ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تضرع نبي الله إبراهيم لربه كمثال للقيام بواجب شكر النعمة
د / احمد نصير
تضرع نبي الله إبراهيم لربه كمثال للقيام بواجب شكر النعمة
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)
قال أبو حيان (مناسبة هذه الآية لما قبلها : أنه تعالى لما ذكر التعجيب من الذين بدلوا نعمة الله كفراً ، وجعلوا لله أنداداً وهم قريش ومن تابعهم من العرب الذين اتخذوا آلهة من دون الله ، وكان من نعم الله عليهم إسكانه إياهم حرمه ، أردف ذلك بذكر أصلهم إبراهيم ، وأنه صلوات الله عليه دعا الله تعالى أن يجعل مكة آمنة ، ودعا بأنْ يجنبه وبنيه عبادة الأصنام ، واستشفع بما أنصاع به لأمر الله ، لما أسكن ذريته في عند بيته الحرام ، ليفردوا الله وحده بعبادة الصلاة التي هي أشرف العبادات ، لينظروا في دين أبيهم ، فيرون البون الشاسع بينه وبين ما ارتكبوه من عبادة الأصنام ، فيزدجروا ويرجعوا عنها)[1].
وقد بدا تعظيم إبراهيم عليه السلام لنعمة ربه عليه ، ونظره إليها بعين الشكر والتعظيم وإظهار الفاقة لله بطلب المزيد (..رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) ، وإن خال له أنه اسكن ذريته في وادي غير ذي زرع ، فالنعمة من الله عظيمة ، وإن كان العبد يفتقر إلى المزيد ، (فقليله لا يقال له قليل ، فنعم الله تصل للعبد فضلاً منه وامتناناً لا استحقاقا)[2] ، وهو ما بدا واضحا في دعاء إبراهيم عليه السلام وتضرعه لربه ، كما في قوله (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ..) .
كما بدا همه من الدعاء في قوله (..وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ، وقوله (..رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) فكان همه الأول الذي يشغله أن يديم الله عليه وعلى الناس نعمة الطاعة ، ولم ينشغل عنها بطلب الثمرات إلا تاليا ، وذلك في قوله (..وارزقهم من الثمرات) ،وذلك بقصد الاستعانة بنصيب من الدنيا على طلب الآخرة .
فاستظهرت الآيات تضرع نبي الله إبراهيم الذي هو أحد طرق علاج التقصير في الشكر ، لا سيما الشكر العملي شكر الجوارح ، فذكرته كنموذج للشاكر الذي يسأل ربه الرزق فيجيبه بالثمرات ، يدعوه أن ينتشر الإسلام وتهوي إليه الأفئدة ، فيجيبه بأن جعل أثار هذا الدين باقية في عقبه ، فكان من نسله الأنبياء ، ولذلك لقب بلقب (أبو الأنبياء) .
فسؤال إبراهيم ربه المزيد من النعم في تضرع وشفقة ، واستجابة الله له ، تأكيد على أدائه واجب الشكر ، كما في قوله (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم :7] فمتى أراد العبد دوام النعم وزيادتها فيلزم الشكر ، وبدونه لا تدوم نعمة .
وقد بدا تضرعه إلى الله في الدعاء ، بنفي الحول والقوة عنه إلا بالله ، كما في قوله (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ..) ، وطلبه أن يعينه على القيام بوظيفة الشكر التي لا قيام للعبد بها إلا بإعانة مولاه ، كما في قوله (.. رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا) ، وبدا إخلاصه في الدعاء ، وسؤاله القبول (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) ، وقد عني هذا المحور بهذا الأمر على وجه الخصوص ، فلما سأل الله القبول والمغفرة ، أجابه ، فقد يحظى بهما هو وأهله ، فليس ثمة رزق أوسع من القبول والمغفرة .
قوله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) (35) منَّ الله تعالى على قريش بأن ذكرهم بأن الله تقبل دعوة نبيه إبراهيم ، وجعل هذا البلد آمنا أي مكة ، فقال سبحانه (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا..) [القصص 57] ، فهم في آمان اقتصادي حيث رحلتي الشتاء والصيف ، فالتجارة لا تنقطع بين اليمن والشام مرورا بمكة صيف شتاء ، ما يدل على الأمان الجنائي ، فالأمان الاقتصادي تال لاستقرار الأحوال الأمنية والاجتماعية والجنائية في البلاد .
من هنا نلحظ أن للإيمان دلالات اجتماعية في قلب المؤمن ، حيث يبدو من إيمانه أنه منشغل بقضايا أمن بلاده ، ويتمنى لها مزيد من الاستقرار والرقي ، فهو يرى ذلك من أولويات دعوته ، فبدون الأمان تسلب الثمرات وتنهب الأموال وتغتصب الأرض والديار ، وتسفك الدماء ، أي يعدم الإنسان الذي هو خليفة هذا الكون ، فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ (مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا)[3] ، ومن ثم كان الشغل الشاغل لنبي الله إبراهيم هو حفظ الأمن قبل سؤال الثمرات ، ولذلك قَالَ رسول الله r (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ)[4].
