ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
نعمة تثبيت الكلمة الطيبة واجتثاث الكلمة الخبيثة
د / احمد نصير
نعمة تثبيت الكلمة الطيبة واجتثاث الكلمة الخبيثة
قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
قوله (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ..)(24) الكلمة الطيبة هي الكلمة التي تخرج من أهل التقوى ، الذين هم أهل للشكر وعمل الخير والصدقات ، ولذلك بوب البخاري بابا بعنوان "الكلمة الطيبة صدقة" ، وأورد بعده حديث عدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ r النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَتَعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ قَالَ شُعْبَةُ أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ ثُمَّ قَالَ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ)[1]، فالحديث يدل على الأثر الطيب للكلمة الطيبة ، وأنها وإن كانت بسيطة فإن مردودها كبير في الآخرة ، فثواب الكلمة الطيبة عظيم ، قال رسول الله r (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)[2] ، والصدقة تفتح جميع أبواب الخير ، يقول النبي r (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ) [3]، أي ينمي الله بها خيرا .
ولا شك أن (الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح ، كما أن الشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع)[4] ، فللكلمة الطيبة أثر طيب في النفوس ولا شك ، فجذورها تضرب بعمق في صدور الناس لتنشرح كما تضرب الشجرة بجذورها في أعماق الأرض لتكون سببا في إمداد الفروع بالماء والغذاء.
وأهل الشكر هم أهل التوحيد ، فجمهور المفسرين على أن المقصود بالكلمة الطيبة شهادة أن "لا إله إلا الله" فهي تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة ، ويظهر أثرها كذلك يوم القيامة ، فللكلمة الطيبة ثمارها في الآخرة ، وبأوراقها يستظل صاحبها تحتها فتحميه حر يوم العرض الذي مقداره خمسين ألف سنة ، فقد ذكر النبي r الذين يستظلون يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)[5]، فذكر الله يثمر حياة القلب، وطمأنينة النفس، ومحبة الله ورسوله، ويزيل الهموم والمخاوف، كما يثمر مغفرةً وأجراً عظيماً، فذكر الله عادة أهل اللإنابة (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28) ، فالإكثار من الذكر يورث النور في الدنيا والآخرة، ويجعل العبد في معية الله وحفظه، ويُعد من أفضل الأعمال وأيسرها.
والكلمة الطيبة وجبر الخاطر كلاهما سواء في إلقاء السرور على الناس ، لأنهما يدعوان إلى البشرى والتفاؤل ، ويبعدان الناس عن التشاؤم والتطير ، فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ (لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالُوا ، وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ (كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ)[6] (الفأل ضد الطيرة وهو مختص بالخير )[7]، ولذلك قَالَ r (بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)[8]، فالواجب تذكير الناس برحمة الله تعالى وبأن أقدار الله تعالى كله خير ، وأن الحياة مجرد اختبار وابتلاء ، وما يصيب الإنسان فيها إنما هو نتيجة عمله ، فعن النبي r فيما يروي عن ربه (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) [9]، قوله (فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) لأنها ، كما قال المناوي (آثرت شهواتها على رضا رازقها ، فكفرت بأنعمه ولم تذعن لأحكامه وحكمه ، فاستحقت أن يقابلها بمظهر عدله ، وأن يحرمها مزايا جوده وفضله)[10].
وخير الكلم الطيب ما ينمي به العبد خيرا ، أي يصلح من شأن وحال العباد سواء في مجال الدعوة في سبيل الله أو بمعنى إصلاح ذات البين بين الناس ، فعن النبي r قال (ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلى قال صلاح ذات البين)[11] ،وذلك بذكر مدائحهم ومحاسن كل طرف من المتخاصمين للآخر ، فالكذب إذا كان الغرض منه الإصلاح بين الناس فإنه محمود ، فعن أم كلثوم قالت سمعت رسول الله r يقول (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا أو ينمى خيرا)[12] ، قال النووي (واذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا ، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك)[13].
