ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ

شٌبهات وردود

المكتبة المرئية

خَــيْـرُ جَــلـيـسٌ

المتواجدون الآن
حرس الحدود
مجتمع المبدعين

البحث
عرض المادة
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
د /احمد نصير
تمييز خصائص ومنهجية التشريع الإسلامي عن مثلها عند أهل الكتاب
لما ضلت البشرية طريقها ونقضت ميثاق ربها ، واعتدت على أنبيائها ، جاء الإسلام ليعيدها إلى الحق مرة أخرى ، ويهديها السبيل ، ليرفع عنها عناء وعبء التشريعات التي اخترعها البشر وأحلوها بدلا من حكم الله ، فازدادوا بها طغيانا وكفرا ، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ)(الشورى/21) ، فالمشرع هو الله ، هذا ما أجمعت عليه الأمة ، فلا تشريع مع شرع الله ، فالتشريع حق إلهي ، من صفات الأولوهية لا ينازعه فيه أحد ، ولذلك جاء الخطاب الرباني للمؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فليس للإنسان أن يضع تشريعا بتحريم ما أحله الله ، ولا أن يتعدى حدود الله فيحل ما حرمه .
بيد أن بعض المنتسبين للنصرانية قد غالوا في دينهم وحرموا على أنفسهم طيبات أحلها الله لهم، وقد مضوا في جاهليتهم أزمانا مديدة ، حتى جاء الإسلام فأبطل رهبانيتهم ، كذلك لما آمن الصحابة رضوان الله عليهم كان لا يزال في نفوس البعض منهم شيئا من آثار الجاهلية فحرموا على أنفسهم شيئا مما أحله الله لهم ، اقتداءً في ذلك برهبانية النصارى ، وأقسموا على ذلك ، فأبطل الإسلام أيمانهم إذ لم تصب مراد الله وإن كانت تبتغيه ، وأمرهم بحفظ أيمانهم ، وعلمهم كفارة الأيمان ، ولذلك كانت الحاجة ملحة لأن يفهم الناس الحكمة من التشريع الإسلامي حتى لا يكلف الناس أنفسهم ما لا يطيقون ، ولا يقصروا فيما يؤمرون .
فألمح القرآن الكريم إلى نوعين من التشريعات الإسلامية الآمرة والناهية ، فأبان أن ثمة تشريعات الحكمة منها واضحة ، وعلتها ظاهرة ومنضبطة ، كالنهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام لما يترتب عليها من العداوة والبغضاء ، وثمة تشريعات غير معللة بحكم ظاهرة كالمنع المؤقت من الصيد على الحاج ، وهذه التشريعات وإن لم تكن حكمتها ظاهرة للبيان فإنه ليس في دين الله تعالى شيء من المحرمات بدون حكمة وإن لم تكن ظاهرة ، لكن حكمها مثل كالقسم الأول على المكلف أن يلتزمها ، وإن خالفها فعليه كفارة محددة بعقوبات معينة ، ومناط الأمرين – أي في التشريع الإسلامي - تميز الخبيث من الطيب ، دون تكلف أو تنطع ، فكل تشريع في الجاهلية تضمن تنطعا أو تكلفا – كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام - هو باطل ، فكان حريا إبطال تشريعات الجاهلية بشيء من التعقل لعادات الآباء والأجداد .
كذلك فإن مجال التشريع الإسلامي لا يقتصر على الأطعمة والأشربة ، فمجاله رحب واسع لاسيما في مجال المعاملات بين الناس ، ومنه نستبين مقاصد التشريع الإسلامي لاسيما عندما يجيز استئمان أهل الكتاب على الوصية في الغربة والسفر ، وهو الأمر الذي يفتح بابا واسعا لفقه التعايش مع الآخر ، وائتمان غير المسلم وفي غير دار الإسلام ، الأمر الذي يوسع من دائرة فقه المعاملات الدولية في الإسلام ، فسورة المائدة قد تحدثت كثيرًا من أولها لآخرها على عدم جواز ولاية اليهود والنصارى ، لكنها وضعت – في السياق ذاته- استثناء من هذه القاعدة في إطار نظرية الضرورة التي تقدر بقدرها ، فأجازت استئمانهم في مثل هذه الظروف ، بما يعني أن الفقه الإسلامي يضع الحلول الجزئية للمشكلات الواقعية بحسب الحاجة وبقدرها ، فضلا عما يتضمنه من قواعد عامة ضابطة للأمور في الأحوال المعتادة ، فهو يجمع بين فقه النظريات العامة والمسائل التفصيلية المتفرقة ، وتلك المستثناة من المبادئ والأصول والنظريات المسلمة .
