ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
فرعون كان يؤمن بوجود الله
فرعون كان يؤمن بوجود الله
الشيخ محمد إسماعيل المقدم
من الشبه التي قد يذكرها بعض الناس، فيقول: إن فرعون وقومه لم يعتقدوا في وجود الصانع سبحانه، بل ادعى فرعون لنفسه الربوبية، بدليل ما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: وما رب العالمين، وقال: فمن ربكما يا موسى، وقال: أنا ربكم الأعلى، وقال: ما علمت لكم من إله غيري، وقال: لئن اتخذت إلهًا غيري لأجعلنك من المسجونين.
فالجواب: أنه ليس في هذا كله أنه كان منكرًا لوجود الله تعالى، لأن بطلان دعواه معلوم بالضرورة عند كل من له إحساس وفهم، ومن يعقل أن فرعون مولود مثله من أب وأم، ويأكل ويشرب، ويمرض وينام، ويعتريه ما يصيب الناس، ويراه كل أحد بلا فرق، لا يمتري في أن دعواه ليست على ما يفهمها بعض المتمثلين من هذه الأمة، من أن قومه اعتقدوا له الربوبية لهم، وأنه مقاسم لله في التدبير والملك والحول والطول، فاتخذوه إلهًا لهم من دون الله أو معه، وأنه ادعى ذلك بينهم لنفسه فاعترفوا له بذلك، وأن العاقل ليخجل من حكاية مثل هذا عمن ينتمي إلى الإسلام.
وإنما أراد فرعون بذلك أنه أحق بالاعتناء والسيادة على أهل مصر، وأنه لا مزاحم له في الأمر والنهي والتشريع والطاعة والألوهية من جميع أهل المملكة، لأن الرب والإله هو المالك والمطاع والمعبود والمربي لمطيعه، ولو على سبيل الوهم منهم فيه، كقول الله عن يوسف عليه السلام: وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين، وقال: ارجع إلى ربك فاسأله، وقال: يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، وقال: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
وقال تعالى: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين، وهو إنما يقصد في ذلك التلبيس والتهويل لموسى، والتمويه على قومه، كقوله عز وجل: ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين.
فأنت تراه يصدق بالملائكة، يعني فرعون كان يؤمن بوجود الملائكة: أو جاء معه الملائكة مقترنين، وهو يتوقع أيضًا صحة دعوى موسى بأن له إلهًا في السماء: فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين، ويستعمل ذلك على سبيل المكر والخداع لدفع موسى عليه السلام.
وقد قال الله تعالى: وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك. قوله تعالى: ويذرك يعني يتركك وآلهتك، لا يعبدك ولا يعبد آلهتك، فـ آلهة جمع إله بمعنى المعبود. وكان للمصريين آلهة كثيرة، ويفهم من هذا التحريض على قتل موسى وقومه أن له آلهة يألهها ويعدها مع الله في الأمن والعافية، ويرجع إلى الله وحده إذا اشتد به الأمر.
وقال تعالى: إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا، قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. فأنت تراه لا يعارض من يتوعده بالله وبأسه في مجلسه من وزرائه وأهل شوراه، فلو كان يعتقد غير ما ذكرنا، أو يعتقد فيه قومه سوى ما قلنا، وما زعمه لنفسه عليهم من ألوهيته لهم واستحقاقه ذلك دون غيره من البشر، لعارض هذا المؤمن الذي خاطبهم وخوفهم بأس الله، مما يدل على أنهم كانوا يعرفون الله عز وجل.
وقال الله عز وجل: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين، فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون، وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون، وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون، فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى عليه السلام، أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة والأتباع والرعايا من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظامًا كيده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوه وسخروا منها وضحكوا ممن جاءهم بها.
يقول تعالى: وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها، ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم وجهلهم وخبالهم. وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى موسى عليه السلام، ويتلطفون له في العبارة بقولهم: يا أيها الساحر، أي العالم، قاله ابن جرير، وكان علماء زمانهم هم السحرة، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذمومًا، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص منه، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم.
ففي كل مرة يعدون موسى عليه السلام أن يكف عنهم هذا، وأن يؤمنوا، ويرسلوا معه بني إسرائيل، وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه. وهذا كقوله تعالى: فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين، ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون.
وقال عز وجل: ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورًا، قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورًا. فموسى، وهو الصادق المصدوق، يقول: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر، فدل على أن فرعون كان عالمًا بأن الله أنزل الآيات، وهو من أكبر خلق الله عنادًا وبغيًا، لفساد إرادته وقصده، لا لعدم علمه.
قال تعالى: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين.
ومثله قوله عز وجل مخاطبًا موسى عليه السلام: وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قومًا فاسقين، فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين.
والجحود هو الإنكار مع العلم. قال الراغب: هو نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه.
فكفر فرعون وقومه كفر جحود وعناد واستكبار، كاليهود الذين قال الله فيهم: الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والمشركين الذين قال سبحانه فيهم: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون.
-
الاحد PM 03:33
2026-04-26 - 20