ومن القول الطيب الذي يؤلف بين القلوب ويزيد الود والمحبة بين الناس إفشاء السلام ، قال رسول الله r (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا ، ولا تسلموا حتى تحابوا ، وأفشوا السلام تحابوا)[14] ،وقد عد النبي r (إفشاء السلام من الكفارات والدرجات التي يختصم فيها الملأ الأعلى)[15].
وفي مجال الدعوة إلى الله بالحسنى تعد من الكلم الطيب وسيلة أهل الدعوة لشرح قلوب الناس كما في قوله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت 33) أي صدق عمله قوله بعمل الصالحات ، وبالدعوة والكلمة الطيبة تنال الأمة الخيرية ، قال جل وعلا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾(آل عمران 110) ، وقال r (الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)[16].
وأخيرا وليس بآخر فإن الصدع بكلمة الحق هو من الكلم الطيب ، الذي به لا يزال الناس بخير ، يقول الله تعالى (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر 94) ، رُوي عن الإمام أحمد أنه قيل له: إن عبد الوهاب الوراق ينكر كذا وكذا، فقال: (لا نزال بخير ما دام فينا من يُنكر) ، ومن هذا الباب قول عمر لمن قال له: "اتق الله يا أمير المؤمنين"، فقال: (لا خير فيكم إن لم تقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم)[17] .
وسميت "كلمة الحق" في وجه الظالم صدعا به ، لأنها تغيظه كما قال فرعون في شأن موسى وأتباعه (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)(الشعراء 56) فإذا كانت هذه القلة التي على الحق قد صدعت بكلمة الحق أمام فرعون فاغتاظ وأخذ حذره ، وجمع أعوانه من السحرة وجنوده من العسكر ليتبعهم ، فإن هذه الكلمة لها شأن عظيم في صدع الباطل ولو صدرت من تلك الشرذمة القليلة التي على الحق ، فتلك الكلمة التي النطق بالشهادتين إذا نطق بها المسلم أمام الذين يؤلهون غير الله تكون بمثابة حجر قذف في وجوههم فأدمغتهم وشجت رؤوسهم ، كما قال تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء 18) ، يقول النبي r (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) [18]
قوله (..أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)(24) أصلها ثابت لأن الكلمة الطيبة نابعة من قلب مخلص لله تعالى سليم من الشرك والرياء ، وفرعها في السماء كناية عن كثرة خيراتها وورقها وطول أغصانها ما يدل على ضخامتها وقوتها وكثرة نفعها الناس ، قال ابن القيم (أصلها ثابت قول لا إله إلا الله في قلب المؤمن ، وفرعها في السماء يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء)[19].
وقوله (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (25) كناية عن أنها تنتج خيرا كثيرا لا يتوقف ، فكلما قطفت ثمارها خرجت منها واحدة أخرى ، وهكذا الكلمة الطيبة يتولد عنها كلمة طيبة أخرى ، فلا يتوقف الخير النازل منها أبدا .
وعبادة الشكر كالماء والغذاء الذي يسقي وينمي شجرة التوحيد ، فتؤتي ثمارها من الخير ، قال ابن القيم (الشجرة المثمرة لا تبقى حية إلا بمادة تسقيها وتنميها فإذا قطع عنها السقي أوشك أن تيبس ، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يتعاهدها صاحبها بسقيها كل وقت بالعلم النافع والعمل الصالح والعود بالتذكر على التفكر والتفكر على التذكر وإلا أوشك أن تيبس)[20]، قال رسول الله r (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم)[21].
وفي ذلك تشبيه لحال المؤمن ، فعن ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ r مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُّ ، فَقَالَ الْقَوْمُ هِيَ شَجَرَةُ كَذَا هِيَ شَجَرَةُ كَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ)[22] ، قال النووي (قال العلماء وشبه النخلة بالمسلم فى كثرة خيرها ودوام ظلها وطيب ثمرها ووجوده على الدوام ، فإنه من حين يطلع ثمرها لايزال يؤكل منه حتى ييبس ، وبعد أن ييبس يتخذ منه منافع كثيرة ومن خشبها وورقها وأغصانها فيستعمل جذوعا وحطبا وعصيا ومخاصر وحصرا وحبالا وأوانى ، وغير ذلك ثم آخر شيء منها نواها وينتفع به علفا للابل ثم جمال نباتها وحسن هيئة ثمرها فهي منافع كلها وخير وجمال كما أن المؤمن خير كله من كثرة طاعاته ومكارم أخلاقه ويواظب على صلاته وصيامه وقراءته وذكره والصدقة والصلة وسائر الطاعات وغير ذلك) [23] .
