المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 1936644
يتصفح الموقع حاليا : 181

البحث

البحث

عرض المادة

شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب

د/ احمد نصير

شعائر العبادات وأثرها على أمان أهل الكتاب

قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6)

 

انتقلت الآيات من الحديث عن أثر شعائر العادات على أمان أهل الكتاب إلى أثر شعائر العبادات عليهم أيضا ، فابتدأت بالنداء للذين آمنوا وأمرتهم بالوضوء للصلاة ثم ذكرت نعمة الله والقيام بحقوقه كافة والشهادة بالقسط وأوصتهم بالعدل بين الناس ، ثم أعقبت ذلك ببيان حكم من آمن ومن كفر وجزاءهما في الآخرة .

 

فالجماعة المؤمنة التي تحافظ على عقودها مع الغير تتميز دوما بإقامتها لشعيرة الصلاة ، والحفاظ على شروطه وأركانها كما ذكر الله ، بهذه المناسبة ذكرت آية الوضوء لتتمة لهذا الموضوع الذي نحن بصدده .

 

قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) هذا النداء للجماعة المؤمنة لكي تتمسك بشعيرة الصلاة وما تتطلبه من طهارتين مخصوصتين ، أحدهما حقيقية والأخرى حكمية ، فالطهارة الحقيقية هي الطهار من الخبث ، فهي معقولة المعنى ، وأما الطهارة الحكمية ، فهي غير معقولة المعنى ، وهما طهارتان ، إما من الحدث الأكبر أي "الجنابة" وتكون إما بالجماع أو الإنزال ، وإما من الحدث الأصغر وهو الفساء (الضراط) أو البول أو العائط .

 

 وبهاتين الطهارتين يتأهب المسلم للصلاة وهم مصحوب بحالة جسدية وذهنية ونفسية تسمى بـ (الطمأنينة) فهي أهم ركن من أركان الصلاة بعدما تستوفي شروطها الخمس وهي (دخول الوقت – الطهارة المصلي حقيقة وحكما كما تقدم – طهارة المكان – استقبال القبلة- تخصيص النية قبل تكبيرة الإحرام) .

                        

قوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) تعبير يصف حال المؤمن عند سماع النداء للصلاة ، حيث ينهض للصلاة بخفة ونشاط ، لا عن تكاسل وتثاؤب ، ويستقطع من العمل الذي هو مشغول به وقتا لأدائها دون عجلة أو استعجال ، تاركا جميع هموم الدنيا وراء ظهره ، ليتفرغ إلى لقاء ربه وهو مشغول بذكره ودعائه ، وليس له هم إلا الآخرة حيث اللقاء والحساب والجزاء .

 

 فقد فرض الله تعالى الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة ، الصبح ركعتان والظهر أربعا والعصر أربعا والمغرب ثلاثا والعشاء أربعا ، ما يعني أن الصلاة تتخلل أعمال المرء على مدار اليوم كله ، فإذا حضرت الصلاة ترك النبي r ما كان يشغله وأقبل عليها ، فعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا كَانَ النَّبِيُّ r يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)[1].

 

فمن الواجب ألا ينشغل المسلم بشيء إذا حضرت الصلاة غير الصلاة ، وعن عائشة (كان رسول الله r يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه)[2]، بل إن مدة انتظار المسلم لإقامة الصلاة بعد الأذان تحتسب عند الله صلاة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ)[3].

 

والصلاة عبادة توقيفية أي لا اجتهاد في أحكامها ، فهو سبحانه الذي حدد وقت الفروض الخمس، فإن فات وقتها المحدد يكون أداءها بعد الوقت "قضاء"  لها ، كما حدد ما ينبغي للمسلم أن يفعله من وضوء قبل الصلاة ، وحدد حركاتها المخصوصة ، وأقوال من الذكر معلومة ومسنونة ، فلا ابتداع في ذلك ولا اختراع .

 

فعَنْ النَّبِيِّ r أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بِالظُّهْرِ فَأَبْرَدَ بِهَا فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَمَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا ثُمَّ قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ الرَّجُلُ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَقْتُ صَلَاتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ)[4].

