المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1916887
يتصفح الموقع حاليا : 1231

البحث

البحث

عرض المادة

أولوليات جهاد المنافقين تحصين المجتمع المسلم ، وتحذير المنافقين

أولوليات  جهاد المنافقين تحصين المجتمع المسلم  ، وتحذير المنافقين

 

د أحمد نصير

 

قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)

 

  • العلم بأن سياسة المنافقين الإفساد والإضلال عن قصد وعمد (67)
  • عدم فقه المنافق للعمل الطوعي والخيري (67)
  • تحذير المنافقين النار واجب قبل محاربتهم وقتالهم إن لزم الأمر (68)
  • تحذير المنافقين بفتنة الذين من قبلهم بمتاع الدنيا (69-70)
  • تقوية الصف الداخلي بولاية المؤمنين بعضهم بعضا (71)
  • تبشير المؤمنين جنات عدن ليظل احتسابهم الأجر على الله دون انتظار نصيب من الدنيا (71-72)
  • الأصل في التعامل مع المنافقين مجاهدتهم مثل الكافرين والإغلاظ علي غير المحاربين منهم (73)
  • استتابة المنافقين وإن تآمروا على المسلمين وهموا وشرعوا لإبادتهم لكن خاب سعيهم (74)

 

أولا : العلم بأن سياسة المنافقين الإفساد والإضلال عن قصد وعمد

 

قوله (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (67) قوله " بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ" أي لا يتميز أحد من المنافقين والمنافقات عن الآخر في الخسة والقبح والفضائح)[1] ، وقد وسمهم الله بصفتين :-

الأولى : السلبية المفرطة في إنكار المنكر بل والتجرؤ على انتهاك حدود الله وأمر الناس بارتكاب المنكرات ، وتجرؤهم على عباد الله المؤمنين ونهيهم عن المعروف ، هذه صفة تدل على عدائهم للإصلاح  .

والثانية : بخلهم عن النفقة وعمل الخير وإيصاله للناس .

 

ولا يمكن اختزال الخطر الحقيقي للمنافقين لمجرد أنهم يتخاذلون عن نصرة الإسلام ، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر ، ولا يجاهدون في سبيل الله ، وإن كان ذلك لكبير ، فبحصول ذلك يهلك الله العامة والخاصة ، كما قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: 117)، وقوله  r (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ)[2].

 حتى وإن انقلبت عندهم الموازين فأصبحوا يرون المعروف منكرا والمنكر معروفا ، فإن الخطر الحقيقي للمنافقين يكمن في أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، أي إنهم يصدون عن سبيل الله بإضلال الناس حق الحق ، ويفسدون في الأرض من حيث لا يشعرون ، قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) (البقرة/11-12) ، فأضحت أعمالهم والكافرون المحاربون سواء بسواء .

 

ويزيد الطين بلة إذا وسد الأمر إليهم ، فأضحى الناس يستفتونهم في أمور دينهم فيفتونهم ، ويضلونهم بجهل ، سواء عن عمد أو عن جهل محض ، فعن  عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقُولُ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ)[3]، وفي رواية (حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)[4] ، ويعضده ما روي وعنهِ r (يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنْ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنْ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ؟ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا)[5] .

 

ذلك أن الأمر والنهي هما أداة مباشرة"الولاية العامة" فإذا ما وسد هذا الأمر للمنافقين ، فلا يأمرون بالمعروف وإنما بالمنكر ، ولا ينهون عن المنكر وإنما عن المعروف ، كما في الحديث قَالَ النبي r (فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ) قَالَ –السائل- كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ (إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ)[6] ، فهذا الحديث يبين أن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تضيع مع ضياع الولايات ، فبضياعها يُفتح باب من الشر للمنافقين .

 

 ويعضد ذلك المعنى -كذلك - ما روي عن أبي أمامة عن النبي r قال: كيف بكم إذا طغا نساؤكم، وفسق شبابكم، وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه يا رسول الله؟ قال: كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا ورأيتم المنكر معروفا؟ قالوا: وكائن يا رسول الله؟ قال: نعم وأشد منه سيكون، يقول الله: بي حلفت لأتيحن لهم فتنة يصير الحليم فيها حيران)[7] .

 

ثانيا : عدم فقه المنافق للعمل الطوعي والخيري

 

وقوله (..ويقبضون أيديهم..) (67) أي على الأموال ، يأخذونها فلا ينفقونها[8] كناية عن الإِمساك البخل والشح[9]، وعدم البذل ، وهو كناية الحرص الشديد عما في أيديهم ،  ومؤدى ذلك ترك ما يجب عليهم من حق[10] أى عن (الانفاق فى سبيل الله وعن الصدقة وعن كل خير) ، ويتعدى ذلك إلى ترك الجهاد بالمال  ومن ثم بشح بالنفس .

   

فالتعبير يصورهم حينما يأت وقت النفقة كأنهم يرون نارا فيقبضون أيديهم حتى لا يحترقوا منها ، ولو فقهوا معنى الصدقة لعلموا أنها ليست نارا ، بل تطفئ النار ، يقول النبي r (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)[11] ، يقول النبي r (الصدقة تطفئ غضب الرب)[12].

 

وقوله (..نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ ..) (67) أي نسوا حق الله في أموالهم ، ونسوا أن الله مطلع على سرهم ، فأعلنوا إسلامهم وأخفوا كفرهم ، فنسيهم الله أي تركهم على نفاقهم فلم يهدهم حتى إذا دخلوا النار تركهم  يعذبون خالدين فيها ، لا يبال بطول مكثهم فيها ، كما في قوله (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء 145) .

 

قال الشنقيطي (في نسبة النسيان إلى الله تعالى وقع الإشكال مع قوله تعالى (وَما كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) [مريم 64]، وقوله (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) [طه 52] وقد أجيب على ذلك بأن النسيان المثبت بمعنى الترك ، والمنفي عنه تعالى هو الذي بمعنى السهو لأنه محال على الله تعالى)[13] .

 قال ابن عطية (فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب النار ، وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة)[14].

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ..قَالَ فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ بَلَى؟ قَالَ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ ؟ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي

 ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي

ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ ، فَيَقُولُ هَاهُنَا إِذًا ، قَالَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ انْطِقِي ، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ)[15].