ولهذا فإننا نقسم هذا المحور إلى مبحثين ، وتحت كل مبحث عدة مطالب على النحو التالي : -
المبحث الأول : الحق في التشريع حق إلهي لا عمل فيه للبشر
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام)
المطلب الثاني : المحرمات بالذوات والمسميات
المطلب الثالث : المحرمات المقيدة بالزمان والمكان والحال
المبحث الثاني : منهجية التشريع الإسلامي
المطلب الأول : التمييز بين الخبيث والطيب
المطلب الثاني : رفع الحرج دون تكلف أو تنطع
المطلب الثالث : تصحيح منهج الاستدلال ونبذ التعصب
المطلب الرابع : تقرير أن المسئولية فردية ومجتمعية في آن واحد
المبحث الأول
التشريع - الحل والتحريم - حق إلهي لا عمل فيه للبشر
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ * لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (89) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96)
مقاصد التشريع الإسلامي لا تستعصي عن الفهم مثلما تعذر فهم رهبانية النصارى وسامية اليهود وخزعبلات المشركين ، لكن لكي نفهم مراد حكم الله في التشريع الإسلام لابد وأن نعلم – أولا- أن التشريع حق الإلهي ، وصفة من صفاته لا ينبغي لأحد أن ينازع الله فيها ، كائنًا من كان ولا حتى نبي مرسل ، فقد استأثر الله تعالى بهذا الحق لنفسه ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ)
والبشر مكلفون بتعلم أحكام الله وتنفيذها وتعليمها للناس دون تعدي لحدوده أو انتهاك لأوامره أو تضييع لفرائضه ، وأي زيادة في منهج الله تعالى من اختراع البشر في شأن العبادة هي بدعة في الدين وضلالة بينة ، وعلى ولاة الأمور إلزام الناس بذلك ، ونهيهم عن البدعة ، قال رسول الله (أوصيكم بتقوى الله و السمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) ، فهذا هو ما يحفظ لهذا الدين طابعه المتميز عن سائر الأديان والعبادات الشركية ، وبذلك فحسب تظل الدعوة مباركة ومحفوظة بحفظ كتاب الله وسنة نبيه المصطفى .
ولابد وأن نفهم أن الله تعالى عندما حرم أشياء فإنه يحرمها لعلة ظاهرة للمكلف ومنضبطة ، حتى يتسنى للمكلف طاعته في أمره ونهييه ، ويحرمها لحكمة هو سبحانه يعلمها وليس على المكلف أن يعلمها ضرورة ، لكنه مكلف بالتنفيذ الحُكم عندما يجد علته ، لأن العلة هي مناط الأحكام ، وتدور العلل مع أحكامها وجودا وعدما ، من هنا فرق العلماء بين علة الحكم وحكمته ، فالعلة أمارة على تحقق الحكمة ، ويمكن معرفتها من خلال الوصف الظاهر المنضبط ، بينما الحكمة فإنها تتمثل في الغايات المحمودة ، وقد تخفى عن المكلف ، ذلك أن (الأحكام قائمة على رعاية مصالح العباد، وهذه المصالح هي التي يسميها العلماء بالعلل ، وتعيين العلة وكيفية مراعاتها يُتلقى من الشارع نصا أو تلويحا ، ولا مانع من أن تكون أحكام الله معللة بالغايات المحمودة) ، أي بالحكمة من شرعها ، قال ابن حزم (فالعلل هي الأمارة المجردة أو الباعث المشتملة على الحكمة الصالحة لأن تكون مقصود الشارع من شرع الأحكام) .
ولذلك نهى الشارع عن الخمر لعلة السكر ، أما الحكمة من النهي فلأنه يوقع الناس في العداوة والبغضاء ، ولذلك فإن شارب الخمر إذا لم يقع في العداوة والبغضاء فإنه لا يقال أن الحكمة من التحريم انتفت ، بل لا يزال النهي عن شربها قائما عليه لعلة السكر سواء المحتملة أو الحاصلة له في الحال ، فالعلة تكفي لأن تكون سببا لتحريم شرب الخمر ، دون حاجة لتحقق مقاصد النهي .
