المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1884968
يتصفح الموقع حاليا : 233

البحث

البحث

عرض المادة

استعراض جدال الرسل مع قومهم ، وخصومة قومهم لهم ، وعاقبة ذلك في الآخرة

د / احمد نصير 

المحور الثاني

استعراض جدال الرسل مع قومهم ،  وخصومة قومهم لهم ، وعاقبة ذلك في الآخرة

 

قال تعالى (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)

 

كان لابد من بيان القاسم المشترك للصادين عن سبيل الله إزاء دعوة الأنبياء ، وبيان أن وسيلتهم للصد عن سبيل الله لم ولن تتغير مهما طال الزمان ، فهي ما بين كبت الحريات إلى مصادرة الآراء ، ثم النفي من الأرض ، وهذا هو الحد الأدنى والمشترك بينهم ، وغيرهم كاليهود يقتلون الأنبياء ، وجميعهم يبحثون عن السلطان في الأرض ، لا للاستدلال به على صدق الرسول وأمانته في حمل الرسالة ، بل ليكون مددا لهم وفتحا لسلطان الدنيا عليهم .

 

كما بينت الآيات القاسم المشترك لمن حمل لواء الدعوة والذي يتمثل تفويض أمورهم لله ، وفي الصبر على قومهم ، وفي التوكل على الله تعالى .

وبينت كذلك أن عاقبة الأمر في الدنيا أن يرث الصالحون ديار قوم ظالمين ، وفي الآخرة أن يذوق الظالمون وبال أمرهم ، وليس لهم من الحسنات شيء في الآخرة .

 

قوله (ألَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (9) تبين هذه الآية مدى عناد الناس مع أنبيائهم بوجه عام ، واستطراد سياسة قمع الرأي ومصادرة حرية التعبير ، والتشكيك في كل صحيح ، وهذا هو واقع الدعوة في كل زمان ، فلم يسلم نبي أو داعية أو مصلح من الإيذاء القولي والبدني والمعنوي ، قال تعالى (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقَدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام 34) ، وقال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) (الحجر 10،11) .

 

فقوله (..لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ..) كناية عن كثرتهم بما يتعذر تعدادهم ، والمقصد الإشارة إلى أن ما من رسول أرسل إلا جاء بالبينات ، وما أحد منهم إلا وقد قوبل من قومه بسياسة تكميم الأفواه والعناد والتشكيك في دعوته ، وذلك أوضح مثال لكفر النعمة ، أن ينعم الله على هؤلاء القوم بإرسال الرسل الذين يكون قصدهم إخراجهم من الظلمات إلى النور ثم يقابلون هذه النعمة بالكفر والجحود .

 

قوله (..جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ..) (9) المقصود بالبينات كل علامة واضحة وظاهرة على الله سبحانه وحقه على العباد بما يقطع أعذارهم في التلكؤ عن الإيمان أو الكفر برسولهم ، وهو الأمر الذي يستتبع الإيمان على الفور والتو ، ولكن الحاصل هو العناد والاستكبار ، فماذا بعد الحق إلا الضلال  .

 

قوله (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) قال ابن جزي (أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتاً لهم)[1] ، وقيل أي (أشاروا إليهم أن اسكتوا)[2]، فسياسة تكميم الأفواه سياسة يتبعها دوما أهل الباطل في كل زمان ومع كل الرسل وأتباع الرسل ، وليس أدل على ذلك من قوله (لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) التي تشير في فحواها إلى أنه ما من رسول إلا ردوا أيديهم في أفواههم ، فكأن الكفر هو دليل على قمع حرية التعبير بل وحرية الاعتقاد التي هي في الأصل حرية تستعصي على التنظيم .

 

وقيل (وضعوها على أفواههم لإخفاء ضحكهم واستهزاءهم)[3] ، وقيل فعلوا ذلك ليعضوا عليها غيظا (عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ ) (آل عمران119) ، والمعنى يحتمل كل ذلك في آن واحد ، قال الشعراوي (والثراء في القرآن يتحمّل كل هذه المعاني؛ والآية تتسِق فيها كل تلك المعاني؛ فالعبارة الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله ، وستظل كمالات القرآن موجودة يظهر بعضها لنا؛ وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يُعلِمنا بها الله يوم القيامة)[4].

 

قوله (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ..) (9) اقترن فعلهم المشين مع أنبيائهم بمنعهم الحديث والبلاغ عن الله ، وصدهم عن السبيل بإعلان كفرهم بأنبيائهم (وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) (فهَذا تَعْبِيرٌ عَنْ أَنَّهُمْ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ مُعْلِنِينَ كُفْرَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ الرُّسُلُ)[5] .

 

والكفر يعني عدم الإيمان أي عدم الاقتناع بدعواهم ، فكيف يرتبون هذه النتيجة وهم في الأصل لم يسمحوا لهم بالحديث والبلاغ والتعبير عن الرأي والاعتقاد ، بل كمموا أفواههم ، فهذا مصادرة على المطلوب قبل إيجاده ، وتلك هي سياسة الكافرين في كل زمان ، وكان من المفترض أن يسمعوا لهم أولا ثم يعقدوا مناظرة معهم ، ويحاجوهم قبل أن يعلنوا كفرهم .