 

 

 وهكذا تدور الصلوات الخمس مع حياة المسلم من أول يومه حتى آخره ، فتستقطع الصلاة كل أعماله أيا كان الذي يفعله ، ليترك كل ما يشغله ، ويقبل على ربه مؤديا حركاتها ملتزما بالذكر ، في حالة نفسية مطمئنة يعيشها المسلم في اليوم خمس مرات من بين كل أوقاته على نحو ما ذكرنا .

 

 فأما أوقات الصلاة الخمس فتبدأ منذ مطلع الفجر ، حيث  وقت صلاة الصبح حينما يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، فيكون المسلم أول من يستيقظ من نومه مبكرا ليبدأ يومه بتلك الصلاة  ، وينال بركة البكور .

 وقت الفجر عندما يتبين الخيط الأبيض مستعرضا – وليس مستطيلا – من الخيط الأسود من الليل

 

ووقت "الظهر" حين زوال الشمس من منتصف السماء ، وهو وقت الذروة وشدة الحرارة ، ويتناسب وقتها مع وقت الاستراحة من العمل والكسب والمعاش منذ طلوع الشمس .

 

 

 

وقت الظهر يسمى بوقت الزوال ، وذلك عند زيادة ظل الجسم بعد تناهي قصره في الاتجاه الآخر[5]

 

ووقت "العصر" حين يصير ظل كل شيء مثله أو مثليه ، حيث تبرد الشمس وتقل شدة حرارتها ، ويكون المرء في حاجة لأن يتناول غداءه ، وغالبا ما يكون قد شارف على الإنتهاء من الأعمال الأساسية التي شغلته طوال اليوم .

 

 

ووقت "المغرب" عند غروب الشمس ، حيث يفرغ المسلم من عمل النهار ليقبل على أعمال وأوراد الليل التي تختلف عن أوراد النهار وتتسم بالسكون والهدوء .

 

وأخيرا وقت "العشاء" وهو بعد زوال أخر ضوء للشمس في السماء ويسمى بـ " الشفق الأحمر" ، وتسمى بصلاة العتمة ، حيث يشرع المسلم بالسكون في البيت ، وإنهاء يومه من كل ما يشغله من أمور حياته ليشرع في النوم والسبات حتى يستقبل من الغد يوم جديد ، ففي النوم استشفاء للجسد لاسيما المفاصل والغضاريف والأوتار والعضلات من تعب يوم المسلم في العبادة وطلب الرزق والجهاد في سبيل الله .

 

فإذا تأملنا حركات الصلاة التي تتنوع بين القيام والركوع والسجود والعقود نجد أن أهم شرائط صحتها شرط "الطمأنينة" ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ r فَرَدَّ وَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ r فَقَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ثَلَاثًا فَقَالَ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)[6] .

 

أما الطمأنينة فهي الركن النفسي والذهني لصحة الصلاة لأن النبي r أمر المسيء في صلاته أن يعيد الصلاة فلما أعادها ولم يطمئن  أمره أن يعيدها فلما لم يطمئن أمره أن يعيدها الثالثة ، فلما اعتذر له أنه لا يحسن غير ذلك ، علمه بأن شرط عليه r الطمأنينة في كل حركة من حركات الصلاة ، فقال له (إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا)[7]

 

 كذلك فإن الثواب في الصلاة يكون بقدر الطمأنينة والتعقل ، فعن عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ تُسْعُهَا ثُمْنُهَا سُبْعُهَا سُدْسُهَا خُمْسُهَا رُبْعُهَا ثُلُثُهَا نِصْفُهَا) [8].

 

 فحركات الصلاة التي يؤديها المسلم منذ بداية يومه وفي ظل انشغاله بعمله أو إعداد طعامه وترتيب شئون بيته وأهله وقبل نومه تتسم -جميعها- بالسكون والطمأنينة ، ما ينفي عنه سيطرة الغضب أو التعب على أخلاقه ، تلك العوارض التي قد تنتابه من الاسترسال في العمل ومعترك الحياة ، ففي الحديث  عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ لَنَا إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ)[9].

 

قوله (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا..) أشعر بأن الأصل هو الوضوء لكل صلاة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ)[10] ، وعليه فإنه يجوز وضوء واحد للصلوات كلها إذا لم يحدث ، فعَنِ النَّبِيِّ r قَالَ (لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)[11] ، وعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ (فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ)[12] ، قَالَ رسول الله r (لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ)[13] .

