ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
معني توحيد الربوبية
معني توحيد الربوبية
الشيخ محمد إسماعيل المقدم
ما معنى كلمة الرب؟
قال الجوهري رحمه الله تعالى: رب كل شيء مالكه، والرب اسم من أسماء الله عز وجل، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة، وقد قالوه في الجاهلية للملك.
وقال الأصفهاني رحمه الله: الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام، يقال: ربه ورباه ورببه، وقيل: لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن، فالرب مصدر مستعار للفاعل، ولا يقال الرب مطلقًا إلا لله تعالى المتكفل بمصلحة الموجودات، نحو قوله تعالى: بلدة طيبة ورب غفور، أما بالإضافة فيقال له عز وجل ولغيره، نحو قوله: رب العالمين، وربكم، ورب آبائكم الأولين، ويقال بالإضافة أيضًا لغير الله كقولك: رب الدار ورب الفرس، لصاحبهما، وعلى ذلك قوله تعالى: اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه.
وجمع الرب أرباب، قال تعالى: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ولم يكن من حق الرب أن يجمع إذ كان إطلاقه لا يتناول إلا الله تعالى، لكن أتى بلفظ الجمع فيه على حسب اعتقاداتهم لا على ما عليه ذات الشيء في نفسه.
والحاصل أن لفظ الرب في اللغة يطلق على المالك، والسيد، والمربي، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل هذه المعاني صحيحة في حق الله تعالى، ويطلق عليه إطلاقًا حقيقيًا، لأنه رب كل شيء ومالكه وإلهه. قال تعالى: الحمد لله رب العالمين.
وقال العلامة تقي الدين المقريزي رحمه الله في تجريد التوحيد: فمعنى رب العالمين أن الرب سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لعباده، القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكفل بصلاحهم من خلق ورزق، وإصلاح دين ودنيا.
وقال الشوكاني رحمه الله: إن لفظ الرب باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار بإخلاص توحيده، هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي، ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى، فإن كونه رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة. انتهى كلام الشوكاني.
أما إطلاق لفظ الرب على غيره تعالى فإطلاق حقيقي إضافي، يقال: فلان رب البيت ورب الدابة ورب المال، بمعنى أنه مالكه، لا بمعنى أنه خالقه، وهذا الإطلاق يعني أكثر من أن الرب سبحانه أعطاه من فضله هذا القدر من الملك، وهو نسبة إضافية، والغرض من الإضافة رفع الالتباس، لأن الرب لا يطلق إلا على الله سبحانه، فهو رب كل شيء وخالقه والمتصرف فيه.
أما معنى توحيد الربوبية اصطلاحًا، فهو توحيد الله بأفعاله، أي الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك.
ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، أي الإيمان بأن كل محدث في الكون صادر عن علم الله عز وجل وإرادته وقدرته.
وبعبارات أخرى، فإن هذا التوحيد معناه نفي الشريك عنه تعالى في صفات الربوبية الحقة التي تعني الخلق والرزق والملك والتربية والتدبير، والإقرار بأنه تعالى وحده هو الفاعل المطلق في الكون، لا يشاركه أحد في فعله سبحانه.
وقد أشار الله تعالى في كتابه الكريم إلى هذا المعنى في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرًا.
وهذا النوع من التوحيد هو كالأساس بالنسبة لأنواع التوحيد الأخرى، لأن الخالق المالك المدبر هو الجدير وحده بالتوجه إليه بالعبادة، كما هو الجدير وحده بصفات الجلال والكمال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا التوحيد، أي توحيد الربوبية، هو من التوحيد الواجب، لكن لا يحصل به الواجب، ولا يخلص بمجرده عن الإشراك الذي هو أكبر الكبائر التي لا يغفرها الله، بل لا بد أن يخلص لله الدين، فلا يعبد إلا إياه، فيكون دينه لله. انتهى كلام شيخ الإسلام.
وزعم أهل الكلام والنظر والفلسفة ومن وافقهم أن هذا التوحيد هو التوحيد المطلوب الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، فتعبوا في إثباته وتقريره، وليس الأمر كما يزعمون، لأن الغاية الأولى والقضية الكبرى التي جاءت بها الرسل ونزلت بها الكتب هي توحيد الله عز وجل بالعبادة، فعبادة الله وحده لا شريك له هي التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب.
قال تعالى: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون.
ويتضمن توحيد العبادة توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
قال الشوكاني رحمه الله: اعلم أن الله لم يبعث رسله ولم ينزل كتبه لتعريف خلقه بأنه الخالق والرازق لهم ونحو ذلك، فإن هذا يقر به كل مشرك قبل بعثة الرسل، بل بعث الله رسله وأنزل كتبه لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة. قال تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله.
وقد كان المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم اعترافهم بذلك في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون.
وقال تعالى: قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون.
وقال عز وجل: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم.
وقال سبحانه: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.
ومثل هذا كثير في القرآن، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بأصل توحيد الربوبية.
وقد بين العلامة الشنقيطي رحمه الله أن كل الأسئلة التي وجهها الله تعالى للمشركين متعلقة بتوحيد الربوبية، والاستفهام فيها استفهام تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتّب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك الإقرار، لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة. انتهى كلام الشنقيطي رحمه الله.
ومثل هذا في القرآن كثير، فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بأصل توحيد الربوبية، ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم، بل حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم، حيث يجعلون أصنامهم وأوثانهم وسائط بينهم وبين الله، كما قال تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وعلى هذا، فإن إقرارهم بالربوبية لم ينفعهم، ولم يدخلهم في الإسلام، وقاتلهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، واستحل دماءهم وأموالهم، وذلك لأنهم أنكروا توحيد الألوهية وأشركوا بالله في عبادته.
قال تعالى: وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، أي ما يقر أكثرهم بالله، وبأنه خلقه وخلق السماوات والأرض، إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان، فلم يعتد بإقرارهم هذا، لأنه خالفه فعلهم، فمن شأن من أقر لله بتوحيد الربوبية أن يفرده بتوحيد العبادة، فإذا لم يفعل ذلك فالإقرار الأول باطل.
إذا عرفت ما تقدم، فاعلم أن وصف علماء العلوم الحديثة الذين يستدلون بآثار صنع الله في مخلوقاته على إثبات وجود الله، وصفهم بالإيمان، خطأ شنيع يستطيل به هؤلاء العلماء قبل غيرهم، لأنهم يتوهمون أنهم بهذا الإقرار بوجود الخالق قد أتوا بما يجب عليهم، وأنهم على خير لأنهم ليسوا ملحدين أشرارًا.
قال صاحب كتاب النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي في التعامل معها: وما أحسن ما قال أن غاية ما عند التيار العقلاني في الأبواب الدينية، إن أصاب، هو إثبات الربوبية، أما ما سواها فلا شيء كبير عندهم، وهنا يظهر النقص الكبير الذي وقع فيه الفكر العقلاني تجاه الدين في أوروبا، فقد دافعوا عما يقر به أغلب عقلاء البشر، وبما تدين به الفطر السوية، ولكن بقيت أمور العبادة والتوحيد وشرائع الدين معطلة عند هؤلاء.
ومما يؤسف عليه أن هذا أصبح سمة غالبة لمن يسمون عندهم بالمؤمنين من مفكرين وعلماء، إذ هم في الغالب ممن يعتقد بوجود الله، ولكنه لا يعترف بالنبوات والشرائع.
-
الاحد PM 04:42
2026-04-26 - 19



