المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1889315
يتصفح الموقع حاليا : 321

البحث

البحث

عرض المادة

دروس تربوية في الصفح الجميل وتوسم المخلصين من سورة الحجر حفظ الله لهذا الدين إبان فترة التحول من سرية الدعوة إلى الجهرية في السيرة النبوية

د / احمد نصير

دروس تربوية في الصفح الجميل وتوسم المخلصين

من سورة الحجر

حفظ الله لهذا الدين إبان فترة التحول من سرية الدعوة إلى الجهرية في السيرة النبوية

 

 تمهيد : -

سميت السورة بـ (الحجر) لذكر قصة أصحاب الحجر ، وهم "ثمود" قوم "هود" ، أطلقت عليهم هذه التسمية نسبة إلى منطقة وسط الجبال والحجارة كانوا يعيشون فيها ، فالحجر فى الأصل (كل مكان أحاطت به الحجارة) [1] ، فكانوا يظنون أنهم في حمى بهذه البيوت التي نحتوها في الجبال ، ومنعة من أن يصيبهم أذى  ، وهكذا يتمسكون بالأسباب المادية ويعتمدون عليها ، فيخيب ظنهم بها لأنهم لم يعتمدوا على الله في طلب الحماية والحفظ .

 

 فمن معاني الحجر -كذلك- (الحفظ)[2]، وقد بدا من الدلالة الإجمالية لهذه التسمية أن الله هو الحافظ ، وأن الأسباب المادية لا تحفظ شيئا ، وقد تزامن نزول السورة مع محاولة النبي r الجهر بهذه الدعوة ، ولذلك نزل في هذه السورة قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) ، ولا شك أن الصدع بدعوة  الحق له عواقب ، فقد يتعرض المسلمون للعذاب الشديد من الكافرين ، فكان من المناسب أن تحكي السورة قصة حفظ الله لنبي الله إبراهيم وحفظه لنبيه لوط ،وحفظه لنبيه شعيب لتكون في قصصهم دلالة على أن الله حافظ لنبيه محمد r أن الله والمؤمنين ، فهو الذي يحفظ هذا الدين ، بحفظه لأوليائه القائمين على هذه الدعوة من كيد الشياطين (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (42) ، وكافيهم أجمعين (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (95) ، وكذلك بحفظ المنهج الذي هو الوحي من كيد الشياطين ، بأن منعهم من استراق السمع (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ* إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) (18) ، فقد تكفل الله بحفظ هذا المنهج والقائمين عليه إلى يوم الدين ، ولم يترك أسباب حفظه للبشر .

 

 وهذا هو المحور الرئيسي للسورة ، فقد أشارت السورة إلى معنى الحفظ في أكثر من موضع (حفظ القرآن – حفظ السماوات من استراق الشياطين – حفظ الأرض – حفظ المعاش – حفظ الأرزاق والخزائن – حفظ المؤمنين من إغواء الشيطان – حفظ المؤمنين في الجنة – حفظ ذرية نبي الله إبراهيم – حفظ البشرية مع عمل قوم لوط – حفظ شعيب من قومه – حفظ آثار المهلكين للاعتبار بهم ، وأخيرا وليس بآخر حفظ رسوله من استهزاء المشركين)[3].

 

وقد جاء ذكر خلق الله للإنسان وللجن في السورة ، بمناسبة أمر الله الملائكة بالسجود لآدم ورفض إبليس الانصياع لهذا الأمر استعلاء بأصل المادة التي خلق منها ، واغتراره بذلك ، وإظهار حسده لآدم وذريته ، وعداوته ، واستثناء الله المخلصين من غواية إبليس بعد إنظار الله له ، فصار عباد الله المخلصين محفوظون بحفظ الله ورعايته من  غواية الشيطان الرجيم .

كما جاء ذكر نبي الله إبراهيم في هذه السورة والتركيز على قصة البشرى التي ألقتها الملائكة إليه بأنه سوف ينجب غلاما عليما ، وكيف أنه استشرفها سنوات بعد سنوات ، وهو ينتظر قبول الدعاء ، حتى جاءت البشرى بعد أن أصابه الكبر ، كي لا يقنط المسلم ، ولا يتعجل استجابة الدعاء ، فمن ذريته جاء أغلب الأنبياء كرما من الله وفضلا .

 

وجاء ذكر نبي الله لوط وقد نجاه الله من الذين يفعلون الفاحشة بلا استحياء ، فأمر الله الملائكة بإهلاكهم وتعذيبهم تطهيرا للبشرية من أناس تندست فطرتهم ، حتى طمست أعينهم وغلفت قلوبهم بالكفر والإجرام ، فكان ذكرهم تصبير لنبيه ليعلم أن قومه لم يصلوا إلى هذه الدرجة من الإجرام والفحش ليصفح عنهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يذكر الله .

 

وقد جاء ذكر قصة أصحاب الحجر بعد وسط السورة بقليل للتأكيد على معنى أنه لا حافظ إلا الله ، فقوم ثمود لم تحفظهم بيوتهم المنحوتة في الصخور من الصيحة التي أهلكتهم ، (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) ، ولذلك قيل أن (السورة سميت بالحجر كرمز لحفظ آثار الحضارات السابقة التي ولى أصحابها ولا تزال آثارهم باقية ، لنحذر من الانبهار بالآخرين ولتؤكد أنه لا حافظ إلا الله) ، ولذلك جاءت الوصية الإلهية لنبي الأمة بأن لا يمد عينيه إلى ما متع الله به هؤلاء المفتونين بالدنيا ، فالانبهار بالدنيا ليس شأن العاملين لأجل هذا الدين .

 

كما أن من معاني لفظ الحجر (المنع) ولذلك تجد أن سورة أشارت في أولها إلى الموانع قبول الإيمان عند الكافرين وهي اللهو وطول الأمل ، كما أشارت في آخرها بأن الله مانع الكافرين من الاستهزاء بنبيهم ، وقد ألمح أواخر السورة إلى ضيق النبي r من قومه في قوله (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)، (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) ، فطمأنه الله تعالى بقوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) ، أي حفظناك من أن يصيبك ضيق من استهزائهم ، لاسيما وقد اقترب وقت الصدع بالدعوة ، والاستهزاء سوف يزيد منهم ، ولكي يجعل لنفسه حجرا من الضيق أرشدته بالتسبيح والصلاة ، وأمرته بأن يحافظ على عبادة ربه ولا ينقطع عنها حتى يأتيه الموت .

 

 

مقدمة سورة الحجر

 

قال تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5)

 

قال ابن عاشور (وقعت آية الافتتاحية في مفتتح تهديد المكذبين بالقرآن لقصد الإعذار إليهم باستدعائهم للنظر في دلائل صدق الرسول r وحقيقة دينه)[4].

 

قوله تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ) (1) بدأت افتتاحية السورة بالإشارة إلى آيات الكتاب ووصفها بأنها قرآن مبين ، قال ابن جزي (عطف القرآن علي (الكتاب) ، وعطفه عطف الصفات)[5] ، إذ يُعتبر لفظ "الكتاب" وصفاً عاماً للكتب المنزلة من عند الله كالتوراة والإنجيل ، بينما "القرآن" فهو وصف خاص ، لتخصيص الكتاب الذي أنزل على خاتم الأنبياء بالذكر ، فيكون من قبيل عطف الصفات لتأكيد التغاير مع الاتحاد ، قال الخازن (المراد بالكتاب القرآن وإنما جمعهما بوصفين ، وإن كان الموصوف واحداً لما في ذلك من الفائدة ، وهي التفخيم والتعظيم)[6].

 

والمقصود من التغاير مع الاتحاد التلميح إلى اندثار التوراة والإنجيل وحفظ القرآن بحفظ الله له ، وعلة حفظه جاءت من اسمه ، فـ"القرآن" اسم ووصف لكتاب الله المتضمن لكلامه ، وصفه بهذا اللفظ "القرآن" للدلالة على أن من عادة المسلم أن يقرأه علي سبيل الدوام ، فكلما حل لآخره ارتحل إلى أوله ، فمن أحب الأعمال إلى الله (الحال المرتحل) الذي (يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل ارتحل) [7]، (صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره ومن آخره حتى يبلغ أوله كلما حل ارتحل) [8].

 

فهذان الوصفان يشيران إلى علاقة المسلم بكتاب ربه ، فهو كتاب لا ينبغي أن يظل محفوظا بين دفتيه كآثر من الآثار ، بل يجب أن تقلب صفحاته بين آناء الليل وأطراف النهار ، وأن يجهر بتلاوته لاسيما في الصلوات الليلية ، بهذا حفظ الله كتابه الذي هو القرآن الكريم في صدور العلماء ، قال تعالى (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (العنكبوت 49).

 

 قوله (وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ) أي يبين طريق الهدى كما في قوله (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة 2) ، قال الخازن (والمبين الذي يبين الحلال من الحرام)[9] ، وقد أطنب القشيري فقال (وُصِف القرآن بأنه مبين؛ لأنه يُبَينُ للمؤمنين ما يسكن قلوبهم ، وللمريدين ما يقوي رجاءَهم ، وللمحسنين ما يهيج اشتياقهم ، وللمشتاقين ما يثير لواعجَ أسرارهم)[10]، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل89)

 

قوله (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) يقول الشنقيطي (إذا عرف الكفار حقيقة الأمر – يوم القيامة- تمنوا أنهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم) [11]، كما في قوله (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً) [الفرقان 27] ، قال رسول الله r : «إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة ، قال الكفار للمسلمين : ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا : بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم الإِسلام وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا : كانت لنا ذنوب فأُخذنا بها ، فسمع الله ما قالوا ، فأمر بكل من كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا ، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا : يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا ، ثم قرأ رسول الله r أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) » [12].

 

 وقد ذكر العلماء في هذه الآية أن أمنية الكافرين أن لو كانوا مسلمين تحصل في الآخرة مواطن معينة ، وذلك على النحو التالي :-

أولا : في موطن الاحتضار ومعاينة ملك الموت ، كما في قوله (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) [الأنعام 31] .

ثانيا : إذا عاين الكافر النار ووقف عليها ، كما في قوله (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنعام 27]

ثالثا : إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار ، وتمنوا أنهم كانوا مسلمين)[13] ، كما في الحديث المشار إليه سلفا.

 

أما بالنسبة للحياة الدنيا ، فإن الكافر يتمنى -فيها- لو كان مسلما إذا رأى فضل الله على المؤمنين في الدنيا ، من راحة البال ،وانشراح الصدر ،وقوة الصبر على البلاء ،والتحاب في الله بينهم ،والشدة على أعدائهم ، فيتمنى الإسلام لينال منه تلك القوة والعزة ، لكن يصده عن قبوله ما في صدره من كبر .

 فربما تفيد (التقليل)[14] ، وأحيانا تفيد (التكثير)[15] وتفيد (الاطراد) كذلك ، ولكنه اطراد خاص بما هو مسموع عن قلة عن العرب وليس بالفصيح المشهور [16] ، وعليه فإن الكفار –في الدنيا- في هذه الأمنية على صنفين ، فصنف منهم من يتمنى ويسعي لتحقيق أمنيته ، ومنهم من يقف عند حد التمني دون عمل.

فأما الصنف الأول منهم  فهؤلاء صنف من الكفار أسلموا لما عرفوا الحق ، فاتبعوه دون شرط أو قيد لأن قلوبهم خلت من الكبر ، أما أولئك الذين في صدورهم كبر ما هم ببالغيه ، مثل قوله سبحانه (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) (84)[17] .

 

لكن كثير منهم لا يفعل ذلك ، يقول الدكتور فاضل السامرائي (رُبَمَا) بدون شدّة تأتي للتخفيف وهو لغرض التخفيف في الحدث، لم تكن المودة قوية لتحملهم على الإسلام لذا قال تعالى (ربما) مخففة ، فإذا أراد تشديد المودة جاء بلفظ (ربّما) مشددة، وإذا أراد تخفيف المودة جاء بلفظ (ربما) بدون شدّة)[18] ، ولذلك جاء الخطاب بعدها بقوله (ذرهم) ، إذ لو كانت المودة قوية لضمهم إليه ، فالإسلام لا يقبل من ينبهرون به ولا يعملون لأجله .

 

فهؤلاء الحالمون لا يمكن أن يحققوا أحلامهم بمجرد التمني ، والآمال يُقضى عليها بدون العمل ، وهؤلاء لا يعملون لتحقيق أمنيتهم ، فمودتهم لما يتمنون أشبه بالأحلام التي لا علاقة لها بالحياة ، فهي أضغاث أحلام ، وليست بالحقيقة ، فهي شيء كالسراب المتوهم ، لكنهم ورغم أنها كذلك إلا أنها تدل على أن ثمة بصيص من الأمل يمكن أن يبذر خيرا في قلوبهم لو غذوا هذا الأمل بالعمل واليقين .

 

ولذلك تجد أن هناك صنف آخر من الكافرين سبب تمنيه الإسلام ليس ما رآه في وجوه المسلمين من نور وقلوبهم من خير ، وإنما لأجل مغنمهم ، قال الدكتور فاضل السامرائي : (ربّما) أشد في معناها من ربما المخففة. وكلمة (ربما) تحتمل أن تكون قد قيلت في الدنيا عندما رأوا الغنائم في بدر وغيرها فقسم تمنى أن يكون مسلماً ليأخذ الغنائم وهنا جاءت بمعنى التمني ، ويحتمل أن تكون قد قيلت في الآخرة عندما يُعطى المسلمون الأجور العظيمة ، فيتمنى الكافرون لو كانوا مسلمين وهنا تأكيد على تمنيهم لأنهم رأوا أجر المسلمين ، وفي الدنيا هناك من يتمنى كثيراً أن يكون مسلماً ومنهم من يتمنى قليلاً أن يكون مسلماً عند رؤية الغنائم فكل منهم يتمنى حسب رغبته في الغنائم وحسب ما يرى من الغنائم ، أما في الآخرة فهم يرغبون قطعاً رغبة قوية أن يكونوا مسلمين ، وهذان الإحتمالان التمني القليل والتمني الكثير لا يمكن أن يُعبّر عنهما إلا باستخدام القراءتين اللتين وردتا في الآية (ربّما) المشددة و(ربما) المخففة ، فشمل كل الاحتمالات في جميع المواقف في الدنيا وفي الآخرة)[19].

 

قوله (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (3) وفعل  (ذرهم) جاء بمناسبة تمتعهم ولهوهم وطول أملهم ، وكان الظن أن يأتي الأمر الإلهي هنا بما يحض النبي على أن يعمل على نصحهم ودعوتهم ، ولكنه جاء بلفظ آخر وهو (ذرهم) ، لأجل تعزية النبي عن حالهم معه ، أي لا تكترث لصدهم عن سبيل الله ، وقد حاصروه في شعاب أبي طالب ثلاث سنوات ، ومنعته قريش المير والقطمير أي الطعام ، فهو في هذا الحصار غير قادر على فعل شيء غير أن يصبر ، وهو يرى الكفار يتمتعون ويأكلون ، ولا يبالون بحاله ، وإن كان منهم يعجب بصبره وينبهر لذلك ، لكن يقف عند حد الانبهار والتأثر دون عمل  ، وقد ظل زمنا لا يفعل شيئا غير أن يتركهم علي حالهم وهم يتمتعون ويأكلون ، في الوقت الذي يرى فيه المسلمين يتضورون جوعا ، وفي ذلك رد على مقالتهم (أن الفضل والكرامة فى سعة الرزق وبسط الدنيا عليهم ، فأكذبهم الله سبحانه)[20] .

قال ابن عاشور (والأمر بتركهم مستعمل في لازمه ، وهو عدم الرجاء في صلاحهم ، أي قلة جدوى الحرص على إصلاحهم ، وليس مستعملا في الإذن بمتاركتهم ، لأن النبي r مأمور بالدوام على دعائهم ، فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره بالتذكير بالقرآن)[21].

 

قوله (..وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ..) (3) ذم طول الأمل ، لأن الأمل في تحصيل أمتعة الدنيا ولذاتها يلهي عن الانشغال بأعمال الآخرة ، فعن عَلِيٌّ : إنَّمَا أَخَافُ عَلَيْكُمَ اثْنَتَيْنِ : طُولَ الأَمَلِ ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى ، فَإِنَّ طُولَ الأَمَلِ يُنْسِي الآخِرَةَ ، وَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً ، وَإِنَّ الآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ ، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ ، وَلاَ حِسَابَ ، وَغَدًا حِسَابٌ ، وَلاَ عَمَلَ)[22] .

 

وقد شبه النبي r أمل الإنسان بخط طويل خارج عن مربع هو أجله الذي يحيط به ، فأمل الإنسان أطول من أجله

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَّ النَّبِيُّ r خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ وَقَالَ هَذَا الْإِنْسَانُ ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ ،فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ،وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا)[23].

 

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ)[24] ، فهذا سبب كبده وشقاؤه في الدنيا ، قال المناوي (فالحرص فقَّره ولو ملك الدنيا ، والأمل تعبه) [25] ، قال فضيل بن عياض : (إن الشقاء طول الأمل ، وأن السعادة قصر الأمل)[26] .

وعن أبي ذر أنه قال (قتلني طول الأمل ، إنما الدنيا ساعتان : ساعة ماضية ، وساعة باقية ، فأما الماضية ، فذهبت لذتها ، وأما الباقية فهي تخدعك حتى يقل صبرك فيها ، تأخذ حلالها وحرامها ، فإن أخذتها بحلالها ، فأنت أنت ، وإن أخذتها بحرامها فما أدري ما أصف من سوء حالك ، والله ولي نعمك ومعروفك)[27].

وعن الحسن البصري أنه قال: (ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل)[28]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَحُبُّ الْمَالِ)[29] ، قال المناوي (النفس معدن الشهوات ، وأمانيها لا تنقطع ، فهي أبدا فقيرة لتراكم الشهوات عليها ، قد برح بها خوف الفوت وضيق عليها ، فهي مفتونة بذلك ، وخلصت فتنتها إلى القلب فأصمته عن الله وأعمته ، لأن الشهوة ظلمات ذات رياح هفافة ، والريح إذا وقع في الأذن أصمت والظلمة إذا حلت بالعين أعمت ، فلما وصلت هذه الشهوة إلى القلب حجبت النور ، فإذا أراد الله بعبد خيرا قذف في قلبه النور ، فتمزق الحجاب فذلك تقواه به يتقى مساخط الله ويحفظ حدوده ويؤدي فرائضه)[30].

 

قوله (..فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (3) أي سوف يعلمون أنهم اغتروا بآمال كاذبة ، ويعلمون حقارة هذه الدنيا التي أملوا فيها كثيرا ، كقوله (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) [سورة الفرقان:42].

قال ابن القيم (الدنيا بسطها الله فتنة وابتلاء لا كرامة ومحبة ، وإن إمداد أهلها بها ليس مسارعة لهم فى الخيرات وأنها لا تقرب اليه ولا تزلف لديه ، ولولا تتابع الناس فى الكفر لأعطى الكفار منها فوق مُناهُم ، ووسعها عليهم أعظم التوسعة ، بحيث يجعل سقوف بيوتهم وأبوابهم ومعارجهم وسررهم كلها من فضة ، وأخبر أنه زينها لأعدائه ولضعفاء العقول الذين لا نصيب لهم فى الاخرة ، ونهى رسوله عن مد عينيه إليها وإلى مامتع به أهلها ، وذم من أذهب طيباته فيها واستمتع بها ، وقال لنبيه "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون" ، وفى هذا تعزية لمنعه-سبحانه[31]- أولياءه من التمتع بالدنيا وكثرة الأكل فيها ، وتأديب لمن بُسِط له فيها ألا يطغى فيها ولا يُعْطِى نفسَه شهواتها ولا يتمتع بها ، ولام سبحانه محبيها المفتخرين بها المكاثرين بها الظانين أن الفضل والكرامة فى سعتها وبسطها ، فأكذبهم الله سبحانه)[32]

 

 

فعلاج طول الأمل كما قال الغزالي بعلاج سببه ، قال "وإذا عرَفت أن سبب طول الأمل الجهل وحب الدنيا"، فعلاجه دفْع سببه :-

 أما الجهل:  فيُدفع بالفِكر الصافي من القلب الحاضر، وبسماع الحكمة البالغة من القلو.

وأما حُب الدنيا:  فالعلاج في إخراجه من القلب شديد ، وهو الداء العُضال الذي أعيا الأوَّلين والآخرين علاجه، ولا علاج له إلا بالإيمان باليوم الآخر، وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، ومهما حصَل له اليقين بذلك، ارتحل عن قلبه حبُّ الدنيا، فهو الذي يمحُو عن القلب حب الحقير ، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسةَ الآخرة، استنكَف أن يلتفتَ إلى الدنيا كلها، وإنْ أُعْطِيَ مُلكَ الأرض من المشرق إلى المغرب، وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدرٌ يسير مكدَّرٌ مُنَغَّصٌ، فكيف يفرحُ بها أو يترسَّخُ في القلب حبُّها مع الإيمان بالآخرة؟ فنسألُ الله تعالى أن يُريَنا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده)[33].

 

فمن علم حقيقة الدنيا قبل الموت زهد فيها ، فيكون علمه محمود ، بخلاف من يعلم بعد الموت فيتحسر على ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ r وَأَنَا أُطَيِّنُ حَائِطًا لِي أَنَا وَأُمِّي فَقَالَ مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَيْءٌ أُصْلِحُهُ فَقَالَ (الْأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ)[34].

قيل (الأجل أقرب من تخرب هذا البيت أي تصلح بيتك خشية أن ينهدم قبل أن تموت ، وربما تموت قبل أن ينهدم فإصلاح عملك أولى من إصلاح بيتك ، قال الطيبي أي (كوننا في الدنيا كعابر سبيل أو راكب مستظل تحت شجرة أسرع مما أنت فيه من أشتغالك بالبناء)[35]

قال الشيخ عبد المحسن العباد (وهذا لا يدل على المنع من ذلك، بل فيه بيان ذهاب وفناء الدنيا، وأن الإنسان لابد أن يغادر هذه الحياة الدنيا، وأن عليه أن يعتني بعمارة الدار الآخرة، وإذا فعل ما يحتاج إليه من البنيان في هذه الحياة الدنيا فلا بأس بذلك) ، وإنما المعنى المقصود كما قال القائل (عمِّر قبرك كما عمَّرت قصرك)[36]

أي (الأمر الذي ينبغي لنا أن نعمره وعلى تعمير بناء القدماء نعتبره أعجل مما ذكرته من أن تصلحه وتعمره والظاهر أن عمارته لم تكن ضرورية بل كانت ناشئة عن أمل في تقويته أو صادرة عن ميل إلى زينته)[37]

 

فإذا قصر الأمل انتبه المتمتعون بالدنيا إلى قرب وقت زوالها ولحقارتها ، ولانتبهوا للحساب على كل لحظة فيها ، ولكنهم لا يعلمون ، ولن يعلموا طالما ظل الأمل يشغلهم ، لكنهم سوف يعلمون حقيقة الدنيا يوم القيامة ، حين ينقطع الأمل ويحسِبون كم مكثوا فيها ، قال تعالى (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون 112- 115) .

 

 ولذلك جاءت النصيحة النبوية بقصر الأمل ، فكلما قصر الأمل حسن العمل ، فعن عائشة تقول كان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول  ( كل امرئ مصبح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله )[38]

وكان الحسن البصري يقول: "ما أكثر عبدٌ ذِكْر الموت إلا رُئي ذلك في عمله"[39].

 

وعن عبد الله بن عمر أن النبي r أخذ بمنكبه وقال له (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)[40]، وكَانَ ابْنُ عُمَر يَقُوْلُ: (إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاح وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ)[41].

ولذلك عُلم عن السلف قولهم (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) ، أي أن الفرص في الدنيا سوف تتكرر ولن تفوت ، فاعمل فيها على مهل دون عجل ، وما فات منها فليس بفائت ، بل هي أيام تقضى كما قدرها الله ، بينما فرص الآخرة إذا فاتت لن تعود فاغتنمها وكأنها أخر فرصة لك .

 

قوله (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ) (4) فهلاك الأمم بأجل محتوم ، فعن ابن عمرو قال (نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد ، ويهلك آخرها بالبخل والأمل)[42]، والأجل ينهي الأمل ، فما هلاك القرى إلا حين يحين أجلها ، أي أن الأجل هو الموت ، فبه ينتهي الأمل ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ خَطَّ النَّبِيُّ r خُطُوطًا فَقَالَ (هَذَا الْأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الْأَقْرَبُ)[43]، قال ابن حجر (أشار به إلى الخط المحيط به ولا شك ان الذي يحيط به أقرب إليه من الخارج عنه)[44].

قال ابن دقيق العيد (وهو أجله المحيط به، وهذا تنبيه على تقصير الأمل واستقصار الأجل خوف بغتته ، ومن غيب عنه أجله فهو جدير بتوقعه وانتظاره خشية هجومه عليه في حال غرة وغفلة ، فَلْيُرِضْ المؤمن نفسه على استشعار ما نُبه عليه ، ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك)[45]

قال ابن بطال (وفى هذا تنبيه من النبى r لأمته على تقصير الأمل ، واستشعار الأجل خوف بغتة الأجل)[46]

 

والمقصود بالأجل هنا أجل الأمة ، وليس أفرادها وحسب ، كناية عن تبدل الأحوال في القرية كلها حتى لا يبقى أحد من أهل جيل معين فيها ، ليرث أبناءهم ما ترك آباءهم ، فتعود الكرة مرة أخرى للأبناء كما كانت في الأباء فيهلك الأبناء وهكذا حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وهو أمر مشاهد ، وذِكره هنا للموعظة ، أي أن الدنيا لن تبقى لأحد بل الكل راحلون عنها إلى دار الآخرة ، فهل من معتبر ؟

قوله (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (5) الحديث هنا عن أجل الأمم ، أي القضاء الذي قدره الله تعالى لهلاك الأمم ، فهو أجل جماعي غير مختص بفرد ، والأجل هنا بمناسبة الهلاك ، فقد يكون الهلاك بالموت ، وذلك هلاك عام يدل على الفناء ، كما في قوله (كل من عليها فان)

 

 وقد يكون  الهلاك عقوبة لهم ، كما روي عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ r دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمأْجُوجَ مِثْلُ هَذَا وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ وَبِالَّتِي تَلِيهَا فَقَالَتْ زَيْنَبُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ (نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)[47]، وفي ذلك تهديد شديد بأن الله يأخذ أهل القرى جملة واحدة إذا ما طال أملهم في الدنيا وقل سعيهم للآخرة ، كما في قوله سبحانه (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف 99).

 

 

المحور الأول

حفظ الدين بحفظ الوحي وتكريث الإيمان بالغيب

 

قال تعالى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)

 

يطعن أهل الكفر في دعوة الإسلام دوما من خلال الطعن إما في شخص النبي المرسل إليهم أو الطعن في الكتاب الذي أنزل عليه ، وأيسر وسيلة للطعن في شخص النبي إتهامه بالجنون ، لأن الجنون لا يمكن إثباته ، ولكنه وصف إذا ألصق بشخص سارت الشائعة كالنار في الهشيم فيحذر منه الناس ويجتنبوه ، كما أنهم يطعنون في الوحي بالطعن في كيفية اتصاله بالنبي ، فيطعنون في الملائكة التي نزلت بالوحي ، وينكرون وجودها ، ويتحدون النبي بأن يظهرها لهم ، وهنا يرد الله تعالى على هؤلاء الطاعنين بأنه حافظ لكتابه ودينه من التحريف والتبديل والمحو بحفظه لحاملي الكتاب في صدورهم ، فهو محفوظ في السطور ومحفوظ في صدور العلماء ، وكذلك يحفظ الله أنبياءه ورسله وأهل دعوته من استهزاء المشركين ، الذي عجزوا عن تدبر آيات القرآن ووقفوا منها موقف الصاد عن سبيل الله ، ولو أنهم عقلوا معانيه وتدبروا آياته لما اقترحوا معجزات مادية هم أنفسهم أول من يكفر بها إذا حصلت بقولهم أنهم مسحورون ، فالآية المعنوية لا يمكن التكذيب إذا تعرف عليها القلب ، بينما الآيات المادية يسهل تكذيبها وعدم تصديقها إذا ما خال للمرء إمكان خداع البصر بها.

 

قوله تعالى (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) (8) تصف الآيات هذا الصنف من الكافرين ، الذين ودوا لو كانوا مسلمين ، فهم أنفسهم الذين يقفون أمام النبي r بموقف المستهزئ ، والمتهم له بالجنون ، بما يؤكد أن الذي حال بينهم وبين الإيمان سببان وهما لهما صفتان :-

 

فالسبب الأول : الكبر الذي هو بطر الحق ، ولذلك اتهموه بالجنون تسفيها لعقله الراشد حتى لا يكونوا هم السفهاء ، وهذا هو ديدن الكفار في مواجهة أنبيائهم حيث يتهمون الرسل والأنبياء (نوح، موسى، محمد عليهم السلام) بالجنون من قبل أقوامهم كنوع من التكذيب والمواجهة لرسالتهم، وهو أسلوب دفاعي يلجأ إليه الكفار أو الطغاة لتشويه الحقائق، والتهرب من الحجة، وإبعاد الناس عن دعوة الحق ، يقول الشيخ أحمد القطان (اتهام العقلاء بالجنون هو وسام شرف ، لأن الرسل جميعا سبق اتهامهم بهذا الاتهام) [48]، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بـ (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) ، وهذا الاتهام باطل ، ودليل ذلك هنا أنهم طلبوا منه الإتيان بالملائكة ، والمجنون لا يُطلب منه فعل شيء ، إلا كان الطالب هو المجنون[49] ، يقول الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي (الجنون طريق الأنبياء ، والأنبياء كلهم اتهموا بهذه التهمة ، فمن سار على دربهم واتهموه بهذه التهمة فليحمد الله على هذه النعمة)[50].

 

والسبب الآخر : استبان من قولهم (لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (7) إذ أفصح عن المادية التي استغرقت تفكيرهم وأغلقت مداخل وجدانهم ، نظرا لأنه يحدثهم عما غاب عن حواسهم ، فتحدوه أن يأتيهم بالملائكة التي تنزلت عليه بالوحي كدليل مادي على صدق قوله ونبوته ، وقالوا (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ) (الزخرف53) ، أي أنهم يريدون أن يروا ما حكاه لهم ، فالنبي r يحدثهم أنهم مرسل من الله تعالى بكلام نزل من عنده جاء به إليه الملك جبريل ، فيقولون له إن كنت تزعم أنك لم تر الله ، ورؤية الله متعذرة في الدنيا ، حيث لا تدركه الأبصار ، وقد زعمت أنك رأيت ملكا من عنده ، وهو جبريل ، فلماذا لا نراه كذلك ؟ ليكون شاهدا على تلك القصة التي تقصها علينا .

 

فكانت الإجابة عليهم من الله تعالى من شقين :-

الشق الأول قوله (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي أنها تتنزل لأسباب شرعية هي حق ، ولا تنزل لمجرد طلبكم الذي ليس بحق ، قال الزمخشري أي لا تنزل (إلا تنزلا ملتبساً بالحكمة والمصلحة ، ولا حكمة في أن تأتيكم عياناً تشاهدونهم ويشهدون لكم بصدق النبي r ، لأنكم حينئذ مصدّقون عن اضطرار )[51]، لاسيما وقد أبان القرآن انتفاء حصول الإيمان منهم حتى لو حصل ذلك فعلا ، قال تعالى (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام 9) ، وقال تعالى (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا)(الإسراء95)

 

 والشق الثاني من الإجابة قوله (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) قال الزمخشري "إِذَا" جواب وجزاء ، جواب لهم وجزاء لشرط مقدر تقديره : (ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين وما أخر عذابهم )[52]، قال النيسابوري ( ولا حكمة في إنزالهم –أي الملائكة- لأنهم لو نزلوا ثم لم تؤمنوا وجب عذاب الاستئصال)[53]، أي لو حصل ذلك لما أمهلكم الله لو كذبتم ما رأيتهم .

 

من هنا نفهم حقيقة الإيمان بالله الذي هو أساس التوحيد ، وضرورة الإيمان بالغيب كله ، فلا إيمان بما هو مشاهد ،بل يتحقق الإيمان بما هو غائب عن عالم الشهادة ، وهذا هو التكليف الرباني بالإيمان ، ولو أراد الله منا إيمان المضطر لأنزل علينا آية تلوي الأعناق ، كما قال (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) (الشعراء 4) ، وليس ذلك هو مراد الله من الخلق ، فالله تعالى يريد منا إيمانا ينبع من القلب بكل ما أخبر به، وليس مجرد إيمان نابع عن عمل الحواس وحسب ، فالمعرفة لا يقتصر مصدرها على الحسّ والتجربة وحدهما ، بل إن للعقل دور كبير في الاستنباط والاستدراك والفهم والتحليل ، ومن خلال الحسّ والعقل نتعلم ما لم نكن نعلم .

 

والله غيب -لا يُرى ولا يُمسّ - لكن وجدان المؤمن  يؤمن به كحقيقة ترتكز على أسس علميّة وعقليّة ، فكلّ ما حولنا يدلّ على الله وقدرته وإن لم تدركه أبصارنا ، انطلاقاً من القاعدة العقلية التي تقرِّر بأن لكل شيء صانع ، ولكل موجود موجد ، ولكل حادث سبب ، وعند التأمل في تسلسل الأسباب وموجد الموجودات وخالق كل صانع نجد أن العقل يقف هنا عند نقطة واحدة بأنه لابد لهذا الكون من خالق واحد ، يستحق إفراده بالعبادة والتأليه ، بهذا نطق الكون بأنه لا إله إلا الله .

 

والمؤمن الذي يؤمن بالله من خلال آثاره ومخلوقاته التي تدلّ علي عظمة الخلق، هو هو الذي يؤمن بالملائكة ، باعتبار أن الإيمان بالملائكة فرع من الإيمان بالله ، ومترتب عليه ، فطالما عرفنا أن الله سبحانه هو الذي أوجد كل الموجودات وأنه مسبب كل الأسباب ومدبر هذا الكون ، فعلينا أن نصدق بكل ما أخبرنا به من أمور الغيب طالما آمنا به ، فنصدق بالقرآن والملائكة والرسل وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره .

 

والكفار دائما يشككون في الغيب ، ويشككون في نزول الملائكة ، لاسيما أمين السماء جبريل الذي نزل بالوحي ، وقد سطر القرآن اعتراضهم فقال سبحانه (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام 8-9) ولو كشف الغيب لفسد ابتلاء الله للإنسان في هذه الدنيا ، الذي هو علة خلقه على الأرض ، قال تعالى (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، وعندئذ لابد أن يبدأ الحساب والجزاء ، ولذلك قال تعالى (وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) .