 

قوله (فَاغْسِلُوا ..) يشرح كيفية الوضوء للصلاة ، فعَنِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ - رضى الله عنه - أَنَّه دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ r تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r « مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ »[14].

 

فالطهارة شرط للدخول في الصلاة ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ)[15] ، قال النووي (هذا الحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة وقد أجمعت الامة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة)[16].

 

وهما طهارتان إما من الحدث الأصغر وهو الضراط أو البول أو عملية الإخراج لفضلات البطن ومخرجات الهضم الناتج عن عملية الأكل والشرب ، وهو ما يسميه علماء الفقه بالخارج من أحد السبيلين ، فيتطهر المسلم من ذلك بإزالة النجاسة من بدنه ، ثم بالوضوء بالماء الطهور ، ليرفع الحدث الأصغر .

 

ويقصد بالماء "الطهور" أي الباقي على أصل خلقته لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، كما ذكر الله (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (الفرقان 48) كماء البحر والأمطار والأنهار والآبار ، فإن تغيرت أحد أوصافه بطاهر كان طاهرا في نفسه لكنه لا يكون مطهرا لغيره ، بمعنى أنه لا يزيل الحدث ، فلا يجوز الوضوء به ، وإن جاز إزالة الخبث به ، إلا ماء البحر فإنه مالح لكن يجوز التطهر به لثبوت الحديث بذلك عن النبي r (هو الطهور ماؤه)[17] ، أما إن خالطه نجاسة غيرت من أحد أوصافه الثلاثة فهو ماء نجس لا يجوز استخدامه لا في العادات ولا في العبادات .

 

وتكون الطهارة من الحدث الأكبر أي من (الجنابة) الناتجة عن عملية الجماع أو التقاء الختانان بين الزوجين[18] أو الاحتلام ، وحكم الجنابة الغسل ، فتلك هي الطهارة من الحدث الأكبر وسوف نتحدث عنها في قوله (وإن كنتم جنبا فاطهروا) .

 

  "فالطهارة" هي حالة ينبغي أن يحافظ عليها المؤمن ، وبها يستعيد نشاطه ويظل في إقبال -دائم- على طاعة ربه ، بهدوء وراحة بال ونفس مطمئنة ، قال رسول الله r (وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)[19] ، يعزى ذلك إلى أن الوضوء يطفئ نار الغضب ، ففي الأثر (إِنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنْ النَّارِ وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)[20] ، قال الشيخ محمد المنجد (معنى الحديث مقبول وصحيح من جهة الطب ؛ لأن الغضب يصاحبه فوارن الدم ، والماء يطفئ هذه الفورة ويكسر حدتها ، ولذلك ما زال الفقهاء يذكرون الوضوء كعلاج للغضب ، ولم ينكر ذلك أحد منهم)[21] ، فالوضوء وسيلة تربوية للمسلم ، والإسلام بهذه العبادة يريد من المسلم أن يحافظ علي حالة السلم الداخلي وطمأنينة النفسية بصفة دائمة ، ولا شك أن هذه الحالة تجعله قادرا على أن ضبط سلوكه مع الناس بضابط العدل والقسط دون شطط أو عدوان كما أشارت بذلك مقدمة السورة.

 

لاسيما وأن فضل الحفاظ على الطهارة والوضوء عظيم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ r قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ)[22].

 

قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) الجنابة[23] تكون من الأحدث الأكبر كما ذكرنا ، ويكون ذلك إما بالجماع (الوطء) - سواء بإنزال أو بدون إنزال- ، أو بالإنزال ولو بدون وطء إما بسبب مقدمات الجماع أو عند الاحتلام غالبا ، والأدلة على ذلك كثيرة ، منها ما روي عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ)[24]

وعَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ (إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ r فَاغْتَسَلْنَا)[25].

 

ولا حجة فيما روي عن زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ r فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ)[26] ، فهذا منسوخ .

وَيَقُولُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ : (اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ مُجْتَمِعَةٌ الآنَ عَلَى وُجُوبِ الغُسْلِ بِالجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا بِالإِنْزَالِ، ثُمَّ رَجَعَ بَعْضُهُمْ وَانْعَقَدَ الإِجْمَاعُ بَعْدَ الآخَرِينَ)[27].