 

وقد شهدت السيرة النبوية أحداثا مماثلة لذلك حين قال أبو لهب للنبي r حين جمعهم وأنذرهم ، قال له تبا لك ألهذا جمعتنا ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ "وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ" صَعِدَ النَّبِيُّ r عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ"[6]

 

كما شهدت أحداثا معاكسة لما صورته الآية من حالة الكفر المستعصية هذه ، وهي حالة الاستجابة السريعة فور سماع دعوة الإسلام ، فقد روي الطبري نقلا عن ابن اسحق أن مصعب بن عمير خرج يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن خالة أسعد بن زرارة فدخل به حائطا .. فجلسا في واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه ، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير لا أبا لك انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارنا... فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه، قال مصعب إن يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة ، فقال له مصعب أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما .. فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا فيما يذكر عنهما والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله ثم قال ما أحسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين قالا له تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلي ركعتين  قال فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن سعد بن معاذ ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ) [7].

 

قوله (..وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) (9) تلك هي سياسة التشكيك في أمر هذا الدين ، فلم يقف الكفر موقفا محايدا يوما إزاء الدعوة الإسلامية ، ولم يكتف بتكميم الأفواه ، ولا بمصادرة الرأي وإعلان رأي واحد هو الرأي المضاد لتلك الدعوة ، بل انتهج أسلوبا ممنهجا للتشكيك في هذا الدين ، والبحث عن كل شبهة يروجونها حتى يضل الناس عن صراط الله المستقيم .

 

قال الشيخ عطية (ولقد علم عدو المسلمين أن أخطر سلاح على الإنسان  هو الشك، ولا طريق إليه إلا بالوسوسة ، فأخذ عن إبليس مهمته وراح يوسوس للمسلمين في دينهم وفي دنياهم ، ويشككهم في قدرتهم على الحياة الكريمة مستقلين عنه ، ويشككهم في قدرتهم على التقدم والاستقلال الحقيقي ، بل وفي استطاعتهم على الإبداع والاختراع ، ليظلوا في فلكه ودائرة نفوذه ، فيبقى المسلمون يدورن في حلقة مفرغة ، يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى)[8] ، وقال (والمتشكك في نتيجة عمل لا يقدم عليه أبداً ، بل ما يبنيه اليوم يهدمه غدًا ..وهكذا منهج العدو ، تشكيك في قضايا الإسلام ليوجد ذبذبة في عقيدة المسلمين ، فعن طريق الميراث تارة ، وعن طريق تعدد الزوجات أخرى ، وعن دوافع القتال ، وعن استرقاق الرقيق ، وعن وعن .حتى وجد من أبناء المسلمين من يتخطى حدود الشك إلى التصديق ، وأخذ يدعو إلى ما يدعو إليه العدو ، وما ذاك كله إلا حصاد ونتائج الوسواس الخناس)[9]  .

 

قوله (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (10) هذا استدلال بأظهر البينات على الله تعالى ، وعلي شريعته ، ودينه الحق ، وهي خلق السماوات والأرض ، فليس أبلغ من ذلك آية ، وليس أدل عليه سبحانه من ذلك ، ولذلك قيل (أفي وحدانية الله شك؟ وعلامات وحدانيته ظاهرة يعني : أتشكون في الله خالق السموات والأرض)[10]، (فهو أمر لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه وأشاروا إلى ذلك بقوله (فاطر السموات والارض)[11] .

 

فالتأمل في خلق السماوات والأرض وحبكهما وتزيين السماوات بالنجوم وثبات الأرض بالجبال ودورانها حول نفسها وحول الشمس ودوران القمر حولها ، وما بها من أودية وفجاج وتزيينها بالأنهار والأشجار ، فضلا عما فيهما من علوم كونية خصص البشر لهما كليات ومعاهد علمية متخصصة لدراسة الظواهر الفلكية والجيولوجية ..الخ ، والكم الهائل من الأبحاث في كل ظاهرة صغيرة في هذه الظواهر التي لا تعد ولا تحصى ليدل على أن صانعهما هو الله سبحانه ولا شك في ذلك ...ولم ينته الإنسان بعد من هذه الدراسات والتي لن تنتهي أبدا ، بل إنهم ليصرفون ملايين المليارات على هذه الدراسات لشغفهم بالبحث في صنع الله والمعرفة لقدرته ، ثم بعد ذلك يكفرون بالله ، أهذا منطقي ومعقول.

 

قال ابن القيم (فأما الإستدلال بالصنعة فكثير ، وأما الإستدلال بالصانع فله شأن وهو الذي أشارت إليه الرسل بقولهم لأممهم " أفي الله شك" أي أيشك في الله حتى يطلب إقامة الدليل على وجوده، وأي دليل أصح وأظهر من هذا المدلول ، فكيف يستدل على الأظهر بالأخفى ثم نبهوا على الدليل بقولهم فاطر السموات والأرض)[12].