ولا يتحقق هذا الأمن إلا بالإسلام ، قال تعالى (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)(الأنعام 82) ، لأن الإسلام من جهة يصلح أخلاق الفرد ، بانصلاح حاله ينصلح حال المجتمع أفرادا وجماعات ، ومن جهة أخرى يضع التشريعات التي تحول دون تغول القوي على الضعيف ، وتنهي نفوذ المستكبرين الذين يصدون عن سبيل الله ، وتضع الضعيف أمام القوي سواء بسواء .
ونبي الله إبراهيم يريد أن يرى ثمرة الإسلام في قومه ، كما قال النبي r (وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [5]، فتلك هي أمنية كل نبي وكل داعية إلى الله تعالى ، وتلك هي الترجمة الحقيقية لمعنى الإسلام .
قوله (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) (35) فالشرك بالله أمر عظيم ، ولابد وأن يسلم قلب المؤمن من الشرك ، فلو مات وقلبه علق فيه شيء من الشرك دخل النار ، فعَنْ جَابِرٍ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ r رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ فَقَالَ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ)[6]، فكلمة "شيئا" تعني في سياق الحديث "قدرا" صغيرا أو كبير من الشرك ، كالرياء فإنه يحبط العمل ، قال أبو سراج الدمشقي الحنبلي المراد أن يعصمه عن هذا الشرط الخفي ، والله تعالى أعمل[7] ، ولذلك كان النبي r يتعوذ منه فيقول (والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره قال (قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم)[8]
وكلنا يعلم موقف نبي الله إبراهيم في صغره من الأصنام (الشرك الأكبر) ، وكيف حطمها بيده وتحدى كبار قومه ، (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (الأنبياء 58) ، ورغم ذلك ترى إمام الحنفاء يخاف من الشرك، ويسأل الله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ ولذلك قال عابد الكوفة [9] إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ التابعي ( ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم )[10]
فالمؤمن لا يتكل على إيمانه كما فعل إبليس حين اغتر بإيمانه وقال لما أمر بالسجود (أنا خير منه) وكان في منزلة عظيمة لكونه يؤدي واجب الشكر ، ولكن المخلص لله لا يغتر بشكره لله ، بل يظل يستشعر التقصير في جناب الله ، ويخاف الفتنة ويخشى أن يقع في المعصية والشرك بالله ، ولذلك فهو يستعين بالله على عبادته ، كما في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) ، وكما كان النبي r يردد هو وأصحابه (وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا..وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا)[11]
قال ابن القيم (هنا أمران تجنيب عبادتها واجتنابه ، فسأل الخليل ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها ، ليحصل منهم إجتنابها ، فالإجتناب فعلهم ، والتجنيب فعله سبحانه ، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله)[12]، ونظير ذلك قول يوسف الصديق (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن).
وقال ابن القيم (فعلم أن الذي يحول بين العبد وبين الشرك وعبادة الأصنام هو الله لا رب غيره فسأله أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام)[13] .
وقال الشيخ سفر الحوالي (فالأنبياء يخافون على أنفسهم من الشرك، ويحاربونه، وما كان أبداً لأحد منهم أن يدعو إلى الشرك أو يقره)[14]، روي عن أنس أنه قال: كان النبي r يكثر أن يقول (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)[15]، ولهذا قال ابن أبي مليكة " أدركت ثلاثين من أصحاب النبي r كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ،وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ "مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ "[16].
وقال ابن تيمية (ومعلوم أن الحجر لا يضل كثيراً من الناس إلا بسبب اقتضى ضلالهم، ولم يكن أحد من عباد الأصنام يعتقد أنها خلقت السموات والأرض، بل إنما كانوا يتخذونها شفعاء ووسائط لأسباب)[17] ، من هنا استبان أن المدلول الفكري للأصنام أوسع من مدلولها اللغوي[18]، كتب الدكتور السنوسي محمد [19]مقالا بعنوان الأصنام التي لا تهدم ، فقال (الأصنام ليست هي مجرد الجحارة التي يذبح أمامها المشركون القرابين أو التي تعبد من دون الله ، وإنما هي أعم من ذلك ، فالمعنى المراد بـ”الأصنام” ، في السياق الفكري والنفسي هو كل معتقد، فكرة، شخص، أو عادة أو كلَّ ما يتخذه المرء ثابتًا في حياته لا يقبل التغيير، ومقدَّسًا لا يمكن أن يُنَال من مكانته، ومُهمًّا لا يَتقدم عليه شيء.. وإنْ خالف الحق، وإن جاوز الصواب، وإن أغضب الله)[20]، قال القشيري (الصنم ما يعبد من دونه ، قال تعالى : ( أَفَرَءَيْتَ مِنَ اتَّخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ) [ الجاثية : 23 ] فصنمُ كل أحدٍ ما يشغله عن الله تعالى من مالٍ ووَلَدٍ وجاهٍ وطاعة وعبادة)[21].