 

 

 

والمقصود بالغسل تعميم الجسد بالماء ، وقد ورد في كيفية الغسل من الجنابة حديث عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ)[28] .

 وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي فَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ)[29]

 وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا اغْتَسَلَ مِنْ جَنَابَةٍ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِنَّ شَعْرِي كَثِيرٌ قَالَ جَابِرٌ فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ أَخِي كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ r أَكْثَرَ مِنْ شَعْرِكَ وَأَطْيَبَ)[30] .

 

 وقد بوب مسلم بابا بعنوان القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة ، فعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ r فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ)[31] ، وعَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ r يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ)[32]، قال ابن القيم الجوزية (المد فهو ربع الصاع وأراد بقوله يتطهر يتوضأ وهذا القدر هو الكافي في الأغلب فإن أسبغ المغتسل والمتوضئ بدون هذين جاز وإن زاد جاز إلا أنه نهى عن الإسراف فإنه إذا زاد على الثلاث في الوضوء كان مسرفا)[33] ، وقال الشيخ عبد المحسن العباد (والصاع أربعة أمداد، والمد فسر بأنه ملء اليدين الممدودتين المتوسطتين مرة واحدة، وهو ربع الصاع؛ لأن الصاع يتألف من أربعة أمداد)[34].

 

والغسل مستحب بعد تحققه موجبه على الفور ذلك أن الإسلام يريد بعد أن يقضي المسلم شهوته في الحلال أن يستفيق من ذلك بالغسل ، لا أن يظل أسيرة الشهوة على الدوام ، ومن ثم الخمول والكسل وترك الواجبات والفرائض ، حتى ينشط للعبادة مرة أخرى ، لكن يجوز للمسلم أن يؤخر الغسل إذا لم يكن مشغول بأداء فريضة الصلاة لكن يستحب أن يتوضأ ، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) [35]، قال ابن القيم الجوزية (والغسل يحدث له نشاطا وخفة .. وبالجملة فهذا أمر يدركه كل ذي حس سليم وفطرة صحيحة ، ويعلم أن الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بعد القلب والروح عن الأرواح الطيبة فإذا اغتسل زال ذلك البعد .. وقد صرح أفاضل الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يعيد إلى البدن قوته ويخلف عليه ما تحلل منه وإنه من أنفع شيء للبدن والروح وتركه مضر ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه)[36] .

 

 فتعاليم الإسلام وشعائر العبادات تحد من شره شهوتي البطن والفرج بدوام التطهر من الحدثين الأصغر والأكبر على نحو ما ذُكر ، ففي ذلك معالجة للأثار البدنية والنفسية التي تنتج عن قضاء الوطر ولو كان فيما أباحه الله تعالى ، ليتحقق التوازن بين عمل الدنيا وعمل الآخرة ، وذلك حتى لا تكون المندوبات والمباحات مدعاة للكسل وترك الفروض والواجبات ، ذلك أن عملية الجماع أو الإنزال يترتب عليها إفراز العديد من الهرمونات الجنسية وتدفق الأدرينالين ، لكن فور الانتهاء من ذلك يتوقف عمل هذه الهرمونات التي تزيد من سرعة دقات القلب وزيادة الرغبة الجنسية ...الخ ، والجسد لا يخزن هذه الهرمونات في الدم ، وإنما يحاول التخلص منها ، وإلا أضحت سما يضره ، فيتخلص منها عن طريق العرق ، قال بعض الباحثين (وهذا العرق منه ما يكون ملحوظا ، ومنه ما لا يمكن ملاحظته ، فإذا لم يبادر الإنسان بالغسل فور الجنابة لإزالة هذا العرق المحتوي على هذه الهرمونات فإن الجلد يعيد امتصاصها مرة أخرى ، ولا شك في ضررها إذا ما عادت لجسد مرة أخرى ، ولم تزال بالغسل) [37].