 

وقوله (.. إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (67) قال ابن عاشور (يظهر أن تكون هذه الآية احتراسا عن أن يظن المنافقون أن العفو المفروض لطائفة منهم هو عفو ينال فريقا منهم باقين على نفاقهم  ، فعقب ذلك ببيان أن النفاق حالة واحدة وأن أصحابه سواء، ليعلم بذلك أن افتراق أحوالهم بين عفو وعذاب لا يكون إلا إذا اختلفت أحوالهم بالإيمان والبقاء على النفاق، إلى ما أفادته الآية أيضا من إيضاح بعض أحوال النفاق وآثاره الدالة على استحقاق العذاب، ففصل هاته الجملة عن التي قبلها)[16].

 

ففي الآية وصف للمنافقين بالفسق ، فلا يتورعون عن ارتكاب المعاصي بكل أنواعها ، صغائر أم كبائر ، فلا تؤمن فتنتهم ، قال الألوسي أن المقصودين بالوصف هنا أي (الكاملون في التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل حتى كأنهم الجنس كله ، ومن هنا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الخبر وإلا فكم فاسق سواهم)[17].

 

وهذا الوصف الذي يعترون به يشرح لنا سبب عزوفهم عن العمل الطوعي وسبب حرصهم على نشر الفاحشة في الذين آمنوا ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) (النور 19) ، أي أن من كان علي هذه الشاكلة من النفاق ، وانحدر في الأخلاق إلى هذا التسفل فلا غرو أنه فاسق ، لاسيما وقد رأي المعروف منكرا والمنكر معروفا ، ولم يعر اهتماما لأعمال البر والصلة  .

 

قال البيضاوي : (والفاسق في الشرع : الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ، وله درجات ثلاث :

الأولى : التغابي وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها ، وهذا يزول عنه وصف الإيمان حال تلبسه بالمعصية ، فإن تاب رجع إليه ، وهو المشار إليه بقول النبي r (لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ)[18]

 

الثانية : الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها ، ولعل هذا المعنى هو المشار إليه في قوله r (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا)[19]

قال (وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان ).

 

الثالثة : الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً إياها ، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ، ولابس الكفر)[20] ، وتلك هي المرحلة الأخيرة الذي ذكرتها الآية .

 

ثالثا : تحذير المنافقين النار واجب قبل محاربتهم وقتالهم إن لزم الأمر

 

قوله (وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) (68) ، ونظير ذلك قوله تعالى (إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء/140)

عَنْ أَبِي يَحْيَى، قَالَ: سُئِلَ حُذَيْفَةُ، مَنِ الْمُنَافِقُ ؟ قَالَ:"الَّذِي وَصَفَ الإِسْلامُ وَلا يَعْمَلُ بِهِ"[21].

 

ذكر ابن عاشور أن الآية ذكرت بأن لهم عذابين : عذابا أخرويا وهو نار جهنم، فتعين أن العذاب الثاني عذاب دنيوي وهو عذاب القتل، فلما أعقب ذلك بشنائع المنافقين وبضرب المثل لهم بالأمم البائدة، أمر نبيه بجهاد المنافقين وهذا هو الجهاد الذي أنذروا به في قوله: (ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً) [61،60 الأحزاب] ، فبعد أن أنذرهم الله بذلك فلم يرتدعوا ومضى عليهم من المدة ما كشفت فيه دخيلتهم بما تكرر منهم من بوادر الكفر والكيد للمسلمين، أنجز الله ما أنذرهم به بأن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بجهادهم. والجهاد القتال لنصر الدين)[22]

 

قوله (..هِيَ حَسْبُهُمْ..) (68) أي (هي تكفيهم من العذاب) [23]، قال ابن عاشور (ومعنى "هِيَ حَسْبُهُمْ" أنها ملازمة لهم ، وأصل حسب أنه بمعنى الكافي، ولما كان الكافي يلازمه المكفي كني به هنا عن الملازمة)[24] .

 

 فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ)[25] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله r قرأ هذه الآية "اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" والذي نفس محمد بيده لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم ، فكيف بمن يكون طعامه)[26].

 

قوله (..وَلَعَنَهُمُ اللّهُ ..) (68) اللعن هو الطرد من الرحمة ، أي لن يقبل منهم توبة ، ولا يقبل من أحد شفاعة لهم ولا استغفارا ، كما قال الله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(النساء 138) ، وقوله (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (المنافقون6) ، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) (محمد 34) ، وقوله (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة80)

 

يعزى ذلك أنهم كانوا ضالعين في النفاق ، فالمنافقون المتمردون في النفاق هم المخصوصون باللعن ، قال تعالى (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ[27] بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء 88) .

 

قوله (..وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) (68) قال الزمخشري أي (مقيم معهم في العاجل لا ينفكون عنه ، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والظاهر المخالف للباطن ، خوفاً من المسلمين وما يحذرونه أبداً من الفضيحة ونزول العذاب إن اطلع على أسرارهم)[28].

 

رابعا : تحذير المنافقين بفتنة الذين من قبلهم بمتاع الدنيا

 

قوله ( كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ[29] فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (69) ذكرهم بمن كان قبلهم ممن كان يتمتع بنصيب من الدنيا يفوق نصيبهم ، فلم ينتفعوا بشيء من تلك النعم بل خاضوا في الباطل ، ولم يكن لهم نصيب في الآخرة ، قال ابن الجوزي (استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا)[30].

 

قال ابن القيم (والمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد وسوى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال وكونهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا فرق غير مؤثر فعلق الحكم بالوصف الجامع المؤثر وألغى الوصف الفارق ثم نبه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء)[31]

 

قوله (..فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ[32] فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ..) الخلاق هو النصيب ، أي  النصيب من الدنيا ، قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا)(النساء134) ، وقال (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (الشورى20) 

ويقول النبي r "يقولُ اللَّهُ تَعَالَى: ابْنَ آدَمَ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا ولَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ" ) [33]

قال البيضاوي : ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشهوات الفانية ، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم)[34].

 

وقد ذم الله الاستمتاع بالنعم دون أداء واجب شكر المنعم علي نعمه ، فقال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) (إبراهيم 28) ، (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل112).

 

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ r إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحُلَّةِ حَرِيرٍ أَوْ سِيَرَاءَ فَرَآهَا عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا يَعْنِي تَبِيعَهَا)[35] ، أي لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا نصيب له في الآخرة .