والهوى أكبر صنم يجب أن يهدم ، ولذلك يقول النبي r (ثلاث مهلكات ! شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه)[22]، ولذلك قالوا (إن الهوى ليتمادى بصاحبه حتى يتمكن منه حتى يعسر عليه تركه، وكما يتجارى الكلب بصاحبه، وربما زاد حتى يصير صنما في قلبه وإلها يعبده من دون الله، وليست عبادة الهوى أن يسجد له ويصلي ويصوم، وإنما كما قال قتادة: "هو الذي كلما هوي شيئا ركبه، وكلما اشتهى شيئا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى"[23]، وهؤلاء هم الذين أخبر الله عنهم وحذر منهم فقال (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)(الجاثية:23).
وقوله (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ..) (36) فكثير من الناس يستعجل الرزق ويغضب لنفسه وينتقم حقدا وحسدا ، ويظن أن عبادته للأصنام تجلب له الرزق الذي يتمناه ، وتحقق له الانتقام الذي ملأ صدره ، وهكذا يدور الناس حول هذين الأمرين في عبادتهم للأصنام ، فكل من يستعينون به في هذين الأمرين على وجه الخصوص فهو صنم ، وذلك هو الضلال المبين ، ففي الآية مجاز عقلي باسناد الإضلال للأصنام وهي جمادات أو مجاز مرسل والعلاقة هي السببية لأنها سبب الإضلال ، إذ هم في الحقيقة يعبدون الشيطان ، فيتقربون إليه بالقرابين عندما يذبحونها عند الأصنام ،ويخافون منه عندما يخافون من الأصنام التي تتلبس بها الشياطين.
قال ابن تيمية (ومن ظن فى عباد الأصنام أنهم كانوا يعتقدون أنها تخلق العالم أو أنها تنزل المطر او تنبت النبات أو تخلق الحيوان أو غير ذلك فهو جاهل بهم بل كان قصد عباد الأوثان لأوثانهم من جنس قصد المشركين بالقبور للقبور المعظمة عندهم وقصد النصارى لقبور القديسين يتخذونهم شفعاء ووسائط ووسائل بل قد ثبت عندنا بالنقل الصحيح أن من مساجدى القبور من يفعل بها أكثر مما يفعله كثير من عباد الأصنام ..، والشرك كما قرن بالكذب قرن بالسحر فى مثل قوله تعالى (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا)
والعجب العجاب أن تجد هذه الفتنة قد استطالت لآخر الزمان ، وذلك فيما أخبر عنه النبي r من أن فتنة عبادة الأصنام سوف تعود مرة أخرى قبل القيامة ، فعن عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا قَالَ إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِمْ) [24] .
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ ، وَكَانَتْ صَنَمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِتَبَالَةَ)[25]أي (لا تقوم الساعة حتى ترجِع دَوْس عن الإسلام فتطوف نساؤهم بصنم ابِذِي الخَلَصَة وتضْطرِب أعجازُهُنّ في طَوافهِنّ كما كُن يَفْعَلن في الجاهلية)[26] ، وفي ذلك كناية عن ارتباط عبادة الأصنام بفعل الفواحش وعهر النساء والوقوع في الزنا ، فالشياطين لا ترضى إلا بعد تلبس الإنسان بالمعاصي والفواحش .
وقوله (..فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (36) هذه الآية من أغرب ما وقفت عليه في هذه السورة ، فمن الطبيعي أن يقول من تبعني فإنه مني ، أي يلحقني إلى الجنة بإذن الله ، بينما قوله من عصاني ، فكان من المفترض أن يقول (ليس مني) كما في حديث شفاعة نبي الله نوح لابنه فقال الله له (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ، بينما في هذا السياق فإن نبي الله إبراهيم يسأل الله تعالى أن يغفر ويرحم ، وقد سألها قبل لأبيه ، ولكن الله تعالى فسر قصده فقال (وما كان استغفار إبراهيم لإبيه إلا عند موعدة وعدها إياه فلما علم أنه عدو لله تبرأ منه) ، فكيف لا يتبرأ إبراهيم عليه السلام ممن عصاه ، فمعصية الرسول من معصية الله ، وكيف يسأل الله له المغفرة والرحمة ؟ قال ابن الوزير (فانظر ما أشد خوفه على نفسه وأوسع رجاءه لغيره)[27].
وقال ابن القيم (المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء أي إن تغفر لهم وترحمهم بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ومن المعصية إلى الطاعة كما في الحديث "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون")[28]
وقد أجاب العلماء على هذا التساؤل بأنه في ذلك تحوط لنفسه وأظهر الرجاء لهم ، إذ تحوط لنفسه في قوله (رب اجنبني وبني أن نعبد الأصنام) ، وكان واسع الرجاء مع غيره في قوله (..فإنك غفور رحيم) ما يعني أنه تمنى ألا تطول مدة معصيتهم له ، ورجا من الله أن يتغمدهم بالمغفرة والرحمة بعدما يتوبوا ويرجعوا إليه ، ولذلك قال علي عليه السلام (الفقيه كل الفقيه من لم يُقَنِّط الناسَ من رحمة الله ولم يُؤمِّنَهم مكر الله تعالى)[29].