 

قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) إحاطة بكل مشتملات المسألة ، وبيان الحكم لكل فروضها ، خاصة إذا ما ألم بالمسلم عذر من مرض يحول بينه وبين استعمال الماء أو في حالة عدم وجود الماء ، فإنه يكون بحاجة إلى رفع الحدثين الأصغر والأكبر ، هنا الشارع الحكيم لم يسقط التكليف عن المسلم ، ولكن خففه ، (فالمشقة تجلب التيسير)[38] ، ولذلك شرع التيمم بدلا عن الوضوء ، فكان في التيمم رفع لحرج المسلم الذي تعود على الوضوء والاغتسال كي يشعر بالطهارة حال العذر كما يشعر بها حال الصحة ، فالله لا يكلف نفسا إلا ما  في وسعها .

 

 فعَنْ جَابِرٍ قَالَ خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ فَقَالُوا مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ r أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ - أَوْ يَعْصِبَ - عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ)[39] .

 

واختلفوا في جواز صلاة أكثر من فريضة بتيمم واحد ، لقوله "فإنه يكفيك أي ما لم تحدث أو تجد الماء" ، فعن ابن عباس أنه لا يجب، فالجمهور حمل المقصود على الفريضة التي تيمم من أجلها، ويصلي به ما شاء من النوافل، فإذا حضرت فريضة أخرى وجب طلب الماء فإن لم يجد تيمم ، وصح عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة، ولا يعلم له مخالف من الصحابة.

ومختصر المسألة كما حققها عبد الله السحيم[40] أنه روي في «التيمم لكل صلاة» خمسة آثار، عن أربعة من أصحاب النبي r ، وهم: عبدالله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن العاص، وعبدالله بن عباس ، وأقوى هذه الآثار هو أثر ابن عمر ، حيث احتجَّ به الإمامان أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وصححه البيهقي، وغيره[41].

وأما أثر عليٍّ: فإسناده ضعيف.

وأما أثر عمرو بن العاص: فمنقطع.

وأما أثر ابن عباس: فقد روي عنه التيمم لكل صلاة، وخلافه، ولا يصحان عنه[42].

 

 وعليه فإن المتفق عليه هو استحباب-إن لم يكن واجبا- التيمم لكل صلاة ، ولو لم يُحدث قياسا علي استحباب الوضوء لكل صلاة

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ)[43]

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ مَا لَمْ تَجِدْ الْمَاءَ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّ بَشَرَتَكَ)[44].

 

قوله تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ذلك أنه روي في سبب نزول آية التيمم حديث عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ r وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ r وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ r وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ r عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ r حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ)[45]

 

فقوله (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ..) قال الشنقيطي (الآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج)[46] ، قال ابن عاشور (لما تعذر الماء عوض بالتيمم، ولو أراد الحرج لكلفهم طلب الماء ولو بالثمن أو ترك الصلاة إلى أن يوجد الماء ثم يقضون الجميع)[47] .

فلم يسقط الشرع التكليف عند فقد الماء بل أتى ببديل ، ذلك أن ثواب الوضوء عظيم ، والمسلم إذا فقد الماء تعذر عليه تحصيل هذا الثواب إلا بعمل فعل بديل يدل على أنه كان ينوي الوضوء لكن تعذر عليه ، فجعل الشرع التيمم بديل معنوي للوضوء في تحقيق ذات الآثار المعنوية من غسل الذنوب .

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ (إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ أَوْ الْمُؤْمِنُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ) [48] .

 ولذلك كان النبي r حريصا على الوضوء لكل صلاة لأجل الطهارة المعنوية ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r (يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَكُنَّا نَحْنُ نُصَلِّي الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ) [49]، ففي التيمم رفع لحرج المسلم من أن يضيع عليه الثواب والكفارة عند فقد ماء الوضوء .

 

وقوله (..وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ..) قال ابن عاشور (من حكمة الأمر بالغسل والوضوء التطهير وهو تطهير "حسي" لأنه تنظيف، وتطهير "نفسي" جعله الله فيه لما جعله عبادة ،.. والتيمم ليس فيه تطهير "حسي" لكن فيه "التطهير النفسي" الذي في الوضوء) [50] ، وفي ذلك دلالة على أن مراد الشرع من تحقيق الطهارة المعنوية مقدم على تحقيق الطهارة المادية التي حظ النفس فيها ظاهر للمكلف .

 

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ)[51]

قال رسول الله r (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ)[52]زاد الترمذي (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ)[53].

 

وقوله (..وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ..) قال ابن عاشور (وذلك بـأن يكمل نعمة الإسلام بزيادة أحكامه الراجعة إلى التزكية والتطهير مع التيسير في أحوال كثيرة)[54] .

