ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تطهير دار الإسلام قبل دار الكفر الأركان الأربعة للتأهل للجهاد في سبيل الله
د / احمد نصير
تطهير دار الإسلام قبل دار الكفر
الأركان الأربعة للتأهل للجهاد في سبيل الله
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)
من أولويات الدعوة الإسلامية أن ينتبه النبي r وأصحابه إلى أهمية تطهير البيت من الداخل ، أي تأمين المجتمع داخليا من أسباب الفتنة ، وتطهيره من عوامل الهدم قبل أن يسعي إلى تطهير دار الكفر خارج رقعة دار الإسلام ، فإنه ولئن كان توسيع رقعة دار الإسلام مندوبا إليه أو واجبا موسعا بحسب الحال والمآل ، وقد يكون واجبا مضيقا متى استغاث أهل بلد بهم ، فإن الحفاظ على البيت من الداخل واجب على الدوام وحال ، وله الأولوية ، فإذا كانت الواجبات تتقدم على المندوبات ، فإن فروض العين تتقدم علي فروض الكفاية ، والواجبات المضيقة تتقدم الواجبات الموسعة .
فدور الإسلام لابد وأن تقوم على أعمدة أربعة هذه الأعمدة تمثل أركانه المعنوية : (النسيج الاجتماعي المترابط ، الشأن المعنوي المرتفع ، صدق أهل البيعة المجاهدين ، وتجردهم من العوائق )
فأما الركن الأول ويتمثل في رابط التضامن الاجتماعي بين أفراد الشعب بكل طوائفه ، وخير دليل على ذلك القيام على الصدقات والقربات إلى الله تعالى وتوزيعها على الفقراء والمساكين بصرف النظر عن دينهم ، وهو ما يمثل من جهة أخرى تزكية عظيمة للمتصدقين ، ذلك أن الصدقة تطفئ غضب الرب ، فمن بدر منه شيء من السيئات وقد خلط عملا صالحا بآخر سيئا ، فإن الصدقة تطهر ذلك ، ومن استطاع أن يجاهد نفسه للعمل العام وفعل القربات ، فلعله يجاهد بعد ذلك لينضم في صفوف المجاهدين في سبيل الله ، بذلك يستشعر جميع أفراد المجتمع بكل طوائفهم أنهم ليسوا في عزلة ، بل الكل يتكاتف ويتضامن مع الكل ، لا أحد يترك غيره دون مساعدة .
والركن الثاني يتمثل في ارتفاع الحالة النفسية والمعنوية للأمة ، ويضطلع بهذا الدور بوجه خاص أئمة المساجد ، فللمساجد شأن عظيم في توجيه المسلمين معنويا لاسيما والمسلمون يجتمعون فيها كل يوم خمس مرات للذكر والتسبيح ، يقفون خلف إمام واحد ، بل يجتمع بالمسجد خير الناس وأفضلهم (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) "النور/36" ، ومن هذه المساجد سوف يخرج المجاهدون في سبيل الله ، فلابد أن تكون طاهرة في ذاتها ، قال سبحانه (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) "الحج/26" ، ولما كان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، كان لابد وأن تطهر أولا بأول من الشرك بالله ، فلا ينبغي أن يدعو في مساجد الله مع الله أحدا ، قال سبحانه (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) "الجن/18" ، لكن الشياطين تحض أوليائها لأن يتحول المسجد إلى مكان لنشر الفتنة بين الناس وإفساد عقول الناس ، وهو ما يسمى بمسجد الضرار ، فيجهدون لأن يصيروه مركزا لإفساد عقائد الناس وتلبيس الحق بالباطل ، بدلا من أن يكون وسيلة لنشر الدعوة الإسلامية وتزكية القلوب ، فكان من الواجب تنبيه المسلمين ذلك .
والركن الثالث للبيت الداخلي ونواتها الصلبة لهذه الدعوة المباركة ، هم والمبايعون على الجهاد في سبيل الله أنفسهم ، وهم حائط الصد الأول للهجمات الخارجية ، ولابد لهؤلاء النفر من تجديد البيعة معهم كلما سنحت الفرصة لذلك ، وتذكيرهم بأركان بيعتهم حتى لا ينشغلوا بالدنيا عن الجهاد في سبيل الله ، فيفقد الإسلام درعه وسيفه .
ولعل هؤلاء هم الذين ناداهم العباس عم النبي r فقال عَبَّاسٌ (أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ ؟ ) قَالَ (فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا) فَقَالُوا (يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ قَالَ فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ وَالدَّعْوَةُ فِي الْأَنْصَارِ يَقُولُونَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ) قَالَ ثُمَّ قُصِرَتْ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فَقَالُوا (يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ يَا بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ )[1] .
فقوله (أصحاب السمرة) هي الشجرة التي بايعوا تحتها يوم الحديبية ، أي لا تنسوا بيعتكم الواقعة تحت الشجرة وما يترتب عليها من الثمرة)[2].
والركن الرابع يقوم على تجريد هؤلاء المبايعين من القيود العاطفية والتي تتمثل في صلة القربى ، فلا تكون صلة القرابة عقبة في طريق الدعوة ، ولتكن وشيجة الصلة بين المسلمين رابطة الدين التي تقوم مقامها وتحل محلها ، فقرابات المرء فإما أن يكون عونا له في الحق أو عائقا له عن ذلك ، ولابد للمجاهد أن يزيل تلك العوائق والعقبات جميعا من طريق الدعوة .
وعليه فإن ثمة أربعة أركان للتطهير وتزكية الصف الداخلي المتمثل في البيت ثم المجتمع ثم الجيش المسلم ، كما يلي :-
الركن الأول : تزكية المتأهلين للجهاد بالتدريب على أعمال التبرع (الصدقة والعمل العام)
الركن الثاني : تطهير المساجد من الشرك
الركن الثالث : تجريد المجاهدين من العوائق المادية
الركن الرابع : تجرد المجاهدين من العوائق العاطفية
تزكية الصف المسلم بالتدريب على الصدقة والمشاركة في العمل العام
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106)
فالصدقة هي أهم وسائل تأهيل المجتمع على أعمال التبرع ، والتضحية لأجل الآخرين وإيثارهم على حظوظ النفس ، ومنها تنبثق الشجاعة والفداء ، ثم الجهاد في سبيل الله ، فمن لم يتأهل للصدقة ليس بقادر على أن ينخرط في صفوف المجاهدين ، ولذلك لابد من تدريب النشء منذ الصغر على الصدقة ، وأن يقوموا بأنفسهم بإيتاء أموال الزكاة ، وتقديمها بأنفسهم لمستحقيها ، وهكذا يتطهر المجتمع من الأفكار الرأسمالية والنفعية المحضة ، ويتأهل للجهاد بالمال والنفس في سبيل نصرة المستضعفين في كل مكان .
ومن جهة أخرى فإن "مرور الزمان" عامل حاسم أحيانا في الكشف عن أحوال الناس ، وعلاج آثار الماضي ، فمن كان حاله مستورا ، ولم تبد به حسنة أو سيئة ، فإن صبره على الحق وانخراطه في العمل العام يكشف سريرته ، ويظهر مدى فدائه لدينه بماله ونفسه .
قوله (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)"103" فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ:"هَؤُلاءِ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، مِمَّنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ r فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، اعْتَرَفُوا بِالنِّفَاقِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ ارْتَبْنَا وَنَافَقْنَا وَشَكَكْنَا، وَلَكِنْ تَوْبَةٌ جَدِيدَةٌ وَصَدَقَةٌ نُخْرِجُهَا مِنْ أَمْوَالِنَا لِلَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ r "خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا "[3] .
قال ابن عاشور (لما كان من شرط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما فات ، وكان التخلف عن الغزو مشتملا على أمرين أحدهما عدم المشاركة في الجهاد، والآخر عدم إنفاق المال في سبيل الله لعدة الجهاد ، أرشد الله تعالى في هذه الآية طريق تدارك ما يمكن تداركه مما فات وذلك بنفع المسلمين بالمال ، لأن ما تم إنفاقه لتجهيز جيش تبوك استنفد المال المعد لنوائب المسلمين، فإذا أُخذ من المخلفين شيء من المال انجبر به بعض الثلم الذي حل بمال المسلمين، فهذا وجه مناسبة ذكر هذه الآية عقب التي قبلها)[4] .
وقد تنبه التائبون لأهمية المسارعة في الخيرات لاسيما بعدما أصابوا ذنوبا بسبب التخلف عن الغزو ، فسارعوا من أنفسهم إلى تدارك ذلك بتقديم صدقاتهم للنبي r دون أن يطلبها منهم ، فعَنِ ابْنِ عَامِرٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ " وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ " "أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ r فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ، فَجَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفَرْ لَنَا، قَالَ: مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ " خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ".. الآيَةَ)[5] .
ومفهوم الصدقة يتعدى دفع المال وحسب إلى بذل كل الجهد لعمل الخير ، لاسيما إذا كانت بقصد التوبة ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَلْيَعْمَلْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُمْسِكْ عَنْ الشَّرِّ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ)[6] ، إذن فالصدقة في المفهوم الإسلامي هي ميدان رحب للعمل العام ، فمشاركة الصف المسلم في العمل العام يضمن أن يتأهل منهم بعد ذلك مجاهدون في سبيل الله ، ولا سبيل للمشاركة في الجهاد في سبيل الله ممن تخاذل عن المشاركة في العمل العام ، وهو ما كان يحض النبي r أصحابه للبدء به .
