المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1904088
يتصفح الموقع حاليا : 266

البحث

البحث

عرض المادة

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة

د / احمد نصير

المحور الرابع

مقومات النظام الاجتماعي لدولة حديثة النشأة 

 

بعدما تناولت الايات من 71 – 104 من سور النساء مرحلة الخوف ومجاهدة العدو التي يمر بها المجاهدون ، ووعد الله للمؤمنين الصابرين بتحقيق النصر ، تناول الآيات من 105-136 مرحلة ما بعد النصر والشروع في الحكم بكتاب الله (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) ، هنا وعندما يشرع المؤمنون في تأسيس دولتهم لابد أولا وأن يعوا المقومات الأساسية التي تقوم عليها ، لاسيما وهي دولة حديثة النشأة ، ولكي يشعر الناس فيها بالأمن على أنفسهم وأموالهم ، ويستشعروا بالطمأنينة وهم يعبدون لله تعالى بلا خوف من اضطهاد أو إيذاء مادي أو معنوي ، لابد وأن يفهموا أن أول مقومات هذه الدولة هو تأسيس نظام قضائي فعال .

 

فأول مقومات الدولة الحديثة تأسيس نظام قضائي يقوم على العدل ودقة التحقيق وسرعة الإنجاز ، ثم يتبع ذلك توسيع دائرة العمل المجتمعي والمشاركة السياسية ، مع ضرورة الاحتراز من الجماعات الفئوية وتحديد التبعية السياسية للناس ، حيث يستبين سبيل المؤمنين ويفترق عنه من يتخذون الشياطين أولياء من دون الله ، سواء من المنافقين المرتدين أو الضالين من أهل الكتاب ، بهذا يتحقق الإصلاح السياسي في صورتيه الدستورية والمجتمعية ، ثم الإصلاح الاجتماعي ببيان أهمية المرأة والأسرة في الإسلام ، ووجوب الإصلاح بين الزوجين عمودي الأسرة ، والسعي بينهما بالخير دائما ، ثم توسيع دائرة الإصلاح لتشمل الأهل والعائلة والأقربين بالقسط والعدل ، لا بالجور أو المحاباة . 

 

وعليه فإن هذا المحور ينقسم إلى ثلاثة مباحث على النحو التالي : -

 

المبحث الأول : إصلاح نظام العدالة القضائية كفيل بضمان الحقوق والحريات الأساسية للإنسان

المبحث الثاني : توسيع دائرة العمل المجتمعي مع وضع الضوابط الاحترازية

المبحث الثالث : إصلاح الأسرة بالقسط

 

المبحث الأول

إصلاح نظام العدالة القضائية كفيل بضمان الحقوق والحريات الأساسية للإنسان

 

قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)

 

تحدثت الآيات من (105-114) عن أول ما يجب على المسلمين أن يقوموا به في المرحلة الانتقالية بعد تأسيس الدولة ، ليكون الاحتكام لشرع الله تعالى بكتاب الله هو منهجهم ، الأمر الذي يستتبع إصلاح النظام القضائي أولا ، وأول مظاهر العدل تحييد القضاة ، فيمتنع علي القاضي النظر في الدعاوى المتعلقة بخصوم له ، فإذا كان النزاع سياسيا ، أي بين الحاكم نفسه والخارجين عليه أو الخائنين له ، وجب -عندئذ- تشكيل محاكم خاصة للخائنين لولاة الأمور وكذا للحكام والولاة الظالمين ، يستقل قضاتها عن ولي الأمر وسلطته ، وفي ذلك ضمان لحيدة القاضي وحياد المحاكمة ، كما يجب الإسراع في محاكمة الخائنين تطهيرا لصفوف المؤمنين ، وحفظا لدولتهم من أن يظهروا عليها – مرة أخرى- بتأييد من المجادلين عنهم ، فلا تقوم الدول إلا بالعدل ، وهذه الضمانات إن جازت في المحاكم السياسية أو الاستثنائية ، فهي كذلك واجبة الاتباع في المحاكم العادية .

 

 ويتمثل الأمر الثاني في الانتباه إلى دور وكلاء الخصوم إما في إحقاق الحق وتمحيصه أو دورهم السلبي في طمس الأدلة والمجادلة بالباطل عن الخائنين ومحاولاتهم إضلال القضاة ، فهؤلاء الوكلاء إن لم يقوموا بدورهم في إحقاق الحق والدفاع عن موكليهم بأدلة صحيحة فإنهم يكونوا شركاء مع وكلائهم في الجرم متى طمسوا الأدلة الحقيقية ، ولذلك تنفرد الآيات بالحديث عن العدالة القضائية في الإسلام تجاه قضايا الخائنين والمنافقين بوجه خاص ، فلا تجعل خيانتهم للمسلمين سببا للجور على حقهم في الدفاع عن أنفسهم ، ولا تجعلنا نستغرق في المغالاة بالتمسك بحقوق الإنسان لتنصيب أنفسنا للدفاع عنهم وقد بانت خيانتهم ، وانكشفت مؤامراتهم وخططهم للانقلاب على المسلمين ، فالقصد في إجراءات محاكمتهم دون الإخلال بحق الدفاع أنجز وأنجع ، والاستغراق في الشكليات وفتح الثغرات القانونية يضيع الحقوق وبه تلقى التهم على الأبرياء.

 

وسبب نزول هذه الآيات ما روي عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالُ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ وَبُشَيْرٌ وَمُبَشِّرٌ وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنَافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ r ..... فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ – أي اشترى - حِمْلًا -مِنْ الدَّرْمَكِ- أي من طعام- فَجَعَلَهُ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ – أي خزينة الطعام معلقة - ، وَفِي الْمَشْرَبَةِ سِلَاحٌ وَدِرْعٌ وَسَيْفٌ ، فَعُدِيَ عَلَيْهِ – هجم عليه - مِنْ تَحْتِ الْبَيْتِ فَنُقِبَتْ الْمَشْرَبَةُ – أي تم الاستيلاء عليها بطريق النقب - وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي –وهو قتادة- إِنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنَا وَذُهِبَ بِطَعَامِنَا وَسِلَاحِنَا ، قَالَ فَتَحَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا فَقِيلَ لَنَا قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ –اشتبهوا فيه -اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَى إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ ، قَالَ وَكَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ وَاللَّهِ مَا نُرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ – دفعوا الشبهة عنهم باتهام رجل آخر - رَجُلٌ مِنَّا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ – أي معروف بذلك - فَلَمَّا سَمِعَ لَبِيدٌ – أي الاتهام ضده - اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَالَ أَنَا أَسْرِقُ – منكرا الاتهام - فَوَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ قَالُوا إِلَيْكَ عَنْهَا أَيُّهَا الرَّجُلُ فَمَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا فَسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا فَقَالَ لِي عَمِّي يَا ابْنَ أَخِي لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ r فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ ..)[1] .

وفي رواية (فطرقه بشير من الليل فخرق العلية من ظهرها فأخذ الطعام ثم أخذ السلاح فلما أصبح عمي بعث إلي فأتيته فقال : أُغِير علينا هذه الليلة فذهب بطعامنا وسلاحنا فقال بشير وإخوته : والله ما صاحب متاعكم إلا لبيد بن سهل - لرجل منا كان ذا حسب وصلاح -فلما بلغه قال : أصلت والله بالسيف ثم قال : أي بني الأبيرق وأنا أسرق فو الله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن من صاحب هذه السرقة فقالوا : انصرف عنا فو الله إنك لبريء من هذه السرقة فقال : كلا وقد زعمتم ثم سألنا في الدار وتحسسنا حتى قيل لنا والله استوقد بنو أبيرق الليلة وما نراه إلا على طعامكم فما زلنا حتى كدنا نستيقن أنهم أصحابه فجئت رسول الله r فكلمته فيهم)[2] .

 

قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ r سَآمُرُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ ، فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ ، قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ r (عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ) ، قَالَ فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ r فِي ذَلِكَ ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا" بَنِي أُبَيْرِقٍ "وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ" أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ "إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ غَفُورًا رَحِيمًا" أَيْ لَوْ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهُمْ "وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ إِلَى قَوْلِهِ إِثْمًا مُبِينًا" قَوْلَهُ لِلَبِيدٍ "وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ إِلَى قَوْلِهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ r بِالسِّلَاحِ فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ فَقَالَ قَتَادَةُ لَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَشَا أَوْ عَسَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكُنْتُ أُرَى إِسْلَامُهُ مَدْخُولًا فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ (بُشَيْرٌ) بِالْمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ ابْنِ سُمَيَّةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرِهِ فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ فَرَمَتْ بِهِ فِي الْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَتْ أَهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسَّانَ مَا كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ)[3] .