 

فإتمام النعمة بالتطهر من الذنوب والخطايا ، ذلك أن الإيمان اكتساب حسنة و تكفير خطيئة ، فجعل الوضوء وكذا التيمم سببا لتكفير الخطايا والذنوب ولذلك صار شطر الإيمان ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ)[55] ، قال النووي (قيل معناه أن الأجر فيه ينتهى تضعيفه إلى نصف أجر الايمان ، وقيل معناه أن الايمان يجب ما قبله من الخطايا ، وكذلك الوضوء لأن الوضوء لا يصح إلا مع الايمان ، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشطر)[56].

 

وقوله (..لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (6) أي ولعلكم بإتمام عبادة الصلاة على الوجه الموصوف شرعا قد أديتم حق الشكر لله حكما ، وليس حقيقة ، لأن العبد يعجز عن أن يشكر ربه على نعمة واحدة ، قال ابن عاشور (جعل الشكر علة لإتمام النعمة على طريقة المجاز ، بأن استعيرت صيغة الرجاء إلى الأمر لقصد الحث عليه وإظهاره في صورة الأمر المستقرب الحصول)[57] .

 

 

[1] ) رواه البخاري ج3 ص 74 رقم 635

[2] ) فيض القدير ج3 ص 114 ورواه الأزدي ف الضعفاء من حديث سويد بن غفلة مرسلا انظر تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي ج1 ص 399

[3] ) رواه مسلم ج3 ص 408 رقم 1062

[4] ) رواه مسلم ج3 ص 297 رقم 969

[5] ) د سعد الخثلان : https://www.youtube.com/watch?app=desktop&v=Yivc8q_VjhE

[6] ) رواه البخاري ج3 ص 205 رقم 715

[7] )  رواه البخاري ج3 ص 205 رقم 715

[8] ) رواه أبو داود ج2 ص 450 رقم 675

[9] ) رواه أبو داود ج12 ص 402 رقم 4151 وصححه الألباني : صحيح أبي داود ج 10 ص 282 رقم 4782

[10] ) رواه البخاري ج1 ص 359 رقم 207

[11] ) رواه البخاري ج21 ص288 رقم 6440 - اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج1 ص 89

[12] ) رواه البخاري ج1 ص 232 رقم 132

[13] ) رواه الترمذي ج1 ص 126 رقم 69 وصححه الترمذي : الجامع الصغير ج1 ص 1353 رقم 13530

[14] ) رواه مسلم ج1 ص 141 رقم 560

[15] ) رواه ابن ماجة ج1 ص 320 رقم 269 وصححه الالباني : صحيح ابن ماجة ج 1 ص 51 رقم 220 وأخرجه مسلم

[16] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 102

[17] ) رواه أبو داود ج1 ص 118 رقم 76 وغيره وصححه الألباني : صحيح وضعيف سنن أبي داود ج1 ص 161

[18] ) جنسيا

[19] ) رواه أحمد في مسنده عن ثوبان ج45 ص 359 رقم 21344 وصححه الألباني : السلسلة الصحيحة المجلدات ج1 ص 114 رقم115

[20] ) رواه أبو داود ج12 ص 403 رقم 4152

وقد ذكره أيضا العلامة ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب" 1/201في فصل : "فيما يقال ويفعل عند الغضب"

[21]) https://islamqa.info/ar/answers/133861

[22] ) رواه البخاري ج4 ص 322 رقم 1081

[23] ) الجنابة لغةً: البُعد. الجنابة اصطلاحًا: إنزال المني، أو التقاء الختانين، وسميت به لكونها سببًا لتجنب الصلاة شرعًا. فيَكون: بنزول المني أو بالتقاء الختانين ولو من غير إنزال: كتغييب الحشفة في الفرج

[24] ) رواه البخاري ج1 ص 484 رقم 282

[25] ) رواه ابن ماجة ج2 ص 260 رقم 600 وصححه الألباني : صحيح ابن ماجة ج1 ص 99 رقم 492