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ وَيْحَكَ إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا)[7] ، قال النووي _( قال العلماء والمراد بالهجرة التى سأل عنها هذا الأعرابى ملازمة المدينة مع النبى r وترك أهله ووطنه فخاف عليه النبى r أن لا يقوى لها ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه ، فقال له إن شأن الهجرة التى سألت عنها لشديد ولكن اعمل بالخير فى وطنك وحيث ما كنت فهو ينفعك ولاينقصك الله منه شيئا)[8] ، فقوله ( عَنْ الْهِجْرَة ) هِيَ تَرْك الْوَطَن وَالِانْتِقَال إِلَى الْمَدِينَة تَأْيِيدًا وَتَقْوِيَة لِلنَّبِيِّ r وَالْمُسْلِمِينَ وَإِعَانَة لَهُمْ عَلَى قِتَال الْكَفَرَة ، وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَوَّل الْأَمْر ثُمَّ صَارَتْ مَنْدُوبَة ، فَلَعَلَّ السُّؤَال كَانَ فِي آخِر الْأَمْر أَوْ لَعَلَّهُ r خَافَ عَلَيْهِ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَعْرَاب مِنْ الضَّعْف حَتَّى أَنَّ أَحَدهمْ لَيَقُولُ إِنْ حَصَلَ لَهُ مَرَض فِي الْمَدِينَة أَقِلْنِي بَيْعَتك وَنَحْو ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّ أَمْر الْهِجْرَة شَدِيد ، وقال بعض العلماء (كانت الهجرة على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا ، ولذلك لم يوجب عليه الهجرة)[9] .
وقوله (وَيْحك) لِلتَّرَحُّمِ ، وقوله (فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاء الْبِحَار) أَيْ فَأْتِ بِالْخَيْرَاتِ كُلّهَا وَإِنْ كُنْت وَرَاء الْبِحَار وَلَا يَضُرّك بُعْدك عَنْ الْمُسْلِمِينَ)[10] ، والمقصود بذلك أنها (أقل لفتنتك كما افتتن المستقيل للبيعة ، لأنه قد شرط عليه ما يخشى من منع العرب الزكاة التى بها افتتنوا بعد النبى r) [11].
كل ذلك يستبين منه أن الابتلاء بالعمل العام يسبق الابتلاء بالجهاد في سبيل الله ، لاسيما وقد أراد الرسول r بعد فتح مكة تأسيس جيش نظامي يجاهد على الدوام ، أي لجهاد الطلب كما حضت على ذلك سورة التوبة ، كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)(123).
قوله (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) "التوبة/104" قال ابن كثير (هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منها يحطُّ الذنوب ويمحصها ويمحقها)[12]، وفيه كما قال الخازن (تبشير بقبول التوبة مع تسهيل سبيلها)[13] .
قوله (..وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ..) ، قال ابن عاشور هذا (مستعمل في معنى القبول، لظهور أن الله لا يأخذ الصدقة أخذا حقيقيا، فهو مستعار للقبول والجزاء على الصدقة)[14]، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ"مَا تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ حَتَّى يَضَعَهَا فِي يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَضَعَهَا فِي يَدِ السَّائِلِ وَهُوَ يَضَعُهَا فِي يَدِ السَّائِلِ، ثُمَّ قَرَأَ" وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ويأخذ الصدقات"[15] ، وفي رواية (إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل)[16] .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)[17] ، قال الألوسي (أي يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله، فالأخذ هنا استعارة للقبول ، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى مجازاً مرسلاً)[18] .
قوله (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) "105" تكرر ذكر أن الله سيرى العمل مرة أخرى في هذه السورة ، فالمرة السابقة كانت بصدد توبة المنافقين إن صدقت التوبة من بعضهم ، فالله سوف يرى ذلك منهم ، لكن المخاطب بهذه الآية هذه المرة غير المخاطب هناك ، فالمخاطب - هنا - الذين صدرت منهم التوبة فعلا وقدموا أموالهم في سبيل الله لعل الله يطهرهم بها .
يلاحظ أن ذكر المؤمنين في هذه الآية ضمن المسند إليهم فعل الرؤية دليل على أن عمل هؤلاء التائبين محل تقييم المؤمنين ، وأن إرضاء المؤمنين مطلوب شرعا بهذه الآية ، ولقوله تعالى (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)"الحجر/88" وهذا يتضمن إرضاءهم ، ليس معنى ذلك أن يكون العمل رياء وسمعة ، بل إن النية لابد وأن تكون خالصة لوجه الله الكريم ، ولكن المقصود هنا هو أن ينصلح حالهم بحسن العمل ، فيجدد المؤمنون الثقة فيهم مرة أخرى ويقبلوهم في صفوف المجاهدين مرة أخرى بعدما جردوا من شرف الانتساب لصفوف المجاهدين زمن نفاقهم ، وقد تخلفوا عن الغزو حين استنفروا لذلك .
فالشارع الحكيم أبطل إرضاء المؤمنين بكثرة الحلف كما يفعل المنافقون ، وإنما جعل سبيل إرضائهم المشاركة الفعلية في الصدقات والقربات والعمل العام كما أسلفنا ، فإن رضوا عنهم وأقروا بتأهيلهم ، أجازوهم للجهاد .
ولذلك قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عن الغزو (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)[19]، استشرافا منه لأن يجدد المسلمون ثقتهم فيه ، وأن الله لن يخذله وأنه سوف يقبل توبته ، لصدقه فيها ، وأنه سوف يُظهر توبته لرسوله وللمؤمنين ، فإذا جدد الرسول والمؤمنين ثقته فيه ، أجيز للجهاد مرة أخرى بعدما ظهر صلاح حاله وصدق توبته .
قال الكرماني (وجه المناسبة التفويض والانقياد والتسليم ، ولا يستحسن أحد أن يزكي أعماله بالعجلة بل يفوض الأمر إلى الله تعالى)[20] ، وذلك أن كعب بن مالك لم يعتذر كما اعتذر المنافقون ، وإنما انقاد لحكم الله وسلم به بعد أن صدق رسول الله r ، ولذلك نزل فيمن اعتذر منهم قوله تعالى (قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله) ، فكان قول كعب (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [21] تأكيدا على ما في قلبه من توبة وصدق بما يخالف ما في قلوب المنافقين من رياء وكذب ، ولا يطلع على ذلك إلا الله ، ولذلك أضاف الله لقوله هنا (المؤمنون) أي في المرة الثانية ، لأن الله أنزل قبول توبته ، ليعلم بها المؤمنون بعدما فُضِح بتخلفه عن رسول الله ومعاتبة النبي له وأصحابه ، وَلذلك قَالَتْ عَائِشَةُ (إِذَا أَعْجَبَكَ حُسْنُ عَمَلِ امْرِئٍ فَقُلْ (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ أَحَدٌ)[22].
قال صاحب الإشارة : (كل من ظهر بدعوى أو تعرض لمقام من المقامات يقال له :"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" ؛ فإن كان إمره مبنياً على أساس الإخلاص والتقوى ثبت وانتهض ، وشعشع نوره ، وإن كان مبنياً على أساس ، افتضح وكََسَف نوره ، وسيرد الجميع إلى عالم الغيب والشهادة ، فيجازي كلاً بعلمه)[23].
قوله (..وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) "التوبة/105" أي لا يخفي شيء عن الله تعالى من حال هؤلاء التائبين ، فهو عالم الغيب والشهادة ، فإن خفي عن المؤمنين شيء فهو لا يخفى عن الله .
ففي حديث (فَيَلْقَى الله الْعَبْدَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ بَلَى قَالَ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَيَقُولُ أَيْ فُلْ أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ فَيَقُولُ بَلَى أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ فَيَقُولُ لَا فَيَقُولُ فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ وَيُثْنِي بِخَيْرٍ مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُولُ هَاهُنَا إِذًا قَالَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدَنَا عَلَيْكَ وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ وَلَحْمِهِ وَعِظَامِهِ انْطِقِي فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَذَلِكَ الَّذِي يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِ)[24]
قوله (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)"التوبة/106" قيل أن الـ (مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ) ، هم الذين ذكرهم الله بقوله "ظالم لنفسه" ، وهو (المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات) [25] ، و قال ابن عاشور (والمراد بهؤلاء من بقي من المخلفين لم يتب الله عليه، وكان أمرهم موقوفا إلى أن يقضي الله بما يشاء. .. ولم يكن تخلفهم نفاقا ولا كراهية للجهاد ولكنهم شغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق، وسأل عنهم النبي r وهو في تبوك، فلما رجع النبي r أتوه وصدقوه، فلم يكلمهم، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم، وأمرهم باعتزال نسائهم، فامتثلوا وبقوا كذلك خمسين ليلة، فهم في تلك المدة مرجون لأمر الله)[26].
وهو ما رجحه ابن كثير في تفسيره ، فقال (قال ابن عباس ومجاهدُ وعِكْرِمة، والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا، أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك وهلال بن أمية، قعدوا عن غزوة تبوك في جملة من قعد، كسلا وميلا إلى الدَّعَة والحفظ وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقا، فكانت منهم طائفة رَبَطوا أنفسهم بالسواري، كما فعل أبو لُبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجى هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله "لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ" الآية [التوبة: 117]، " وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ [وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ] الآية [التوبة: 118])[27] .
وفي فقه السياسة الشرعية أو علم الرجال ، يقاس عليهم الذين لم تتضح سريرتهم من علانيتهم ، ولم يتبين صدق توبتهم بعد ، فالزمن بالنسبة لهؤلاء عامل مؤثر في إيضاح موقفهم من الدعوة والجهاد في سبيل الله ، فكلما مضى زمن وثبتت فيه مشاركتهم في العمل العام وتأهلهم له كلما قويت جدارتهم فيما بعد واقتربوا من إعادة الثقة فيهم مرة أخرى.
تطهير المساجد من تسلط المنافقين
قال تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)
المسجد سلاح ذوي حدين ، فهو في الأصل مكان يتوجه فيه المسلمون للعبادة وإقامة شعائر الإسلام ، ويتعارفون على بعضهم ويتوادون ويتآخون ، ويزدادون هدى ، وهو محراب العلم والفقه والوعظ والنصيحة ، لكن يمكن بكل سهولة أن تنقلب أهدافه عليه فيصير مكان لفتنة الناس في دينهم وتبغيضهم في ربهم ، وسبب للتشاحن والتباغض لو تمكن المنافقون من إدارته أو المتعصبون والمتفيقهون والمتهوكون ..الخ.