 

وفي ذلك ثلاث مطالب : -

المطلب الأول : فقه القاضي وضمانات حيدة هيئة المحاكمة 

المطلب الثاني : إصلاح الجناة وإفساد  محاولاتهم إضلال العدالة

المطلب الثالث : تعليم القاضي وتدريبه

 

المطلب الأول

فقه القاضي وضمانات حيدة هيئة المحاكمة

وفيه ثلاث مسائل : -

  • فقه القاضي وبصيرته
  • حياد القاضي ونزاهته
  • عدالة المجادلين عن الموكلين

 

المسألة الأولى : الفقه والبصيرة عاملان لازمان لتكوين شخصية القاضي

 

قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) قوله تعالى: (بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) قال القرطبي (معناه على قوانين الشرع؛ إما بوحي ونص، أو بنظر جار على سنن الوحي ، وهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي r إذا رأى شيئا أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك ، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العصمة)[4].

 

(فأما أحدنا إذا رأى شيئا يظنه فلا قطع فيما رآه ، ولم يرد رؤية العين هنا ؛ لأن الحكم لا يرى بالعين)[5] ؛  ولذلك قال النبي r لعلي (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا)[6].

 

وهذا يقتضي فهم مقاصد خطاب الشارع فهما سليما ، ولذلك قال عمر بن الخطاب (الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما أُدلي إليك مما ليس في كتاب الله تعالى ولا سنّة نبيه، ثم اعرف الأمثال والأشباه، وقِس الأمور بنظائرها، واجعل لمن ادّعى حقاً غائباً أو بيّنة أمداً ينتهي إليه، فمن أحضر بيّنة أخذت له بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت القضية عليه، فإنّ ذلك أنفى للشك وأجلى للعمى) [7].

 

والله قد أرى نبيه كيف يحكم بين الناس بما تلاه عليه من آيات الأحكام لاسيما في سورة البقرة والنساء والمائدة من آيات تتعلق بالحكم بما أنزل الله ، وغير ذلك من القرائن وفهم مناط الأحكام ، ومدار المصلحة والمفسدة ، كما في قصة (ففهمناها سليمان) ، وقصة (تسعة وتسعون نعجة) ، وقصة (إن كان قميصه قد من دبر) .....هكذا .

 

  قال ابن القيم (فالحاكِمُ إذا لَمْ يَكُنْ فَقِيهَ النَّفْسِ في الأماراتِ، ودَلائِلِ الحالِ، ومَعْرِفَةِ شَواهِدِهِ، وفي القَرائِنِ الحالِيَّةِ والمَقالِيَّةِ، كَفِقْهِهِ في جُزْئِيّاتِ وكُلِّيّاتِ الأحْكامِ: أضاعَ حُقُوقًا كَثِيرَةً عَلى أصْحابِها ، وحَكَمَ بِما يَعْلَمُ النّاسُ بُطْلانَهُ لا يَشُكُّونَ فِيهِ، اعْتِمادًا مِنهُ عَلى نَوْعٍ ظاهِرٍ لَمْ يَلْتَفِتْ إلى باطِنِهِ وقَرائِنِ أحْوالِهِ.

فَهاهُنا نَوْعانِ مِن الفِقْهِ، لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِنهُما:-

  • فِقْهٌ في أحْكامِ الحَوادِثِ الكُلِّيَّةِ
  • وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ.

 ثُمَّ يُطابِقُ بَيْنَ هَذا وهَذا فَيُعْطِي الواقِعَ حُكْمَهُ مِن الواجِبِ، ولا يَجْعَلُ الواجِبَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ، ومَن لَهُ ذَوْقٌ في الشَّرِيعَةِ، واطِّلاعٌ عَلى كَمالاتِها وتَضَمُّنِها لِغايَةِ مَصالِحِ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ، ومَجِيئِها بِغايَةِ العَدْلِ، الَّذِي يَسَعُ الخَلائِقَ، وأنَّهُ لا عَدْلَ فَوْقَ عَدْلِها، ولا مَصْلَحَةَ فَوْقَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن المَصالِحِ: تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ السِّياسَةَ العادِلَةَ جُزْءٌ مِن أجْزائِها، وفَرْعٌ مِن فُرُوعِها، وأنَّ مَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَقاصِدِها ووَضْعِها وحَسُنَ فَهْمُهُ فِيها: لَمْ يَحْتَجْ مَعَها إلى سِياسَةِ غَيْرِها ألْبَتَّةَ، فَإنَّ السِّياسَةَ نَوْعانِ: سِياسَةٌ ظالِمَةٌ فالشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُها، وسِياسَةٌ عادِلَةٌ تُخْرِجُ الحَقَّ مِن الظّالِمِ الفاجِرِ، فَهي مِن الشَّرِيعَةِ، عَلِمَها مَن عَلِمَها، وجَهِلَها مَن جَهِلَها([8].

 

المسألة الثانية : ضمانات حيدة القاضي

 

قوله تعالى (وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) (105) الآية دليل على وجوب فصل مرحلة التحقيق عن مرحلة المحاكمة ، لتكون الهيئة التي تتلقى الاتهام وتحقق فيه غير الهيئة التي تقوم بمحاكمة المتهم بناء على الأدلة المقدمة لها من هيئة التحقيق والخصوم ، فالحياد التام واجب في مرحلة التحقيق وتوجيه الاتهام وكذلك مرحلة المحاكمة ، بحيث لا يكون بين تلك الهيئات وأي من أطراف الخصومة مصالح أو آراء شخصية أو تقييم مسبق ، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للقاضي أو المحقق أن يكون شاهدا في خصومة منظورة أمامه ، فلا يجوز أن يظهر القاضي أو المحقق انحيازه لأحد الأدلة أو أطراف الخصومة قبل أن يكتمل التحقيق فيها ، وفي ذلك –كذلك- دليل على أنه (لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد – أي يدافع عن أحد - ، إلا بعد أن يعلم أنه محق)[9] ، قال ابن عاشور (فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله "كنت أنا خصمه يوم القيامة" ، والخطاب للنبي r والمراد الأمة، لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبي r وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار لأبناء أبيرق)[10] .

 

 وأصل القصة باختصار أن أناس فقراء يقال لهم بنو أبيرق سرقوا متاعا كان لرفاعة بن زيد عم قتادة بن النعمان – أو كان المتاع لقتادة على اختلاف الروايات – فبالاستدلال والتحري تم اتهامهم فاشتكاهم قتادة لرسول الله r  ، فلما علموا بذلك أخفوا المتاع في دار يهودي  أو اتهموا شخص صالح اسمه لبيد بن سهل - على اختلاف بين الروايات – فلما تتبعوا الأثر وجدوا المتاع عنده ، ولكن قتادة بن عم المجني عليه اشتكى للنبي r ضد بني أبيرق ، للتحري والاستدلال لم يصدق بني إبيرق وتضليلهم له بنفي التهمة عنهم وإلقائهم على غيرهم ، فجاء بنو أبيرق برجل يدافع عنهم ويشهد لهم اسمه (أسير بن عروة) ويدافع عنهم ويثني عليهم ، فنقل النبي r شهادة الرجل في حق بني أبيرق في مواجهة قتادة ، فنزلت الآيات لتخاطب النبي r ليس من باب الاتهام له أنه يدافع عن بني أبيرق ، بل لأنه نقل شهادة (أسير بن عروة) لقتادة يحتج بها عليه قبل أن يحقق في المسألة ، وهو كذلك خطاب لـ (أسير بن عروة) حيث دافع عنهم قبل أن يتثبت من حالهم ، وشهد بما لا يعرفه ، قال المرداوي (القصة تدل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره فى إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره)[11] .

