يوم غزوة حنين ، حيث كانت تلك الغزوة هي التالية لفتح مكة ، والتي فتحها رسول الله r بعشرة آلاف مجاهد ، ثم انضم إليه من أهل مكة ألفين سموا بالطلقاء لعفو رسول الله r عنهم ، فانطلق رسول الله r إلى حنين باثني عشر مجاهدا ، ولم يخرج من قبل بمثل هذا العدد ، فظنوا أنهم لن يغلبوا اليوم من قلة ، لاسيما وقد أخبر النبي r أن هذا العدد هو نصاب النصر بإذن الله ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ)[1]، فظن بعض الصحابة أنهم بهذا العدد قد ملكوا الدنيا ، ولن يقف أمامهم جيش ، دون أن يلتفوا إلى أن الأسباب قاصرة ما لم يعطيها رب الأسباب هذه القدرة من الفاعلية  .

قال الطيبي جميع قرائن الحديث دائرة على .. الشدة والقوة واشتداد ظهرانيهم تشبيها بأركان البناء ، فقوله "من قلة" معناه أنهم صاروا مغلوبين لم يكن للقلة بل لأمر آخر سواها ، وإنما لم يكونوا قليلين وإن كان الأعداء مما لا يعد ولا يحصى ، .. لأن الجيش الكثير المقاتل منهم بعضهم وهؤلاء .. ، ومن ذلك قول بعض الصحابة يوم حنين وكانوا اثني عشر ألفا لن نغلب اليوم من قلة وإنما غلبوا من إعجاب منهم)[2].

 

والحقيقة أن هذا النصاب كان كافيا من حيث الشدة ، لكنه لم يكن بذاته كافيا لتحقيق النصر ، لأن العبرة ليست بالعدد وحسب ،وإنما العبرة بنصاب المؤمنين المتوكلين علي الله تعالى حق توكله ، والمسلمون قبل أن يزيد عددهم بالألفين من الطلقاء كانوا خير مثال للتوكل على الله حق توكله ، لاسيما وأن الله نصرهم ببدر وهم أذلة ، ولم يزد عددهم عن ثلاثمائة وأربعة عشر ، وكان العدو ثلاثة أضعافهم ، لكنهم لما زاد عددهم من عشرة إلى اثني عشرَ ألفا كانت هذه الزيادة هي سبب اغترارهم وترتب عليها هزيمتهم أول المعركة ، فتخلف عنهم النصر في بداية المعركة الذي كان حليفا لهم في مرات كثيرة ، فالزيادة تقاس بالزيادة الإيمانية قبل قياسها بالزيادة العددية أو زيادة العتاد والسلاح .

 

 إذن لما انضم إلى جيش رسول الله r ألفين من حديثي عهد بإسلام ، اغتر بعض الصحابة وأعجبوا بكثرتهم ، ونسوا أنهم ينصرون بفضل الله تعالى ، وليس بالأسباب المادية ، فرشقهم أهل هوازن بالسهام ، فلم يتبق مع النبي r يوم حنين غير تسعة وفر الباقون ، فكان ذلك درسا تربويا لهم ، حتى لا ينسى أصحاب النبي r ومن اتبعهم بإحسان أنهم جيش محمد r غايتهم نشر وتبليغ كلمة لا إله إلا الله ، وليسوا بمرتزقة ، همهم القتل لكسب عرض من أعراض الدنيا.

 

ورغم هذا الدرس التربوي القاسي ، فإن النبي r قد تألف الطلقاء بالعطاء من الغنيمة وزاد في عطائه لهم ليسترضيهم على حساب الأنصار ، وقد رضى الأنصار بما فعله النبي r نظير أن يرضى رسول الله r عنهم ويرجعون به من مكة إلى المدينة ، لتكون أحداث هذه الغزوة تربوية لأهل مكة -من جهة- ليتأهلوا من أول معركة إلى مرحلة التجرد والإخلاص، وتربية لأهل المدينة من المهاجرين والأنصار ليزدادوا هدى على هدى ويزداد تجردهم وإخلاصهم لله.

 

ولذلك قيل أن (الآيات السابقة مهدت للإقدام على قتال المشركين ، بإظهار حرمة عهدهم لأنهم مضمرون العزم على الابتداء بنقض العهود ...وآية ذلك: اعتداؤهم على خزاعة أحلاف المسلمين، وهمّهم بإخراج الرسول r من مكة بعد الفتح،.. وقد ضمن الله نصر المسلمين علي أعدائهم في مرات كثيرة ، وتلك هي شواهد علي عدم تخلف النصر عن المسلمين متى تجردوا من كل شيء سوى الله سبحانه ، فلما تخلف عنهم في غزوة "أحد" كان ذلط بسبب تخلف هذا التجرد عنهم مراعاة لحظوظ أنفسهم..، ثم جاء الاستشهاد بغزوة حنين .. وقد عاودهم إيثار الحظوظ العاجلة على امتثال أمر الله ورسوله r ، الذي يجب على العبد أن يؤثر طاعته على حظ نفسه ، لكن لما حصل ذلك اجتمع في النفس الضدان ، قال ابن عاشور (فكان موقع قوله: "إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ" بديعا لأنه تنبيه على خطئهم في الأدب مع الله المناسب لمقامهم ، أي: (ما كان ينبغي لكم أن تعتمدوا على كثرتكم)[3].  

 

وفي قوله (..وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ) تصوير لمدى الضيق الشديد الذي أصابهم لما اغتروا بعددهم ، فهو ضيق مادي ومعنوي في آن واحد ، حيث ضاقت عليهم الجبال وحوصروا فيها ، وضاقت عليهم أنفسهم وقد أدهشتهم المفاجأة ، الأمر الذي قد يغير نيتهم لتغليب حب الانتصار على أعدائهم على حب هدايتهم وإسلامهم ، فكان يجب أثناء حصول هذا الضيق ، وقد انقلبت الكفة لأهل هوازن ، وفرَّ كثير من الصحابة في أول المعركة تذكيرهم بالمهمة التي خرجوا من أجلها ، وأنهم يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الله .

 

تصوير بداية المعركة في ثمان صور

 

          

            1- إعجاب الصحابة بكثرتهم مقدمة ومؤخرة       2- دخول المقدمة في الكمين

     

3- انهمار السهام عليهم                4- تراجع المقدمة للمؤخرة

عن أبي اسحاق عن الْبَرَاءَ قال (وَكَانَتْ هَوَازِنُ يَوْمَئِذٍ رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ)[4].