 وعن عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ (أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ r حَرِيرًا بِشِمَالِهِ وَذَهَبًا بِيَمِينِهِ ثُمَّ رَفَعَ بِهِمَا يَدَيْهِ فَقَالَ إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ)[36]

 

قوله (..وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ..) أي ليتهم تنعموا بنعم الله التي أغدقها عليهم ، وأنعموا على غيرهم بهذا الفضل ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك فلم يشكروا الله على نعمه ، بل خاضوا في الباطل فصار الخوض في الباطل سبب لتكدير صفوهم ، فحالهم كالذي يخوض في الوحل والطين ، فكلما خاض فيه تلطخت قدماه ، وكان أن يهلك ، فاستحقوا الذم من ذلك الوجه، قيل (إن أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل)[37] ، أي الذين لا يتورعون عن المعصية فكلما اقترف معصية أتبعها بأخرى ، ولا يتذكر التوبة ، لكن يوم القيامة يتذكرون ويقولون (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (المدثر45).

 

    

 

إذ يترتب علي نسيان الشكر ، خوض المتنعم في الباطل لزوما ، فهما أمران متلازمان كما أخبر الله بذلك في قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) (سبأ 35) ، فهذا التفاخر والتعالي بالنعم على عباد الله نوع من الخوض في الباطل ، وقد وصف الله من هم على هذه الشاكلة من الترف والتعالي بأنهم مفتونون هالكون بعد هذه الفتنة ، فقال (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) (المؤمنون 64)  ، وقال (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)  (الإسراء16).

 

والمقصود بالخوض -هنا-متابعتهم لليهود والنصارى ، فهم الذين كانوا من قبلهم ، أي شياطينهم ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ)[38].

 

قال الشنقيطي (فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد بالباطل والتكلم به وهو الخوض في البدع أو يقع بالعمل أي باتباع الهوى ، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء ، وبهما كذبت الرسل وعصى الرب، ودخلت النار وحلت العقوبات)[39].

 

قوله (أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) إحباط العمل في الآخرة معروف أما إحباط العمل في الدنيا ، فقد قيل أن ما يبغونه في الدنيا من أعمال لا تؤتي ثمارها ، بمعنى أنهم يعيشون مثل الكافرين معيشة ضنكا ، فلا بارك الله لهم في أولادهم ولا في أموالهم ، بل هم يعذبون بها ، كما في قوله (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)"التوبة/55"

 

 قال ابن عاشور (والمراد بأعمالهم: ما كانوا يعملونه ويكدحون فيه: من معالجة الأموال والعيال والانكباب عليهما، ومعنى حبطها في الدنيا استئصالها وإتلافها بحلول مختلف العذاب بأولئك الأمم، وفي الآخرة بعدم تعويضها لهم)[40]

واستشهد بقوله تعالى: (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ) [مريم:80] - أي في الدنيا - (وَيَأْتِينَا فَرْدًا) [مريم:80] - أي في الآخرة - لا مال له ولا ولد، كقوله: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ) [الحاقة:29،28]، فمن كان هذا حاله فلا شك أنه خاسر في الدارين ، فلا دنيا نال ، ولا أخرة أصاب .

 

قوله (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (70) فيه دلالة على عدم اعتبار المنافقين بما حصل للظالمين من الأقوام السابقين ، ذلك أنه شبه المنافقين بالكفار المتقدمين في الرغبة في الدنيا وتكذيب الأنبياء

 

 قال أبو حيان (ولما كان لفظ "الذين من قبلكم" فيه "إبهام" ، نصّ على طوائف بأعيانها ستة ،" قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ " لأنهم كان عندهم شيء من أنبائهم ، وكانت بلادهم قريبة من بلاد العرب ، وكانوا أكثر الأمم عدداً ، وأنبياؤهم أعظم الأنبياء : نوح أول الرسل ، وإبراهيم الأب الأقرب للعرب ، وما يليها من الأمم مقاربون لهم في الشدّة وكثرة المال والولد)[41] .

 

والجامع لهؤلاء الستة أنهم استمتعوا بدنياهم ، ونسوا صاحب النعم ، فقوم نوح وصفهم الله بأنهم قوم سوء فقال (إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: 76‑ 77].

وقال ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الذاريات: 46].

وقال ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴾ [النجم: 52].

وعاد قال الله في شأنهم (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشعراء129)

وقال تعالى في شأن قوم ثمود (أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ)(الشعراء 149)

وكذلك قوم إبراهيم كانوا يعيشون في رغد من العيش في بابل بلاد الرافدين (دجلة والفرات)، وكانوا يعبدون الأصنام ثم ملكهم النمرود ، فأله نفسه عليهم .

وأصحاب مدين كانوا معروفين بأنهم أهل تجارة  وكانوا أرباب أموال ، فلما نهاهم شعيب عن الغش في الميزان والكيل (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) (الأعراف 87)

والمؤتفكات معروفون بالحدائق والأشجار الملتفة ، فأهلكهم الله (وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى) (النجم53)

 

فكلهم لم يشكوا الفقر ، بل ابتلوا برغد العيش ، فلم يشكروا الله على ما آتاهم من نعم ، وبدلوا  نعمة الله كفروا وأحلوا قومهم دار البوار  ، قال تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾]القصص: 78[.

 

قوله (..فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) قال الزمخشري (فما صحّ منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح وأن يعاقبهم بغير جرم ، ولكن ظلموا أنفسهم حيث كفروا به فاستحقوا عقابه ) [42]،كما في قوله سبحانه (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

 

قال ابن عاشور (ظلموا أنفسهم بالعناد، والمكابرة، والتكذيب للرسل، وصم الآذان عن الحق، فأخذهم الله بذلك، ونظم الكلام على هذا الأسلوب بديع ، إذ ابتدئ فيه بنفي أن يكون الله ظلمهم بأبلغ وجه ، وهو النفي المقترن بلام الجحود، بعد فعل الكون المنفي.

وجعل الاستدراك بلفظ "ولكن" مفرعا عن هذا النفي ، وأثبت ظلمهم أنفسهم لهم بأبلغ وجه إذ أسند إليهم بصيغة الكون الماضي(كَانُواْ ) ، الدال على تمكن الظلم منهم منذ زمان مضى، وصيغ الظلم الكائن في ذلك الزمان بصيغة المضارع للدلالة على التجدد والتكرر، أي على تكرير ظلمهم أنفسهم في الأزمنة الماضية)[43].

قال أبو السعود (والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل في قوله عز وجل : " كَانُواْ -يَظْلِمُونَ " للدِلالة على استمرار ظلمِهم حيث لم يزالوا يعرِّضونها للعقاب بالكفر والتكذيب ، وتقديمُ المفعول " أَنفُسَهُمْ " لمجرد الاهتمام به)[44].

 

 

 

 

خامسا : تقوية الصف الداخلي بالحرص على تأكيد ولاية المؤمنين بعضهم بعضا

 

قوله (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (71) أي يجب أن يتحلى الصف المؤمن بروح الأخوة في الله ، فيتحابوا جميعا في الله ، من فيكونوا يدا واحدة ، كالصف الواحد يشد بعضه بعضا ، فلا يتأثر بما يفعله المنافقون.