 

فعن قتادة بن النعمان قال : كان أهل بيت يقال لهم بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله r ثم ينحله لبعض العرب ويقول : قال فلان كذا وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب رسول الله r بذلك الشعر قالوا والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث فقال : أو كلما قال الرجل قصيدة قالوا ابن أبيرق قالها ، وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير فكان الرجل إذا كان له اليسار أكل البر فقَدم طعام من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يعلمهما ، فعُدِي عليه من تحت الليل ونقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه عدي علينا في ليلتنا هذه فنقبت المشربة فذهب بطعامنا وسلاحنا فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل قد رأينا بني أبيرق واستوقدوا في هذه الليلة وما نرى فيما نرى إلا أنه على بعض طعامكم وقد كان يقول بنو أبيرق ونحن نسأل في الدار : والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجل منا له صلاح وإسلام ، فلما سمع بذلك لبيد اخترط سيفه وقال : أنا أسرق ؟ والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا إليك عنا أيها الرجل والله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم يشك أنهم أصحابها فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أنيت رسول الله r فذكرت ذلك له فقلت يا رسول الله أن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردد إلينا سلاحنا أما الطعام فلا حاجة لنا به فقال رسول الله r: ( سأنظر في ذلك) فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسيد بن عروة وكلموه في ذلك واجتمع له ثلاثين من أهل الدار فأتوا رسول الله r فقالوا يا رسول الله أن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ، قال قتادة فأتيت رسول الله r فكلمته فقال : (أعمدتم إلى قوم ذكر منهم إسلام وصلاح ترمونهم بالسرقة ؟) فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله r في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال : ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته ما قال لي رسول الله r فقال : الله المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) بني أبيرق (واستغفر الله) أي مما قلت لقتادة (واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) بني أبيرق (إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم) الآية إلى قوله (غفورا رحيما) أي لو أنهم استغفروا الله لغفر لهم (ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما * ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) قولهم للبيد (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء) إلى آخر الآية فلما نزل القرآن أتي رسول الله r بالسلاح فرده إلى رفاعة قال قتادة : فلما أتيت عمي السلاح وكان شيخا قد عمي في الجاهلية وكنت أرى اسلامه مدخولا فلما أتيته بالسلاح قال : ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن اسلامه كان صحيحا فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعيد بن سهيل فأنزل الله فيه (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا) فلما نزل على سلافة بنت سعيد رماها بأبيات شعر أخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به فرمت به في الابطح وأنه نفث على قوم منهم ليسرق متاعهم فألقى الله عليه صخرة فكانت قبره)[12]

 

 فالآية أصل في أن لا يدافع أحد عن أي من المجني أو المجني عليه متعجلا بحسب ظاهر الأمر ، فلا يخلط الأمور بشهادته لأحد أو على أحد وهو غير متأكد منها ، فتلتبس الأمور بسبب شهادته على جهة التحقيق أو القاضي ، (فلما حصل ذلك نزلت هذه الآيات التسع) [13] .

 

 قال أبو حيان الأندلسي طوَّل المفسرون في سبب النزول ، ولخصنا منه انتهاء ما في قول قتادة وغيره ، (نزلت في طعمة بن أبيرق ، سرق درعاً في جرب فيه دقيق لقتادة بن النعمان وخبأها عند يهودي ، فحلف طعمة ما لي بها علم ، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي ، فقال اليهودي : دفعها إليّ طعمة ، السلاح والطعام كان لرفاعة بن زيد عم قتادة ، وأن بني أبريق نقبوا مشربيته وأخذوا ذلك - وهم بشير بضم الباء ومبشر وبشر - وأهموا أنَّ فاعل ذلك هو "لبيد بن سهل" ، فشكاهم قتادة إلى رسول الله r ، وأن الرسول همَّ أن يجادل عن طعمه ، أو عن أبيرق)[14] فنزلت

 

فظاهر القصة يقتضي الميل لتبرئة طعمة من السرقة رغم أنه هو السارق ، وذلك لعدم وجود أدلة الاتهام ، واتهام اليهودي الذي وجدت المسروقات في داره وهو برئ ، لكن الصحيح هو التجرد عن الميل لأي من الطرفين ، والنهي عن إبداء الرأي في القضية قبل التحقيق فيها ، فمجرد الانحياز للوضع الظاهر يفسد الأهلية في نظر القضية ، بل لابد من النظرة المتجردة من الظواهر المؤثرة ، ولذلك قيل بأن نظارة القاضي سوداء ، فهو لا يرى وإنما يزن بالإحساس ، فإن لم يتجرد القاضي عما يؤثر على حكمه من معرفة مسبقة بالجاني أو المجني عليه ، فإنه ولا شك سوف يظلم ، ولذلك قيل أن العدالة عمياء ، يعني أنها لا تتأثر بالنزعات الشخصية والأهواء والغرائز وحسن أو سوء السمعة والمستوى الاجتماعي ، فالجميع أمام القضاء سواسية ، والعبرة بالأدلة وليس بالأحاسيس والظنون أو القرائن.

 

مثال ذلك ألقت الشرطة الأمريكية فى ولاية فلوريدا القبض على المليونير آندرو فرانيس ليبى، صاحب الـ 59 عاما، وذلك بعد سرقة أغراض من متجر تقدر قيمتها بـ 300 دولار، ما بين ماكينة لصنع القهوة ومصابيح، وملاءة سرير ، وقبل هذه الواقعة بأسبوع كان قد اشترى جزيرة "طومسون" على ساحل "كى ويست"، يتوسطها قصر فاخر، قدرت بحوالى 8 مليون دولار[15].

 

وفي قوله (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا) (106) الأمر بالاستغفار هنا لأجل الاحتراز من التعجل في الحكم قبل التحقيق ، أو تكوين رأي شخصي قبل التدقيق ، كقوله r لقَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ (عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ ، تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ)[16] والمعنى (عَمَدْتَ) : أي أنت وعمك "رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ" المجني عليه في واقعة السرقة ، وقوله (ذُكِرَ) بناء على الشهادة التي سمعها من (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) بصلاح حالهم وحسن سيرتهم .

 

 فالإشكال أنه r لم ينف التهمة عن السارق ولم يثبتها ، وهذا يتفق مع أصول مجلس القضاء ، ولكنه ألمح إلى نفيها عنه بناء على شهادة (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) وقد حدَّث بشهادته أمام الشاكي ، ووبخ الشاكي بعدها ، ولم يكتمل بعد التحقيق ، فليس للقاضي أن يعلن قبوله للشهادة ولا يزال التحقيق لم ينته ، إذ يحظر عليه أن يفصح عن رأيه في القضية قبل أن يحكم فيها ، أو أن يظهر تصديقه لبعض الأدلة دون أن يجمعها كلها ثم يسردها ويفندها ويقيمها بدقة ، وإنما يجب أن يظهر حياده التام أثناء التحقيق حتى انتهاء مجادلة الخصوم بعضهم البعض ثم يظهر انحيازه للحق  أثناء النطق بالحكم ، وهو الحق الذي اجتهد لإصابته بما أراه الله من علم القرائن والأدلة .

 

 وليس هذا هو حكم الله لمظنة حصول الخطأ ، فالخطأ سمة البشر ، والقضاء عمل بشري وليس عمل نبوي ، والنبي r كقاض غير مبرأ من ذلك ، ولذلك قال النبي r (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[17]، وقد ذكر مسلم هذا الحديث تحت باب بَاب الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّحْنِ بِالْحُجَّةِ ، فالمقصود بالظاهر هنا هو الأدلة والحجج ، أي بعد التحقيق والتثبت ، (وفيه أن الحاكم مأمور بأن يقضي بما يقر به الخصم عنده)[18].

 

 

 كما لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي ، فقد علم أن المتهم من أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ، وليس هذا علم شخصي منه ، وإنما هو بناء على شهادة من الشفيع ، ومن ثم أوهم -بسؤاله [19]- أنه كاد أن ينفى التهمة عنهم بهذا العلم فقط – ليكون ذلك درسا للأمة - ، وليس ذلك بكاف لأن يسقط الاتهام ، وإنما يجب أن ينحي القاضي علمه الشخصي جانبا ، ويحكم في القضية بموضوعية ، ولا يتأثر بشهادة الشهود خلال مرحلة التحقيق ، فإن تعذر عليه ذلك فعليه أن يتنحي ليحكم فيها غيره .

 

والقاضي إذا تجرد من النظرة الشخصية في حكمه ، وانشغل بتحقيق الأدلة فهو مصيب ، وإن أخطأ في حكمه ، فهو معذور لاجتهاده ، وإن أصاب فله أجران  ، كما هو معروف (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ)[20] .

