ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
إشكالية المنافقين في فهم ميزان عدالة الإسلام والعفو عمن تاب منهم
إشكالية المنافقين في فهم ميزان عدالة الإسلام والعفو عمن تاب منهم
د أحمد نصير
قال تعالى (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)
- خطأ المنافقين في فهم ميزان العدالة في الإسلام (61)
- الإيذاء المعنوي من المنافقين وقعه شديد (61)
- محاولة المنافقين التملص من الحساب والعقاب (62-65)
- إمكان العفو عن من تاب من المنافقين (66)
قوله (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ..) (61) يسخر المنافقون من النبي r أنه يستمع لأعذارهم وكأنه يصدقهم ، ولكنه لا يكذبهم ولا يصدقهم ،ويكل أمرهم إلى الله .
قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْ " يَسْمَعُ مَا يُقَالُ لَهُ"
وعَنْ مُجَاهِدٍ، "سَنَقُولُ لَهُ مَا شِئْنَا ثُمَّ نَحْلِفُ لَهُ فَيُصَدِّقُنَا"
فعَنْ بْنُ عَطَاءٍ "فَالأُذُنُ" "الَّذِي يَسْمَعُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَيُصَدِّقُهُ"[1].
قال أبو السعود (أي سمع كلَّ ما قيل من غير أن يتدبَّرَ فيه ويميّزَ بين ما يليق بالقَبول لمساعدة أَمارات الصدقِ له وبين ما لا يليق به ، وإنما قالوه لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفَحُ عنهم حِلماً وكرماً فحملوه على سلامة القلبِ وقالوا ما قالوا)[2] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"كَانَ نَبْتَلُ بْنُ الْحَارِثِ يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ r فَيَجْلِسُ إِلَيْهِ فَيَسْتَمِعُ مِنْهُ، ثُمَّ يَنْقُلُ حَدِيثَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ "وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ"[3].
قوله (.. قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ..) أي أن هذه الصفة لم تكن أبدا محل للذم ، بل هي محل مدح لصاحبها عليها أنه يستمع لكلام الناس وينصت لهم ، ففي ذلك ترأف بهم وصبر عليهم ، حتى وإن لم يعجبه كلامهم ، فإنه باستماعه لهم تزداد ثقتهم فيه ، ويزداد حلما بهم ، ويفهم ما يدور بخلدهم ، ويعالج أفكارهم ، فالقرآن لم يكذب قولهم ، بل صدقه تصديق المادح لصاحب هذا الخلق ، وهذا هو خلق القرآن ، فما كان للنبي r أن يمتنع عن السماع لهم وهو نبي الأمة ، ولكن سماعه لا يلزم منه بكل حال التصديق كلامهم.
وكتب التنمية البشرية تؤكد أن رجال الأعمال الناجحين يتميزون بصفة السماع أكثر من الكلام ، بينما عادة الفاشلين في أعمالهم الكلام أكثر من السماع ، ويبررون سبب نجاح المستمعين جيدا ، أنهم يتعلمون ولو شيئا واحدة من كل مرة يستمعون فيه لغيرهم ، بينما الذين يتكلمون ويثرثرون يغترون بما يعلمون ويفوتهم كثير من العلم بقلة السماع ، فكتاب "أسرار عقل المليونير" (Secrets of the Millionaire Mind) لهارف إكر، يوضح كيف أن طريقة تفكير الأغنياء والفقراء مختلفة، يشدد الكتاب على أن الأغنياء يستمعون ويتعاملون بشكل مختلف مع الفرص، بينما يميل الفقراء إلى الحديث المستمر وإبداء الأعذار، مما يحد من تقدمهم.
قوله (..يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ..) قال التستري أي : أن النبي r (يصدق الله ويصدق المؤمنين)[4] ، ما يعني بمفهوم المخالفة أنه لا يصدق المنافقون ، لكنه مأمور r بأن يعاملهم بالظاهر حتى وإن كان يظن بخلاف ذلك ، فليس له اختيار في أي يعاملهم بما في صدورهم ، بل يعاملهم بما ظهر على ألسنتهم وأفعالهم ، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[5]، فقوله : (ألحن بحجته) أي : أفصح وأبين كلاماً)[6] .