 

  

                             5- ثبات النبي r                     6- إقدام النبي  r

فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعَ الْبَرَاءَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ (أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ r لَمْ يَفِرَّ كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ انْكَشَفُوا فَأَكْبَبْنَا عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتُقْبِلْنَا بِالسِّهَامِ) [5]

 

  

عودة الجيش للنبي r                                  انتظام الجيش مرة أخرى

 

وفي قوله تعالى (ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا) ثبت المؤمنين في تلك الغزوة ، بثبات نبيهم الذي لم يفر ، فقد ثبت الله النبي r وجمع أصحابه معه مرة أخرى ، فعَنْ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ r أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) [6].

 

عن العباس بن عبد المطلب قال : لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ فلقد رأيت النبي r وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بغرز النبي r لا يألو ما أسرع نحو المشركين فأتيته ، فأخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال يا عباس ناد أصحاب الشجرة وكنت رجلا صيتا فناديت بصوتي الأعلى أين أصحاب الشجرة فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون يا لبيك يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون وتنادت الأنصار يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج فتنادوا يا بني الحارث بن الخزرج فنظر النبي r وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس ثم أخذ بيده من الحصى فرماها بها ثم قال انهزموا ورب الكعبة فوالله ما زلت أرى أمرهم مدبرا وحدهم كليلا حتى هزمهم الله فكأني أنظر إلى النبي r يركض خلفهم على بغلته)[7]

 

 وهكذا يستبين دور القيادة المسلمة في تجميع الناس وتحزيبهم على الحق ، وتثبيتهم معنويا وقت الشدائد ، كما ربط الله على قلوب الجنود بجنود من الملائكة ، ولكن المؤمنون أحسوا بها لترتفع شئونهم المعنوية ، إذ لا يخفى تأثير الروح المعنوية في تثبيت الجند لاسيما عند الزلزلة وقت المعركة وعند اشتداد وطيسها  ، فالتثبيت نوع من توفيق الله لعباده المتوكلين عليه ، كما حصل في بدر في قوله (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (11) .

 

              

     7- عودة الهجوم مرة أخرى                      8- انسحاب المشركين وسيطرة النبي على الممر

9- لحوق جيش النبي r به مرة أخرى

 

وقد حصب النبي r المشركين ، أي ألقي الحصى في وجوههم ، ودخل التراب أعينهم ، وكان ذلك من معجزاته أن تصل الحصى إلى وجوه القوم فينصرفوا عنه ويهزمون ، فعن سَلَمَةَ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ ( غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r حُنَيْنًا فَلَمَّا وَاجَهْنَا الْعَدُوَّ ... وَنَظَرْتُ إِلَى الْقَوْمِ فَإِذَا هُمْ قَدْ طَلَعُوا مِنْ ثَنِيَّةٍ أُخْرَى فَالْتَقَوْا هُمْ وَصَحَابَةُ النَّبِيِّ r فَوَلَّى صَحَابَةُ النَّبِيِّ r ... ، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ r نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَةِ ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ ، فَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ r غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ)[8]، وهكذا يفعل الله ما يشاء ، تُغْلب الكثرة من الصحابة ، ويُهْزم الأعداء بذرات من تراب .

 

وفي قوله (..ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(26) والسر في إعلان قبول توبتهم بعد هذه المخالفة مباشرة ، التي هي الفرار يوم الزحف ، هو ضرورة الحفاظ على استقرار الجيش وحالته المعنوية المرتفعة ، ذلك أن الناظر في سيرة النبي r يلحظ أنه لم يعاقب قط على الأخطاء العسكرية كنزول الرماة يوم أحد ،والفرار يوم حنين ، قال الشنقيطي (ذكر تعالى ما أصاب المسلمين من الفرار يوم حنين ، وذكر ما أصابهم يوم أُحد بقوله (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ) [آل عمران/153]، وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أُحد بقوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) [آل عمران/155]، وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين)[9] .

 

وقد شدد النبي r على المخطئ في بعض المواقف وتبرأ منه ، ولكن في كل مرة أوكل حسابهم على الله ، حتى إن خالد بن الوليد لما قتل بالخطأ معصومي الدم ، ظنا منه أنهم ليسوا كذلك لقولهم (صَبَأْنَا) يقصدون بذلك (أَسْلَمْنَا) ، ففهم خالد اللفظ خطأ على أنهم كفروا بالله ، فقتلهم[10]، فلما علم النبي r بما صنع قال (أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ) ولم يتجاوز ذلك[11]،واعتبروه متأولا [12] ،لكن أوجب الضمان[13]من خزنة المسلمين .

 

يعزى ذلك إلى أن التمكين الموجود في بعض المناطق العسكرية لا يتسم بالاستقرار الذي به تكون البيئة مناسبة لتطبيق أحكام الشريعة كاملة ، فليس هو تمكينٍ تام ، أي ليس هو التمكين المعتبر شرعًا لإيجاب إقامة الحدود ، قال ابن تيمية "وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالْقُوَّةِ وَالْإِمَارَةِ"[14] ، وليس المراد بالقوة: القدرة على تنفيذها، فهذا يستطيعه آحاد الناس، بل لا بد من حدٍّ زائد على مجرد القدرة على الفعل، يتحقق بِهِ المقصود، وهو ما يرتدِعُ بهِ أهلُ الفسادِ والإجرامِ، ويتحقق به الأمن والاستقرار ، قال ابن أبي العز الحنفي "فَالشَّارِعُ لَا يَنْظُرُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى مُجَرَّدِ إِمْكَانِ الْفِعْلِ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى لَوَازِمِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ مُمْكِنًا مَعَ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ اسْتِطَاعَةً شَرْعِيَّةً"[15] ،قال العلماء "وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ لَا تَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ،بَلْ وَلَا لِكُلِّ وَالٍ؛ لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ الْمُسَارَعَةُ إلَى إقَامَةِ الْحُدُودِ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالتَّهَارُجِ[16]".