ولذلك فإن العبد يعمل بعلل الأحكام سواء عرف الحكمة منها أو لم يعرف ، فعدم معرفته للحكمة لا يوجب تعطيل العمل بالأحكام ، بل يكفي أن تتحقق علتها ، لأن العلة هي مناط الحكم وجودًا وعدمًا ، قال سلطان العلماء (أحكام الإله كلها مضبوطة بالحكم محالة على الأسباب والشرائط التي شرعها، كما أن تدبيره وتصرفه في خلقه مشروط بالحكم المبينة المخلوقة ، ولو شاء الله لاقتطع الأسباب عن المسببات وما بينهما من تلازم ، لكنه كما شرع للتحريم والتحليل والكراهة والندب للإيجاب أسبابا وشروطا ، كذلك وضع لتدبيره وتصرفه في خلقه أسبابا وشروطا)
من هنا نستطيع أن نفهم الفرق بين العلة والحكمة في تحريم صيد البر علي المحرم ،فالعلة هي (حالة الإحرام) ، أما الحكمة فظاهرة كذلك ، وليست حكمة واحدة ، بل حكم متعددة ومنها إظهار المحرم في حال من السلم والتوقف عن القتل بأمر الله فترة إحرامه حتى يتأهل لتحقيق السلم العالمي والوفاء بعهوده ومواثيقه البينة كما يتفق مع مقاصد سورة المائدة ، ويطول فيها البحث لكن لا يتوقف علي معرفة الحكمة العمل بالأحكام ، إذ لا حاجة لنا للبحث عن الحكمة من ذلك ، فقد أوجب الشارع العمل بالحكم عند وجود علته ، فلا يتوقف العمل به على معرفة حكمته ، كذلك الحال بالنسبة للخمر فما من شأنه السكر ولو احتمالا يعد خمرا في حكم الشارع ، وما كان وصفه خمرا صلح أن يكون علة لتحريم الشرب ، وهذا المثالان قد ذكرتهما السورة في ذلك الموضع يبينان بوضوح خصائص ومنهجية الإسلام في التشريع ، ويبينان أن هذا هو حق إلهي لا يقبل الجدال أو النقاش ، والله أعلم بعباده ومراده من خلقه .
وينقسم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب على النحو التالي : -
المطلب الأول : (لا رهبانية في الإسلام)
المطلب الثاني : المحرمات بالذوات والصفات والمسميات .
المطلب الثالث : المحرمات المقيدة بقيود الزمان والمكان والحال .
المطلب الأول
لا رهبانية في الإسلام
قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ) تضمن تنبيها لفقهاء الأمة الاحتراز في القول بتحريم شيء لم يقم دليل من الشرع بتحريمه أو لم يكن دليل التحريم مساويا في القوة لدليل الأصل وهو الإباحة ، فالأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأت دليل قاطع بالتحريم ، وهذا المبدأ له مستند آخر في قوله تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)(البقرة29) ،وقول النبي "وما سكت عنه فهو عفو"، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ وَتَلَا) .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه رفع الحديث قال : (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية وما كان ربك نسيا)
قال ابن تيمية " اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَةِ، عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهَا، وَتَبَايُنِ أَوْصَافِهَا، أَنْ تَكُونَ حَلَالًا مُطْلَقًا لِلْآدَمِيِّينَ، وَأَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً، لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مُلَابَسَتُهَا وَمُبَاشَرَتُهَا وَمُمَاسَّتُهَا، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، وَمَقَالَةٌ عَامَّةٌ، وَقَضِيَّةٌ فَاضِلَةٌ، عَظِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ، وَاسِعَةُ الْبَرَكَةِ، يَفْزَعُ إلَيْهَا حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَعْمَالِ، وَحَوَادِثِ النَّاسِ "
وجملة (وَلا تَعْتَدُوا) معترضة، أي لا تحرموا الطيبات التي أحلها الله لعباده ، فإن فعل ذلك اعتداء على حق الله تعالى في التشريع ، ومؤداه إبطال كافة التشريعات التي تقيد حلالا أو تجرم مباحا ما لم تكن المصلحة فيه راجحة ومقطوع بها لا مظنونة ، قال ابن القيم "فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا" .
ولما كان الإمام هو ولي الأمر الذي يجب طاعته في حدود طاعة الله ورسوله ، وكانت أحكام الشريعة مبناها علي مصالح العباد ، كما ذكر ابن القيم ، قعَّد العلماء لذلك قاعدة مؤداها أن (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) ،ومفادها أن تصرف الإمام وكل من ولي شيئاً من أمور المسلمين؛ يجب أن يكون مقصوداً به المصلحة العامة، أي بما يجلب النفع لعموم من تحت ولايته ، وإلا فهو مردود عليه وباطل لمساسه بما أحل الله ، ونهى عن تحريمه .
مثال ذلك منع استيراد سلع معينة – مثل السيارات الفارهة - في أحوال معينة وأوقات محددة بقصد الحفاظ على ثبات سعر صرف العملة المحلية إزاء العملات الأجنبية الصعبة ، لحماية الاقتصاد القومي من آثار المضاربة على سعر الصرف ، مع إعطاء الأولوية لإشباع السوق المحلي بالسلع الأساسية المستوردة كالأدوية لشح عرض العملات الأجنبية .