 

واستثناءً من قاعدة لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه الشخصي اتفق جمهور الفقهاء على أن للقاضي أن يستند إلى علمه الشخصي في التجريح والتعديل لبيان حال الشهود ، فيستند إلى هذا العلم في قبول شهادتهم أو رفضها ، فإذا علم فسق الشاهد فلا يقبل شهادته ، واتفقوا كذلك على جواز أن يحكم القاضي بعلمه فيما يحدث في مجلس القضاء من جرائم دون حاجة إلى بينه بناء على ما رأي وسمع ، واتفقوا أيضا على أنه إذا أقر الخصم بما أدعي به المدعي أمام القاضي وجب عليه أن يحكم بعلمه في هذه المسألة [21]، واختلفوا في غير ذلك على ثلاثة أراء [22]:-

 

الرأي الأول : لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه مطلقا في "جرائم الحدود" باعتبارها حقوق خالصة لله تعالى ، بينما له أن يقضي بعلمه في غيرها – أي ما دون الحد لاسيما بين العباد والتي يجري فيها تسامح - الحاصل له بعد مباشرته النظر في الدعوى سواء بالإقرار أو المعاينة أو غير ذلك من القرائن [23].

 

 وهذا الرأي يعاب عليه التفرقة بين الحدود وغيرها دون دليل ، لكن يحتسب له أنه أتاح للقاضي –في غير جرائم الحدود- الفرصة بأن يعيد التحقيق في القضية ، يعني أنه مخول بأن يجري تحقيقا نهائيا في المسألة حتى بعد أن تستنفذ سلطات التحقيق الابتدائي ولايتها فيه ، وأن دور القاضي غير قاصر على الترجيح بين الأدلة وحسب ، فهذا يعطي للقاضي مساحة أكثر إيجابية في نظر القضية . 

 

الرأي الثاني: لا يجوز أن يقضي بعلمه مطلقا في غير الاستثناءات التي ذكرت سلفا والتي تتعلق بعلمه المستنبط من التحقيق النهائي الذي يجريه بنفسه ، سواء أكان المحكوم به حقا لله تعالى أم حقا للعباد ، وسواء قبل ولايته للقضية ولا بعدها[24] ، وإلا أصبح شاهدا وليس بقاضي ، وعندئذ يتعين أن يتنحى عن النظر في القضية ويقوم بالإدلاء بشهادته فيها ، وهو ما نرجحه .

 

الرأي الثالث: له أن يقضي بعلمه مطلقا [25]، وحجتهم في ذلك أن البخاري بوب بابا بعنوان (بَاب مَنْ رَأَى لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ إِذَا لَمْ يَخَفْ الظُّنُونَ وَالتُّهَمَةَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ r لِهِنْدٍ (خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ) وَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَمْرًا مَشْهُورًا) [26] ، وذكر حديث عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقَالَتْ يَا (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنْ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا قَالَ لَهَا لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ مِنْ مَعْرُوفٍ)[27].

 

ويجاب على ذلك بأن ما فعله رسول الله r تجاه أبي سفيان ليس بقضاء في حقه ، فهو لم يسمع منه ، وإنما هو من باب الإصلاح بين الزوجين ، وبيان لحكم عام يسري في حق أبي سفيان وغيره من الأزواج ، ونفي للإثم من أن تطعم أولادها من ماله بالمعروف الذي ليس فيه تعد ولا إسراف ، فهو أشبه بعمل المستفتي وليس بعمل القاضي ، فقد أفتاها ولم يقض بينهما .

 

 المسألة الثالثة : عدالة المجادلين عن الموكلين

 

وفي قوله (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) (107) قال الثعالبي (لفظ عام يندرج تحته أصحاب النازلة ويتقرر به توبيخهم)[28] ، فقوله (وَلَا تُجَادِلْ) الخطاب في الآية للمؤمنين ناهيا لهم أن ينحازوا لهؤلاء الخائنين متى عُلمت خيانتهم ، وإن نزلت في أسيد بن عروة لما دافع عن طعمة بن أبيرق وقال (عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت) قوله (عمدا) يقصد الشاكيان ، وهما قتادة بن النعمان وعمه رفاعة بن زيد ، وقوله (إلى أهل بيت منا)  يدل علي أن شهادته لهم مبنية على وجود صلة قرابة أو جيرة ولذلك نسبهم إليه بقوله "منا" - ، وقد عُلم ما بدر منهم من هجاء بني أبيرق النبي r  ثم ينسبون الشعر لغيرهم ، فنهوا أن يجادلوا ويعجلوا ويدافعوا عن أهل الباطل ، ولم يعلموا حقا صلاح حالهم ، فكان الأولى بأسيد بن عروة أن يتوقف عن الدفاع عن بني أبيرق ولا يشهد لهم بالصلاح ، وهم متهم بهجاء النبي من وراء ستار ، وليس عندهم بينة على ذلك .

 

 قال الإمام البقاعي (ولما نهاه عن الخصام لمطلق الخائن ، وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن المجادلة عمن تعمد الخيانة)[29] أي لا يتبوأ مكانة الدفاع عن غيره وهو لا يعلم أنه محق ، كما لا يجرح في غيره أو يشهد عليه بناء على ظنه وحسب دون أن يكون معه دليل يقيني .

 

أما أن يحترف  بعض الناس مهنة المجادلة (المحاماة) دونما أي اعتبار لحال الموكلين ، وما إذا كان قد استبان إثمهم أو براءتهم فهذا من باب المجادلة في الباطل ، والخصام بغير حق ،  فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ  "بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ" الْآيَةَ)[30] ، (والجدال وهو الخصومة بالباطل 00، والمراد هنا العناد في الباطل .. أما المناظرة لغرض صحيح كإظهار الحق فإنه فرض كفاية)[31].

 

وقوله (يختانون أنفسهم) بمعنى يخونون[32] أنفسهم بارتكابهم المعصية ، أي بارعون في الخيانة ، وهو افتعال دال على التكلف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة ، قال الواحدي (يخونونها بالمعصية؛ لأنَّ وبال خيانتهم راجعٌ عليه) [33]،  لأن الخائن حين يخون الناس يظن أنه قادر على أن يفلت من العقوبة ، ولكنه-في الحقيقة- حين يخونهم يكون قد ظلم نفسه التي استأمنه الله عليها وينتظره عقاب الله ، أن باع نفسه للشيطان ، فيتسلط عليه ويحضه على المعصية مرارا وتكرارا ، روي أن "طعمة" هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطا بمكة ليسرق أهله فسقط الحائط فقتله [34]، فهذا تصوير لنوع من البشر استبرأوا الخيانة وتماروا فيها ، بل هي خيانة متكررة يتعبون أنفسهم لفعلها  .

 

قال ابن عاشور (ولك أن تجعل "أنفسهم" هنا بمعنى بني أنفسهم، أي بني قومهم)[35] ، وهذا محتمل كذلك ، فالمعنيان سيق اللفظ من أجلهما .

قال الزمخشرى (فإن قلت : لم قيل "للخائنين" و "يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ" - أي بصيغة الجمع - ، وكان السارق طعمة وحده؟ قلت : لوجهين :-

أحدهما : أنّ بني ظفر شهدوا له بالبراءة ونصروه ، فكانوا شركاء له في الإثم .

والثاني : أنه جمع ليتناول طعمة وكل من خان خيانته ، فلا تخاصم لخائن قط ولا تجادل عنه)[36] .

 

وفي قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) قال الواحدي يعني : (طعمة وقومه ، لأنَّه خان في الدِّرع ، وأَثِم في رميه اليهوديَّ) [37] أو على لبيد مع اختلاف في الروايات .

 قال الشعراوي (فرق بين « خائن » ، و « خوَّان » ، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة واحدة ، أما الخوَّان فتصدر منه الخيانة مراراً ، أو يكون المعنى هو : أن الخائن تصدر منه الخيانة في أمر يسير صغير ، أما الخوّان فتصدر منه الخيانة في أمر كبير ، فمرة تأتي المبالغة في تكرير الفعل ، وأخرى في تضخيم الفعل ، فيأتي الحق بكلمة خوَّان ، ومن لطف الله أنه لم يقل « خائن »؛ لأن الخائن هو من خان لمرة عابرة وانتهى الأمر ، ولم يخرجه الله عن دائرة الستر إلاَّ إذا أخذ الخيانة طبعاً وعادة وحرفة)[38] .