[26] ) رواه البخاري ج1 ص 486 رقم 283

وكان الحكم بخلاف ذلك أول الإسلام تخفيفا على الصحابة ، فعن أبي أنه قال يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة ولم ينزل قال يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي ) ، قال ابن الجوزي (هذا كان في أول الإسلام ثم نسخ على ما بينا في مسند عثمان بن عفان) كشف المشكلج1 ص 352

[27] ) شرح النووي  على مسلم ج4 ص 36

[28] ) رواه مسلم ج2 ص 192رقم 474

[29] ) رواه مسلم ج2 ص 218 رقم 497

[30] ) رواه مسلم ج2 ص 216 رقم 496

[31] ) رواه مسلم ج2 ص 202 رقم 483

[32] ) رواه مسلم ج2 ص 209 رقم 490

[33] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين ج1 ص 1140

[34] ) شرح سنن أبي داود ج1 ص 341 ، ابن بطال : شرح صحيح البخاري ج1 ص 302 ، شرح عمدة الأحكام ج5ص12 ،

قال ابن قتيبة (وقد اختلف الناس في مقدار المُدّ والصاع فكان ابراهيم ومن وافقه من العراقيين يقولون صاع النبي ثمانية أرطال ومُدُّه رَطْلان رواه حجَّاج عن الحَكَم عن ابراهيم وكان شريك يقول الصاع أقل من ثمانية وأكثر من سبعة وكان سفيان يقول هو مثل القفيز الحَجَّاجي والحَجَّاجي ثمانية أرطال وأخبرنا اسحق بن ابراهيم الحَنْظليّ المعروف بابن راهَويَهْ ان الصَّاع خمسة أرطال وثلاث برَطْل زماننا وان المُدَّ ربع الصاع) انظر : غريب الحديث ج1 ص 162

[35] ) رواه مسلم ج2 ص 176 رقم 461

[36] ) إعلام الموقعين ج2 ص 77

[37] ) د / عبد البديع حمزة زللي : عضو هيئة التدريس بجامعة طيبة : الإعجاز العلمي في لفظ الجنابة وحكمها الشرعي بحث منشور بمجلة بحوث ودراسات المدينة المنورة العدد23

http://www.bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=04-05-0002

[38] ) الأشباه والنظائر للسيوطي ج1 ص 76

[39] ) رواه أبو داود ج 1 ص 411 رقم 284 وصححه الالباني صحيح سنن أبي داود ج 2 ص 159 رقم 364

[40] ) عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة : كلية الحديث الشريف  https://iu.edu.sa/faculty-member900279

[41] ) وقال البيهقي في «السنن الكبير» (ح 1054)، و«الخلافيات» (ح809): «إسناده صحيح»، وقال في «الخلافيات»: «أصح حديث في الباب: حديث ابن عمر، وبه تقع الكفاية، إذا لا يعرف له عن الصحابة مخالفٌ»، ونقله وأقرَّه: الملقِّن في «البدر المنير» (2/ 676)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (1/ 272)

[42] ) عبد الله محمد السحيم : تخريج أحاديث التيمم لكل صلاة

https://www.alukah.net/sharia/0/110444/ تخريج-آثار-الصحابة-الواردة-في-مسألة-التيمم-لكل-صلاة/

[43] ) رواه أحمد في مسنده ج15 ص 241 رقم 7200 وحسنه الألباني : الجامع الصغير ج1 ص 945 رقم 9449

[44] ) رواه أحمد ج35 ص 231 رقم 21304 الجامع الصغير ج1 ص 255 رقم 2546

[45] ) رواه البخاري ج2 ص 57 رقم 322

[46] ) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ج1  ص 354

[47] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53

[48] ) رواه مسلم ج2 ص 45 رقم 360

[49] ) رواه ابن ماجة ج2 ص 123 رقم 502 وصححه الألباني صحيح ابن ماجة ج 1 ص83 رقم 412 وقال أخرجه مسلم

[50] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53

[51] ) رواه مسلم ج2 ص 57 رقم 369

[52] ) رواه مسلم ج2 ص 25 رقم 345

[53] ) رواه الترمذي ج1 ص 92 رقم 50

[54] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53

[55] ) رواه مسلم ج2 ص 3 رقم 328

[56] ) شرح النووي على مسلم ج3 ص 100

[57] ) التحرير والتنوير ج5 ص 53

  • السبت PM 04:31
    2025-12-20
  • 494
Powered by: GateGold