 

قال ابن تيمية "وَمَعَ هَذَا فَالنَّبِيُّ - r لَمْ يَعْزِلْ خَالِدًا عَنِ الْإِمَارَةِ ، بَلْ مَا زَالَ يُؤَمِّرُهُ وَيُقَدِّمُهُ ؛ لِأَنَّ الْأَمِيرَ إِذَا جَرَى مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ ذَنْبٌ ، أُمِرَ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ ، وَأُقِرَّ عَلَى وِلَايَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ خَالِدٌ مُعَانِدًا لِلنَّبِيِّ r ، بَلْ كَانَ مُطِيعًا لَهُ ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْفِقْهِ وَالدِّينِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ ، فَخَفِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ "[17] .

 

 كل ذلك لأجل تجديد الثقة في الجند ، ولتصحيح حالتهم المعنوية ، ولأجل تربيتهم على الحق ، ولا شك أنهم أثناء ذلك سوف يخطئون ، ولأجل ذلك كان لابد من تقويم الخطأ أولا بأول حتى لا تنحرف الدفة عن جدة الصواب ، أما إذا حاسب القائد العسكري جنوده على كل خطأ يصدر منهم بغير قصد أو لسوء تقدير أو فهم كما يحاسب المجرم ، فإن الجند قد يترددون في الإقدام على العدو بسبب الارتباك ومخافة المحاسبة ، وذلك خطأ كبير بسببه لن ينضبط الجيش على حال ، بل قد ينشق بعضهم على بعض ، ولذلك يقول الرسول r (لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ)[18]، لأجل الحفاظ على الجيش فهو غاية أولى بالرعاية .

 

لكن يجوز تعزير المخطئ  بأحكام - دون إقامة الحد عليه -  لإتمام الانضباط ، أي لذات العلة التي من أجلها لم يطبق الحد ، فعَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِرُودِسَ حِينَ جَلَدَ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَرَقَا غَنَائِمَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ قَطْعِهِمَا إِلَّا أَنَّ بُسْرَ بْنَ أَرْطَأَةَ وَجَدَ رَجُلًا سَرَقَ فِي الْغَزْوِ يُقَالُ لَهُ مَصْدَرٌ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ ، وَقَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ الْقَطْعِ فِي الْغَزْوِ)[19].

 

المسألة الثانية : علة تميز عاصمة دار الإسلام بأحكام عن سائر الدور

 

قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) (28) الكلام المراد به التشبيه لا التحقيق، فمعناه: (إنما المشركون كالشيء النجس) [20]، لكن صيغة الحصر أفادت (نفي التردد في اعتبارهم نجسا، فهو للمبالغة في اتصافهم بالنجاسة حتى كأنهم لا وصف لهم إلا النجسية)[21].

 

 ولعل من مظاهر هذه النجاسة أن المشركين لا يتورعون عن شرب الخمر ،فإذا سكروا فعلوا الفواحش ، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ عُرْوَةُ كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إِلَّا الْحُمْسَ وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ وَكَانَتْ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا وَتُعْطِي الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا) [22]

قال ابن تيمية (ويدخل في الحكم جميع الكفار أهل الكتاب وغيرهم)[23]، لاسيما وأن قطوسهم لا تخلو من الشرك والذبح لغير الله تقربا للشياطين.

 

  

قال ابن القيم (والمراد بالمسجد الحرام هنا (الحرم كُلُّهُ) [24]

 

وكذلك الحكم يتعدى إلى الحرم المدني ، قياسا على الحرم المكي ، فعن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيِّ r إِلَّا الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ النَّبِيُّ r (الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ)[25].

 

بل إن الحكم  يتعدى مجرد المرور من المسجد الحرام على تفصيل بين الفقهاء [26]، إلى عدم جواز إقامة المشرك في جزيرة العرب ، كما في الحديث الذي أوصى به النبي r في مرض موته (أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ)[27] نقل النووي في الشرح (قال أبو عبيد قال الأصمعي جزيرة العرب ما بين أقصى عدن اليمن إلى ريف العراق في الطول وأما في العرض فمن جدة وما والاها إلى أطراف الشام وقال أبو عبيدة هي ما بين حفر أبي موسى إلى اقصى اليمن في الطول وأما في العرض فما بين رمل يرين إلى منقطع السماوة ... قالوا وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها من نواحيها وانقطاعها عن المياه العظيمة)[28] .

 

قوله تعالى (..فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا..) (28) والعلة من النهي أنه لابد وأن تتميز عبادة المسلمين عن غيرهم في البلد الحرام

 

وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ نُؤَذِّنُ بِمِنًى (أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) [29] (وفيه دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس في الحج ، وهو الذي أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم) [30]، (فإن الأمرة –علي الحجاج-كانت لأبي بكر في تلك الحجة ، فكانت له الطاعة في الأمر والنهي) [31] .

قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هو بن عبد الرحمن بن عوف[32] - ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةٌ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْل مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ (لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ) [33]

 

قال قتادة (وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه ، ونادى علي رضي الله عنه بالأذان ، وذلك لتسع سنين من الهجرة –وهي أول حجة في الإسلام – بعد فتح مكة 8 هـ ، وحج رسول الله r في العام المقبل  - 10 هـ - حجة الوداع لم يحج قبلها ولا بعدها منذ هاجر)[34]، وكان النبي r قد أقام في المدينة بعد غزوة تبوك وقبل حجة الوداع، وتم بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أبي بكر ليقوم بإعلان البراءة من المشركين.

 