قوله (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (25) قال الرازي (ضرب الأمثال زيادة إفهام وتصوير للمعاني العقلية ، التي قد لا يقبلها الحس والخيال ، فإذا ذكر ما يساويها من المحسوسات.. انطبق المعقول على المحسوس وحصل الفهم التام)[24].
قال العلماء (فجذور شجرة الإيمان هي أركانه الستة، وساقها الإخلاص لله تعالى ومتابعة الرسول r ، وفروعها الأعمال الصالحة من أعمال القلوب والجوارح، وثمرتها اليانعة هي الأمن والاطمئنان والحياة الطيبة، وسعادة الدنيا والآخرة، وولاية الله تعالى)[25].
قوله (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) (26) شبه الله القول الخبيث بالشجرة الخبيثة التي تلتف حول الأشجار فتقتلها ولذلك وجب اجتثاثها من جذورها ، وعبر عن الفعل بصيغة الماضي للدلالة على بطلان مفعولها ، لأن فعل الصادين عن سبيل الله لابد وأن يخيب ويصير إلى خسران ، قال ابن القيم (ذكر سبحانه مثل الكلمة الخبيثة فشبهها بالشجرة الخبيثة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار فلا عرق ثابت ولا فرع عال ولا ثمرة زاكية فلا ظل ولا جنى ولا ساق قائم ولا عرق في الأرض ثابت فلا أسفلها مغدق ولا أعلاها مونق ولا جنى لها ولا تعلو بل تعلي)[26].
والكلمة الخبيثة مثل الأذى القولي كالمن على الناس بالمعروف ، قال تعالى (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة263) ، فالأذى القولي هو المقصود بالمنِّ على المتصدق عليه ، كما قال تعالى (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (المدثر6) ، والكلمة الخبيثة لها آثار لابد أن تضر صاحبها ، يقول النبي r (وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)[27].
ويدخل في معنى الكلمة الخبيثة كل ما يؤدي إلى إفساد ذات البين ،وزيادة الخصومات بين الناس ، وتنمية الشر بين الناس ، قال رسول الله r (وإياكم والبغضة فإنها هي الحالقة لا أقول لكم تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)[28] ، وقال رسول الله r (وفساد ذات البين هي الحالقة) [29]، وفساد ذات البين هي الحالقة أي الماحية والمزيلة للمثوبات والخيرات .. وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر[30] .
والكلمة غير الطيبة هي من أنواع الكلمة الخبيثة ، تلك التي قد تفسد العلاقة بين زوجين ، وتهدم البيت ، وقد لا يلقي صاحبها لها بالا ، ولذلك قال رسول الله r (ليس منا من خبب إمرأة على زوجها أو عبدا على سيده)[31]، فالتخبيب قد يكون بقصد أو بغير قصد ، وقد يكون بقصد حسن أو بقصد سيء ، وفي كل الأحوال هو حرام ، فقبل إلقاء الكلم يجب النظر في أثره وتأثيره في الناس ، فلا يتكلم إلا بخير .
وإشعال نار الفتنة بين الناس من أخبث الكلم ، فعن جَابِر يَقُولُ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ r وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَا لَلْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ r فَقَالَ مَا بَالُ دَعْوَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ ثُمَّ قَالَ مَا شَأْنُهُمْ فَأُخْبِرَ بِكَسْعَةِ الْمُهَاجِرِيِّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ فَقَالَ النَّبِيُّ rدَعُوهَا فَإِنَّهَا خَبِيثَةٌ)[32].