ولذلك حذرنا الإسلام من مسجد الضرار الذي يبنى لغرض زرع الفتنة بين المسلمين ونشر البدع والضلالات محاربة لله ورسوله ، فهذا لا يجوز الصلاة فيه ، ويجب تحذير الناس منه ، فالمضمون أهم من الشكل ، فإذا كان المسجد يقوم بدور دعوي تربوي يطابق الكتاب والسنة فهو يدل على التقوى ، ويقوم بوظيفته في تخريج العباد والعلماء ، وإذا كان المسجد يقوم على البدع والضلالات فهو يهدم العقيدة الصحيحة ويؤسس لعقائد وعبادات باطلة تقوم على التوسل لغير الله تعالى ، فهذا المسجد يجب هدمه لا تحويله حتى لا يعود الناس للعبادة فيه على الطريقة التي أسست أول مرة ، بتذكر العبادات الشركية التي أسسها المنافقون فيه
وهنا يزداد ريب وشك المنافقون في هذا الدين حينما تهدم مساجدهم التي قصد منها بث الفتنة ، فيتعجبون من فعل النبي r الذي قالوا عنه أنه "أذن" ، فكيف به هو هو الذي كان يترأف معهم ويلين لهم يهدم مساجدهم ما يدل على غضبه ، فيخافون أن يصيبهم أذى من ذلك ، ويعاقبهم .
قوله (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ) "التوبة/107" المقصود بمسجد الضرار هو الذي رصده القائمون عليه لنشر البدعة ، ومحاربة السنة ، ونشر العقائد الفاسدة ومحاربة عقيدة الإسلام الصحيحة ، ونشر العبادات الباطلة ، لإفساد عبادة المسلمين .
قال العلماء (كل مسجد فيه هذه الصفة؛ صفة التنافس للحصول على سمعة أو تحيز لجهة على جهة أو رياء ، فهذا يعتبر مسجداً ضراراً؛ لأن كل هذه المسائل فرقت جماعة المسلمين)[28].
ومثل ذلك : المسجد الذي فيه قبر ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ r فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ قَالَتْ عَائِشَةُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا)[29]
وقال رسول الله r (وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)[30]
ومثال ذلك كذلك المساجد التي تفتن الناس بسبب الإطالة في الصلاة : فعن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ r ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَاةَ فَقَرَأَ بِهِمْ الْبَقَرَةَ قَالَ فَتَجَوَّزَ رَجُلٌ فَصَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذًا فَقَالَ إِنَّهُ مُنَافِقٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَأَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَنَسْقِي بِنَوَاضِحِنَا وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى بِنَا الْبَارِحَةَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَتَجَوَّزْتُ فَزَعَمَ أَنِّي مُنَافِقٌ فَقَالَ النَّبِيُّ r يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ثَلَاثًا اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَنَحْوَهَا)[31]
ومثال ذلك كذلك من كان عنده علم لكنه يفتنهم بالإطالة في الصلاة أو ما بين الأذان والإقامة .
والأمثلة على البدع كثيرة من ذلك تعمد إفساد عبادة المسلمين كرفع الصوت في المساجد أو إنشاد الضالة في المسجد أو تأخير الصلاة عن وقتها ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَعَلَّكُمْ سَتُدْرِكُونَ أَقْوَامًا يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوهُمْ فَصَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ لِلْوَقْتِ الَّذِي تَعْرِفُونَ ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَاجْعَلُوهَا سُبْحَةً)[32] ، أو بالسماح للنساء المتبرجات بإتيان المساجد على هذا الحال أو الوقوف على باب المسجد متعطرات ...الخ ، قال رسول الله (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ) [33] أي غير متطيبات[34] .
وليس أضر فتنة على المسلمين من أن يؤمهم أجهلهم ، فيخطبهم في الجمعة من يضلهم ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) [35]
وهذا بخلاف المساجد التي يذكر فيها اسم الله ويعمرها أهل الله خاصته ، يسمعون الموعظة وتذرف منها أعينهم ، فعن الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ - وَهُوَ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ "وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ" - قَالَ الْعِرْبَاضُ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ r ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ " [36]
وعنه r قال (إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)[37]
قوله ( ..وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ..) "التوبة/107" علمنا أن الغرض الأول من المسجد الضرار نشر عقيدة الكفر وإبطال الإيمان ، من خلال ترويج البدع ونشرها ، والغرض الثاني الذي قصدوه من بناء مسجد الضرار هو تفريق المسلمين حتى لا تكون لهم كلمة واحدة ، كأن يعمدوا إلى نشر وبث بدعة جواز الاختلاف في أمور الدين بحجة أنها تدخل ضمن حرية الرأي ، وحرية الرأي مكفولة في الإسلام ، ثم توسيع تلك الدائرة حتى يضحى الخلاف في المسائل هو اختلاف تضاد وليس تنوع .
فعن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ " وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ " قال "يَفْرُقُونَ جَمَاعَتَهُمْ لأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ جَمِيعًا فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، لِئَلا يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ" [38] .
وعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ)[39] .
ومن البدع التي تصرف الناس عن المساجد الإطالة في الصلاة ، فإنها تفرق المؤمنين وتجعلهم لا يصلون في المسجد ، وليس ذلك من السنة ، فعن أَبي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ (وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا ) فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ)[40] ، قَالَ رسول الله r (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ مِنْهُمْ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ)[41] ، فمن الفقه أن يقرأ الإمام قراءة يجتمع لها الناس ، فيحسن صوته بالقراءة ، ويقرأ على مهل ، ويتجنب الإطالة بالناس .
ومعيار الإطالة أن يزيد عن مقدار سورة من أوساط المفصل ، لحديث عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ r ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ r الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ فَقَالُوا لَهُ أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ قَالَ لَا وَاللَّهِ وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r فَلَأُخْبِرَنَّهُ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ ثُمَّ أَتَى فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ اقْرَأْ بِكَذَا وَاقْرَأْ بِكَذَا قَالَ سُفْيَانُ فَقُلْتُ لِعَمْرٍو إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ اقْرَأْ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَقَالَ عَمْرٌو نَحْوَ هَذَا) [42] ، قال النووي "النواضح" (هي الإبل التي يستقى عليها جمع ناضح وأراد إنا أصحاب عمل وتعب فلا نستطيع تطويل الصلاة)[43] ، فمن كان وقافا عند حدود الله تعالى لم يتجاوز في صلاته نحو ذلك .
قوله ( .. وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ..) "التوبة/107" فالغرض الثالث من بناء مسجد الضرار جعله مركزا لمؤامرات النفاق التي عقدوا العزم على تنفيذها ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قوله: " وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " يَعْنِي"رَجُلا يُقَالُ لَهُ أَبُو عَامِرٍ، كَانَ مُحَارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَ قَدِ انْطَلَقَ إِلَى هِرَقْلَ، فَكَانُوا يَرْصُدُونَ إِذَا قَدِمَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ"[44]
وعن ابْنِ عَبَّاسٍ قال"هُمْ أُنَاسٌ مِنَ الأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدُّوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَسِلاحٍ، فَإِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى قَيْصَرَ مَلَكِ الرُّومِ فَآتِي بِجُنْدٍ مِنَ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ"[45] ، أرادوا أن يؤكدوا وجودهم بين المسلمين ويثبتوا مكانتهم التي من خلالها يتمكنوا من استقطاب أكبر عدد منهم لأجل الانقلاب على النبي r وذلك متى صادف أن لاقوا تأييدا خارجيا من الروم .
وهكذا ينقلبون على النبي r بهذه السياسة التي في ظاهرها السعي لنشر الدعوة ، وهي في حقيقتها تكثير الأعوان لهم بالداخل حتى إذا تحرك أعداء الله من الخارج للهجوم على المسلمين وجد أبواقا لهم من الداخل تنادي بدفع الظلم عنهم والاستنصار لهم ، فيساندوهم نصرة لهم ، ثم يتخذون من أصحاب هذه الدعوات المفترية أبواقا لهم يعملون على شرعنة الاحتلال أو شرعنة انقلابهم وخيانتهم لله ولرسوله أمام شعوبهم ، فتستسلم الرعية لأصحاب الدعوة الجديدة ، وقد يسايرهم السذج دون قصد ، فيتركونهم يمتلكون زمام الأمور بيسر وسهولة ، مخافة الفتنة ، وهم في الحقيقة يمكنون لأهل الفتنة ، وكل ذلك تحت ستار الدين .
قوله ( ..وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) "التوبة/107" فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ r مَسْجِدَ قُبَاءٍ خَرَجَ رِجَالٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ بَحْزَجٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفِ، وَوَدِيعَةُ بْنُ خِدَامٍ، وَمُجَمِّعُ بْنُ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيُّ فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفَاقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِبَحْزَجٍ:"وَيْلَكَ يَا بَحْزَجُ وَمَا أَرَدْتَ إِلَيَّ مَا أَرَى ؟"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلا الْحُسْنَى وَهُوَ كَاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ r وَأَرَادَ أَنْ يَعْذُرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا" [46].
قوله (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا..) "التوبة/108" قال القرطبي (عبَّر بالقيام عن الصلاة فيه)[47] ، ومنه حديث " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " ، لكن المعنى يتعدى ذلك إلى بيان أن حكم هذه المساجد الهدم متى كان ولي الأمر ممكنا من ذلك ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:"رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِ الضِّرَارِ حِينَ أَنْهَارَ"[48] .
وفي ذلك إيماءة إلى وجوب أن يكون ثمة تباعد بين المساجد ، حتى يجتمع جيران مكان معين على مسجد واحد فلا يتفرقون ، وهذا بالطبع يفترض أن المسجد جامع أي أن مساحته تستوعب جيران المسجد ، أما إذا لم يكن كذلك فلا غرو في بناء مسجدين في مكان واحد ليستوعب المصلين ، فإن لم يكن في المسلمين مكنة لهدم مسجد الضرار ، فالحكم وجوب هجرها ، أي يقتصر على الصلاة في المسجد الجامع لا الضرار ، فلا يجوز الصلاة في مسجد الضرار الذي قصد ببنائه تفريق المسلمين عن إمامهم ، وتجميعهم على إمام بدعة وضلال ، وهو مستفاد من ظاهر النهي الوارد بالآية.