والجدير بالملاحظة أن الآيات قدمت العلة على الحكم ، لمزيد من الاهتمام بها ، فالحكم أنه لا يجوز لهم دخول الحرم ، أي حرم المسجد الحرام ، وقد تعدى ذلك إلى عدم جواز الإقامة –الدائمة - في جزيرة العرب ، وهذا الحكم في إطار حديث السورة عن جهاد الدفع ، أي اتساع دار الإسلام ، ومن ثم لحوق كثير من الذميين والمستأمنين تحت رعاية المسلمين ، وعندئذ قد تكثر السياحة إلى دار الإسلام ، وهذا لا غبار فيه ، لكن سياحتهم للمسجد الحرام ممنوعة بنص الآية ، لأن كثرة سياحتهم ودخولهم نطاق الحرم المكي قد ينعكس بالسلب حال ضعف جهد الدعاة إلى الله تعالى والإرشاد الديني ، فتضحى هذه الدور متعددة الديانات في مظهرها ولا تدين بالإسلام ، وإن كانت من حيث الشكل تابعة لدار الإسلام ، مما قد يعطي صورة مغلوطة للعالم الخارجي عن الإسلام ، فيظنون أن بلاد الإسلام ليس فيها إسلام ، أو أن المسلمين فيها لا يلتزمون بشرع الله تعالى ، فيتبدل الدين على هذا النحو ، فيكون اتساع رقعة الإسلام وبالا على المسلمين إذا ما سمح للمشركين دخول مكة المكرمة للسياحة ، وليس هذا هو المقصود ، وقد أراد الله تعالى أن يبين للناس الوجهة الصحيحة التي يتعرفون بها على هذا الدين كما هو دون تبديل أو تغيير ، ولذلك جعل البيت الحرام – عاصمة دار الإسلام - بمنأى عن ذلك كله ، فحرم على المشركين دخوله ، حتى يتميز المسلمون بشعائرهم ولا تختلط بشعائر المشركين كما كان قبل ذلك  ، فتكون شعائرهم حجة على غيرهم ، لاسيما وقد فرَض الله على الداخلين فيه الإحرام ، فجعله مطهرا من المشركين من جهة ، وجعل القاصدين إليه محرمين من جهة أخرى ، فأضحت شعائر الإسلام في البيت الحرام بهذه المثابة خير عنوان لهذا الدين

 

قوله تعالى (..وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (28) تضمنت هذه الآية تطمين للمؤمنين من أهل هذه البلد أنهم إذا أقصوا عنها المشركين فإن موارد رزقهم قد ضمنها الله لهم ، فهو الذي سوف يغنيهم ، ولا حاجة لهم بسياحة هؤلاء المشركين في أرضهم ، فهذا الحكم نوع من الجهاد  بالصبر على طلب الرزق ، فُرض على أهل  البلد الحرام ، فإنهم يجاهدون المشركين بقطع العلاقات بهم وليصبروا على ذلك مهما كانت النتائج .

فقوله (..وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ..) (28) أي بالرغم من خوفهم أن تصيبهم عيلة أي فاقة ، فإنهم يتركون سياحة المشركين لبلادهم مرضاة لربهم ، دون أدنى مبالاة بالرزق وإن وقع في قلوبهم شيء من الخوف ، قيل أنه (لما أمر النبي r علياً أنْ يقرأ على مشركي مكة أول براءة ، وينبذ إليهم عهدهم ، وأنّ الله بريء من المشركين ورسوله قال أناس : يا أهل مكة ستعلمون ما تلقون من الشدّة وانقطاع السبل وفقد الحمولات فنزلت)،وقيل : (لما نزل إنما المشركون نجس ، شق على المسلمين وقالوا : من يأتينا بطعامنا ، وكانوا يقدمون عليهم بالتجارة ، فنزلت : وإن خفتم عيلة.. الآية) [35].

 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ  " يَا أَيُّهَا الَّذِينُ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجِسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا "  قَالَ:"كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَجِيئُونَ إِلَى الْبَيْتِ وَيَجِيئُونَ مَعَهُمْ بِالطَّعَامِ يَتَّجِرُونَ بِهِ، فَلَمَّا نُهُوَا عَنْ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: فَمِنْ أَيْنَ لَنَا الطَّعَامُ ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ  " وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٍ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ " ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ، وَكَثُرَ خَيْرُهُمْ حِينَ ذَهَبَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُمْ"[36]

 

فقوله (..يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء..) (28) هنا دلهم الله على أن من قطع شيئا لله وصله الله بخير منه ، ومن ترك شيئا لله أبدله الله خير منه ، وليس ذلك بشرط فهو يتوقف على المشيئة ، إذ قد يدخر الله للعبد عوض هذا الشيء لينال ثوابه يوم القيامة ، وفي كلا الحالتين فإن رزقه مضمون عند الله ، فاقتضت هذه الآية (تطمينهم من ناحية الرزق الذي يخشون عليه من كساد الموسم وتعطل التجارة؛ وتذكيرهم أن الرزق منوط بمشيئة الله لا بهذه الأسباب الظاهرة التي يظنونها)[37] .

 

 قال رسول الله r (لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا[38]) [39] ، فقوله "حق توكله"  أي (بالاعتماد على الله عز وجل دون غيره في استجلاب المصالح ، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة ، مع الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا ينفع سوى الله تعالى)[40]

 

قال المناوي  (فالكسب ليس برازق بل الرازق هو الله ، فأشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل بل لا بد فيه من التوصل بنوع من السبب لأن الطير ترزق بالطلب والسعي)[41] ، (ولهذا قال أحمد ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق وأنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم وذلك ينافي التوكل)[42] ، (فالطير لم تجلس في أوكارها، وتقول: إن قدِّر لي شيء فسيأتيني، بل إنها تغدو في الصباح خاوية البطون، وترجع في المساء ممتلئة البطون، إذاً فلا بد من الأخذ بالأسباب)[43].

 

فقوله (..إِن شَاء..) (28)  أي (يبسطُ الرِّزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ حسبما تقتضيهِ الحكمةُ والمصلحةُ) [44]، فعَنْ قَتَادَةَ "فَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْخَرَاجِ الْجِزْيَةُ الْجَارِيَةُ عَلَيْهِمْ يَأْخُذُونَهَا شَهْرًا شَهْرًا وَعَامًا عَامًا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ، ذَلِكَ إِلا صَاحِبُ جِزْيَةٍ، أَوْ عَبْدَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[45]  .

 

يعني إذا حافظوا على فريضة الجهاد في سبيل الله ، سواء بمعناه السلبي ، وهو منع المشركين من دخول الحرم ، وطردهم من جزيرة العرب ، أو بمعناه الإيجابي بغزوهم في ديارهم ، فإن مشيئة الله أن يجلب لهم منافع ذلك عن طريق الجزية إن صالحوهم أو الغنيمة إن غزوهم.

 

وقد يبتليهم الله بشيء من الصبر ،  قال الصابوني (تعليق الإغناء بالمشيئة رعاية الأدب مع الله تعالى كما في قوله تعالى : (لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ) [ الفتح27 ] وللإشارة إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على أن المطلوب سيحصل حتماً ، بل لا بدّ من التضرع إلى الله تعالى في طلب الخير ، وفي دفع الآفات)[46].