ومن المحامين المشتغلين بالعلاقات الأسرية وقضاياها يروي لنا الكثير من أمثلة للتخبيب من واقع التجارب الحياتية ، ويذكر منها :-
- ما نراه في الزوجة التي تتعرض لإغراء رجل لمُخالعة زوجها على وعد بالزواج بها .
- الأهل الذين يخببون المرأة على زوجها ويسعون إلى إفساد حياتها الزوجية لأسباب مختلفة
- العشيق الذي يتفق مع عشيقته على الخلاص من زوجها حتى لا يقف حائلاً بينهما)[33] ، ويحصل ذلك –كذلك - بإيغار صدرها بذكر مساوئه أو تحريضها على الخلع والطلاق أو المطالبة بما لا يحق لها أو نشوزها والخروج عن طاعته .
- ومنها: إفساد الرجل على زوجته: بذكر مساوئها وسوء أخلاقها أو ذم أهلها وتحريضه على فراقها ، سواء كان من قبل أهل الزوج أو الزوجة أو غيرهما .
(وأكثر ما يدخل على الأسرة في إفسادها من قبل المرأة، لكونها ضعيفة تغلبها العاطفة وتؤثر فيها الكلمة)[34].
كما حذر النبي r أمته من النظرة التشاؤمية التي تدفعهم للإحباط واليأس ، فقال r (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكُهُم)[35]، (وهو الرَّجُل يُولَعُ بعَيْب الناس ويَذْهَب بنَفْسِه عُجْباً ويَرَى له عليهم فَضْلا)[36] ، (ذلك أنه بتلك المقالة يقنطهم من رحمة الله فهو أشدهم هلاكا لأنه سد بابا من الرجاء في الله لم يغلقه عن عباده)[37]، قال الخطابي (معناه لا يزال الرجل يعيب الناس وتذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك ، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الاثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم)[38].
كذلك كل كلمة تقال بقصد إظهار السخط وعدم الرضا هي كلمة خبيثة ، قال رسول الله r (فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)[39]، كذلك من مظاهر السخط الدعاء على النفس بالهلاك ، كما قَالَ النَّبِيُّ r (لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)[40] ، قال ابن حجر (قولهم واجبلاه وكذا الدعاء بالويل والثبور)[41].
قوله (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ..)(27) قال ابن القيم (وتحت قوله "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة "كنز عظيم .. وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت الله له طرفة عين ، فإن لم يثبته وإلا زالت سماء إيمانه وأرضه عن مكانهما ، وقد قال تعالى لأكرم خلقه عليه عبده ورسوله (ولو أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا)[42].
والثبات على الطاعة والشكر لله يعني الاستقامة علي الحق ، كما في قوله r (قل ربي الله ثم استقم)[43] ، فالاستقامة هي الثبات على الكلمة الطيبة كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" قولا ، وفعلا ، قال العلماء (تثبيت الله العبد في الآخرة في الدنيا يكون بتثبيته على سلوك طريق الحق أي على " الصراط المستقيم" ، وذلك بإعطائه خير زاد ، وهو التقوى)[44] ، قال ابن القيم (وأصل التثبيت ومنشأه أمران "القول الثابت: و"فعل ما أمر به العبد" ) ، وقال ابن القيم (فبهما يُثَبِّت الله عبده ، فكل من كان أثبت قولا وأحسن فعلا كان أعظم تثبيتا ، قال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء 66) ، فأثبت الناس قلبا أثبتهم قولا ، والقول الثابت هو القول الحق والصدق وهو ضد القول الباطل الكذب ، فالقول نوعان : ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له ، وأثبت القول كلمة التوحيد ولوازمها ، فهي أعظم ما يثبت الله بها عبده في الدنيا والآخرة ، ولهذا ترى الصادق من أثبت الناس وأشجعهم قلبا ، والكاذب من أمهن الناس وأخبثهم وأكثرهم تلونا وأقلهم ثباتا ، وأهل الفراسة يعرفون صدق الصادق من ثبات قلبه وقت الإخبار وشجاعته ومهابته ، ويعرفون كذب الكاذب بضد ذلك، ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة) [45].