ولذلك قيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات ، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أمر بقطع يد سارق ، فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أوّل سرقة سرقها فاعف عنه ، فقال : كذبت ، إن الله لا يؤاخذ عبده في أول مرة[39].

 

والأثيم مبالغة في وصف صاحب الإثم فهو آثم ، لأنه ظل يجادل بالباطل حتى كسب حقا ليس له عن عمد ، أما إذا كان الحق محل منازعة بين الطرفين ، وكلاهما حسن النية ، فلا إثم على من حُكم له ما ليس له متى اتبع القواعد العلمية في القضاء ، فقد بوب البخاري بابا بعنوان (بَاب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ)[40]، أي أنه يلحقه الإثم إذا كان يعلم أنه على باطل ، وأورد تحته حديثا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ ،ى فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا)[41].

 

قال العلماء في الشرح (وفي الحديث أنه يجوز عليه  r في أمور الأحكام ما يجوز على غيره: وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر، وهذا لطف من الله تعالى ليستنّ الناس به ويبقوا في ستر من الفضيحة العظمى، إذ لو أطلع أحد على الغيب لم يحتج أحد إلى شاهد في دعواه ولظهر من كل مبطل ما قصده ونواه، وهذا إنما هو في الحكم المستند إلى الشهادة، أما الأحكام الشرعية فلا يقر على ما أمله أن يقع فيه الخطأ منها بخلاف الأوّل، لأنه لا يسمى خطأ إنما يسمى حكماً بالظواهر لم يوافق الباطن)[42].

 

وفي قوله (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (108) قال ابن كثير (هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم)[43].

 

 والمعنى أنهم يستترون من الناس عند ارتكاب بعض الفواحش مثل السرقة خوفا من الملاحقة القضائية ، ولا يستترون من الله الذي يعلم السر وأخفى ، فهذه الآية تحض على تقوية الجانب الديني والوازع الإيماني لدي الجناة لإعادة تأهيلهم كأعضاء صالحين في المجتمع وتغليب ذلك على اعتبارات احترام القانون والقواعد العقابية .

 

 ذلك أن عتاة المجرمين لا يأبهون للقواعد القانونية الوضعية التي يظنون أنهم قادرون بإمكنياتهم العقلية والجسدية على اختراقها ، لكنهم إذا ما تحرك لديهم معنى رقابة الله لهم ، فإن ذلك أدعى أن يكفوا عن ذلك ، (فَمَنْ يَعْلَمُ أنَّ اللهَ يَرَاهُ فِي حَالِكِ الظُّلْمَةِ ، لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ الذَنْبَ حَيَاءً مِنَ اللهِ) [44]  ، (فالله أحق أن يستحيا منه)[45].

 

 قال الألوسي (وإنما فسر الاستخفاء منه تعالى بالاستحياء لأن الاستتار منه عز شأنه محال ، فلا فائدة في نفيه ولا معنى للذم في عدمه) [46]،  قال الزمخشري (كفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم إن كانوا مؤمنين أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح)[47].

 

وهكذا يعذر المجادلون عنهم بعدم علمهم سبق إصرارهم على الجريمة وتبييت النية ، وقد نهوا أن يجادلوا عن الذين يختانون أنفسهم ، ولكنه سبحانه في هذا الموضع بين أنهم يستخفون من الناس ، فلا يعلم الناس سرهم ، فيكون ذلك عذرا لوكلائهم أن يدافعوا عنهم ما لم يستبن حالهم .

 

قوله (..إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ..) (108) وصف الله تعالى هؤلاء المجرمين بتبييت نيتهم الإجرامية والتخطيط المسبق للجريمة ، وتلك ظروف مشددة للعقاب ، عما إذا ارتكبت الجريمة عرضا ، وقد سمى الله تعالى تدبيرهم للجريمة قولا مجازا لعلمه ما يحدثون به أنفسهم )[48]، (فهؤلاء المجرمون لا يشعرون برقابة الله عليهم ، واطلاعه على جميع أحوالهم)[49] ، قال ابن الجوزي (وجمهور العلماء على أن المشار إليه بالاستخفاء والتبييت قوم طعمة بن أبيرق)[50].

 

وفي قوله (..وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (108) (كناية عن المبالغة في العلم)[51]، قال الشعراوي (كلمة «محيط» تدل على الإحاطة الكاملة ، أي تطويق المحيط للمحاط ، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه علماً بحاله التي هو عليها ولا قدرة على أن يفلت مِنْه مآلا وعاقبة ، فهو سبحانه محيط علماً لأنه هو الذي لا تخفى عليه خافية ، ومحيط قدرة فلا يستطيع أن يفلت من مآله شيء من الجزاء الحق)[52].

 

وفي قوله (هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) (109) يجب على المسلم أن يتحرى عن صف من يقف ويدافع ، فلا يعين ظالما وهو يعلم ، أو تكاسل أن يتحرى عن حاله ، قال رسول الله r (من أعان ظالما بباطل ليدحض بباطله حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله)[53].

 

أما من يتعمد أن يجادل ويدافع عن ظالم وهو يعلم ، ويتخذ من قوة لسانه وسيلة لتبرئته فهذا منافق ، جاهل القلب ، فاسد العقيدة ، (اتخذ العلم حرفة يتأكل بها وأبهة يتعزز بها)[54]، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ)[55] ، (أي عالم للعلم منطلق اللسان به لكنه جاهل القلب والعمل فاسد العقيدة مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام)[56]

ففي القصة المذكورة أن الذي جادل عن بني أبيرق رجل اسمه (أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ) شفع لهم وزكاهم عند رسول الله r ، فقبل النبي شهادته فيهم ليحرض المدعي أن يسقط التهمة عنهم أو يتراجع عنها أو أن يأتي بالبينة أو ما يثبت دعواه .

 ففي رواية الترمذي قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَقُلْتُ إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلَ جَفَاءٍ عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ النَّبِيُّ r سَآمُرُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ فَاجْتَمَعَ فِي ذَلِكَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدَا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ قَالَ قَتَادَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r فَكَلَّمْتُهُ فَقَالَ عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ ثَبَتٍ وَلَا بَيِّنَةٍ قَالَ –أي الشاكي قتادة راوي الحديث - (فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ r فِي ذَلِكَ) ، فَأَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ r فَقَالَ اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)[57].

 

فالمجادلة والدفاع عن أهل الحق يسمى بشفاعة حسنة ، أما المجادلة عن أهل الباطل فشفاعة سيئة ، قال رَسُولَ اللَّهِ r (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهُ ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ)[58]، يعني: (أن من شفع في ترك إقامة الحد وسعى في ذلك فيكون مضاداً لله؛ لأنه حال بين تلك العقوبة التي أوجبها الله عز وجل، وقد جاء في السنة ما يدل على المنع من الشفاعة في الحدود، وأنها إذا وصلت للسلطان فإنه لا يشفع فيها)[59] .

 

 وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ r فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ r فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ r فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ)[60] ... (ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقُطِعَتْ يَدُهَا) [61].

 

المطلب الثاني

إصلاح الجناة وإفساد محاولاتهم تضليل العدالة

 

المسألة الأولى : إصلاح الجاني لحمله على تأنيب نفسه على جرمه 

 

وفي قوله (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (110) فتح باب التوبة والاستغفار للمسيئين رعاية للشأن المعنوي لدي الجناة ، بإخبارهم أن باب التوبة مفتوح ،قال أبو حيان(في هذه الآية لطف عظيم ووعد كريم للعصاة إذا استغفروا الله ،وفيها تطلب توبة بني أبيرق والذابين عنهم واستدعاؤهم لها)[62].

 

فالمشكلة الحقيقية التي يعانيها منها المجرمون بعد تنفيذ العقوبات المقررة في حقهم ، أنهم يعودون للفعل الإجرامي مرة أخرى ، يعزى ذلك إلى سوء الحالة المعنوية لدي الجناة وإحساسهم بأنهم فقدوا الثقة والاعتبار من المجتمع ، وأضحى المجتمع ينظر إليهم على أنهم مجرمون ، رغم أنهم أمضوا عقوبتهم واستحقوا الجزاء علي فعلتهم ، لكن القرآن الكريم يعالج ذلك بصرف انتباه هؤلاء الجناة إلى سعة رحمة الله ومغفرته ، ليغضوا الطرف عن اعتبارهم لدي المجتمع ، ليضحى شغلهم الشاغل أن يصلحوا ما بينهم وبين الله ، فإذا أصلحوا ذلك فإن شعورهم بعفو الله لهم ومغفرته ذنوبه سوف يحملهم على التوبة النصوحة والكف عما كانوا يفعلون ، وهذا هو الذي كان يربي النبي r عليه أصحابه ، وكذلك الصحابيات كن لا يتركن امرأة أذنبت إلا علمونها التوبة ، وجددن لها الاعتبار ، قَالَتْ عَائِشَةُ في المرأة المخزومية التي سرقت وقطعت يدها (فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ ، وَكَانَتْ تَأتِينِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r)[63].