قوله (..وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ.. ) فمن رحمة الله بالمؤمنين تحقيق العدالة بما ظهر من أدلة مادية ، وليس من شأن الناس التنقيب عما في الصدور والنوايا ، أي أن عدالة الشريعة الإسلامية مبنية على وقائع وأدلة ملموسة ، دون اعتبار للأحاسيس والمشاعر ، والعواطف ، والمعايير الشخصية ، فالعدالة في الإسلام موضوعية يسهل التنبؤ بها ، لأنها تقوم على معايير ثابتة ، ومعروفة مسبقا ، مثل شرط شهادة أربعة عدول على واقعة الزنا ..الخ ، فهي عدالة مبنية على الحيطة في الأمور وعدم التسرع في إصدار الأحكام.
فعَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ أَوْ فِي الْحُجْرَةِ فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفَى فِي كَفِّهَا فَادَّعَتْ عَلَى الْأُخْرَى فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ ذَكِّرُوهَا بِاللَّهِ وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا ( إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ..) فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ r الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ )[7] ، وهي تسمى باليمين (الإنكار) تُستخدم لدفع الدعوى عنه وإثبات براءة ذمته أو (الحاسمة) يعني بها يحسم النزاع تماماً؛ فإذا حلفها المدعى عليه رُدَّت دعوى المدعي ، إذا لم يكن ثمة أدلة ثبوت في الدعوى ، وإذا رفض الحلف ، يسمى ذلك "نكولاً" ، وقد يُحكم عليه لصالح المدعي إذا ظهرت أدلة الثبوت .
بهذا نفهم أن الشريعة الإسلامية لا تكلف الناس بما لا يستطيعون فعله ، والناس لا يمكنهم تحقيق العدالة المطلقة في الدنيا ، ولم يكلفوا بتحقيق العدالة الكاملة ، وإنما يكلفون بما في وسعهم لتحقيق العدالة ، ولذلك قال النبي r (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا)[8] ، أي أن العدالة المطلقة لا تتحقق إلا في شأن محكمة الآخرة عند الله وحده ، (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (الأنعام 57) .
أما في الدنيا فالإسلام يستهدف من إقامة ميزان القسط في الأرض على نحو ما عرَّفتْه الشريعة الإسلامية تحقيق القدر اللازم لسريان حياة الناس ، ولذلك قَالَ رَسُول اللَّهِ r (تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ)[9] ، قال المناوي أي (تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إلى (فابلغني من حد) أي ثبت عندي (فقد وجب) على إقامته يعني الحدود التي بينكم ينبغي أن يعفوها بعضكم لبعض قبل أن تبلغني ، فإن بلغتني وجب علي أن أقيمها ، والحكام مثله في ذلك)[10].
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ)[11] ، قال الإمام القرافي (وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى دَرْءُ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَقُومُ هُنَالِكَ مُفِيدًا لِلظَّنِّ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِذَا عَارَضَهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ ضَعُفَتْ غَلَبَ حُكْمُهَا وَدَخَلَ صَاحِبُهَا فِي حُكْمِ الْعَفْوِ ، وَقَدْ يُعَدُّ هَذَا الْمَجَالُ مِمَّا خُولِفَ فِيهِ الدَّلِيلُ بِالتَّأْوِيلِ)[12].
ولذلك كان النبي r لا يكتفي بالإقرار الأول من الجاني ، فيراجعه حتى يتأكد أنه يقر على نفسه وهو مدرك خطورة موقفه ، وعقوبته ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ r قَالَ لَهُ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَنِكْتَهَا لَا يَكْنِي قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ)[13] ، وفي رواية شارحة عن أَبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ جَاءَ الْأَسْلَمِيُّ نَبِيَّ اللَّهِ r فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ النَّبِيُّ r فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ أَنِكْتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ حَتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا قَالَ نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا قَالَ فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ)[14].
ثانيا : الإيذاء المعنوي من المنافقين وقعه شديد
قوله (..وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فالإيذاء المعنوي والافتراء وقعه شديد على المفترى عليه في الدنيا ، وعذابه أليم في الآخرة ، ونظير ذلك قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً) [الأحزاب/57].