 

 فقوله (..إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (28) فالله عليم بأسباب الرزق ، ومن حكمته أن يكون رزق المجاهدين تحت  ظل رماحهم ، فمن باب  الرزق وفقا لأسبابه الشرعية ما ذكره النَّبِيِّ r قال (جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي)[47] ، قال المهلب (وفيه أن الرسول خُصَّ بإحلال الغنائم وأن رزقه منها بخلاف ما كانت الأنبياء قبله عليه)[48] .

 

وهذا التخصيص ليس بشرط وإن جاز فإن الغنيمة لا تُقصد لذاتها ، فيجوز أن يكون المعنى على عمومه باتخاذ الأسباب المباشرة للرزق كالصيد ، لأن تعجُلِ الغنيمة يُنقص من الثواب والأجر ، بل قد يشوب الإخلاص ، فالتماس أسباب الرزق بطلب الغنيمة ليس مطلبا للمجاهدين ، فالتعفف عن الغنيمة أفضل وإن كانت حلالا ، والأولى أن يكون للمجاهد سعي لطلب الرزق الحلال غير الغنيمة ، فإن لم يجد غيرها لكونه مرباط في سبيل الله ، فهي حلال له ولا كراهة ، وإن جاز تخصيص رواتب لهم لأجل التعفف.

 

المسألة الثالثة : انضمام الذميين الطوعي لولاية دار الإسلام واكتسابهم مركزا قانونيا في شخصية الدولة

 

قوله (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (29) فالأصل أن من لم يعاهد المسلمين ويصالحهم ، يكون يجب جهاده وقتاله حتى ينتهي الأمر بالصلح معهم الذي يضمن عدم غدرهم وانقلابهم على المسلمين ، فإن لم يكن ثمة وسيلة أو ضمان لعدم غدرهم ، هنا يضمهم المسلمون لرعاية الدولة المسلمة ، ويصبحون أهل ذمة ، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، فيختارون دفع الجزية للمسلمين مقابل تأمينهم ونزع سلاحهم ، يعني أن يضعوا سلاحهم ولا ينشغلون بتأمين أنفسهم ، حيث يتولى المسلمون تأمينهم ، لدخولهم في تبعيتهم ، فإن تعذر على المسلمين تأمينهم تسقط الجزية في هذا الفرض ، ولأن المسلمين وأهل الذمة يعيشون في دولة واحدة وعلى إقليم واحد ، فلا يجوز لهم أن يتسلحوا بأي حال ، فإن سقوط الجزية –في هذا الفرض- لا يستلزم أن يمسكوا بأسلحتهم ، بل تظل الدولة المسلمة هي الممسكة بالسلاح ، وإن ضعفت .

 

لكن إذا كان لكل واحد منهما إقليم خاص به ، وقد تميز معسكر المسلمين عن معسكر أهل الذمة المستأمنون ، هنا تظل الجزية عليهم وينزع سلاحهم ما بعث الإمام وحدات عسكرية تقيم على أرضهم بغرض حمايتهم ، أما إذا تعذر ذلك ، فلهم أن يتسلحوا لحماية أنفسهم فقط ، وتسقط الجزية في هذا الفرض لتعذر تأمينهم .

 

 يقول العلماء (بَعْدَ أَنِ اسْتَقَامَتِ الأمُورُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ ، بِدُخُولِ النَّاسِ فِي الإِسْلاَمِ ، أمَرَ اللهُ تَعَالَى بِقِتَالِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، وَذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ ، لِذَلِكَ تَجَهَّزَ الرَّسُولُ r لِقِتَالِ الرُّومِ ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَظْهَرَهُ لَهُمْ ، وَنَدَبَ المُؤْمِنِينَ إِلَى الجِهَادِ ،.. ، فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالإِسْلاَمِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، فَرَضَ اللهُ عَلَى المُسْلِمِينَ قِتَالَهُ ، حَتَّى يُعْطِيَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مَقْهُورَةٍ مَغْلُوبَةٍ ، وَهُوَ خَاضِعٌ صَاغِرٌ)[49].

 

 ولهذا بوب البخاري بابا بعنوان بَاب الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ وَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..الآية) ، وقد ثبت أن طبق النبي r الجزية على البلاد التي صالح أهلها ، فثبت عنه r أَنَّه (بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ r هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ)[50].

 

وقد استن الصحابة رضوان الله عليهم بسنة نبيهم r ، ولذلك توسعت الفتوحات الإسلامية بعد وفاة رسول الله r في عهد عمر بن الخطاب ، فبعدما قضى أبو بكر الصديق على فتنة الردة ، واستتب الأمر مرة أخرى في الجزيرة العربية للمسلمين ، توسعت الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب .

 

فعَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الْأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ قَالَ نَعَمْ مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنْ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلَانِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلَانِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ ، فَالرَّأْسُ كِسْرَى ، وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ ، وَالْجَنَاحُ الْآخَرُ فَارِسُ ، فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى)[51].

 

 وعَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ فَنَدَبَنَا عُمَرُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا ـ، فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ ،فَقَالَ الْمُغِيرَةُ سَلْ عَمَّا شِئْتَ

 قَالَ مَا أَنْتُمْ ؟

قَالَ نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنْ الْجُوعِ وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا r أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا  rعَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ .

فَقَالَ النُّعْمَانُ رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ r فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الْأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ)[52]

 

 

 وأشهر تطبيق للجزية من الخلفاء الراشدين ما عرف بالعهدة العمرية لما فتح بيت المقدس وصالح أهلها [53].

 

ولتوضيح مفهوم الجزية بأنها مال يؤخذ من أهل الذمة مقابل الحماية ، وعدم تعارض ذلك مع حرية الاعتقاد قال الشعراوي (إن الإسلام انتشر بالقدوة ، أما السيف فكان دفاعاً عن حق اختيار العقيدة في البلاد التي دخلها الإسلام فاتحاً ، والجزية كانت لقاء حماية من يريد أن يبقى على دينه)[54].