ذكر ابن كثير في سبب نزول هذه الآيات الكريمات: أنه كان بالمدينة قبل مَقدَم رسول الله r إليها رجل من الخزرج يقال له: "أبو عامر الراهبُ"، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلية وقرأ علْم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير ، فلما قَدم رسولُ الله r مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإسلام كلمة عالية، وأظهرهم الله يوم بدر، شَرِق اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعداوة، وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألَّبهم على حرب رسول الله r ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم الله، وكانت العاقبة للمتقين ،كان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول الله r ، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه وكُسِرت ربَاعِيتُه اليمنى السفلى، وشُجَّ رأسه، صلوات الله وسلامه عليه ، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله، ونالوا منه وسبُّوه. فرجع وهو يقول: والله لقد أصاب قومي بعدي شَر ، وكان رسول الله r قد دعاه إلى الله قبل فراره، وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتمرَّد، فدعا عليه رسول الله r أن يموت بعيدًا طريدًا، فنالته هذه الدعوة .
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول، صلوات الله وسلامه عليه في ارتفاع وظهور، ذهب إلى هرقل، ملك الروم، يستنصره على النبي r ، فوعده ومَنَّاه، وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب يعدهم ويُمنَّيهم أنه سيقدمُ بجيش يقاتل به رسول الله r ويغلبه ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له مَعقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كُتُبه ويكونَ مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه، وفرغوا منه قبل خروج النبي r إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول الله r أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم، ليحتجوا بصلاته، عليه السلام، فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله" .
فلما قفل عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضِّرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم مسجد قباء، الذي أسس من أول يوم على التقوى. فبعث رسول الله r إلى ذلك المسجد من هَدَمه قبل مقدمه المدينة، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وهم أناس من الأنصار، ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامر، ابنوا مسجدًا واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه. فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي r فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة. فأنزل الله عز وجل: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) إلى ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [49].
قوله (..لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ..) "التوبة/108" لفتت الآية انتباه المسلمين إلى معيار المسجد المؤسس على التقوى – الذي هو بخلاف مسجد الضرار – حيث إن كلاهما يعرفان بأهلهما ، ومنذ اليوم الأول لجمع التبرعات لتأسيسه ، فإذا كان القائمين على هذا العمل مرخص له من جماعة المسلمين القائمين على المساجد ، فياحبذا ، أما إن كانوا يجمعون الأموال فيما بينهم ليكون مشروع المسجد أمر واقع يحتجون به على الناس ، وهم يقصدون الإضرار بالدعوة ، فبئس ما يفعلون ، وهكذا يضع الإسلام معيارا للعمل الخير بالنظر أولا في طريقة تأسيسه منذ اليوم الأول ، ويضع الرقابة السابقة على هذه الأعمال لتخضع إلى إجراء الترخيص المسبق حتى يتم تأسيسه بمراعاة قواعد الشرع الحنيف ، فلا يقام في ضريح ميت ، ولا يتم تأسيسه بأموال حرام ، ولا يقوم على بنائه وزخرفته من يبذر الأموال ، ولا يقوم على إدارته الأئمة المضلين .
والمسجد المؤسس على التقوى هو الذي يدار كما كان يدار مسجد رسول الله r فيه محراب للصلاة ودروس للوعظ والفقه والإرشاد وفيه أماكن للنساء وفيه تعليم للصبيان والفتيات ، وفيه مستشفى للعلاج ،وفيه لجان للزكاة ، وأخرى لأعمال التبرعات ، وفيه حلبة للمصارعة والرياضة بعيدا عن أماكن صلاة الناس ، وفيه أماكن لإيواء المسافرين وأهل الفاقة ، وفيه دار لاستقبال السفراء والمبعوثين من الدول الأخرى ..الخ ، فالمسجد هو أكبر مؤسسة إسلامية ، وقد اكتظت السيرة النبوية بالأحاديث الدالة على ذلك ، من ذلك ما يلي : -
أولا : دخول المسجد للعبادة والصلاة وتلاوة القرآن فرادى وجماعات ، وتعلم أحكامه ودراسة الفقه
عن أبي هريرة (وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ، يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونهُ بينهم، إلا نزلت عليهِم السَّكينة، وغشيتهمُ الرَّحمة، وحفَّتهمُ الملائكة، وذكرهمُ اللَّهُ فيمن عندهُ) رواه مسلم
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r (مَن دخلَ مسجِدَنا هذا ليتعلَّمَ خيراً أو يُعلِّمَهُ، كالمُجاهِدِ في سبيلِ اللَّهِ (رواه ابن حبان
ثانيا : تخصيص أماكن للنساء في المساجد
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانَ النَّبيُّ إِذَا سَلَّمَ، مَكَثَ قَلِيلًا، وَكانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ لِكَيْ يَنْصُرِجَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالُ [رواه البخاري.
كما جعل لهنّ باباً خاصاً يُعرف بـ "باب النساء" )سنن أبي داود(
عن أنس بن مالك قال )كانَ رَسولُ اللَّهِ يُخَالِطُنَا، حتَّى إنَّه ليَقُولُ لأخٍ لِي صَغِيرٍ: يا أَبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)رواه البخاري
ثالثا : اصطحاب الأطفال المساجد
، وفي رواية أخرى دلالة على إحضار الأطفال للمساجد: ) أنَّ النبيَّ كانَ يُصَلِّي وهو حَامِلٌ أُمَامَةَ (رواه البخاري
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (أنَّ سَعْدًا أُصِيبَ يَومَ الخَنْدَقِ... وَكانَ في مَسْجِدِ رَسولِ اللَّهِ خَيْمَةٌ لِرُفَيْدَةَ الأسْلَمِيَّةِ، تُعَاوِدُهُ (تُعالجه) فيها ) رواه البخاري في الأدب المفرد
رابعا : المسجد مأوى للفقراء
عن أبي هريرة قال: (رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ، ما منهمْ رَجُلٌ عليهِ رِدَاءٌ، إمَّا إِزَارٌ وإِمَّا كِسَّةٌ)رواه البخاري]، وكان النبي يتفقد أحوالهم بنفسه ويأمر الصحابة بإطعامهم.
خامسا : المسجد فيه خزانة لأموال الزكاة ، ومقر لتوزيعها
عن عقبة بن الحارث : قال ( صَلَّيْتُ العَصْرَ وراءَ النبيِّ ... ثُمَّ خَرَجَ مُسْرِعًا، فَذَكَرَ أَنَّهُ تَبِيْرًا (أي: قطعة ذهب من الصدقة) كانَ عِنْدَهُ، فَكَرِهَ أَنْ يَحْبِسَهُ، فَقَسَمَهُ (رواه البخاري.
سادسا : المسجد دار لاستقبال السفراء والمبعوثين
قصة قدوم وفد ثقيف، حيث ضَرَبَ لهم النبي قُبّة (خيمة) في المسجد ليتألفهم ويسمعوا القرآن [سنن أبي داود]. وكذلك قصة وفد نصارى نجران واستضافتهم في المسجد.
سابعا :المسجد مكان للرياضة مع احترام قدسية أماكن الصلاة وتلاوة القرآن
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (رَأَيْتُ النبيَّ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إلى الحَبَشَةِ يَلْعَبُونَ - بالرِّماح والحراب- في المَسْجِدِ) رواه البخاري.
قوله (..فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ) فخير معيار لمعرفة المسجد المؤسس على التقوى هو تمسك معمريه بالسنة والشعائر ، وفقه المقاصد .
والإشارة إلى الطهارة يعني التزام العبادة بوجهها الصحيح يقول رسول الله (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)[50]
قال النووي المراد بالطهور "الفعل" لأن لفظ الطهور يعني (التطهر) ويقصد به (الوضوء)[51]، ولذلك قيل أن المراد بالإيمان هنا "الصلاة" كما قال الله تعالى وما كان الله ليضيع ايمانكم ، والطهارة شرط في صحة الصلاة فصارت كالشطر)[52] ، (فالطهور مفتاح لأبواب الطاعات كلها)[53].
بذلك نفهم لزوم الطهارة لصحة الإيمان (فلإيمانَ يُطهِّر نجاسةَ الباطن من الشرك ، والطَّهورَ يُطهِّر نجاسة الظاهر من الوسخ) [54]، والغرض من ذلك تربية الفرد المسلم على معان من أهمها الحرص على الطهارتين المعنوية والحسية
ومن يحبون الطهارة لا يكتفون بالقدر المجزئ من الطهارة ، وإنما يؤديونها على وجه الكمال ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ قُبَاءَ " فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" ، قَالَ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ) [55] ، أي أنه بالنسبة للطهارة من النجاسات ، عمدوا إلى الماء لتحقيق الطهارة كاملة ، ولم يكفوا بالأحجار ، رغم أن البيئة الصحراوية يصعب فيها تحصيل الماء ، ويكثر التطهر بالأحجار ، إلا أنهم أضافوا الماء للأحجار زيادة في التطهر .
وعَنْ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ r أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكُمْ الثَّنَاءَ فِي الطُّهُورِ فِي قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ فَمَا هَذَا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ قَالُوا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنْ الْيَهُودِ فَكَانُوا يَغْسِلُونَ أَدْبَارَهُمْ مِنْ الْغَائِطِ فَغَسَلْنَا كَمَا غَسَلُوا)[56].
وأما بالنسبة للطهارة من الحدث الأصغر فإنهم يسبغون الوضوء على المكاره ، فقوله (إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ) أي إكماله وهو نوعان واجب ومستحب ، فالواجب أن يغسل مرة واحدة ، والمستحب الثلاث والسنة أن يتوضأ مرة مرة أحيانا ومرتين مرتين أحيانا وثلاثا ثلاثا أحيانا ولا يزيد)[57]، قال المباركفوري (أي إتمامه وإكماله والإسباغ في اللغة الإتمام ومنه درع سابغ )[58] ، والسَّبراتِ : (جمع سَبْرة وهي شِدَّة البَرد)[59]
وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)[60] ، قوله (في المكاره) جمع مكرهة بمعنى الكره والمشقة يعني إتمامه بإيصال الماء وتعميمه حال كراهة فعله لشدة برد أو علة يتأذى به معها من غير ضرر بالعلة)[61]، أي استيعاب الأعضاء بالغسل وتطويل الغرة وتكرير الغسل والمسح ثلاثا حال ما يكره استعمال الماء لنحو شدّة برد وألم جسم وإيثار الوضوء على الأمور الدنيوية فلا يأتي به مع ذلك إلا كارها مؤثر الوجه الله تعالى)[62].