قال البغوي (نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي r ، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا. فقال الجُلاس بن سُوَيْد منهم: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُنٌ أي: أذن سامعة)[15].
قال الشعراوي (والذين يؤذون رسول الله r هم السادة ، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون أن يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم وثرواتهم؛ وما أخذوه ظلماً من الضعفاء ، والضعفاء - كما نعلم - هم أول من دخل إلى دين الإسلام ، لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء واستغلالهم ونفوذهم ، وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمناً)[16].
والإفتراء فعل خاطئ يسبب ضررا معنويا بالغا للمفترى عليه ، وهو فعل مجرم جنائيا يستوجب التعزيز فإذا كان قذفا فيستوجب الحد ثمانين جلدة ، كما أنه فعل غير مشروع يستوجب التعويض المدني عن الضرر المعنوي ، ولا يشترط في تقديره حصول ضرر مادي ، والأدلة على وجوب التعويض المدني عن جريمة الافتراء في الشريعة الإسلامية كثيرة[17] منها ما يلي : -
ما رواه زيد بن سعنة وقد داين النبي r بتمر استلفه منه لأجل معلوما ، فلما رأه زيد بن سعنة "الدائن" قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة في جنازة رجل من الأنصار ، وقد صلى على الجنازة ثم دنا من جدار فجلس إليه ، قال: (فأخذت بمجامع قميصه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت له (ألا تقضيني يا محمد حقي فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب بمطل ولقد كان لي بمخالطتكم علم) ، فغضب عمر بن الخطاب وقال: (أي عدو الله أتقول لرسول الله r ما أسمع وتفعل به ما أرى؟ فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي هذا عنقك) ، فقال له النبي r في تؤدة (إنا كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة ، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعا من غيره مكان ما رُعْته)[18].
وقوله r (من كانت له مظلمة لأخيه مـن عرضـه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخـذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه .
ولهذا قال ابن القيم عن التعزير بالعقوبات المالية: "وهذا الجنس من العقوبـات نوعـان : نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط : فالمضبوط: ما قابل المتلف؛ إما لحـق االله سـبحانه : كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق الآدمي كإتلاف ماله... وأما النوع الثاني غير المقدر فه و الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح، ولذلك لـم تأت الشريعة فيه بأمر عام، وقدرٍ لا يزاد فيه ولا ينقص، كالحدود، ولهذا اختلف الفقهـاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويرجـع فيـه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة؛ إ ذ لا دليل على النـسخ، وقـد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة" .[19]
ثالثا : محاولات المنافقين التملص من الحساب والعقاب (62-65)
قوله (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ) (62) (الضمير المستتر "هم" في يحلفون عائد على الذين يقولون : "هو أذن" ، فأنكروا قولهم ، وحلفوا أنهم ما قالوه)[20] ، والمنافقون بوجه عام كانوا يتكلمون بالمطاعن ، ويتخلفون عن الجهاد ثم يعتذرون بأعذار واهية ، ويؤكدون معاذيرهم بالحلف ، ليرضى المؤمنين عنهم)[21] ، وهكذا يفعلون في كل زمان .
قال الشعراوي (ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ « يحلفون » ، ولم ترد مادة « يحلف » في سورة المائدة إلا مرة واحدة ، وفي سورة النساء مرة ، وفي سورة المجادلة ثلاث مرات ، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات ، وفي سورة القلم جاءت «حلاف» ، حتى إن سورة التوبة سميت « سورة يحلف »؛ لأن فيها أكبر عدد من ( يَحْلِفُونَ ) في القرآن الكريم) [22].
قوله (..وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) (62) فالأولى بهم أن يرضوا من هو أحق بالإرضاء ، ولا ينشغلوا برضا الناس ، قال السعدي (المؤمن لا يقدم شيئا على رضا ربه ورضا رسوله، فدل هذا على انتفاء إيمانهم حيث قدموا رضا غير اللّه ورسوله)[23].