 

مما تقدم نفهم أن مناط أخذ الجزية تحقق فرضان : -

الأول : أنه لا ثقة في هؤلاء القوم ولا عهد معهم ، ولذلك لا يؤمن غدرهم فيسلب سلاحهم وتضرب عليهم الجزية ، وهو الأمر الذي يترتب عليه سقوط الجزية عن الشيخ والمرأة والطفل ، لأنهم ليسوا أهل حرب ، قَالَ أَبُو يُوسُف (الْجِزْيَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ؛ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْجِزْيَةَ عَلَى الرِّجَالِ مِنْهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ) ،(وَلا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنَ الْمِسْكِينِ الَّذِي يُتَصَّدَّقُ عَلَيْهِ، وَلا مِنْ أَعْمَى لَا حِرْفَةَ لَهُ وَلا عَمَلَ، وَلا مِنْ ذِمِّيٍّ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلا مِنْ مُقْعَدٍ، وَالْمُقْعَدُ وَالزَّمِنُ إِذَا كَانَ لَهُمَا يَسَارٌ أُخِذَ مِنْهُمَا وَكَذَلِكَ الأَعْمَى، وَكَذَلِكَ الْمُتَرَهِّبُونَ الَّذِينَ فِي الدِّيَارَاتِ إِذَا كَانَ لَهُمْ يَسَارٌ أَخَذَ مِنْهُمْ ، وَإِن كَانَ إِنَّمَا هُمْ مَسَاكِينُ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْيَسَارِ مِنْهُمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ) [55] .

 

والثاني : القدرة على حمايتهم وتأمينهم في أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ، وهذا لا يتأتى إلا إذا أضحى الإسلام قوة ضاربة في الأرض تضاهي إن لم تتفوق قوة الأعداء جميعا ، فإذا عجز الحاكم المسلم عن ذلك ، فإن عليه أن يرد عليهم ما أدوه من مال ، وهو ما أفتى به العلماء في العصور السابقة لما عجز المسلمون عن أداء حقوق أهل الذمة وحمايتهم .

 

 قال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة ( َلَمَّا رَأَى أَهْلُ الذِّمَّةِ وَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ وَحُسْنَ السِّيرَةِ فِيهِمْ صَارُوا أشداء على عَدو الْمُسْلِمِينَ وَعَوْنًا لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ؛ فَبَعَثَ أَهْلُ كُلِّ مَدِينَةٍ مِمَّنْ جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ رِجَالا مِنْ قِبَلِهِمْ يَتَجَسَّسُونَ الأَخْبَارَ عَنِ الرُّومِ وَعَنْ مُلْكِهِمْ وَمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَصْنَعُوا؛ فَأَتَى أَهْلُ كُلِّ مَدِينَةٍ. رُسُلُهُمْ يُخْبِرُونَهُمْ بِأَنَّ الرّوم قد جمعُوا جَمِيعًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ ، فَأَتَى رُؤَسَاءُ أَهْلِ كُلِّ مَدِينَةٍ إِلَى الأَمِيرِ الَّذِي خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَيْهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَكَتَبَ وَالِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَتَتَابَعَتِ الأَخْبَارُ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ؛ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى كُلِّ وَالٍ مِمَّنْ خَلَّفَهُ فِي الْمُدُنِ الَّتِي صَالَحَ أَهْلَهَا يَأْمُرُهُمْ أَنْ يردوا عَلَيْهِم مَا جبي مِنْهُمْ مِنَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: إِنَّمَا رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا مَا جُمِعَ لَنَا مِنَ الجموع، وَأَنَّكُمُ اشْتَرَطْتُمْ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَكُمْ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ رَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَنَحْنُ لَكُمْ عَلَى الشَّرْطِ وَمَا كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ نَصَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لَهُمْ، وَرَدُّوا عَلَيْهِمُ الأَمْوَالَ الَّتِي جَبَوْهَا مِنْهُمْ، قَالُوا: رَدَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْنَا وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) [56] .

 

 يضاف إلى ذلك أنه إذا تغير الزمان وتبدلت الأحوال ، وأضحى المسلمون بحاجة إليهم والاستعانة بهم في درء عدو خارجي ، بشروط وضوابط معينة ، فإن حكم الجزية يسقط في هذا الحال ، قياسا على ما فعله أبو عبيدة بن الجراح ، وهذا الأمر أجازه كثير من الفقهاء المعاصرين وفقا لسياسة ولي الأمر الشرعية التي تدور في فلك المصلحة العامة ومقاصد الشرع .

 (وهذا ما فعله محمد سعيد باشا والي مصر في يناير 1855م حينما حط الجزية عن النصارى في مصر مقابل مشاركتهم في الدفاع عن أراضي البلاد)[57] ، وهذا الحكم يرتبط بفكرة التجنيد الإجباري التي تحدثنا عنها من قبل ، فإذا لم يكن التجنيد إجباريا  ، فحكم المسألة يدور في فلك سياسة ولي الأمر لتحقيق مقاصد الشرع ، وجودا وعدما ، فإن ظهرت مصلحة لذلك مقطوع بها فبها ونعمة ،وإن لم تكن فلا .

 

ويترتب على أخذ الجزية أن يصير أهلها في ذمة المسلمين ، فيقرون على دينهم ، وتحفظ أرواحهم وأموالهم ، قال الشعراوي (إن البلاد التي فتحت بالمسلمين أقرت أهل الأديان على أديانهم ، وحمت فقط حرية الاختيار ، بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس ، وتركوا الناس أحراراً . . )[58]

 

 وقد جرى العمل على فرضها بحسب القدرة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ (أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[59]

قال أبو يوسف (عَلَى الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَعَلَى الْمُحْتَاجِ الْحَرَّاثِ الْعَامِلِ بِيَدِهِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَإِنْ جَاءُوا بِعَرْضٍ قُبِلَ مِنْهُمْ مِثْلُ الدَّوَابِّ وَالْمَتَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْقِيمَةِ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجِزْيَةِ مَيْتَةٌ وَلا خِنْزِيرٌ وَلا خَمْرٌ ) [60].