 

قوله (يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) تلك هي البشرى التي بشر بها الأنبياء قومهم ، فكم ثقلت ذنوبهم بالبعد عن الله حتى استيأسوا ، فإذا بُشروا بالمغفرة لذنوبهم استبشروا وأقبلوا ، لاسيما وقد ضجت معيشتهم بالبعد عن الله ، دليل ذلك قوله (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) ، ولكي تتغير حياته لحياة تملؤها السعادة والسرور لابد وأن يتخفف من ذنب المعصية وشؤمها ، وذلك بتلبية دعوة الله تعالى إلى التوبة ومغفرة الذنوب ، كما قال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) (الأنفال 24) .

 

قوله (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) قال ابن عاشور (فهو وعد بخير دنيوي يستوي الناس في رغبته، وهو طول البقاء فإنه من النعم العظيمة لأن في جبلة الإنسان حب البقاء في الحياة على ما في الحياة من عوارض ومكدرات ، وهذا ناموس جعله الله تعالى في جبلة الإنسان لتجري أعمال الناس على ما يعين على حفظ النوع)[13] .

 

وتلك هي الفائدة الثانية من الاستجابة لداعي الله ، حيث يسامح في العقوبة ويؤخر في الأجل فلا يأخذهم بذنوبهم ، قال r (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ أَوْ يُنْسَأَ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)[14]، قوله " يُنسأ في أثره " معناه : يؤخر في أجله ، وسمي الأجل أثراً لأنه يتبع العمر ، وقوله سبحانه : (ونكتب ما قدموا وآثارهم) [15].

 

فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ قَالَ (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)[16].

قال ابن الجوزي (والمراد طول عمره ، فإن قيل أليس قد فرغ من الرزق والأجل ، فالجواب من عدة أوجه أحدها أن يكون المراد بالزيادة في العمر توسعة الرزق وصحة البدن .. والآخر أن زيادة الأجل تكون بالبركة فيه وتوفيق صاحبه لفعل الخير وبلوغ الأغراض، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله)[17].

 

قوله (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) (10) أعلن الذين كفروا عن شبهاتهم التي تمنعهم عن الاستجابة لداعي الله ، حيث يظهرون عدم اقتناعهم بأن الرسل بشر مثلهم ، حتى أنهم قالوا في موضع آخر (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا) (الفرقان7) ما يؤكد مماطلتهم واستكبارهم على ما أراد الله ، ورفضهم لأمره ، وغيرة منهم وحسدا لرسله ، وقد قال الله في حقهم (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام 124) ، تماما مثلما فعل إبليس حين رفض الانصياع لآدم والسجود له باعتباره هو الخليفة في الأرض ، فهم كذلك يرفضون الانصياع والاتباع للنبي r حسدا لفضله على رسله ، وجحودا لنعم الله عليهم  .

 

 كما أفصحوا عن شبهتهم الثانية وهي اعتراضهم على المنهج ، بقولهم (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا) ، فلا تزال عقولهم مشغولة بضلالات آبائهم ، وقد سيطرت عليهم زمنا فلم يجدوا غيرها أو بديلا لها ، بل جعلوها محل تقديس ، فاعتادوا على تقليد آباءهم في ذات ضلالاتهم دون تبصر أو وعي ، قال تعالى (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) (الزخرف 23) .

 

ثم هم بعد ذلك يطلبون أن يأتيهم الرسول بدليل معجز ليكون كافيا لإثبات نبوته ، وتلك هي شبهتهم الثالثة ، قولهم (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) ، قال ابن عجيبة (كأنهم لم يعتبروا ما جاؤوا به من البينات والحجج ، فاقترحوا عليهم آية أخرى ، تعنتاً ولجاجاً)[18]، وهذا المطلب في الحقيقة ليس بشبهة بقدر ما يكشف عن استحبابهم للحياة الدنيا ، كما ذكر الله (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) ، فذلك هو حقيقة مطلبهم ، فهم لا يريدون آية معجزة ، وإنما سلطانا يتبعونه بما ملك من مال الدنيا وكنوزها وجناتها ، فإن وجدوا الدنيا في حوزته فإنهم سوف يتبعونه ولو كان دجالا .

 

قوله (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (11) رد الرسل –أولا - علي شبهاتهم الأولى والثالثة ليتفرغوا للرد على الشبهة الثانية لأنها تتعلق بالمنهج ، فأما الشبهة الأولى فإنها تتعلق ببشرية الرسول ، أي أنهم بشر مثلهم ، وهذه شبهة شكلية ردوا عليها بأن بشرية الرسول كمال وليست نقص ،وإلا كيف يطبق البشر المنهج الإلهي ولم يطبقه بشر مثلهم هو أعلم به منهم وقدراته البشرية تتماثل مع قدراتهم ، فبشرية الرسول دليل على قابلية المنهج للتطبيق ، بالإضافة إلى ذلك فإنه اختيار الرسول من بينهم هو فضل الله تعالى يمن به على من يشاء من عباده ، وليس في ذلك اعتراض عليه ، لأنه أعلم بعباده ، ومن يستحق منهم الهداية ودرجتها ، ومن حقت عليه الضلالة ، أما هؤلاء القوم فإنهم يحسدون أنبياءهم على هذا الفضل ، كما في قوله (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا) (النساء54) ، ولو أنهم غضوا أبصارهم عن ذلك لما وقف في قلوبهم الحسد ، فعَنِ النَّبِيِّ r قَالَ (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ)[19]، قال ابن المبارك : (من التواضع أن تقنع نفسك عند من هو دونك في نعمة الدنيا حتى تعلمه أنه ليس لك فضل عليه لدنياك ، وأن ترفع نفسك عند من هو فوقك في دنياه حتى تعلمه أنه ليس لدنياه فضل عليك)[20].