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ r (أَتَانِي رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى ؟ قَالَ : قُلْتُ : فِي الْكَفَّارَاتِ ، وَالدَّرَجَاتِ ، قَالَ : وَمَا الْكَفَّارَاتُ ، وَالدَّرَجَاتُ ؟ قُلْتُ : إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ ، وَنَقْلُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجُمُعَاتِ ، وَانْتِظَارُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ ، قُلْ يَا مُحَمَّدُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ الطَّيِّبَاتِ ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ ، وَفِعْلَ الْخَيْرَاتِ ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ ، وَإِنْ أَدَرْتَ بَيْنَ النَّاسِ فِتْنَةً أَنْ تَوَفَّنِي وَأَنَا غَيْرُ مَفْتُونٍ ، مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَخَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) [63] .
فإذا كان هذا هو شأن أهل التقوى حال إتيان مقدمات الصلاة أي (الطهارة) ، فلا شك أن إحسانهم في أداء الصلاة على أول وقتها جماعة بالمسجد لن يكون بأقل من اجتهادهم في إحسان الوضوء والطهارة فيها ، فيحسنون خشوعها وركوعها وسجودها، وإذا كانت تلك طهارتهم وصلاتهم ، فلا شك أن ذلك يدل كذلك طهارة قلوبهم ، كما في قوله (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) {العنكبوت/45}
قال ابن عاشور (أطلقت المحبة في قوله"يُحِبُّونَ" كناية عن عمل الشيء المحبوب لأن الذي يحب شيئا ممكنا يعمله لا محالة ، فقصد التنويه بهم بأنهم يتطهرون تقربا إلى الله بالطهارة وإرضاء لمحبة نفوسهم إياها، بحيث صارت الطهارة خلقا لهم فلو لم تجب عليهم لفعلوها من تلقاء أنفسهم) [64].
من ذلك نفهم أن العلاقة بين الطهارة الحسية والمعنوية تلازمية ، قال القشيري (يتطهرون عن المعاصي وهذه سِمَة العابدين ، ويتطهرون عن الشهوات والأماني وتلك صفة الزاهدين ، ويتطهرون عن محبة المخلوقين ، ثم عن شهود أنفسهم بما يتصفون وتلك صفة العارفين )[65].
قوله "وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ" تذييل وفيه إشارة إلى أن نفوسهم وافقت خُلُقا يحبه الله تعالى ، وكفى بذلك تنويها بزكاء أنفسهم)[66].
قال رسول الله r (إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ)[67].
وقال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ)[68].
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ[69] قَالَ زَكَرِيَّاءُ قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ)[70].
قوله ( أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )"التوبة/109" والمقصود بيان أهمية دور المساجد في بناء العقيدة الصحيحة في نفوس المسلمين ، لأنها أساس هذا الدين ، فمن كانت عقيدته سليمة من الشرك والرياء والسمعة ، قائمة على التقوى والخوف من الله وطلب رضاه والإخلاص في العمل ، كانت عبادته صحيحة مؤدية لمقصودها من كمال التقوى وطهارة القلب .
وفي الآية تشبيه الدين بالبناء ، فأحد البناءين أسس قواعده على نحو سليم وهو في هذا التشبيه العقيدة الصحيحة والخوف من الله،والآخر أسس بينانه على جرف هار ، ما يعني أنه يكاد ينهار بالبناء كله لأن الأرض التي بنى عليها قواعد البناء ضعيفة لا تتحمله ، وذلك (من المجاز المستحسن) [71].
والعكس كذلك صحيح ، فمن فسدت عقيدته فسدت عبادته وأخلاقه ومعاملاته مع الناس ، وإن تظاهر بحسن الخلق وحسن المعاملة ، لأن المقصود بحسن الخلق وحسن المعاملة طاعة الله تعالى وبلوغ رضوانه ، ومن فسدت عقيدته لم يبلغ رضوان الله ولو حسنت أخلاقه وحسنت معاملته ، وهو بذلك ظالم لنفسه ، ولسوف يجازى بذلك في الدنيا ، ولا نصيب له في الآخرة ، لأنه أسس بنيانه على (عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) ، فالشفا (هو الشفير وشفا كل شيء حرفه) [72] ، أي ( أسس بناءه على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار ، أي مشرف على السقوط)[73] .
فإذا ما تراءى لك وجه هذا الاختلاف والتباين بين المسجدين ، فاعلم أن الأحق بإمامة الناس في الصلاة هو أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة ، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا ، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ)[74]
قوله (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ) (خبر بمعنى الأمر)[75] لما روي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ)[76] .
قال القرطبي (تأول أصحاب الحديث بأن الأقرأ في الصدر الأول هو الأفقه، لأنهم كانوا يتفقهون مع القراءة فلا يوجد قارىء إلا وهو فقيه، قال وكان من عرفهم تسمية الفقهاء بالقراء)[77]، يعني أن الجميع كانوا ماهرين في القراءة فكان التفاضل بينهم مباشرة بالأفقه ، وهو الذي كان أكثر ملازمة لرسول الله لكثرة تلقي العلم منه .
قوله (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) "التوبة/110" ازدادوا حنقا على رسول الله r لما هدم مسجدهم ، وازدادوا بذلك ريبة وشكا في الإسلام ، فهؤلاء المنافقون (يفسدون من حيث لا يشعرون ، ويعتقدون صواب فعلهم) [78]، وكان من المفترض أن ينتهوا عن ذلك بعدما هدم رسول الله مسجد الضرار الذي بنوه ، ولكنهم عاندوا فمازال في قلوبهم الكفر والنفاق ، فكأنهم من غيظهم زاد كرههم للنبي r وأصحابه ، فزادهم ذلك ريبة في دين الله ، قال الرازي (اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في بناء ذلك المسجد ، فلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر بتخريبه)[79].
والاستثناء في قوله تعالى "إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ" ،كناية عن الخوف الشديد مما فعلوا من نفاق ، أي إلا أن تخرج قلوبهم من أبدانهم من شدة الندم ، وقال أبو السعود أي (لما هُدم بنيانُهم صاروا مُرتابين في أن رسول الله r هل يتركهم على ما كانوا عليه من قبل أو يأمرُ بقتلهم ونهبِ أموالِهم)[80].
وقيل أن المعنى أنهم يحتاجون لجهد شديد لاستخراج حظ الشيطان من قلوبهم ، وتطهيرها من الغل والحسد والحقد والغدر والخيانة ، وهذا الجهد يماثل في التشبيه كأنهم يستخرجون قلوبهم من صدورهم ليتم تطهيرها في طست ثم إرجاعها لصدورهم مرة أخرى ، ما يدل على تمكن الشيطان من قلوبهم ، ولا فرصة لإصلاحها إلا بعملية أشبه باستخراج القلب وغسله من آثامهم ، وهم ليسوا أهلا لهذه العملية ، فقد حصلت للنبي r وهو صغير لما طهر جبريل قلبه وغسله في طست ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r أَتَاهُ جِبْرِيلُ r وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ لَأَمَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمِّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقِعُ اللَّوْنِ قَالَ أَنَسٌ وَقَدْ كُنْتُ أَرْئِي أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ)[81].
وقيل (إلا أن يتوبوا توبة بها تنقطع قلوبهم ندما على تفريطهم)[82]
وقال ابن عطية ( إلا أن يتوبوا توبة نصوحاً يكون معها من الندم والحسرة على الذنب ما يقطع القلوب هماً وفكرة) [83].
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)
قوله (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) بوب البخاري بابا بهذا العنوان ، وأورد تحته حديث عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r وَلَوْ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي)[84] ، وكأنه يومئ إلى أولويات الدعوة الإسلامية ، وأن الجهاد في سبيل الله يلي بر الوالدين مباشرة .
وتأكد هذا المعنى بحديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ)[85] ، قال الباجي : (والْمَعْنَى إِنَّ طَاعَةَ أَبَوَيْهِ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ وَالْجِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَفُرُوضُ الْأَعْيَانِ آكَدُ)[86] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي جِئْتُ أُرِيدُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَقَدْ أَتَيْتُ وَإِنَّ وَالِدَيَّ لَيَبْكِيَانِ قَالَ فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا)[87] ، وهذا كله كما هو معروف في جهاد الطلب ، أما بالنسبة لجهاد الدفع فلا وقت لاستئذان أحد إذا ما دخل العدو دار الإسلام ، فهو أشبه بدفع الصائل .
وعدا ما ذكر من أمور تتقدم الجهاد كبر الوالدين ، فعلي المؤمن واجب أن يبيع دنياه في سبيل الله تعالى ، فيجاهد بماله ونفسه ولا يقدم على الجهاد شيء إلا ما تقدم ذكره .
والنساء ليس عليهن جهاد بالسيف ، ولكن الواجب عليهن هو الجهاد من نوع آخر ، ولذلك ضم البخاري في هذا الباب حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ (يَا رَسُولَ اللَّهِ تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ أَفَلَا نُجَاهِدُ قَالَ لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ)[88] ، قال ابن بطال دل حديث عائشة على أن الجهاد غير واجب على النساء ، ودل كذلك على جواز خروج النساء في الحرب)[89]
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)[90]
وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ r فِي الْجِهَادِ فَقَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ)[91]
قوله (..إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم..) شبه الله تعالى جهاد المؤمن بنفسه وماله في سبيل الله بصفة تجارية يبرمها مع الله تعالى مباشرة ، فيبيع الله له الجنة مقابل أن يقدم نفسه وماله في سبيل الله ، وطالما ذكر القرآن الجهاد بالمال قبل النفس في مواضع كثيرة ، منها قوله تعالى (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات 15) ، وقوله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ..(الأنفال72) ، وقوله (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة 41)
وهذا معلوم لأن الجهاد بالمال يسبق الجهاد بالنفس ، فإذا بخل ما بماله عن سبيل الله فإنه لن يجاهد بنفسه ، بيد أنه في هذا السياق جاء الترتيب بينهما مختلف حيث ذكر بيع النفس أولا ثم المال في تلك الصفقة ، يعزى تغير الترتيب هنا إلى أن (التعامل مع الله فيجب –عندئذ- تقديم الأسمى ، والنفس أسمى من المال) [92] ، أي أن المجاهد لا يرى شيئا من معوقات الدنيا أثناء جهاده بنفسه في سبيل الله ، فكأنه لا يرى ماله شيئا ليقدمه في سبيل الله ، بل إنه ليجود بنفسه في سبيل الله أولا ولا يتأخر حتى يقدم المال ، ورغم ذلك ذكر المال ثانيا ، لأن المجاهد قام بتقديم المال بالفعل وهو يجاهد في سبيل ربه ، لكنه لم يظنه شيئا فسارع بتقديم نفسه.