 

يقول الشيخ علي بن نايف الشحود (فها هو السّلطان سليم الأوّل ويقال السّلطان سليمان القانونيّ يخشى من تجمّع الأروام والبلغار والصّرب والأرمن، فَيَهِمُّ بإخراجهم من الدّولة العثمانيّة، فيقول له شيخ الإسلام في كلّ مرّة ويحذّره: "ليس لك عليهم إلاّ الجزية"، ليس لك أن تمارس ضدّهم إرهابًا دينيًّا أو تطهيرًا عرقيًّا، الله أوجب عليهم الجزية، فليس لك أن توجب عليهم سواها، فإذا لم يكن مسلمًا فإنّه ليس ملزمًا بأن يصير مسلمًا، فإن صار مسلمًا فبها ونعمت، وإلاّ فإنّ الدّولة الإسلاميّة تحفظ له حقوقه، تحفظ للنّصارى كنائسهم ولليهود بيعهم، وإنّ الدّولة الإسلاميّة تحميهم من أعدائهم، ولا تكلّفهم الخدمة الإلزاميّة في الجيش، فإذا خدم أحدهم في الجيش سقطت عنه الجزية لأنّه فعل ما يعوّضها، فما أشبه الجزية إذًا ببدَل الخدمة الإلزاميّة يدفعها من أراد أن لا يخدم في الجيش) [61]

 

(.. والدّولة الإسلاميّة مطالبةٌ بأن تحمي النّصارى من بعضهم، كما حدث في إنطاكيّة في بعض عصور الدّولة العثمانيّة، عندما خصّصت الدّولة جنودًا وأحراسًا يحمون طوائف النّصارى من بعضهم لعظيم الفتنة الّتي كانت بينهم، حتّى في فلسطين، حتّى في مهد النّصرانيّة في بيت لحم، كان النّصارى يذبّحون بعضهم ويقتتلون؛ من الّذي يحوز مفاتيح كنيسة المهد ـ مهد المسيح عليه السّلام ـ؛ لهذا فقد آلت المفاتيح إلى المسلمين إلى ذرّيّة أبي أيّوبٍ الأنصاريّ رضي الله عنه) [62].

 

وحكم الجزية ينطبق على أهل الكتاب وكذلك يتعدى لغيرهم من غير المسلمين بإطلاق ، وذلك على اختلاف بين المذاهب ، ومن أقوى الأدلة في هذه المسألة ما رواه البخاري عن عَمْر قَالَ ..كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ (فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ)[63].

 

 

[1] ) رواه الترمذي ج6 ص 50 رقم 1476 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 60 رقم 986

والألباني لم يتراجع عن تصحيحه ، وإنما ذكر ضعف الرواية المذكورة عند سنن بن ماجة عن أنس بن مالك أن رسول الله r قال لأكثم ابن الجون الخزاعي يا أكثم اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك يا أكثم خير الرفقاء أربعة وخير السرايا أربع مائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة ، فقال ضعيف جدا - لكن شطره الثاني : " خير ... " صحيح من وجه آخر - ، الصحيحة ( 986 ) // ضعيف الجامع الصغير برقم ( 6379 ) و في صحيح الجامع برقم (7850 ) //

ولم يصرح بضعف الرواية المذكورة في سنن الترمذي ، كما لم يبد أسبابا للتراجع عن تصحيح الرواية المذكورة في سنن أبي داود وابن ماجة ،وإنما قال (وقفت على أمور اضطررت من أجلها أن أعدل عن القول بصحة الحديث) ، فلم يبينها ، ولم يصرح بالضعف ، ولذلك لما سئل شفاهة عن الحديث قال أنه صحيح بمجموع طرقه .

https://www.youtube.com/watch?v=1ManWVNDiTM

[2] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج5 ص 139

[3] ) التحرير والتنوير ج10 ص 57

[4] ) رواه مسلم ج9 ص 242 رقم 3327

[5] ) رواه البخاري ج13 ص 212 رقم 3975

[6] ) رواه البخاري ج13 ص 210 رقم 3973

[7] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 194 رقم 8647

[8] ) رواه مسلم ج9 ص 243 رقم 3328

[9] ) أضواء البيان ج2 ص 116

[10] ) قال الخطابي : يحتمل أن يكون خالد نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة ولم ينقادوا إلى الدين فقتلهم متأولاً قولهم

قال ابن بطال في "شرح صحيح البخاري" (5/352) :" قال المهلب: ولم يفهم خالد من قوله: " صبأنا " أنهم يريدون به أسلمنا ، ولكن حمل اللفظة على ظاهرها ، وتأولها أنها في معنى الكفر؛ فلذلك قتلهم ، ثم تبين أنهم أرادوا بها أسلمنا ، فجهلوا ، فقالوا: صبأنا.وإنما قالوا ذلك ؛ لأن قريشًا كانت تقول لمن أسلم مع النبي: صبأ فلان ، حتى صارت هذه اللفظة معروفة عند الكفار ، وعادة جارية ، فقالها هؤلاء القوم ، فتأولها خالد على وجهها ، فعذره النبي بتأويله ، ولم يُقِدْ منه ".

[11] ) فعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ r خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا أَسْلَمْنَا فَجَعَلُوا يَقُولُونَ صَبَأْنَا صَبَأْنَا فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ r فَذَكَرْنَاهُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ r يَدَهُ فَقَالَ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ) رواه البخاري ج13 ص 235 رقم 3994

[12]) قال الخطابي(الحكمة في تبرئه r من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه ، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله )  فتح الباري لابن حجر ج13 ص 182

[13] ) وقال ابن بطال (الإثم وإن كان ساقطا عن المجتهد في الحكم إذا تبين أنه بخلاف جماعة أهل العلم ، لكن الضمان لازم للمخطئ -عاقلة الحاكم أو بيت المال- والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله ولا إلزامه الغرامة ، فإن إثم المخطئ مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود) فتح الباري لابن حجر ج13 ص 182

[14] ) السياسة الشرعية ج1 ص 217

[15] ) "شرح الطحاوية ج3 ص 63

[16] ) علي بن خليل الطرابلسي : معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين ج1 ص 23 ، برهان الدين اليعمري تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ج1 ص 26

[17] ) "منهاج السنة النبوية" (4/487)

[18] ) رواه الترمذي ج5 ص 366 رقم 1370 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الترمذي ج3 ص 450 رقم 1450

[19] ) رواه أحمد في مسنده ج36 ص 23 رقم 16968

[20] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 51

[21] ) التحرير والتنوير ج10 ص 63

[22] ) رواه البخاري ج6 ص 117 رقم 1554

[23] ) ابن تيمية : الجواب الصحيح ج3 ص 119

[24] ) ابن القيم : زاد المعاد ج3 ص 434

[25] ) رواه البخاري ج10 ص 448 رقم 2943

[26] ) يقول الشيخ محمد المنجد : أولا: ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم دخول الكافر إلى حرم مكة، ولو كان مجتازا مارا؛ لقوله تعالى:  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ  التوبة/28

وذهب الحنفية إلى جواز دخول أهل الذمة، من غير إقامة.