وقوله (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) يفيد أن الآيات التي يرسلها الله تعالى كافية لإثبات النبوة والرسالة ، وما يتكلفونه من آيات مقترحة لن تزيدهم إلا عنادا واستكبارا ، وهو الأمر الذي يغني الأنبياء عن التكلف في اصطناع المعجزات لإرضاء قومهم ، ليكن شاغلهم المنهج وليس دلائل إثباته ، إذ المنهج ذاته هو معجزتهم ودليل نبوتهم ، فالمنهج هو الرسالة ، فكما أن الله تعالى لا يتطرق إليه الشك ، فهو ذاته –بصفاته وأسمائه وقدرته الظاهرة في خلقه - دليل على ألوهيته ، فكذلك المنهج بمقوماته الشاملة وخصائصه المنهجية وعدالتهم ورحمته هو دليل على صدق الرسالة .

 

 قوله (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) هذا خطاب الأنبياء لقومهم للرد علي شبهتهم الثانية والتي تتعلق بتمسكهم بدين آبائهم ، أي قولهم (تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا) ، وقد جاء الرد بخطاب دعوي بليغ ، يركز على عقيدة التوكل على الله تعالى ،  حيث بدأوا خطابهم بعبارة (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) واختتموه بذات العبارة (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) ، وما بين المقدمة والخاتمة استعجبوا من أن ينكر عليهم هؤلاء عقيدة التوكل على الله (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ) ، ولهم في ذلك دليل ، وهو أنهم بهذا التوكل قد هُدُوا إلى السبيل الحق ، فصارت حياتهم بهذا التوكل أفضل من ذي قبل أن يعرفوا ذلك التوكل ، حتى صاروا مطمئنين بهذا التوكل صابرين على إيذاء قومهم ، وكأنه لا شيء ، فصار سبيلهم على هدى من الله ، فكيف يتبعون دين آباءهم الذي خلا من عبادة التوكل على الله ؟ وقد رأوا بأم أعينهم أثر التوكل في حياتهم حتى أنه جعلهم أقوى من أن ينالهم أذى من قومهم ، أي أنتجت هذه العقيدة الهداية لهم إلى سبيل الله ، وصارت سببا لصبرهم على إيذاء قومهم لهم .

 

قال ابن القيم "التوكل نصف الدين  ، والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة ، ومنزلة التوكل : أوسع المنازل وأجمعها"[21]

 

قال صاحب الظلال (إنها كلمة المطمئن إلى طريقه ، المالئ يديه من وليه وناصره ، وماذا يهم إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟ والقلب الذي يحس أن يد الله سبحانه تقوده ، وتهديه السبيل ، لا يخطئ الشعور بوجوده سبحانه وألوهيته القاهرة المسيطرة ؛ فلا مجال معه للتردد في المضي ، أياً كانت العقبات ، وأياً كانت قوى الطاغوت التي تتربص به )[22] .

 

ومن تحليل خطاب الذين كفروا ورد الأنبياء عليهم نجد أن حجتهم التمسك بدين آبائهم ، والأنبياء يردون عليهم حجتهم بالتوكل على الله تعالى ، ما يعني أن دين آبائهم ينفي التوكل على الله ، ومن هنا يستبين الفارق بين دين آبائهم الذين هو مجرد تقليد أعمى خالي من الروح والعقل والمنطق ، ودين الإسلام الذي يدعو إلى التوكل على الله ، وهكذا يضحى التوكل على الله تعالى معيار ظاهر للتفرقة بين الضالين كما ضل آباءهم وبين المهتدين إلى السبيل ، يعزى ذلك إلى أنهم ألفوا التشاءم والتطير ، وعقيدة الخوف من المستقبل ، والقلق من النتائج ، في حين أن عقيدة الإسلام ترفض التشاؤم والتطير وتكل الأمور على الله تعالى ، وتثق فيه وتُحِسن الظن به ، وتوقن بالنصر والمعية الإلهية للمؤمنين ، وتَرضى بقضاء الله وقدره خيره وشره .