ومثال آخر من القرآن ما فعله نبي الله يوسف تحسبا لأيام الجدب بتخزين محصول القمح في سنبله إلا قليلا مما يأكلون ، فلم يسمح ببيع مازاد عن الحاجة ، وأمر بتخزين المحصول كله لمدة سبع سنوات عدا نسبة قليلة منه للاستهلاك الضروري (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) (يوسف47) فكلها تشريعات تدور في فلك الشريعة متى كانت الغاية منها تحقيق الصالح العام.
ومناسبة ذكر الآية في هذا السياق واضحة ، فقد جاءت بعدما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين فقال سبحانه (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) (77) ، ثم ورد بعدها مدح في القرآن للنصاري وخص منهم القسيسين والرهبان ، مما قد يوهم بأن علة المدح هي ما هم فيه من رهبانية مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد غالى النصارى في دينهم كثيرا فحرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم ، وألزموا أنفسهم بعبادات لم يشرعها لهم ، وترهبنوا ومن غير أن يكلفهم الله بذلك ، يقول المولى عز وجل " وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ "(الحديد/27) ، فكان من المناسب أن ينزل تشريع يجرم تحريم الطيبات على وجه العموم ، ويومئ بالاحتراز من أن يقلد المسلمون النصارى في رهبانيتهم ، يقول النبي "لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ" ، قال أبو حيان الأندلسي " ومناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه تعالى لما مدح النصارى بأن منهم قسيسين ورهباناً وعادتهم الاحتراز عن طيبات الدنيا ومستلذاتها أوهم ذلك ترغيب المسلمين في مثل ذلك التقشف والتبتل بيّن تعالى أنّ الإسلام لا رهبانية فيه" ، بمعنى أن قُرب صحابة رسول الله منهم – مكانيا - جعلهم يظنون أن رهبانية النصارى ليس بمنهي عنها في الإسلام ، فعزموا – بالخطأ - على الإقبال علي الترهبن تقربا إلى الله ، فحرم بعضهم على نفسه الزواج , وآخر حرم على نفسه أكل اللحم ، وآخر حرم على نفسه النوم بالليل ..الخ من صور ليست عبادة مشروعة ، بل هي رهبانية مبتدعة .
فبعض الصحابة رضوان الله عليهم حاولوا أن يزهدوا في الدنيا لكن بطريقتهم –وتأسيا برهبانية النصارى- ظنا منهم أن في هذا الزهد خير لهم في دينهم ودنياهم ، فتجاوزوا بهذا الزهد حد الله تعالى فحرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم ، فنهاهم النبي عن ذلك ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا أَصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَتِي فَحَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا) .
من هنا نفهم حقيقة العبادة في الإسلام ، فليس المطلوب أن يضعف الجسد فلا يقوى على العمل والزواج وتبطل طاقته أو تقل فيضحى مقصرًا مع أهله وسائر الناس من حوله ، فالإسلام يريد أن ينشئ جيلًا قويًا قادرًا على تحقيق الصلاح والنفع للفرد والمجتمع على حد سواء ، بعيدا عن المفهوم الذي ظل مسيطرًا على النصارى فابتدعوا رهبانية ما كتبها الله عليهم ، فكانوا في عزلة من الناس وتوحد لا يقبله الإسلام ولا يأمر به ، فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ سَأَلُوا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ عَنْ عَمَلِهِ فِي السِّرِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا آكُلُ اللَّحْمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا أَنَامُ عَلَى فِرَاشٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا كَذَا وَكَذَا لَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) .
ومثال آخر ما روي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَرَّ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ ، فَقَالَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَسْتَظِلَّ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَزَالُ قَائِمًا قَالَ لِيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)، قال أبو بكر : في خبر ابن عباس أن النبي رأى أبا إسرائيل قائما في الشمس فقال : ما له قائم في الشمس ؟ قالوا : نذر أن يصوم وأن لا يجلس ولا يستظل قال : مروه فليجلس وليستظل وليصم فأمره رسول الله بالوفاء في الصوم الذي هو طاعة وترك القيام في الشمس إذ لا طاعة في القيام في الشمس وإن كان القيام في الشمس ليس بمعصية إلا أن يكون فيه تعذيب فيكون حينئذ معصية قد خرجت هذا الجنس على الاستقصاء في كتاب النذور) .
فلما اكتمل التشريع الإسلامي أبطل كل هذه الصور من الرهبانية والتشدد في الدين بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ) ، وصحح مفهوم الرهبانية ، لتقتصر على مواطن الجهاد في سبيل الله ، حيث يحبس المجاهد نفسه عن الدنيا مرابطا في سبيل الله ، قال النبي " عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْإِسْلَامِ" ، ذلك أن المجاهد ينقطع عن أهله وزوجته ودياره ليجاهد في سبيل الله تعالى .