ثم لفت الإنتباه إلى واجب المؤمنين تجاه قضية درء خطر المنافقين ، بإصلاح ما أفسده بعمل مضاد ، وذلك بالأمر بالمعروف وقد نهى المنافقون عنه ، وبالنهي عن المنكر وقد أمر المنافقون به ، وبإقامة شعائر الإسلام الصلاة والزكاة وقد قبضوا أيديهم عن الصدقات ، وبالجملة طاعة الله ورسوله .

 

 قوله (..وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (71) فعن ابن عباس قال –في هذه الجملة من الآية- : (إخاؤهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية لله)[45]، قال ابن كثير أي: (يتناصرون ويتعاضدون)[46].

فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) [47]

 وعن رَسُولُ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)[48]

 وعن النبى r (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ)[49] ، قال ابن بطال (تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا فى أمور الدنيا والآخرة من مكارم الأخلاق)[50]

قال النووي (هذه الأحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض ، وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه)[51].                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  

 

   

 

وفي ذلك دلالة عظيمة على أن اتحاد المسلمين وشدة اختلاطهم ببعض يمنع وقوع الخلل من أحدهم ، ويقيهم محاولات المنافقين الاندساس بينهم ، فكلما تشابكوا تعذر على المنافقين التخلل بينهم .

ذلك أن مقتضى الولاية -من جهة- الكف عن ظلمه بأي وجه من أوجه الظلم ماديا أم معنويا - قال رسول الله r (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ)[52] ، و"الخذل" (ترك الاغاثة والنُّصْرَةِ)[53].

 ومن جهة أخرى- تحقيق النصرة ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا قَالَ تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ)[54] أي بالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا من مقتضيات الولاية له .

 

قوله (..يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ..) (71) قال رسول الله r (أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة ، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة )[55]، قوله (أهل المعروف) قال النووي (أي أهل اصطناع المعروف مع الناس) ، وقوله (أهل المنكر) أي (ما أنكره الشرع ونهى عنه) ، قال (الدنيا مزرعة الآخرة وما يفعله العبد من خير وشر تظهر نتيجته في دار البقاء)[56]

قال القرطبي (جعل تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين؛ فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام والقتال عليه) [57] .

 

 والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بحسب الاستطاعة ، إذ لا تكليف بغير مستطاع ، وبهذه المثابة يكون  له ثلاث درجات وفقا لذلك ، فيكون باليد إذا حصل التمكين الكامل والولاية ، ويكون باللسان إذا قل التمكين أو الولاية ويكون بالقلب عند الاستضعاف ، فإذا حصل التمكين كان أداء هذا الواجب بكل درجاته واجبا كما في قوله تعالى  (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) " [الحج: 41] .

 

فإذا كانت الاستطاعة تحدد درجة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذا الولاية ، فولاية الحاكم عامة ، وولاية وزرائه خاصة ، والمحتسب له ولاية محددة بنطاق مكاني معين ، وكذا الأب له ولاية على أبنائه وزوجته ، وكذا المدرس والمعلم له ولاية على تلاميذه في نطاق التعليم ....وهكذا كل بحسب ولايته.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ ( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ r قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)[58]

 

 

كذلك يمتنع الأمر والنهي إذا  كان يترتب على إنكار المنكر ضرر أكبر منه ، ولذلك نهى النبي r أن تقطع الأيدي في الغزو) [59]، فعطل تطبيق حد من حدود الله تعالى في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبا ، كما قاله عمر وأبو الدرداء وحذيفة وغيرهم [60].

 

وقال ابن تيمية (الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له ، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به ، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة ، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها ، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام)[61] .

 أي نادراً ما يحتاج العالم أو المجتهد إلى نص شرعي في نازلةٍ ما، ولا يجده ، فالعالم المتبحر في القرآن والسنة يمتلك فهماً واسعاً لأصول الدين وقواعده؛ مما يمكنه دائماً من إيجاد حكمٍ للنوازل من خلال النصوص، إما بالمنطوق المباشر أو باستنباط المعاني والدلالات.

 

 وقال ابن القيم (النبي r شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره ، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ) [62] .

وقال (إنكار المنكر أربع درجات :-

الأولى أن يزول ويخلفه ضده

 الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته

 الثالثة أن يخلفه ما هو مثله

الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه ، فالدرجتان الأوليان مشروعتان ، والثالثة موضع اجتهاد ، والرابعة محرمة) [63] .

وضرب لذلك مثالا فقال (هذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم ، فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر... )

وأقول : فإن جاز الإنكار علي ولاة الأمور باللسان والقول اللين كقول موسى لفرعون ، فإن كان حصول المفسدة قاصر على عدوانه على الآمر والناهي له فحسب ، فإن استطاع تحملها فجائز ، وإلا فلا حتى لا يعرض نفسه لما لا تطيق من الفتن ، أما إذا كانت المفسدة متعدية هنا ينظر في وسيلة الإنكار الأقل حتى لا يتعدى الفساد للغير، فيجوز الإنكار بالقلب في هذا الفرض .

 

قوله (..وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ..) (71) تلك هي صفات الطائفة المؤمنة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر ، فهم حال التمكن يقيمون شعائر الله وأركان هذا الدين ، والتي من أهم مظاهرها (إقامة الصلاة) ، (وإيتاء الزكاة) ، فالإقامة تعني بإعلانها بالتأذين والإقامة ، أما إيتاء الزكاة فهو يعني أنهم يقومون على جمعها ويؤدونها إلى  لمستحقيها .

 

ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقام الصلاة والتأذين بين الناس وترتيب إمام قارئ بين الناس من بينهم وأرفق بحالهم وواعظ ومرشد ومعلم ومفتي لهم ، وجمع الزكاوات من الناس يحتاج إلى عمل مؤسسي ، ما بين قائمين على جمعها ، ومتحرين لمستحقيها ، وقائمين على تخزينها ، وآخرين يقومون بتوزيعها ، فكل ذلك أعمال جماعية ومؤسسية يتعذر أن يقوم بها واحد، وليس ذلك متيسر لعوام الناس ، فوجب أن ينتدب من المسلمين من يقوم عليها ، حتى يظل مرفق الصلاة في المسجد ومرفق الزكاة قائم بالعمل دون انقطاع  على أكمل وجه .