 

من هنا نفهم أن الحديث عن الملائكة التي هي جند لله ، وتنزلها على الأنبياء بالوحي و على المؤمنسن لتؤيدهم وتعينهم كما تنزلت على الصحابة في بدر ، وكذلك تنزلها علي الإنسان لتحفظه بأمر الله ، كما في قوله "ويرسل عليكم حفظة" ، "وإن عليهم لحافظين" وكذلك المقسمة للأرزاق كما في قوله " فالمقسمات أمرا" ، وتلك التي تتنزل بالسكينة على الذاكرين الله كثيرا ، هو حديث عن عالم الغيب لا يفهم كنهه إلا مؤمن بالله تعالى .

 

قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(9) كفى الله المسلمين مؤنة حفظ هذا الكتاب من التحريف ، فلم يجعل حفظه بأيديهم حتى لا يطوله الاتحريف كما طال التوراة والإنجيل ، قال ابن جزي في معنى حفظه أي : (حراسته عن التبديل والتغيير ، كما جرى في غيره من الكتب ، فتولى الله حفظ القرآن ، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان منه ، ولا تبديله بخلاف غيره من الكتب ، فإن حفظها موكول إلى أهلها لقوله (بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله) [ المائدة 44 ] [54] .

 وقد أكد القرآن ذلك في أكثر من موضع ، كما في قوله (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت 41- 42]، وقوله: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ.. ) إلى قوله...(ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) [القيامة 16-19]، وعن قتادة في قوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال في آية آخرى (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) [ فصلت : 42 ] والباطل إبليس ، قال : (فأنزله الله ثم حفظه ، فلا يستطيع إبليس أن يزيد فيه باطلاً ولا ينقص منه حقاً ، حفظه الله من ذلك)[55].

والظاهر أن حفظ الله لكتابه القرآن الكريم جاء متسقا مع حكمته أن يكون النبي r آخر الأنبياء ، وأن كتابه أخر كتاب ، فكان حفظه لأجل أن تكون دعوة النبى بالحق قائمة إلى يوم القيامة ، فالله تعالى لم ينزل الملائكة كما طلب الكافرون ، بل أنزل القرآن المستمر تذكيره للناس [56]، وقد حفظ الله دعوته بجهد دعاته الحافظون لآمانته ، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حتى يأذن الله برفعه ، كما في قوله (بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت 49) .

 

إذن حفظ الكتاب لأجل الذاكرين ، فإذا لم يوجد على الأرض ذاكرين انتفت علة حفظه وبقائه ، قَالَ رسول الله r (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ)[57]، ولذلك ورد في الحديث أن النبي r قال: "... وَلَيُسْرَى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية " [58]، قال العلماء (وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيداً لإقامة الساعة على شرار الخلق، الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة ، ومعروف أن القرآن الكريم حفظ في الصدور في عهد الصحابة من قبل عدد بلغ حد التواتر، وذلك قبل حفظه في السطور)[59]، قال ابن تيمية (فَإِنَّهُ يَسْرِي بِهِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ الْمَصَاحِفِ وَالصُّدُورِ ،فَلَا يَبْقَى فِي الصُّدُورِ مِنْهُ كَلِمَةٌ وَلَا فِي الْمَصَاحِفِ مِنْهُ حَرْفٌ)[60]

 

وعن ابن مسعود قال (إن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن ينزع منكم ، فقيل له كيف ينزع منا وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا ؟ قال يسرى عليه في ليلة فينزع من القلوب ، ويذهب بما في المصاحف ، ويصبح الناس منه فقراء ثم قرأ قول الله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك)[61]، وفي رواية عن عبد الله بن مسعود يقول (إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما يبقى الصلاة وأن هذا القرآن الذي بين أظهركم يوشك أن يرفع..الحديث)[62].

قال العلماء أن رفع القرآن آخر الزمان يتزامن معه هدم الكعبة ، لعلة أن تقوم الساعة على شرار الخلق ، ففي آخر الزمان قبل قيام الساعة مباشرة يقبض الله أرواح المؤمنين ولا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق ولا تكون صلاة ولا صيام ولا حجّ ولا صدقة ، ولا تكون هناك فائدة من وجود الكعبة ولا بقاء القرآن فيقدِّر الله عزّ وجلّ خراب الكعبة ، قال رسول الله r (يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ) [63]، قال العلماء وعلة ذلك أن يبقى كتابه في الأرض بلا فائدة لا يُعمل به فيحدث هذا الأمر ، فيرفع الكتاب تنزيها [64].

فإذا رفع القرآن لم يبق من معالم الإسلام شيء غير "لا إله إلا الله" ، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَدْرُسُ الْإِسْلَامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ حَتَّى لَا يُدْرَى مَا صِيَامٌ وَلَا صَلَاةٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلَةٍ فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنْ النَّاسِ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ يَقُولُونَ أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُهَا) [65]، فَقَالَ لَهُ صِلَةُ (مَا تُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا نُسُكٌ وَلَا صَدَقَةٌ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ حُذَيْفَةُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ يَا صِلَةُ تُنْجِيهِمْ مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا)[66]

 

قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (11) قال النسفي ("الشيعة" : الفرقة إذا اتفقوا على مذهب وطريقة)[67] ، والمعنى أن الدعوة الإسلامية كانت توجه قبل بعثة النبي r إلى الجماعات والأحزاب والفرق المختلفة ، بحيث يقتصر خطاب النبي على فريق واحد أو مجموعة من الفرق ، فلكل فرقة ، ولكل حزب منهم ، ولكل قوم كان يبعث لهم رسول أو نبي ، وذلك حتى يسهل عليه مخاطبتهم بما تعيه قلوبهم ، فما أيسر ذلك سبيلا لإيصال الدعوة لهم .

 

ولكنهم وبالرغم من ذلك كانوا يستهزئون بالنبي الذي أرسل إليهم ، ولم يكن بينهم وبينه أية أي نكارة ، فهم يعرفونه لأنه من بينهم ، ورغم ذلك صدر منهم هذا الاستهزاء ،  (وإنما كان الاستهزاء بالرسل عادة الجهلة في كل قرن)[68] ،قال الشيخ سيد طنطاوي : " لما أساءوا فى الأدب ، وخاطبوه r خطاب السفاهة ، حيث قالوا له : ( إنك لمجنون ) ، سلاّه الله فقال له : إن عادة الجهال مع جميع الأنبياء كانت هكذا ، وكانوا يصبرون على أذى الجهال ، ويستمرون على الدعوة والإِنذار ، فاقتد أنت بهم"[69].

 

فالله سبحانه لم يبعث نبيه محمد r لقومه خاصة ، بل أرسله للناس عامة ، فعن النبي r قال (كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)[70] ، ما يجعل حمل وعبء الدعوة عليه كبير ، ولذلك حفظه الله سبحانه من هؤلاء المستهزئين ، وأخبره في ختام السورة بذلك فقال له (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (الحجر 95).

 

قوله (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (12) قال الرازي (السلك إدخال الشيء في الشيء كإدخال الخيط في المخيط والرمح في المطعون)[71] ، أي أنه رغم حفظ الله للذكر لكن قلوب المجرمين في ريب منه ، فإخباره لهم بالذكر يدخل في قلوبهم مدخل الريب والشك .

 

وقيل أن الداخل في قلوبهم هو (الاستهزاء) ،وقيل (الكفر) ، قاله ابن عباس [72]، وقيل (الشرك)[73] ، قاله الحسن [74] ، والمعاني كلها واحدة لأن الاستهزء بالأنبياء كفر، والشك جامع لهذه المعاني ، كما قالوا لنبي الله صالح (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (هود 62).

ونظيره قوله (كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) (الشعراء 200) أي أن الله علمهم معانيه ، لتقام عليهم الحجة ، وإن امتنعوا عن سماعه ، وأخبرهم مقاصده ، وإن استهزءوا بشعائره ، ولكنه وقع في قلوبهم موقع الشك لا اليقين ، ولذلك ربما ودوا لو كانوا مسلمين ولم يجزموا بذلك جزما قاطعا ، فأمور العقيدة تبنى على اليقين لا الشك  . 

 

قوله (لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ..)(13)  فالشك يقتضي عدم الإيمان به ، حصل ذلك لأنهم لم يتعاملوا مع كتاب الله كما ينبغي ، فالشك لا يكفي لتحقق الإيمان .

 قال ابن عاشور (قد يخطر بالبال أن حفظ الذكر يقتضي أن لا يكفر به من كفر ، فأجيب بأن ذلك عقاب من الله لهم لإجرامهم وتلقيهم الحق بالسخرية وعدم التدبر، ولأجل هذا اختير لهم وصف المجرمين دون الكافرين لأن وصف الكفر صار لهم كاللقب لا يُشْعِر بمعنى التعليل)[75] .

 

قال الشيخ عبد المحسن العباد أي (أن كل شيء مقدر، فالهداية مقدرة، والغواية مقدرة، وشرك المشرك واقع بقضاء الله وقدره، وإيمان المؤمن واقع أيضاً بقضاء الله وقدره، لكن لا يقال: إنه مجبور وليس له إرادة ومشيئة، وإنما يحصل ذلك بمشيئته وإرادته التي لا تخرج عن مشيئة الله وإرادته)[76].

 

قوله (..وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ)(13) أي وكان ذلك هو دأب الكافرين جميعا في كل زمان ، قال الواحدي (فهؤلاء المشركون يقتفون آثارهم في الكفر ) [77]، قال الثعالبي (فعلى هذه الوتيرَةِ قريش وكفَرَةِ العَصْر)[78] ،كما في قوله  (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (إبراهيم 9) ، ذكر العلماء أن (هذه الآية تخويف لأهل مكة ، يعني لا يؤمنون بمحمد r وبالقرآن وقد مضت وقائع إهلاك من كذب الرسل من الأمم الخالية) [79]

 

قوله (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) (14- 15) قال الماوردي فيه وجهان[80] :-

أحدهما : فظل هؤلاء المشركون يعرجون فيه ، قاله الحسن وقتادة .

الثاني : فظلت الملائكة فيه يعرجون وهم يرونهم ، قاله ابن عباس والضحاك .

فهذا مثال توضيحي لمراد الله من الإيمان ، وتفصيل لسبب الامتناع عن إنزال الملائكة يرونها عيانا جهارا ، ذلك أن الحواس يمكن خداعها بسهولة ، فيمكن أن ترى العين مجسما ثلاثي الأبعاد لمسيح مصلوب عن طريق تقنية الهولوجرام[81] ، ويمكنها أن ترى الملح سكر والعكس ، ولذلك فإن الذين يطلبون آية مادية مقترحة يشاهدونها بأعينهم لا يفقهون شيئا عن مراد الله من الإيمان ، فالإيمان بالغيب هو مراد الله الذي كلف به الخلق ، وليس بما هو مشاهد ، فالبصر إذا تمكن الناس من خداعه بالخدع البصرية المشهورة ، فإن القلب الذي هو عين البصيرة لا يمكن خداعه ،طالما ارتكن للعقل واسترشد به ، كما في قوله (أولئك هم الراشدون) .

 

وهو ما أرشدنا إليه النبي r في قوله (استفت قلبك) ، فعَنْ وَابِصَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ لَا أَدَعَ شَيْئًا مِنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَفْتُونَهُ ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ ، قَالُوا إِلَيْكَ يَا وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r قُلْتُ دَعُونِي فَأَدْنُوَ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ ، قَالَ دَعُوا وَابِصَةَ ادْنُ يَا وَابِصَةُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، قَالَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ أَوْ تَسْأَلُنِي قُلْتُ لَا بَلْ أَخْبِرْنِي فَقَالَ جِئْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ "الْبِرِّ وَالْإِثْمِ" فَقَالَ نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي ، وَيَقُولُ يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ)[82].

 

 

المحور الثاني

حفظ الكون بقدر الله

 

 قال تعالى (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25)

 

انتقلت الآيات للحديث عن دلائل قدرته بما يدلل على حفظه للكون ، فهي شاهدة على وجوب الإيمان به ، لا تنكرها العقول ، ولا تكذبها الأفئدة ، فبدأت بذكر السماء وبروجها وزينتها بالنجوم ، وحفظها بالشهب ، وذكرت الأرض ورواسيها ومعاشها ، ثم الرياح وتلقيحها ،والمطر النازل من السماء على الأرض سقاء لكل شيء ، وتخزين الله له ، بما يظهر قدرة الله تعالى على الخلق والتصريف والتدبير ، ثم اختتم المقطع بالحديث عن الله أنه هو الذي يحيي ويميت وأنه هو الوارث لكل شيء ، وعن علمه أحوال خلقه ، وتصرفه فيهم يوم القيامة بحشره لهم بحكمته وعلمه .

 

قوله (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) (16) قال الشوكاني (الجعل إن كان بمعنى الخلق ، ففي السماء متعلق به أي "النجوم"، وإن كان بمعنى التصيير ، ففي السماء خبره أي "كونها زينة")[83] .

فالبروج في اللغة : القصور والمنازل ، والمراد بها هنا  (ما يمكن رؤيته بالعين لأنه هو المزين لها ، وقد توسع بعض العلماء في ذلك فقالوا ( الشمس والقمر والنجوم السيارة) ، لكن الطبري وغيره قصروا المراد بالبروج على النجوم وحدها ، فهي التي جعلها الله رجوما للشياطين)[84]، قال العلماء (النجوم تخرج منها الشهب لتؤدي هذه الوظيفة)[85].

ومن المعلوم أن النجوم تتشكل كل شهر مرة ، أي تتشكل اثنى عشر مرة في السنة ،وقد ورد ذكر النجوم في القرآن اثنى عشرة مرة ، الأمر الذي جعل العلماء يؤكدون على أن المقصود بالبروج النجوم ، قال الشوكاني (وهي : الاثنا عشر المشهورة كما تدل على ذلك التجربة ، قال أبو السعود (وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة)[86]، وهي برج الحمل والثور والجوزاء والسرطان و الأسد والعذراء والميزان والقوس والجدي والدلو والحوت ، وقال الشوكاني (العرب بهتمون بمعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم التي يستدلون بها على (الطرقات والأوقات والخصب والجدب)[87].

 

وقوله (وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) يشير بعد الإشارة إلى أن مواقع النجوم بقدر معلوم ، أنها في زينتها تبهر الناظرين لها والمتأملين في خلقها [88]، وفي ذلك دعوة صريحة من القرآن للنظر في السماء والتأمل في زينتها ، فالنظر والتفكر فيها عبادة ، دليل ذلك قوله (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ) ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان " رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ ، ثم ذكر هذه الآية" ثم أورد بعدها حديث ابن أبي مليكة عَنْ عَائِشَةَ (رَفَعَ النَّبِيُّ r رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ)[89]، تعني متفكرًا في خلق السماء ، صنع الله ،  يقول وهب بن منبه (ما طالت فكرة امرىء قط إلا فهم، وما فهم إلا علم، وما علم إلا عمل).

وقد وعى الصحابة والتابعين هذه الدعوة ، فكان نتيجة ذلك قول أبي الدرداء (تفكر ساعة خير من قيام ليلة) ، يقصد بذلك أن التفكر في خلق الله يزيد الإيمان كما يزيد قيام ليلة الإيمان ، أي بتلك الطاعة فكلاهما سواء ، أو أن التفكر يفضلها في زيادة الإيمان.

 

والنظر في السماء يبعث في الإنسان الشعور بالراحة النفسية ، يقول الشعراوي (جعل الله سبحانه للنجوم قيمة جمالية ،وخلق الإنسان وخلق فيه الحواس المعروفة ، ومنها النظر ، فالمنظر الجميل هو غذاء العين ، أي يلبي حاجة العين للنظر إلى شيء مزين لها )[90] ، يقول بشر الحافي (لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه) .

 

والنظر في السماء يصلح عقيدة المسلم في الله ، إذ لا شك أن الذي ينظر للسماء لابد وأن يشعر براحة نفسية ، حيث يرى الكون فسيحا أكبر من همومه الصغيرة ، فيصل بتلك الرؤية إلى العلم بأن الله الذي دبر هذا الكون قادر على أن يدبر له حياته البسيطة ، كما في قوله (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ* فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس31) .

 

قوله (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) (17) وحفظ السماء المراد منه حفظها من استراق الجن للسمع ، كما في قوله (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ) (الأنبياء 32)

وقوله تعالى (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (الجن 9) ، وقوله (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (الشعراء 212).

 

 جاء في تفسير البغوي : عن ابن عباس قال : كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام  منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد r منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس، فقال لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم فوجدوا رسول الله r يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما حدث)[91] ، أي تزامن حفظ السماء ببعثة النبي محمد r حيث تكفل الله سبحانه بحفظ الذكر ولم يوكل لأحد من البشر هذه المهمة كما حصل بشأن التوراة والإنجيل ، فكان لابد من منع الجن والشياطين التلصص لاستراق السمع من الملائكة ، حتى لا يختلط القرآن بما يوحيه الشياطين على الكهان من كلام ، قال العلماء (فلما بعث النبي r ملئت حرسا شديدا وشهبا وذلك لينحسم أمر الشياطين وتخليطهم ولتكون الآية أبين والحجة أقطع)[92].

 

قوله (إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ) (18) الاستثناء يشير إلي أنه قد يفلت منها شيطان فينجح في استراق السمع ، أي يسمع ما يدور بين الملائكة من حديث في أمر القدر ، لكن - وعندئذ - لا يفلت هذا الشيطان من الشهاب المسلط عليه ، فتكون رجوما للشياطين ، وهكذا أشبهت النجوم القلاع الحصينة التي ترمي الأعداء السهام ، ولذلك سميت بالبروج ، فهي مسلطة على كل شيطان مارد استرق السمع فيتبعه شهاب ثاقب ، قال ابن القيم قوله (فأتبعه أي لحقه وأدركه)[93] أي أن الشهاب يدرك الشيطان فيحرقه ، كما في قوله (وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ) (الصافات 10).

 

وحفظ السماء في المجمل من استراق السمع لم يمنع الجن من الاستراق مطلقا ، فلهم حيلة يفعلونها ولكن الشهب ترصدهم ، تلك الحيلة تسمى بحيلة السلم ، حيث تسلط الشهب على الجني الذي يسترق السمع فتحرقه ، ولكن قبل أن تحرقه يلقي بالكلمة للجني الذي تحته في السلم فيرصده الشهاب ، فربما لحق أن يلقيها إلى الذي تحته ثم تحرقه ، وهكذا حتى تصل الكلمة للكاهن غير صحيحة بنسبة تزيد عن 99 % لأن الجن يخلطون معها 100 كذبة ،  فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ r نَاسٌ عَنْ الْكُهَّانِ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنْ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا مِنْ الْجِنِّيِّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ)[94].

 

وعن نَبِيَّ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا) لِلَّذِي قَالَ (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ، فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ،  فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ)[95]

والحكمة من بقاء هذه "الكلمة" أنها فتنة وابتلاء لتمحيص الناس ، أيتبعون الحق أم يفتنون بصدق الكاهن في كلمة واحدة وكذبه في مائة ، ما يعني من جهة أخرى إظهار كذب الكهان ، لأن تصديق الناس للكهان مبني على هذه الكلمة الحق، فعندما يخلطون معها مائة كذبة يبطل اعتماد الناس عليهم ، الفرصة لتمييز الخبيث من الطيب بتلك الكلمة المختلسة)[96]، لأنه لو لم تختلس هذه الكلمة لما كان للكهان فائدة ، ولبطل عملهم ، ولما تحقق الابتلاء والاختبار ، ولكن الله جعلها سببا لابتلاء الناس بهم ، ليستبين من يصدقهم ومن يكذبهم ، ولذلك قيل (كذب المنجمون ولو صدقوا) لأن حديثهم مبني على الكذب في أغلبه ، وإن صادف الحق نادرا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ)[97]

قوله (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ..) (21) قال ابن كثير أي: (وسعناها وفرشناها)[98] ، أي وسع أقطارها لتستوعب الزيادة في النسل ، وفرشها بالزرع لتأكل منه الدواب والأنعام والإنسان ، بما يعني تسخير الأرض لتكون مهيئة لحفظ حياة الإنسان عليها ، وتلك هي البيئة التي هيأها الله للإنسان لتكون موطنا لابتلائه ، فليس عليه أن يخترق السماء ، (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (33) ، وهكذا يلفت القرآن الكريم انتباه الإنسان إلى ما يجب الالتفات إليه ، وهو حياته على هذه الأرض ، فلا ينشغل بمعرفة الغيب ، أو اختراق حواجز السماء ، قال تعالى (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) (35) ، ولينشغل بحياته الواقعية .

 

وإنما الواجب عليه أن يتعلم القوانين الربانية التي خلقها فيها ،  فتلك اليابسة وما جاورها من مياه يعيش عليها الإنسان وما معه من كائنات ، وصفها سبحانه بأنها ممدودة ، أي وسَّع في أقطارها ، فهي من السعة بحيث تستوعب الناس مهما زاد عدد سكان الأرض ، وهي ممدودة لهم -بأرزاقها- يعيشون في خيراتها ، فلا يابستها تعجز عن إيوائهم ، ولا بحارها تقل خيراتها عن حاجات البشر والكائنات فيها ، قال السعدي أي: (وسعناها سعة يتمكن الآدميون والحيوانات كلها على الامتداد بأرجائها والتناول من أرزاقها والسكون في نواحيها)[99] ، قال تعالى "وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ".

 

قوله (..وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ) (21) قال ابن كثير (وهي: الجبال؛ لئلا تميد بأهلها وتضطرب)[100] ،فقد جاء رديف لفظ (مددناها) لوازمه من إلقاء الجبال لترسيتها ، ليكون دورانها حول نفسها وحول الشمس بقدر موزون ، فلا تحيد عن مسارها، كما في قوله تعالى (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) ، قال أبو حيان أي (جبالاً ثوابت تمنعها من التكفؤ)[101] ، فتلك صورة من صور حفظ الأرض ، فإذا لم تكن الجبال راسيات على الأرض لاختل توازن الأرض وزادت الزلازل لأنها تعمل كـ "رواسي" أو "أوتاد" لتثبيت القشرة الأرضية، وبدونها ستضطرب الأرض وتهتز و(تميد) بشكل مستمر.

كما أن الفيضانات عارمة ستعم الأرجاء ، لأن الجبال تُخزن المياه على شكل ثلوج وتذيبها ببطء لتغذية الأنهار، وبدونها ستذوب الثلوج دفعة واحدة، مما يؤدي لفيضانات مدمرة، يتبعها جفاف دائم ، ومن هنا تسود المحيطات ، فتغطي الأرض بالكامل ، كما سوف تحدث تغيرات مناخية متطرفة لأن الجبال تحجز الرياح ، وبدونها تسود رياح عاصفة تغير المناخ بشكل جذري ، فضلا عن تغيرات بيولوجية كبيرة لاسيما للحياة البحرية ، حيث تمد الجبال البيئة البحرية بالمغذيات[102].

 

فقوله (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ) أي أن إنبات النباتات فيها بقدر موزون ، كناية عن كفاية أبواب الرزق وسعتها وتقديرها بما يكفي حاجة الكائنات عليها ، وفيه إيحاء بأن القوانين الإلهية التي جعلها الله في الطبيعة لابد وأن تحقق التوازن البيئي والبيولوجي ، بمعنى أن الإنسان ولكي يستفيد مما جعل الله له فيها معايش لابد وأن يفهم ميزان الطبيعة وقوانينيها ، وألا يتجاوز ذلك حتى لا ينقلب ذلك وبالا عليه .

 

فتشير الآية بشكل مباشر إلى أن الله سبحانه وتعالى أنبت في الأرض كل شيء بقدر معلوم وتوازن دقيق، وهو ما يؤكده لفظ "موزون" وفي آية أخرى "بقدر معلوم"، مما يدل على النظام البديع في الكون والبيئة والتنوع البيولوجي الذي لا يختل إلا بتدخلات الإنسان المدمرة للبيئة ، كما في قوله (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم41) ، وهو ما يعني ارتباط السياق الوارد فيه الآية بمفهوم التوازن البيولوجي بشكل مباشر، حيث تؤكد على أن النظام الطبيعي للبيئة يسير وفق نظام إلهي دقيق ومتوازن ، وأي خلل يحدثه الإنسان في هذا النظام، مثل تلوث البيئة أو تدمير الغابات يؤدي إلى عواقب وخيمة.

 

فالنبات هو وسيلة التغذية للحيوانات آكلة العشب ، والإنسان يتغذى على النبات وعلى هذه الحيوانات آكلة النباتات ، فالأكل وإن كان عادة عند الإنسان وتلك الكائنات ، لابد وأن يؤدي وظيفته في إطار من التوازن البيولوجي بحيث لا يصير إلى ضرر ، ولذلك قال رسول الله r (مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ الْآدَمِيِّ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ)[103]، (هذا أكلهم، إنما يأكلون ما يسد الرمق والجوع ، أما أن يستغرقوا في أنواع الأطعمة فإن هذا فيه شيء من الإسراف)[104] ، وقس على ذلك سائر العادات كالراحة والعمل فلابد من القصد فيهما والاعتدال .

 

وفي قوله (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) قال الرازي (الرزق الذي يظهر بالنبات يكون معيشة لهم من وجهين :-

 الأول : بحسب الأكل والانتفاع بعينه .

والثاني : أن ينتفع بالتجارة فيه)[105]

 وقد جاء لفظ (معايش) بصيغة الجمع ليفيد تنوع مصادر الرزق ، حتى لا يظن أحد أنه إذا انغلق بابا للعيش لم ينفتح غيره ، بل أرض الله واسعة ، والرزق فيها وفير .

قال الخازن (جمع معيشة يعني به جمع وجوه المنافع التي تحصل بها الأرزاق وتعيشون بها أيام حياتكم ، وهي على قسمين :-

أحدهما : ما أنعم الله تعالى به على عباده من الزرع والثمار وأنواع المآكل والمشارب

والثاني : ما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع وكلا مقسمين في الحقيقة إنما يحصل بفضل الله وإنعامه وإقداره وتمكينه)[106].

 

وفي قوله (وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ) قال الشوكاني (هم المماليك والخدم والأولاد الذين رازقهم في الحقيقة هو الله ، وإن ظنّ بعض العباد أنه الرازق لهم باعتبار استقلاله بالكسب)[107]، وأدخل فيهم الزمخشري (العيال) وقال (ويدخل فيه الأنعام والدواب وكل ما بتلك المثابة ، مما الله رازقه ، وقد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرزاقون)[108].

 

 ولذلك قتل المشركون أولادهم مخافة الفقر ، فنهى الله عن ذلك وأوضح أن هو رازقهم وعيالهم ، فقال (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا)(الإسراء31) ، كذلك قوله (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت60) ، فالله وحده الذي يحفظ الأرزاق .

 

بل على العكس ، فهو يرزقون بضعفائهم الذين يعولونهم في الظاهر ، ولكن رزقهم يأتي بسبب إعالتهم لهم ، قال رسول الله r (ابْغُونِي الضَّعِيفَ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)[109] أي بسببهم أو ببركة دعائهم)[110]، كذلك فإن من رزق الله عفوه وصفحه وإمهاله ، فالله تبارك وتعالى شديد العقاب ، (ولولا صبيان رضع ورجال ركع وبهائم رتع لصب العذاب صبا)[111].

 

وقوله (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ)  الخزائن دليل على أن نعم الله لا تنفد ، وشبه الرزق منها بإخراج الأشياء النافعة من الخزائن ، قال ابن عاشور أي (على طريقة تمثيلية مكنية ، ورمز إلى الهيئة المشبه بها بما هو من لوازمها وهو الخزائن)[112]، قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [المنافقون:7] ، قال رسول الله r (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ)[113].

 

فإذا علم ذلك وجب اقتصار الطلب منه ، فليس أحد يملك مقاليد السماوات او الأرض إلا هو ، (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (الزمر63) ، ولذلك (شَرَعَ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِسْقَاءَ حَتَّى لَا يُطْلَبَ إلَّا مِنْهُ)[114] ، (وفي ذلك دلالة في أن النفع والضر والرزق والخلق والتصرف والنصر كلها من الله عز وجل، فلذلك لا يجوز أن يدعى ويطلب من غيره النفع والضر أو الرزق كما لا يجوز أن يعتقد في غيره أن له تصرفاً في الكون من خلق وغيره، فكل ذلك شرك صريح مناقض لقول القلب)[115].

 

وقوله (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) ما يعني أن الأرزاق مقدرة ومقسمة بحكمة إلهية ، قال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ * وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ * إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) (الشورى 27) ، وقال تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت 62)، قال رسول الله r (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)[116]

قال الفوزان (فكل شيء قدره الله بمقادير وكيفيات لا تختلف ولا تتغير، فالإنسان قدر الله جسمه وحواسه وأعضاءه وتركيبه وأوزانه، حتى صار إنساناً معتدلاً يمشي ويقف ولو اختل شيء من أعضاء هذا الإنسان أو من تراكيبه اختل الجسم، وكذلك سائر الكائنات)[117] ، واستشهد بقوله (وكل شيء عنده بمقدار) [الرعد:8]

 

فلما كان ذلك كذك وجب أن يتأدب العبد مع ربه ولا يستبطئ الرزق ، قال رسول الله r "لا تستبطئوا الرزق، فإنه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام"[118] فأرزاق الناس عند لله محفوظة واستعجال الرزق لن يزيده ، ولن يعجل به ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ)[119]

 

وكان من سنة النبي r دبر كل صلاة الإقرار بالرضا بما قسمه الله من رزق بلا أدنى اعتراض ، روي أَنَّ النَّبِيَّ r كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)[120]، قال ابن أبي العز وفي ذلك تحقيق لقوله  (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال (لَوْ قُدِّرَ أَنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُسْتَقِلًّا بِالْمَطْلُوبِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَشِيئَة الله وَتَيْسِيرِه... فَكَيْفَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْبَابِ مُسْتَقِلًّا بِمَطْلُوبٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إليه، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارِضَاتِ عنه، حتى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ، فَكُلُّ سَبَبٍ فله شَرِيكٌ، وله ضِدٌّ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْه شَرِيكُه، وَلَمْ يَنْصَرِفْ عنه ضِدُّه - لَمْ تَحْصُلْ مَشِيئَة... فالْوَاجِبُ أَنْ لَا يُرْجَى إِلَّا الله ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عليه ، وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُسْتَغَاثُ إِلَّا به، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا هُوَ، فله الْحَمْدُ، وإليه الْمُشْتَكَى، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ، وبه الْمُسْتَغَاثُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إِلَّا بالله)[121].

 

قوله (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ ..) (22) أشارت الآيات إلى تعدد الأسباب وتضافرها معا لتنفيذ إرادة الله الكونية ، فالرياح معلوم أن موقعها بين السماء والأرض ، هي سبب من الأسباب المعضدة لغيرها من الأسباب الجالبة للرزق بقدر الله ، يقول العلماء (الْمَطَرُ وَحْدَه لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إِلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إليه مِنَ الْهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حتى تُصْرَفَ عنه الْآفَاتُ الْمُفْسِدَة له، وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إِلَّا بِمَا جُعِلَ في الْبَدَنِ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى، وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إِنْ لَمْ تُصْرَفْ عنه الْمُفَسِدَاتُ)[122] ، وهكذا تتعدد الأسباب ومدبرها واحد هو الله سبحانه (يدبر الأمر).

  

 كما جعل الله تعالى للرياح وظيفة في نقل حبوب اللقاح من زهرة لأخرى ، وبسبب طريقة التلقيح هذه يتكاثر الزرع ، فإذا ما اجتمع نزول ماء المطر مع هذه الوظيفة ، وسُقى الزرع ، تضافرت الأسباب جميعا لإيجاد الزرع بقدر الله ، ولا يملك الإنسان شيئا من ذلك ولا ذرة من هذه القدرة .

 

قوله (..فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ.. ) (22) قال الألوسي (جعلناه لكم سقيا تسقون به مزارعكم ومواشيكم)[123] ، قال العلماء من أهل اللغة والتفسي (لو أراد الله إنزاله ليشربه الإنسان لقال (فسقيناكموه) ولكنه أراد أن يسقيه وأرضه وماشيته فقال (أسقيناكموه) وهذا ما تقوله العرب)[124].

(ومن ذلك نلحظ أن الله جعل للإنسان عملا بهذا الماء لينتفع به وينفع به غيره ، ولا يقتصر عمله على شربه وحسب بل دله الله على أن يسقي غيره بهذا الماء (الأرض والماشية) ، وهكذا جعل الله من الماء كل شيء حي ، ويتعلم الإنسان دوره كخليفة في الأرض)[125]  .

 

والله أنزل ماء المطر مقطرا ولم ينزله جملة واحدة وإلا لهلك الحرث والدواب  ، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا) (14)، وجعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا عقابا على ذنوب الملكفين ، قال تعالى (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة70).

قال ابن القيم (فإذا تأملت السحاب الكثيف كيف يجتمع في جو صاف ، وكيف يخلقه الله متى شاء وإذا شاء ، وهو مع لينه ورخاوته حامل للماء الثقيل بين السماء والأرض إلى أن يأذن له ربه وخالقه في إسال ما معه من الماء ، فيرسله وينزله منه مقطعا بالقطرات كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته ، فيرش السحاب الماء على الأرض رشا ، ويرسله قطرات مفصلة لا تختلط قطرة منها بأخرى،  ولا يتقدم متأخرها ولا يتأخر متقدمها ، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه حتى تصيب الأرض قطرة قطرة قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره ، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا منها قطرة واحدة أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه ، فتأمل كيف يسوقه سبحانه رزقا للعباد والدواب والطير والذر والنمل يسوقه رزقا للحيوان.. في وقت كذا وكذا ثم كيف اودعه في الارض ثم أخرج به أنواع الأغذية والأدوية)[126]

 

ولهذا شرعت صلاة الاستسقاء ، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ بَيْنَمَا النَّبِيُّ r يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَهَلَكَ الشَّاءُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَسْقِيَنَا فَمَدَّ يَدَيْهِ وَدَعَا)[127].

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَصَابَتْ النَّاسَ سَنَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ r فَبَيْنَا النَّبِيُّ r يَخْطُبُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيَتِهِ r فَمُطِرْنَا يَوْمَنَا ذَلِكَ وَمِنْ الْغَدِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَالَّذِي يَلِيهِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، وَقَامَ ذَلِكَ الْأَعْرَابِيُّ أَوْ قَالَ غَيْرُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتْ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةُ شَهْرًا وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ)[128].

 

ولذلك قال علماء الكون أن الماء سبب الحياة على الأرض ، ولولاه لماتت الكائنات الحية ، ومعلوم أن نسبة الماء في جسم الإنسان تصل إلى حدود 60% لدى الرجال وحوالي 50-55% لدى النساء (بسبب اختلاف نسبة الدهون والعضلات)، تكون هذه النسبة أعلى عند حديثي الولادة (حوالي 70-78%)[129].