 

 ونظير هذه الآية قوله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) [53/ الزمر] ، يقول رسول الله r (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَينِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ إلاَّ غَفَرَ لَهُ"[64]، يقول النبي r (إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)[65] ، ذلك أن (القلوبَ تَصْدَأ كما يصدأُ الحديدُ إذا أصابَه الماءُ ، وجِلاؤها كثرةَ الاستغفار ، وتلاوة القرآنِ)[66]  .

 

وفي قوله (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (111) قال الشنقيطي (من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص نفسه لا غيرها)[67]، قال رسول الله r (من خاصم في باطل ، وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع)[68] ، ذلك أنه لن ينتفع بما فعله من جرم ، ولن تعود عليه بركة ولا منفعة حقيقية من استعجال رزق مكتوب له أو قدر ليس مخصوص به ، ففعله الإجرامي لن يقدم له في قدر الله شيء ولن يؤخره ، بل يحاسب عليه ، ويجني مغبة فعله السيء على نفسه .

 ذلك أن العبرة بالبركة ، فقد يجني المرء ثمارا ولا ينتفع بها ، وقد يجمع مالا ولا ينفقه في خير ولا على نفسه ، وقد يكون بيته واسعا مزخرفا لكنه يفقد السكينة والراحة فيه ، وقد يجمع بيده القوة والسلطة ولا يجد وقتا ولا متسعا لنفسه ولأهله ....الخ ، فما من مال جُمع من حرام إلا صرف في ضلال ، ولا بركة فيه

 

  قال رسول الله r "الحَلِفُ مَنْفَقَةٌ للسلعة مَمْحَقٌةٌ للبركة"[69]، وأنى تأتيه البركة وقد رُد دعاءه فلا يستجاب له ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ)[70] .

 

 وفي قوله (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (112) أي أنهم –بنو أبيرق أخوة طُعمة[71] - لم يكتفوا  بارتكاب جرم السرقة بل ضاعفوا جرمهم بأن ألقوا الاتهام على غيرهم ، ليبرئوا أنفسهم أمام قتادة بن النعمان لما تحرى ، ويبعدوا الشبهة عن أنفسهم ، (وذلك حين رموا بالدرع في دار الأنصاري [72]واتهموه به) [73]، حيث اكتسبوا الخطيئة والإثم بالسرقة ثم رموا بها بريئاً على نحو ما ذكر .

 

 ومثلهم مثل من افترى -من بعض المنافقين - على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها[74]، كما في قوله (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) (النور 16)

 

 وقوله (احْتَمَلَ) صيغة افتعال [75]، تدل على المكابدة والمشقة لحمل شيء ثقيل ، قال الشعراوي (ذلك أنه ضم إلى جريمته التي فعلها جريمة الافتراء على الغير ، فأضحى حمله ثقيلا بارتكاب جريمتين متتاليتين في ذات الوقت ، ذلك أن سعار المعصية يحمله على أن يرتكب جريمة أخرى ، وهكذا)[76] ، قال الإمام البقاعي (وقل من يجترئ على ذلك ، ولذلك عبر بأداة التراخي "ثم" فقد عظم من يفعل ذلك بصيغة الافتعال)[77].

 

وقوله (بُهْتَاناً) « رمْيُ البَرِيءِ بَهْتٌ له)[78] ، ومنه قوله (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء 156) ، وقوله (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب 58) ، وفي حديث عبد الله بن سلام (إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ)[79]، أي شوهوا صورتي أمامك بعد مدحهم لي بما يهدش السامع جراءتهم على ذلك .

ومنه قوله r في حديث الغيبة (فإنْ لم يكُنْ فيه فقد بَهَتَّهُ) أي تقول فيه ما ليس فيه ، فالبهتان أشد من الغيبة ، لأن  الاغتياب: هو أن يتكلَّم شخصٌ خلف إنسانٍ مستور بكلامٍ هو فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام فيه فهو بُهتان، والكذب الفاحش الذي يُدْهَشُ له سامعُه هو بهتانٌ إن لم يكن بحضرة المقول فيه ؛ فإن كان بحضرته كان افتراء كقوله (فَبُهِتَ الذي كَفَرَ) [ البقرة : 258 ] أي دهش وانقطعت حجته ، فكذلك البهتان يدهش السامع لجراءة المفتري بكلام ليس في المتحدث عنه .

 

المسألة الثانية : إفساد محاولة الجناة تضليل العدالة :

 

وفي قوله (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) إشارة إلى محاولة الجناة تضليل العدالة وطمس الأدلة ، وهذه وحدها جريمة يجب العقاب عليها استقلالا ، وهو ما يعني أن القاضي الجنائي يختص في الإثبات بحرية ليست مثل القاضي المدني أو الإداري ، فهو يمتلك سلطة واسعة في تقدير الأدلة ، فله أن يطرحها رغم أنها قد تبدو للعيان أنها صحيحة ، وله أن يعتد ببعضها ويطرح البعض ، دون معقب عليه في ذلك ، فالقاضي الجنائي له حرية كاملة في تكوين عقيدته في ضوء الأدلة المبسوطة أمامه ، ولذلك فإن للمحكمة الجنائية -على وجه الخصوص- السلطة الكاملة في تقدير الأدلة ووزنها وطرح ما لم تقتنع به منها ، وقبول ما يكون عقيدتها ، ولذلك أكدت محكمة النقض أن (تقدير الأدلة هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها، وهي حرة في تكوين عقيدتها حسب تقديرها واطمئنانها إليها ، ولها تجزئة الدليل المقدم لها ، وأن تأخذ بما تطمئن إليه من أقوال الشهود ، وتطرح ما لا تثق فيه من تلك الأقوال ، إذ مرجع الأمر في هذا الشأن إلى اقتناعها هي وحدها وليس ما يمنعها بما لها من سلطة تقديرية من أن ترى في أقوال شاهد الإثبات وأدلة الإدانة ما يقنعها باقتراف الطاعن جريمتي)[80].

 

ونظيرها قوله (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [آل عمران 69]  ،وقد تفنن المفسرون في سرد بعض المحاولات الفاشلة للمنافقين لإضلال النبي r عن معرفة الحق في حكمه ، ومساومته على ما ليس لهم بحق ، لاسيما محاولاتهم للإيقاع بين المسلمين ، كما في قصة الوليد بن عقبة حينما أرسله النبي r ليأتي له بزكاة بني الحارث ، فكذب عليهم وزعم أنهم منعوه ، لكن الحارث أتى للنبي r بالزكاة وقص عليه الخبر ، وهكذا يحاولون أن يضلون النبي r ، ولكن كيدهم في تضليل .

 

 من هنا يجب الحذر عند سماع الشهادة ، وهي على غير وجهها أو عند الجدال عن الناس بغير حق ، فكلتاهما صورتان من صور تضليل العدالة ، ولذلك يجب قبل الإدلاء بالشهادة التثبت من حال الشاهد ، والتيقن من شهادته  ، وتحذيره حتى لا يقع الشاهد في جريمة تضليل العدالة بإخباره عن وقائع غير حقيقية لم يتأكد من ثبوتها أو تقديم أدلة مزورة لم يتيقن من صحتها.