وقوله (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ..) (37) هنا استشفع نبي الله إبراهيم بعمل صالح ليتقبل الله منه الدعاء ، وفي ذات الوقت ترأف بحال أهله وأشفق عليهم ، وهم يسكنون بواد غير ذي زرع أي في صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء ، ليس فيها أدنى شيء من مقومات الحياة ، وقد دفعه لذلك تنفيذ الأمر الإلهي .
ولذلك ورد في الحديث لما أسكنهم هذا الوادي (قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا
فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا
ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ (رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ..حَتَّى بَلَغَ "يَشْكُرُونَ")[30] .
وهكذا يكون الترأف بالأهل والشفقة بهم - مع العلم بأن الله هو خير حافظ ، فهو يخشى عليهم من الفتنة وعدم الصبر على الابتلاء ، ولكنهم ثبتوا وزاد فرحه بصبرهم .
وقوله (..رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ) فالشُغل الشاغل لنبي الله إبراهيم هو أن يظل أهله على عقيدة الإسلام موحدين بالله ، محافظين على إقامة الصلاة ، فالصلاة هي عبادة الشاكرين ، والأهل إذا لم يكونوا موحدين بالله مؤمنين به ، فهي حسرة كبيرة علي المسلم ، وما أجملهم حين يصلون لله معا ويعبدون الله ، ويشكرونه على نعمه ، ففي الحديث (رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)[31] .
قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) (طه 132) وقال (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا) (مريم 55)
فتربية الأبناء على عبادة الصلاة له كثير من الفوائد التربوية ، ولعل أغلبها يتمثل فيما يلي : -
- استشعار أهمية استقطاع الوقت من كل الأعمال اليومية لأجل ذكر الله
- القيام لله وحده ، وتقديم حقه على أي عمل
- الاحتياج إلى تقوية الصلة بالله كل وقت وعلى مدار اليوم
- الاستعانة بالله على قضاء الحوائج في كل عمل قبله وأثناء العمل وبعده ، وتقوية عقيدة التوكل على الله
- فهم أسلوب الحركة في الحياة دون اعتماد على الأسباب
- اكتساب القدرة على الالتزام بالمواعيد واحترامها في كافة جوانب الحياة
- اكتساب مهارة إنجاز الأعمال قبل موعد الصلاة ، وتحديد وقت لإنجاز الأعمال الجديدة بين صلاة وأخرى
- القدرة على الانتقاء والتركيز على الأعمال النافعة التي لها الأولوية على الأقل نفعا بين كل صلاة وأخرى
- الانشغال بمراجعة كتاب الله تعالى بين الأذان والإقامة باعتباره المنهج الواجب الاعتماد عليه في الحياة
- انتقاء الأصدقاء والأصحاب الذين هم أكثر إعانة على طاعة الله ، والإعراض عن الجاهلين
- الالتزام بحالة الهدوء والسلام الداخلي فترة الصلاة ، والاحتفاظ بها طوال اليوم
- الاهتمام برياضة الجسد بحركات الصلاة والتي تعتمد على إطالة الأوتار ، وكسر روتين أو عادات تصلب الجسد
- الاهتمام بالمحافظة على الوقت ، والحرص على قضائه في أفضل العبادات مرضاة لله
وقوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ..) (37) "من" تفيد التبعيض ، أي من المؤمنين ، فعن ابن عباس قال : (لو كان إبراهيم عليه السلام قال : فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، لحجه اليهود والنصارى والناس كلهم ، ولكنه قال " أفئدة من الناس" فخص به المؤمنين)[32]، فالمقصود بتلك الأفئدة هواها لعبادة الحج.
قال تعالى (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج 27) ، فقد أراد الله أن تكون هذه البقعة المباركة مركزا للتوحيد والدعوة الإسلامية والتخلص من الدنيا بعبادة الحج ، وقد قدر الله أن يدعو إبراهيم بذلك وأن يستجيب له ، فسبحانه جعل كمال دعوته بدعاء عبيده ، فجعله علة فاعلة لتحقيق ذلك.
بهذا وسَّع نبي الله إبراهيم من دائرة الذين يدعو لهم ، فلم تقتصر عليه وبنيه بل شملت دعوته جميع المسلمين لتهوي أفئدتهم لبيت الله الحرام يزورونه ويطوفون به ، ويقيمون فيه الركن الخامس من أركان الإسلام ، كما في قوله سبحانه (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (البقرة125) .
وكانت نتيجة ذلك أن هوت إليه أفئدة الناس فسكنوا هذا الوادي بجوار أم إسماعيل لما تفجرت بئر زمزم بالماء ، قال السدي (فإنه حيث يهوي القلب يذهب الجسد)[33] ، فلذلك (ليس مِنْ مؤمن، إلا وقلبه معلق بحب الكعبة) [34] وفي الحديث (وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا قَالَ وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ ، فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ ؟ فَقَالَتْ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ قَالُوا نَعَمْ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ r فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ)[35] .