 ولذلك قال القرطبي (إن الأمر بالمعروف لا يليق بكل أحد ، وإنما يقوم به السلطان إذ كانت إقامة الحدود إليه والتعزير إلى رأيه ، والحبس والإطلاق له ، والنفي والتغريب ، فينصب في كل بلدة رجلا صالحا قويا عالما أمينا ويأمره بذلك ، ويمضي الحدود على وجهها من غير زيادة)[64]

 

وبهذا نفهم كذلك أن إقامة الصلاة والعمل على جمع الزكوات موكول للإمام ، فله أن يوكل من يصلي بالناس إماما ، ويخصص أناس معينين لجمع أموال الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية ، وهو من باب فروض الكفاية ، والتي لا تقوم إلا بإطاعة الإمام الذي يقوم على هذه الفروض طاعة لله ورسوله ، ومن هنا جاءت فكرة وزارة الأوقاف وصندوق ولجان الزكاة بالمساجد .

 

قوله (..وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ..) (71) ، أي أن كل ذلك طاعة لله ولرسوله r ، فلا يفعلون شيئا إلا من أجل الطاعة للرب العلي والنبي الأمي الذي لا ينطق عن الهوى .

 

وفي ذكر الطاعة  -بوجه خاص ضمن مفردات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - في هذا السياق كناية عن الجهاد في سبيل الله إذا ما أمر به الإمام ، قال أبو حيان (ولما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ذكر بعده الخمسة التي يميز بها المؤمن على المنافق ، فالمنافق يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان ، ويبخل بالزكاة ، ويتخلف بنفسه عن الجهاد ، وإذا أمره الله تثبط وثبط غيره ، والمؤمن بضد ذلك كله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والجهاد ، وهو المراد في هذه الآية بقوله "ويطيعون الله ورسوله" ) [65].

 

قوله (..أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ..) (71)  أي أن رحمة الله هي جائزة ذلك كله ، قال ابن عاشور (السين لتأكيد حصول الرحمة في المستقبل)[66] ، قال الشعراوي (السين تهتك ستار الزمن؛ وبذلك يحيا المؤمن دائماً في رحمة الله التي لا تنقطع)[67] ، قال الرازي (للتوكيد والمبالغة) [68]، فهي مبالغة وتوكيد لبيان سعة الرحمة كما أخبر بذلك النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[69].

ومن رحمة الله توفيق المؤمنين لهداه ، ومن لرحمة أن أرسل إليهم رسول الرحمة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (ال عمران 159) ، ومن رحمة أن آخى بين المؤمنين ، قال تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(الأنفال 63) ، قال الرازي (الموافقة الحاصلة بين المؤمنين، فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية)[70].

 

قوله (..إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (71) أي أن من يرحمهم الله يعزهم بالاستقامة ،ويفتح عليهم فتوح العارفين بحكمته.

 قال ابن القيم (فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان :-

 أحدهما : تعريف الطريق الموصلة إليه ، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه .

 الثاني : تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من نعيم لا ينفد ، وقرة العين لا تنقطع

 وهذان الأصلان تابعان للأصل الأول ومبنيان عليه ، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصل إليه وأعرفهم)[71].

 

سادسا : تبشير المؤمنين بجنات عدن ليظل احتسابهم الأجر على الله دون انتظار نصيب من الدنيا

 

قوله (وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) قال الشنقيطي (من فاتته هذه الصفقة الرابحة فهو لا محالة خاسر) [72]، فهذا الوعد تكرر في القرآن ليتذكره المؤمن في كل مناسبة ، وتكرر هنا لأن الطريق إلى الجنة مكتظ بالأشواك ، والتضحيات والجهاد .

 

قوله (..جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا..) يعني وضوح الهدف ، فأهل الإيمان يبتغون من ربهم أن يهديهم إلى جنته ورضوانه ، تلك التي وصفها بأحسن وصف ، فجعل الأنهار تجري من تحتها ، فأينما راح أو ذهب فإن الأنهار تجري من تحت المؤمن في الجنة .

 

فهي أنهار من ماء ولبن وخمر وعسل كما قال الله

 

قوله (..خَالِدِينَ فِيهَا..) يدل على تجدد شباب أهل الجنة ، فلا يعتريهم كبر ولا هرم ، عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[73].

 

قوله (..وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ..) قال رسول الله r (إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله لمن

  • ألان الكلام
  • وأطعم الطعام
  • وتابع الصيام
  • وصلى بالليل والناس نيام)[74]

 ولذلك ناسب أن يُذكِّر الله المؤمن في هذا السياق بمساكن طيبة في جنات عدن ، كي يتصبَّر بما يخبره الله من نعيم الجنة ومساكنها، لا سيما وهو يتعامل مع المنافقين ، ويناله الأذى منهم ويصبر .

 

فقوله ..(وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ..) يعنى (أكبر مما ذكر من ذكر من الجنات والمساكن)[75]، قَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا)[76]  فهو رضاء متبادل ، رضي المؤمن بشرعه ربه وقضائه ، وأرضاه الله به ، فرضي الله عنه

 

وذكر الرضوان جاء تاليا لذكر الرحمة في قوله (أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ) ، فاستفاد بذلك المؤمن أن أول بادرة خير يناله من ربه هو أن ينال رحمته ، وأكبر خير يناله من ربه هو رضوانه عليه ، وذلك هو الذي ينبغي أن يشغل المسلم ، وهو منتهى سعيه ، فليس له هم غير إرضاء ربه ، فهم يهتم برضى مولاه اهتماما أكبر من كل شيء يشغله عنه.

 

قوله ..(..ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فوالله ليس بعد رضوان الله شيء يتمناه العبد ، وليس أعظم منه فوز ولا أكبر.

 

سابعا : الأصل في التعامل مع المنافقين مجاهدة المحاربين منهم والإغلاظ مع غير المحاربين  

 

قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(التوبة/73) التفتت الآيات مرة أخرى لإملاء واجب علي المسلمين تجاه الكفار والمنافقين بوجوب مجاهدتهم والإلغاظ عليهم ، قال ابن جزي (جهاد الكفار بالسيف ، وجهاد المنافقين باللسان ما لم يظهر ما يدل على كفرهم ، فإن ظهر منهم ذلك فحكمهم كحكم الزنديق)[77]، وعَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ "جَاهَدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ" ، قَالَ:"الْمُنَافِقِينَ بِالْحُدُودِ"[78].