 

قوله (.. وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) (22) قال الشوكاني أي (ليست خزائنه عندكم ، بل خزائنه عندنا ، ونحن الخازنون له ، فنفى عنهم سبحانه ما أثبته لنفسه كما في قوله "وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ")[130] أي لا تقدرون على حفظه في آبار اصطناعية ومجاري ماء اصطناعية ، وحفظه ببناء السدود لحين الحاجة إلا بإذن الله ، فالله هو الذي هدى الإنسان لبناء هذا السد ، وهو القادر على أن إعطاء السد قدرته وقوته علي التخزين [131]، وقادر –كذلك- على أن يهدمه ، مثلما حصل في اليمن عندما انهار سد مأرب ، فسار منه فيضان سمي بـ "سيل العرم" ، (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) (سبأ 16) (فالله وحده هو القادر على إمساكه لكم ، فيحفظه في الأنهار والأبار ويخزنه لتسقوا منه عند الحاجة)[132] .

 

ومعلوم أن كمية ماء المطر على مستوى العالم ينزلها الله بقدر مقدور لتحقق التوازن البيئي ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (ما من عام أمطر عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ "ولقد صرفناه بينهم" [133] ، وابن مسعود قال : (وما من أرض أمطر من أرض ، وما عام أمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء عاماً هاهنا وعاماً هاهنا ثم قرأ هذه الآية (وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ)[134].

 

وتلك الكمية من ماء المطر النازل من السماء لا يقدر أن يستوعبها الإنسان إذا أوكلت إليه مهمة تخزينه بقدرته المحدودة ، ولكن الله سبحانه يدخر الماء ويحفظه له في الأبار والأنهار والعيون ، فيسكن الماء فيها إلى وقت الحاجة ، قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) [المؤمنون18] (الملك30) ، فالإنسان عاجز عن يمسكه أو أن يخزن هذه الكمية الهائلة من الماء ليسقي به الزرع ، ولو أراد الله أن يغور الماء لما أمسكه شيء ، قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ).  

 

وقدرة الله تتجلى بحفظ الماء في خزائن في السماء قبل تجليها بحفظه في الأرض ، قال تعالى (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة 69) ، فيمسكه في السحب ، ثم ينزله بقدر معلوم ، قال الألوسي (نحن القادرون على إيجاده وخزنه في السحاب وإنزاله ، وما أنتم على ذلك بقادرين ، كذلك وما أنتم له بحافظين في مجاريه عن أن يغور فلا تنتفعون به) .

 

قال الزمحشري (نفى عنهم ما أثبته لنفسه للدلالة على عظيم قدرته وإظهاراً لعجزهم)[135] ، قال ابن كثير المراد: (وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك ، ليبقى لهم في طول السنة، يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم)[136] ، أي أنكم لو حاولت اصطناع هذه الأسباب بقدرتكم فأنتم عاجزون عن ذلك ، بل الله هو القادر ، وإنما عليكم أن تطلبوا منه ذلك ، بعد أن تلتمسوا العمل بالأسباب المشروعة دون اعتماد عليها .

 

يقول الدكتور حسام موافي أنه قرأ كتاب بعنوان الماء هو الموت ، ملخصه أن الماء الزائد عن حاجة الجسم يسبب الموت ، وقال أن هذا الكتاب من 400 صحفة ، والقرآن لخص هذه الحقيقة في كلمتين (فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ)[137]، ففي قوله "وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ" لافتة إعجازية تشير إلى أن البشر لا يستطيعون تخزين المياه في أجسامهم بكميات كبيرة تفوق حاجتهم الآنية ، فطبيعة عمل جسم الإنسان تختلف عن طبيعة الجمال البيولوجية ، فالجمل يستطيع تخزين الماء ويسير في الصحراء لأشهر كثيرة ويستهلك الماء المخزون ، وللجمال قدرة على تحمل العطش أكثر من 10 أيام ، والجسم البشري لا يعمل بهذه الطريقة ؛ حيث أن تخزين كميات كبيرة من المياه فيه يؤدي إلى مشاكل صحية مثل الوذمة وتلف في أعضاء الجسم مثل الكلى أو القلب ، ولأجل ذلك جعل الله جسم الإنسان يصرف الماء الزائد عن حاجته عن طريق البول أو العرق ، فالجسم السليم لا يستطيع تخزين الماء الزائد عن حاجته ، ولذلك يظهر التورم على مريض الكلى بسبب عدم القدرة على تصريف الماء الزائد عن حاجة الجسم .

 

المحور الثالث

حفظ عباد الله من إبليس

تمهيد : -

قال تعالى (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (23-25)

 

لابد من فهم طبيعة الحياة على الأرض ، بأنها مؤقتة لا خالدة ، وأن الملك لله سبحانه هو الذي يرثه من عباده الذين استخلفهم عليه ثم يميتهم ويفنيهم ، ثم يبعثهم جميعا من أولهم وآخرهم ، إنسهم وجنهم ، ويحشرهم في مكان واحد في وقت واحد ، وكل ذلك بحكمته وعلمه .

 

قوله (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (23) المقصود بالإحياء –هنا- الإيجاد من عدم ، والإماتة معروفة ، فإذا كانت "الحياة الدنيا" هي الفترة بين الإحياء أول مرة والإماتة ، فإن كل سعي للإنسان كسبه وما صنعه وفعله –خلال تلك الفترة – سوف يتركه لخالقه يرثه تعالى عنه ، فلا وارث إلا هو ، عندئذ يستقر في الضمير معنى أن إلى الله المنتهي ، فلا ينشغل الإنسان بغير خالقه ، فكل ما يشغله عن الله سوف يزول ، ولن يأخذ من الدنيا في رحلته إلى الدار الآخرة إلا عمله الصالح ، أما الدنيا فيرثها الله عنه سبحانه ، فإذا كان الله هو المالك على الحقيقة ، وهو الوارث ، وهو الذي يعطي ويمنع ، ويحيي ويميت ، فلابد أن يكون عليه التكلان ، لا على غيره .  

 

إذن تكريث هذا المعنى في الأذهان -وهو الذي ذكره الله في قوله (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [مريم40]- يحض على الزهد في الدنيا ، والانشغال بطلب الآخرة ، كما في قوله (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) (النحل 96) ، وإنما يكون طلبه للدنيا بقدر ما يمكنه من عبادة ربه فيها حتى يلقاه ، ولذلك روي عَنْ ابْنَ عُمَرَ قَالَ ( قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا)[138]، قال المناوي في قوله (واجعله الوارث منا) أي (اجعل تمتعنا بها باقيا عنا موروثا لمن بعدنا أو محفوظا لنا ليوم الحاجة)[139]

قال الخطابي (فيه قولان :أحدهما أن يكون معنى الوراثة فيهما أن تبقى صحتهما عند ضعف الكبر فيكونا وارثي سائر الأعضاء والباقيين بعدها ، وقيل معناه أبقهما معي حتى أموت ، وقيل (أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل به وبالبصر الاعتبار بما يرى ويبصر ) ، وقيل (أنه يكون دعا بذلك للأعقاب والأولاد ، والأول أصح)[140].

 

قوله (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (24-25) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في الآية قَالَ "الْمُسْتَقْدِمِينَ" ، آدم عَلَيْهِ السَّلامُ ومن مضى مِنْ ذريته، و"الْمُسْتَأْخِرِينَ" ، مِنْ في أصلاب الرجال"[141]، وكلهم يحشرهم الله -جميعا -يوم القيامة ، ونظير ذلك قوله (قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) (الواقعة 50)

فالحشر هو ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الخلائق جميعا أولهم وآخرهم إنسهم وجنهم ليحاسبهم على ما عملوا (يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)(التغابن9) ، فهو نوع من الضبط والإحضار تمهيدا للحساب والجزاء ، قال تعالى (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يس32) ، وقال سبحانه (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ) (يس 53) .

 

قال ابن عجيبة (ولفظ التأكيد (هو) يدل على أنه هو القادر والمتولي لحشرهم لا غيره)[142]، كما في قوله (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (لقمان 28) ، قيل لعلي كيف يحاسب الله العباد في يوم؟ فقال (كما يرزقهم في يوم)[143] .

 

فهاتان الآيتان تحصران الخلق منذ بدء الخليقة حتى قيام الساعة ليدخل فيها المستقدمين ممن خلقهم الله وماتوا ويدخل فيها المستأخرين ممن لم يوجدوا بعد وسوف يخلقهم الله تعالى ثم يميتهم ثم يحييهم ويحشرهم ، ولن يستثنى من ذلك أحد حتى الأنبياء يحشرون مع قومهم  .

وقد بينت السنة حال الناس يوم الحشر فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ r  يَا عَائِشَةُ الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ)[144] ، فهذا الحديث هو المناسب لما في السياق من الحديث الآخرة فهو يتحدث عن حشر الأولين والآخرين يوم القيامة .

 

لكن وقع كثير من علماء الحديث في اضطراب في التفرقة بين حشرين أحدهما يقع في الدنيا قبل قيام الساعة ، والآخر في الآخرة ، فرأيت مناسبة ذكره لزيادة الفائدة ، وذلك لما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ r حَدَّثَنِي أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ :-

  • فَوْجٌ رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ
  • وَفَوْجٌ تَسْحَبُهُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ
  • وَفَوْجٌ يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ يُلْقِي اللَّهُ الْآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا)[145] .

قيل أن المعنى بالنسبة للصنف الأخير مختص بالدنيا[146] ، أي أن الآفة تصير ظهر البعير فلا يبقى منها شيء ، فيحتاج الناس للركوب فيشتري أحدهم الناقة وهي تسمى بذات القتب بمقابل حديقة لسبب أحدهما ندرة البعير فيرتفع ثمنه ، والثاني صعوبة إصلاح الحديقة والعمل عليها ، فيكون ذلك سببا لأن يدفعها ثمنا للناقة .

 

وقيل أن الحديث السابق له أصل في الصحيحين فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ : -

  • رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ
  • وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ
  • وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا)[147].

 

قال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44)

 

بينت الآيات في هذا المقطع كيف تحصل المعصية للأمر الإلهي ، وكيف تكون الاستجابة والطاعة لأمر الله ؟ وبينت أسباب اللعنة الإلهية والطرد من الرحمة ، ووسيلة الشيطان في إغواء بني آدم ، ومن هم عباد الله الذين حفظهم من الشيطان ؟ وما هي أبواب جهنم التي سعرت لأتباع الشيطان ؟ وقبل الاستطراد في إجابة هذه الأسئلة مهد هذا المقطع للموضوع تمهيدا ثانيا ببيان طبيعة خلق الإنسان وخلق الجان ، ودور الملائكة في هذا الموضوع ، تفصيل ذلك على الوجه التالي :-

 

إذ نشأت العداوة والحسد من الشيطان لآدم وذريته ، تلك العداوة أبدية ينفثها الشيطان منذ الولادة حتى قيام الساعة ، وبالرغم من هذه العداوة فإن الله حافظ آدم وذريته من الشيطان الرجيم منذ لحظة ولادته إلى وفاته ، يقول رسول الله r (مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ "وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"[148]

قَالَ رسول الله r (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلَّا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ)[149]

وهكذا يستبين ضعف الشيطان ، فهو لا يملك أن يؤذي مولود لابن آدم إلا أن ينخسه ، كما في قوله (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (آل عمران 111) ، فالشيطان لا يقدر على مواجهة ابن آدم ، ولا قتالهم حتى وهو طفل رضيع ، أي في أضعف حالاته ولا يملك غير هذه الطريقة في الإيذاء الضعيف بأن ينخسه ليصرخ هوينة حتى يأتي الوالدان فيهدئانه ، هذا أقصى ما يستطيع الشيطان فعله ، وهنا يتذكر الوالدين تلك العداوة ، فيشرعا في تحصين ذريتهما من الشيطان الرجيم منذ اللحظة الأولى ويعلماهم ذلك ، فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ)[150]

 

وقد بدا حسد الشيطان للإنسان لما تفاخر بأصل المادة التي خلق منها وقارنها بالمادة التي خلق منها آدم ، ذلك أن مادة خلق الإنسان الطين ، ومادة خلق الجان النار ، أما الملائكة فمن نور ، وعند مقارنة هذه المواد الثلاث نجد أن أثقلها الطين ، والنار أخف من الطين ، لكن النور أسرع وأخف بإطلاق ، بهذا ظن إبليس أنه مفضل على آدم بالنظر إلى المادة التي خلق منها ، فالواجب أن يكون متبوعا لا تابعا له ، أي يكون إبليس هو السيد على الكون ، ويكون آدم مطيعا له ، ولكن الله سبحانه بحكمته في خلق آدم واستخلافه عكس توقعات إبليس ، بل والملائكة كذلك التي ظنت أن الإنسان سوف يسفك الدماء ويفسك في الأرض  ،  فأمر الملائكة بأن تسجد لآدم سجود اتباع وانقياد لأمره ، وبالتبعية الجان ، ولكن إبليس فسق عن أمر ربه واستكبر بالمادة التي خلق منها ، هنا نشأت العداوة بين الإنسان والشيطان ، واستحق اللعن والطرد من رحمة الله ، وعندئذ أقسم الشيطان بإنفاذ هذه العداوة في ذرية آدم أجمعين ، لكنه علم أنه غير مسلط على عباد الله المخلصين ، أولئك الذين جنبهم غوايته ، قال تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) أي أن الله حِفظ عباده الملخصين من سلطان الشيطان الرجيم ، متى خالفوه ولم يتبعوه ، فإن أطاعوه واتبعوه ، فقد غووا وافتتنوا ، ومصيرهم مثله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) ، وبقدر الغواية يستقر أتباعه في إحدى الدركات السفلى من النار التي قسمت إلى سبعة أبواب .

 

المسألة الأولى : تأثير المادة التي خلق منها الإنسان علي نمط حياته

 

قوله (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (26) تفصيل لأصل المادة التي خلق منها الإنسان ، بما يعكس لنا عن صفاته البشرية التي اكتسبها من هذه المادة الثقيلة ، فالصلصال هو مادة الطين الأسود اللزج ، والحمأ الطين الذي تغير بالحرارة ، والمسنون المصبوب أي الذي تشكل في صورة إنسان .

قال أهل اللغة : "الصلصال": "صَوْتَ الصَّنْجِ" [151]، وقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: "مِنْ صَلْصَالٍ " أكثر من معنى لكنها جميعا تدور حول معنى واحد :

  • هُوَ التراب اليابس الّذِي يبل بعد يبسه".[152]
  • هُوَ "الصلصال، الّذِي إِذَا ضربته صلصل".[153]
  • هُوَ التراب اليابس الّذِي يسمع لَهُ صلصلة"[154].

قَالَ ابن منظور: "الصلصال"، الماء يقع عَلَى الأَرْض الطيبة، ثُمَّ يحسر عنها فتيبس، ثُمَّ تصير مثل الخزف الرقاق".[155]

قال الشنقيطي (الصلصال الطين اليابس الذي يصل، أي: يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار، وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مداً فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة )[156]

 

أما (الحَمَأُ): فهو (الطين الأَسود المُنتن) [157]

وقال مجاهد "الصَّلْصالُ" حَمَأٌ مَسْنون ، قال الأَزهري جَعَله حَمأ مسنوناً لأَنه جَعَله تفسيراً للصَّلْصَال ذَهَب إِلى صَلَّ أَي أَنْتَن)[158]

 

"المسنون" : قيل المصبوب المفرغ، أي: (أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها)[159]

قال ابن القيم في قوله "حمأ مسنون" (قيل هو الذي له صلصلة لبيسة ، وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير ، و"الحمأ" الطين الأسود المتغير و"المسنون" المصبوب ، وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول)[160] .

 

قال الشعراوي (الأصل الذي خُلِق منه آدم ، التراب مع الماء يصير طيناً ، فإنْ تعطَّن وتغيَّرَتْ رائحته فهو حمأ مسنون ، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار ، إذن : هذه هي العناصر التي وردت ومراحل خَلْقِ الإنسان ، وكلها مُسمَّيات للتراب ، وحالات طرأتْ عليه) [161]، (والأدلة العلمية على مادة خلق الإنسان مستفيضة)[162].

 

وقد أشار الدكتور عمر عبد الكافي إلى أن تذكير الإنسان بأصل مادة خلقته من طين يجعله لا يتكبر ، فالمتكبر ينسى أن أصله خلق من طين ، وهو آدم ، فعلام التكبر ، ففي قِصَّة المهلب بن أبي صفرة - والي عبد الملك على خُراسان- كان في بعض الأيَّام مُرتدياً ثوباً مِن الخَزِّ "الحرير"، ويسير بكِبرياء في الطريق ويتبختر، فقابله رجل مِن عامَّة الناس، وقال له: يا عبد الله، إنَّ هذه المشية مَبغوضة مِن قِبَل الله ورسوله ، فقال له المهلب: أما تَعرِفني؟ قال: بلى أعرفك... أولك نُطفة مَذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تَحمل العَذرة ، فمضى المهلب، وترك مشيته تلك دون أنْ يتعرَّض للرجل بسوء [163]

 

وخلق الإنسان من طين يعني أن الإنسان مجبول على تلبية حاجات جسده الطينية ، ولكن باعتدال ودون إسراف ، وإلا فسدت هذه المادة ، فالطين يحتاج إلى نسب متوازنة من الماء ، والهواء ، والرطوبة ، والاختلاط بالتراب ، كما يحتاج لحرارة معينة حتى تمتزج تلك المكونات ، ولذلك يشعر بالجوع والشهوة ، فهو بحاجة لتلبية غريزته التي خلقها الله فيه ، وذلك هو مناط الابتلاء ، فالإنسان فيه من الصفات الحيوانية ما يجعله يسير خلف غريزته ، ولكن فيه من الروح ما يجعله يتحكم في تلك الغرائز الشهوات ليلبي حاجته وفق مقاصد الشرع .

 

ولذلك قال ابن القيم (لما أراد الله سبحانه أن يذر نسلهما في الأرض ويكثره وضع فيهما حرارة الشهوة ونار الشوق والطلب وألهم كلا منهما اجتماعه بصاحبه ، فاجتمعا على أمر قد قدر ، فاسمع الآن عجائب ما هناك : لما شاء الرب تعالى أن يخرج نسخة هذا الإنسان منه أودع جسده حرارة وسلط عليه هيجانها فصارت شهوة غالبة فإذا هاجت حرارة الجسد تحللت الرطوبات من جميع أجزاء الجسد وابتدأت نازلة من خلف الدماغ من عروق خلف الأذنين إلى قفا الظهر ثم تخرج إلى الكليتين ثم تجتمع في أوعية المنى بعد أن طبختها نار الشهوة وعقدتها حتى صار لها قوام وغلظ وقصرتها حتى ابيضت وقدر لها مجاري وطرق تنفذ فيها ثم اقتضت حكمته سبحانه أن قدر لخروجها أقوى الأسباب المستفرغة لها من خارج ومن داخل، فقيض لها صورة حسنها في عين الناظر وشوقه إليها وساق أحدهما إلى الآخر بسلسة الشهوة والمحبة فحن كل منهما إلى امتزاجه بصاحبه واختلاطه به ليقضى الله أمرا كان مفعولا، وجعل هذا محل الحرث وهذا محل البذر ليلتقي الماء على أمر قد قدر ، وقدر بينهما تلك الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الحركات لتعمل الحرارة في تلك الرطوبة والفضلة عملها واستخرجها من تحت الشعر والبشر والظفر لتوافق نسخة الأصل ويكون الداعي إلى التناسل في غاية القوة فلا ينقطع النسل ) [164]

 

يستفاد مما ذكره ابن القيم أن الإنسان مجبول على حب ما زين له من الشهوات لأجل أن يكون مدفوعا ومقهورا لأن يتناسل بالزواج الشرعي ، ولولا هذه الغريزة لما أقدم على أعباء الزواج وتحمل تكاليفه ، قال تعالى (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ) (14) .

ولا إشكال أن يقع في قلب الإنسان حب ما زين له من متاع الدنيا  ما لم يستغرق حبها حب ما يرضاه الله له ، فيطغْى بحبها علي حب ما هو خير منها ، ولذلك قال رسول الله r (حُبِّبَ إليَّ من الدنيا النساءُ والطِيب..)[165]، قال تعالى (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (15) ، ولذلك قال رسول الله r (..وجُعِلتْ قُرَّة عيني في الصلاة)[166].

المسألة الثانية : تأثير المادة التي خلق منها الجان على سلوكه ونمط عيشه

 

قوله (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ) (27) بين طبيعة المادة التي خلق منها الجان أي في الأصل ، قبل أن يحدث بينهم التناسل ، أي أن الجان أبو الجن [167]خلق من نار السموم ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ[168] مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ)[169].

 

قال الفوزان (الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه)[170]، قال تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (27) ، ومعلوم أن الشيطان من الجان لقوله تعالى (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)(الكهف 50) .

 

وبناء على هذه الطبيعة غير المستقرة للنار على هيئة محددة وشكل معين ، أضحى الجن قادرا على التشكل بحكم طبيعته النارية غير الثابتة على هيئة واحدة ، ومن المعلوم أن للجن قدرة أن يتشكل على هيئة بشر كما في حديث أبي هريرة وتمر الصدقة ، وكما أتى الشيطان قريشا فى صورة سراقة بن مالك بن جعشم لما أرادوا الخروج إلى بدر .... وكما روى أنه تصور فى صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة هل يقتلوا الرسول أو يحبسوه أو يخرجوه .

 

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ : "جَاءَ إِبْلِيسُ فِي جُنْدٍ مِنَ الشَّيَاطِينَ، وَمَعَهُ رَايَةٌ فِي صُوَرِ رِجَالٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، وَالشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ :  " لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ " ، وَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَآهُ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، انْتَزَعَ إِبْلِيسُ يَدَهُ وَوَلَّى مُدْبِرًا وَشِيعَتُهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا سُرَاقَةُ، أَتَزْعُمُ أَنَّكَ لَنَا جَارٌ ؟ فَقَالَ :  " إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ"[171].

وعن رفاعة بن رافع قال : لما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال : إني أسألك نظرتك إياي وخف أن يخلص إليه القتل فأقبل أبو جهل بن هشام فقال : يا معشر الناس لا يهزمنكم خذلان سراقة إياكم فانه كان على ميعاد من محمد r ولا يهولنكم قتل عتبة وشيبة والوليد فانهم قد عجلوا)[172].

كما ثبت تلبس إبليس في صورة مسكين يأكل من تمر الصدقة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ r بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَقَالَ النَّبِيُّ r صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ)[173].

 

وكما أن للجن قدرة على التشكل في صورة إنسان ، فإنه–كذلك- يتشكل في صورة حيوانات وغير ذلك ، قال رسول الله r (الجن ثلاثة أصناف :-

  • صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء
  • وصنف حيات وكلاب
  • وصنف يحلون ويظعنون )[174] ، فالصنف الأخير أي (يقيمون ويرحلون) [175] .

 

قال ابن تيمية (الْكِلَابِ وَالْجِنُّ تَتَصَوَّرُ بِصُورَتِهِ كَثِيرًا ، وَكَذَلِكَ صُورَةُ الْقِطِّ الْأَسْوَدِ ؛ لِأَنَّ السَّوَادَ أَجْمَعُ لِلْقُوَى الشَّيْطَانِيَّةِ مِنْ غَيْرِهِ وَفِيهِ قُوَّةُ الْحَرَارَةِ)[176]

وصنف (حيات وكلاب) هم سكان البيوت الذي نهى الشرع عن قتلهم .

 روي عن ابْنُ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ حَتَّى حدِّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ فَأَمْسَكَ)[177]

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ قَدْ أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ)[178] .

قال المازري (لاتقتل حيات مدينة النبي r إلابإنذارها كما جاء فى هذه الأحاديث فإذا أنذرها ولم تنصرف قتلها ، وأما حيات غير المدينة فى جميع الأرض والبيوت والدور فيندب قتلها من غير إنذار لعموم الأحاديث الصحيحة فى الأمر بقتلها ، ففى هذه الأحاديث اقتلوا الحيات ، وفي الحديث الآخر (خمس يقتلن فى الحل والحرم منها الحية) ولم يذكر إنذارا ، وفي حديث الحية الخارجة بمنى أنه r أمر بقتلها ولم يذكر إنذروها ، قالوا فأخذ بهذه الأحاديث فى استحباب قتل الحيات مطلقا ،وخصت المدينة بالإنذار للحديث الوارد فيها ، وسببه صرح به فى الحديث أنه أسلم طائفة من الجن بها)[179].

 

 أما بخصوص اتصال عالم الجن بعالم الإنس ، فإنه يتخذ طرق عدة ، يقول الدكتور عمر الأشقر (أحياناً تأتي الشياطين الإنسان لا بطريق الوسوسة ، بل تتراءى له في صورة إنسان ، وقد يسمع الصوت ولا يرى الجسم ، وقد تتشكل بصور غريبة ، وهي أحياناً تأتي الناس وتعرفهم بأنها من الجن ، وفي بعض الأحيان تكذب في قولها فتزعم أنها من الملائكة ، وأحياناً تسمِّي نفسها بـ " رجال الغيب " ، أو تدَّعي أنها من عالم الأرواح ، وهي في كل ذلك تحدث بعض الناس وتخبرهم بالكلام المباشر ، أو بواسطة شخص منهم يسمَّى "الوسيط" ، تتلبس وتتحدث على لسانه ، وقد تكون الإجابة بواسطة الكتابة ، وقد تقوم بأكثر من ذلك فتحمل الإنسان وتطير به في الهواء وتنقله من مكان إلى مكان ، وقد تأتي بأشياء يطلبها، وقد ذكر القدامى والمحدثون من هذا شيئا كثيراً لا مجال لتكذيبه والطعن فيه لبلوغه مبلغ التواتر)[180].

 

وليس أدل على قدرة الجن على الانتقال والنقل للأشخاص والجمادات من مكان لمكان آخر ما ذكر في قصة سليمان ومملكة سبأ ، لما قال (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) (النمل39).

 

المسألة الثالثة : تكليف المكلفين بالانصياع لآدم كخليفة في الأرض

 

قوله (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) بين الله للملائكة طبيعة المادة التي خلق منها آدم ، ليكونوا شهداء على قدرة الله تعالى بأنه سبحانه خلقه من تلك المادة المهينة ليكون خليفة في الأرض ويُحمل بالرسالة .

 

 وأمر الله الملائكة -التي خلقت من نور - بالسجود لآدم- الذي خلق من طين- ، القصد من السجود لآدم تعظيم الله في قدرته فيمن خلق بيده ، وإقرار لآدم باستخلافه في الأرض ، وتضمن -كذلك- تحية له وتشريفا ، وليس سجود عبادة ، فهم بتنفيذ هذا الأمر يعبدون الله ، فيجعلون آدم قبلتهم ، قال الشعراوي (أمر السجود لآدم.. كأمر الله لنا بالسجود إلى القبلة فى الصلاة ، فنحن لا نسجد للقبلة ذاتها.. ولكننا نسجد لأمر الله بالسجود إلى القبلة..)[181]، قال النيسابوري (أجمع المسلمون على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه تعالى لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر ، فزعم بعض أن السجود كان لله تعالى وآدم كالقبلة ..، وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل (والنجم والشجر يسجدان ) [ الرحمن : 6 ] )[182]، وكلا الرأيان عندي محتمل وصواب.

 

قوله (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) أي إذا أتممت خلقه ، فالمقصود بالتسوية تهيئة خلقه للقيام بتكليف الخلافة ، قال ابن عاشور (التسوية جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادلا ومناسبا للأعمال التي في جبلته) ، وضرب على ذلك مثالا فقال (فاعوجاج زباني العقرب من تسوية خلقها لتدفع عن نفسها به بسهولة)[183].

 

ونفخ الروح دليل على أن الإنسان روح وجسد ، فلا يستقل أحدهما عن الآخر ، وقد بين الله لنا طبيعة الجسد بأنه من طين ، ولم يبين لنا طبيعة الروح ، وماهيتها ، وهل تميل إلى النور مثل الطبيعة الملائكية أم ماذا ؟ ، فليس ثمة دليل من القرآن أو السنة يبين لنا أصل الروح ومن أي مادة هي ؟ وهل هي مادة أم ماذا ؟ فقد استأثر الله بعلم ذلك ، قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء 85).

 

وقد علمنا أن الله ينفخ الروح في جسد الجنين وهو في بطن أمه بعدما يمضي على اللقاح (الزيجوت) بتخصيب البويضة مائة وعشرين يوما ، قَالَ رسول الله r (إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ..)[184].

 

وقد علمنا عن الروح أنها تخرج من الجسد عند النوم ، قال تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر42) ، وقَالَ النَّبِيُّ r (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ)[185].

 

كما علمنا أن الأرواح تتآلف بالتعارف والمحبة ، قال رسول الله r (الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)[186]، قال ابن الأثير (ولهذا ترَى الخَيّرَ يُحبُّ الأخيارَ ويَميل إليهم ، والشِّرِّيرَ يُحِبُّ الأشرارَ ويَمِيل إلَيْهم)[187]، ولذلك قيل «إن الأرواح خلقت قبل الأجسام ، فكانت تلتقي وتلتئم، فلما حلت بالأجسام تعارفت بالأمر الأول، فصار تعارفها وتناكرها على ما سبق من العهد المتقدم، فتميل الأخيار إلى الأخيار والأشرار إلى الأشرار»[188].

 

قوله (فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (29) قال أهل اللغة (الإتيان بفاء التعقيب للإشعار بأن سجودهم له واجب عليهم عقب التسوية والنفخ من غير إبطاء أو تأخير)[189] ، (وهذا نوع من تكريم الله - تعالى - لعبده آدم - عليه السلام - ، وله - سبحانه - أن يكرم بعض عباده بما يشاء ، وكيف شاء)[190] .

 

قال ابن عاشور (ومعنى "فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" اسقطوا له ساجدين، وهذه الحال لإفادة نوع الوقوع، وهو الوقوع لقصد التعظيم، كقوله تعالى: "وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً" [يوسف 100] وهذا تمثيل لتعظيم يناسب أحوال الملائكة وأشكالهم تقديرا لبديع الصنع والصلاحية لمختلف الأحوال الدال على تمام علم الله وعظيم قدرته)[191] ، قال القرطبي (فإن في الوقوع توضيع الواقع، وتشريفا لمن وقع له)[192].

 

فهذا السجود جاء بمناسبة إتمام خلقه لقوله (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ)[193] ، فلما وهب الله لهذا الجسد الروح أمر سبحانه الملائكة بالسجود فورا تقديرا لما خلق بيده ، ، ولذلك قال تعالى (خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص 75) ، فلولا الروح لما كان لهذا الجسد هذا التشريف والتكريم .

 

فالله يباهى ملائكته - سبحانه - بخلق الإنسان ، فبالرغم من ثقل المادة التي خلق منها –التي قد تجعله يميل إلى الكسل والحياة الحيوانية والشهوة - إلا أنه ينهض من فراشه لعبادة ربه ، ويناجيه ، ويصوم عن شهوتي البطن والفرج طاعة لله ، ويتصدق وينفق ، ويحج فيباهي الله بهم ملائكته يوم عرفة ، ويباهي بالطائفين ..الخ ، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة منها ما يلي :-

 

  • قوله r (إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم : انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا)[194]
  • وعنه r قال (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ)[195].
  • وعنه r قال (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)[196]
  • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ أَبْشِرُوا هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى)[197]
  • عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله r (إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز وجل ، فإذا كان يوم عيدهم يعني يوم فطرهم باهى بهم ملائكته فقال : يا ملائكتي ما جزاء أجير وفَّى عمله قالوا : ربنا جزاؤه أن يؤتى أجره قال : يا ملائكتي عبيدي وإمائي قضوا فريضتي عليهم ثم خرجوا يعجون إلي بالدعاء وعزتي وجلالي وكرمي وعلوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم فيقول ارجعوا فقد غفرت لكم وبدلت سيئاتكم حسنات قال : فيرجعون مغفورا لهم )[198].

 

قَالَ المباركفوريّ: قيل: (معنى المباهاة بهم أن الله تعالى يقول لملائكته: انظروا إلى عبيدي هؤلاء، -الذاكرون المصلون الحجاج إلى بيت الله، الطائعون- كيف سلّطتُ عليهم أنفسهم، وشهواتهم، وأهويتهم، والشيطان وجنوده، ومع ذلك قَوِيت همّتهم عَلَى مخالفة هذه الدواعي القويّة ..، -خالفوها- فاستحقّوا أن يُمدحوا أكثر منكم؛ -أي أكثر من الملائكة-؛ لأنكم لا تجدون للعبادة مشقّة بوجه، وإنما -العبادة بالنسبة لكم أيها الملائكة- هي منكم كالتنفّس منهم، ففيها غاية الراحة، والملائمة للنفس)[199].

 

قوله (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) (30) سجدوا بمعنى أقروا بخلافته على الأرض ، وواجبهم تجاهه بالتأييد والنصرة ، وأن يعينوه ببلاغ الرسالة والنصح والإرشاد والإلهام ، والمحاربة معه كما في قوله (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران 125) ، وهكذا يمد الله أولياءه بالملائكة ليكونوا لهم عونا ونصيرا .

 

المسألة الرابعة : كيف تحصل المعصية للأمر الإلهي ؟

 

قوله (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (31) المعصية تحصل بمجرد عدم تنفيذ الأمر الإلهي ، وقد حصل ذلك من إبليس بعد فارق الساجدين ، وعاند أمر الله ، بعظم نفسه ، حتى جعل من ذاته ندا لله ، فشرع لنفسه طريقا بمخالفة شرع ربه ليرضي غروره وكبرياءه ، ورسم لنفسه خطوات يسترضي بها هواه ، مستغنيا عن خالقه في ظنه ، ولذلك قيل (إن مخالفة إبليس لله كانت كفرًا من وجهين:-

 أحدهما: أنه رفض أمر الله وتَكَبَّر .

 وثانيهما: أنه نسب الظلم لله بتفضيل آدم عليه، والسجود له) [200].

 

قال الزمخشري (فإن قلت : كيف استثنى إبليس من الملائكة وهو من الجنّ؟ قلت : قد أمر بالسجود معهم فغلبوا عليه في قوله : " فَسَجَدَ الملائكة" ثم استثنى كما يستثنى الواحد منهم استثناء متصلاً )[201].

 

قوله سبحانه (مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (32) عاتب الله إبليس عن إيبائه السجود مع الملائكة ، والتخلف عن تنفيذ أمر الله ، كدليل للرحمة ، فهو سبحانه لم يباغته بالعقوبة ، وإنما حاسبه في الدنيا ليتيح له التوبة بأن يرجع عن معصيته ، ولكنه أصرَّ على العناد ولم يتُب، بل لم يفكِّر في التوبة، وطلب من الله أن يُطيل عمره إلى يوم القيامة حتى يثأر من آدم وذريَّته ، ليستكمل حقده وحسده ، وينفذ شره عليه .