وهكذا أبدله الله وطنا غير وطنه وأهلا غيرهم وجيرانا أفضل منهم ، فعوضه الله ما فقده من أهل أولئك الذين أخرجوه من قريته بمسلمين يؤمنون بدعوته إلى يوم الدين .
قال ابن تيمية (الكعبة بيت من حجارة بواد غير ذي زرع ليس عندها أحد يحفظها من عدو ولا عندها بساتين وأمور يرغب الناس فيها فليس عندها رغبة ولا رهبة ، ومع هذا فقد حفظها بالهيبة والعظمة فكل من يأتيها يأتيها خاضعا ذليلا متواضعا في غاية التواضع ، وجعل فيها من الرغبة أن يأتيها الناس من أقطار الأرض محبة وشوقا من غير باعث دنيوي ، وهي على هذه الحال من ألوف من السنين ، وهذا مما لا يعرف في العالم لبنية غيرها ، والملوك ينبون القصور العظيمة فتبقى مدة ثم تهدم لا يرغب أحد في بنائها ولا يرهبون من خرابها ، وكذلك ما بني للعبادات قد تتغير حاله على طول الزمان ، وقد يستولي العدو عليه كما استولى على بيت المقدس ، والكعبة لها خاصة ليست لغيرها وهذا مما حير الفلاسفة ونحوهم)[36].
وقوله (..وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) حيث شملت دعوته إصلاح دنياهم وجعلها آخر المطالب ، وغايته من ذلك أن يزدادوا شكرا ، قال الرازي (إبراهيم عليه السلام بين أنه إنما طلب تيسير المنافع على أولاده لأجل أن يتفرغوا لإقامة الصلوات وأداء الواجبات) [37] ، فلفظ (لعل) أفاد الغاية من طلب شيء من متاع الدنيا وهو الثمرات ، ليتقووا بها على عبادة الله ويزدادوا شكرا لنعمه .
وذلك الغرض يتشابه مع موقف حصل للصحابة مع رسول الله r حين قام المفطرون بالعمل العام واعتذر الصائمون ، فنال المفطرون أجر الصائمون وأجر العمل العام ، فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ r أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا فَقَالَ النَّبِيُّ r ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ)[38]، فكأن المعنى هو التقوي بالدنيا على عبادة الله ، فإن أمكن الجمع بين الزهد والشدة في العبادة فياحبذا ، وإلا فإن طلب الدنيا للتقوى على العبادة مطلب شرعي محمود .
ففي الحديث (وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى أَوْ قَالَ يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ r فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ صَهٍ تُرِيدُ نَفْسَهَا ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ r يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا قَالَ فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَا هُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ )[39].
وقوله (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) (38) سأل الله وهو يعلم حاله أنه لا يخفى عليه شيء ، ولكنه سؤال العبد الذليل الفقير إلى الله ، سؤال الخاشع والمتذلل لخالقه ومولاه ، سؤال اللحوح الطامع في فضل الله ، سؤال المتضرع الرافع يديه للسماء ، فمعرفة الخالق بالحال يغني عن السؤال ، ولكن الله يحب العبد اللحوح وهو أعلم بحاجته [40] .
ولذلك روي أن (الله يحب الملحين في الدعاء)[41]، قال المناوي أي (الملازمين له جمع مُلِح ، وهو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته اللائذ بباب كرمه في فاقته ومهماته ، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه ، ولا النعم عن الإقبال عليه ، لأن دعاء الملح دائم غير منقطع فهو يسأل ولا يرى إجابة ثم يسأل ثم يسأل فلا يرى وهكذا فلا يزال يلح ، ولا يزال رجاؤه يتزايد ، وذلك دلالة على صحة قلبه وصدق عبوديته واستقامة وجهته ، فقلب الملح معلق دائما بمشيئته ، واستعماله اللسان في الدعاء عبادة ، وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة ، فهو بين عبادتين سريتين ووجهتين فاضلتين ، فلذلك أحبه الله تعالى)[42].
قال الزمخشري المعنى : (أنك أعلم بأحوالنا وما يصلحنا وما يفسدنا منا ، وأنت أرحم بنا وأنصح لنا منا بأنفسنا ولها ، فلا حاجة إلى الدعاء والطلب ، وإنما ندعوك إظهاراً للعبودية لك ، وتخشعاً لعظمتك ، وتذللا لعزتك ، وافتقاراً إلى ما عندك ، واستعجالاً لنيل أياديك ، وولهاً إلى رحمتك ، وكما يتملق العبد بين يدي سيده ، رغبة في إصابة معروفه ، مع توفر السيد على حسن الملكة)[43] .