 

فابن الجزي يقصد بكلامه تطبيق حد الردة على المنافق إذا ظهرت الأدلة على كفره البواح ، لأن ذلك دليل على أنه لم يدخل في الإسلام حقا ، وأنه استحل بإسلامه الزواج من المسلمات ، واطلع بإسلامه على أسرارهم ، ولربما حمل بالأمانات ، وقد يعهد إليه تعليم الأطفال ، كل ذلك ولم يكن مسلما صادقا ، بل متحايلا على شرع ربه ، ولو أنه ظل على كفره ولم يعلن إسلامه لطبقت عليه أحكام أهل الذمة والاستئمان ولدفع الجزية ، ولامتنع عليه مشاركة المسلمين الغنيمة ، لكنه بنفاقه أسقط تكاليف واجبة عليه ، واستحل أمورا لا تحل له إلا إذا كان مسلما ، وهو لم يكن كذلك في الأصل  ، فوجبت عقوبته حتى يرتدع غيره عن دخول دين الإسلام تحايلا  فلا يعتنقه مخادع أو منافق .

 

قال محمد رشيد رضا (هَاتَانِ الْآيَتَانِ تَهْدِيدٌ لِلْمُنَافِقِينَ، وَإِنْذَارٌ لَهُمْ بِالْجِهَادِ كَالْكُفَّارِ الْمُجَاهِرِينَ، إِذَا اسْتَرْسَلُوا بِهَذِهِ الْجُرْأَةِ فِي إِظْهَارِ مَا يُنَافِي الْإِيمَانَ وَالْإِسْلَامَ، مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، كَالْقَوْلِ الَّذِي أَنْكَرُوهُ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، وَكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي إِنْكَارِهِمْ، أَوْ بِجِهَادٍ دُونَ جِهَادِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ وَأَقَلُّهُ أَلَّا يُعَامَلُوا بَعْدَ هَذَا الْأَمْرِ كَمُعَامَلَةِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَأَنْ يُقَابَلُوا بِالْغِلْظَةِ وَالتَّجَهُّمِ لَا بِالطَّلَاقَةِ وَالْبِشْرِ وَاللِّينِ)[79].

 

قال صاحب المنار (الْجِهَادَ مُشَارَكَةٌ مِنَ الْجُهْدِ وَهُوَ الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ كَالْقِتَالِ مِنَ الْقَتْلِ، وَأَنَّهُ حِسِّيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ، وَقَوْلِيٌّ وَفِعْلِيٌّ، وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُعَامَلُونَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْلِمِينَ الصَّادِقِينَ، فَلَا يُقَاتَلُونَ إِلَّا إِذَا أَظْهَرُوا الْكُفْرَ الْبَوَاحَ بِالرِّدَّةِ، أَوَ بَغَوْا عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُوَّةِ، أَوِ امْتَنَعَ بَعْضُ طَوَائِفِهِمْ مِنْ إِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ)[80].

 

قال ابن عاشور (وأما جهادهم بالفعل فمتعذر، لأنهم غير مظهرين الكفر، ولذلك تأول أكثر المفسرين الجهاد بالنسبة إلى المنافقين بالمقاومة بالحجة وإقامة الحدود عند ظهور ما يقتضيها، وكان غالب من أقيم عليه الحد في عهد النبوءة من المنافقين)[81] ، ولذلك وصفت الآية عذابهم  بأنه عذاب مقيم ، أي يقيمون في هذا الذل من التخفي والتستر عن أعين المؤمنين ماداموا على هذا الحال من النفاق .

 

إذن يري ابن عاشور:  أن القتال المادي المباشر (جهاد السيف) لا يمكن تطبيقه على المنافقين، لأن القاعدة الشرعية تعامل الناس بظواهرهم، والمنافقون يظهرون الإسلام ولا يعلنون الكفر صراحة ، وأن المناسب لهم هو المقاومة بالحجة، وإقامة الحدود عند ارتكاب ما يوجبها ، وبذلك يتحقق إلقاء الرعب في قلوب المنافقين ، خشية أن تطبق حدود الله عليهم ، مما يكسر شوكتهم في المجتمع الإسلامي. 

 

لكن لا يخفى إمكان حصول ذلك إذا ما تجمعوا وتحزبوا وأضحت لهم شوكة ، وظهرت قرائن تدل على أنهم يستعدون للحملة على المسلمين ، مثلما هموا بذلك بعد غزوة تبوك ، ولذلك (حمل الزجاج والطبري المعنى على ظاهر الأمر بالجهاد، ونسبه الطبري إلى عبد الله بن مسعود)[82] .

فعن ابن مسعود في قوله:(جاهد الكفار والمنافقين)، قال: (بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فليكفهرَّ في وجهه)[83].

وهذا ما نميل إليه ونرجحه لاسيما إذا ما ظن المسلمون أن فريق المنافقين المناوئين لأهل الإسلام من المسلمين ، فينخدعون بهم ، فإذا قاتلهم الإمام تميز الفريقان ، ولذلك قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة ، وقال جملته المشهورة (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا)[84] ، فهو يعلم أنهم كانوا يعلنون الإسلام ويطبقون الشعائر في عهد النبي r لكنهم امتنعوا عن ذلك في عهده ، وإنكار معلوم من الدين بالضرورة كفر يوجب الحد ، فإن كانوا أهل منعة قوتلوا على ذلك ، متى كان أهل الإسلام ممكنون .

 

ثامنا : استتابة المنافقين وإن تآمروا على المسلمين وهموا وشرعوا لإبادتهم لكن خاب سعيهم

 

قوله (يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (التوبة/74) تكرر ذكر حلف المنافقين في هذه السورة بما يدل على كثرة استماع النبي r إليهم وإلى أعذارهم ، وذلك كي يتألفهم على الإسلام ، وكان يصبر عليهم حتى يستقر أمرهم على الإيمان أو الكفر البواح .

 

فعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهِ ذَكَرُ الْمُنَافِقِينَ وَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r ، قَالَ الْجُلاسُ:"وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَادِقًا لَنَحْنُ أَشَرُّ مِنَ الْحَمِيرِ"قَالَ: فَسَمِعَهَا عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا جِلاسُ، إِنَّكَ لأُحِبُّ النَّاسَ إِلَيَّ، أَحْسَنُهُمْ عِنْدِي أَثَرًا أَوْ أَعَزَّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلَقَدْ قُلْتَ: مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتُهَا لَتَفْضَحَنَّكَ، وَلَئِنْ سَكَتُ عَنْهَا لَتُهْلِكَنِّي، وَلأَحَدُهُمَا أَشَرُّ عَلَيَّ مِنَ الأُخْرَى، فَمَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ الْجُلاسُ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ عُمَيْرُ، وَلَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدِ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ"[85]

 

ولذلك قالوا عنه أنه "أذن" استخفافا بتحقيقاته معهم ، والنبي r لم يكن مُستخَفا به كما ظنوا وإنما كان يتألفهم على الإسلام ، لعلهم يتوبون ، فكان يعاملهم من باب المداراة لا المهادنة ، ولأسباب منها أن يتآلفهم أو يتألف قومهم من بعدهم ، فعَنْ قَيْسٍ ، قَالَ : دَخَلَ عُيَيْنَةُ عَلَى النَّبِيِّ r وَلَمْ يَسْتَأْذِنْ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا أَحْمَقُ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ)[86] ، قال الزرقاني (يعني في قومه لأنه كان يتبعه منهم عشرة آلاف قناة لا يسألونه أين يريد)[87].