 

 فهذا العتاب من الله هو الذي جعل الشيطان يبكي فيما بعد ، إذ يجدر التنويه إلى أنه في ختام هذه السورة أمر الله نبيه محمد r بالسجود فقال (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (98) بذلك استبان الفارق بين شيطان أبى السجود ونبي أمر بالسجود فسجد لله سبحانه ، يقول النبي r (إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا وَيْلَهُ) وَفِي رِوَايَةِ (يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ)[202].

 

المسألة الخامسة : رد  إبليس هو سبب اللعنة الإلهية والطرد من الرحمة

 

 قوله (قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (33) لم يكن رد إبليس على ربه ينم عن ندم أو بكاء على ذنبه وخطئه ، مثلما حصل لآدم لما أخطأ سارع بالتوبة فتاب الله عليه ، كما في قوله (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) ، بل كان رد فعل إبليس فور المعصية ينم عن كبر وعناد ، وذلك هو سبب إنزال اللعنة به  ، يقول النبي r (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)[203]، فالكبر الذي ملأ صدر إبليس نبع من الحقد على آدم ، من هنا نعلم أن الحسد أساس الفساد ومنبع كل الشرور ، يقول النبي r (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[204].

 

ثم إن الاستمرار في المعصية وعدم الإقبال على التوبة كاف لوجوب اللعنة وعدم قبول التوبة ، لاسيما حين يحصل العتاب والحساب ولا يقابل ذلك بالندم ، ذلك أن إبليس لما عاتبه ربه وحاسبه أصر على المعصية والعزم على الانتقام من آدم وذريته وغوايتهم أجمعين إلا من استثنى الله سبحانه ، قال العز بن عبدالسلام "الإصرار على الذنوب يجعل صغيرها كبيرًا في الحكم والإثم ، فما الظن بالإصرار على كبيرها" ، وذلك تأكيدا على ما في قلبه من كبر ، قال رسول الله r (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)[205] .

 

قوله (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) (34) قال ابن جرير الطبري أي (من الجنة) [206]، ولم تكن تلك الجنة دار جزاء ولا دار ابتلاء ، بل كانت دار تعليم وتدريب وتأهيل استعدادًا لدار الابتلاء ، لأن دار الابتلاء يعقبها جزاء ، ودار الجزاء لا خروج من نعيمها أبدا ، وقيل هي موضع في السماء بدليل أن الخروج منها ذكر بلفظ الهبوط كما في قوله قوله: (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [الأعراف13] ، قال الشنقيطي (وبين تعالى في "الأعراف" أنه خروج هبوط ، وأنه يخرج متصفاً بالصغار والذل والهوان)[207].

 

وفي تحرير معنى كلمة (رجيم) قال أبو القاسم  "رجم" : الرُجام الحجارة ، والرجم الرمي بالرجام ، يقال رجم فهو مرجوم ، قال تعالى : " لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين" ، وقال : " ولولا رهطك لرجمناك" ، وقال "إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم" ، وقوله تعالى : "لأرجمنك واهجرني مليا" ، وقد أمر الله بالاستعاذة به منه فقال  (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) [208].

 

قال ابن عاشور (والفاء في "فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" دالة على سبب إخراجه من السماوات، و"إن" مؤذنة بالتعليل، وذلك إيماء إلى سبب إخراجه من عوالم القدس، وهو ما يقتضيه وصفه بالرجيم من تلوث الطوية وخبث النفس، أي حيث ظهر فيك هذا ، فقد خبثت نفسك خبثا لا يرجى بعده صلاح ، فلا تبقى في عالم القدس والنزاهة)[209].

 

فوصفه بأنه رجيم ، يعني أنه لا يستطيع الصعود للسماء مرة أخرى ، حيث تتبعه الشهب ، فمعنى أنه رجيم أي أنه مطرودا عن منازل الملإ الأعلى ، كما في قوله (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ)  (الملك 5) ، قال القرطبي في قوله "فَإِنَّكَ رَجِيمٌ " أي (مرجوم بالكواكب والشهب)[210] .

 

قوله (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (35) "اللعنة" دليل على امتناع وقوع التوبة منه في الدنيا أبدا ، فهذا إخبار من الله بعلمه القدري بذلك ، وكذلك كل كافر طُبع عليه بالكفر فهو ملعون ، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (الأحزاب 65) ، وكذلك المنافقون المتمردون على النفاق (مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) (الأحزاب61) .

 

أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر في مكايد الشيطان عن أبي العالية قال : لما رست السفينة سفينة نوح عليه السلام إذا هو بإبليس على كوتل السفينة . . . ! فقال له نوح عليه السلام : ويلك قد غرق أهل الأرض من أجلك . ؟! قال له إبليس : فما أصنع؟ قال : تتوب . قال : فسل ربك هل لي من توبة؟ فدعا نوح ربه ، فأوحى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم . قال : قد جعلت لك توبة قال : وما هي؟ قال : تسجد لقبر آدم ، قال : تركته حياً وأسجد له ميتاً؟![211] .

 

وسبب اللعن –في الآخرة- أن الكافر الذي يموت على الكفر لو عاد إلى الدنيا ، لقارف الذنب مرة أخرى ،ولما انتهى عن ذلك ، قال سبحانه (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام 28).

 

المسألة السادسة : لماذا لم يعاجل الرب الشيطان بالعقوبة

 

قوله (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (38) أنظره الله ولم يعاقبه فور معصيته ، بل جعل وقتا لإبليس ينتظره لقيام الساعة ، وفي ذلك دليل دامغ على كذبه لما أغوى آدم بالأكل من الشجرة بأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فهو نفسه يسأل ربه ألا يبلى ، وأن ينظره إلى يوم قيام الساعة ، لعلمه أنه سوف يبلى ويفنى ، وقد أشار الشعراوي إلى هذا المعنى في تفسيره .

 

قوله (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) (38) دليل على عدل الله تعالى مع إبليس لأنه قبل هذه المعصية كان إبليس عابدا ، بدليل أن الله كلفه بالسجود مع الملائكة ، لكنه أبى ، فأراد الله أن يجزيه عن عبادته له في الدنيا حتى لا يكون له منها نصيب في الآخرة ، فلعل الإنظار لهذا السبب -كذلك- ، فالله تعالى لا يضيع أجر العاملين حتى لو كان إبليس،  قال رسول الله r (الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)[212]

 

فضلا عن ذلك فإن إنظار إبليس لحكمة عامة ، وهي أن يكون سببا للابتلاء واختبار آدم وذريته ، كما في قوله (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ)[سبأ 21] ، فحكمته مقتضية لابتلاء العباد واختبارهم ليتبين الصادق من الكاذب ومن يطيعه ومن يطيع عدوه أجابه لما سأله.

 

المسألة السابعة : وسيلة الشيطان في إغواء بني آدم

 

قوله (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (39) قال القرطبي مذهب أهل السنة أي أن (الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر؛ ولذلك نسب الإغواء في هذا إلى الله تعالى. وهو الحقيقة، فلا شيء في الوجود إلا وهو مخلوق له، صادر عن إرادته تعالى) [213] ، وهو ما أكده نوح عليه السلام حيث قال لقومه: (وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [هود: 34] .

 

قال الحوالي (نسب الغواية إلى الله، وهو الذي غوى، والله إنما قدر، لكن إبليس هو الذي غوى، وفسق عن أمر ربه وعصى)[214]، واستشهد بما روي عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ أَهْلِ النَّارِ قَالَ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ قِيلَ فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)[215]، وقال (فعلامة الشقي أنه ميسر له عمل أهل الشقاوة، وعلامة السعيد أنه ميسر له عمل أهل السعادة، وهو الذي يختار ذلك، لكن لا يحتج بما قد كتب، وهو لا يدري ماذا قد كتب) [216].

 

من هنا استبان أن الغواية إذا حصلت فإنها تحصل بحقها ، ولا ظلم للإنسان في ذلك ، قال تعالى "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ" [النحل36] ، قال ابن القيم (عُلم أن الله لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم)[217].

 

قوله (..لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) (39) (فالشيطان يغري الإنسان بالمعصية ويزينها له ويخفي عنه عواقبها ويهونها عليه حتى إذا باشرها ووقع فيها تخلى عنه وتركه للندم والحسرة)[218] ، قال تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الأنعام 43) ، وقال في قصة بلقيس (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (النمل  24) .

 

وانظر إلى الطريقة إبليس في الإغواء وهي تزيين الباطل عن طريق إبهار الناس به ، فالإبهار يقلب الحقائق ، ويزيف الأشياء ، ويشوّش المفاهيم ، قال تعالى  (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (38)

 

 كما أغر التزيين المبهورين بقوتهم وعزتهم ، كما حصل من عن كفار قريش يوم بدر ، قال تعالى (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ * فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال 48) .

 

قوله (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (40) علم إبليس أنه غير ممكن من إغواء عباد الله المخلصين ، فاستثناهم من قسمه وعزمه .

فقيل من أين لإبليس العلم بالعواقب ؟ حتى يقول ولأضلنهم ولأغوينهم ولأمنينهم ولآمرنهم؟  وقال في الاعراف (ولا تجد أكثرهم شاكرين) وقال في بني إسرائل (لأحتنكن ذريته إلا قليلاً) فالجواب أن هذا هو ظنه ، كما قال تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه)[219].

 

وقد سرد الإمام الشنقيطي الآيات التي تتحدث عن عباد الله المخلصين ، فقال المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً) [الإسراء62]، وقوله (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [سبأ 20]، وهم الذين احترز منهم بقوله (وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف17]، وبين تعالى أن الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين كقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) [الحجر/42]، وقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) [النحل/99-100][220] .

 

وليس معنى أنهم عباد الله المخلصين أنهم لا يذنبون ، بل يقع منهم الذنب والتوبة معا ، عَنْ النَّبِيِّ r فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)[221]، أي متى عملت ذنب واتبعته بتوبة فقد صدر منك الإقرار بالالوهية والربوبية ، أي متى ظل على ذلك غفر له ، ودخل في صفة "العبودية" لله ،وأضحى من المخلصين .

 

وقال رسول الله r (ما من عبد مؤمن إلا وله ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة أو ذنب هو مقيم عليه لا يفارقه حتى يفارق إن المؤمن خلق مفتنا توابا نسيا إذا ذُكِّر ذَكَر)[222]، قال العلماء والمعنى: (أنَّ كلَّ مؤمنٍ لا مَحالةَ واقعٌ في الأمْرِ، وهذا مِن بابِ النَّقصِ الإنسانيِّ الذي يَعتَري كلَّ البَشرِ) )[223]

قوله "يَعتادُه الفَينَةَ بعدَ الفَينَةَ"، أي: يُقلِعُ عن الذَّنبِ، ثُمَّ يُعاوِدُه، فيَقَعُ فيه حينًا بعدَ آخَرَ، ويَفعَلُه على سَبيلِ العادةِ المُتقطِّعةِ

قوله "أو ذَنبٌ هو مُقيمٌ عليه، لا يُفارِقُه"، فهو دائمُ الوُقوعِ فيه، وهذا مِن بابِ الغَفلةِ

قوله "حتى يُفارِقَ الدُّنيا"، أي: يكونُ على تلك الحالِ حتى يَأتيَه المَوتُ

قوله "إنَّ المؤمنَ خُلِقَ مُفتَّنًا"، أي: مُمتحَنًا يمتحِنُه اللهُ بالبَلاءِ والذُّنوبِ والفِتَنِ

قوله "توَّابًا"، يُكثِرُ مِن التَّوبةِ إلى اللهِ بعدَ كلِّ ذَنبٍ

قوله "نَسيًّا"، أي: أنَّه يَنسى بعضَ ما يجِبُ فِعلُه كما نَسيَ أبوه آدَمُ مِن قبلُ، ولكنَّه مع ذلك، "إذا ذُكِّرَ؛ ذكَرَ!"، والمُرادُ أنَّه إذا ذُكِّرَ باللهِ وعِقابِه؛ تذكَّرَ فيَرجِعُ عن ذَنبِه، فيَكونُ المعنى: أنَّه يَتوبُ، ثُمَّ يَنسى فيَعودُ، ثُمَّ يَتذكَّرُ فيَتوبُ، فكلَّما وقَعَ في الذَّنبِ؛ لم يَيأَسْ، بل يُسرِعُ الرُّجوعَ بالتَّوبةِ إلى اللهِ)[224] .

 

المسألة الثامنة : من هم عباد الله الذين حفظهم من الشيطان

 

قوله (قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) (41) هذا القول خبري صادر من الله يخاطب به الشيطان الرجيم ، يؤكد صحة ظنه واستثناء عباده المخلصين من غواية الشيطان ، بأن (الإخلاص طريق عليَّ وإليَّ، لأن المخلص يدل على الإخلاص)[225] ، أي (طريق علي وإلي يؤدي إلى كرامتي ورضواني)[226] قال ابن جوزي (إِن الإِخلاص طريق إِليَّ مستقيم ، و«عليَّ» بمعنى «إِليَّ»)[227] ، وقال الطبري بمعنى: (هذا طريق إليّ مستقيم)[228]، قال ابن عجيبة (الإشارة تعود إلى نجاة المخلصين ، و إلى العبادة والإخلاص ، أي : هذا الطريق الذي سلكه أهل الإخلاص في عبوديتهم هو طريق وارد عليَّ ، وموصل إلى جواري ، لا سبيل لك على أهله؛ لأنه مستقيم لا عوج فيه)[229].

 

قال ابن القيم (قرر الله عز وجل ذلك أتم التقرير وأخبر أن الإخلاص صراط عليه مستقيم فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصراط لأنه صراط علي ولا سبيل لإبليس إلى هذا الصراط ولا الحوم حول ساحته فإنه محروس محفوظ بالله فلا يصل عدو الله إلى أهله)[230]، وقد تأول البخاري فقال (الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللَّهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ)[231].

 

قال ابن تيمية (سبيل الحق والهدي هو الصراط المستقيم ، وهو الذي يسعد أصحابه، وينالون به ولاية الله ورحمته وكرامته فيكون الله وليهم دون الشيطان ، وهذه سبيل من عبد الله وحده وأطاع رسله؛ فلهذا قال (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) ، (وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ) ،(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ) فالهدي، وقصد السبيل، والصراط المستقيم، إنما يدل على عبادته وطاعته ، لا يدل على معصيته وطاعة الشيطان ، فالكلام تضمن معني الدلالة، ..فكأنه قيل : الصراط المستقيم يدل على الله ـ على عبادته وطاعته ،وذلك يبين أن من لغة العرب أنهم يقولون : هذه الطريق على فلان،إذا كانت تدل عليه، وكان هو الغاية المقصود بها)[232].

 

 قوله (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) قال ابن القيم (فالخلق كلهم عبيد ربوبيته ، وأهل طاعته وولايته هم عبيد إلهيته)[233].

وينسب إلى الشافعي قوله :-

ومما زادني شرفا وفخرا ... وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك "يا عبادي" ... وأن أرسلت أحمد لي نبيا

فقد حرز الله عباده من سلطان الشيطان الرجيم ، فعنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ r فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثُمَّ قَالَ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ ثَلَاثًا وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُلْتُ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)[234]

 

وعباد الرحمن الذين هم في حرز من الشيطان هم الذين ذكرهم النبي r في قوله (مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَانَ لَهُ عِدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنْ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ)[235].

 

وقد بينت آيات سورة الفرقان صفات عباد الله تعالى الذين أختصهم سبحانه بالولاية وجعلهم في حرز من الشيطان الرجيم ، فقال سبحانه (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ ، وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) (الفرقان 68)

 

قوله (إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) (42) أي أنه من لم ينتهج نهج عباد الرحمن فإنه يضل عن الحق ، فإن ضل فالضلال صفة مؤقتة ، فإما أن يرشد ويعود إلى نهج عباد الرحمن ، وإما أن يمعن في الضلال ويسير في طريق الشيطان فيقع في غوايته ، فإذا ظل متبعا له صار الشيطان له قرينا ، وساء قرينا ، قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (الزخرف 37) .

 

قال ابن القيم (فالغاوي ضد الراشد)[236] قال تعالى (وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا) ، (فالغَوِيّ هو الممعن في الضلال) ، قال ابن تيمية (الغَوِيّ هو من عرف الحق ويعمل بخلافه كاليهود)[237]، أو (عرف الحق ولم يعمل به)[238]،

 

قال الغنيمان (والناس ثلاثة أصناف: راشد، وغاوٍ، وضال :-

 فالراشد الذي عرف الحق واتبعه وعمل به ، قال تعالى (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات 7)

 والغاوي هو الذي عرف الحق فتركه وجانبه قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)

والضال هو الذي لم يعرف الحق فهو يتخبط في ضلاله) [239]، واتباع الهوى هو سبب الضلال غالبا ، قال تعالى (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (56).

 

وفي تحرير الفرق بين الغواية والضلال: قال النيسابوري عند تفسير قوله تعالى: " ما ضل صاحبكم وما غوى " (الظاهر أن الضلال أعم، وهو أن لا يجد السالك مقصده طريقا أصلا ، والغواية: أن لا يكون المقصد طريقا، فكأنه - سبحانه - نفى الأعم أولا، ثم نفى عنه الأخص، ليفيد أنه على الجادة، غير منحرف عنها أصلا)[240].

قال ابن الخطيب : (وتحقيق القول فيه أن الضلال أعمّ استعمالاً في الوضع ، تقول : ضَلَّ بَعِيرِي ورَحْلِي ولا تقول غيَّ؛ فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً ، والغواية أن لا يكون له طريق إِلَى القصد مستقيم)[241]

 

ولذلك لم يقل (إلا من اتبعك من الضالين) لأن الضلالة – بمفهومها الخاص وليس العام - صفة طارئة بين صفتي الرشاد والغواية ، قال تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) (الضحى 7) ،وقال تعالى (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة 198) ، وكذلك اعتذر موسى من قتل القبطي خطأ فقال (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) (القصص20) ، فالضال إما أن يهتدي ويرشد للإيمان ، وإما أن يسير في غواية الشيطان فيصير ممعنا في الضلال ، ويكون من الغاوين.

 

المسألة التاسعة : أبواب جهنم التي سعرت لأتباع الشيطان

 

قوله (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) (43) قال الواحدي (يريد : إبليس ومَنْ تبعه من الغاوين)[242]

وروي أنَّ سلمان الفارسيِّ رضي الله عنه لما سمع قوله تعالى : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر : 43] مَرَّ ثلاثةُ أيَّام من الخوفِ لا يعقلُ ، فَجيء به إلى رسول الله r  فسأله ، فقال : يا رسول الله ، نزلت هذه الآية : (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الحجر : 43] : فوالذي بعثك بالحق نبيًّا ، لقد قطعت قلبي فأنزل الله تعالى (إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ)[243] .

 قَالَ النَّبِيَّ r (نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا وَاللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا)[244] .

 

قوله (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (44) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)[245] قال العلماء (فأعلاها : جهنم ، وهي للمذنبين من الموحدين ، ثم لظى لليهود ، ثم الحُطمة للنصارى ، ثم السعير للصابئين ، ثم سقر للمجوس ، ثم الجحيم للمشركين ، وكبيرهم أبو جهل ، ثم الهاوية ، وهي الدرك الأسفل ، للمنافقين ، وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة ، بجهنم) [246].

 

ومن اللطيف أن نذكر  أن السورة سردت سبعة موانع من الإيمان (الإسراف في الشهوات - طول الأمل في الدنيا  -الاستهزاء بأهل الحق ومجادلتهم بالباطل – الكبر – الغواية - الإجرام بإتيان الفواحش – الظلم للعباد - العناد والغرور والعمى) ، وذُكِر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ:" "  لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ  " ، قَالَ: جهنم، والسعير، ولظى، والحطمة، وسقر، والجحيم، والهاوية وهي أسفلها"[247]، وكل هذه الأسماء موجودة في القرآن الكريم.

 

وعند التأمل نجد الارتباط بين تلك الأبواب والأسباب التي أوقعت هؤلاء في جهنم ولكل باب منها صنف من العذاب [248] ، قال ابن عجيبة (أعلاها : جهنم ، وهي للمذنبين من الموحدين ، ثم لظى لليهود – وهو المغضوب عليهم- ، ثم الحُطمة للنصارى –وهم الضالون- ، ثم السعير للصابئين ، ثم سقر للمجوس ، ثم الجحيم للمشركين ، وكبيرهم أبو جهل ، ثم الهاوية ، وهي الدرك الأسفل ، للمنافقين ،وعبَّر في الآية عن النار؛ جملة ، بجهنم)[249] .

أولا : جهنم، قال الله تعالى) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا*  لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ((النبأ 21-22) ، وقيل هي مختصة بالموحدين الذي طغوا في الميزان فيصلون نارا ثم إذا ذهبت سيئاتهم ومحصوا خرجوا منها .

ثانيا : السعير، وقال تعالى (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ( (الشورى7) ، وقال تعالى (كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (الحج4) ، وقال تعالى إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (فاطر6) .

وهذا العذاب هُدد به مردة الجن على وجه الخصوص كعذاب مسلط عليهم في الدنيا ويمتد للآخرة ، قال تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) ، وقال (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ) (12)

 

ثالثا : لظى، وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)(المعارج 16-15) ، وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (الليل 14-16)

رابعا : الحطمة، وقال تعالى (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ( (الهمزة: 6-4) ، وهذا العذاب مخصوص به الهمزة واللمزة قال تعالى (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) (3) .

خامسا :  سقر، قال تعالى (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ( (المدثر:28:26) وقال تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر 46) .

سادسا : الجحيم، وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ( (الشعراء:91:90) ، وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (10) .

سابعا : الهاوية وهي أسفلها أي الدرك الأسفل من النار ، قال تعالى)وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ  *وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)(القارعة 11-8)، قال ابن كثير"هَاوِيَةٌ "(وهي اسم من أسماء النار) ، والهاوية ، هي لقوم لوط (والمؤتفكة أهوى) ، وكذلك المنافقون الظالمون والآكلون لحقوق الناس، قال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).

 

فلما كان الكفر كله ملة واحدة ، وأبواب النار السبعة تتدرج في الشدة بحسب أعمال الكفار ، وقد بينت السنة النبوية أن الكافر الذي يحسن العمل يجزى به في الدنيا حتى لا يكون له نصيب من العمل في الآخرة ، ويخال لي أن درجته في النار أقل عذابا ممن لا يحسن العمل ، كالصدقة وإعانة الناس وحسن الخلق ، وكذلك الكافر الذي يقع في كبائر الذنوب ، فذنبه أشد من الذي يفعل الصغائر ، وكذلك الذي يظلم غيره فذنبه أشد ، والذي يصد عن سبيل الله ذنبه أشد ، والذي يقتل مسلما ذنبه أشد ، ولذلك يمكن القول بأن أبواب النار مقسمة بحسب شدتها وعظم الجناية إلى سبعة على النحو التالي :-

 

  • فالأول للموحدين العاصين
  • والثاني للكافرين الذين عملوا خيرا في الدنيا من صدقات وخلافه
  • والثالث للكافرين الذين أساءوا العمل فلم يعملوا خيرا قط ، وعندهم بعض العزة والأنفة على الحق
  • والرابع للكافرين الذين ارتكبوا كبائر الإثم والفواحش وأخصها التكبر على الخلق
  • والخامس للكافرين الذين كانوا يظالمون الناس ويأخذون حقوقهم بالباطل .
  • والسادس للكافرين الصادين عن سبيل الله ، بوسائل اللهو تارة وبمنع الصلاة تارة ..الخ
  • والسابع للكافرين الذي حاربوا المسلمين وأصابوا دما مسلما .

فهذا الترتيب بحسب كبر الجناية ،والله أعلم

 

 

المحور الرابع

حفظ المتقين في سلام الجنات آمنين

بالدخول في مقام العبودية لله بالجمع بين الخوف والرجاء

 

 

قال تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)

 

قوله (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (46) من المناسب بعد عرض جزاء إبليس وطرده من رحمة الله أن تتعرض الآيات بالذكر لجزاء المتقين الذي يطيعون أوامر ربهم ، فتصفهم بعدما غادروا الدنيا أنهم أضحوا في جنات وعيون ، فصاروا يشعرون بالسلام ويحسون بالأمن ، وكانوا قبل ذلك قد ابتلاهم الله في الدنيا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ، فصبروا ، واسترجعوا ، واستبشروا بالجنة .

 

وهي جنات لأنها درجات ، قال رسول الله r (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ")[250].

 

قوله (ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ) (46) فالسلام يعني السلامة من كل الآفات أي الأمراض والعلل والأحزان ، ويعني كذلك السلام النفسي الداخلي ، ولاشك أن المؤمن يشعر في الدنيا بالسلام الداخلي رغم ما يعتريه من ابتلاءات وتلك هي القوة التي تجعله سعيدا مسرورا ، فيشعر دوما بالسكينة والطمأنينة والأمان ، نعم قد يصيبه في الدنيا بعض النغص والكدر ، لكنه في الآخرة يشعر بسلام وآمان ، لا يعكره أي شائبة ، (والإجماع منعقد على أن الجنة لا خوف فيها)[251]، بدليل قوله (يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ..)[الزخرف 68] .

 

يقول الشيخ أحمد النقيب (عندما تتأمل هذه الآيات تجد أن فيها بمفهوم المخالفة تعريض بالدنيا، فالدنيا يميزها أمران: الأمر الأول: أنها دار نصب، أما الجنة فأهلها يتنعمون فيها بخلاف أهل الدنيا فإنهم ينصبون فيها، فالرجل لا يبلغ مراده مما يحب إلا بالنصب والتعب:-

لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله*** لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر

الأمر الثاني: أن الناس يُخرجون منها، -سبحانه وتعالى- جعل الجنة دار خلود وجعل الدنيا دار فناء ونهاء, أما الجنة فيدخلها المطيعون لا يخرجون منها أبداً بخلاف الدنيا فإنهم يُخرجون منها)[252]

 

قال أبو القاسم (السلامة الحقيقية ليست إلا في الجنة ، قال تعالى (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام) إذ فيها بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر ، وعز بلا ذل ، وصحة بلا سقم ، قال تعالى (لهم دار السلام عند ربهم) أي السلامة ، قال (والله يدعو إلى دار السلام) [253].

إذن بدخول المسلم الجنة ينتهي كل ما يقلقه أو يحزنه ، وتنتهي كل آلامه المادية والنفسية ، قال ابن كثير "بسلام " (أي: سالمين من الآفات، مسلمًا عليكم، "آمِنِينَ" أي : من كل خوف وفزع، ولا تخشوا من إخراج، ولا انقطاع، ولا فناء)[254].

 

قوله (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ..)(47) حيث خلت قلوبهم من الحقد والحسد لإخوانهم ، والتكبر على خلق الله ، لاسيما أن بين أهل الجنة تفاضل في المنازل والدرجات [255]، وهذا التفاضل يؤدي – في الدنيا – لوقوع الحسد بين الناس ، ومهما كان القلب طاهرا من الغل والحسد قبل دخول الجنة فإن التفاضل بين أهل الجنة لا يقدر على تحمله أحد ، ولذلك نزع الله ما في صدورهم من غل لأن لا يحسد بعضهم بعضا على ما أتاه الله من فضل .

 

فعَنِ أَبِي أمامة قَالَ:"يدخل أَهْل الْجَنَّة الجنة عَلَى مَا في صدورهم في الدُّنْيَا مِنَ الشحناء والضغائن، حتى إِذَا نزلوا وتقابلوا عَلَى السرر، نزع الله مافي صدورهم في الدُّنْيَا مِنْ غل". قوله:  "  وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ"[256].

عن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا)[257].

والمثال على هذه الحالة ما روي عَنْ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (إِنِّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ)[258].

عن قتادة قال لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال لو كان بن صفية يعلم أنه على حق ما ولى ، قال : وذلك أن رسول الله r لقيهما في سقيفة بني ساعدة ، فقال أتحبه يا زبير فقال وما يمنعني فقال النبي r فكيف أنت إذا قاتلته وأنت ظالم له قال فيرون أنه إنما ولى لذلك)[259].

قوله (..إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) (47) فحالهم في الآخرة هو انعكاس لعلاقة الود والحب في الله التي كانت بينهم في الدنيا ، فعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ r (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)[260].

 

و"السُرُر" كناية عن الراحة من التعب ، والتنعم برغد العيش ، وهذا هو المستوى الاجتماعي الذي يعيش فيه أهل الجنة .

وقوله (متقابلين) يعني يرى بعضهم بعضا ، فيشعور بالمشاركة من الآخر ، وتلك هي النعمة التي يعطيها الله لأهل الجنة ، أي نعمة التفاعل مع مجتمع أهل الجنة ، عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)[261].

قال العثيمين (التقابل صفة حميدة طيبة، والتدابر صفة ذميمة خبيثة) [262]، قال رسول الله r (وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا)[263]، فالذي يأكل وحده أو يشرب وحده أو يتمتع وحده ليس كمن يفعل ذلك ويشاركه أخوانه ذات اللحظة من البهجة والسرور ـ

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ)[264]

قال النووي (أي متفرقين جماعة جماعة ، معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع وفيه الأمر بإتمام الصفوف الأول والتراص في الصفوف ومعنى اتمام الصفوف الأول أن يتم الأول ولا يشرع في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني ولا في الرابع حتى يتم الثالث وهكذا إلى آخرها)[265]

قال الشيخ عبد المحسن العباد أي: (كأنه أنكر عليهم هذه الهيئة التي كانوا عليها، وقوله: (عزين) يعني: متفرقين حلقاً حلقاً ، والتحلق في المسجد إذا كان قبل الصلاة –وبعد الأذان-فهو غير سائغ؛ لأنه إذا أذن المؤذن فإن المطلوب أن يكون الناس صفوفاً، وأن يتموا الصف الأول فالأول، وأن يستعدوا للصلاة، فإذا كان هذا الأمر قبل الصلاة  ، فمعلوم أن هذه الهيئة لا تنبغي، وأن المطلوب عندما يأتي الناس إلى المسجد في الصلاة وقد دخل الوقت فإنهم يتقدمون إلى الصف الأول حتى يملئوه، ثم ينشئون الصف الثاني حتى يملئوه، ثم الصف الثالث .. وهكذا، فيملئون كل صف وينتقلون إلى الصف الذي يليه، فلا ينبغي الجلوس على هذه الهيئة قبل الصلاة، وعلى الناس أن يجلسوا صفوفاً ينتظرون الصلاة، يقرءون القرآن أو يذكرون الله عز وجل، ولا يجلسون حلقاً، فإن هذا هو الذي أنكره النبي r ، وقال: (ما لي أراكم عزين) ، وأما الجلوس في المسجد في غير وقت الصلاة حلقاً لتعليم العلم، وتكون الحلق متعددة هذا يدرس فناً وهذا يدرس فناً، وهذا يدرس علماً، وهذا يدرس علماً، فهذا لا بأس به، وقد كانت الحلقات في مسجد الرسول r موجودة منذ زمن قديم، فهذا شيء لا بأس به)[266].

وقد وسع الزرقاني في المعنى المراد فقال (أراد أنهم كانوا يتنفلون في المسجد بعد صلاة العشاء متفرقين)[267] ، وسواء أكان المعني متعلق بما قبل الصلاة أو بعدها مباشرة ، فالمعنى المشار إليه والمندوب إليه هو تقارب المسلمين مع بعضهم البعض أثناء أداء شعيرة الصلاة وأثناء الانتظار للصلاة ،وقبل الانصراف منها لأمور حياتهم ، استشرافا لما سوف يجازيهم الله به في الجنة من سرر يتقابلون عليها .

 

قوله (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ..) (48) ضمن الله لأهل الجنة ألا نصب فيها ولا تعب ، فمجرد أن يمسهم فيها شيء من التعب محال ، كقوله (الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر 35] .

وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ يُنَادِي مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [268].

قال الشنقيطي النكرة (نصب) في سياق النفي، تعم كل نصب ، فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة)[269] ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ r فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ)[270].

 

قوله (..وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) (48) هذا النفي يطمئن أهل الجنة بأنهم في راحة أبدية ، قال الألوسي (يعني استمرار النعمة بالخلود)[271] ، ففي الحديث في وصف أهل الجنة «وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً »[272]، وفي حديث مسلم « يا أهل الجنة خلود بلا موت » ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ ثُمَّ يُنَادِي يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ)[273].

فهم فيها خالدون ، وليسوا بمخرجين ، كما حصل لأبيهم آدم عليهم السلام ، ذلك أن جنة الخلد ليس فيها ابتلاء ، أما جنة آدم فكانت ضمن دار الإبتلاء ، والله صادق في وعده ، وإبليس كاذب حين قال لآدم ألا أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ، فخسئ عدو الله ، وصدق وعد الله .

 

قوله (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (49) يقول النبي r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)[274]، وذلك لتطميع أهل الذنوب في الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة ، وأن يقطعوا معاصيهم بالعزم المؤكد .

 

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:" " وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ " ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْلا عَفْوُ اللَّهِ وَتَجَاوُزُهُ مَا هَنَأَ لِأَحَدٍ الْعَيْشُ، وَلَوْلا وَعِيدُهُ وَعِقَابُهُ لاتَّكَلَ كُلُّ أَحَدٍ)[275].

 

قوله ( وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (50) أردف ذكر الرحمة بذكر العذاب لكي يتحقق الخوف مع الرجاء ، وذلك ليعلم عباد الله تعالى ما عند الله من رحمة وما عنده من عذاب ، فلا يقنطوا من رحمته ، ولا يأمنوا عذابه ، ونظير ذلك في قوله تعالى: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف 156) ، وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (الأنعام 165) ، (الأعراف 167).

 

قَالَ رسول الله r (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ -الْجَنَّةِ [276]- أَحَدٌ)[277].

وعَنْ قَتَادَة فِي قَوْلِهِ " نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ " ، قَالَ: بلغنا إِنَّ نَبِيّ الله r قَالَ: لو يعلم الْعَبْد قدر عفو الله، لما تورّع مِنْ حرام، ولو يعلم قدر عذابه، لجمع نفسه"[278]،

وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ r دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ كَيْفَ تَجِدُكَ قَالَ أَرْجُو اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)[279] ما يعني أن الواجب على المسلم أن يجمع بين الخوف من الله والرجاء في فضل الله ورحمته ، فلا يقنط من رحمته ولا يأمن عذابه ، ولذلك شبه العلماء عقيدة المؤمن في الله بجناحي طير ، يطير بهما معا ، أي بالخوف والرجاء ، أَيْ : (الرَّجَاءَ وَالْخَوْفَ كَجَنَاحَيْ طَائِرٍ إذَا مَالَ أَحَدُهُمَا أَيْ : انْخَفَضَ وَتَلِفَ سَقَطَ الطَّائِرُ ، كَذَلِكَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ إذَا مَالَ أَحَدُهُمَا أَيْ : ذَهَبَ وَتَلِفَ هَلَكَ الشَّخْصُ)[280].