 

والعلاقة بين الشكر والتوكل هي ذات العلاقة بين السبب والنتيجة ، فالتوكل يجلب الشكر، والشكر يُعمّق التوكل، وكلاهما يثمر السكينة والرضا، ذلك أن المؤمن الشاكر يرى النعم من الله تعالى، فيزداد إيمانه به وثقته به، وبالتالي يزداد توكله عليه ، وكذلك للتوكل ذات الأثر في تعميق معنى الشكر لله ، فعندما يعتمد المسلم على الله في كل أموره، يدرك تمامًا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، مما يجعله أكثر حمدًا وشكرًا لله على نعمه ، فالشكر والتوكل يتكاملان ويعزز كلا منهما الآخر بما يقود إلى رضا الله تعالى على العبد ، فالتوكل نوع من الشكر لله عما يستقبل من نعمه تعالى سواء أكان في القدر أن الله يبسطها للعبد أو يقدر عليه رزقه ، وتعبير عن الرضا فيما يستقبل من الأقدار سواء أكان خيرا أم شرا ، فالتوكل بهذا المعنى هو عين الشكر إزاء النعم جميعا ، وهكذا يكون قلب العبد بين شكر الله على نعمه السالفة والتوكل عليه فيما يقدره من نعم تستقبل العبد سواء أكانت هذه النعمة في ظاهرها خيرا أم شرا ، كما في قوله (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء 35) .

 

والتوكل أساس الشكر ، لأن المتوكل على الله يثق بأن الله هو الموفق والمقدر للنعم، ما يدفعه للرضا بما قسمه الله له ، ويحمله ذلك على الثناء عليه ، وهذا هو جوهر الشكر ، وكذلك فإن الشكر هو نتيجة للتوكل:  فمن توكل على الله في شؤونه نال مراده ، لما ورد في الحديث القدسي (ولئن سألني لأعطينه) ، من هنا يستشعر العبد فضل الله عليه ، فيشكر ويزداد شكرا ، فالعلاقة بينهما وظيفية ، لأن التوكل يبعث في القلب الحماس للعمل بالأسباب المشروعة، والعمل في ذاته شكر لله ، لأنه استعمال النعم في إرضاء المنعم (الله) ، فالتوكل يزرع في القلب اليقين، والشاكر دوماً راضٍ عن الله ، وكلاهما يوجب الطمأنينة ويدفع اليأس والإحباط [23]،إذن التوكل على الله يُورث النعم، والشكر لله يُثبتها، فمن توكل فقد بدأ رحلة الشكر، ومن شكر فقد حقق أعلى درجات التوكل.

 

قوله (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) جاء رد الذين كفروا على شرح الأنبياء لهم عقيدة التوكل على الله بنتيجة عكسية ، حيث ازداد حنقهم وغيظهم لدرجة أن حدت بهم ليس فقط إلى إغلاق الحوار معهم ، بل ومحاولة طردهم ونفيهم عن أوطانهم ،وتهديدهم بذلك حتى يعودوا لملة آبائهم التي ألفوها دون تعقل لبطلانها وقد لاح لهم آثارها المدمرة للصحة النفسية ، والسلامة العقلية ، إذ يساورهم القلق من المستقبل ، لاعتمادهم على الأسباب التي تخونهم بين الحين والآخر ، ويلازمهم الخوف من النتائج ، في حين أن الرسل يأمرونهم بعدم الاعتماد على الأسباب مع الأخذ بها ، والرضى بالنتائج مهما كانت لأنها أقدار الله ، فاعتبروا أن هذه العقيدة ضرب من الجنون ، وأن التعامل مع المسلمين المتوكلين على الله قد يفضي إلى التقصير في الأسباب ، ومن ثم إحداث نتائج تضر بمصالحهم ، فلم يجدوا بدا إلا أن يطردوهم من بلادهم.

فسياسة الطرد والإبعاد هي سياسة الكفار في كل زمان ، فالكفار إذا ملكوا زمام الأمور يظهرون دوما عجزهم النفسي عن التعايش مع من يخالفهم في الرأي والاعتقاد ، ما يعني أن دولتهم عنصرية من الدرجة الأولى، وما فعلوه من قبل فعلوه -كذلك- مع النبي r إذ أجبروه على الهجرة من مكة ، وقد أخبره ورقة ابن نوفل بحصول ذلك منذ بدء الوحي ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى r يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)[24].

 وليس ذلك هو الفكر الذي تقوم عليه السياسة الشرعية التي تسمح بتعايش المسلمين مع أهل الذمة والمستأمنين في وطن واحد رغم اختلاف العقيدة بينهم واختلافهم في الرأي والفكر والثقافة والعادات والتقاليد .

 

وليت الأمر يقف عند حد الطرد والإبعاد ، بل إنهم ليفتحون للمسلمين خيارا آخر هو الشر بعينه ، وهو أن يردوهم عن دينهم فيسمحون أن يعيش معهم من يرتد منهم عن دينه ، كما في قوله (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ، وهكذا لا يأكل معهم إلا من كفر أو منافق أو مداهن ، ولذلك يقول النبي r "أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ اَلْمُشْرِكِينَ"[25]  ، وليس يستطيع العيش بينهم من آمن وصدق وأخلص قلبه لله إلا أن يؤذي ويصبر، وإلا أن يطرد ويبعد ، وقد أبان القرآن في موضع آخر عن عزمهم إزهاق المسلمين ورزيتهم بكل وسيلة حتى يكفروا بالله ، فقال تعالى (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة 217).