ويتفرع عن كلمة التوحيد التي هي أصل "القول الثابت" ما ذكره النبي r فقال (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) [46]، لأن الذكر هو شاغل المؤمنين الشاكرين ، والعلم مطلبهم ، قال رسول الله r (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) [47].
وترديد الكلمة الطيبة كلمة التوحيد والإكثار من ذلك يساعد المسلم على الثبات على الطاعة في الدنيا ، وعند السؤال في القبر ، والمحافظة على ذلك يعد شكرا لله ، وليس ثمة خير من ذلك عمل عند الله ، قال رسول الله r (مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)[48]
قوله (..وَفِي الْآَخِرَةِ) أي أن تثبيت الله للمؤمن على الاستقامة في الدنيا بزاد التقوى ، له أثر ملموس في الآخرة ، فأول مراحل الآخرة "القبر" ، حيث سؤال القبر ، عندئذ يحتاج العبد للتثبيت ، فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ(الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[49].
أي يثبته منذ لحظة السؤال حتى يدخل الجنة بالإجابة الثابتة على الملكين ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ r دَخَلَ نَخْلاً لِبَنِى النَّجَّارِ فَسَمِعَ صَوْتاً فَفَزِعَ فَقَالَ « مَنْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْقُبُورِ ». قَالُوا يَا نَبِىَّ اللَّهِ نَاسٌ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ ». قَالُوا وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِى قُبُورِهَا ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَسَأَلَهُ مَا كُنْتَ تَعْبُدُ ؟ فَإِنِ اللَّهُ هَدَاهُ قَالَ كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ ، قَالَ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ ؟ قَالَ فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، قَالَ فَمَا يُسْئَلُ عَنْ شَىْءٍ غَيْرِهَا ، قَالَ فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى بَيْتٍ كَانَ لَهُ فِى النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا بَيْتُكَ كَانَ فِى النَّارِ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَكَ وَرَحِمَكَ فَأَبْدَلَكَ بِهِ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ دَعُونِى حَتَّى أَذْهَبَ فَأُبَشِّرَ أَهْلِى. فَيُقَالُ لَهُ اسْكُنْ ، قوله (اسكن)، أي: فيما أنت فيه من هذا النعيم) [50].
يقول النبي r (فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَا مَشْعُوفٍ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ فِيمَ كُنْتَ ؟
فَيَقُولُ فِي الْإِسْلَامِ
فَيُقَالُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟
فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ r جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَصَدَّقْنَاهُ
فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا وَيُقَالُ عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ وَعَلَيْهِ مِتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) [51].
قوله (..وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ..) (27) قال ابن عجيبة المراد بالظالمين (الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد ، فلا يهتدون إلى الحق ، ولا يثبتون في مواقف الفتن)[52] ، وقد استشهد ابن كثير للدلالة على هذا المعنى بقوله سبحانه (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (34).
قال أبو حيان (إضلالهم في الدنيا كونهم لا يثبتون في مواقف الفتن ، وتزل أقدامهم وهي الحيرة التي تلحقهم ، إذ ليسوا متمسكين بحجة ، وفي الآخرة هو اضطرابهم في جوابهم)[53] .
فالإضلال حاصل في الدنيا في كل عمل أو اجتماع ومجلس لشأن من شئون الدنيا لم يذكر فيه الله تعالى ، والظلم يحصل لأنفسهم نتيجة تفرقهم عنه وقد غفلوا عن الذكر ، ولم يكن قصدهم رضا الله تعالى ، فعن معاوية بن قرة قال (ما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم يذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار)[54]، فكأن المعنى أنهم ضلوا عن الذكر أثناء اجتماعهم في مجلسهم ، فتفرقوا عنه ، وهم ظالمين لأنفسهم .
والإضلال في الآخرة هو حصول العذاب عند السؤال في القبر ، قال ابن الجزي (لا يُلقِّن المشركين كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" ، حتى إذا سُئلوا في قبورهم قالوا : لا ندري)[55].