 

قال الشيخ خالد المصلح (فالواجب على المؤمن أن يسير إلى الله عز وجل بهذين الجناحين: الخوف والرجاء، فإذا جاء ما يقتضي تغليب جانب منهما غلبه، فالعاصي إذا غلب الرجاء استمر في عصيانه فنقول له: غلب الخوف حتى تنتهي عن معاصيك، والطائع إذا غلب الخوف قد يبلغ درجة اليأس فنقول له: غلب الرجاء في هذه الحال، لكن الأصل هو استواء هذين في قلب العبد؛ ولذلك ورد عن بعض السلف كالإمام أحمد وغيره: أن الخوف والرجاء بالنسبة للعبد كجناحي طائر، ومعلوم أن جناحي الطائر متقابلان تماماً، ولو حصل نقص في أحد الجناحين لاختل طير الطائر، بل لسقط)[281]، وبذلك يحفظ المسلم دينه وعقيدته من السقوط .

 

 

المحور الخامس

حفظ الفطرة وأهل الدعوة

في قصة (ضيف إبراهيم المرسلين لقوم لوط)

 

انتقلت الآيات إلى حكاية قصص أنبياء الله إبراهيم ولوط وشعيب وصالح وأقوامهم ، لتضرب بهم المثال في الصفح الجميل ، فهؤلاء الأنبياء كانوا خير مثال للصفح الجميل مع قومهم ، وصفح الأنبياء لقومهم هو ما يضمن استمرار علاقة التفاهم والتقارب بينهم ، وهو وسيلة لحفظ الدعوة الإسلامية وأهلها ، وبه يشرع الأنبياء في تبليغ دعوتهم بصدر رحب لم يتأثر ببغض قومهم وإيذاءهم لهم

 

وقد ابتدأت السورة بحكاية قصة نبي الله إبراهيم في معرض إتيان الملائكة له بالبشرى ، فتبشره بذرية تكون على دعوة الإسلام ، وتحمل الراية من بعده ، رغم أنه أصابه الكبر ، إلا أن إرادة الله أن تستمر الدعوة من نسله ، وتلك هي لمة الملائكة بالصالحين وبشراها للمؤمنين ، وذلك في مقابلة حكاية السورة لإغواء الشياطين لمن حقت عليه الغواية.

 

وقد جاءت البشارة ببركة النطفة الطيبة التي بها ولدت امرأته غلاما من نسله يحمل الدعوة من بعده ويورثها لعقبه ، وهكذا تكون الصفة الطينية لإبراهيم عليه السلام سببا للبركة والنماء وزيادة النسل الطيب والعقب الطاهر لتستمر الدعوة وينتشر الخير .

 

إذن اقتطعت السورة جزء من سيرة نبي الله إبراهيم للتأكيد على الاستثناء في قوله (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) أولئك الذين يرسل الله لهم الملائكة لتبشرهم وتنصحهم لعمل الخير والاهتداء للإيمان ، وكثيرا ما سمعنا عن الملائكة تبشر المؤمنين في عهد رسول الله r ، ولا شك أن ذلك يزيد المؤمن ثباتا في الإيمان وقوة راسخة في عقيدته ، ولا يكون ذلك إلا لعباد الله الملخصين الذين يداومون على الذكر وتعلق القلب بالله ، قال رسول الله r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ )[282].

 

ومن جهة أخرى فإن الملائكة جاءت لوظيفة أخرى هي مكملة للوظيفة التي جاءت بها لإبراهيم أي البشرى ، فإنها جاءت لقوم لوط لإهلاكهم ، وقطع نسلهم ، فذكرت السورة عقب قصة إبراهيم قصة قوم لوط وقد انحرفت فطرتهم الطينية ففعلوا الشذوذ الجنسي ، فما بقي منهم أحد لما رجمهم الله بتلك الحجارة التي أصلها هي كذلك من طين ، وقلب قراهم على أعقابها ، فجعل عاليها أسفلها ، ليتأكد المعنى أن الله كما أنه غفور رحيم فإنه شديد العقاب .

 

قال تعالى (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)

 

 قال تعالى (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)

 

قوله (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ) (51) تبين الآية أن نبي الله إبراهيم كان يعيش حياة طبيعية ،  فهو - كعادته - يتجهز لضيوفه بالهدايا قبل أن يقدموا عليه ، ودون أن يعرفهم ، وهذا من كرمه وأخلاق الإسلام ،  فهو يستقبل الضيوف ويكرمهم مما أعطاه الله دون أن يعرفهم أو يأخذ مقابلا على ذلك ، والذي حمله على ذلك أخلاق الإسلام ، يقول رسول الله r (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ قَالَ وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ)[283].

 

وقد شهدت أحداث السيرة النبوية كيف أن الصحابة كان يهتمون بإكرام الضيف حتى ولو لم يكن عندهم زاد يكفي إطعام أولادهم ، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ r فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلَّا الْمَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَتْ مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي فَقَالَ هَيِّئِي طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ أَوْ عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)[284]

 

قوله (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ..) (52)  هذا الأدب يجب مراعاته عند الدخول على أحد ، فيجب إلقاء السلام عليه وعلى أهل البيت ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ)[285]، وفي رواية قال رسول الله r "إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم؛ تحية من عند الله مباركة طيبة"[286].

 

والسلام أدب إسلامي يدل على أن اهتمام الإسلام بتوثيق الروابط الاجتماعية بخلق التحية ونشر ثقافة السلام بدرجة رفيعة ، فهو دين اجتماعي من الدرجة الأولى يؤسس خلق التحاب في الله ويوثق روابط الأخوة في الدين ، ولذلك يقول النبي r (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على ما تحابون به قالوا بلى يا رسول الله قال أفشوا السلام بينكم)[287] فربط بهذا الحديث بين الإيمان والحب في الله وإلقاء السلام .

 

وقد علمنا كذلك أن الملائكة دخلت على داود وهو في المحراب ، فكما دخلت الملائكة على الأنبياء فإنها تدخل -كذلك- على المؤمنين ، وليس ذلك بخاص بالأنبياء وحدهم ، فعن سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ بَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يَقْرَأُ فِي مِرْبَدِهِ إِذْ جَالَتْ فَرَسُهُ فَقَرَأَ ثُمَّ جَالَتْ أُخْرَى فَقَرَأَ ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا قَالَ أُسَيْدٌ فَخَشِيتُ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فَوْقَ رَأْسِي فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا قَالَ فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ r فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَمَا أَنَا الْبَارِحَةَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ أَقْرَأُ فِي مِرْبَدِي إِذْ جَالَتْ فَرَسِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَقَرَأْتُ ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَقَرَأْتُ ثُمَّ جَالَتْ أَيْضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r اقْرَأْ ابْنَ حُضَيْرٍ قَالَ فَانْصَرَفْتُ وَكَانَ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا خَشِيتُ أَنْ تَطَأَهُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ السُّرُجِ عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ حَتَّى مَا أَرَاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ)[288].

 

قوله (..قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) (52) قال العلماء "الوجل" (اضطرابُ النفس لتوقع مكروهٍ)[289] ، علة ذلك أن نبي الله إبراهيم لم يكن معتادا أن يمر عليه عابر السبيل ، لأنه في صحراء ، فقلما يمر منها أحد ، فوجل من الملائكة وهي متصورة في صورة رجال غرباء لا يعرفهم ، لا سيما وأن أيديهم لم تمتد إلى الطعام الذي قدمه إليهم ، قال تعالى (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) (هود69-70) ، وقوله تعالى (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) (الذاريات 27-28)

ولم يكن يعلم أنهم ملائكة ، فالملائكة لا تأكل ، لكنه سأل نفسه ما حاجتهم ؟ إذا لم يقبلوا ضيافته لهم ؟ ما شأنهم ؟ ماذا يريدون ؟ إذا لم يكونوا بحاجة للطعام والسقاء ؟ فلماذا دخلوا عليه إذن ؟ فيبدو من هيئة الملائكة وسبب مجيئهم لقوم لوط بالعذاب أنها هيئة تقذف في القلب شيء من الوجل ، ولذلك أوجس ابراهيم في نفسه خيفة منهم ، وتلك المشاعر أضمرها إبراهيم في نفسه لكن الله أطلع ملائكته عليها.

 

نتعلم من ذلك أن المسلم وإن كان يسعى لعمل الخير دائما ، إلا أنه ينبغي أن يصطحب الحذر عند الاختلاط بالناس ، وأن يكون يقظا ، ولذلك قيل أن (الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ وَقَّافٌ ، مُتَثَبِّتٌ عَالِمٌ وَرِعٌ لَا يَعْجَلُ)[290] ، فكما أنه حيي الغرباء وقدم لهم التحية وضيفهم عنده ، فإنه كذلك يحذرهم ولا يطمئن لهم ، كما لا يمنعه الحذر منهم أن يؤدي لهم واجب الضيافة وحقوق الضيف ، وتلك هي القوة التي تجدها في المؤمن وحسب ، يعطي الحقوق لأصحابها حتى لمن يجل منه .

 

قوله (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) (53) فلا غرو أن يوجل الأنبياء والصالحون ، ولكن ذلك بمثابة عارض ، وليس صفة ملازمة لهم ، ولم يمنعهم الوجل إيصال البر والخير للناس ، قال ابن عجيبة (فالوجل والخوف والفرح والحزن والتعجب والاستعظام للأشياء الغريبة ، كل ذلك من وصف البشر ، يقع من الخصوص وغيرهم ، لكن فرق بين خاطر وساكن ، فالخصوص تهجم عليهم ولا تثبت ، بخلاف العموم)[291] .

 

وقد تعاطف نهيهم له عن الوجل بما يطمئنه ، أي بالبشرى التي جاءوا بها إليه ، فبعد أن قال (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الصافات 99) استجاب الله له دعاءه الذي قال (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (100) وبشروه بنبأ الولد ، والغلام موصوف-هنا- بالعلم ، وفي موضع آخر وصف بالحلم ، في قوله سبحانه (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات101) ، ووصفه في هذا الموضع بأنه عليم إشارة على أنه جاء ليرث علم أبيه ويورث هذا الدين ، حيث استطال الزمان بإبراهيم حتى يُعلم غيره أمر هذا الدين ويرثه منه ، ولم يؤمن به أحد غير نبي الله لوط ، فلما دعا ، (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات100) ، استجاب الله له ، أي أن الملائكة بعد رأت روعه وفزعه منهم بشروه ببشرى ليطمئن قلبه ، فبشروه بغلام يولد من صلبه ، يكون له ولدا صالحا ، عليما بما يعلمه هو من أمر دينه ، ليعوضه الله أهلا خير من أهله الذين اعتزلهم في سبيل الله .

 

 وقد تزامنت هذه البشرى في وقت ألم فيه الهم بنبي الله إبراهيم ، فليس هم ولا غم يصيب الرجل أكثر من أن يخرج مطرودا منفيا من بين أهله وقومه وعشيرته إلى صحراء لا زرع فيها ولا ماء ، ثم يجد زوجته لا تلد ، ويمر الوقت حتى يصيبه الكبر .... ويظل هذا الحال حتى تأتيه البشرى من الله سبحانه ، ليصفح عما فات صفحا جميلا ، ويستقبل ما بُشِّر به بصدر رحب .

 

ولذلك قالت له الملائكة (لا توجل) ، حيث طالت به الوحدة وهو يعيش في الصحراء بلا صحبة ، وقد أكد علماء النفس أن النفس البشرية إذا طال بها الأمد في العزلة والوحدة شعرت بالوجل والقلق من أي غريب يقدم عليها ، لاسيما إذا أقدم هذا الغريب على فعل غريب ، وهو عدم الأكل من المأدبة التي قدمها لهم ، (فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ) (هود70).

 

وفي ذلك كله تسلية للنبي r وإيحاء له بأن الله لم يتركه ، وأنه وإن كان يخاف على دعوته كما خاف عليها أبو الأنبياء نبي الله إبراهيم ، فإنه الله يبشره بالحق كما بشر نبي الله إبراهيم بالولد ، فلفظ (غلام) كناية عمن يرث العلم من بعده ، أي الدين ، ويورثه لمن بعده ، بما يحقق أمنيته ، ووصفه بأنه (عليم) مؤكدا لاستحقاقه هذا الميراث ، لقول النبي r (إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) [292]

فذكرت الآيات هذه القصة لنبي الله محمد r لكي يتأسى بتلك البشرى فلا يقلق على دعوته ، لاسيما وأنه لا عاقب بعده من ذريته ، قال رسول الله r (وَأَنَا الْعَاقِبُ وَالْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ)[293] ، فقد توفى القاسم وابراهيم ابنيه ـ فلم يرزق النبي محمد r الولد الذي يحمل رسالته من بعده ، ورغم ذلك حضته الآيات على أن يستبشر بالخير دائما ، فمن استبشر بالخير وجد خيرا ، وكان النبي r (يعجبه الفأل الحسن)[294] ، والله حافظ دينه ، وقد ورث دين الإسلام بعد محمد r أصحابه وذريتهم من التابعين وتابعي التابعين ، وتلك هي الطائفة المنصورة بإذن الله .

 

قوله (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) (54) طعن إبراهيم وكبر في السن وقدرته على الإنجاب محل شك ، قلت ولم تنعدم ، فاستعجب من هذه البشرى ، كما استعجب أن يحمل ابنه الرضيع وهو في هذه السن ، ولعل الأمر إذا ما استطردنا في التفكير ، لوجدنا أن إبراهيم عليه السلام حمل هم تربية الابن بعد هذا السن ، وقد قل جهده ، ولا يدري ماذا بعد ذلك  ، فكلا ولدان "إسماعيل" ، وكذلك "اسحق" ، أنجبهما نبي الله إبراهيم في الكبر، قال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم 39] ، ثم نجد أن نبي الله "إسماعيل" هو الذي بني مع أبيه "إبراهيم" الكعبة ، ورفعا القواعد معا ، أي أعان الابن أباه في رفع قواعد وشعائر الإسلام ، قال تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة 127) .

 

والإجابة أن ذلك ليس بمحال على الله تعالى ، وليس علي أي المسلم أن يقنط أو ييأس أن الله تعالى يمن عليه بمثل هذا الفضل ، فكما رزق إبراهيم الولدين إسماعيل وإسحق على كبر ، فإن الله قادر على أن يمن على من يشاء من عباده بمثل هذا الفضل كذلك ، وقد قال النبي r : (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَة)[295] ، يقول الشيخ محمد المنجد فلا يجوز لمؤمن أن يدعو الله تعالى وهو يائس من الإجابة ، بل عليه أن يحسن ظنه بالله ، ويوقن أنه سيستجيب له ، ويعطيه ما سأل)[296] .

 

فقوله (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ ..) (55) هذا من باب تأكيد الملائكة للرسول للبشري بأنه آتيه الولد من صلبه ، فلا يضيق صدره من أن تبطل دعوته بعد موته ، ولم يجد أحدا آمن به غير زوجته ونبي الله لوط  .

 

فقد جاءته هذه البشرى بالحق ، لأن الله لا يخلق إلا الحق كما في قوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) أي أن الله يخلق من صلبه غلاما يكون على الحق وينطق بالحق ، فيكون سببا في نشر دعوة الإسلام بعد موته ، وهكذا جاء بعد إسحاق يعقوب ثم يوسف ثم موسى وهارون ثم ... أيوب ... داود وسليمان ...يونس ... وهكذا حتى أتى عيسى بن مريم آخر الأنبياء من نسل اسحق  ، وجاء من نسل إسماعيل خاتم الأنبياء محمد r .

 

 والملائكة مكلفة بتذكرة المؤمنين وتثبيتهم على الحق وتأييدهم وإلقاء البشرى لهم ، قال رسول الله r (لَمَّةُ الْمَلَكِ ، فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ)[297] .

 

قال المناوي (اعلم أن الخواطر تنقسم إلى :-

  • ما يعلم قطعا أنه داعي إلى الشر فلا يخفى كونه وسوسة
  • وإلى ما يعلم أنه داعي إلى الخير فلا يشك كونه إلهاما
  • وإلى ما يتردد فيه فلا يدري أنه من لمة الملك أو لمة الشيطان

فإن من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في معرض الخير ، والتمييز بينهما غامض ، فحق العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه لمة الملك أو لمة الشيطان ، وأن يمعن النظر فيه بنور البصيرة لا بهوى الطبع ولا يطلع عليه إلا بنور اليقين وغزارة العلم ، والتمييز بين اللمتين لا يهتدي إليه أكثر الناس ، والخواطر بمنزلة البذر فمنها ما هو بذر السعادة ومنها ما هو بذر الشقاوة)[298].

وسبب اشتباه الخواطر أربعة أشياء لا خامس لها :-

  • ضعف اليقين
  • قلة العلم بمعرفة صفات النفس وأخلاقها
  • متابعة الهوى بخرم قواعد التقوى
  • محبة الدنيا ومالها وجاهها وطلب المنزلة والرفعة عند الناس

فمن عصم من هذه الأربعة فرق بين لمة الملك ولمة الشيطان ، ومن ابتلى بها لم يفرق وانكشاف بعض الخواطر دون بعض لوجود هذه الأربعة دون بعض)[299].

 

 قوله (...فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) (55) هو قول الملائكة ، ورد على ابراهيم لما قال لهم (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُون) ، ذلك أن إبراهيم سأل الله تعالى من قبل فقال (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات 100) ، وذلك إبان اعتزاله قومه ، فطال به الزمان ولم ينجب حتى صار كبيرا ، أي طعن في السن ، ولذلك قال (مَسَّنِيَ الْكِبَرُ) ، والظن أن من بلغ هذا السن ولم ينجب أنه لن ينجب ، فرضي بقضاء الله وقدره ،ونسي أنه دعا ولابد من أن يجيب الله عباده المخلصين ، كما قال رسول الله r (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَة)[300] .

 

قال الرازي (وقوله : فلا تكن من القانطين ، لا يدل على أنه كان كذلك ، بدليل أنه صرح في جوابهم بما يدل على أنه ليس كذلك فقال : " وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون " وفيه جواب آخر ، وهو أن الإنسان إذا كان عظيم الرغبة في شيء وفاته الوقت الذي يغلب على ظنه حصول ذلك المراد فيه ، فإذا بشر بعد ذلك بحصوله عظم فرحه وسروره ويصير ذلك الفرح القوي كالمدهش له والمزيل لقوة فهمه وذكائه فلعله يتكلم بكلمات مضطربة في ذلك الفرح في ذلك الوقت ، وقيل أيضاً : إنه يستطيب تلك البشارة فربما يعيد السؤال ليسمع تلك البشارة مرة أخرى ومرتين وأكثر طلباً للالتذاذ بسماع تلك البشارة ، وطلباً لزيادة الطمأنينة والوثوق مثل قوله "ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى"[البقرة260] وقيل أيضاً : استفهم أبأمر الله تبشرون أم من عند أنفسكم واجتهادكم؟[301]

 

فتعقيب الملائكة ليس على النسيان المدهوش ، وإنما على عبارة (على أن مسني الكبر فبم تبشرون) ، فهذا القول في ظاهره – بوجه عام - يحمل معنى القنوط من رحمة الله سبحانه ، أو اليأس من الاستجابة للدعاء الذي دعاه ، والله يُقدِّر الأمور بالحق ، أي وقت الاستجابة  ، فالذي يدعو الله عليه ألا يقنط من الإجابة ، ولذلك أكدت عليه الملائكة هذا المعنى ، ونبي الله إبراهيم لم يعجل حتى أنه نسي تحين وقت الإجابة ، ولذلك استجاب الله له ، كما قال رسول الله r (يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي)[302].

 

فرد الملائكة تضمن تحذيرا له من التشبه بالذين يستبعدون وجود الخير ، (فذكروه بأن يظل راجيا لفضل الله وإحسانه، وبره وامتنانه) [303]، فالقنوط من رحمة الله كفر ، وذلك لقول النبي r (لَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ)[304]، قال أبو حيان (والنهي عن القنوط يقتضي الأمر بالرجاء)[305]، قال القشيري : (يحيي قلوب قوم بجميل الرجاء ، ويميت قلوبَ قوم بِوَسْم القنوط) [306].

 

وهكذا نلحظ أن الذي يستبعد المستحيل على الله هو قانط إما من قدرته أو من رحمته ، فلا يستحيل على الله شيء ، بينما في قوانين الفيزياء ومعادلات الكيمياء وعلوم الأحياء قد يستحيل حصول شيء عند العلماء ، ولكنه غير محال على الله ، فمن يتمنى على الله أمنية تكاد تكون مستحيلة عند البشر ، فليستيقن أنها هينة على الله ، شريطة أن تكون هذه الأمنية في سبيل الله حتى يستجيب الله له ، كما استجاب لإبراهيم وخلق من صلبه الولد وهو في الكبر.

 

من هنا يمكن أن نستوعب أن فائدة النهي بقول الملائكة لنبي الله إبراهيم عليه السلام: "فلا تكن من القانطين" التأكيد على قدرة الله تعالى في خرق السنن الطبيعية ، وتعليم للعبد أن لا يرتبط بالظروف والأسباب ، وأن يتوقع الخير من الله في كل حال، حتى لو بدا الأمر - في الظاهر - مستحيلاً وفق علوم البشر المحدودة ، فإنه غير مستحيل على الله ، فالنهي ليس لأنه كان بالفعل يائسًا ، بل هو تأديب رباني وتثبيت للقلوب وتعليم أن الأمر وإن بدا في الظاهر مستحيلا ، فإن مشيئة الله وقدرته لا تعجز عن مخالفته في أي ظرف فتجعله محققا  .

 

فقوله (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) (56) القائل - هنا - إبراهيم عليه السلام نفى عن نفسه القنوط ، وأقر بالقاعدة بأن (القنوط : استبعاد الفرج واليأس منه ، وهو يقابل الأمن من مكر الله ، وكلاهما ذنب عظيم)[307] ، (فأجابهم بأنه ليس بقانط ولكن يرجو من الله الولد ، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك)[308].

 

يعني ظن أن الله تعالى إن لم يستجب له طيلة هذه المدة بأن يرزقه الولد ، فإن الله يدخر عنده هذه الدعوة ليستجيب له فيما فيه خير له يعوضه عما سأل ، ولم يظن أن الاستجابة سوف تأتيه في هذا السن كما سأل الله بتمام دعائه ، أي قد يظن أنه سوف يأتيه بأناس مثل أولاده يعلمهم الإسلام كما علم لوط الإسلام ، وهكذا ...ولكن الله أخرج من ذريته غلامين يعلمهما الإسلام .

 

ووجه الضلال الذي أشار إليه نبي الله إبراهيم هنا كما قال الرازي (اليأس لا يحصل إلا عند اعتقاد البخل واعتقاد العجز والبخل في حق الله كفر ، فلا جرم كان حصول القنوط كفراً)[309] ،ولذلك قال العلماء فلماذا القنوط والرب موجود ؟ قال الشيخ صالح الفوزان (مهما كانتِ الحال من الشدّة ومن الضيق ومن الحرج؛ فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، لأن الله قادرٌ على كل شيء، لا يعجزه شيء، وهو أرحم الراحمين)[310].

 

قال الرازي (لا يحصل القنوط من رحمة الله تعالى إلا عند الجهل بأمور

أحدها أن يجهل كونه تعالى قادراً عليه

وثانيها أن يجهل كونه تعالى عالماً باحتياح ذلك العبد إليه

وثالثها أن يجهل كونه تعالى منزهاً عن البخل والحاجة والجهل

 فكل هذه الأمور سبب للضلال فلهذا المعنى قال "وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَة ِ رَبّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ")[311]

 

قال ابن تيمية (القنوط من رحمة الله بمنزلة الأمن من مكر الله ـ تعالى ـ وحالهم مقابل لحال مستحلى الفواحش، فإن هذا أمن مكر الله بأهلها، وذاك قنط أهلها من رحمة الله، والفقيه كل الفقيه هو الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على معاصى الله)[312].

 

قوله (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ) (58) ربطت الآيات بين البشارة والهلاك في آن واحد ، لتُعلمنا أن الله تعالى ما أهلك قومًا بجرم إلا واستبدل غيرهم بهم ليكونوا سببا في حفظ دينه انتشار دعوته ، فكلاهما متزامن مع الآخر لمن يفقه .

 

وإرسال الله الملائكة بالعذاب لقوم لوط وإهلاكهم ، يحمل معنى هام ، وهو أن أهل المعاصي إذا جهروا بمعاصيهم ، ودعوا للمعصية ، وأجبروا الناس على المعصية كرها ، هنا وجب إهلاكهم ولا شك ، وهذا ما فعله قوم لوط (أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)(العنكبوت 29)

 

وإذا تأملنا استبشار نبي الله إبراهيم بمن يحمل لواء الدعوة من بعده ، نجد البون الشاسع بينه وبين استبشار قوم ولوط بقدوم الضيوف عليهم ، حيث كانوا يستبشرون بتذليل المعصية وتسهيلها لهم ، أي أضحت المعصية لها بشرى في قلوبهم ، (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) (الحجر69) ، والحق أن الذي لا يزال في قلبه حياة ، ولم يمت شعوره ، يشعر بالخزي من المعصية فلا يستبشر بها ، أما من كان هذا حاله فحق عليه الهلاك .

 

قوله (إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ[313]) (60) معنى (قدرنا) أي (علمنا)[314] أي في علم الله السابق على الخلق والإيجاد ، كما في قوله (إنا كل شئ خلقناه بقدر) ، وقال تعالى (وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) [الفرقان2] ،  أي هي في علم الله السابق من الباقين المستحقين للهلاك مع القوم الهالكين ، وذلك لأنها قنطت من رحمة الله .

 

فقد استثنى الله من هلاك قرية قوم لوط من كان علي دين نبي الله لوط ، وهؤلاء هم أهله ، ولم يستثن منهم امرأته ، فبالرغم من أنها كانت على دينه -ظاهرا- إلا أنها لم تكن تنكر ما كان يفعله قوم لوط ، يؤخذ من الآية  أن صحبة –أهل الصلاح- لا تنفع إلا مع الاعتقاد الصحيح ، قال ابن عجيبة (فإنَّ امرأة نبي الله لوط كانت متصلة به حساً ، ومصاحبة له ، ولم ينفعها ذلك ، حيث لم يكن لها فيه اعتقاد)[315] .

 

قال ابن تيمية (كَانَتْ مِنْ الْغَابِرِينَ الْبَاقِينَ فِي الْعَذَابِ ، وَكَانَتْ فِي الظَّاهِرِ مَعَ زَوْجِهَا عَلَى دِينِهِ وَفِي الْبَاطِنِ مَعَ قَوْمِهَا عَلَى دِينِهِمْ خَائِنَةً لِزَوْجِهَا - تَدُلُّ قَوْمَهَا عَلَى أَضْيَافِهِ[316] - كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) وَكَانَتْ خِيَانَتُهُمَا لَهُمَا فِي الدِّينِ لَا فِي الْفِرَاشِ ، فَإِنَّهُ مَا بَغَتْ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ؛ إذْ " نِكَاحُ الْكَافِرَةِ " قَدْ يَجُوزُ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ وَيَجُوزُ فِي شَرِيعَتِنَا نِكَاحُ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ وَهُنَّ الْكِتَابِيَّاتُ وَأَمَّا " نِكَاحُ الْبَغِيِّ " فَهُوَ : دِيَاثَةٌ . وَقَدْ صَانَ اللَّهُ النَّبِيَّ عَنْ أَنْ يَكُونَ دَيُّوثًا ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَابُ قَوْلَ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ : بِتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْبَغِيِّ حَتَّى تَتُوبَ)[317] .

 

وهذا يدل على مقدار الصفح الجميل الذي كان يتحلى به نبي الله لوط مع زوجته ، فإنه وإن لم يكن يعلم خيانتها له كما قال الله (فخانتاهما) ، ومضمون هذه الخيانة ، وهي غير الزنا بإجماع المفسرين ، فإنه ولا شك كان يصيبه من أذاها الكثير ، فكل إناء ينضح بما فيه ، ولكنه كان يصفح عنها ولم يطلقها حسبة لله تعالى ، لأن له منها بنات ، فأراد الاحتفاظ بالشكل الأسري ليكون أقدر على تربية بناته على الإسلام ، بخلاف لو طلق امرأته ، فتقل استطاعته ، وهكذا يظل النبي مستمسكا بوظيفته حتى وإن كان ذلك يضر بنصيبه من الدنيا  ، وهكذا لابد أن يقتدي الدعاة إلى الله تعالى ، فيقدموا حق الدعوة لأهل البيت على حظوظ أنفسهم ، فهذا وإن جاز أن يكون بلاءً ، فالصبر عليه خير ، يقول النبي r (مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ) [318].

 

ولعل نبي الله لوط قد احتسب أجر الصبر على زوجته لله ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ أَوْشَكَ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا)[319]

 

 

تتمة المحور الخامس

قطع دابر قوم لوط

 

قال تعالى (فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74)

 

بينت الآيات في حكايتها لقصة قوم لوط أمرين :-

  • الأول صفحه الجميل عنهم وصبره عليهم رغم إجرامهم بأفظع الفواحش
  • والثاني كفاية الله له من شرهم واستهزائهم به وحفظه لعبده المخلص

 فكان في قصته تسلية للنبي r ليزداد صفحا عن قومه وإيمانا بحفظه له وكفاية ربه له من شرهم .

 

قوله (فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) (62) أي لما جاءت الملائكة إلى آل لوط أنكر نبي الله لوط دخولهم القرية أن يكونوا ضحايا ذنوب قومه ، فقال هذه المقالة (إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) ، قال طنطاوي أى : (إنكم قوم غير معروفين لى ، لأنى لم يسبق لى أن رأيتكم ، ولا أدرى من أى الأقوام أنتم ، ولا أعرف الغرض الذى من أجله أتيتم ، وإن نفسى ليساورها الخوف والقلق من وجودكم عندى)[320].

 

أي إنه تفرس أمرهم وشأن قومه بهم ، وكأنهم مقبلين على فعل  شيء منكر ، وهو لا يعلم أنهم جنود الله جاءوا ليقلبوا قرية لوط رأس على عقب ، ولذلك حصلت له مساءة بمجيئهم ، وأنه ضاق ذرعاً بذلك ، كما في قوله (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) [هود 77]، وقوله (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) [العنكبوت 33].

 

يقول سيد قطب (قالها ضيّق النفس بهم ، وهو يعرف قومه ، ويعرف ماذا سيحاولون بأضيافه هؤلاء ، وهو بين قومه غريب ، وهم فجرة فاحشون . . إنكم قوم منكرون أن تجيئوا إلى هذه القرية وأهلها مشهورون بما يفعلون مع أمثالكم حين يجيئون!)[321].

 

وقد استطرد أبو السعود في تفسير هذه المقالة فقال (إنما قاله عليه الصلاة والسلام حين ضاقت عليه الحيلُ وعيَّتْ به العللُ لمّا لم يشاهِدْ من المرسلين من الإعانة والإمداد ، عند مقاساته الشدائدَ ومعاناته المكايدَ من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون ما هو المعهودُ والمعتاد ..إلى أن قال (لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ أوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)(هود80)[322].

 

قوله (قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (64) قال أبو السعود أي (بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون به ويكذبونك ..، فأنى يمكن أن يعتريَه بعد ذلك المساءةُ وضيقُ الذَّرْع) [323].. أي (ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما فيه سرورك وتشفيك من أعدائك ، وهو العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله فيمترون فيه أي يشكون ويكذبونك)[324].

 

قال أبو السعود ما معناه (والمقصود بهذه المقالة الإضراب عن موجب الخوفِ المذكور على معنى ما جئناك بما تُنكِرنا لأجله بل بما يسرك وتقَرّ به عينُك ، فهي إضرابٌ عما فهمه عليه الصلاة والسلام من ترك النصرةِ له ، والمعنى ما خذلناك وما خلّينا بينك وبينهم بل جئناك بما يدمّرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم به) [325].

 

في قوله (...وَإِنَّا لَصَادِقُونَ)(64) قال ابن كثير في قول الملائكة (تأكيد لإخبارهم إياه من نجاته وإهلاك قومه)[326]، أي فصدِّق ذلك إنا لصادقون ، لأنه إذا جاءته البشرى في هذا الظرف العصيب ،فلابد وأن يكون مدهوشا ، وهكذا جاءت البشرى في وقت الذي استشعر فيه عجزه عن رد منكرهم ، وقد ضاق صدره من استفحال شرهم ، فجاءت لمة الملائكة في هذا الوقت من الضعف لتنصر الأنبياء والمرسلين ، كما في قوله (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) (هود110) .

 

قوله (قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) بالرغم من أن نبي الله لوط بُشِّر بالحق  وبهلاك القوم المجرمين وأن دابرهم مقطوع ، إلا أنه عندما جاءوا إليه ليقعوا في الفاحشة مع ضيوفه ، وقد تفرس وجوههم ، فوجد فيها شرا ، فتصدى لهم وأمرهم ونهاهم ، ووبخهم وحذرهم ، وذلك كله من باب الأخذ بالأسباب وأداء الوظيفة التي كُلف بها ، دونما نظر إلى النتائج ، ودون اعتماد عليها ، وإن كانت معلومة مسبقا .

 

وهو في خطابه لهم يجدد دعوته لهم إلى التقوى والتزام محاسن الأخلاق ، وذلك من باب الصفح الجميل ، بأن يذكرهم ولا يقنطهم ، يأمل هداهم ولا ييأس منهم ، وهكذا يكون الدعاة إلى الله تعالى أملا ينتشر في النفوس ، يستبشرون بالحق فيجدوه ، ونبي الله لوط لم ييأس ولم يقنط ولم يتركهم لعذاب الله الذي أخبرته الملائكة بقرب حلوله ، بل ظل على الدرب ينصحهم ويأمل هداهم ، يرشدهم للحق ، ويأمل أوبتهم حتى لو سبق العلم بهلاكهم وموتهم على الكفر.

 

وتأمل تلطف نبي الله لوط مع هؤلاء الشواذ في الخطاب فقال لهم (هَؤُلَاءِ ضَيْفِي) ، أي  ضعوا اعتبارا لضيوفي ، (فَلَا تَفْضَحُونِ) ، أي لا تجعلوا جرمكم في بيتي فضيحة لي بعد أن تتركوني وقد ضعفت عن نصرة ضيوفي فلم أنفعهم بسبب ضعفي .

وقوله (وَاتَّقُوا اللَّهَ) ذكرهم بالله لعل في قلوبهم شيء من الخوف منه .