وليس الأمر على إطلاقه بالنسبة للمجاهد ، كما هو الشأن في النصرانية المبتدعة ، وإنما يجب أن يعود المجاهد لأهله في مدة لا تجاوز أربعة أشهر ، لقول الله تعالى "لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(البقرة/226-227) ، و إلا فعليه أن يطلقها للإضرار بها متى اشتكت من طول غيابه ، فقد روى عن ابن عمر قال: خرج عمر بن الخطاب فسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا حبيب ألاعبه ، فوالله لولا الله أني أراقبه ... لحرك من هذا السرير جوانبه ، فقال عمر لحفصة: كم أكثر ما يصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس الجيش أكثر من هذا .
فالنهي الوارد بالآية إنما هو نهي عن تحريم الطيبات على النفس بإطلاق ، أما ترك تناول بعض الطيبات في بعض الأوقات وليس كل الأوقات ، ومن غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبر على الحرمان عند عدم الوجدان ، فلا بأس به بمقدار الحاجة إلي رياضة النفس، وكذلك الإعراض عن كثير من الطيبات للتطلع إلى ما هو أعلى منها للتفرغ للعبادة والانشغال بالعمل النافع ، فذلك أعلى مراتب الزهد ، حيث يزهد في الحلال منشغلا بالعمل الصالح ، مع عدم التقصير في العادات ، فقد كان النبي يقوم في الفراش ليتهجد لله ، فتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (لما كان ليلة من الليالي قال رسول الله "يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي" قلت "والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك" قالت فقام فتطهر ثم قام يصلي قالت (فلم يزل يبكي حتى بل حجره) قالت (ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته) قالت (ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض) فجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال "أفلا أكون عبدا شكورا" لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) 1 الآية كلها [آل عمران: 190].
والقصد هو الحق بين الأمرين ، فلا إفراط ولا تفريط ، ولذلك يقول النبي (أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صِيَامُ دَاوُدَ وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَهُ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يُفْطِرُ يَوْمًا وَيَصُومُ يَوْمًا)
كذلك فقد شق على بعض المجاهدين من الصحابة السفر أزمنة طويلة للجهاد في سبيل الله ، ولم يجدوا حلا غير أن يقلدوا النصارى في هذا الظرف بأن يتبتلوا ، فنهاهم الإسلام عن ذلك ورخص لهم في الزواج الشرعي المكتمل الأركان المقترن بشرط إعلام الزوجة بظروفه ونيته العودة للديار ، فعَنْ عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ –وفي رواية " وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ" - فَقُلْنَا أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، ثم حرم الله تعالى هذه الصورة من الزواج لانتفاء علته بعد فتح مكة .
كما شق الأمر على فقراء الصحابة الذين لم يجدوا مالا للنكاح وهموا بفعل ذلك كذلك ، فنهاهم النبي عن الاختصاء ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ) ، فقوله (جف القلم) كناية عن أنه لم ينزل شرع في ذلك بجواز الاخصاء ، قال ابن الجوزي (وإنما ذكر القدر ليمنعه من ذلك الفعل ، والمعنى ما تقدر أن تخرج على المقدور) ، قال ابن حجر قوله (فاختص على ذلك أو ذر) قال الطيبي معناه اقتصر على الذي أمرتك به أو اتركه وافعل ما ذكرت من الخصاء ، فليس الأمر فيه لطلب الفعل بل هو للتهديد ، وهو كقوله تعالى "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" ، والمعنى إن فعلت أو لم تفعل فلا بد من نفوذ القدر ، وليس فيه تعرض لحكم الخصاء ، ومحصل الجواب أن جميع الأمور بتقدير الله في الأزل فالخصاء وتركه سواء , فإن الذي قدر لا بد أن يقع ، ذلك أن القدر إذا نفذ لا تنفع الحيل، أي أرشده بالصبر فالاختصاء ليس علاج لما هو فيه من العنت ، بل عليه أن يصبر عل قدر الله وسوف يزول ما به من عنت ، فالله كتب على كل شيء قد رُفع حتى الذروة أن تكون له ساعة يضعه بعدها ، كذلك الشهوة فإنها سوف تقضى بقدر الله عن طريق الزواج كما أنها سوف تقل وتزول حدتها مع الزمن ، فليصبر فهذا هو ابتلاء الله له في الوقت الحالي ، وما بعد ذلك الفرج قريب إن شاء الله .