ولا يختلف الأمر عند الإبتلاء ، فالدعاء مستحب كذلك ، شريطة أن يكون العبد راضيا بقضاء الله وقدره ، ولا يسخط ، ولذلك كان دعاء أيوب تعريضا قال تعالى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ ..) (الأنبياء 84) ، قال ابن القيم (من أنفع الأدوية : الإلحاح في الدعاء)[44]، وعن عائشة أن النبي r ذَاتَ لَيْلَةٍ (دَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا)[45]، وذلك حينما ابتلي بسحر التخييل ، ثم شفاه الله ، قال النووي (هذا دليل لاستحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره وحسن الالتجاء إلى الله)[46]
وقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ..) (39) اختتم المقطع الأول من دعاءه بتوجيه الشكر لله على نعمة الولد ، فالولد يرث دعوة أبيه ، وينشر الإسلام من بعده ،ويصيب أبيه حظ من حسنات ، يقول النبي r (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقه جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)[47]، والثلاثة موجودة في الولد ، لأن ما يتركه للولد من مال هو صدقة جارية عليه وعلى ذريته ، وما يعلمه إياه هو علم ينتفع به ، بهما يصلح حال الولد ويدعو له .
وعن النبي r قال (إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره أو ولدا صالحا تركه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا كراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته)[48] ، فإذا ما فعل المؤمن هذه الأشياء الوارد ذكرها في الحديث جرى عمله بعد موته ، وإن لم يفعلها وفعلها ولده أو ولد ولده فإنه تجري له بإذن الله ، لأنه بذر بذرة الخير ، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها .
وأحاديث النبي المتفرقة جمعت عشرة أشياء مما يجري لابن آدم بعد موته ،وقد جمعها السيوطي في أبيات شعر فقال : -
إِذَا مَاتَ اِبْن آدَم لَيْسَ يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ فِعَال غَيْر عَشْر
عُلُوم بَثَّهَا وَدُعَاء نَجْل وَغَرْس النَّخْل وَالصَّدَقَات تَجْرِي
وِرَاثَة مُصْحَف وَرِبَاط ثَغْر وَحَفْر الْبِئْر أَوْ إِجْرَاء نَهَر
وَبَيْت لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي إِلَيْهِ أَوْ بَنَاهُ مَحَلّ ذِكْر
وَتَعْلِيم لِقُرْآنٍ كَرِيم فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيث بِحَصْرٍ
وهذا المقطع من الدعاء يحتاج لمزيد من التأمل ، فنبي الله إبراهيم يرى أن إنجاب الذرية بعدما طعن في السن هو نعمة عظيمة من ربه تستوجب الحمد والشكر ، في حين أن بعض الناس يرى ذلك إرهاق للوالدين في هذا السن الكبير ، ولكن الإسلام يشير إلينا إلى معنى هام وهو أن السن مجرد رقم ، وأن الرجل طالما يتمتع بالفحولة فعليه ألا يكف عن الإنجاب متى لم يكن في ذلك خطر على صحة الأم ، فإن انتفعت الموانع فذلك أمر محمود شرعا ، لقول النبي r (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)[49]، وقال رسول الله r (النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ)[50].
قوله (..إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (39) فمن آداب الدعاء أن يدعو الشاكر لربه وهو موقن بالإجابة ، فإن السميع مجيب ، قال رسول الله r (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ)[51]، قال المناوي أي (لا يعبأ بسؤال سائل مشغوف القلب بما أهمه من دنياه) [52]، قال الإمام الرازي (اجمعوا على أنّ الدعاء مع غفلة القلب لا أثر له)[53].
وقوله (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي..) (40) عاد للدعاء من جديد بعد أن اختتم دعاءه بالحمد علي نعمة الذرية ، سائلا مولاه أن يجعله وذريته مقيم الصلاة ، وهو تكرار لما دعاه في قوله (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) فالصلاة الشغل الشاغل للمؤمن أول الدعاء وآخره ، لأنها وسيلة الشكر لله ، وذلك من حرصه على أن تظل هذه العبادة في ذريته ، قال رسول الله r (منْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا)[54]، وعن ابن جريج رضي الله عنه في قوله "رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي" قال : (فلن يزال من ذرية إبراهيم عليه السلام ناس على الفطرة يعبدون الله تعالى حتى تقوم الساعة)[55] .
قوله (..رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (40) فذلك من باب التوسل والإلحاح على ربه في الدعاء ، والتضرع له والعزم في المسألة ، قَالَ رسول الله r (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ)[56] ،فالدعاء هو الصلة المباشرة بين العبد وربه .
ولا يشترط في الدعاء صيغة معينة ، بل يكفي أن يسأل الله الجنة ويستعيذ من النار ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r لِرَجُلٍ مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ)[57] ، "الدَّنْدنةُ" : أن يتَكلم الرجل بالكلام تُسمع نَغْمَته ولا يُفْهَم وهو أرفع من الهيْنَمَةِ قليلا ، والضمير في حولهما للجنة والنَّارِ : أي حَوْلَهُما نُدنْدِنُ وفي طَلبها )[58] ، والدندنة تدل على كثرة الدعاء ، واستطالته بصوت بين الخافت والمسموع ، فلا تفهم كلماته بوضوح ، وذلك كناية عن الخشوع في الدعاء وعدم الجهر به ولا الخفوت ، كما في قوله (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) .