وقيل أن الأنفس هي المشتراه في الحقيقة ، وأنها مورد العقد ، أي محل العقد ، وهي السلعة الحقيقة التي اشتراها ربها ، أما الأموال فهي تبع لها ، فإذا ملك الله النفس ملك ما هو تبع لها ، فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له منه شيء ، فالله هو المشتري والمؤمنون هم البائعون والسلعة الحقيقية هي النفس والمال تبع لها ، ومقابل العقد الجنة عرضها السماوات والأرض[93] .
ويدخل في مفهوم السلعة –تبعا كذلك - الأوقات والمجهود البدني الشاق ، فكل ذلك داخل في معنى النفس ، فمن لم يقدم وقته لله وجهده لله ، فكيف به يقدم نفسه كلها لله ، وقد بخل بوقته وجهده عن سبيل الله ، ولذلك كان الذين يقتلون شهداء في سبيل الله لا تجد في أجسادهم مكانا إلا وبه طعنة أو ضربة سيف ، ما يعني أنهم لم يستسلموا للموت والشهادة ، بل قدموا كل جهدهم في سبيل الله حتى ينالوا هذه الدرجة ، فها هو ذا خالد بن الوليد سيف الله المسلول يقول عند موته : (ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة ، وها أنا ذا أموت كما يموت البعير ، فلا نامت أعين الجبناء)[94] ، كناية عن كثرة جهده وجهاده وقتاله في سبيل الله .
ولهذا السبب بالذات يتنصر دوما المسلمون الذي يعشقون الموت في سبيل الله كما يعشق غيرهم الحياة ، ذكر المؤرخون أن خالداً رضي الله عنه كتب إلى ملك فارس: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، فالحمد لله الذي حل نظامكم ووهن كيدكم، وفرق كلمتكم... فأسلموا وإلا فأدوا الجزية وإلا فقد جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة([95].
قوله (..بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ..) أي أن محل الصفقة والمبادلة هي الجنة ، لما لا والشهداء أحياء في الحقيقة وليسوا بأموات ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ" قَالَ أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ اطِّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ قَالُوا أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا؟, فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا قَالُوا يَا رَبِّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)[96]، قوله " تركوا " أي من سؤال هل تشتهون)[97] .
قوله (..يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ..) أي لابد من البذل لإتمام الصفقة ، فلا تتحقق الصفقة إلا بوقوع القتال فعلا ، وأن يكون في سبيل الله ، بل لابد وأن يترتب على ذلك القتال قتل لأعداء الله ثم استشهاد في سبيل الله ، هكذا على ذلك التفصيل الوارد بالآية ، لكن يخف من حدة هذا التفصيل قول النبي r (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ)[98]
ولكن ينبغي الحذر من أن يكون الجهاد ليس في سبيل الله ، فيكون ذلك جهدا ضائعا لصاحبه لا ينال منه شيئا ، ففي الحديث عن أكثم بن أبي الجون قال : قلنا : يا رسول الله فلان يجري في القتال قال : ( هو في النار ) قال : قلنا : يا رسول الله إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار فأين نحن ؟ قال : ( إنما ذلك إخبات النفاق وهو في النار ) قال : كنا نتحفظ عليه في القتال كا نلا يمر به فارس ولا راجل إلا وثب عليه فكثر عليه جراحه فأتينا النبي r فقلنا : يا رسول الله استشهد فلان ؟ قال : ( هو في النار ) فلما استد به ألم الجراح أخذ سيفه فوضعه بين ثدييه ثم اتكأ عليه حتى خرج من ظهره فأتيت النبي r فقلت أشهد أنك رسول الله فقال رسول الله r : ( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة تدركه الشقوة أو السعادة عند خروج نفسه فيختم له بها )[99].
وفي رواية عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ r إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ r رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا قَالَ فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ قَالَ فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r عِنْدَ ذَلِكَ إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)[100]
قوله (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ) هذه الآية دليل على ديمومية الجهاد قبل الإسلام وبعده إلى يوم القيامة ، فظاهر النص (أنّ كل أمة أمرت بالجهاد ووعدت عليه بالجنة) [101]، (وفيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل)[102] ، قال القرطبي فيه (إخبار من الله تعالى أن هذا كان في هذه الكتب، وأن الجهاد ومقاومة الأعداء أصله من عهد موسى عليه السلام)[103] .
وقد أخبرنا القرآن بفرض الجهاد منذ زمن موسى عليه السلام ، وما بعده كما في قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [ البقرة : 246 ] ، ولكنهم لم يؤدوا هذا الفرض كما ينبغي ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ الْمِقْدَادُ يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى "فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ" وَلَكِنْ امْضِ وَنَحْنُ مَعَكَ فَكَأَنَّهُ سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r)[104].
قوله (..وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ..) كان الصحابة رضوان الله عليهم يفهمون معنى البيعة وشروطها ، فكانوا إذا أرادوا الإسلام اشترطوا على رسول الله r شروطا منها ما قبلها منهم ، ومنها ما لم يقبله ، من ذلك عمرو بن العاص أراد أن يشترط على رسول الله r قبل أن يعلن إسلامه أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه فأقره النبي r على ذلك ، فعن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قال (فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ r فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ مَا لَكَ يَا عَمْرُو قَالَ تَشْتَرِطُ بِمَاذَا قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ)[105] .
أما من أرادوا أن يشترطوا على رسول الله r أن يُنقِص شيئا من الدين فإنه لم يقرهم على ذلك ، إلا ما يجوز تأجيله بالنسبة لبعضهم كحكم خاص للمؤلفة قلوبهم حتى يستقر الإيمان في قلوبهم باعتبارهم حديثي عهد بالإسلام ، ولا ينبغي تكليفهم بالجهاد منذ أول عهدهم به ، فعن عثمان بن أبي العاص أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله r فأنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم ، فاشترطوا على النبي r أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا ولا يستعمل عليهم غيرهم قال فقال ان لكم ان لا تحشروا ولا تعشروا ولا يستعمل عليكم غيركم ، وقال النبي r (لا خير في دين لا ركوع فيه) قال ، وقال عثمان بن أبي العاص يا رسول الله علمني القرآن واجعلني إمام قومي) [106].
فقوله [لا يُجَبُّوا] أصل التَّجْبِيَة : أن يقوم الإنسان قيام الراكع ، وقيل هو أن يَضَع يديه على رُكْبَتَيْه وهو قائم . وقيل : هو السُّجود . والمراد بقولهم لا يُجَبُّوا أنهم لا يُصَلُّون)[107].
وقوله [ولا يُحْشَروا ] أي لا يُنْدَبُون إلى الْمغَازي ولا تُضْرب عليهم البُعُوث ، وقيل لا يُحْشَرون إلى عامل الزَّكاة ليأخَذ صَدقَة أموالِهم بل يأخُذُوها في أماكنهم[108].
وقوله [ولا يُعْشَروا] أي لا يُؤْخَذ عُشْرُ أمْوالهم ، وسُئل جابرٌ عن اشْتِراط ثَقِيف أن لاَ صَدقةَ عليهم ولاجهاد فقال : عَلِمَ أنَّهم سَيَتَصَدَّقون ويُجاهدُون إذا أسلموا )[109].
قوله (فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (111) استبشر الصحابة رضوان الله عليهم بهذا البيع ، وارتضوه بعد أن بذلوا ما في وسعهم لأجل أن يلحقوا برسول الله r ولا يتخلفوا عن الجهاد معه .
فعن أبي عثمان النهدي أن صهيبا حين أراد الهجرة إلى المدينة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا، فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تريد أنتخرج بنفسك ومالك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم: أرأيتم إن أعطيتكم مالي أتخلون سبيلي؟ فقالوا: نعم، فقال: أشهدكم أني قد جعلت لهم مالي، فبلغ ذلك النبي r فقال: "ربح صهيب، ربح صهيب)[110]
وفي رواية عن صهيب قال (خرج رسول الله r إلى المدينة وخرج معه أبو بكر رضي الله عنه وكنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم ولا أقعد فقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه ولم أكن شاكيا فقاموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدا ليردوني فقلت لهم هل لكم إن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلون سبيلي وتفون لي فتبعتهم إلى مكة فقلت لهم أحفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواق واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحلتين وخرجت حتى قدمت على رسول الله r قبل أن يتحول منها يعني قباء فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام)[111] .
قوله (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (112) بين الله تعالى صفات أهل الجهاد في سبيله بهذه الآية ، أي لا بد وأن يتخلق المؤمن المجاهد بهذه الصفات[112]، وَهُمُ : (التَّائِبُونَ مِنْ الذُّنُوبِ كُلِّها ، التَّارِكُونَ لِلْفَوَاحِشِ ، القَائِمُونَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِمْ ، وَالمُحَافِظُونَ عَلَيهَا ، وَالحَامِدُونَ للهِ عَلَى نِعَمِهِ وَأَفْضَالِهِ ، السَّائِحُونَ فِي الأَرْضِ ، لِلاعْتِبَارِ وَالاسْتِبْصَارِ بِمَا خَلَقَ اللهُ مِنَ العِبَرِ وَالآيَاتِ ، أَوْ هُمُ الصَّائِمُونَ أَوْ هُمُ المُجَاهِدُونَ الغُزَاةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهم المُصَلُّونَ ، وَهُمْ مَعْ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْعَوْنَ فِي نَفْعِ خَلْقِ اللهِ ، وَإِرْشَادِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، بِأَمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ ، وَنَهِيهِمْ عَنِ المُنْكَرِ ، مَعَ العِلْمِ بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ ، وَيَجِبُ تَرْكَهُ طَاعَةً للهِ أَيْ (إِنَّهُمْ يَحْفَظُونَ حُدُودَ اللهِ) وَيُبَشِّرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الكَرِيمَةِ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، الحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ - أَيْ المُرَاقِبُونَ لأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ) [113] .
وعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ " وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ " قَالَ:"الْقَائِمُونَ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"[114] ، أي أن كل تلك الأمور المتقدمة هي مؤهلات للجهاد في سبيل الله ، فمن ليس بقادر على الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر ولا يقوم علي حدود الله كيف يتسنى له أن يشارك المؤمنين الجهاد .
بل يجب أن يشتمل البرنامج التدريبي للمجاهدين فضلا الإعداد البدني والنفسي والمعنوي التأهيل التربوي ، وذلك بأن يسبق الجهاد التدريب على العبادة الصحيحة ، والتدريب على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فضلا عن دراسة فقه الإصلاح والقيام على حدود الله ، ومن ليس بأهل لذلك فينبغي على الإمام أن يمنعه ولا يشركه إلا بعد أن يبتلي بتلك الأمور، فيصدق الله فيها ، ثم يرى مدى فقهه وصدقه في الجهاد في سبيل حفظ حدود الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالمجاهد في سبيل الله هو عنوان الإسلام ، والإسلام لا يريد مرتزقة يقاتلون من أجله ، بل يؤهل مجاهدين ليكونوا عنوانا لهذا الدين، فعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَوْلُهُ: " وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ " يَعْنِي"الْحَافِظِينَ لِشَرْطِ اللَّهِ فِي الْجِهَادِ ، فَمَنْ وَفَّى بِهَذَا الشَّرْطِ، وَفَّى اللَّهُ لَهُ بِالْجَنَّةِ"[115]
قوله (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: " وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ " يَعْنِي"الْقَائِمِينَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَهُوَ شَرْطٌ اشْتَرَطَهُ عَلَى أَهْلِ الْجِهَادِ إِذَا وَفَوْا اللَّهَ شَرَطَهُ، وَفِيَ لَهُمْ بِشَرْطِهِ"[116].
تبرؤ المجاهدين من عقبة القرابة متى اعترضت طريق الدعوة
(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116)
قوله (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (113) فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ r وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ r أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ النَّبِيُّ r لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)[117] .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:"خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ r يَوْمًا إِلَى الْمَقَابِرِ فَاتَّبَعْنَاهُ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلا، ثُمَّ بَكَى فَبَكَيْنَا لِبُكَائِهِ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَدَعَاهُ، ثُمَّ دَعَانَا، فَقَالَ: مَا أَبْكَاكُمْ ؟ قُلْنَا: بَكَيْنَا لِبُكَائِكَ، قَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الدُّعَاءِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَأَنْزَلَ عَلَى: " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى " فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدُ لِلْوَالِدِ، وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ".[118]
قال صاحب الظلال (ولاء المؤمن يجب أن يتمحض لله الذي عقد معه تلك الصفقة ؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة ... وحسب المؤمنين ولاية الله لهم ونصرته؛ ... فالرابطة الأولى هي رابطة العقيدة في الله ، ولا تقوم صلة بين فردين من بني البشر إلا على أساسها ، فإذا قطعت هذه الصلة أنبتت سائر الوشائج؛ وكانت البعدى التي لا تبقى معها صلة ولا وشيجة)[119] .
قوله (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ [120]حَلِيمٌ) (114) قال الشنقيطي (لم يبين هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه، ولكنه بينها في سورة "مريم" بقوله "قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً " [مريم/47][121] ، فكان (طلبه المغفرة مشروطا بالإسلام ، وطلب المشروط يتضمن طلب الشرط ، فحاصله أنه دعا بالإسلام)[122].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال "كَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمْسَكُوا عَنِ الإِسْتِغْفَارِ وَلَمْ يَنْتَهُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلأَحْيَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ هذه الآية ، يَعْنِي "اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ عَنِ الإِسْتِغْفَارِ"[123] .
قال ابن عجيبة (فيه دليل على جواز الاستغفار لأحيائهم؛ إذ لم يتحقق أنهم أصحاب الجحيم ، فإنه طلب توفيقهم للإيمان)[124]، قال ابن عطية ، معناه : (سأدعو الله أن يهديك فيغفر لك بإيمانك ، وذلك لأن الاستغفار للكافر لا يجوز)[125] ، فدعا له قبل أن يتبين له ( أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّه)[126].
وعلة إشفاقه على أبيه والاستغفار له وهو حي تمني إسلامه والدعاء له بالإسلام وإصراره على ذلك ، بذلك اتصف إبراهيم بصفتين كونه أواه وأنه حليم ، قال البخاري (الأواه) الرحيم [127] ، وقيل "الأواه" الخاشع المتضرع[128] ، وقيل هو الكثير البكاء، وقيل الكثير الدعاء[129] ، وعَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ "الأَوَّاهُ الدُّعَاءُ" يُرِيدُ (إنَّ إبْرَاهِيمَ لاَوَّاهٌ)[130].
وكونه حليم يعني حليم في دعوة أبيه للإسلام في ظل تهديده له بالقتل والحرق والنفي .
قوله (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (115) قال ابن القيم في هذه الآية أي (هداهم هدى البيان والدلالة)[131] وتلك هي مرتبة البيان العام ، وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه .
(وذكروا أن البيان يحدث بأمرين: - بالآيات المسموعة وهي القرآن وغيره، وبالآيات المشاهدة) كما في قوله تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران:190] ومنها: الآيات التي تحدث في الأمم من الزلازل والبراكين وغيرها آيات، فمن الناس من يتعظ ومن الناس من لا يستفيدون شيئاً)[132] ، قال الله تعالى (وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) [يونس:101] .
وهو ما يتطلب أمرين العلم بحال المدعو وإقامة الحجة عليه بما يتناسب مع حاله ، قال عز وجل (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ)[إبراهيم:4] ، قال العلماء (كُلُّ رسولٍ بُعِثَ لإقامة الحجة على العباد ، والمقصود بالحجة أن تكون حُجَّةً رساليّةً بَيَّنَةً ، يعني أن تكون قول الله ، وقول رسوله r ، مع مراعاة حال المخاطبين ، فلا يُكتفى بالحجة العقليةً ؛ بل لابد أن تكون الحجة رسالية)[133] .
أما كون الناس يضلون بعد أن يبين الله لهم هداية البيان العام ، فهذا يكون عقوبة لهم أن أعرضوا عما ذُكِّروا به ، كما في قوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف:5] ، قال ابن القيم (لم يهتدوا فأضلهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء...وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة فكفرها ، فإنه يسلبه إياها بعد إن كانت نصيبه وحظه)[134].
ونظير ذلك قوله (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) {الأنفال/53} ، فهو يطابق قوله في هذه الآية (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) أي ما كان يغير نعمة الهدى التي أنعم الله عليهم بها إلا بعد أن يغيروا ما بأنفسهم من نعمة بإنكارها والإعراض عنها ، فيضلوا فيحق عليهم ذلك .
وأكثر ما يشد الناس للضلال إتباعهم لأهل الضلال بغير علم ، فعن زياد بن حدير قال قال لي عمر : هل تعرف ما يهدم الإسلام ؟ قال قلت لا ، قال يهدمه زلة العالم ، وجدال المنافق بالكتاب ، وحكم الأئمة المضلين) [135]
فقوله (زلة العالم ) أي فعله الخطيئة جهرا لأن بزلته يزل عالم كثير لاقتدائهم به)[136]
و(جدال المنافق) (الذي يظهر السنة ويبطن البدعة بالكتاب وإنما خص لأن الجدال به أقبح إذ يؤدي إلى الكفر)[137] وقد مضى ذكر ذلك في مسجد الضرار .
قالوا (وإنما قدمت زلة العالم لأنها هي السبب في الخصلتين الأخيرتين) [138]
لكن الله لا يحاسبهم على هذا الاتباع إلا بعد أن يبين لهم طريق الحق والهدى ،كما في قوله (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) {الإسراء/15} .
قوله (إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) (116 قال الألوسي (إنه سبحانه لما منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولى قربى ثم بين لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود ومتولى أمره والغالب عليه ، ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه جل شأنه بكليتهم ، متبرئين عما سواه غير قاصدين إلا إياه) [139].