قال رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ)[24] ، وقوله ( وكله الله إلى الناس ) أي (سلط الله الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه)[25] ، (يعني إذا عرض له أمر في فعله يوجب رضا الله وغضب الناس أو عكسه ، فعل الأول رضي الله عنه ودفع عنه شر الناس ، وإن فعل الثاني وكله إلى الناس يعني سلط الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه ولم يدفع عنه شرهم)[26].
وفي رواية (من التمس رضي الله بسخط الناس رضي الله تعالى عنه وأرضى الناس عنه ، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس)[27]، جاء في الشرح (كفاه الله مؤنة الناس ) لأنه جعل نفسه من حزب الله ، وهو لا يخيب من التجأ إليه ألا إن حزب الله هم المفلحون .
قوله (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ)(التوبة/63) لفظ (يحادد) من مجاوزة الحد ، وتكرار تلك المجاوزة على وجه المفاعلة ، مثل "يشاقق" ، "يخاصم" ، " يحارب" ، "يعادي" [28].
فهؤلاء قد ثبتت خيانتهم فيما مضي بعدما تمالؤوا على أهل الإسلام ، وقد أثاروا الفتن وظاهروا اليهود والمشركين ، أما بعد غزوة تبوك وقد تكررت الخيانة منهم والمحاداة بأن حاولوا قتل رسول الله r لما رجع من الغزوة ، وهو ما سوف نذكره في قوله (وهموا بما لم ينالوا) .
وجملة (من يحادد الله) جملة شرطية ، وجواب الشرط (فإن له نار جهنم) ، أي قد مضي ما مضي من خيانتكم ، فعلام تستمرون في الخيانة ، قال طنطاوي : والمعنى (ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين مردوا على الفسوق والعصيان أنه من يخالف تعاليم الله ورسوله ، فجزاؤه نار جهنم يصلاها يوم القيامة خالداً فيها؟! إن كانوا لا يعلمون ذلك - على سبيل الفرض - فأعلمهم يا محمد بسوء مصيرهم إذا ما استمروا على نفاقهم ومعاداتهم لله ولرسوله) [29].
قوله (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم) (التوبة/64) هذا شأن المنافقين الحذر الدائم ، والتربص والخوف من أن يفتضح أمرهم ،وهو أمر ملاحظ عليهم ، ويكشف ما هم فيه من قلق دائم ، فعَنْ مُجَاهِدٍ "يَقُولُونَ الْقَوْلَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ: عَسَى اللَّهُ أَلا يُفْشِيَ عَلَيْنَا هَذَا"[30]، وذلك لأنهم كانوا حذرين أن يكشف الله لنبيه ما في قلوبهم ، ويتمنون ألا يحصل ذلك .
وهذا هو حال المنافقون في كل زمان ، أي "الحذر من أن ينكشف سرهم، وخيانتهم " لكنهم في كل زمن يكونون أشد جرأة عما سبقه ، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُسِرُّونَ وَالْيَوْمَ يَجْهَرُونَ)[31] ، قال ابن التين أراد أنهم أظهروا من السر ما لم يُظهِر أولئك –في زمانهم- فإنهم لم يصرحوا بالكفر وإنما هو التفث يلقونه بأفواههم فكانوا يعرفون به)[32] ، ولذلك قَالَ حُذَيْفَةَ (إِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ)[33]، يعني جراءة المنافقين بعد النبي r عما كانوا عليه قبل ذلك أشد.
قوله (قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) (التوبة/64) أي (مبرز إلى حيز الوجود ، ما تحذرونه من إنزال السورة ، أو مظهر ما كنتم تحذرونه من إظهار نفاقكم)[34] ، قال مجاهد (يقولون القول بينهم، ثم يقولون: "عسى الله أن لا يفشي سرنا علينا!"[35]، قال ابن جزي (نزلت في وديعة بن ثابت بلغ النبي r أنه قال : هذا يريد أن يفتح قصور الشام هيهات هيهات ، فسأله عن ذلك فقال : إنما كنا نخوض ونلعب)[36].
ونظيره قوله (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) (محمد/29) ، فالله سبحانه لابد وأن يكشف الكفر والنفاق لأهل الحق حتى يحذروه .
وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: (كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمَّى: الْفَاضِحَةُ: فَاضِحَةُ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهَا: الْمُثِيرَةُ: أَنْبَأَتْ بِمَثَالِبِهِمْ وَعَوْرَاتِهِمْ، فَقَالَ: الَمَثَالِبُ: الْعُيُوبُ"[37]
قوله (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ) (التوبة/65) ورد في سبب النزول روايتين مؤداهما واحد :-
فعَنْ قَتَادَةَ في الآية قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r فِي غَزْوَتِهِ إِلَى تَبُوكَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَقَالُوا: أَيَرْجُو هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَفْتَتِحَ قُصُورَ الشَّامِ وَحُصُونَهَا ؟ ! هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ !، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ r :"احْتَبِسُوا عَلَى الرَّكْبِ فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: قُلْتُمْ كَذَا قُلْتُمْ كَذَا"قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ " إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا تَسْمَعُونَ)[38].
وفيه ما يدل على مشروعية التحقيق مع المنافقين وسؤالهم عما بدر منهم ، وما حام حولهم من شبهات ، وتكليفهم بالرد ونفي ما اتهموا به ، وذلك رغم يقينه من حالهم بالوحي ، لكن السؤال بهدف الاستتابة والاعتذار .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِي مَجْلِسٍ يَوْمًا: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلاءِ – يقصدون أهل القرآن - لا أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلا أَكْذَبَ أَلْسِنَةً، وَلا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ ، فَقَالَ رَجُلٌ فِي الْمَجْلِسِ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ مُنَافِقٌ لأُخْبِرَنّ رَسُولَ اللَّهِ r ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ r وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقَبِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ r تَنْكُبُهُ الْحَاجِرَةُ وَهُوَ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: " إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ " وَرَسُولُ اللَّهِ r ، يَقُولُ:" " أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ " [39].
وفيه دليل على أن العمد والهزل سواء في الاستهزاء بدين الله وكذا أهل الحق ، قال الهراسي (فيه دلالة على أن اللاعب والخائض سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأن المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعباً, فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللعب بذلك)[40].
قوله (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ..) وقد ذكر المفسرون أن الطائفتين قد كفروا ، الطائفة الأولى "الضاحك" ، والثانية "الهازئ"
ويلاحظ هنا أنه أثبت الإيمان لهم قبل تقدم حصول الكفر منهم ، قال الزمخشري في قوله "بعد إيمانكم" فيه ثلاثة أوجه :-
أحدها : آمنوا ، أي : نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام ، ثم كفروا : ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم ... ونحوه قوله تعالى : (يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم) [ التوبة : 74 ] أي : وظهر كفرهم بعد أن أسلموا .
والثاني آمنوا : أي نطقوا بالإيمان عند المؤمنين ، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام ، كقوله تعالى : (وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ ...إِنَّمَا نَحْنُ مستهزؤون) [ البقرة : 14 ]
والثالث : أن يراد أهل الردة منهم)[41] .
والأوجه الثلاثة المشار إليها على معنى واحد يدل على نفاقهم ، ولم يدخل الإيمان قلوبهم ، ولذلك قال أبو سراج (فإن قيل : كيف قال (كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) وهم لم يكونوا مؤمنين؟ فالجواب : قال الحسنُ : أظهرتم الكفر بعد ما أظهرتم الإيمان)[42].
رابعا : إمكان العفو عن من تاب من المنافقين (66)
قوله (.. إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) (التوبة/66) فيه بشارة مخلوطة بالنذارة ، قال ابن عاشور (على عادة القرآن في تعقيب النذارة بالتبشير للراغب في التوبة تذكيرا له بإمكان تدارك حاله ، كذلك ولما كان حال المنافقين عجيبا كانت البشارة لهم مخلوطة ببقية النذارة ، فأنبأهم أن طائفة منهم قد يعفى عنها إذا طلبت سبب العفو: بإخلاص الإيمان، وإن طائفة تبقى في حالة العذاب)[43].
قال القاضي (لما ذكر الله تعالى أنه يعفو عن طائفة ويعذب الأخرى ، كان فيه إضمار أن الطائفة التي أخبر أنه يعفو عنهم تابوا عن الكفر ورجعوا إلى الإسلام ، وأن الطائفة التي أخبر أنه يعذبهم أصروا على الكفر ولم يرجعوا إلى الإسلام)[44].
فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ: لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِائَةً عَلَى أَنْ نَنْجُوَ مِنْ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ:"أَدْرَكِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ هُمْ أَنْكَرُوا وَكَتَمُوا، فَقُلْ: بَلَى، قَدْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا"فَأَدْرَكَهُمْ، فَقَالَ لَهُمُ: الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ r ، فَجَاءُوا لِرَسُولِ اللَّهِ r يَعْتَذِرُونَ، وَقَالَ مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ: يَارَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: " لا تَعْتَذِرُوا قَدِ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً " فَكَانَ الَّذِي عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مَخْشِيُّ بْنُ حِمْيَرٍ، فَتَسَمَّى: عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يَعْلَمُ بِمَقْتَلِهِ فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ لا يَعْلَمُ مَقْتَلَهِ وَلا مَنْ قَتَلَهُ وَلا يُرَى لَهُ أَثَرٌ وَلا عَيْنٌ) [45] .
وعن محمد بن إسحاق قال (الذي عفا عنه رجلٌ واحد، هو مَخْشِيّ بن حُمَيِّر الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أُعْنَى بها تقشعر الجلود منها، وتُجَبُّ[46] منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأُصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيره)[47].
قال الرازي (ولعل ذلك الواحد لما لم يبالغ في الطعن ،ولم يوافق القوم في الذكر خف كفره ، ثم إنه تعالى وفقه للإيمان والخروج عن الكفر ، وذلك يدل على أن من خاض في عمل باطل ، فليجتهد في التقليل فإنه يرجى له ببركة ذلك التقليل أن يتوب الله عليه في الكل)[48] .
تلك النكتة التي أشار إليها الرازي هي بركة تقليل المعصية عند من ابتلى بها ، لعل الله يمن عليه بالتوبة لأجل التقليل من المعصية ، وتجد صداها في أن النبي r مايز بين نوعين من المنافقين ، فقال (مَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ)[49] ، يقول العلماء (إن كلام الله المجيد له تأثير في باطن العبد وظاهره ، وإن العباد متفاوتون في ذلك ، فمنهم من له النصيب الأوفر من ذلك التأثير وهو المؤمن القارىء ، ومنهم من لا نصيب له البتة وهو المنافق الحقيقي ، ومنهم من تأثر ظاهره دون باطنه وهو المرائي أو بالعكس ، وهو المؤمن الذي لم يقرأه)[50] .
كذلك الحال بالنسبة لمن اجتهد أن يأتي عملا صالحا وإن خالطه بآخر سيئا ، ولو كان منافقا ، فلعل العمل الصالح يخرجه عن دائرة النفاق المحض ، فيكون ذلك توبة له ، وعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ كُنَّا فِي حَلْقَةِ عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ حُذَيْفَةُ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَقَدْ أُنْزِلَ النِّفَاقُ عَلَى قَوْمٍ خَيْرٍ مِنْكُمْ .. ثُمَّ تَابُوا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)[51].
وروي عن الجلاس بن سويد أنه قال في غزوة تبوك (إن كان ما يقول محمد حقا ، فلنحن شر من الحمير) فسمعها عمير بن سعيد فقال (والله إني لأخشى إن لم أرفعها إلى النبي r أن ينزل القرآن فيه ، وأن أخلط بخطيئته ، ولنعم الأب هو لي) فأخبر النبي r فدعا الجلاس فعرفه وهم يترحلون ، فتحالفا ، فجاء الوحي إلى النبي r فسكتوا فلم يتحرك أحد ، وكذلك كانوا يفعلون لا يتحركون إذا نزل الوحي ، فرفع عن النبي r فقال (يحلفون بالله ما قالوا) ولقد قالوا كلمة الكفر حتى فإن يتوبوا ، فقال الجلاس (استتب لي ربي فإني أتوب إلى الله وأشهد لقد صدق)[52] ، قال الطبراني (بلغنا أنه تاب بعد ذلك)[53] .