قوله (..رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (41) قال الخازن (فإن قلت طلب المغفرة من الله إنما يكون لسابق ذنب قد سلف حتى يطلب المغفرة من ذلك الذنب وقد ثبت عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الذنوب فما وجه طلب المغفرة له؟ قلت : المقصود منه الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى وقطع الطمع من كل شيء إلا من فضله وكرمه والاعتراف بالعبودية لله تعالى والاتكال على رحمته)[59] .
قال الرازي (وأما دعاءه لوالديه بالمغفرة فيشمل كل أصوله حتى أدم وحواء متى كانوا على الإسلام) [60]، ما يدل على أن أصول أي إنسان لا تخلو من الإسلام ،وأنه لو رجع إلى تلك الأصول لعلم بعد ذلك أين يكمن تبديل النعمة كفرا ؟ ومن أين يأتي البوار؟ ولاشك أنه لو تدبر في سيرة آبائه لوجد شيئا من الخير فيها ، ولو التمس من هذه السيرة ذلك الخير لوجد الهدى ، ولو كان هو نفسه على غير ذلك ، وهكذا يعرض القرآن قصص السابقين للعبرة وللاتعاظ ، فتكون العبرة بمن هلك منهم ، والموعظة بمن كان على النعمة ولم يبدلها .
والدعاء للوالدين بالمغفرة هو من باب البر لهم ، ومن جهة أخرى هو وسيلة لشكر الله ، وذلك لقول النبي r (مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ)[61] ، فالدعاء بالمغفرة للوالدين هو شكر لهما ، ويتضمن كذلك شكر لله .
أما إن كانا على الشرك ، فالدعاء يخص الأصول الذين على الإسلام دون غيرهم ، قال ابن كثير (وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) [ الممتحنة : 4 ]، يعني إلا في هذا القول، فلا تتأسوا به ، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه ، فقال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [ التوبة : 113 ، 114 ].
وأما الدعاء بالمغفرة للمؤمنين فيتضمن شكر لهم لأنهم مجازون في الشفاعة لأخوانهم المؤمنين يوم القيامة ، وفي ذلك توسيع لدائرة الشكر لله تعالى ، ومردودها يعود على أهل الدعاء ، قال رسول الله r : (إن دعوة المرء المسلم مستجابة لأخيه بظهر الغيب عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال آمين ولك بمثل)[62].
ففي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا خَلَّصَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّارِ وَأَمِنُوا فَمَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قَالَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ إِلَى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرَجْنَا مَنْ قَدْ أَمَرْتَنَا ثُمَّ يَقُولُ أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ مِنْ الْإِيمَانِ ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)[63]
[1] ) البحر المحيط ج7 ص 175 مع بعض التعديل
[2] ) عبد الله بن صالح الفوزان : كيف نكون من الشاكرين ج1 ص 85
[3] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 418 رقم 3922 وضعفه الألباني ، وصححه : السلسلة الصحيحة 3420 انظر تراجعات الألباني ص10
[4] ) رواه ابن ماجة ج8 ص 48 رقم 2609 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 92 رقم 2121
[5] ) رواه البخاري ج21 ص 269 رقم 6430
[6] ) رواه مسلم ج1 ص 252 رقم 135
[7] ) اللباب في علوم الكتاب ج9 ص 498
[8] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 250 رقم 716 ، وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 259
[9] ) روى أبو حيان عن إبراهيم قال : ما عرضت قولي على عملي إلا خفت أن أكون مكذبا .انظر سير أعلام النبلاء
[10] ) تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 39
[11] ) رواه مسلم ج9 ص 296 رقم 3365
[12] ) شفاء العليل ج1 ص 59
[13] ) طريق الهجرتين ج1 ص 264
[14] ) دروس الشيخ سفر الحوالي ج8 ص 21 دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية
[15] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 237 رقم 683 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 41
[16] ) رواه البخاري ج1 ص 83
[17] ) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ج2 ص 328
[18] ) قال الشيخ صالح آل شيخ ( الأصنام : جمع صنم والصنم هو : ما جُعِلَ على صورة مما يُعبد من دون الله ، كشكل وجه رجل ، أو شكل جسم حيوان ، أو رأس حيوان ، أو صورة كوكب ، أو نجم أو شكل الشمس أو القمر ونحو ذلك كله وما أشبهه يطلق عليه أنه صنم .
والوثن هو : ما عُبد من دون الله ، مما ليس على هيئة صورة ، فالقبر وثن ، وليس بصنم ، وكذلك : المشهد ، أعني : مشاهد القبور عند عُبَّادها ، فهذه أوثان ، وليست بأصنام .
وقد يطلق على الصنم اسم الوثن ، كما قال - جل وعلا - في قصة إبراهيم في سورة العنكبوت : { إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } [العنكبوت : 17] ولكن هذا يطلق على قلة .
وقال بعض أهل العلم : هم عبدوا الأصنام ، وعبدوا الأوثان جميعا ، فصار ذكر الأصنام في بعض الآيات لعبادتهم الأصنام ، وذكر الأوثان في بعض الآيات لعبادتهم الأوثان ، والأول أظهر في أنه قد يطلق على الصنم أنه وثن . ويدل على أن الوثن ما ليس على هيئة صورة قول النبي : r« اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد » فدعا الله أن لا يجعل قبره وثنا فدل ذلك على أن الوثن ما يعبد من دون الله مما ليس على هيئة صورة .