 

قوله (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)(13) يهلك الله تعالى الظالمين –في الدنيا- حتى لا يحول دون استمرار الدعوة ظالم ، ولا يصد عن سبيل الله شيطان ، ويترك فعل ذلك إذا ما وجد في الأمة مجاهدون يدافعون عن دين الله ، ويقاتلون من يصد عن سبيله ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : عن رسول الله r قال : (ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة  ولا أهل قرية منذ أنزل التوراة على وجه الأرض بعذاب من السماء غير أهل القرية التي مسخت قردة ألم تر إلى تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون)[26] .

 

من هنا نفهم لماذا تصدر هذا المقطع من السورة بقوله سبحانه (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) ، قال ابن تيمية (إن الله سبحانه وتعالى كانت سنته قبل إنزال التوراة إذا كذب نبي من الأنبياء ينتقم الله من أعدائه بعذاب من عنده كما أهلك قوم نوح بالغرق وقوم هود بالريح الصرصر وقوم صالح بالصيحة وقوم شعيب بالظلة وقوم لوط بالحاصب وقوم فرعون بالغرق قال تعالى (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) فلما أنزل التوراة أمر أهل الكتاب بالجهاد فمنهم من نكل ومنهم من أطاع )[27].

 

أي أن سنة الله تعالى بعد نزول التوراة الجهاد في سبيله ، فالله يهلك الظالمين بأيدي المجاهدين ، كما في قوله تعالى (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة 15) ، وهذا ضرب من أداء واجب الشكر لله ، فالجهاد في سبيله هو دليل الشكر لله سبحانه على نعمة الإسلام ، وذلك بأن يستعمل الله أهل الشكر للدفاع عن دينه ، ورد الحقوق للمظلومين .

 

قوله (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ.. ) (14) ففي الآية إشارة إلى سنة الاستبدال ، فيكون هلاكهم مترتبا عليه أن يحل الصالحون محلهم لتعمير الأرض بعد إفسادها ، ونظيره قوله (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (105) ، فجعل ميراثهم مساكنهم ، ما يدل على أنه ميراث مادي حيث ورثوا مساكنهم وما فيها من أموال وكنوز ، وهو ما ذكرته سورة الشعراء في قوم فرعون كما في قوله (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (59) ، وهو ما بشر به النبي r أصحابه ، فقَالَ رسول الله r (إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)[28] حيث أخبرهم أنهم سوف يرثون ملك كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ، يعني أن كنوزهما سوف تكون في أيدي المجاهدين الشاكرين لله لا في قلوبهم ، فسينفقونها في سبيل الله ، فالشاكر لله غني بما أعطاه الله ولا تطوله فتنة المال ، قال تعالى (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)(الأعراف 137) .

 

قوله (.. ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (14) أي أن هذا الإرث لن يناله إلا من تأهل للخلافة وتحققت فيه شروطها ، وأولها الخوف من الله ، فأهل الخشية هم أهل التمكين ، ولن يحصل التمكين إلا بعد أن يبلغ عباد الله مقام الخوف منه سبحانه ، ولذلك قال رسول الله r (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، أي أن العلاقة بين الشكر والخوف من الله علاقة تلازمية ، فالخوف اعتقاد والشكر عمل ، فمن خاف الله أدلج أي شكر الله على نعمه ، قال العلماء (إن منزلة الخوف والرجاء هي مقام عباد الرحمن في الدنيا، ومن كان هذا حاله توج عمله بالحياء من الله تعالى والمحبة له ولأوليائه ، وطهر لسانه من الكذب والغيبة وفضول القول، وبطنه من حرام المشرب والمطعم ، وجوارحه من الآثام والفواحش، وقلبه من العداوة والخيانة والغش والحسد والرياء)[29].

فعن أنس بن مالك أن النبي r دخل على شاب وهو في الموت فقال: " كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله يا رسول الله، وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله r : (لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وأمنه مما يخاف)[30] ، أي لا يجتمع الخوف والرجاء إلا نال عطاء الله ونال ما كان يرجوه وأمنه مما يخاف .

 

قال ابن القيم (ومدار السعادة وقطب رحاها على التصديق بالوعيد ، فإذا تعطل من قلبه التصديق بالوعيد خرب خرابا لا يرجى معه فلاح ألبتة ، والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة ، فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم قال الله تعالى (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) وقال (إنما أنت منذر من يخشاها) وقال (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) ، وأخبر تعالى أن أهل النجاة في الدنيا والآخرة هم المصدقون بالوعيد الخائفون منه فقال تعالى (.. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد)[31].

 

قوله (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (15) أي طلب الرسل الفتح من ربهم على أعدائهم ، أي استنصروا الله على أعدائهم[32]،  كما في قوله (رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق) [ الأعراف : 89 ] ، فاستتبع ذلك خيبة الجبارين والمعاندين ، (والجبار في صفة الإنسان يقال لمن تجبر بنفسه بادعاء منزلة عالية لا يستحقها ، وقيل : الجبار الذي لايرى فوقه أحداً ، وقيل : الجبار المتعظم في نفسه المتكبر على أقرانه ، والعنيد المعاند للحق ومجانبه)[33] ، قال الرازي (الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته)[34]. ومنه قوله تعالى : {وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} (مريم : 14) .