 

وفي قوله (وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ..) أي أن محاولاتهم للإفلات من العقوبة عما ارتكبوه من جرم بطريق الحيلة لابد وأن تضرهم هم ، ذلك أن الإفلات من العقوبة ليس بخير أبدا ، لأن الحدود كفارات ، فمن أصاب ذنب وجوزي بتوقيع العقوبة عليه كان هذا الجزاء كفارة له في الدنيا ، ومن أفلت من عقاب الدنيا ينتظره عقاب الآخرة ،

قال الخازن يعني (أن وبال ذلك يرجع عليهم بسبب تعاونهم على الإثم وبشهادتهم له أنه بريء فهم لما قدموا على ذلك رجع وباله عليهم) ، لاسيما وأنهم يأخذون بذلك قطعة من النار)[81] ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا)[82]

 

 قال العلماء (فَفِي كُلِّ هَذَا دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r إذَا لَمْ يَقْضِ إلَّا بِالظَّاهِرِ ، فَالْحُكَّامُ بَعْدَهُ أَوْلَى أَنْ لَا يَقْضُوا إلَّا عَلَى الظَّاهِرِ , وَلَا يَعْلَمُ السَّرَائِرَ إلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالظُّنُونُ مُحَرَّمٌ عَلَى النَّاسِ , وَمَنْ حَكَمَ بِالظَّنِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ)[83] ، (وفيه دليل على أن حكم الحاكم لا ينفذ إلا ظاهراً ، وأنه لا يحل حراماً ، ولا يحرم حلالاً ، وإذا أخطأ في حكمه ، والمحكوم له عالم بحقيقة الحال ، فلا يحل له في الباطن اخذ ما حكم له به القاضي في الظاهر ، وهو قول أكثر أهل العلم)[84].

 

أي أن (حكم القاضي لا يجعل لمن ليس له الحق، يجعل المسألة حقا له، وهذا عند بعض العامة والناس يظنون أن القاضي إذا حكم، فمعناه أن من حكم له، فله الحق مطلقا، ولو كان مبطلا في نفس الأمر، وهذا باطل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال هنا «فمن قضيت له من حق أخيه، فإنما هو قطعة من النار، فليأخذ، أو فليدع» وهذا يعني أن المرء لا يحصل له الحق بمجرد حكم القاضي، بل لا بد أن يعلم هو أن هذا حق في نفسه أو أن المسألة مترددة يحتاج فيها إلى حكم القاضي، أما إذا كان مبطلا، فلا يجوز له أن يستحل الأمر بحكم القاضي) [85].

 

قوله (..وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) فالضرر لا يلحق بالقاضي وإن أخطأ في اجتهاده طالما اتبع أصول التقاضي وظهرت له الأدلة واجتهد في استقرائها واستنباطها وتقييمها وطرح الضعيف منها والارتكان إلى القوي ، قال رسول الله r  (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ)[86] قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم ، فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر باصابته وإن أخطأ فله أجر باجتهاده ، وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا : فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم ، فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا ، لأن إصابته اتفاقية – أي أشبه بالاتفاق التصادفي كما في علم الاحتمال - ليست صادرة عن أصل شرعي ، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا ، وهي مردودة كلها ولا يعذر في شئ من ذلك)[87].

 

كما لا يلحق المجني عليه ضرر حتى وإن وقع عليه الظلم وقضي القضاء بغير ما كان يظن ، وفي ذلك قصة نود أن نذكرها لتأكيد ما نقصده ، حيث اتهم الشافعي زورا فحبسه هارون الرشيدي ، فلما حقق معه نصحه بقوله (فاحكم بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما) ، وظل يدافع عن نفسه ، فلما أخلي سبيله ، أنشد الشافعي أبيات شعر أوضح فيها أن القاضي معرض للخطأ ولا غرو طالما اتبع طريق الحق ، فليس أحد معصوم من الخطأ ، فإذا صدر حكم القضاء على مظلوم ، فذلك هو قضاء الله وقدره الذي قدره ، فلا تعقيب على قضاء الله وقدره ، وعلى المظلوم أن يكون رجلا يتحمل الأهوال ويتخلق بأحسن الأخلاق ، ولا ينتظر أن يشفع له بخيل ليخرجه من الضيق الذي ألم به ، وليتذكر ذنوبه ، لعل الله جعله في هذا الموضع ليكفر عنه ، فيكون هذا سخاء من الله وفضل ، ولا يجزع فإن أعداءه يريدون أن يروا في وجهه ذلا ، فلا يمكنهم من ذلك ، فالدنيا لن تدوم لأحد ، فهو اليوم في ضيق وغدا في فرح ، ولن يغني حذر من قدر ، فقدرنا جميعا الموت وكفى بالموت هادما للذات ، ولذلك قال : -

 

دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ  ... وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ

وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي ----- فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ

وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً .....وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

وَإِن كَثُرَت عُيوبُكَ في البَرايا ....وَسَرَّكَ أَن يَكونَ لَها غِطاءُ

تَسَتَّر بِالسَخاءِ فَكُلُّ عَيبٍ .... يُغَطّيهِ كَما قيلَ السَخاءُ

وَلا تُرِ لِلأَعادي قَطُّ ذُلّاً ......فَإِنَّ شَماتَةَ الأَعدا بَلاءُ

وَلا تَرجُ السَماحَةَ مِن بَخيلٍ ....... فَما في النارِ لِلظَمآنِ ماءُ

وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي ......وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ

وَلا حُزنٌ يَدومُ وَلا سُرورٌ ........وَلا بُؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخاءُ

إِذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ.......فَأَنتَ وَمالِكُ الدُنيا سَواءُ

وَمَن نَزَلَت بِساحَتِهِ المَنايا  ...... فَلا أَرضٌ تَقيهِ وَلا سَماءُ

وَأَرضُ اللَهِ واسِعَةٌ وَلَكِن  ......إِذا نَزَلَ القَضا ضاقَ الفَضاءُ

دَعِ الأَيّامَ تَغدِرُ كُلَّ حِينٍ.......فَما يُغني عَنِ المَوتِ الدَواءُ

 

المطلب الثالث

تعليم القاضي وتدربه

 

وفي قوله (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (113) قال الضحاك في قوله (الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أي (القرآن والفهم فيه)[88]، كما في قوله (مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الْكَتَابُ وَلاَ الإِيَمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً ) [الشورى : 52] ، فالكتاب هو المنهج ، والحكمة هي ما يستخرج من أحكام من الكتاب ، ومثلها أقواله r لأنه لا ينطق عن الهوى.

 

 فالنبي r كبشر ورجل أمي لم يكن ليمتلك القدرات المطلوبة لقيادة قومه والقضاء بينهم وإقامة جيشه وتسييره وإنشاء دولته وتوسيعها ، فكل ذلك لم تكن قدرات نبي أمي أن تحصله ، وهو لا يقرأ ، ولكن الله منَّ عليه بذلك الفضل ، فأجرى له الأحداث حتى يتمكن من تفسير ما في كتاب الله من أحكام الحلال والحرام على وفق ما سايره وعايشه من وقائع الحياة ، وذلك هو فضل الله عليه وعلينا ، أن جعل القرآن يطبق في حياته r لنتخذه منهجا عمليا لحياتنا وفق سيرته العطرة .

 

فإذا كان النبي r بحاجة لتعلم ذلك ، وقد علمه الله عن طريق أمين الوحي جبريل عليه السلام ، إذن فلابد لنا من تعلم الكتاب والحكمة باعتبارهما من العلوم المكتسبة ، والتي تحتاج لخبرة طويلة لاكتسابهما ، فقد ظل النبي r يتنزل عليه الوحي قرابة ثلاث وعشرون سنة .

 

وأصول العلم الإيمان ، قال تعالى (فاتقوا الله ويعلمكم الله) ، فالصحابة تعلموا الإيمان قبل القرآن ، فكلما زادت التقوى زاد الفهم كما في قوله (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) ، فالتقوى والفهم صفتان لا تكونان في منافق ، أي حسن سمت وفقه في الدين .

 

 فالقاضي قبل أن يكون قاضيا هو طالب علم ، ولابد وأن يطلب العلم من المهد إلى اللحد ، فإذا أراد طالب العلم تعلم العلوم الشرعية فقبل دراسة القرآن عليه - ابتداء - دراسة اللغة العربية وأصول النحو والصرف وعلم المعاني والبيان والبديع حتى يفهم المجاز والحقيقة ، ودلالات الألفاظ ، أما دراسة الحكمة فالمقصود بها سنة النبي r القولية والفعلية ، ويرتبط بذلك علم متون الأحاديث وعلم الأسانيد ، ثم دراسة علم الفقه وأصوله ، سواء الفقه الأكبر (علم العقيدة) ، أو فقه الفروع وآداب الأخلاق ، ودراسة فقه الفروع فيه مسائل كثيرة مثل مسائل العبادات والمعاملات المدنية والتجارية والأحوال الشخصية والسياسة الشرعية والجهاد ، وهذا كله شيء ، ويكمله شيء آخر ، وهو أن يدرس فقه الواقع ليطبق عليه النصوص ، كما قال ابن القيم في الطرق الحكمية (وفِقْهٌ في نَفْسِ الواقِعِ وأحْوالِ النّاسِ، يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الصّادِقِ والكاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ)[89].