وقوله (وَلَا تُخْزُونِ) قال الزمخشري (ولا تذلونِ بإذلال ضيفي)[327]، قال الألوسي (فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاء له ، أو لا تخجلوني فيهم)[328] ، وكأنه يريد أن يدافع عن الملائكة التي جاءت لنصرته ،ولكنه يتحدث بلسان الحال ، وليس لسان المآل ، فالمعجزة لم تحصل بعد ، ولذلك عليه أن يأخذ بأسباب إنكار المنكر ، ويتوكل على الله في دفع المكروه.

 فهو يخشى أن يصيبه الخزي من فعلتهم كلما تذكرت عدم قدرته على صد قومه عن ضيوفي ، وقد عزموا أن يفعلوا بهم الأفاعيل ، كل ذلك ليدل علي مقدار الهم والغم الذي كان يحمله نبي الله لوط ، بذلك أقام نبي الله لوط الحجة على كل من ضعف عن إنكار المنكر ولم يبق له غير اللسان ، ولكن الله حفظ دعوته وحفظ نبيه والمؤمنين من أذية الكافرين والمجرمين .

 

قوله (قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) أي ذكرهم بنكاح البنات ، وهو في مقام وليهن يزوجهن لهم بشرط ترك الفاحشة ، لاسيما وقد فسق آباءهم فلا ولي لهن غيره ، فعن مجاهد (هؤلاء بناتي) قال : (لم تكن بناته ولكن كن من أمته وكل نبي أبو أمته) ، وعن سعيد بن جبير قال (إنما دعاهم إلى نسائهم)[329] ، عن السدي في قوله (هؤلاء بناتي) قال (عرض عليهم نساء أمته كل نبي فهو أبو أمته)[330].

 

وهذا من شدة تلطف نبي الله لوط مع قومه ، وهم في سعار الشهوة ، والشهوة إذا استعرت ذهب نصف العقل ، ونبي الله لوط لا يقدر على ردعهم عن نيتهم الإجرامية وهم في هذه الحالة من الهيجان غير تذكيرهم بالفطرة ، فيذكرهم بأصل الفطرة التي خلقهم الله فيهم ، وهي انجذابهم بأصل فطرتهم للبنات وليس للذكور مثلهم .

 

وفي ذلك صفح منه جميل عما بدر منهم ، فأراد أن يذكرهم بالحياة الطبيعية التي أودعها الله تعالى فيهم ، فبدأ منهم من جديد ، لينظروا في حقيقة العملية الجنسية التي يأتونها بطريقة متطرفة ، أيهما أنسب للطبيعة الجسدية التي خلقها الله تعالى فيهم ، وأيهما أكثر انسجاما وإشباعا للشهوة وقضاءً للوطر إتيان البنات أم الذكور ؟

وهكذا خاطبهم من مبدأ الشهوة ذاتها التي استعروا بها ، فهم إن أجابوه بنعم البنات أطيب من الذكور ، كان الترتيب المنطقي أن يشرع لهم في الحكاية عن نكاح البنات العفيفات ، وشروط ذلك بما يحفظ لهم معنى الأسرة والولد .

 فالعلاج الأمثل للشواذ هو مساعدتهم نفسيا للانجذاب نحو الزواج العفيف ، حيث يتم تأهيلهم خطوة خطوة نفسيا وعقليا وجسديا حتى يصبحوا مؤهلين للزواج من البنات ، فالإسلام لا يتركهم لهذا المصير من الجنوح عن الفطرة ، وإنما يساعدهم ليعودوا إلى المسار الصحيح .

 

ولكن إجابتهم كانت مخيبة للآمال ، إذ لم ينطقوا بكلمة واحدة ، غير التهديد والوعيد له (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (الأعراف 82) ، وظلوا على هذه الحال من السعار الشاذ ، فعلم لوط عليه السلام أن طبيعتهم قد فسدت وأخلاقهم انعدمت ، بل إن عقولهم لم تعد في مكانها ، فكان ذلك التذكير من باب تخفيز ما بقي لديهم من الفطرة ، لكن العادات المنكرة التي ألفوها طمست كل معنى للانجذاب إلى البنات ، فأضحوا لا ينجذبون إلى لما هو شاذ ، وهو ما يؤكده علماء النفس في دراستهم لسلوك الشواذ ، بأنه مريض نفسي ليس مريض عضوي ، أي أن العلاج يكون نفسيا ، وليس عضويا ، وليس معنى أنه يحتاج لعلاج نفسي وتأهيل تربوي أنه برئ من الجرم ، بل الجرم هو مسئول عنه كشارب الخمر إذا سكر ، فهو مسئول عن إيصال نفسه لهذه الحالة من التردي ، ولذلك فإن هذا السلوك الشاذ ، وإن كان مرضا نفسيا فذلك بسبب تكرار المعاصي حتى إدمانها .

 

قوله (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (72) بالرغم من  أن نبي الله لوط ترأف بحالهم ودلهم على المنافذ الطبيعية لتصريف الشهوة وذكرهم بأصل الفطرة ، إلا أن الله تعالى سبحانه لم يمهلهم بعد هذا الخطاب الجميل ، وقد قامت عليهم الحجة ، فعلم سبحانه ما في قلوبهم من عمى ، وقد سكرت الشهوة عقولهم ، فلم يبقى لعمل العقل شيء ، وقد غلب السعار كل شيء ، ووصفهم أنهم في سكرة استعارة مكنية حيث صور حالتهم وقد غلبت عليهم المعصية بحالة السكران الذي لا يرجى إفاقته ، فلا يسمع نداء التقوى ، ولا يستجيب للفطرة السليمة .

 

والقسم بعمر نبي الله محمد r فيه دلالة على بركته كل لحظة كان يعيشها النبي r بين أصحابه وقومه ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"مَا خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم عليه مِنْ مُحَمَّد r وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره ، قَالَ "لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ " ، يَقُولُ: وحياتك يا مُحَمَّد وعمرك وبقائك في الدُّنْيَا"[331].

وفي ذلك تسرية عن النبي r لكي لا يضيق صدره ببعض الكفار الذين يفجرون ويفسقون وهو ينصحهم فلا ينتصحون ويحلم عليهم فلا ينتهون ، ويصفح عنهم فيسيئون .

 

 وقوله (يَعْمَهُونَ) يبين مدى الغشاوة التي على قلوبهم وأعينهم ، فصارت قلوبهم عميا  ، فلم يفقهوا كلمة مما قالها لهم نبي الله لوط ، ولم يُر منهم انجذاب للفطرة التي فطرهم الله عليها ، فلم تتأثر أحاسيسهم بتلك الفرصة التي أتيحت لهم ، بل ظلت أحاسيسهم تجاه الطبيعة السليمة لا تستجيب ، وتجاه الشذوذ مسعورة .

 

والإنسان لا يصل إلى هذه المرحلة من الإجرام إلا بعدما يألف المعصية تلو المعصية حتى ينقلب عنده المعروف منكرا والمنكر معروفا ، يقول النبي r (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ)[332] .

 

قال ابن الأثير (المجَخِّي) : (المائل عن الاستقامة والاعتدال فشَبَّه القَلْب الذي لا يَعِي خَيْراً بالكُوز المائل الذي لا يَثْبُت فيه شيء)[333]، قال السيوطي (تشبيها لما تقدم من سواده بل هو وصف آخر من أوصافه بأنه قلب ونكس حتى لا يعلق به خير ولا حكمة ، وقال القاضي شبه القلب الذي لا يعي خيرا بالكوز المجوف الذي لا يستقر فيه الماء )[334].

 

قوله (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) (73) حق علي هؤلاء الهلاك والاستئصال ، وقد أصابهم العمه ، فعلاجهم غير نافع ، وتركهم على هذا الحال يضر البشرية ، فكان في استئصالهم حفظ للنظام العام ، وحماية للأسرة وتأكيد على استمرار النوع الإنساني ، ودرء لخطر تهديد البشر بالانقراض بهذا الفعل الشاذ ، ولذلك يقول النبي r (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)[335].

 

قوله (..فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا..) (74)  فعَنْ قَتَادَةَ قَالَ:"قَرْيَةُ لُوطٍ حَيْثُ رَفَعَهَا جِبْرِيلُ وَفِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ، فَسَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ نُبَاحَ الْكِلابِ وَأَصْوَاتَ الدِّيَكِ، ثُمَّ قَلَبَ أَسْفَلَهَا أَعْلاهَا"[336].

 

وقلب القرية بعد رفعها وإنزالها تأكيد على تدمير القرية بكاملها ، فلم يبقى منها شيئا ولا حتى بيوتهم ، ذلك أن الله تعالى لما أهلك ثمود وعاد أبقى على ديارهم وآثارهم ليعلم الناس أنهم بنوا حضارة مادية خالية من القيم الروحية والعبادة لله تعالى ، فاستحقوا الهلاك لذلك ، بينما قوم لوط فإنهم يهدمون الحضارة الإنسانية بالكلية بتلك الجريمة الشنعاء ، فلم يبق من آثارهم شيء .

 

قوله (..وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (74)  أي أن القرية وأهلها رجمت رجما بالحجارة ، فاستبان بذلك عقوبة اللوطيين ، وهي الرجم حتى الموت ، ولكل من دعا إلى هذه الجريمة ذات العقوبة ، لأن الإسلام يحارب كل عوامل هدم الحياة الإنسانية بحسم ، فيحيلها إلى حجارة لتبدأ الحياة من العصر الحجري بعدما أحالها الإنسان إلى انتكاسة فطرية ، فالعودة إلى العصور الحجرية خير من أن تتدنس البشرية بهذه المعصية ، ما يعني أن زوال الدنيا أهون على الله من بقاء هذه المعصية ، فلتزول الدنيا ولا يكون لتلك المعصية أثر.

 

 

المحور السادس

التعقيب على قصص إبراهيم ولوط  والتمهيد لقصص أصحاب الأيكة والحجر

 

قال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (77)

 

أشارت الآيات إلى أهمية النظر في آيات الله تعالى واستخراج العبر والمواعظ منها حتى يستقيم البشر على منهج الله وسنته وفطرته .

 

قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)(75) (للمتوسمين) أي (المتفرسين)[337] ، فالمتوسم –لغة - هو الذي يتفرس في الشيء ويرى فيه علامة أو دلالة ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ " لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ" ، قَالَ: "للناظرين" ،وقَالَ "علامة" ، أما ترى الرجل يرسل بخاتمه إِلَى أهله ، فَيَقُولُ هاتوا كذا وكذا؟ فإذا رأوه عرفوا أنه حق"[338].

والمعنى المراد شرعا متعدد ، فمقصود به –أولا- المعتبرين بالأحداث ، الذين يتخذون من القصص عبرة لهم ، فعَنْ قَتَادَة فِي قَوْلِهِ:" لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ " ، قَالَ: "للمعتبرين"[339] ، فتوسم أهل الإيمان عبرة ، أي الذين يستبشرون بقدوم الخير وزوال الباطل ، فأهل التوسم هم الذين يستبشرون بحفظ هذا الدين واستعمال الله لهم لحفظه.

 

كذلك للتوسم استعمال شرعي –ثانيا - يدل على التفكر في خلق الله ، فقد أشارت آيات القرآن في أكثر من موضع إلى أن النجوم زينت للناظرين ، فالمتوسمون ينظرون في خلق الله السماوات والأرض ، وهم المتفكرون فيما خلق الله.

 

 كذلك التوسم بمعنى آخر – ثالثا – وهو التأمل والتفرس لمعرفة أحوال الناس ، لقول رسول الله r (إن لله عز وجل عبادا يعرفون الناس بالتوسم)[340]، أي بالتأمل والتفكر في أخلاقهم ، فالتفرس يتوصل به إلى معرفة الناس ، قال أبو الحسن الماوردي (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ فِرَاسَةٌ يَتَوَسَّمُ بِهَا الْمُتَعَلِّمَ لِيَعْرِفَ مَبْلَغَ طَاقَتِهِ ، وَقَدْرَ اسْتِحْقَاقِهِ لِيُعْطِيَهُ مَا يَتَحَمَّلُهُ بِذَكَائِهِ ، أَوْ يَضْعُفُ عَنْهُ بِبَلَادَتِهِ فَإِنَّهُ أَرْوَحُ لِلْعَالِمِ ، وَأَنْجَحُ لِلْمُتَعَلِّمِ)[341]  .

 

كذلك يقصد بالتوسم –رابعا- استشراف المستقبل اجتهادا في ضوء الكتاب والسنة ، وذلك باستقراء ما أخبر به النبي r عما سيحدث مستقبلا ، روي عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه َقَالَ ( إذَا أَنَا لَمْ أَعْلَمْ مَا لَمْ أَرَ ، فَلَا عَلِمْت مَا رَأَيْت) [342] ، وَروي عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (لَا عَاشَ بِخَيْرٍ مَنْ لَمْ يَرَ بِرَأْيِهِ مَا لَمْ يَرَ بِعَيْنَيْهِ) ، وروي في الأثر (اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ)[343].

 

ومناسبة ذكر المتوسمين عقب موضع الاعتبار بقصة نبي الله لوط ، أنه قد توسم في قومه الهداية حتى آخر لحظة قبل أن يأتيهم العذاب ، فقال لهم (إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ) ، فإنه وإن خاب ظنه ، لكنه لم يقلل من جهده الدعوي ليقيم الحجة عليهم ، فيستحقوا العذاب الذي أنذرهم به .

 

وفي قصة إبراهيم أنه توسم خيرا بالملائكة فقال (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) وذلك من شدة فرحه وتوسمه الخير ، ليبدو وكأنه غير مصدق في الظاهر ، وهو في الحقيقة كان موقنا بفضل ربه ، ولكنه لما حان وقت ذلك لم يكن يعلم أنه وقته ، فتفاجأ بوقت البشرى وقد جاءت على غير المتوقع بعد أن مسه الكبر ، فكان مندهشا أن هذا هو وقت تحقق البشرى وقد طال به العمر .

 

ولعل صفة التوسم هذه والخاصة بالمؤمنين هي أنهم يتوسمون نزول الملائكة عليهم تحفهم بالسكينة والرحمة وتبشرهم خيرا ،لاسيما في موطن الضيق والتضييق عليهم ، وقد خزلهم الناس ، فلا يطمئنهم غير مجالسة الملائكة لهم ، أي يتوسم لمة الملائكة به ، أولئك الذين يجلسون مع المؤمنين ويخالطون مجالس الذكر ، فيرعاهم الله بحفظه ، ويكلأهم بكلئه ، ويحفهم برحمته ، يقول النبي r (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنْ النَّارِ قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ قَالَ هُمْ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ)[344].

 

قوله (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) (76) أي أثار هلاك قرى لوط بطريق الناس أثناء رحلتهم من الشمال إلى الجنوب والعكس ، قال الشنقيطي (بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن ديار قوم لوط وآثار تدمير الله لها بسبيل مقيم، أي: بطريق ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، يمر بها أهل الحجاز في ذهابهم إلى الشام، والمراد أن آثار تدمير الله لهم التي تشاهدون في أسفاركم فيها لكم عبرة ومزدجر يوجب عليكم الحذر من أن تفعلوا كفعلهم لئلا ينزل الله بكم مثل ما أنزل ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) [الصافات 137-138]

 

 قوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) (77) فالإيمان ليس بمعزل عن الاعتبار ، ومن لم يعتبر فكيف ينسب إليه الإيمان ؟ ولذلك شرع البكاء عند قراءة القرآن لاسيما عند ذكر مواضع الاعتبار ، ولذلك قيل (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا..)[345] .

 

ومن باب الاعتبار المرور على موقع هلاك القرى بحزن وبكاء ، وكذلك المرور على هذه الآية عند القراءة بالبكاء والحزن ، فإن القرآن نزل بحزن ، فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لِأَصْحَابِ الْحِجْرِ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ)[346]، قال الخطابي ( معناه أن الداخل في دار قوم أهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيا إما شفقة عليهم ، وإما خوفا من حلول مثلها به كان قاسي القلب ، قليل الخشوع ، فلا يأمن إذا كان هكذا أن يصيبه ما أصابهم)[347]، قال النووي (ومثله الإسراع فى وادى محسر لأن أصحاب الفيل هلكوا هناك ، فينبغى للمار فى مثل هذه المواضع المراقبة والخوف والبكاء والاعتبار بهم وبمصارعهم وأن يستعيذ بالله من ذلك)[348].

 

 

 

المحور السابع

انهيار الحضارات لما رفع الله عنها حفظه

قصة "أصحاب الآيكة" و"أصحاب الحجر "

 

قال تعالى (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84)

 

ضربت الآيات مثالا آخر لعقاب الله تعالى ، فكان المذكور هنا عقاب الله لأهل حضارتين بنوها بقوتهم ولكنهم استكبروا بتلك القوة ، فأزالها الله لما تفاخروا بها وهما أصحاب الآيكة وأصحاب الحجر ، فقد جاء ذكر هاتين القصتين في هذا الموضع من السورة عقب ذكر هلاك قوم لوط ، فذكرت كذلك هلاك أصحاب الآيكة ، وهم قوم شعيب ، فعن عبد الله بن عمرو مرفوعا: " إن مدين وأصحاب الايكة أمتان بعث الله إليهما شعيبا النبي عليه السلام "[349]، وأصحاب الحجر ، وهم ثمود قوم صالح ، وسمتهما بأسماء الأماكن التي كانت معلما لهما يعيشان فيها ، فالآيكة كناية عن الأشجار الكثيفة الملتفة الأغصان ، والحجر كناية عن قدرة ثمود نحت الجبال واتخاذها بيوتا ، فهاتان الحضارتان كانتا عظيمتين لأن يضرب بهما المثال في أن الله تعالى أهلكهما ، ولم يبق عليهما ، ولم تغني عنهما مكاسبهما المادية متى وقع أهلها في الظلم ، بذلك اكتمل المثال بإهلاك قوم لوط الذي أفسدوا الفطرة الإنسانية والنسل ، وأصحاب الأيكة الذين أفسدوا الموازين والتجارات ، وأصحاب الحجر الذين عتوا في الأرض وعاندوا وأصموا أعينهم وآذانهم ، وتقاسموا على القتل وسفك الدماء ....وهكذا حفظ الله النسل بإهلاك قوم لوط ، وحفظ الأموال بإهلاك أصحاب الأيكة قوم شعيب ، وحفظ الأنفس بإهلاك أصحاب الحجر ثمود قوم صالح ، وكلا من النسل والأموال والنفس هي مقومات الاستخلاف في الأرض .

 

قوله (وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ)(79) أصحاب الأيكة هم قوم شعيب ، قال تعالى (كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ)(الشعراء 176)  ، وذكرهم بعد ذكر قصة قوم لوط باعتبار أنهم قوم لوط مجرمين وأصحاب الأيكة ظالمين ، وكلا من الجرم والظلم سبب لهلاك أصحابهما في الدنيا ، ليكونا عبرة لمن بعدهما ، فهؤلاء أجرموا بإفساد النسل ، وهؤلاء ظلموا بإفساد الموازين والتجارات.

 

 وقد عبرت الآيات عن ديارهما مرة في قوم لوط بقوله (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) ثم بقوله (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ) إشارة إلى قَرْيَةُ لُوطٍ وَقَرْيَةُ أَصْحَابِ الأَيْكَةِ ، أي أن ديارهما كانتا على ظهر الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإمام[350] ، والتعبير بـ"السبيل" كناية على أن تلك القرية كان يمر عليها المسافرون ليرتاحوا ويتقوتوا منها ، والتعبير بـ "الإمام" كناية على أنها كانت بمثابة علامة بارزة بين القرى يحتذى بها في الرقي والتقدم والحضارة ، لكنهما بعد الهلاك صارتا خاويتين من البشر ، فهاتان القريتان (لوط ، شعيب) وغيرهما أي (ثمود) عبرة للمتوسمين ، ليعلموا أن أهل الحق لا يخزيهم الله أبدا ، فليمضوا على الحق ، وإن حاربهم قومهم ، واستفحلوا في الشر والمعصية ، فالله حافظ دينه وعباده المخلصين .

 

قوله (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(84) هؤلاء هم الصنف الثالث ممن استحق الهلاك في الدنيا ممن ذكرتهم السورة ، أي بعد أن ذكرت هلاك قرى لوط وأشارت سريعا لهلاك أصحاب الأيكة ذكرت أصحاب الحجر ، وهم ثمود قوم صالح ، سموا بالحجر نسبةً للمنطقة التي يسكنونها ويطلق عليها الحجر؛ وهي منطقة تقع بين المدينة المنورة والشام ، قال تعالى (وثمود الذين جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ)، والحجر فى الأصل ( كل مكان أحاطت به الحجارة) [351]، فكانوا من القوّة والمَهارة والحَذاقة بحدٍّ يَبْنُون من الصَّخْر الأَصمّ والجَبل الراسى بَيْتاً عظيماً مَنْحُوتاً ، وهم كانوا أَيضاً شَعْباً من عاد قوم هُود)[352].  

 

فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ (لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ r بِالْحِجْرِ قَالَ لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ) [353]، قوله (قَنَّعَ رَأْسَهُ) أي (مبالغة من الإقناع أي أطرق رأسه ولم يلتفت يمينا وشمالا كالخائف لئلا يقع نظره على مساكنهم)[354]

قال العلماء (ووجه هذه الخشية أن البكاء في الأول أرجح لما يأتي ببعثه التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكير في أحوال توجب البكاء من تقدير اللّه تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه ، وهو سبحانه مقلب القلوب ، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك ، فمن مرّ عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بحالهم فقد شابههم في الإهمال ودلّ على قساوة قلبه وعدم خشوعه ، فلا يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل عملهم فيصيبه ما أصابهم، ولهذا يندفع اعتراض من قال: كيف يصيب عذاب الظالم من ليس بظالم؟ لأنه بهذا التقدير لا يأمن أن يصير ظالماً فيعذب بظلمه)[355].

 

 

خاتمة السورة

(توجيهات إلهية لنبي الأمة لحفظ الدعوة حتى قيام الساعة)

 

 قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

 

أشارت الآيات إلى فناء السماوات والأرض بعد خلقهما ، وأن الله قدر للساعة موعدا ، هو موعد انتهاء الابتلاء في هذه الدنيا ، وإزاء موقف الكفار المتعنت معه ، فقد أرشد الله نبيه الخطوات الواجب اتباعها للتعامل مع هذا الموقف ، وأول هذا الأمر هو إرشاده بالصفح الجميل عمن استهزأ به.

 

فهناك علاقة حتمية بين ذكر الساعة والإرشاد إلى الصفح الجميل ، ألا وهي التذكير بأن الجزاء آتٍ لا محالة، وأن الانشغال بالخلق والانفعال بما يلاقيه منهم لا مبرر له، بل الأجدى العفو والإعراض الجميل عنهم ابتغاء مرضاة الله، مع التسليم بأن الله سيحاسب الجميع في وقته المحدد ، وليدخر حقه في القصاص منهم إلى يوم الساعة ، ولذلك خلقها الله تعالى ليقتص العبيد من بعضهم البعض، فقد خلق الله للجنة أهلا وللنار أهلا ، إذن لابد لأهل الدعوة التحلي بالصبر عمن يدعونهم في سبيل الله ، ولذلك أمر الله رسوله بالصفح عمن آذاه ، فلا يلتفت وينشغل بسخريتهم أو استهزائهم.

 

 وبعد أن يخلي صدره وينقيه بالصفح عن إساءتهم ، فلا يحمل انتقاما ولا حقدا ، عليه -ثانيا-أن يملأه بالقرآن الكريم ، فأوصاه بالرجوع ابتداء لكتاب الله تعالى الذي فيه الهدى والإرشاد الكامل وليعتصم بفاتحة الكتاب التي أجمل الله فيها  كل أحكام القرآن الكريم ، ففيها سبع آيات كافيات لجميع معاني القرآن العظيم .

 

ثم أرشده-ثالثا- لأن يغض الطرف عن حياة المترفين ، ففي النظر لمعيشتهم فتنة ، والله تعالى يريد أن يجعل قلب نبيه في حرز من هذه الفتنة ، ولذلك نهاه عن مجرد النظر حتى لا يتمنى قلبه ما تراه عينيه ، فإن غض البصر عن حال المترفين يعصم القلب من الانشغال بغير الله سبحانه ، وتمني الأخس الوضيع ، والانشغال بتحصيله ، وترك الغالي النفيس ، وإهمال الطرق الموصلة إليه .

 

 وفي ذات الوقت أرشده –رابعا - بعدم الحزن علي هؤلاء المترفين أنهم ليسوا على الصراط ، وأنهم محرومون من العيش في الهدي الرباني ، فطالما أدى ما عليه من تكليف بالبلاغ فلا ينشغل بالنتائج ، فالمعنى المراد التوسط ، أي لا ينبهر بأهل الدنيا ، ولا يحزن على حالهم ، حتى لا يصيبه القنوط واليأس حال دعوته ، ومد يد العون لهم ، فالحزن يقلل العزم ، وقد يؤدي إلى الكسل عن مواصلة الدعوة والإرشاد إلى الحق .

 

 ومن جهة أخرى أمره سبحانه –خامسا - بأن يلتف حول أصحابه المؤمنين فيهتم بشأنهم  ، فهم نواة الدعوة الإسلامية ،  وكلما قويت النواة كلما طالت سيقانها وتفرعت أفرعا كثيرة ، وخير سقاء لتلك النواة هو أن يتواضع معهم ،  بخفض الجناح ، فكلما فعل ذلك أحاط بهم وحافظ عليهم ، فازدادت ثمار دعوته المباركة ، جيلا بعد جيل .

 

 وأخيرا أمرته أن يمض في دعوته ، وليؤكد رسالته ونذارته لقومه ، غير آبه بتأمر المتآمرين ، ولا تحزب المتحزبين ، ولا الذين يريدون أن يبدلوا دين الله فيقسمون القرآن إلى أقسام ، قسم يبطلوه وقسم ينسبوه إلى كتبهم المحرفة باعتباره موافق لهم ،  وهم بذلك الصنيع - في الحقيقة - يوفقون بين القرآن وأهواءهم .

 

وبعد أن أرشدت السورة النبي r كيف يتعامل مع من حوله ، وقسمت الناس إلى ثلاثة ، مستهزئين يصفح عنهم ، ومترفين يغض الطرف عن حالهم ولا يحزن عليهم ، وأصحابه المؤمنين  حيث يخفض جناحه لهم ، أرشدته بضرورة التحول في هذه المرحلة من سرية الدعوة إلى جهريتها ، أي ارشدته بأن يبدأ بالجهر بالدعوة ، بعد تحقيق تلك الإرشادات الستة ، فعليه بأن يجهر بتلاوة آيات القرآن الكريم بعدما ظل لثلاث سنوات يسر بها في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، كانوا يقرأون القرآن في السر حتى لا تسمعهم قريش ، وليعلم أنه حينما يفعل ذلك ويجهر بدعوته فإنهم ولا شك سوف يستهزئون به ، فعندئذ فلا ينزعج من استهزائهم ، فالله كافيه من شر استهزائهم ، فهم أهون من أن يصيبه أذى منهم ، لأنهم يعبدون آلهة أخرى غير الله لن تنفعهم ولن تغني عنهم وسوف يعلمون عدم نفعها وضلال عبادتهم لها ، وحينئذ يكونون هم المستهزأ بهم والمسخور منهم ، كما في قوله (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) .

 

ولكن النبي r ورغم التزامه عملا بهذه التوجيهات الربانية إلا أنه كلما سمع منهم قولا يدل على كفرهم يضيق به صدره ، فيسري الله عنه بإخباره أنه سبحانه يعلم حاله ، وما ألم به من ضيق في الصدر ، فيسليه بهذه المعية ، ويلهمه ما يشرح صدره من هذا الضيق ، فيأمره بأن يفرج عن قلبه بالتسبيح  بحمد ربه ، فالتسبيح يفرج الهم ، ويأمره بكثرة السجود لله ، والتزام صلاة الجماعة مع المؤمنين ، إذ لا شك أنها تفرج كل هم وغم ، وأن يلتزم العبادة حتى يأتيه الموت ، فذلك هو الدرب الذي سار عليه الأنبياء جميعا ، أي التزام التسبيح والذكر والعبادة دون انزعاج باستهزاء المشركين .

 

قوله (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ..) (85) الإشارة لخلق السماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات وكائنات يدل على تدبير الله تعالى للكون ، وأن تدبيره تقدير ، وتقديره تدبير ، وأنه لم يخلق شيئا بغير حكمة ، قال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ).

 

قوله (..وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(85) جاءت هذه الأية عقب ذكر قصص انتقام الله تعالى من قوم لوط وقوم شعيب وقوم ثمود ، لينتقل الخطاب بعدها إلى النبي r ، فلا يستعجل حساب قومه وانتقام الله ممن آذى المسلمين ، ففي قيام الساعة ما يكفي لأن يأخذ كل مظلوم الحق ممن ظلمه ، فينصر الله المظلومين ، ويقتص لهم ممن ظلمهم من قريش ، فليس عليه غير الانتظار والصبر ، ولذلك خلق الله الآخرة لتكون دار حساب وقصاص وجزاء ، وثوابه عند الله عظيم في الآخرة ، قال رسول الله r (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ)[356]

 

 وهو في هذا الحال عليه أن يتحلي بالصفح عنهم ، ليكون صفحه بنية التماس الهداية لهم ، فذلك هو الصفح الجميل  ، أي بغير عتاب ، ولا لوم ، ولا مذلة ، كقوله (واهجرهم هجرا جميلا) وقوله (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) وَقَوْلُهُ (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ، فهذا الأمر جاء بعدما ذكر الله عقابه لقوم لوط وشعيب وثمود ليبين الفارق بين هؤلاء وقوم النبي محمد r وقد خلت أخلاقهم من أخلاق أسلافهم التي كانت سببا في هلاكهم ، بل صاروا بعد هذا الصفح خير أمة أخرجت للناس لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله .

 

يحكي الدكتور عائض القرني عن سيرة النبي r فيقول (وقد واجهه الأعراب بالجفاء وسوء الأدب، فحلم وصفح عنهم ، امتثالا لأمر ربه ( فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) ، فكان لا يكافئ على السيئة بالسيئة، بل يعفو ويصفح، وكان لا ينفذ غضباً إذا كان لنفسه ، ولا ينتقم لشخصه ، بل إذا أُغضب ازداد حلما ، وربما تبسم في وجه من أغضبه، ولذلك نصح أحد أصحابه فقال r (لا تغضب، ورددها مرار ، لا تغضب) [357]  ، وكان يبلغه الكلام السيء r فلا يبحث عمن قاله، ولا يعاتبه، ولا يعاقبه، فكان r يقول (لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)[358] وبلَّغه ابن مسعود كلاماً قيل فيه؛ فتغير وجهه وقال: (رحم الله موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر ) [359] ، وقد أوذي من خصومه في رسالته وعرضه وسمعته وأهله، فلما قدر عليهم عفا عنهم وحلم عليهم، وقال r (من كفَّ غضبه؛ كفَّ الله عنه عذابه) [360] ، وقال له رجلٌ: (اعدل)، فقال: خبت وخسرت إن لم أعدل) [361] ولم يعاقبه بل صفح عنه.

 

قوله (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)(86) ومن جملة ما خلق الله أن خلق أهلا للباطل ، ليختبر بهم أهل الحق ، فتظهر رحمته وعقوبته ، قال رسول الله r (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ)[362] .

 

فالجمع بين صفة الرحمة والعذاب هو من صفات الكمال الإلهي ، فلا شك أنه ليس بإله من ملك شيئا دون آخر ، أي ملك العقاب دون الرحمة ، أو ملك الرحمة دون العقاب ، ولذلك عُلم أن الله تعالى صاحب القدرة المطلقة والإرادة النافذة ، فكما أنه يملك العفو فإنه يملك العقوبة ،وذلك هو الحق الذي قامت عليه السماوات والأرض ،فسبحانه لم يخلق شيئا هملا أبدا.

 

وفي الآية إشارة إلى قدرة الله تعالى في عقابهم لإساءتهم لنبيه ، ولكنه سبحانه عليم بحالهم فلا يعجل عليهم ، فمنهم من أسلم قبل الفتح ومنهم أسلم يوم الفتح ، ومنهم من أسلم بعد ذلك ، وقال تعالى : (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ) (يس 81) أي أن الله تعالى خلقهم لحكمة فلا يعجل الدعاة إلى الله هلاك أقوامهم ، وإنما عليهم الصفح عنهم حتى يأذن الله بهدايتهم أو محاسبتهم على إساءتهم وأذاهم .

 

 قال ابن عاشور في الآية (إيماء إلى بشارة النبي r بأن الله يخلق من أولئك من يعلم أنهم يكونون أولياء للنبي r وهم الذين آمنوا بعد نزول هذه الآية والذين ولدوا، وقال أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وكان في أيام الجاهلية من المؤذين للنبي r دعاني داع غير نفسي وردني ... إلى الله من أطردته كل مطرد يعني بالداعي النبي r )[363].

 

فعن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ r حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ r يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ فَقَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ قَالَ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)[364]، فهي البذرة يبذرها أهل الدعوة وقد تنبت بعد حين .

 

قوله (وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ) (87) ففاتحة الكتاب فيها خير شفاء ، روى الدارمي عن عبد الملك بن عمير أن (فاتحة الكتاب شفاء من كل داء)[365] ، وهي مفرجة لما في الصدور من ضيق ، وقد أجملت معاني القرآن العظيم ، ولذلك كان النبي r يقرأ بها في كل ركعة ثم يقرأ ما تيسر من القرآن ليكون الإجمال ثم التفصيل

 

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ .. فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ .. فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ ...)[366] ، فإذا كانت فاتحة الكتاب لها تأثير شافي من الأمراض والأوجاع والسموم ، فإنها كذلك تشفي من الهموم والغم وضيق الصدر والكروب .

 

ناهيك عما في الكتاب العظيم من تفصيل ما في الفاتحة وشفاء عظيم ، قال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)(يونس 57) ، وقال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا)(الإسراء 82) .

 

قوله (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ) قال الشنقيطي ( لما بين تعالى أنه آتى النَّبي r السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار)[367] ، ولذلك قيل "طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنعه الله به"[368] ، ولذلك قال العلماء (مَنْ أوتِي القرآن فرَأى أنَّ أحَداً أوتِي مِنَ الدنيَا أفضل ممَّا أوتِي ، فقَد صَغَّرَ عَظِيماً وعَظَّمَ صَغِيراً) .

 

وبالرغم من أن النبي r كان أزهد الناس ، وأبسطهم في المعيشة ، فقد نهاه الله عن أن ينظر نعمة الله التي متع بها هؤلاء  ، ليكتفي بما أعطاه الله من نعمة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثُمَّ الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ r نَارٌ فَقُلْتُ يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ قَالَتْ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ r جِيرَانٌ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللَّهِ r مِنْ أَلْبَانِهِمْ فَيَسْقِينَا)[369] ، هكذا كانت بساطة النبي r في العيش ، تقول عائشة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ)[370] .