وفي تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) (89) قال ابن عاشور عن النفي الوارد بالآية (استئناف ابتدائي نشأ بمناسبة قوله (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة:87] لأن التحريم يقع في غالب الأحوال بأيمان معزومة أو بأيمان تجري على اللسان لقصد تأكيد الكلام) ، قال صاحب الظلال : "الظاهر أنها نزلت لمواجهة هذه الحالة - وأمثالها - من الحلف على الامتناع عن المباح الذي آلى أولئك النفر على أنفسهم أن يمتنعوا عنه ، فردهم رسول الله عن الامتناع عنه ، وردهم القرآن الكريم عن مزاولة التحريم والتحليل بأنفسهم ، فهذا ليس لهم إنما هو لله الذي آمنوا به ، كما أنها تواجه كل حلف على الامتناع عن خير أو الإقدام على شر) ، روي ابن جرير عن ابن عباس قال لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم)، في القوم الذين كانوا حرَّموا النساء واللحمَ على أنفسهم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع بأيماننا التي حلَفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم.. الآية).
قال المفسرون (جلس رسول الله يوما فذكر الناس ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف، فرَقَّ الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحى وهم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعبد الله ابن مسعود وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الاسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مضر، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل، ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ويترهبوا، ويجبوا المذاكير، فبلغ ذلك رسول الله ، فجمعهم فقال: ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلا الخير، فقال: إني لم أومر بذلك إن لانفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم، ومن رغب عن سنتي فليس مني، ثم خرج إلى الناس وخطبهم فقال: ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا، أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ولا رهبانا، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتها الجهاد، واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها، وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا، فأنزل الله تعالى - لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، وهذه القصة ذكرها المفسرون بغير سند ، وثبت أصلها في صحيحي البخاري ومسلم .
من هنا أعاد الإسلام تنظيم مسألة الأيمان أي (الحلف) ، فلم يعطي لها القيمة التي كانت تعطى لها في الجاهلية متى استبان مخالفتها لشرع الله ، قال رسول الله (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ) ، لاسيما وجاء الإسلام بتشريعات تبين الحلال والحرام للمسلمين ، فليس بعد ذلك لأحد أن يتمسك بأيمان تضاد شرع الله تعالى ، إذ كانت الأيمان تحتل في المجتمعات الجاهلية قيمة أكبر مما تحتله القوانين في المجتمعات المعاصرة ، فكما أن المجتمع في الدولة الحديثة المعاصرة يحترم القانون ، حتى قيل أن القانون يحكم الحكام والمحكومين على وجه سواء ، فلا يمكن أن يسير عكسه أحد حتى لو كان ضد مصلحته ، ولا سبيل لذلك إلا بعد أن يقنن المشرعون تشريعا آخر يسمح لهم بمخالفة القاعدة القانونية القديمة ، أي ينسخها ، فكذلك الأيمان في الجاهلية التي نبعت من معتقدات فاسدة حيث تحرم ما أحل الله ،وتحل ما حرمه ، تلك الأيمان أبطل الشرع ما خالف منها حكم الله ، فلا يسوغ لأحد أن يتمسك بها لأنها نبعت من أصل فاسد ، فلا تُحترم ولا تغدو بعد صالحة للتمسك بها.
والإسلام وإذ أهدر الأيمان التي تخالف شرع الله فإنه لم يقتصر على ذلك وحسب ، بل اعتبر الأيمان التي تخالف مقاصد الشرع وروح الشريعة السمحة لغوا باطلا ، فلم يعتد بها وأبطلها ، مثال ذلك ما روي عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ مَا بَالُ هَذَا قَالُوا نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ) ، فتعذيب الإنسان نفسه ليس من الدين الإسلامي في شيء ، والإنسان الذي لا يقدر على المشي لا ينبغي له أن يذل نفسه ، وعليه أن يركب ، بينما الذي يمشي رياضة فهذا مندوب له أن يفعل ذلك .
كذلك ندب الشرع إلى استهداف المصلحة الأولى بالرعاية عند التعارض بين المصارع ، ولذلك لم يعر للأيمان قيمة إذا تعارضت مع مصلحة شرعية أولى بالاعتبار ، فالمصلحة الأجدر بالرعاية مقدمة على غيرها في نظر الشارع دائما ، ولذلك قَالَ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ)، قال القاضي (يريد أن الرجل إذا حلف على شيء – ليس من البر - وأصر عليه ، كان ذلك أدخل في الوزر وأفضى إلى الإثم من أن يحنث في يمينه ويكفر عنها لأنه جعل الله تعالى بذلك عرضة الامتناع عن البر والمواساة والإصرار على الإلجاج ، وقد نهى عن ذلك بقوله أي "ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع")، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ أَبَاهَا كَانَ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ (لَا أَرَى يَمِينًا أُرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا قَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ).