قال رسول الله r (وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ أَتَاهُ مَلَكٌ فَيَقُولُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيَضْرِبُهُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً فَيَسْمَعُهَا الْخَلْقُ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ »[56]
ويقول r (وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السَّوْءُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْعُوفًا فَيُقَالُ لَهُ فِيمَ كُنْتَ ؟
فَيَقُولُ لَا أَدْرِي.
فَيُقَالُ : مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ فِيكُمْ ؟
فَيَقُولُ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ كَمَا قَالُوا .
فَتُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الْجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكَ
ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُكَ مِنْهَا كُنْتَ عَلَى الشَّكِّ وَعَلَيْهِ مِتَّ وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُعَذَّبُ)[57] .
قوله (..وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) فمشيئته تدل على حكمته ، وهي تخْفَى عمن أضله الله ، ويهتدي إليها من أراد الله له الهداية ، بفضله وحكمته .
قال رسول الله r (إِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ)[58].
فبالنسبة للأول فإنه ينكشف حاله للناس قبل موته ، ويستبين أنه لم يكن يعمل عملا متقبلا ، بل كان يخالطه الرياء وحب السمعة ، فأحبطه الله ، وبدل عمل بعمل سيء حتى يستبين أمره قبل موته ، يوضح هذا المعنى رواية سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عن رسول الله r أنه قال (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)[59]
وقد صدر هذا القول عن النبي r بمناسبة حادثة قتل أحد المجاهدين نفسه بعدما أصيب ولم يتحمل الألم ، فدل فعله على أنه كان يقاتل رياء ليقال له شجاع ، ولم يكن يقاتل لإعلاء كلمة التوحيد ، وعندئذ قال النبي r (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا)[60] ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ نَظَرَ النَّبِيُّ r إِلَى رَجُلٍ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ غَنَاءً عَنْهُمْ فَقَالَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَقَالَ بِذُبَابَةِ سَيْفِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا)[61].
وبالنسبة للثاني : فقد يكون معذورا ، ولأهل الأعذار أحكامهم ، وذلك يتضح من رواية سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ عن رسول الله r أنه قال (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ)[62]، ويؤكد هذا المعنى ما روي عَنْ النَّبِيِّ r ( أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا)[63].
وقوله r (الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا) يعني أنه إذا صدق الله فإنه الله سوف يصدقه ويختم له عمله بعمل صالح ، كما في قوله r (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قِيلَ وَمَا عَسَلُهُ قَالَ يَفْتَحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ عَمَلًا صَالِحًا قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ)[64]، والعكس كذلك صحيح .
[1] ) رواه البخاري ج18 ص 445 رقم 5564
[2] ) رواه البخاري ج18 ص 444
[3] ) رواه البخاري ج20ص 119 رقم 5997
[4] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 498
[5] ) رواه البخاري ج3 ص 51 رقم 620
[6] ) رواه البخاري ج18 ص 70 رقم 5331
[7] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج13 ص 320
[8] ) رواه مسلم ج9 ص 152 رقم 3262
[9] ) رواه مسلم ج12 ص 455 رقم 4674
[10] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج2 ص 360
[11] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 491 وصححه الألباني :
[12] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 139 رقم 385 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 160 رقم 385/297