 

وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ r فَلَمَّا رَآهُ قَالَ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ r فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ)[88] .

قال المناوي (وهذا أصل في ندب المداراة إذا ترتب عليها دفع ضر أو جلب نفع ، بخلاف المداهنة فحرام مطلقا ، إذ هي بذل الدين لصلاح الدنيا)[89] ، وقال القرطبي (والفرق المهادنة وبين المداراة أنها بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معا ، وهي مباحة وربما استحسنت ، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا)[90].

قال النووي (قال القاضي هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الاسلام فأراد النبي r أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله قال وكان منه في حياة النبي r وبعده مادل على ضعف إيمانه وارتد مع المرتدين وجئ به أسيرا إلي أبي بكر رضي الله عنه ووصف النبي r له بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف ، وإنما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الاسلام، ...وفي هذا الحديث مايدل على جواز مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه)[91].

 

وقد سار الصحابة رضوان الله عليهم على هذا الأصل بعد وفاته r ، فعن ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ يَا ابْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ،  فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ r (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ ، وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ)[92].

 

قوله (وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ) قال طنطاوي في قوله " كلمة الكفر " وهى تشمل كل ما نطقوا به من أقوال يقصدون بها إيذاءه r ، كقولهم : " هو أذن " ، وقولهم ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ ) [المنافقون: 8]،وقولهم " لئن كان ما جاء به حقا فنحن أشر من حمرنا . . " وغير ذلك من الكلمات القبيحة التى نطقوا بها)[93].

 

قوله (وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ) يعني أن المنافقين الذين تآمروا على قتل النبي r عند عودته من تبوك في عقبة في الطريق إلا أن الله فضحهم وخيّب مساعهم ونجى رسوله منهم ، حيث عزموا على أن يزاحموا رسول الله وهو على ناقته بنوقهم حتى يسقط منها فيهلك ، حتى بُعث عمار بن ياسر يضرب وجوههم فردوا وتفرقوا بعد .

 

فعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ لَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ r يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ مُتَلَثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ غَشَوْا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ r وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِحُذَيْفَةَ قَدْ قَدْ حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ r فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ r نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّارٌ ، فَقَالَ يَا عَمَّارُ هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ ؟ فَقَالَ قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ وَالْقَوْمُ مُتَلَثِّمُونَ ، قَالَ هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا ؟ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ r  فَيَطْرَحُوهُ ... فَقَالَ عَمَّارٌ أَشْهَدُ أَنَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَاقِينَ حَرْبٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)[94]

قوله (وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ) أي أن المنافقين لم يجدوا شيئا ينقمون به على رسول الله r وقد أنعم عليهم بالعفو والفضل وأعطاهم من الغنيمة تأليفا لقلوبهم .

 

 قال الشنقيطي (صرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين ما وجدوا شيئاً ينقمونه أي: يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيه r من الخير والبركة) [95]، قال ابن جزي أي (ما عابوا إلا الغني الذي كان حقه أن يشكروا عليه ، وذلك في الجلاس أو في عبد الله بن أبيّ)[96]

 قال الشعراوي (كان الذين كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئاً ، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام ، أخذوا من الغنائم ، وأغناهم الله؛ بل إن الجلاس بن سويد لما قُتِل له غلام دفع له رسول الله r اثني عشر ألف درهم ديّة . إذن : فقد جاء على يد الرسول r الغنى للجميع ، فهل هذا أمر تكرهونه)[97]

 

روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول أتى رسول الله r فقال يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمر لي به ،فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله فأقتل [ رجلا ] مؤمنا بكافر، فأدخل النار ، فقال رسول الله r (بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا) ، وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنفونه ، فقال رسول الله r لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر ؟  أما والله لو قتلته يوم قلت لي، لارعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله r أعظم بركة من أمري)[98].

 

قوله (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ) (التوبة/74) فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ:  " فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ "  وَقَدْ كَانَ جُلاسُ بْنُ سُوَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: صَدَقَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَعْنِي: فِيمَا كَانَ أَدَّى عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r مِنْ قَوْلِهِ: (إِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ أَشَرُّ مِنَ الْحِمَارِ)، وَمَا كَانَ حَلِفَ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَقَالَ: قَدْ قُلْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ عَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ التَّوْبَةُ، وَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ مِنْ قَوْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِعُمَيْرٍ:"وَفَّتْ أُذُنُكَ، وَصَدَّقَكَ رَبُّكَ"[99]

 

قوله (وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (التوبة/74) فالمنافق إن لم يتب فإنه لا يهنأ لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وذلك بصريح نص الآية ، ويفقد الأولياء والناصرين له ، فلا يجد أحدا ليواسيه .

 

 

 

 

[1] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3602

[2] ) رواه أحمد ج36 ص 121 رقم 17057  وضعفه الألباني لكنه موافق لمعنى الآية

[3] ) رواه البخاري ج22 ص 279 رقم 6763

[4] ) رواه مسلم ج13 ص 160 رقم 4828

[5] ) رواه الترمذي ج8 ص 424 رقم 2328

[6] ) رواه البخاري ج1 ص 103 رقم 57

[7] ) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج3 ص 688 رقم 8468 – ومثله رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج9ص 129 وابن أبي الدنيا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو ضعيف : ضعفه الألباني وغيره لكن معناه مفسر لما ورد في الآية

[8] ) أيسر التفاسير لأبي بكر الجزائري ج2 ص 89

[9] ) ابن عجيبة : البحر المديد ج2 ص 423

[10] ) تفسير القرطبي ج8 ص 199

[11] )  رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 141 رقم 7163

[12] )  رواه الطبراني  في المعجم الأوسط ج7 ص 372 رقم 7761

[13] )  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج8 ص 58

[14] ) عبد الحق بن عطية : المحرر الوجيز ج3 ص 280

[15] ) رواه مسلم ج14 ص 219 رقم 5270

[16] ) التحرير والتنوير ج10 ص 144

[17] ) تفسير الألوسي ج7 ص 285

[18] ) رواه البخاري ج8 ص 369 رقم 2295

[19] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 295 رقم 4235 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج 1ص153