وهذا ما يسميه فقهاء السياسة الشرعية بمبدأ المشروعية لولي الأمر ، والذي يعني أن ولي الأمر لا يقتصر تطبيق للشريعة الإسلامية على ظواهر النصوص القطعية الثبوت ، بل عليه أن يجتهد لتحقيق مقاصد الشرع أو يستعين بالعلماء في ذلك ، شريطة ألا يتعارض اجتهاده مع قاعدة "لا اجتهاد مع النص" ، بمعنى أن ينحصر اجتهاده في إطار ما يتحمله النص ، وهو علم معروف في أصول الفقه والتفسير بمسمى مباحث الألفاظ ، فحين نحقق في المسألة نجد أن النص له مفترضات لتطبيقه ، وتطبيقه بدون هذه المفترضات ليس هو مقصد الشرع ، أي أن النص ما وُضع إلا لعلاج فرض معين ، أي بخصوص حالة بذاتها ، وتعميم الحكم أحيانا قد يخرج الحكم عن علته ، ولذلك لابد من التدقيق عند تطبيق النصوص لمعرفة عللها ومفترضات تطبيقها ، بهذا يمكن القول بأن استهداف مقاصد الشرع لابد وأن يتسق مع النصوص كذلك ، وهو ما يعني استهداف المصلحة الأجدر بالرعاية ، فالالتزام بالنصوص التكليفية يعني تحقيق الغاية من إعمالها .
وهو الأمر الذي فهمه الفقهاء من صلح الحديبية حيث تراض النبي مع قريش على صلح بينهما تراءى للصحابة أن فيه شروط مجحفة بهم ، لاسيما رد من أسلم من قريش إليهم ، وعدم رد من ارتد من المسلمين إليهم ، ففي ظاهر الأمر مخالفة صريحة لمبدأ الولاء والبراء الذي تربى عليه الصحابة زمنا ، ولكنه في حقيقة الأمر انطوى على سياسة حكيمة من النبي تراءت حكمته بعد ذلك ، حيث تحزب المسلمون الذي أسلموا من قريش - ومنهم أبو بصير- في الطريق بين مكة والمدينة ومنعوا تجارة قريش ، فاشتكت قريش للنبي هؤلاء ، فاحتج عليهم باتفاقية الصلح ، وأنه في حل من أمرهم ، وأنه قد ردهم ولم يأويهم إليهم كما نص الاتفاق على ذلك ، فنتازلوا عن الشرط لما علموا أن في اجتماع المسلمين تحت قيادة واحدة ما يضمن الوفاء بالعهود على نحو يحقق مصلحتهم قبل مصلحة المسلمين كذلك .
ويتضح ذلك كذلك من مثال آخر ، وهو الوفاء بالنذور ، فالشرع أمر بالوفاء بها ، لكن إذا تعارض الوفاء بالنذر مع شعائر الإسلام ، هنا ينبغي تقديم الشعيرة على الوفاء بالنذر ، فقد روي عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلَاثَاءَ أَوْ أَرْبِعَاءَ مَا عِشْتُ فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ (أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ) ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ (مِثْلَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ)، أي أن النهي مقدم على الإيجاب عند التعارض ، قال ابن بطال في الشرح (العلماء مجمعون أنه لا يجوز لأحد صوم يوم الفطر والنحر ، وأن صومهما محرم على قاضٍ فرضًا أو ناذر ، ومن نذر صومهما فقد نذر معصية ، وهو داخل تحت قوله عليه السلام : ( من نذر أن يعصى الله فلا يعصه ) . واختلفوا فى قضائهما لمن نذر صيام يوم بعينه فوافقهما).
وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلَّا صَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ فَقَالَ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ وَلَا يَرَى صِيَامَهُمَا) ، أي أفتى له بالفطر في هذين اليومين ، لأن المصلحة الأجدر بالرعاية هو التزام سنة النبي عن الوفاء بالنذر حال التعارض .
ومن جهة أخرى اعتد الشرع باليمن الجازمة العاقدة ولم يعتد بيمين الهازل أو اللغو ، فاليمين المنعقدة هي التي تجب فيها الكفارة إذا حنث ، (ويشترط للكفارة عن اليمين ثلاثة شروط :-
أولاً : القصد ، لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية ، ولذلك أسقط الله تبارك وتعالى الكفارة في اللغو أي أذا لم يقصد اليمين وإن تلفظ به ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ (لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) فِي قَوْلِ الرَّجُلِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ) ، أي (من غير قصد قلبي في جعله يمينا في نفي شئ أو إثباته)، وقال آخرون (اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله ، وهو غير معتقد لليمين ولا مريد لها هذا قول عائشة وجماعة من التابعين وفقهاء المسلمين منهم الشافعي) .
ثانياً : أن تكون على مستقبل ، لأن اليمين على الماضي ليس فيها كفارة ، قال سفيان الثوري الأيمان أربعة يمينان تكفران وهو أن يقول الرجل والله لا أفعل فيفعل أو يقول والله لأفعلن ثم لا يفعل ، ويمينان لا تكفران أن يقول والله ما فعلت وقد فعل أو يقول والله لقد فعلت وما فعل) .