 

والخيبة تعني (فوات الطلب)[35]، فالله سبحانه يبشر عباده المؤمنين بأن أعداءهم وإن كانوا في الظاهر في عظمة وجبارين ، وهم في الحق معاندين ، فقد خاب سعيهم ، فهم في خيبة وخسران ولا شك ، قال أبو السعود (وفي إسناد الخيبةِ إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة)[36] ، فإذا وصل أهل الكفر إلى هذه الدرجة من التجبر والعناد ، فلا شك أنهم خائبون ، وضل سعيهم  .

 

قوله (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ..) (16) انتقال مباشر إلى دار الآخرة ، فبمجرد إهلاك الله الظالمين يفتح لهم بابا من نار ، فمن مات قامت قيامة ، وهو تصوير يبين سرعة هذا الانتقال ، وكأنه خرج من باب الدنيا ودخل باب الآخرة ، وفي الصورة تجسيد لجهنم  وكأنها كائن حي يتبعهم من الخلف ويتهددهم ، ولا مفر منه لقرب المسافة بينهم ، ولذلك قيل (واعلموا أن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله)[37].

قوله (..وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ..) (17) هنا يسوق القرآن كيف تغير حال الجبارين والمعاندين ، فأضحى حالهم في ذل ومهانة ، ودليل الذل أن أضحى شرابهم الصديد يتجرعه الكافر ويشربه بدلا من الماء الذي هو معتاد على شربه عذبا فراتا  عذبا كل ساعة دون تكلف أو مشقة ، وتلك نعمة من نعم الله التي أنعم بها على أهل الدنيا ولكنهم قابلوها بالكفر لا بالشكر ، ولو أنهم شكروا الله على نعمة الماء والسقاء في الدنيا لما تجرعوا الصديد يوم القيامة ، روي أنه كان r إذا شرب الماء قال: (الحمد لله الذي سقانا عذبا فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا)[38].

 

 لكنه – أي الكافر - حين يذوقه –يوم القيامة - يجد من مرارته فظاعة شديدة ولحرارته ما يفزعه ، فلا يكاد يبتلعه إلا بمشقة مجبرا ، فالتجرع يدل على التكلف في بلع الماء المر[39]، والإساغة تدل على سهولة انحداره في الحلق،  والجمع بين التجرع والإساغة يصور مدى الذل التي يتلبس بالكافر وهو يتجرع الذل بصعوبة ومشقة، ولا يكاد يستسيغه لمرارته وحرارته وفظاظته. 

 

قوله (.. وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) (17) المقصود بالموت هنا أسبابه ، فأسباب الموت محيطة به لكن الله أبطل فاعليتها ، فلا موت ، وهنا يستبين أن الكافر  يتمنى الموت ليتخلص من العذاب ، فيكون الموت أقصى أمانيه ولكن الله لا يجبه لأمنيته ، فلا ينتظره إلا عذاب أغلظـ ، قال تعالى (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) (الفرقان 14).

 

 هذا ليعلم المستكبر في الدنيا أنه إلى هوان يوم القيامة  ،انظر إلي حال من كان يستحب الحياة الدنيا على الآخرة ، كانت الدنيا منتهى أمله وغايته ، فلما صار إلى الآخرة انقلبت أمانيه رأسا على عقب وأضحى الموت أقصى ما يتمناه في الآخرة ، وصار أسمى أمانيه لكنه لا يطوله ، بل ويشدد عليه العذاب كل لحظة ، كما في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء 56) فمن المعلوم أن جلد الإنسان إذا احترقا حرقا من الدرجة الثالثة مات على الفور ، ولكن الله يجدد جلده ليظل يذوق العذاب الغليظ ، وهكذا يرى عُبَّاد الأسباب ضلال الأسباب عنهم لتلبية أبأس أمانيهم .

 

قوله (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) (18) المقصود بأعمالهم أعمال الخير التي عملها الكافر في الدنيا ، فلا يُظلم الكافر بحسنة عملها في الدنيا إلا وأطعم بها في الدنيا لا في الآخرة ، لأنه عمل للدنيا ولم يعمل للآخرة ، فعَنْ رَسُولِ اللَّهِ r (إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنْ الدُّنْيَا ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَإِنَّ اللَّهَ يَدَّخِرُ لَهُ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَيُعْقِبُهُ رِزْقًا فِي الدُّنْيَا عَلَى طَاعَتِهِ)[40].

 وهكذا لا يجد الكافر شيئا ينفعه يوم القيامة حتى حسناته التي عملها في الدنيا صارت كرماد في الآخرة تبعثرت في العاصفة فلم يبق له منها شيء ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لَا يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)[41]

 

  

 

قال ابن القيم (شبه تعالى أعمال الكفار في بطلانها وعدم الانتفاع بها برماد مرت عليه ريح شديدة في يوم عاصف ، فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور ، لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان ، وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف ، فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه ، فلذلك قال "لا يقدرون مما كسبوا على شيء " أي لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء فلا يرون له أثرا من ثواب ولا فائدة نافعة ، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه موافقا لشرعه والأعمال أربعة ، فواحد مقبول وثلاثة مردودة ، فالمقبول الخالص الصواب ، فالخالص أن يكون لله لا لغيره ، والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله ، والثلاثة مردودة ما خالف ذلك )[42] .