كتب الشيخ صالح آل شيخ ج41 ص 53
[19] ) حاصل على الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من كلية الآداب جامعة قناة السويس
اقرأ المزيد عن : السنوسي محمد السنوسي على موقع : إسلام أون لاين https://islamonline.net/author/m-assanusi/
[20] ) السنوسي محمد السنوسي : الأصنام التي لم تهدم : موقع إسلام أون لاين https://islamonline.net/
[21] ) تفسير القشيري ج4 ص 52
[22] ) رواه البيهقي في شعب الإيمان ج1 ص 471 رقم 745 وصححه الألباني ج4 ص 301 رقم 1802
[23] ) الهوى معناه وذم أهله https://www.islamweb.net/ar/article/223421/
[24] ) رواه مسلم ج14 ص 110 رقم 5174
[25] )رواه مسلم ج14 ص 109 رقم 5173
[26] ) النهاية في غريب الأثر ج1 ص 157 قيل أن ذُو الخَلَصة : اسْم الصَّنم ذاته ، وقيل هو مكان ، بَيْتُ فِيهِ صَنَمٌ لَهُمْ ، انظر غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 296 ، قال ابن حجر في الفتح (وذو الخلصة اسم للبيت الذي كان فيه الصنم وقيل اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة) ، و(بتالة) اسم مكان كانوا يعبدون فيه الأصنام في الجاهلية
[27] ) إيثار الحق على الخلق ج1 ص 356
[28] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 32
[29] ) فضائل القرآن لمحمد بن الضريس ج1 ص 74 رقم 67 ، الدر المنثور للسيوطي ج8 ص 463 جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الأثير ج11 ص 15 رقم 8478 أبو نعيم الاصفهاني حلية الأولياء ج7 ص 298 شرح نهج البلاغة أبو حامد، عز الدين ج18 ص 243
[30] ) رواه البخاري ج11 ص 150 رقم 3113
[31] ) رواه النسائي ج6 ص 79 رقم 1592
[32] ) الدر المنثور ج6 ص 70
[33] ) الدر المنثور ج6 ص70 تفسير ابن أبي حاتم ج9 ص 41
[34] ) قول السدي : ذكره ابن أبي حاتم تفسير ج9 ص 41
[35] ) رواه البخاري ج11 ص 150 رقم 3113
[36] ) النبوات ج1 ص 118
[37] ) تفسير الرازي ج9 ص 261
[38]) رواه البخاري ج10 ص 15 رقم 2676
[39] ) رواه البخاري ج11 ص 150 رقم 3113
[40] ) والحديث رواه البيهقي في شعب الإيمان ج2ص38رقم1109 بلفظ (إن الله ليحب الملحين في الدعاء) وقال العلماء هو صحيح المعنى ، وإن لم يثبت سندا ، انظر تعليق الشيخ محمد المنجد على هذا الحديث
[41] ) رواه الشهاب ج2 ص 145 رقم 1069 قال الألباني (موضوع) : الجامع الصغير ج1 ص 364 ، والصحيح ثابت في فعل النبي r
[42] ) فيض القدير ج2 ص 370
[43] ) الكشاف ج3 ص 289
[44] ) الداء والدواء ص 25
[45] ) رواه مسلم ج11 ص 177 رقم 4059
[46] ) شرح النووي على مسلم ج14 ص 177
[47] ) رواه ابن حبان في صحيحه ج7 ص 286 رقم 3016 وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد للبخاري ج1 ص 17
[48] ) رواه ابن خزيمة في صحيحه ج4ص121 ، وصححه الألباني في صحيح كنوز السنة النبوية ج1ص142
[49] ) رواه الحاكم ج2 ص 176 رقم 2685 وصححه الألباني :
[50] ) رواه ابن ماجة ج5 ص 439 رقم 1836 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ، وصحيح كنوز السنة ج1 ص 121
[51] ) رواه الترمذي ج11 ص 383 رقم 3401 وصححه الألباني صحيح الترمذي ج3 ص 164 رقم 2766
[52] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ص 108
[53] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ص 108
[54] ) رواه مسلم ج13 ص 164 رقم 4831
[55] ) أخرجه ابن المنذر ـ انظر السيوطي : الدر المنثور ج6 ص 71
[56] ) رواه أبو داود ج4 ص 282 رقم 1268 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 5 ص 223
[57] ) رواه ابن ماجة ج3 ص 158 رقم 900
[58] ) النهاية في غريب الأثر ج2 ص 334
[59] ) تفسير الخازن ج4 ص 124 ، الرازي ج1 ص 2650
[60] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2650
[61] ) رواه الترمذي ج7 ص 211 رقم 1878 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 120
[62] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 219 رقم 625
[63] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 69 رقم 59 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 16 رقم 51
-
الاحد PM 12:28
2026-03-01 - 42