وذهب المالكية إلى جواز مرورهم واجتيازهم.

قال النووي رحمه الله: " يمنع كل كافر من دخوله، مقيما كان أو مارا. هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور" انتهى من "المجموع" (7/ 467).

وقال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (9/ 358): "فأما الحرم، فليس لهم دخوله بحال. وبهذا قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة: لهم دخوله، كالحجاز كله، ولا يستوطنون به، ولهم دخول الكعبة، والمنع من الاستيطان، لا يمنع الدخول والتصرف، كالحجاز.

ولنا: قول الله تعالى: إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [التوبة: 28]. والمراد به الحرم، بدليل قوله تعالى: وإن خفتم عيلة [التوبة: 28] يريد: ضررا بتأخير الجَلَب عن الحرم، دون المسجد.

ويجوز تسمية الحرم المسجد الحرام، بدليل قول الله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [الإسراء: 1] ، وإنما أسري به من بيت أم هانئ، من خارج المسجد...

فإن أراد كافر الدخول إليه، منع منه. فإن كانت معه ميرة أو تجارة، خرج إليه من يشتري منه، ولم يُترك هو يدخل.

وإن كان رسولا إلى إمام بالحرم، خرج إليه من يسمع رسالته، ويبلغها إياه. فإن قال: لا بد لي من لقاء الإمام، وكانت المصلحة في ذلك، خرج إليه الإمام، ولم يأذن له في الدخول، فإن دخل الحرم عالما بالمنع: عُزِّر، وإن دخل جاهلا، نهي وهدد" انتهى.

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (2/ 116): "يحرم على المسلمين أن يمكنوا أي كافر من دخول المسجد الحرام وما حوله من الحرم كله؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا...".

عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى.

ثانيا:  يقول العلامة المحقق ابن عابدين، في بيان مذهب أصحابه الحنفية: "الذي ذكره أصحاب المتون في كتاب (الحظر والإباحة): أن الذمي لا يمنع من دخول المسجد الحرام وغيرَه. وذكر الشارح هناك: أن قول محمد والشافعي وأحمد: المنعَ من المسجد الحرام؛ فالظاهر أن ما في السير الكبير هو قول محمد وحده، دون الإمام، وأن أصحاب المتون على قول الإمام، ومعلوم أن المتون موضوعة لنقل ما هو المذهب، فلا يعدل عما فيها" انتهى من "حاشية ابن عابدين" (4/ 209).

وأما مذهب المالكية: فقال الدسوقي (2/ 201): "(قوله: ولهم الاجتياز) أي المرور، وظاهره: ولو لغير حاجة، ككون طريقه من غيرها أقرب.

https://islamqa.info/ar/answers/340596/ /حكم-دخول-الكافر-الى-حرم-مكة-عبورا-واجتيازا

[27] ) رواه البخاري ج10 ص 268 رقم  2825

[28] ) شرح النووي على مسلم ج11 ص 93

[29] ) رواه البخاري ج2 ص 109 رقم 356

[30] ) تحفة الأحوذي ج8 ص 387

[31] ) يوسف بن موسى بن محمد، أبو المحاسن جمال الدين الملطي: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار ج1 ص 189

[32] ) ابن حجر : فتح الباري ج8 ص 318

[33] ) رواه البخاري ج2 ص 109 رقم 356

[34] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 218 ، تفسير الطبري ج14 ص 192 ، الدر المنثور للسيوطي ج5 ص 46 

[35] ) البحر المحيط ج6 ص 150

[36] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7ص 219

[37] ) في ظلال القرآن ج3 ص 469

[38] ) وقوله "تغدو خماصا" جمع خميص أي جائع (وتروح) ترجع (بطانا) جمع بطين أي شبعان أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئة الاجواف

[39] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 199 رقم 4154 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 404 رقم 3359

[40] ) إسماعيل الأنصاري : التحفة الربانية شرح الأربعين النووية ص 50

[41] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج2 ص 594

[42] ) شرح الزرقاني ج4 ص 313

[43] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج26 ص 306

[44] ) تفسير أبي السعود ج5 ص 44

[45] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 220 وعن سعيد بن الجبير مثله وعن الضحاك

[46] ) تفسير آيات الأحكام ج1 ص 281

[47] ) رواه البخاري ج10 ص 53

[48] ) ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج5 ص 103

[49] ) أسعد حومد : أيسر التفاسير ص 1265

[50] ) رواه البخاري ج10 ص 413 رقم 2924

[51] ) رواه البخاري ج10 ص 414 رقم 2925

[52] ) رواه البخاري ج10 ص 414 رقم 2925

[53] ) وعن خالد وعبادة قالا صالح عمر أهل إيلياء بالجابية وكتب لهم فيها الصلح لكل كورة كتابا واحدا ما خلا أهل إيلياء

( بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوت فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم فهو آمن وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان فمن شاء منهم قعدوا عليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية)

 شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكتب وحضر سنة خمس عشرة

انظر : تاريخ الطبري ج2 ص 450

[54] تفسير الشعراوي ج1 ص 3364

[55] ) كتاب الخراج ص 135

[56] ) كتاب "الخراج" (ص: 153، ط. المكتبة الأزهرية للتراث)

[57] ) انظر د. أيمن أحمد محمود كتاب "الجزية في مصر" من عام 1713 – 1854م – يراجع فتوى دار الإفتاء المصرية (العهدة العمرية هل تصلح دليلا على الجزية في العصر الحديث)

 https://www.dar-alifta.org/ar/Viewstatement.aspx?sec=fatwa&ID=   

[58] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3461

[59] ) رواه أبو داود ج8 ص 292 رقم 2654 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 444 رقم 445

[60] ) كتاب الخراج ص 135

[61] ) المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه ج3 ص 166

[62] ) المفصل في شرح حديث من بدل دينه فاقتلوه ج3 ص 166

[63] ) رواه البخاري ج10 ص 412 رقم 2923

  • الثلاثاء AM 09:55
    2026-05-12
  • 18
Powered by: GateGold