 

[1] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36 رقم 3036

[2] ) رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج4 ص 426 رقم 8164

[3] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36 رقم 3036

[4] ) تفسير القرطبي ج5 ص 377 ، مقدمة ابن خلدون ج1 ص 115

[5] ) تفسير القرطبي ج5 ص 377 ، مقدمة ابن خلدون ج1 ص 115

[6] ) رواه مسلم ج9 ص 150 رقم 3261

[7] ) إعجاز القرآن للباقلاني ج1 ص 141 ، النهاية في غريب الأثر ج4 ص 442 ، الحاوي الكبير للماودي ج16 ص 269 ، الاستذكار7/103

[8] ) الطرق الحكمية ج1 ص 3

[9] ) أحكام القرآن للكيا الهراسي ج2 ص 163

[10] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج 4 ص 248

[11] ) علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي (المتوفى : 885هـ): الإنصاف في معرفة الخلاف في فقه الإمام أحمد ج5 ص 291 ، محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي (المتوفى : 763هـ): الفروع ج7ص284

[12] ) روي الطبراني انظر المعجم الكبير ج19 ص 9 رقم 15686

[13]) الأخ مقدم برنامج زاد الرحيل :  ) https://www.youtube.com/watch?v=sIYJPpx73yc  

[14] ) البحر المحيط ج4 ص 267

[15] )  https://www.youm7.com/story/2019/4/11/ بعد-شرائه-جزيرة-خاصة-اتهام-مليونير-بسرقة-ماكينة-قهوة-بـ/4202611  

[16] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 وحسنه الألباني : صحيح وضعيف سنن الترمذي 7/36 رقم 3036

[17] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483

[18] ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج35 رقم 257

[19] ) أعمدتم إلى قوم ذكر منهم اسلام وصلاح ترمونهم بالسرقة ؟

[20] ) رواه البخاري ج22 ص 335 رقم 6805 ، و رواه الترمذي ج5 ص 160 رقم 1248

[21] ) محمد الزحيلي ، الإثبات في الشريعة الإسلامية (دمشق ، دار المكتبي د ط 1988 ص 124)

[22] ) د/ عارف القره داغي : مسائل فقهية معاصرة ص95- ص 101

[23] )صبحي المحمصاني : تراث الخلفاء الراشدين في الفقه والقضاء (بيروت دار العلم للملايين ط 1983 ص 186 ) سمير عالية : القضاء والعرف في الإسلام (بيروت : المرسسة الجامعية للدراسات والنشر ط 1986 ص 129)  بدائع الصنائع ج7 ص 7 المبسوط للسرخسي ج16 ص 93 حاشية ابن عابدين ج4 ص 369

[24] )إبراهيم بن علي بن فرحون : تبصرة الحكام في أحوال الأقضية ومناهج الحكام (بيروت دار الكتب العلمية د ط 2007 ج2 ص 26)

[25] ) المغني ج1 ص 48 بداية المجتهد لابن رشد ج2 ص 510 الطرق الحكمية ص 210 نيل الأوطار ج7 ص 618 الكاساني : بدائع الصنائع ص 488 ، حاشية ابن عابدين ج5 ص 423 ، ابن الجزي قوانين الأحكام الشرعية ص 322

[26] ) صحيح البخاري ج22 ص 78

[27] ) رواه البخاري ج22 ص 79 رقم 6628

[28] ) تفسير الثعالبي ج1 ص 412

[29] ) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج2 ص 313

[30] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 55 رقم 47 وصححه الألباني ج1 ص 14 رقم 45

[31] ) تحفة الأحوذي ج9 ص 93

[32] ) كتاب الكليات للكفومي ج1 ص 1577

[33] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 136

[34] ) الزيلعي : تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمخشري ج1 ص 357

[35] ) ابن عاشور : التحرير والتنوير ج4 ص 248

[36] ) الكشاف ج1 ص 459

[37] ) الوجيز للواحدي ج1 ص 136 البغوي ج2 ص 284

[38] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1796

[39] ) تفسير النسفي ج1 ص 252 وغيره الخازن ، البحر المحيط ، الكشاف

[40] ) رواه البخاري ج8 ص 337

[41] ) رواه البخاري ج8 ص 337 رقم 2278

[42] ) ابن علان : دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج2 ص 262

[43] ) تفسير ابن كثير ج ص

[44] قريب من هذا المعنى : أسعد حومد : أيسر التفاسير ج1 ص 601 ،

[45] ) ابن عجيبة : البحر المديد ج1 ص 482

[46] ) تفسير الألوسي ج4 ص 220

[47] الكشاف ج1 ص 459

[48] الكشاف ج1 ص 459

[49] ) الوسيط لسيد طنطاوي ج1 ص 1064

[50] ) زاد المسير ج2 ص 193

[51] ) تفسير أبو حيان البحر المحيط ج4 ص 260

[52] ) تفسير الشعراوي ج1 ص 1798

[53] ) رواه الطبراني في المعجم الأوسط ج3 ص 211 رقم 2944 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 3ص94رقم1020

[54] ) التيسير بشرح الجامع الصغير ج1 ص 625

[55] ) رواه أحمد ج1 ص 141 رقم 137 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج 3 ص 87 رقم 1013

[56] ) المناوي : التيسير بشرح الجامع الصغير : ج1 ص 102

[57] ) رواه الترمذي ج10 ص 298 رقم 2962 وحسنه الألباني صحيح وضعيف سنن الترمذي ج7 ص 36

[58] ) رواه أبو داود ج9 ص 496 رقم 3123 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة ج1ص436 رقم437 صحيح سنن أبي داود ج 8ص97 رقم 3597

[59] ) شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد ج21 ص 154

[60] )  رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[61] )  رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[62] ) البحر المحيط ج4 ص 271

[63] ) رواه مسلم ج9 ص 55 رقم 3197

[64] ) رواه ابن حبان ج2 ص 390

[65] ) رواه مسلم ج13 ص 216 رقم 4870

[66] )

[67] ) أضواء البيان ج1 ص 306

[68] ) رواه الحاكم ج2 ص 32 رقم 2222 وصححه الألباني السلسلة الصحيحة المجلدات 1/436

[69] ) رواه البخاري ج7 ص 261 رقم 1945

[70] ) رواه مسلم ج5 ص 192 رقم 1686

[71] ) أيسر التفاسير للجزائري ج1 ص 297 البحر المحيط ج4 ص 271

[72] ) أو يهودي على اختلاف في الروايات

[73] ) السمرقندي : بحر العلوم ج1 ص 422

[74] ) النيسابوري : الكشف والبيان ج3 ص 383

[75] ) الإمام البقاعي : نظم الدرر ج2 ص 265

[76] ) في هذا المعنى : تفسير الشعراوي ج 1 ص 1804

[77] ) الإمام البقاعي : نظم الدرر ج2 ص 265

[78] ) أبو حفص سراج الدين النعماني : اللباب في علوم الكتاب ج5 ص 346

[79] ) رواه البخاري ج11 ص 110 رقم 3082

[80] ) أكدت محكمة النقض في حكمها بالطعن رقم 2131 لسنة 90 قضائية

[81] ) تفسير الخازن ج2 ص 174

[82] ) رواه البخاري ج9 ص 176 رقم 2483 -  رواه ابن ماجة ج7 ص 108 رقم 2308

[83] ) علي بن نايف الشحود : المفصل في شرح حديث من بدل دينه ج2 ص 70

[84] ) شرح السنة للإمام البغوي ج10 ص 111

[85] ) شرح الأربعين النووية : للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ ج34 ص 5 قام بإعداد المادة (أبو عبدالله عبدالرحمن سالم الجزائري)

[86] ) رواه البخاري ج22 ص 335 رقم 6805

[87] ) شرح النووي ج12 ص 14

[88] ) التفسير القيم لابن القيم ج1 ص 358

[89] ) يراجع قوله في تفسير بما آراك الله

  • الاحد PM 04:48
    2026-01-18
  • 289
Powered by: GateGold