[13] ) شرح النووي على مسلم ج16 ص 158
[14] ) الأدب المفرد ج1 ص 100 رقم 260 وصححه الألباني
[15] ) والحديث عند الترمذي ج11 ص 27 رقم 3157 وصححه الألباني صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 59
[16] ) رواه مسلم ج1 ص 182 رقم 82
[17] ) الحافظ أبي فرج ابن رجب الحنبلي : الحِكَم الجديرة بالإذاعة: ص18
[18] ) رواه الحاكم ج3 ص 215 رقم 4884 وصححه الألباني : صحيح كنوز السنة النبوية ج1 ص 89
[19] ) إعلام الموقعين ج1 ص 172 ، الأمثال في القرآن ج1 ص 35 ، نقلا عن ابن عباس ومرجعه تفسير علي بن أبي طلحة
[20] ) المرجع السابق
[21] رواه الحاكم في المستدرك ج1 ص 45 رقم 5 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج4 ص 113
[22] ) رواه البخاري ج19 ص 83 رقم 5657
[23] ) شرح النووي على مسلم ج17 ص 154
[24] ) تفسير الفخر الرازي ج1 ص 2639 مع تصرف مني بالاختصار
[25] ) فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود : الإيمان عند أهل السنة والجماعة ج1 ص 3
[26] ) المرجع السابق
[27] ) رواه البخاري ج20ص 119 رقم 5997
[28] ) الأدب المفرد ج1 ص 100 رقم 260 وصححه الألباني
[29] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 142 رقم 491 وصححه الألباني ورواه مسلم ج13 ص 10 رقم 4717
[30] ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ج14 ص 340 التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي ج1 ص 805
[31] ) رواه الحاكم ج2 ص 214 رقم 2795 الجامع الصغير ج1 ص 957 رقم 9568
[32] ) رواه البخاري ج11 ص 343 رقم 3257
[33] ) إيثار موسى : شرح تفصيلي لصور التخبيب https://www.mohamah.net/law/ 4/2/2018
[34] )مجلة القبس 12 مايو 2019 : ملعون من أفسد امرأة على زوجها : إشراف موسى الأسود https://www.alqabas.com/article/667695 :
[35] ) رواه مسلم ج 13 ص 62 رقم 4755
[36] ) ابن الأثير : النهاية في غريب الأثر ج5 ص 628
[37] ) تفسير غريب ما في الصحيحين ج1 ص 169 ذات المعنى : شرح الزرقاني ج4 ص 513
[38] ) شرح النووي ج16 ص 175
[39] ) رواه الترمذي ج8 ص 415 رقم 2320 وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج5 ص 395
[40] ) رواه البخاري ج5 ص 41 رقم 1212
[41] ) فتح الباري شرح صحيح البخاري
[42] ) ابن القيم : المرجع السابق
[43] ) رواه ابن ماجة ج11 ص 468 رقم 3962 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 258 رقم 3208
[44] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج27 ص 288
[45] ) المرجع السابق
[46] ) رواه البخاري ج18 ص 437 رقم 5559
[47] ) رواه ابن ماجة ج12 ص 136 رقم 4102 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج2 ص 395 رقم 3320
[48] ) رواه البخاري ج11 ص 70 رقم 3050
[49] ) رواه البخاري ج14 ص 293 رقم 4330
[50] ) رواه أحمد ج28 ص 328 رقم 13795 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة الكاملة ج3 ص 418 رقم 1344
[51] ) رواه أحمد ج42 ص 14 رقم 25090 وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 218 رقم 3557
[52] ) البحر المديد ج3 ص 200
[53] البحر المحيط ج7 ص 168
[54] ) رواه البخاري في الأدب المفرد ج1 ص 349 رقم 1009 وصححه الألباني : صحيح الأدب المفرد ج1 ص 398
[55] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 394
[56] ) رواه أحمد ج28 ص 328 رقم 13795 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة الكاملة ج3 ص 418 رقم 1344
[57] ) رواه أحمد ج42 ص 14 رقم 25090 وصححه الألباني صحيح الترغيب والترهيب ج 3 ص 218 رقم 3557
[58] ) رواه البخاري ج10 ص 485 رقم 2969
[59] ) رواه البخاري ج10 ص 28 رقم 2683
[60] ) رواه البخاري ج20 ص 144 رقم 6012
[61] ) رواه البخاري ج20 ص 144 رقم 6012
[62] ) رواه البخاري ج10 ص 28 رقم 2683
[63] ) رواه مسلم ج11 ص 305 رقم 4163
[64] ) رواه أحمد ج29 ص 232 رقم 17784 وصححه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 31 رقم 307 ، السلسلة الصحيحة3/107
-
الاحد PM 12:19
2026-03-01 - 47