[1] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 207
[2] ) ) تفسير أبو السعود ج3 ص 181
[3] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 305
[4] ) تفسير التستري ج1 ص 31
[5] ) راه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483
[6] ) حاشية السندي على صحيح البخاري ج4 ص 96
[7] ) رواه البخاري ج14 ص 20 رقم 4187
[8] ) رواه مسلم ج9 ص 103 رقم 3232
[9] ) رواه النسائي ج15 ص 54 رقم 4803 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 527 رقم 5265
[10] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 912 – النهاية في غريب الأثر ج3 ص 524
[11] ) رواه الترمذي ج5 ص 322 رقم 1344 وضعفه الألباني : سلسلة الأحاديث الضعيفة ج5 ص223 رقم 2198 – ونقل قول الذهبي " قال رحمه الله: وأجود ما في الباب خبر البيهقي :" ادرءوا الحد والقتل عن المسلمين ما استطعتم " . قال : " هذا موصول جيد " .
قلت : هو عند البيهقي في " السنن " ( 8/238 ) بسند حسن عن ابن مسعود موقوفا عليه
[12] ) أنوار البروق في أنواع الفروق ج2 ص 205
[13] ) رواه البخاري ج21 ص 99 رقم 6324
[14] ) رواه أبو داود في سننه ج12 ص 7 رقم 3843 وضعفه الألباني : وقال (هذا إسناد ضعيف ؛ رجاله ثقات غير عبد الرحمن هذا ؛ قال الذهبي في " الميزان " :" تفرد عنه أبو الزبير ، فلا يدرى من هذا ؟ "
سلسلة الأحاديث الضعيفة ج6 ص 532 رقم 2958
[15] ) تفسير البغوي ج4 ص 67
[16] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3588
[17] ) يراجع في هذا المعنى د/ يزيد بن صالح بن عبد الله السحيباني : التعويض عن الضرر المعنوي في ضوء الفقه الإسلامي ونظام المعلامات المدنية ، الأستاذ المساعد بقسم الفقه المقارن بالمعهد العالي القضاء بالمملكة العربية السعودية
[18] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 523
[19] ) إعلام الموقعين ج2 ص 117
[20] ) البحر المحيط ج6 ص 193
[21] ) الكشاف ج2 ص 440
[22] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3594
[23] ) تفسير السعدي ج1 ص 342
[24] ) رواه الترمذي ج8 ص 438 رقم 2338 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 414
[25] ) تحفة الأحوذي ج7 ص 82
[26] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج14 رقم 447
[27] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج1 ص 510 رقم 276
[28] ) قال أبو السعود في تفسيره ج3ص182 : (المحادَّةُ من الحدّ كالمُشاقّة من الشَّق والمعاداةُ من العُدوة بمعنى الجانبِ فإن كلَّ واحدٍ من مباشري كلِّ الأًفعالِ المذكورة في محل غيرِ محلِّ صاحبِه) ، وانظر الألوسي ج7 ص 279
[29] ) الوسيط لسيد طنطاوي ص 1989
[30] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 311
[31] ) رواه البخاري ج22 ص 10 رقم 6580
[32] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج 35 رقم 179
[33] ) رواه البخاري ج22 ص 11 رقم 6581
[34] ) البحر المحيط ج6 ص 196
[35] ) تفسير الطبري ج14 ص 331
[36] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 610
[37] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 311
[38] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 313
[39] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 313
[40] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 74
[41] ) الزمخشري : الكشاف ج7 ص 63
[42] ) أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني/ اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 315
[43] ) التحرير والتنوير ج10 ص 143
[44] ) تفسير الرازي ج8 ص 87
[45] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 316
[46] ) وجب قلبه يجُب وجيبا: خفق واضطرب
[47] ) تفسير البغوي ج4 ص 70
[48] ) تفسير الرازي ج8 ص 87
[49] ) رواه البخاري ج17 ص 48 رقم 5007
[50] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج29 ص 113
[51] ) رواه البخاري ج14 ص 113 رقم 4236
[52] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج10 ص 46 رقم 18303
[53] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج3 ص 166 رقم 3018
-
الاثنين PM 01:13
2026-05-25 - 8