 

قوله (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) وقد حزن النبي r عليهم ، كما بين الله في قوله (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام 33) ، ونهاه الله عن الحزن عليهم في أكثر من موضع فقال سبحانه (وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (لقمان 23) ،وقوله (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (النحل 127)

 

والعلة من النهي ألا تفتر عزيمته عن دعوتهم ، لأن الحزن يجلب اليأس ، واليأس يثبط الهمم ، قال ابن تيمية (الحزن إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة منهى عنه ، وإن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما أمر الله ورسوله به كان مذموما عليه من تلك الجهة )[371].

 

وقال ابن القيم (اعلم أن الحزن من عوارض الطريق ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين ، ولهذا لم يأمر الله به في موضع قط ولا أثنى عليه ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابا ، بل نهى عنه في غير موضع كقوله تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) وقال تعالى (ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون) وقال تعالى (فلا تأس على القوم الفاسقين) وقال (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله دفعها وكشفها ،ولهذا يقول أهل الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) فحمدوه على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها ،وفي الصحيح عن النبي أنه كان يقول في دعائه (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال) فاستعاذ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان فالهم والحزن قرينان ، وهما الألم الوارد على القلب فإن كان على ما مضى فهو حزن وإن كان على ما يستقبل فهو الهم ...

... والحزن يضعف القلب ويوهن العزم ويضر الإرادة ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن قال تعالى (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين ءامنوا) فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى العبد بها بغير اختياره كالمرض والألم ونحوهما )[372].

 

قوله ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (88) أمره بأن يتعامل مع أصحابه المؤمنين بالتواضع ، والبساطة ، وليس بالأوامر والنواهي ، وإن حق له r أن يأمرهم وينهاهم لأنه رسول من ربه ، ولكن الله أمره في غير موطن البلاغ أن يخفض جناحه لهم من باب الملاطفة ، فمن يلاطفهم إذا لم يلاطفهم النبي r وقد أساء إليهم كفار قريش ، فأمره بلين الجانب لهم ، والبشاشة في وجوههم ، والجناح هنا استعارة لأن الطائر إذا أراد النزول من الطيران فإنه يخفض جناحه ، فهي استعارة مكنية للدلالة على بساطته معهم ووده لهم دون تعالٍ أو فظاظة ، قال تَعَالَى : ( وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [ آل عمران : 159 ] .

 

والوصية بذلك جاءت في موطن استهزاء الكفار بالنبي r وإيذاءهم له ، وقد ضاق صدره من ذلك ، فلا يفرغ همه وغضبه علي أصحابه ، وهو r منزه عن ذلك حتما ، ولكن الخطاب له تربية لأمته أن يحرصوا على تلك الأخلاق مع إخوانهم حتى لا يتأثروا بمعاقبة قومهم لهم على حسن إسلامهم ، وإنما يكونوا كالشجر يلقيهم الناس بالحجر فيلقي إليه الثمر ، فكان أولى الناس بحسن المعاملة المؤمنين من حوله ، لاسيما وقد ذاقوا ما ذاق من الاضطهاد والتعذيب وسوء المعاملة ، فكان في لين رسول الله معهم تسرية لهم وتخفيف من أذى قومهم ، يقول النبي r (إنما الصبر بالتصبر) يعني أنهم يصبرون بعضهم بعضا فيخف عليهم الابتلاء جميعا .

 

قوله (وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ) (89) وذلك هو بيت القصيد ، فلا ينشغل عن أركان الدعوة بإيذاء قومه له ،وإنما عليه أن يظل مشغولا بوظيفته وهي أن ينذر قومه غضب الله عليهم إذا لم يرعوا حق ربهم عليهم ، وعليه أن يبين لهم تلك النذارة .

 

ولذلك جمع النبي r الوفود ليبين لهم ذلك ، فبدأ بأهل قرابته ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) صَعِدَ النَّبِيُّ r عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ  (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)[373] ، وهكذا كفى الله نبيه استهزاء عمه به بتلك الآيات التي تتلى إلى يوم القيامة ، ولم تبطل دعوة النبي r باستهزائهم ، بل ظل يدعو حتى أتاه اليقين  .

 

 قوله (كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ) (90) قال ابن كثير أي:(المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) [النمل: 46] أي: نقتلهم ليلا قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا)[374] .

 

قوله (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ) (91) قال ابن كثير (هم أهل الكتاب، جَزَّؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه)[375]، حيث قالوا - لعنادهم وعداوتهم - (بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما ، فاقتسموه إلى حق وباطل ، وعصوه)[376].

 

قوله (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (93) القسم لإفادة أن موعد حسابهم ليس في الدنيا ، بل الحساب الحق يبدأ عند السؤال في غير دار الدنيا ، فالسؤال حق ، وما كان ربك نسيا ، قال تعالى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (الصافات 26) .

 

إذن القسم للتأكيد على أن الله معه عليهم ، وأنه سوف يسألهم ويحاسبهم ، فلا يهوله أعمالهم السيئة وتحزبهم عليه ، فهم أهون من أن يجيبوا على سؤال ربهم ، كما في قوله (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) (المرسلات 36) .

 

قوله (فَاصْدَعْ [377]بِمَا تُؤْمَرُ ...) (94) قال أبو حيان (الصدع : الشق ، وتصدع القوم تفرقوا ، وصدعته فانصدع أي شققته فانشق)[378] ، فاللفظ يوحي بتغيير الحال بالقوة ، أي قوة كلمة الحق ،  فهنا وبعد أن أكدت الآيات هوان الكافرين المستهزئين ، ومعية الله لعباده المخلصين وحفظه لهم ، جاء الأمر من الله تعالى بالصدع بكلمة الحق لإبطال الباطل وإنكار المنكر ، فالصدع في معناه الشرعي يعني أن كلمة الحق إذا قيلت فإنها تفلق الباطل وتشقه ، لا تبقيه على حاله ، كما في قوله (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (سبأ 48) ، أي يقذف الباطل بالحق ، كما في قوله (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)(الأنبياء 18)

 

ولذلك قال المنشغلون بالسيرة أن (الدعوة كانت في مبدأ أمرها سرية تتم في الكتمان والخفاء، حتى لا يقاومها الأعداء وهي لم تزل في مهدها الصغير، ثم تطورت بعد ثلاثة أعوام من بدء الوحي، حينما نزلت الآية: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) واتخذت مظهر الجهرية الصريحة والإعلان العام، فأصبح محمد r  يجمع القوم ويكاشفهم بأمر الدين الحنيف، وقد بدأ بعشيرته الأقربين)[379] .

 

 قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ دَخَلَ النّاسُ فِي الْإِسْلَامِ أَرْسَالًا مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ حَتّى فَشَا ذِكْرُ الْإِسْلَامِ بِمَكّةَ وَتُحَدّثَ بِهِ . ثُمّ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ أَمَرَ رَسُولَهُ r أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ وَأَنْ يُبَادِيَ النّاسَ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللّهِ r أَمْرَهُ وَاسْتَتَرَ بِهِ إلَى أَنْ أَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ - فِيمَا بَلَغَنِي - مِنْ مَبْعَثِهِ ثُمّ قَالَ اللّهُ تَعَالَى لَهُ (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ، وَقَالَ تَعَالَى (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، (وَقُلْ إِنّي أَنَا النّذِيرُ الْمُبِينُ)[380].

 

وقد لخص سيد قطب مفهوم وضوابط الصدع بكلمة الحق فقال (إن الصدع بحقيقة هذه العقيدة؛ والجهر بكل مقوّماتها وكل مقتضياتها . ضرورة في الحركة بهذه الدعوة؛ فالصدع القوي النافذ هو الذي يهز الفطرة الغافية؛ ويوقظ المشاعر المتبلدة؛ ويقيم الحجة على الناس ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ) أما التدسس الناعم بهذه العقيدة؛ وجعلها عضين يعرض الداعية منها جانبا ويكتم جانبا ، لأن هذا الجانب يثير الطواغيت أو يصد الجماهير! فهذا ليس من طبيعة الحركة الصحيحة بهذه العقيدة القوية ، والصدع بحقيقة هذه الحقيقة لا يعني الغلظة المنفرة ، والخشونة وقلة الذوق والجلافة! كما أن الدعوة بالحسنى لا تعني التدسس الناعم ، وكتمان جانب من حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب ، وجعل القرآن عضين . . لا هذه ولا تلك . . إنما هو البيان الكامل لكل حقائق هذه العقيدة؛ في وضوح جلي ، وفي حكمة كذلك في الخطاب ولطف ومودة ولين وتيسير) [381].

 

وأثر الصدع بكلمة الحق في مثل هذه الظروف ، أي بعد انتهاء فترة سرية الدعوة عظيم في نشر الدعوة وتقوية الفئة المؤمنة على الثبات والشجاعة والجسارة في الصدع بتلك الكلمة في الوقت الذي لا تزال هذه الفئة ممنوعة من أن تقاتل أو تنتقم أو تقتص ممن أذاها ، أي لا تزال مرحلة كف اليد قائمة ، ما يعني أنها سوف تخوض غمار تجربة  غاية في الصعوبة ، وتتحمل مشاق لم تتعود عليها من ذي قبل ، ولكن هذه المرحلة تتطلب مثل هذه التضحيات ،  وليس في ذلك أي معنى للمجازفة بالدعوة ، وليس معنى ذلك إلقاء المسلمين أنفسهم في التهلكة ، بل هي كما أمر الله صدع بكلمة الحق فتنفلق بها صفوف الباطل ، وتشقه شقا ، ولذلك يقول النبي r عندما سئل  عن أفضل الجهاد فقال (كلمة حق عند إمام جائر) [382] ، وقال رسول الله r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)[383].

 

 فالصدع بكلمة الحق هو نوع من البلاغ عن الله ، فكلمة الحق علم عن الله ،  ولا يجوز كتمانها ، لقول النبي r (أيما رجل آتاه الله علما فكتمه ألجمة الله يوم القيامة بلجام من نار)[384] ، والصدع بكلمة الحق في تحول حثيث لطريقة تغيير المنكر ، أي أن مرحلة سرية الدعوة كان تغيير المنكر بالقلب ، أما عند التحول إلى مرحلة جهرية الدعوة هنا تكون وسيلة تغيير المنكر القول والجهر به وليس مجرد إنكار القلب الذي هو أضعف الإيمان ، يقول النبي r (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ)[385].

 

قوله (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (94) اقترن الأمر بالصدع بالإعراض عن المشركين ، ذلك أن هذه المرحلة من مراحل الدعوة ليس فيها جهاد ، بل لا تزال الدعوة في إطار خصائصها المكية ، فكان لابد أن يلتزم النبي r منهج الإعراض عن المشركين ، محاولا ألا يصطدم معهم ، وعليه أن يبذل كل البذل لأن يمنع أي صراع دموي مسلح مع هؤلاء ، ولا يزال البلاغ عن الله لم يكتمل ، ولا تزال الدعوة في مهدها ، ولا يزال الناس يحوط بهم المشركون ،  وليس عليهم ذنب أن صدهم المشركون عن السماع عن رسول الله r  ، ولذلك جاء الأمر بالصدع رغم كل ذلك ، بحيث يصبر على أذاهم الذي سوف يزيد ولا شك ، ولا يتخلى عن الصدع بكلمة الحق .

 

فالواجب في هذه المرحلة ليس مجادلة المشركين سواء بالقول أو بالسيف ، بل الواجب هو إيصال البلاغ لهم مع التمسك بالعلم والعمل به والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والثبات على ذلك ، أي الصبر على الفتن حتى يلقى العبد الله ، قال البيهقي في هذه الآيات (ففرض عليه إبلاغهم وعبادته ، ولم يفرض عليه قتالهم )[386].

 

فعَنْ أَبِي ذَرٍّ يقول  (إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ عُلَمَاؤُهُ كَثِيرٌ وَخُطَبَاؤُهُ قَلِيلٌ مَنْ تَرَكَ فِيهِ عُشَيْرَ مَا يَعْلَمُ هَوَى أَوْ قَالَ هَلَكَ وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقِلُّ عُلَمَاؤُهُ وَيَكْثُرُ خُطَبَاؤُهُ مَنْ تَمَسَّكَ فِيهِ بِعُشَيْرِ مَا يَعْلَمُ نَجَا)[387] ، وعن بن مسعود يقول : (إنكم في زمان كثير فقهاؤه قليل خطباؤه ، قليل سؤاله كثير معطوه ، العمل فيه قائد للهوى ، وسيأتي من بعدكم زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه ،كثير سؤاله قليل معطوه ، الهوى فيه قائد للعمل ، اعلموا أن حسن الهدي في آخر الزمان خير من بعض العمل)[388].

 

قوله (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) (95) نزلت هذه الآية لتطمئن الصحابة بعدما استشعروا صعوبة الصدع بالحق بعدما ظلوا ثلاث سنوات يسرون الأمر ، يقول الشيخ رحمت الله (لما نزلت هذه الآية بشر النبي r أصحابه بأن اللّه كفاه شرهم وأذاهم وكان المستهزئون نفراً بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا بضروب البلاء وفنون العناء فتم نوره وكمل ظهوره)[389].

 

قال ابن جزي أنها نزلت في قوم مخصوصين (يعني قوماً من أهل مكة؛ أهلكهم الله بأنواع الهلاك من غير سعي النبي r ، وكانوا خمسة : الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب ، والأسود بن عبد يغوث وعدي بن قيس ، وقصة هلاكهم مذكورة في السير)[390] ، ما يعني أن الله تعالى إذ كف أيدي الصحابة في الفترة المكية عن الجهاد في سبيل الله ، فإنه كفاهم شر القتال ، ومنعهم وحفظهم من شر المستهزئين ، وهكذا يتدرج التكليف بحسب المرحلة التي تمر بها الدعوة ، أما في المرحلة المدنية  فقد أذن للنبي r بالجهاد ، وهو ما تزامن بكثرة غارات الكفار والمشركين وتحزبهم على حربه ، من هذا نرى أن الله يكلف عباده ما يطيقون ، فلا يكلفون إلا بما يستطيعون ، فلو أذن لهم بالجهاد في العهد المكي لما استطاعوا ، فكفاه الله شر استهزاءهم به ، فضلا عن محاربته .

 

والتعبير عن كفاية الله لنبيه شر المستهزئين به تقدم بلفظ (إِنَّا) الذي يدل على عظمة الله تعالى في سلطانه ، وأنه هو الذي يكفي عبده شرهم ، كما في قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس) ،  وقوله: (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) .

وعن بن عباس في قوله "إنا كفيناك المستهزئين" قال (المستهزئين الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب أبو زمعة من بنى أسد بن عبد العزى والحارث بن غيطل السهمي والعاص بن وائل السهمي ، فأتاه جبريل عليه السلام فشكاهم إليه رسول الله r فأراه ابا عمرو الوليد بن المغيرة فأوما جبريل إلى أبجله فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه ثم أراه الحارث بن غيطل السهمي فأوما إلى بطنه فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه ثم أراه العاص بن وائل السهمي فأوما إلى اخمصه فقال ما صنعت شيئا فقال كفيتكه .

 فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلا له فأصاب أبجله فقطعها

وأما الأسود بن المطلب فعمى فمنهم من يقول عمى كذا ومنهم من ، يقول نزل تحت شجرة فجعل يقول يا بني لا تدفعون عني قد هلكت اطعن بشوك في عينى فجعلوا يقولون ما نرى شيئا فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه

وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها

 وأما الحارث بن غيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها ، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوما حتى دخل في رجله شبرقة حتى امتلأت منها فمات)[391].

 

ما يعني أن تخفيف التكليف عن الصحابة بكف أيديهم عن الجهاد وإلزامهم بالصبر على كلمة الحق قوبل بمزيد من كفاية الله لهم ، وتنزيل الملائكة للذود عنهم ، وكلما قوى المسلمين زاد التكليف حتى يكلفوا بالجهاد في سبيل الله ، وهكذا كلما زاد الإيمان زاد البلاء .

 

قوله (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (96) تبين الآية للنبي r هوان هؤلاء المستهزئين ، فهم مجرد مشركون بالله ، لا أكثر من ذلك ، فلا قيمة لاستهزائهم وسخريتهم ، فمن استعان بغير الله لم يعان ، ومن والى غير الله لم ينصر ، فكيف بهؤلاء يستهزئون وهم المستهزأ بهم ، إذ لا ناصر لهم ولا معين ولا مغيث ، فسوف يعلمون حقيقة أمرهم ، وذلك حين يضحك عليهم المؤمنون ويستهزئون بهم ، قال تعالى (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المطففين 36)

 

قوله (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ)(97) (ضيق صدر العامل في الدعوة له أثار سلبية تضره ودعوته ، التي يتمثل أهمها في تبديد الجهد والشعور بهدر الطاقة)[392]، هنا يجيء الخطاب القرآني بهذه الآية ليشعر النبي r بأن الله يعلم ما في صدره من ضيق ، وكأنه مخنوق أو به دخان ، فتنفرج أساريره ويتسع صدره ويتحرك بالهواء منشرحا أن علم أن الله يعلم حاله ، بذلك تنمو طاقته من جديد ويتضاعف جهده  ، وكأن شيئا لم يحصل له .

 

قوله (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (98) فهذه أمور ثلاثة (التسبيح ، السجود ، العبادة) أرشد الله بها نبيه عندما يجد أن هم الدعوة قد أثقله ، وسخرية المدعوين قد ضاق بها صدره ، لتنفرج أساريره وتتفتح زهرة قلبه ، ليجدد دعوته بذات القوة التي بدأها ، وهي :-

  • التسبيح بحمد ربه
  • الانضمام لصفوف الساجدين في صلاة الجماعة ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r (إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى)[393]
  • كما أوصاه بالتزام العبادة حتى الموت ..فالعبادة في مواطن النعمة دليل على الشكر ، وفي مواطن البلاء دليل على الاستعانة بالله وحده ، وللعبادة هنا تشير إلى أمر مخصوص .

 

قال القاسمي (أعلمه بما يزيل ضيق الصدر والحزن ، وذلك أمره من التسبيح والتحميد والصلاة ، كما قال تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ) [ البقرة : 45 ] ، وقال : ( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) [ الرعد : 28 ] ،(ومعلوم أن في الإقبال على ما ذكر ، استنزال الإمداد الرباني بالنصر والمعونة) [394]؛ لقوله : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 153 ] و [ الأنفال : 46 ] ، وقوله : ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) [ البقرة : 152 ] ، وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) [ النحل : 128 ] .

 

قوله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(99) والمراد باليقين : "الموت" بإجماع المفسرين[395] ، قال ابن عجيبة أي : (الموت ، فإنه متيقن لحاقه ، وليس اليقين من أسماء الموت ، وإنما العلم به يقين ، لا يمتري فيه ، فسمي يقيناً؛ تجوزاً ، أو : لما كان يحصل اليقين بعده بما كان غيباً سمي يقيناً ، والمعنى : فاعبده ما دمت حياً ، ولا تُخِلّ بالعبادة لحظة)[396]، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ :(لمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِعَمَلِ الْمُؤْمِنِ غَايَةً دُونَ الْمَوْتِ ؛ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ)[397]

 

يقول الدكتور فالح (ويدخل فيه المواصلة والاستمرار في الدعوة مع عدم المبالاة بالاستهزاء والسخرية والاتهام وعدم الاستعجال للنتائج والثمار ، فأنت تبني وتزرع وغيرك يقطف كما قطفت ثمار من زرع قبلك , وقد لا ترى ثمار عملك, فليبذل الداعية بما أوتي من جهد في سبيل دعوته)[398].

 

 يقول الشاعر عبد العزيز صبري[399] : -  على المرء أن يسعى إلى الخير جهده ....... وليس عليه أن تتم المقاصد

على المرء ان يسعى إلى الخير جهده

 

 

وليس عليه ان تتمّ المقاصدُ

علينا بان نسعى إليه وانه

 

 

هو الجد بالعلياء حيث المحامدُ

علينا بان نسعى لحفظ حقوقنا

 

 

من السلب ان الحق بالمطل فاقدُ

علينا بان نسعي إلى المجد جهدنا

 

 

وشيمتنا بين الانام التعاضدُ

علينا بان لا نجعل الخوف رائداً

 

 

لآمالنا فالخوف للذل قائدُ

علينا بان لا نضعف العزم ان رمى

 

 

حمانا بسهم الغدر طي الخفا عدو

وان لا نقصر في النضال بهمةٍ

 

 

عن الوطن[400] المحبوب والحزم رائدُ

وان لا ندع رهط الخديعة كامناً

 

 

يكيد لنا ان الوفاق مكائدُ

وان لا نذرهم يهضمون حقوقنا

 

 

وكل فتى منا لدى الحق جامد

وان ننتبه في السير والليل حالك

 

 

فقد نُصت من كل صوبٍ مصائدُ

وذو مأربٍ خلفَ المكامن جاثمٌ

 

 

وشيطان انس في التصيد ماردُ

فلا تأمنوا يا قوم لين شراكه

 

 

فتلك مراميه عليها شواهدُ

وقولوا له انا رجالٌ تيقظوا

 

 

وان لذيذ الصيد في البحر شاردُ

ولا تنصبوا في المجدّ فالبحر مزبدٌ

 

 

ولو كان بعد الجزز صحت موائدُ

وان كان صيد البرّ في مصر قصده

 

 

فقد طار ذياك الحمام المعاندُ

الا ان هذا الشعب اصبح واعياً

 

 

إلى غاية استقلاله فهو ناشدُ

مقاصدُ اهل السوءِ سلبُ نعيمه

 

 

وليس عليه ان تتمَّ المقاصدُ

 

 

 

الفهرس

تمهيد : -. 1

مقدمة سورة الحجر 3

المحور الأول. 9

حفظ الله هذا الدين. 9

من حيث الجوهر بحفظ طريقة الاستدلال على الغيب والشكل بحفظ الوحي. 9

المحور الثاني. 15

حفظ الكون. 15

المحور الثالث.. 23

حفظ عباد الله من إبليس.. 23

المحور الرابع 38

حفظ المتقين في جنات وعيون. 38

المحور الخامس 41

حفظ الفطرة في قصة (ضيف إبراهيم المرسلين لقوم لوط) 41

تتمة المحور السادس.. 50

قطع دابر قوم لوط. 50

تعقيب على المحور السادس وتمهيد للمحور السابع. 55

التعقيب على قصص إبراهيم ولوط  والتمهيد لقصص أصحاب الأيكة والحجر 55

المحور السابع. 58

انهيار الحضارات لما رفع الله حفظه عنها

أصحاب الآيكة وأصحاب الحجر 58

خاتمة السورة 60

(توجيهات إلهية لنبي الأمة) 60

 

 

[1] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2486

[2] ) لسان العرب ج2 ص 30

[3] ) معمر زكي علي موسى : دراسة أسلوبية في سورة الحجر ص 135  واستطردت فيها ، رسالة ماجستير بإشراف د / إبراهيم خليل كلية الدراسات العليا في اللغة العربية وآدابها الجامعة الأردنية 2010  

[4] ) التحرير والتنوير ج12 ص 7

[5] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 798

[6] ) تفسير الخازن ج4 ص 132

[7] ) رواه الترمذي ج10 ص 202 رقم 2872 ، وهو وإن كان الألباني ضعف إسناده إلا أن معناه صحيح

[8] ) رواه الحاكم في صحيحه ج1 ص757 ، وهو صحيح المعنى وتفسير لما سبقه

[9] ) تفسير الخازن ج4 ص 132

[10] ) تفسير القشيري ج4 ص 64

[11] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 252

[12] ) وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور ،

[13] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 252

[14] ) قال الرازي (اتفقوا على أن رب موضوعة للتقليل ، وهي في التقليل نظيرة كم في التكثير ، فإذا قال الرجل : ربما زارنا فلان ، دل ربما على تقليله الزيارة . قال الزجاج : ومن قال إن رب يعني بها الكثرة ، فهو ضد ما يعرفه أهل اللغة ، وعلى هذا التقدير : فههنا سؤال ، وهو أن تمني الكافر الإسلام مقطوع به ، وكلما رب تفيد الظن ، وأيضاً أن ذلك التمني يكثر ويتصل ، فلا يليق به لفظة { رُّبَمَا } مع أنها تفيد التقليل) تفسير الرازي ج9 ص 277

[15] ) قال الدكتور فاضل السامرائي ، لمسات بيانية ج1 ص 591: قسم قالوا أنها تفيد التكثير (رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) وقسم قال إنها تفيد التقليل وهذا معناها على العموم. ويكون التقليل أو التكثير بحسب المعنى.

[16] ) انظر تعليق أبو مالك العوضي على استعمال جمال الدين بن مالك كلمة ربما في الخلاصة الألفية ، وغيره من الشراح كالشاطبي في المقاصد الشافية ، https://al-maktaba.org/book/31869/20100

[17] ) البحر المديد ج2 ص 96

[18] ) لمسات بيانية ص 592

[19] ) لمسات بيانية ص 591

[20] ) ابن القيم : عدم الصابرين ص 164 ، تفسير القيم لابن القيم ج2 ص 235

[21] ) التحرير والتنوير ج13 ص 11

[22] ) مصنف ابن أبي شيبة ج13 ص 281

[23] ) رواه البخاري ج20 ص 41 رقم 5938

[24] ) رواه مسلم ج5 ص 261 رقم 1736

[25] ) فيض القدير ج6 ص 602

[26] ) شعب الإيمان للبيهقي ج7 ص 407 رقم 10784

[27] ) أخبار مكة للفاكهي ج5 ص 105 ص 1837

[28] ) شعب الإيمان للبيهقي ج7 ص 407 رقم 10785 ، أدب الدنيا والدين ص 124 ، ابن أبي الدنيا : قصر الأمل ص 103

[29] ) رواه مسلم ج5 ص 260 رقم 1735

[30] ) فيض القدير ج6 ص 602

[31] ) تصرف من عندي

[32] ) عدة الصابرين ج1 ص 164

[33] ) إحياء علوم الدين ج4 ص 457 ، إحياء علوم الدين ومعه تخريج الحافظ ج7 ص 150

[34] ) رواه أبو داود ج13 ص 475 رقم 4558 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج11 ص 235 وصحيح الترغيب والترهيب ج3 ص165

[35] ) تحفة الأحوذي ج6 ص 518

[36] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج29 ص 370

[37] ) الملا علي القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج15 ص 183

[38] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 185 رقم 525

[39] ) الزهد للإمام أحمد ص 236

[40] ) رواه البخاري ج20 ص 39 رقم 5937

[41] ) رواه البيهقي في الأربعين الصغرى ص 73 وقال رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْن الْمَدِيْنِيِّ عَنِ الطَّفَاوِيِّ ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة المجلدات ج3 ص 231 وقال رواه بتمامه أبو نعيم في " الحلية " ( 3 / 301 ) من طريق أخرى عن شيخ شيخ البخاري محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن الأعمش عن مجاهد به . ثم قال : " هذا حديث صحيح متفق عليه منحديث الأعمش . و رواه ليث بن ( أبي ) سليم عن مجاهد

[42] ) كنز العمال ج3 ص 449 رقم 7388

[43] ) رواه البخاري ج20 ص 42 رقم 5939

[44] ) فتح الباري ج11 ص 238

[45] ) ابن دقيق العيد : شرح الأربعين النووية ص 104

[46] ) شرح صحيح البخاري ج10 ص 150

[47] ) رواه البخاري ج11ص 432 رقم 3331

[48] ) تفريغ محاضرة الشيخ أحمد القطان بعنوان : اتهام العقلاء بالجنون : إسلام ويب ،

https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=FullContent&audioid=227999

[49] ) رضا البطاوى البطاوى Ýí 2017-05-26 الجنون في القرآن موقع أهل القرآن

 https://www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php?main_id=16640

 https://nir-osra.org/إسهام/هل-كان-الرسول-ﷺ-مجنونٌ-حقّاً؟

[50]) نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ الددو على شبكة الإنترنت.

https://ar.islamway.net/fatwa/11614/ /اتهام-الملتزم-بالجنون

[51] ) الكشاف ج3 ص 301

[52] ) الكشاف ج3 ص 301

[53] ) تفسير النسيابوري ج4 ص 475

[54] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 800

[55] ) الدر المنثور ج6 ص 86

[56] ) في هذا المعنى المنتخب لجنة علماء الأزهر  ج1 ص 427 الشيخ سعد الخثلان : https://www.youtube.com/watch?v=p2HzaZ30UgA

[57] ) رواه مسلم ج1 ص 354 رقم 211

[58] ) [أخرجه ابن ماجه، رقم4049 ، والحاكم 4/473 عن حذيفة مرفوعا في حديث طويل. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، كما صححه الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم87].

[59] ) عبد المجيد الشيخ عبد الباري الروايات التفسيرية في فتح الباري ج2 ص 606

[60] ) مجموع الفتاوى ج3 ص 198

[61] ) رواه ابن أبي شيبة ج10 ص 534 وعبد الرزاق في مصنفه ج3 ص 362

[62] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 549 رقم 8538 انظر السلسلة الصحيحة المجلدات الكاملة للألباني ج4 ص 238 رقم 1739

[63] ) رواه البخاري ج6 ص 13 رقم 1493

[64] ) الشيخ محمد المنجد

https://: islamqa.info/ar/answers/3096/هل-يرفع-القران-في-اخر-الزمان

[65] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 59 رقم 4039 وصححه الألباني : صحيح سنن بن ماجة ج 2ص378 رقم 3273

[66] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 59 رقم 4039 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 378

[67] ) تفسير النسفي ج2 ص 134

[68] ) تفسير النيسابوري ج4 ص 477

[69] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2458

[70] ) رواه البخاري ج2 ص 58 رقم 323

[71] ) تفسير الرازي ج9 ص 286

[72] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 52 رقم 13191

[73] ) عن أنس أخرجه ابن أبي حاتم ج9 ص 52 رقم 13192 ، والسيوطي في الدر المنثور ج6 ص 87

[74] ) رواه أبو داود ج12 ص 224 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج10 ص 119 ، وذكره ابن كثير في تفسيره ج 4 ص 527

[75] ) التحرير والتنوير ج13 ص 20

[76] ) شرح سنن أبي داود ج26 ص 329

[77] ) الوجيز للواحدي ج1ص400

[78] ) تفسير الثعالبي ج2 ص 315

[79] ) تفسير البغوي ج4 ص 370 ومثله البيضاوي ج3 ص 285 ، تفسير الطبري ج17 ص 71

[80] ) النكت والعيون 2 ص 344

[81] ) https://kayf.co/hologram/

https://www.youtube.com/watch?v=TK95zlOTNao

https://www.youtube.com/watch?v=BnAXuzNkFdA

[82] ) رواه أحمد ج29 ص 533 رقم 18006 وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهب ج2 ص 151

[83] ) فتح القدير للشوكاني ج4 ص 170

[84] ) روي الطبري عن عن قتادة قال (إن الله جلّ ثناؤه إنما خلق هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء الدنيا، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدي بها ؛ فمن يتأوّل منها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به) تفسير الطبري ج23 ص 508 .

[85] ) والمقصود بجعل النجوم رجوماً للشياطين أنه يخرج منها شهب من نار، فتصيب هذه الشياطين، ولا يعني جعلها- بذواتها- رجوماً يقذف بها، فالذي يصيب الشياطين من تلك النجوم هي الشهب التي تخرج منها.

 قال الشيخ ابن عثيمين في شرح كتاب التوحيد: قال العلماء في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ} أي: جعلنا شهابها الذي ينطلق منها; فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل. فالشهب: نيازك تنطلق من النجوم. وهي كما قال أهل الفلك: تنزل إلى الأرض، وقد تحدث تصدعا فيها. أما النجم فلو وصل إلى الأرض; لأحرقها

[86]

[87] ) فتح القدير للشوكاني ج4 ص 170

[88] ) (أشار سبحانه إلى السماء والبروج ، فيسر من ذلك 1- القلب 2- والسر 3- والعقل 4- والروح

فيحصل للروح "التوحيد والتجريد والتفريد"

وللعقل "المعارف والكواشف"

وللقلب "العشق والمحبة والخوف والرجاء والقبض والبسط والعلم والخشية والأنس والإنبساط" ولعله يقصد الوجدان أي الشعور

 وللسر "الفناء والبقاء والسكر والصحو") ولعله يقصد بالسر الجسد

 انظر الألوسي : روح المعاني ج14 ص 54 مع بعض التغيير والتصرف

[89] ) رواه البخاري ج19 ص 210

[90] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4745

[91] ) نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط: 5 / 449 وابن الجوزي في زاد المسير 4 / 389، كلاهما دون قوله: فما منهم من أحد ... إلخ وانظر: تفسير القرطبي: 10 / 12، الدر المنثور: 8 / 303.

