ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
خاتمة سورة إبراهيم
د / احمد نصير
قال تعالى (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (52)
هذه الآية خاتمة للسورة ، تضمنت توصيفا وبيانا لوظيفة النبي بأنها تقتصر على البلاغ والإنذار بهذا القرآن ، ومحصلة ذلك تحقيق التوحيد الخالص لله ، وثمرته تحقيق التذكرة بالله ، فالقلب الشاكر يظل ذاكرا لله ، والخطاب –هنا- موجه لأصحاب العقول والأفهام ، الذين يؤدون واجب الشكر لله على الوجه المطلوب شرعا .
قوله (هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ) قال الشنقيطي (بين الله في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، وأوضح هذا المعنى في قوله (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [الأنعام 19]، وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائناً من كان ، كما في قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ) [يونس 17][1].
ذكر الزمخشري أن اسم الإشارة - هنا - يعود على ما وصفه من قوله "وَلاَ تَحْسَبَنَّ" إلى قوله : "سَرِيعُ الحساب" بأنه (كفاية في التذكير والموعظة)[2]، وقال ابن عطية (الإشارة بهذا إلى القرآن والشرع ، أي هذا إنذار وتبليغ)[3]، وقال ابن كثير (هذا القرآن بلاغ للناس) ، أي: (هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجان) [4]
قوله (وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) فالقرآن خير واعظ ، قال تعالى ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾] الزمر: 27، 28[ ، فمن رام الاستفادة من مواعظ القرآن فإن عليه أن يحضر قلبه عند التلاوة ، وينصت لها ، قال ابن القيم (إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألقِ سمعَك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله r )[5] .
فأشد إنذار لابد وأن يسمعه الذين ليسوا على الإسلام ، ولم يؤمنوا بالله –بعد كلام الله - هو قول رَسُول اللَّهِ r (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَيَقُولُ هَذَا فِكَاكُكَ مِنْ النَّارِ)[6]، وعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَا يَمُوتُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ النَّارَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا) [7].
قوله (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) تقرر هذه الآية أن هدف التوحيد استنقاذ الناس أجمعين من (ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة) [8] ، يقول الدكتور وسيم فتح الله (وهذا لا يتحقق إلا بتحقيق التوحيد الخالص المجرد لله تعالى ،كما ذكر في قوله (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ) [9].
قوله (وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) يقول د. وسيم فتح الله (ذكر التوحيد لم يكن صريحًا في فاتحة السورة، وإنما جاء بهذه الصراحة في خاتمتها، ولعل الحكمة من ذلك لفت انتباه المخاطبين إلى ما في دعوة التوحيد من تحقيق لمصالحهم لأن الناس مجبولة على اتباع ما فيه مصلحة ، لكنها في فاتحتها ضربت مثالا للكفر والإسلام بالنور والظلمات في قوله (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) ، ثم مضت في بيان دعوة التوحيد ، واختمت بذكر التوحيد صراحة ، إشارةً منها إلى أن هذه هي النتيجة التي ينبغي أن يصل إليها أولو الألباب والعقول النيرة) [10].
[1] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج2 ص 250
[2] ) الكشاف ج3 ص 295
[3] ) المحرر الوجيز ج6 ص 126
[4] )تفسير ابن كثير ج4 ص 523
[5] ) الفوائد ج1 ص3
[6] ) رواه مسلم ج13 ص 341 رقم 4970
[7] ) رواه مسلم ج13 ص 341 رقم 4970
[8] ) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان - السعدي - 370
[9] ) د. وسيم فتح الله: أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم ج1 ص 12
[10] ) أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم ج1 ص 12
-
الاحد PM 12:37
2026-03-01 - 44