[20] ) تفسير البيضاوي ج1 ص 59 ذكر التصنيف وأضفت إليه الأحاديث

[21] ) تفسير  ابن أبي حاتم ج7 ص 319

[22] ) التحرير والتنوير ج10 ص 154

[23] ) تفسير ابن كثير ج 4ص173 قال هي كافيتهم في العذاب

[24] ) التحرير والتنوير ج10 ص 146

[25] ) رواه مسلم ج13 ص 411 رقم 5021

[26] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 490 رقم 3686 وصححه الألباني صحيح وضعيف الجامع الصغير ج4 ص 6 رقم 9381

[27] ) قال الفراء أركسهم ردهم إلى الكفر

[28] ) الكشاف ج2 ص 444

[29] ) الخلاق : النصيب والحظ

[30] ) زاد المسير ج3 ص 202 ونقل المفسرون ذلك القول عن ابن عباس ، تذكرة الأريب تفسير الغريب 1 /220 بحر العلوم2/246

[31] ) إعلام الموقعين ج1ص135

[32] ) الخلاق : النصيب والحظ

[33] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 130 رقم   4097 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 393 رقم  3315

[34] ) تفسير البيضاوي ج2 ص 460

[35] ) رواه البخاري ج7ص292رقم1962

[36] ) رواه ابن ماجة في سننه ج10ص456رقم3585 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2ص282رقم2896

[37] ) مسند ابن الجعد ج1 ص 437 ، الطبراني في المعجم الكبير ج9 ص 104

[38] ) رواه مسلم ج13 ص 152 رقم4822 والبخاري ج22 ص298 رقم 6775

[39] ) أضواء البيان ج4 ص 187

[40] ) التحرير والتنوير ج10 ص 149

[41] ) البحر المحيط ج6 ص 199

[42] ) الكشاف ج2 ص 446

[43] ) التحرير والتنوير ج10 ص 151 مع قليل من الاختصار والحذف

[44] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 187

[45] ) الدر المنثور ج5 ص 110 ، تفسير ابن أبي حاتم

[46] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 174

[47] ) رواه مسلم ج12 ص 468 رقم 4685

[48] ) رواه البخاري ج2 ص 289 رقم 459

[49] ) رواه مسلم ج13 ص 212 رقم 4867

[50] ) ابن بطال شرح صحيح البخاري ج9 ص 227

[51] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 140

[52] ) رواه مسلم ج 12 ص 426 رقم 4650

[53] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 45

[54] ) رواه البخاري ج8 ص 312 رقم 2264

[55] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 86 رقم 221 صحيح الأدب المفرد ، صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 170

[56] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 639

[57] ) تفسير القرطبي ج4 ص 47

[58] ) رواه البخاري ج8 ص 253 رقم 2232

[59] ) رواه الترمذي ج6 ص 366 رقم 1370 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج3 ص 450

[60] ) إعلام الموقعين ج3ص12-13

[61] ) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ج1 ص 4

[62] ) إعلام الموقعين ج3 ص 4

[63] ) إعلام الموقعين ج3 ص 4

[64] ) تفسير القرطبي ج4 ص 47

[65] ) البحر المحيط ج6 ص 201

[66] ) التحرير والتنوير ج10 ص 152 أبو حفص سراج الدين الدمشقي : اللباب في علوم الكتاب ج8 ص 320

[67] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3620

[68] ) تفسير الرازي ج8 ص 93

[69] ) رواه مسلم ج13 ص 311 رقم 4944

[70] ) تفسير الرازي ج8 ص 93

[71] ) الصواعق المرسلة ج1 ص 151

[72] ) أضواء البيان ج8 ص 112

[73] ) رواه مسلم ج13 ص 476 رقم 5069

[74] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج4 ص 300 رقم 8262 وصححه الألباني : مشكاة المصابيح للتبريزي ج1 ص 273 رقم 1232

[75] ) البحر المحيط ج 3 ص 173

[76] ) رواه البخاري ج23 ص 40 رقم 6964

[77] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 614

[78] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 334

[79] ) تفسير المنار ج10 ص 473

[80] ) تفسير المنار ج10 ص 473

[81] ) التحرير والتنوير ج 10 ص 154

[82] ) التحرير والتنوير ج 10 ص 154 انظر رسالة دكتوراه في تفسير القرآن وعلومه المقدمة من خالد بن محمد بن صالح بن زريق الشهراني -  تحت إشراف الدكتور سليمان الصادق البيرة بكلية الدعوة وأصول الدين جامعة أم القرى بالمملكة العربية السعودية

https://www.scribd.com/document/485758243/ ستدراكات-ابن-عاشور-على-الطبري-وابن-عطية-في-تفسيره-التحرير-والتنوير -pdf

[83] ) تفسير الطبري ج14 ص 358 ورواه البيهقي في شعب الإيمان ج7 ص  38 رقم 9370

[84] ) رواه البخاري ج5 ص 296 رقم 1364

[85] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 337

[86] ) رواه ابن أبي شيبة في مصنفه ج8 ص 336 ومثله عند الطبراني في المعجم الكبير2/305والأوسط7/341 والدارقطني والمزار

[87] ) شرح الزرقاني ج4 ص 318

[88] ) رواه البخاري ج18 ص 457 رقم 5572

[89] ) فيض القدير ج2 ص 576

[90] ) شرح الزرقاني ج4 ص 318

[91] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 144

قال ابن قتيبة (عيينة بن حصن ارتد ولحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به فلما هزم طليحة هرب فأسره خالد بن الوليد وبعث به إلى أبي بكر رضي الله عنه في وثاق فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون أي عدو الله كفرت بالله بعد إيمانك فيقول عدو الله والله ما كنت آمنت فلما كلمه أبو بكر رضي الله عنه رجع إلى الإسلام فقبل منه وكتب له أمانا ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات) تأويل مختلف الحديث ج1 ص 234

[92] ) رواه البخاري ج14 ص 187 رقم 4276

[93] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2003

[94] ) رواه أحمد ج48 ص 311 رقم 22676

[95] ) أضواء البيان ج2 ص 146

[96] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 615

[97] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3644

[98] ) البداية والنهاية لابن كثير ج4 ص 181 تفسير الطبري ج23 ص 407

[99] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 343

  • الاثنين PM 12:51
    2026-05-25
  • 8
Powered by: GateGold