[1] ) رواه مسلم ج9 ص 239 رقم 3324
[2] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج17 ص 140
[3] * تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 401 وانظر تفسير الطبري ج14 ص 456
[4] ) التحرير والتنوير ج10 ص 195
[5] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 400
[6] ) رواه البخاري ج5 ص 275 رقم 1353
[7] ) رواه البخاري ج5 ص 288 رقم 1360
[8] ) شرح النووي على مسلم ج13 ص 9
[9] ) شرح البخاري لابن بطال ج3 ص 459
[10] ) حاشية السيوطي والسندي على سنن النسائي ج5 ص 465 رقم 4094
[11] ) شرح البخاري لابن بطال ج3 ص 459
[12] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 208
[13] ) تفسير الخازن ج3 ص 339
[14] ) التحرير والتنوير ج10 ص 200
[15] ) تفسير أبي حاتم ج7 ص 404 - إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للبوصيري ج3 ص 34
[16] ) المعجم الكبير ج9 ص 109 رقم 8590 ، قال الألباني : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله كلهم ثقات معروفون ؛ غير يزيد بن أبي زياد - وهو الهاشمي مولاهم - ؛ قال الحافظ :"ضعيف ، كبر فتغير ، وصار يتلقن" (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ج11 ص119 رقم 5074)
[17] ) رواه البخاري ج5 ص 221 رقم 1321
[18] ) تفسير الألوسي ج7 ص 353
[19] ) رواه البخاري ج23 ص 59
[20] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج36 ص 225
[21] ) رواه البخاري ج23 ص 59
[22] ) رواه البخاري ج23 ص 59
[23] ) البحر المديد لابن عجيبة ج2 ص445
[24] ) رواه مسلم ج14 ص 219 رقم 4270
[25] ) مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 233
[26] ) التحرير والتنوير ج10 ص 199
[27] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 210
[28] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 3730
[29] ) رواه البخاري ج13 ص 352 رقم 4087
[30] ) رواه مسلم ج3 ص 127 رقم 827
[31] ) رواه البخاري ج19 ص 62 رقم 5641
[32] ) رواه ابن ماجة في سننه ج4 ص 127 رقم 1245 وصححه الألباني : إصلاح المساجد ج1 ص 81
[33] ) رواه أبو داود ج2 ص 175 رقم 478 وصححه الألباني : إصلاح المساجد ج1 ص 83 إرواء الغليل ج2 ص 293 الجامع الصغير ج1 ص 1342 رقم 13414
[34] ) شرح الزرقاني ج2 ص 8
[35] ) رواه البخاري ج1 ص 176 رقم 98
[36] رواه أبو داود ج12 ص 211 رقم 3991
[37] ) رواه مسلم ج4 ص 359 رقم 1435 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 107 صحيح ابن ماجةج1ص13 رقم 40 – إصلاح المساجد ج1 ص 82
[38] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 412
[39] ) رواه أبو داود ج2 ص 307 رقم 568 وصححه الألباني ج3 ص 240 رقم 670
[40] ) رواه البخاري ج3 ص 117 رقم 661
[41] ) رواه البخاري ج3 ص 119 رقم 662
[42] ) رواه مسلم ج2 ص 488 رقم 709
[43] ) شرح النووي على مسلم ج4 ص 182
[44] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 412
[45] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 408
[46] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 410
[47] ) البحر المحيط ج6 ص 237 تفسير القرطبي ج8 ص 258
[48] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 419 ورواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 638 رقم 8763 وقال الذهبي في التلخيص صحيح
[49] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 210
[50] ) رواه مسلم ج2 ص 3 رقم 328
[51] ) كشف المشكل من الحديث الصحيح لابن الجوزي ج1 ص 1117
[52] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 100
[53] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج2 ص 326
[54] ) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج2 ص 1158
[55] ) رواه الترمذي ج10 ص 366 رقم 3025 وصححه الالباني : صحيح وضعيف الترمذي ج7ص100 رقم 3100 صحيح ابن ماجة ج1 ص 63 رقم286
[56] ) رواه أحمد في مسنده ج31 ص 45 رقم 14938 وصححه الألباني : إرواء الغليل ج1 ص 85 وقال (هذا إسناد حسن . ورواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ج1 ص 45 رقم 83 وفي تفسير ابن كثير ( 2 / 389 ) وله شاهد بإسناد حسن أيضا كما في ( نصب الراية ) ( 1 / 219 ) من حديث أبي أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أخرجه ابن ماجه ( 1 / 146 ) والحاكم ( 2 / 334 - 335 ) وقال :
( صحيح الإسناد ) ووافقه الذهبي) انظر الثمر المستطاب ج1 ص 539
[57] ) الشرح المختصر على بلوغ المرام لابن عثيمين ج2 ص 54
[58] ) تحفة الأحوذي ج1 ص 141
[59] ) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج2 ص 838
[60] ) رواه مسلم ج2 ص 57 رقم 369
[61] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 808
[62] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 289
[63] ) رواه البزار في مسنده ج1 ص 410 رقم 2668 ورواه الطبراني في المعجم الكبير ج20 ص109 رقم216 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج8 ص 176 رقم 3169
[64] ) التحرير والتنوير ج10 ص 205
[65] ) تفسير القشيري ج3 ص 167
[66] ) التحرير والتنوير ج10 ص 205
[67] ) رواه البخاري ج1 ص 234 رقم 133
[68] رواه الترمذي ج9 ص 488 رقم 2723 وحسنه الألباني : في مشكاة المصابيح ج2 ص 516 رقم 4487 بمجموع طرقه
[69] ) انتقاص الماء يُقصد به الاستنجاء بالماء (إزالة النجاسة عن السبيلين بعد قضاء الحاجة)، أو نضح ورش الماء على الفرج بعد الاستنجاء لدفع الوسواس
[70] ) رواه مسلم ج2 ص 74 رقم 384
[71] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 79
[72] ) تفسير الخازن ج3 ص 345
[73] ) تفسير السراج المنير للشربيني ج1 ص 1409
[74] ) رواه مسلم ج3 ص 428 رقم 1078
[75] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 977
[76] ) رواه مسلم ج3 ص 427 رقم 1077
[77] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 13
[78] ) ابن جزي : التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 629
[79] ) تفسير الرازي ج8 ص 153
[80] ) تفسير أبي السعود ج3 ص 214
[81] ) رواه مسلم ج1 ص 387 رقم 236
[82] ) ابو القاسم الحسين بن محمد الراغب : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 408 تحقيق الجيلاني
[83] ) المحرر الوجيز ج3 ص 318
[84] ) رواه البخاري ج9 ص 344 رقم 2574
[85] ) رواه البخاري ج10 ص 188 رقم 2782
[86] ) المنتقى في شرح الموطأ ج3 ص 34
[87] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 288 رقم 2772 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج 2 ص 126 رقم 2242
[88] ) رواه البخاري ج9 ص 346 رقم 2576
[89] ) تحفة الأحوذي للمباركفوري ج5 ص 164
[90] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 451 رقم 2892 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 151 رقم 2345
[91] ) رواه البخاري ج9 ص 493 رقم 2663
[92] ) د حسام النعيمي : روائع البيان القرآني سر تقديم الأنفس على الأموال في الآية https://albayanalqurany.com/clause/111
[93] ) الشيخ عبد الحي يوسف : https://www.facebook.com/watch/?v=582881619362864
من السودان : ومن مواليد القاهرة عام 21 رجب 1384 هـ الموافق 25 نوفمبر 1964م وهو داعية إسلامي سوداني. تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في كلية الشريعة عام 1406 ـ 1407هـ. أتم الدراسات العليا في جامعة الخرطوم عام 1418هـ
[94] ) انظر: أبي القاسم علي بن الحسن إبن هبة الله : تاريخ مدينة دمشق ج16 ص 273 ، مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (8/26) ابن القيم : الفروسية ص 493 -مجموع الفتاوى لابن تيمية ج28 ص 455
[95] ) ذكره ابن جرير الطبري في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية
[96] ) رواه مسلم ج9 ص 472 رقم 3500
[97] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج11 ص 446
[98] ) رواه مسلم ج10 ص 17 رقم 3532
[99] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج1 ص 296 رقم 876
[100] ) رواه مسلم ج1 ص 287 رقم 163
[101] ) البحر المحيط ج6 ص 242
[102] ) تفسير الخازن ج3 ص 346
[103] ) تفسير القرطبي ج 8 ص 268
[104] ) رواه البخاري ج14 ص 127 رقم 4243
[105] ) رواه مسلم ج1 ص 304 رقم 173
[106] ) رواه أحمد في مسنده ج4 ص 218 رقم 17942
[107] ) النهاية في غريب الأثر لابن الأثير ج1 ص 675
[108] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 967
[109] ) النهاية في غريب الأثر ج 3 ص 476
[110] ) رواه ابن حبان ج15 ص 558 وصححه الألباني : فقه السيرة ج1 ص157 رواه إسحاق بن راهويه وابن مردويه في تفسيره بسند صحيح : انظر البوصيري ، اتحاف الخيرة المهرة ج7 ص 280
[111] ) رواه على الصحيحين ج3 ص 452 رقم 5706 وقال الذهبي في التلخيص صحيح ج3 ص 452 رقم 5706
[112] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج3 ص 80
[113] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1348
[114] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 431
[115] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 431
[116] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 432
[117] ) رواه البخاري ج14 ص 244 رقم 4307
[118] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 432
[119] ) في ظلال القرآن ج4 ص 81-89
[120] ) جاء في لسان العرب ج13 ص 472 ( الأَوّاهُ ) المُتَأَوِّهُ شَفَقاً وفَرَقاً وقيل المتضرع يقيناً أَي إِيقاناً بالإِجابة ولزوماً للطاعة هذا قول الزجاج وقيل الأَوَّاهُ المُسَبّحُ وقيل هو الكثير الثناء ويقال الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ وروي عن النبي r أَنه قال الأَوَّاهُ الدَّعَّاءُ وقيل الكثير البكاء وفي الحديث اللهم اجْعَلني مُخْبِتاً أَوَّاهاً مُنِيباً الأَوَّاهُ المُتَأَوِّهُ المُتَضَرِّع)
[121] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 149
[122] ) البحر المحيط ج8 ص 432
[123] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 432
[124] ) البحر المديد ج2 ص 454
[125] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 977
[126] ) اللباب في علوم الكتاب ج12 ص 253
[127] ) قاله أبو ميسرة : انظر صحيح البخاري ج14 ص 258
[128] ) كنز العمال ج2 ص 26 رقم 2998
[129] معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني ج22 ص 303 رقم 6792
[130] ) مصنف ابن أبي شيبة ج11 ص 517
[131] ) شفاء العليل ج1 ص 79
[132] ) عمر بن سعود فهد العيد شرح لايمة ابن تيمية ج5 ص 23
[133] ) شرح العقيدة الطحاوية : صالح آل الشيخ ج1 ص 360 مع شيء من التصرف
[134] ) شفاء العليل ج1 ص 79
[135] ) رواه الدارمي في سننه ج1 ص 82 رقم 214 قال حسين سليم أسد : إسناده صحيح – وصححه الألباني : مشكاة المصابيح ج1 ص 57 رقم 269
[136] ) التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 61
[137] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج2 ص 189
[138] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج2 ص 189
[139] ) تفسير الألوسي ج7 ص 390 مع شيء من التصرف – تفسير إسماعيل حقي : روح البيان ج3 ص 395
-
الاثنين AM 10:37
2026-06-01 - 23