انظر تفسير البغوي ج4 ص 372

[92] ) موقع لقط المرجان لأبي حمد ج53 ص 153

[93] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 444

[94] ) رواه البخاري ج18 ص 51 رقم 5320

[95] ) رواه البخاري ج14 ص 490 رقم 4426

[96] ) جاء ذلك في شرح الدرر السنية – تحت إشراف علوي بن عبد القادر السقاف :  https://dorar.net/hadith/sharh/10127

[97] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 144 رقم 3716 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 305 رقم 3002

[98] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 396

[99] ) تفسير السعدي ج 1 ص 430

[100] ) تفسير ابن كثير ج7 ص 396

[101] ) تفسير البحر المحيط ج10 ص 121

[102] ) توصل فريق دولي من العلماء ضم باحثين من جامعة بكين (Peking University) وجامعة تورنتو (University of Toronto) وجامعة روتجرز (Rutgers University) وجامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين (University of Science and Technology of China) إلى أدلة تشير إلى أن الأرض كانت بلا جبال ومغطاة بالمحيطات خلال ما يزيد عن مليار عام

 https://www.ajnet.me/science/2021/2/24//دراسة-جديدة-العصور-الوسطى-للأرض-كانت

ليث العاروري | علوم الطقس في الأردن  Laith Al-Arouri | Weather Science in Jordan

https://www.cairo24.com/2099469

https://alelm.net/sciences/132989/ماذا-لو-اختفت-الجبال-من-على-سطح-الأرض؟

[103] ) رواه ابن ماجة ج10 ص 105 رقم 3340 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 237 رقم 2704

[104] ) عبد الله ابن جبرين : شرح عمدة الأحكام ج8 ص 17

[105] ) تفسير الرازي ج9 ص 295

[106] ) تفسير الخازن ج2 ص 498

[107] ) فتح القدير ج4 ص 171

[108] ) الكشاف ج3 ص 306

[109] ) رواه النسائي ج10 ص 262 رقم 3128 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن النسائي ج7 ص 251

[110] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 31

[111] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج3 ص 345 رقم 6183 عن الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان

[112] ) التحرير والتنوير ج13 ص 29

[113] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674

[114] ) شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ الآداب الشرعية ج2 ص 388

[115] ) د محمد الوهيبي : نواقض الإيمان ج1 ص 328

[116] ) رواه مسلم ج13 ص 117 رقم 4797

[117] ) مؤلفات الفوزان ج16 ص 26

[118] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج8 ص 32 رقم 3239 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج6ص106

[119] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 362 رقم 2135 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص6 رقم 1743

[120] ) رواه البخاري ج3 ص 348 رقم 799

[121] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ج1 ص 239 مع أعادة ترتيب الفقرات

[122] ) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ج1 ص 239

[123] ) تفسير الألوسي ج9 ص 473

[124] ) تفسير الطبري ج17 ص 88 تفسير الثعلبي ج1 ص 1260 في هذا المعنى الرازي في تفسيره ج9 ص 299 ، ابن الجوزي : زاد المسير ج4 ص 60

[125] ) في هذا المعنى تفسير الشعراوي 4955 مع بعض التصرف

[126] ) مفتاح دا السعادة ج1 ص 202

[127] ) رواه البخاري ج3 ص 472 رقم 880

[128] ) رواه البخاري ج3 ص 474 رقم 881

[129] ) Brookwood Baptist Health and Saint Vincent’s Ascension Health, Birmingham

Glenn D. Braunstein, MD, Cedars-Sinai Medical Center

https://www.msdmanuals.com/ar/home /الاضطرابات-الهرمونية-والاستقلابيَّة/توازن-الماء/مقدمة-حول-محتوى-الجسم-من-المياه

https://www.medicalnewstoday.com/articles/what-percentage-of-the-human-body-is-water

[130] ) فتح القدير ج4 ص 172

[131] ) في هذا المعنى تفسير الشعراوي 4955 مع بعض التصرف

[132] ) في هذا المعنى الشنقيطي  : أضواء البيان ج2 ص 273

[133] ) رواه الحاكم في المستدرك ج2 ص 437 رقم 3520

[134] ) ابن جرير الطبري ج17 ص 83 ، الكشف والبيان للنيسابوري ج5 ص 333

[135] ) الكشاف ج3 ص 308

[136] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 531

[137] ) https://www.youtube.com/watch?v=ABHoM6hBJUE

[138] ) رواه الترمذي ج11 ص 407 رقم 3424 وحسنه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص 189

[139] ) التيسير بشرح الجامع اصغير ج1 ص 439

[140] ) غريب الحديث للخطابي ج1 ص 343

[141] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 57

[142] ) البحر المديد ج3 ص 221

[143] ) تفسير ابن عرفة ج1 ص 260

[144] ) رواه مسلم ج14 ص 15 ص 5102

[145] ) رواه النسائي ج7 ص 227 رقم 2059

وقد اختلف العلماء في زمان هذا الحشر اختلافا كثيرًا، ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"(11/ 379)، فقال :" قال الخطابي : هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة؛ تحشر الناس أحياء إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف فهو على خلاف هذه الصورة من الركوب على الإبل والتعاقب عليها ؛ وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس في الباب (حفاة عراة مشاة ).

قال : وقوله (واثنان على بعير وثلاثة على بعير إلخ) : يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ ويمشي بعض .

قلت: وإنما لم يذكر الخمسة والستة إلى العشرة؛ إيجازا واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزومًا به، ولا مانع أن يجعل الله في البعير ما يقوى به على حمل العشرة .

ومال الحليمي إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزالي .

وقال الإسماعيلي : ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس المذكور بعدُ؛ أنهم ( يحشرون حفاة عراة مشاة) ؟

قال : ويجمع بينهما بأن الحشر يُعَبَّر به عن النشر، لاتصاله به ؛ وهو إخراج الخلق من القبور حفاة عراة؛ فيساقون ويجمعون إلى الموقف للحساب ؛ فحينئذ يحشر المتقون ركبانا على الإبل .

وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف، على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده ما أخرجه أحمد والنسائي والبيهقي من حديث أبي ذر، حدثني الصادق المصدوق: ( أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج فوج طاعمين كاسين راكبين وفوج يمشون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم...) الحديث.

وصوب عياض ما ذهب إليه الخطابي، وقواه بحديث حذيفة بن أسيد، وبقوله في آخر حديث الباب: ( تقيل معهم وتبيت وتصبح وتمسي)؛ فإن هذه الأوصاف مختصة بالدنيا. 

وقال بعض شراح المصابيح : حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه :

أحدها : أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصه دليل .

ثانيها : أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بد أن يكون راغبا أو راهبا أو جامعا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبا راهبا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها؛ فلا.

ثالثها : حشر البقية على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم: قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشنوة من غير توقيف.

رابعها : أن الحديث يفسر بعضه بعضا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن علي بن زيد عن أوس بن أبي أوس عن أبي هريرة بلفظ ( ثلاثا على الدواب وثلاثا ينسلون على أقدامهم وثلاثا على وجوههم )، قال: ونرى أن هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث، نظير التقسيم الذي وقع في تفسير الواقعة في قوله تعالى (وكنتم ازواجا ثلاثة) الآيات

فقوله في الحديث: ( راغبين راهبين ) يريد به عوام المؤمنين ؛ وهم من خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا، فيترددون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئاتهم ويرجون رحمة الله بإيمانهم ؛ وهؤلاء أصحاب الميمنة.

وقوله : ( واثنان على بعير.. إلخ) السابقين، وهم أفاضل المؤمنين يحشرون ركبانًا.

 وقوله : ( وتحشر بقيتهم النار ): يريد به أصحاب المشأمة. وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة الله تعالى، حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من البعران، ويحتمل أن يراد به التعاقب.

قال الخطابي: وإنما سكت عن الواحد، إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة كالأنبياء ؛ ليقع الامتياز بين النبي ومن دونه من السابقين في المراكب كما وقع في المراتب " انتهى.

والذي يظهر – للشيخ محمد المنجد - : أن الحشر المذكور في الحديثين هو الحشر الذي يكون قبل قيام الساعة .

ويشهد له: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ لَخِيَارِ النَّاسِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ

 أخرجه معمر بن راشد في "جامعه" (11/376)، وأحمد في "مسنده" (9/396)، وصححه الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3203).

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:" يدل عَلَى أن خيار الناس في آخر الزمان مهاجرون إِلَى مهاجر إبراهيم عليه السلام - وهي الشام – طوعًا، فيجتمعون فيها. وأما شرار الناس فيحشرون كرهًا، تحشرهم النار من بلادهم إِلَى الشام.

[ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق عن الطرائق الثلاثة، ثم قال]هذه الثلاث المذكورة في هذا الحديث :
أحدها: من يحشر راغبًا، وهو من يهاجر إِلَى الشام طوعًا.
والثاني: من يحشر رهبة وخوفًا عَلَى نفسه ؛ لظهور الفتن في أرضه.
والثالث: من تحشره النار قسرًا، وهو شر الثلاثة" انتهى من "مجموع رسائل ابن رجب" (3/238)

أما الحشر من القبور ؛ فهو على الصفة التي في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ:  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ رواه البخاري(349)، ومسلم (2860)

انظر موقع الشيخ محمد المنجد : https://islamqa.info/ar/answers/336047/

[146] ) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح قوله ( ويلقي الله الآفة على الظهر ) أي : على المركوب تسمية بما هو المقصود منه ، وتعبيرا عن الكل بالجزء ، ( فلا يبقى ) أي : ظهر ، وفي نسخة بالتأنيث أي دابة ، وفي نسخة بضم أوله أي : فلا تبقي الآفة دابة ( حتى إن الرجل لتكون له الحديقة ) أي : البستان ( يعطيها بذات القتب ) أي : بعوضها وبدلها ، وهو بفتح القاف والتاء للجمل كالإكاف لغيره ( لا يقدر ) أي : أحد ( عليها ) أي : على ذات القتب ; لعزة وجودها ، وهذا صريح في أن المراد بالحشر في هذا الحديث ليس حشر القيامة

[147]) البخاري (6522)، ومسلم (2861) 

[148] ) رواه البخاري ج11 ص 246 رقم 3177

[149] ) رواه مسلم ج12 ص 61 رقم 4363

[150] ) رواه الترمذي ج5 ص 483 رقم 1436 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج4 ص 14 رقم 1514

[151] ) لسان العرب ج11 ص 381

[152] ) لسان العرب ج11 ص 381

[153] ) لسان العرب ج11 ص 381

[154] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 58

[155] ) لسان العرب ج11 ص 381

[156] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 274

[157] ) لسان العرب ج1 ص 61

[158] ) لسان العرب ج11 ص 381

[159] ) البحر المحيط ج7 ص 202 ، الكشاف ج3 ص 310

[160] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 230 

[161] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 7112

[162] ) خلق الإنسان من الطين بأدلة علمية يقينية وبيانها كالتالى: التحليل المعملى لجسم الإنسان والتربة تطابق صفات الطين وصفات جسم الإنسان تكوين جسم الإنسان (سلالة من طين) غذاء الإنسان تركيب الحمض النووى الذى فى جسم الانسان (سلالة من ماء مهين) الموت خير شاهد على الخلق من التراب والطين دفن الإنسان وتحلل جثته إلى تراب دراسات حديثة عن الدور الحيوى للطين أو الطمى:
رابط المادة: http://iswy.co/e2br0q

ولو أرجعنا الإنسان إلى عناصره الأولية ، لوجدناه يشترك في تركيبه حوالي (26) عنصراً وهى : أ)ـ أكسجين (O) ، هيدروجين ( H) على شكل ماء إذ بهما يتكون الماء. ب) نيتروجين (N) كربون (C)، وهيدروجين ( H) وأكسجين   (O) وهذه العناصر تشكل أساس المركبات العضوية من سكريات ودهون ، وبروتينات وفيتامينات ، وهرمونات أو خمائر  ت) مواد جافة:ـ منها سبعة مواد أساسية: الكلور ( CL)، الكبريت (S)، الفسفور (P)، والكالسيوم  (Ca) والماغنسيوم (MG) والبوتاسيوم (K)، والصوديوم (Na)، ومنها ست مواد بنسبة أقل هي : الحديد (Fe)، والنحاس (Cu) واليود (I) والمنجنيز (MN) والكوبالت (Co)، والزنك  Zn) ) والمولبيديوم (MO)، ومنها ستة عناصر بشكل زهيد هي : الفلور ( F)، والألمنيوم (AL)، والبوروم (B)، والسيلينيوم (Se) ، الكادميوم (Cd) والكروم  .(Cr) أما نسب هذه العناصر فى جسم الإنسان فهو يتكون أساسا من الماء‏ (65%‏ إلي أكثر من‏75%)‏ بالاضافة إلي نسبة من الدهون‏ (‏10-14%),‏ والبروتينات‏(‏ ‏11% -17%),‏ والكربوهيدرات‏(‏‏1%)‏ وعدد من العناصر والمركبات غير العضوية ‏(‏تتراوح نسبتها بين‏5‏-6‏%). ‏وبرد كل ذلك الي عناصره الأولية يتضح أن جسم الإنسان يتكون من العناصرالتالية‏: الاكسجين ‏65%‏ ، الكربون ‏18 % ‏الهيدروجين ‏10%‏ ، النيتروجين‏3 % ، الكالسيوم‏1.4%‏ ،الفوسفور‏0.7%‏ ، الكبريت ‏0.2% ، ‏البوتاسيوم ‏0.18% ‏، الصوديوم ‏0.10 %‏ ، الكلور‏0.10%‏ ، المغنيسيوم ‏0.045%‏ ، عناصر نادرة ‏0.014 % ‏وتشمل العناصر النادرة كلا من اليود‏,‏ الفلور‏,‏ البروم‏, ‏الحديد ‏,‏ النحاس‏,‏ المنجنيز‏,‏ الزنك‏,‏ الكروم‏ ,‏ الكوبالت ‏,‏ النيكل ‏,‏ الموليبدينوم‏ ,‏ القصدير‏ ,‏ الكادميوم ‏,‏ والألومنيوم‏.‏ وهذا التركيب يشبه في مجموعه التركيب الكيميائي لتراب الأرض المختلط بالماء‏ أي الطين

الدكتور عبد الحميد دياب ، الدكتور أحمد قرقوز : الطب في القرآن ، مؤسسة علوم القرآن – اليقين في خلق الإنسان من طين ، أ د حنفي محمد مدبولي  / طريق الإسلام 13-11-2020

[163] ) القَصص التربويَّة عند الشيخ محمَّد تقي فلسفي، للطيف الراشدي، دار الكتاب الاسلامي، الطبعة الاولى 2004 م.

[164] ) التبيان في أقسام القرآن ج 1 ص203

[165] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 280 رقم 8887-8888

[166] ) رواه النسائي في سننه الكبرى ج5 ص 280 رقم 8887-8888

[167] ) الرازي : مختار الصحاح ج1 ص 119 ، الجوهري ، انظر : شمس الدين السفاريني : لوامع الأنوار البهية ج2 ص 220

رواه الضحاك عن ابن عباس : انظر ابن الجوزي في زاد المسي ج4 ص 399

[168] ) مارج نار لا دخان لها القرطبي 17/161

[169] ) رواه مسلم ج14 ص 273 رقم 5214

[170] ) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج1 ص 188

ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله r "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً) {جَنَّ عَلَيْهِ} يعني: غطّاه ظلام الليل.

[171] ) تفسير ابن أبي حاتم ج7 ص 115

[172] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج5 ص 47 رقم 4552 ومثله رواه الطبري ج13 ص 8

[173] ) رواه البخاري ج11 ص 53 رقم 3033

[174] ) رواه الحاكم ج2 ص 495 رقم 3702 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 543 رقم 5425

[175] المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 997

[176] ) مجموع الفتاوى ج19 ص 52

[177] ) رواه مسلم ج11 ص 281 رقم 4143

[178] ) رواه مسلم ج11 ص 289 رقم 4151

[179] ) شرح النووي على مسلم ج14 ص 230

[180] ) " عالم الجن والشياطين "  ص 119 .

قال (ولكنها لا تفعل هذا إلا بالضالين الذين يكفرون بالله رب الأرض والسماوات ، أو يفعلون المنكرات والموبقات ، وقد يتظاهر هؤلاء بالصلاح والتقوى ، ولكنهم في حقيقة أمرهم من أضل الناس وأفسقهم) يقصد بذلك أنه بعد ملك سليمان عليه السلام لا ينبغي لأحد من بعده مثل ملكه ، ولكن الشياطين تفعل شيئا من ذلك لأوليائها

[181] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 134

[182] ) تفسير النيسابوري ص177

[183] ) التحرير والتنوير ج30 ص 244

[184] ) رواه البخاري ج10 ص 485 رقم 2969

[185] ) رواه البخاري ج19 ص 387 رقم 5845

[186] ) رواه البخاري ج11 ص 117

[187] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 822 ومثله السيوطي : الديباج على مسلم ج5 ص 553

[188] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 55

[189] ) انظر استعمال فاء التعقيب : الثعالبي في فقه اللغة ص 1284

[190] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2467

[191] ) التحرير والتنوير ج13 ص 37

[192] ) تفسير القرطبي ج7ص 170

[193] ) شرح نهج البلاغة ج13 ص 129

[194] ) رواه الحاكم ج1 ص 656 رقم 1708 ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2ص9رقم1132

[195] ) رواه مسلم ج7 ص 70 رقم 2402

[196] ) رواه البخاري ج6 ص 457 رقم 1761

[197] ) رواه ابن ماجة ج3 ص 24 رقم 793 وصححه الألباني صحيح سنن ابن ماجة ج 1 ص 133 رقم 653

[198] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج3 ص 343 رقم 3717 ورواه السيوطي في الدر المنثور ، ولم يتم الألباني دراسته

[199] ) تحفة الأحوذيّ 9/ 262

[200] ) إسلام أون لاين / أصول فيه والمقاصد / علوم قرآن / لماذا  قبل الله توبة آدم ولم يقبل الله توبة إبليس

[201] ) الكشاف ج6 ص 36

[202] ) رواه مسلم ج1 ص 227 رقم 115

[203] ) رواه أبو داود ج11 ص 127 رقم 3567 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج9ص90 وصحيح ابن ماجة2/405

[204] ) رواه مسلم ج12 ص 415 رقم 4642

[205] ) رواه مسلم ج1 ص 247 رقم 131

[206] ) تفسير الطبري ج21 ص 240

[207] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 276

[208] ) أبو القاسم الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 190

[209] ) التحرير والتنوير ج13 ص 38

[210] ) تفسير القرطبي ج15 ص 229

[211] ) الدر المنثور للسيوطي ج5 ص 300 ، مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا ج1 ص 66

[212] ) رواه مسلم ج13 ص 413 رقم 5022

[213] ) تفسير القرطبي ج7 ص 175

[214] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج41 ص 31 ، تفريغ موقع الشبكة الإسلامية

[215] ) رواه مسلم ج13 ص 108 رقم 4789

[216] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج41 ص 31 ، تفريغ موقع الشبكة الإسلامية

[217] مدرج السالكين ج1 ص 141

[218] ) فتاوى الشبكة الإسلامية ج9 ص 2466 تاريخ الفتوى 28 ربيع الثاني 1426 هـ لماذا يعاتبنا ضمرينا بعد المعصية وليس قبلها ؟

[219] ) تفسير الخازن ج2 ص 178

[220] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 277

[221] ) رواه مسلم ج13 ص 321 رقم 4953

[222] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج11 ص 304 رقم 11837 وصححه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج22 ص 173

[223] )الدرر السنية : المشرع العام علوي بن عبد القادر السقاف  https://dorar.net/hadith/sharh/120839

[224] )الدرر السنية : المشرع العام علوي بن عبد القادر السقاف  https://dorar.net/hadith/sharh/120839

[225] ) تفسير الرازي ج9 ص 312

[226] ) تفسير الخازن ج4 ص 147

[227] ) زاد المسير ج4 ص 63

[228] ) تفسير الطبري ج17ص 103

[229] ) البحر المديد ج3 ص 226

[230] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 14

[231] ) صحيح البخاري ج14 ص 296

[232] ) مجموع فتاوى ابن تيمية في التفسير ج3 ص 388

[233] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 92

[234] ) رواه مسلم ج3 ص 148 رقم 943

[235] ) رواه أبو داود ج13 ص 272 رقم 4416 وصححه الألباني : صحيح كنوز لسنة ج1 ص 2

[236] ) ابن القيم : مفتاح دار السعادة ج1 ص 40

[237] ) ابن تيمية : منهاج السنة النبوية ج1 ص 7

[238] ) شرح العقيدة الواطية للفوزان ج1 ص 165

[239] ) شرح العقيدة الواسطية ، الغنيمان درس صوتي رقم 31 مفرغ بواسطة الشبكة الإسلامية ص 6

[240] ) معجم الفروق اللغوية للعسكري ج1 ص 270، تفسير النيسابوري ج7 ص 73

[241] ) تفسير اللباب في علوم الكتاب ج14 ص 439 ، مفاتيح الغيب للرازي ج28 ص 242

[242] ) الوجيز للواحدي ج1ص406

[243] ) لباب النزول في أسباب النزول للسيوطي 1/118 ، وعزى تخريجه للثعلبي ، تفسير القرطبي ج10 ص 31

[244] ) رواه مسلم ج13 ص 488 رقم 5077

[245] ) رواه مسلم ج13 ص 487 رقم 5076

[246] ) البحر المديد ج3 ص 227

[247] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 61 رقم 13244

[248] ) قيل أن الباب الأول :-يسمى جهنم لآنه يجهم في وجوه الرجال والنساء فيأكل لحومهم، وهو أهون عذابا من غيره.

الباب الثاني :-ويسمى لظى آكلة اليدان والرجلان تدعو من أدبر عن التوحيد وتولى عما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام.

البابا الثالث:-  يقال له سقر انما سمي سقر لأنه يأكل اللحم دون العظم

الباب الرابع:- يقال له الحطمة تحطم العظام وتحرق الأفئدة وترمي بشرر كالقصر فتطلع الشرر إلى السماء ثم تنزل فتحرق وجوهم وايديهم فيكون المع حتى ينفذ ثم يبكون الدماء حتى تنفذ ثم يبكون القيح حتى ينفذ

الباب الخامس:- يقال له الجحيم انما سمي بذلك لأنه عظيم الجمرة، الجمرة الواحدة اعظم من الدنيا

الباب السادس:- يقال له السعير سمى هكذا لأنه يسعر فيه ثلاثمائة قصر في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت ثلاثمائة لون من العذاب وفيه حيات وعقارب وقيود وسلاسل وأغلال، وفيه جب الحزن ليس في النار عذاب أشد منه إذا فتح باب الحزن حزن أهل النار حزنا شديداً.

الباب السابع:- يقال له الهاوية من وقع فيه لم يخرج ابدا وفيه بئر الهباب يخرج منه نار تستعيذ منها النار، وفيه الذين قال الله فيهم {سأرهقه صعودا}، وهو جبل من نار يوضع أعداء الله على وجوههم على ذلك الجبل مغلولة ايديهم إلى أعناقهم، مجموعة أعناقهم إلى أقدامهن، الزبانية وقوف على رؤسهم بأيديهم مقامع من حديد إذا ضرب أحدهم بالمقمعة ضربة سمع صوتها الثقلان

ذكره القتيبي في كتاب عيون الأخبار ) انظر التذكرة للقرطبي ج5 ص 386 ) ، المرجع : الموسوعة العقدية ، إعداد: مجموعة من الباحثين بإشراف الشيخ عَلوي بن عبد القادر السقاف ، الناشر: موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net

[249] ) البحر المديد ج3 ص 227

[250] ) رواه البخاري ج9 ص 354 رقم 2581

[251] ) محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني - رفع الأستار ج1 ص 95

[252] ) شرح مقدمة القيرواني للشيخ أحمد النقيب ج11 ص10

[253] ) المفردات في غريب القرآن ج1 ص 239

[254] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 537

[255] ) البحر المحيط ج5 ص 356 ، القرطبي ج7 ص 208 ، الشوكاني فتح القدير ج3ص37

[256] ) تفسير ابن أبي حاتم

[257] ) رواه البخاري ج20 ص 200 رقم 6054

[258] ) رواه البيهقي في سننه الكبرى ج8 ص 173 رقم 8 ص 173 رقم 17159

[259] ) رواه عبد الرزاق في مصنفه ج11 ص 241 رقم 20430 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج6 ص 161

[260] ) رواه أبو داود ج9 ص 404 رقم 3060 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج8 ص 27 ، صحيح الترغيب والترهيب 3 ص 93

[261] ) رواه البخاري ج11 ص 33 رقم 3016

[262] ) شرح رياض الصالحين ج1 ص 1825

[263] ) رواه البخاري ج19 ص8 رقم 5604

[264] ) رواه مسلم ج2 ص 421 رقم 651

[265] ) شرح النووي على مسلم ج4 ص 153

[266] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 476

[267] ) شرح الزرقاني ج1 ص 339

[268] ) رواه مسلم ج13 ص 476 رقم 5069

[269] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 279

[270] ) رواه البخاري ج12 ص 189 رقم 3536

[271] ) تفسير الألوسي ج10 ص 21

[272] ) رواه مسلم ج13 ص 476 رقم 5069

[273] ) رواه البخاري ج14 ص 358 رقم 4361

[274] ) رواه مسلم ج13 ص 301 رقم 4936

[275] ) تفسير ابن أبي حاتم ج12 ص 191

[276] ) هذا لفظ رواه الترمذي ج11 ص 451 رقم 3465 وصححه الألباني : صحيح الترمذي ج3 ص 176 رقم 2807

[277] )رواه مسلم ج13 ص 315 رقم 4948

[278] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 65

[279] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 313 رقم 4251 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 420

[280] ) شرح مختصر خليل للخرشي ج5 ص 402

[281] ) شرح العقيدة الطحاوية ج14 ص 7 تفريع موقع الشبكة الإسلامية

[282] ) رواه مسلم ج13 ص 303 رقم 4937

[283] ) رواه البخاري ج18 ص 438 رقم 5560

[284] ) رواه البخاري ج12 ص 157 رقم 3514

[285] ) رواه الترمذي ج9 ص 323 رقم 2622

[286] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 375  وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 435

[287] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 340 رقم 980 وصححه الألباني صحيح الأدب المفرد ج1 ص 989 رقم 980/755

[288] ) ج4 ص 215 رقم 1327

[289] ) تفسير أبي السعود ج4 ص 81 تفسير الألوسي ج10 ص 25

[290] ) أمثال الحديث لأبي الشيخ الأصبهاني ج1 ص 99

[291] ) البحر المديد ج3 ص 232

[292] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 259 رقم 219

[293] ) رواه مسلم ج 12 ص 34 رقم 4342

[294] ) رواه ابن ماجة ج10ص374 رقم 3526 السلسلة الصحيحة المجلدات ج2 ص 359 رقم 860 صحيح ابن ماجة ج2 ص 270 رقم 2848

[295] ) رواه الترمذي (3479) وحسنه الألباني في صحيح "سنن الترمذي

[296] ) https://islamqa.info/ar/answers/133678

[297] ) رواه الترمذي ج 10 ص 248 رقم 2914 انظر تراجعات الألباني في التصحيح والتضعيف ج1 ص 16 ضعيف الجامع (1963)، المشكاة (74) ثم صححه في هداية الرواة (70)، (النصيحة 34)، صحيح موارد الظمآن (38).

[298] ) فيض القدير ج2 ص 633

[299] ) فيض القدير ج2 ص 633

[300] ) رواه الترمذي (3479) وحسنه الألباني في صحيح "سنن الترمذي

[301] ) تفسير الرازي ج9 ص 320

[302] ) رواه البخاري ج19 ص 416 رقم 5865

[303] ) تفسير السعدي ص 432

[304] ) رواه البخاري ج20 ص 106 رقم 5988

[305] ) البحر المحيط ج9 ص 392

[306] ) تفسير القشيري ج3 ص 242

( [307] علي بن نايف الشحود : هل تخلى الله عن أمة محمد r ص 123

[308] ) تيسير العزيز الحميد : شرح كتاب التوحيد : ج1 ص 449 لمؤلفه سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب

[309] ) تفسير الرازي ج10 ص 178

[310] ) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ج2 ص 72

[311] ) مفاتيح الغير ج19 ص 157

[312] ) مجموع فتاوى بن تيمية في التفسير ج4 ص 57

[313] ) الغابر الماكث بعد مضي ما هو معه قال { إلا عجوزا في الغابرين } يعني فيمن طال أعمارهم ، وقيل فيمن بقي ولم يسر مع لوط وقيل فيمن بقي بعد في العذاب : أبو القاسم حسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج 1 ص 357

[314] ) معاني القرآن للنحاس ج4 ص 30

[315] ) البحر المديد ج3 ص 232

[316] ) قد يدفعها لذلك اليأس منهم والاستسلام حتى تهديد وضغط ، فتفعل ذلك لأنها قنطت من رحمة الله

[317] ) الإيمان الأوسط ج1 ص19 ، مجموع الفتاوى ج7 ص 473

[318] ) رواه البخاري ج17 ص 374 رقم 5210

[319] ) رواه ابن ماجة ج6 ص 168 رقم 2004

[320] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2479

[321] ) في ظلال القرآن ج4 ص 444

[322] ) تفسير أبي السعود ج4 ص 84 مع بعض التصرف

[323] ) تفسير أبي السعود ج4 ص 84 مع بعض التصرف

[324] ) تفسير النسفي ج 2 ص 143

[325] ) تفسير أبي السعود ج4 ص 84 مع بعض التصرف

[326] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 541

[327] ) الكشاف ج3 ص 318

[328] ) تفسير الألوسي ج8 ص 318

[329] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 337 

[330] ) أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر

[331] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 68

([332] رواه مسلم ج1 ص 349 رقم 207

[333] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 696

[334] الديباج على مسلم ج1 ص 159 -161

[335] ) رواه الحاكم في المستدرك ج4 ص 395 رقم 8049 رواه الخمسة وصححه الألباني صحيح ابن ماجة  ج2ص83 رقم 2075

[336] ) تفسير ابن أبي حاتم ج8 ص 236

[337] ) شهاب الدين الهائم المصري : التبيان في تفسير غريب القرآن ج1 ص 257 الناشر : دار الصحابة للتراث بطنطا - القاهرة

[338] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 68

[339] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 68 رقمي 13280 – 13281

[340] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 207 رقم 2935 وحسنه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 267 رقم 1693

[341] ) أدب الدنيا والدين ج1 ص 457

[342] ) البديع لابن المعتز ج1 ص 10 ، الصناعتين للعسكري ج1 ص 113 وجمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري ج1 ص 145

[343] ) رواه الترمذي مرفوعا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ج10 ص 399 رقم 3052 وضعفه الألباني : ضعيف سنن الترمذي ج1 ص 387

[344] ) رواه البخاري ج20 ص 24 رقم 5929

[345] ) رواه ابن ماجة ج4 ص 235 رقم 1327  وقال الألباني : قلت: وهذا إسناد ضعيف، عبد الرحمن بن السائب - وهو: ابن أبي نهيك المخزومي -، مجهول الحال، وفي "التقريب":

"مقبول" ، وقد اختلف في اسمه  -كما هو مبين في "التهذيب" -، ولعل ذلك لجهالته، ولكنه قد توبع على الزيادة - كما يأتي -.

وإسماعيل بن رافع ضعيف واهٍ، كما قال الذهبي في "الكاشف".

[346] ) رواه البخاري ج13 ص 331 رقم 4068

[347] ) شرح السنة للإمام البغوي ج14 ص 362

[348] ) شرح النووي على مسلم ج18 ص 111

[349] ) البداية والنهاية ج1 ص 219 ، وقال السيوطي في الدر المنثور ج5 ص 91 أخرجه ابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو ، ومثله مروي عن قتادة ، انظر تفسير ابن أبي حاتم ج9ص69 رقم 13285

[350] ) أضواء البيان ج5 ص 275

[351] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 2486

[352] ) الفيروازبادي بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز ج1 ص 1795

[353] ) رواه البخاري ج13 ص 330 رقم 4067

[354] ) الملا القاري : مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج14 ص 437

[355] ) محمد علي بن علان دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج6 ص 265 ملخصاً من «فتح الباري»

[356] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 225 رقم 4176 ورواه أبو داود ج12ص397 ،وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 114 ، 128

[357] ) رواه البخاري ج19  ص  74 رقم 5651

[358] ) رواه أبو داود ج12 ص 498 رقم 4218 ضعفه الألباني لجهالة أحد الرواة

[359] ) رواه البخاري ج10 ص 403

[360] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج6  ص 315 رقم 8311 وأبو يعلي في مسنده ج7 ص 302  رقم 4338 ، وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة ج1 ص44

[361] ) رواه مسلم ج5 ص 299 رقم 1765

[362] ) رواه مسلم ج13 ص 137 رقم 4813

[363] ) التحرير والتنوير ج13 ص 63

[364] ) رواه مسلم ج9 ص 278 رقم 3352

[365] ) رواه الدارمي ج2 ص 538 رقم 3370 وقال حسين سليم أسد : إسناده صحيح غير أنه مرسل

[366] ) رواه البخاري ج8 ص 48 رقم 2115

[367] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 315

[368] ) رواه ابن حبان ج2 ص 480 رقم 705

[369] ) رواه البخاري ج9 ص 10 رقم 2379

[370] ) رواه أحمد ج51 ص 333 رقم 24176

[371] ) أحمد بن تيمية : أمراض القلب وشفاؤها ج1 ص 43

[372] ) طريق الهجرتين ج1 ص 419-420

وقال (وأما أن يكون عبادة مأمورا بتحصيلها وطلبها فلا ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات وما يثاب عليه من البليات ولكن يحمد في الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في خدمةربه وعبوديته وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه وعلى حياته حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه ولو كان قلبه ميتا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم فما لجرح بميت إيلام وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى ولكن الحزن لا يجدي عليه فإنه يضعفه كما تقدم بل الذي ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر ويبذل جهده وهذا نظير من انقطاع عن رفقته في السفر فجلس في الطرريق حزينا كئيبا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم ويزول عنها وحشة الانقطاع فهكذا السالك إلى منازل الأبرار وديار المقربين)

[373] ) رواه البخاري ج14 ص 434 رقم 4397

[374] ) تفسير ابن كثير ج4 ص 548

[375] ) تفسيرابن كثير ج4 ص 549

[376] ) البحر المحيط لابي حيان ج7 ص 218

[377] ) منه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل، والصديع: الفجر لانصداعه

[378] ) البحر المحيط ج7 ص 216

[379] ) محمد الطيب النجار : القول المبين في سيرة سيد المرسلين ج1 ص 113

[380] ) سيرة ابن هشام ج1 ص 262

[381] ) في ظلال القرآن ج4 ص 451

[382] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج2 ص 166 رقم 1596 ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني : صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 284 رقم 2305

[383] ) رواه الحاكم في المستدرك ج3 ص 215 رقم 4884 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1 ص 716 رقم 374

[384] ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ج10 ص 128 رقم 10218 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 448

[385] ) رواه الترمذي ج8 ص  75 رقم 2095 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 169

[386] ) معرفة السنن والآثار للبيهقي ج14 ص 230 رقم 5538

[387] ) رواه أحمد ج43 ص   374 رقم   20408 ، وروي الحديث بلفظ (عُشر) وليس (عُشير) وقال الألباني في الصحيحة ج6 ص 40 رقم 2510 كنت خرجت حديث أبي هريرة بنحوه في الضعيفة برقم 684 ، ثم وجدت أنه لم يتفرد به فلم أر من الأمانة العلمية إلا تصحيحه

 

[388] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 275 رقم 789 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج 1ص292 رقم 789/609

[389] ) الشيخ رحمت الله بن خليل الرحمن الهندي : إظهار الحق ج2 ص 44

[390] ) التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي ج1 ص 819

[391] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج5 ص 173 رقم 4986 وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية ج1 ص 221

[392] ) السيد محمد نوح : آفات على الطريق ج2 ص 43

[393] ) رواه أبو داود ج4 ص 88 رقم 1124 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج 3 ص 319

[394] ) محاسن التأويل للقاسمي سورة الحجر الآية 98-99

[395] )  انظر مرقاة الفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج1 ص 151 مجموع الفتاوى لابن تيمية ج11 ص 418

[396] ) البحر المديد ج3  ص 241

[397] )  مجموع الفتاوى لابن تيمية ج11 ص 539 ابن القيم : مدارج السالكين ج3 ص 316

[398] ) أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر أستاذ السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ، مثل ما بعثني الله ص62

[399] ) بوابة الشعراء :  https://poetsgate.com/poem.php?pm=156997

[400] ) يمكن استبدال الوطن بكلمة الدين ، لأن الأرض كلها وطن المسلم ، فالأرض لله يورثها من يشاء

  • الاحد PM 05:34
    2026-03-15
  • 8
Powered by: GateGold