 

 

 

[1] ) التسهيل لعلوم التنزيل ج1 ص 781

[2] ) أيسر التفاسير للجزائري ج2 ص 258

[3] ) التحرير والتنوير ج12 ص 228 الكشاف ج3 ص 269

[4] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 4645

[5] ) أيسر التفاسير لأسعد حومد ج1 ص 1760

[6] ) رواه البخاري ج14 ص 434 رقم 4397

[7] ) تاريخ الطبري ج1 ص 560 وكذلك ابن كثير في البداية والنهاية ج 3 ص 186

[8] ) تتمية أضواء البيان للشيخ عطية سالم ج2 ص 405

[9] ) تتمية أضواء البيان للشيخ عطية سالم ج2 ص 405

[10] ) أبو الليث السمرقندي : بحر العلوم ج2 ص 427

[11] ) تفسير حقي ج6 ص 308

[12] ) مدارج السالكين ج1 ص 60

[13] ) التحرير والتنوير ج29 ص 176

[14] ) رواه مسلم ج12 ص 410 رقم 4638

[15] ) الإمام البغوي شرح السنة ج13 ص 19 ، غريب الحديث لابن الجوزي ج1 ص 11

[16] ) رواه الترمذي ج8 ص 317 رقم 2252 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص99

[17] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 800

[18] ) البحر المديد ج3 ص 190

[19] ) رواه مسلم ج14 ص213 رقم 5264

[20] ) رواه البيهقي شعب الإيمان ج6 ص 298 رقم 8231

[21] ) مدارج السالكين ج2 ص 113

[22] ) في ظلال القرآن ج4 ص 393 مع تلخيصه

[23] ) حولية كلية أصول الدين بالقاهرة: ٣٠٥، العدد السادس

[24] ) رواه مسلم ج1 ص 381 رقم 231

[25] ) بلوغ المرام من أدلة الأحكام ج1 ص 502 للحافظ بن حجر العسقلاني ، وقال : رَوَاهُ اَلثَّلَاثَةُ وَإِسْنَادُهُ [ صَحِيحٌ ], وَرَجَّحَ اَلْبُخَارِيُّ إِرْسَالَه

قال المحققون : صحيح. رواه أبو داود ( 2645 )، والترمذي ( 1604 ) من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل. قال: فبلغ ذلك النبي r فأمر لهم بنصف العقل وقال: فذكره. وزاد: "قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: " لا تراءى ناراهما". وهذا سند صحيح كما قال الحافظ، لكنه معلول بالإرسال -ومن هذا الوجه رواه النسائي ( 8 / 36 ) - كما نقل ذلك عن البخاري، وأيضاً قاله أبو داود. وأبو حاتم. والترمذي والدارقطني. قلت: لكن له شواهد يصح بها.

[26] ) رواه الحاكم ج2 ص 442 رقم 3534 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج5 ص 327

[27] ) الجواب الصحيح ج5 ص 102

[28] ) رواه البخاري ج10 ص 373 رقم 2888

[29] ) :أمير بن محمد المدري من اليمن : المواعظ الإيمانية من الآيات القرآنية ج1 ص 99

[30] ) رواه ابن ماجة جج12 ص 213 رقم 4251 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 420 رقم 3436

[31] ) مدارج السالكين ج1 ص 145

[32] ) البحر المحيط ج7ص 142

[33] ) تفسير الخازن ج4 ص 108

[34] ) تفسير الفخر الرازي ص 2629

[35] ) أبو القاسم الحسين بن محمد : المفردات في غريب القرآن ج1 ص 160

[36] ) تفسير أبي السعود ج4 ص 26

[37] ) جمع الجوامع ج1 ص 24846 للسيوطي ، قال الألباني : أخرجه الأصبهاني (201) من طريق عبد الله بن إبراهيم الكوفي : أخبرنا ثابت بن محمد قال : سمعت سفيان الثوري يقول : حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً .

[38] ) كنز العمال ج7ص111 رقم 18221 وضعفه الألباني : صحيح وضعيف الجامع الصغير ج20 ص 472

[39] ) جاء في التفسير الميسر ج4 ص 270 : يحاول المتكبر ابتلاع القيح والدم وغير ذلك مما يسيل من أهل النار مرة بعد مرة، فلا يستطيع أن يبتلعه; لقذارته وحرارته، ومرارته، ويأتيه العذاب الشديد من كل نوع ومن كل عضو من جسده، وما هو بميت فيستريح، وله من بعد هذا العذاب عذاب آخر مؤلم.

[40] ) رواه مسلم ج13 ص 414 رقم 5023

[41] ) رواه مسلم ج1 ص 484 رقم 315

[42] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 497

  • الاحد AM 11:56
    2026-03-01
  • 44
Powered by: GateGold