ثالثاً : أن يحلف مختاراً ، لأن المكره لا مؤاخذة عليه) .
وفي قوله (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تشريع لكفارة الحنث في اليمين متى لم يكن المعقود عليه مخالفا لشرع الله ولم يكن لغوا على النحو السابق تفصيله، وإن أمكن الوفاء باليمين ولو بالحيلة الشرعية لكان أولى وأفضل من الكفارة كما في قوله تعالى لأيوب عليه السلام (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث).
فكفارة اليمين تأكيد للأيمان الواجبة ، وتشديد لأهمية وجوب الوفاء بها ، وبيان بأن الحنث بها ذنب يستوجب كفارة ، وسميت "كفارة" ، لأنها (الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة أي تسترها) ، لقوله تعالى (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود/114)
وكفارة الحنث في اليمين "تخييرية" و"بدلية" ، فهي "تخييرية" في الثلاث الأول (الإطعام أو الكسوة لعشرة مساكين أو تحرير رقبة) فهذه الثلاثة يجوز اختيار أحدها دون حاجة لالتزام الترتيب بل بقدر الوسع ، فإن لم يجد المقدرة على فعل أي من هذه الثلاث ، فثمة التزام بديل لهذه الثلاثة لا يجوز اللجوء إليه ابتداءً ، وإنما يكون اللجوء إليه "احتياطيا" ، أي عندما يتعذر تنفيذ أحد الثلاثة المذكورة لعدم المقدرة ، وهو "صيام ثلاثة أيام" ، متفرقات أو متتابعات.
قال صاحب الإشارة (إنما شأنهم الاسترسال مع ما يبرز من عنصر القدرة ، ..ولا يعقدون على ترك شيء من المباحات ولا على فعله ، .. .. ، ولعل الحق جل جلاله ، إنما جعل كفّارة اليمين جبرًا لخلل ذلك التعقيد - أي التشديد الذي ليس من شأن أهل التوحيد - الذي صدر من الحالف مع تفريطه بالحنث ، فكأنه حلف على فعل غيره ، ففيه نوع من التألي على الله) .
وعند التأمل في هذه العقوبات الثلاثة نجد أنها تتضمن معنى المسارعة في الخيرات وإيصال البر وإعلاء الحقوق الإنسانية ، والاهتمام بها ، وهذا هو مقصد الشرع من التشريع ، بدلا من الترهبن والتشديد على النفس بأشياء ما أنزل الله بما من سلطان والقسم على ذلك ، أما العقوبة البديلة وهي الصيام ، فهي من جنس عبادة الرهبة ، ولكن الشرع أجازها في إطار محدد دون إسراف لمن لم يقدر على البذل والعطاء ، وتفصيل ذلك على النحو التالي : -
أولا : عقوبة (إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) تنطوي على تضامن اجتماعي يذكر الناكث عن يمينه أن ثمة مساكين بحاجة إلى طعام في حين أنه يطلق الأيمان ويحنث فيها ، فشتان بين من يفتقر لأساسيات الحياة ، وهمه يكف جوعه ، وبين من لا يوفي بيمينه ، فهو منشغل باللغو تارة واللهو تارة أخرى ، ويقصر فيما نذر وحلف أن يفعله طاعة لله ، فإذا أكد طاعته بهذه الأيمان ثم حنث فعليه أن يكفر عن ذلك بطاعة لا حظ له فيها البتة تتضمن معنى التبرع المحض ، يصل بره فيها للمسكين الذي يصنف بأنه أولى المحتاجين للإحسان والبر وإيصال الخير له .
وتحديد المقدار بعشرة مساكين يدل على عظم الكفارة ، وسعيه وبحثه عن العدد لازم ، فلا يجوز له أن يصرف كل الطعام لواحد فقط ، فيعطيه طعام عشرة أيام ، بل يجب أن يتكلف البحث والعناء ليجد عشرة مساكين فيطعمهم
وتحديد جودة الطعام بأوسط ما يطعم المسلم أهله فيه تخفيف على المكلف بحيث لا يتكلف أزكى الطعام ، ولا يتيمم أخبثه ، بل يكلف نفسه تجهيز ما اعتاد عليه أهله من طعام ، فإن كانت عادتهم الطعام الزكي التزم بتلك الجودة ، وإن كانت العادة الطعام الزهيد فيلتزم في الكفارة ذلك كذلك ، وإن كان بين بين فإنه يطعم المسكين مثلما يطعم أهله
ثانيا : عقوبة (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) فهي من جنس الطعام ، لأن المسكين قد يجد طعام ولا يجد كسوة ، وذلك حينما يُسبق الحانث بإطعام أحد قبله ذلك المسكين ، فلا تكون له حاجة للطعام آنية ، فلينظر الحانث للإيفاء بحاجة أخرى ، والكسوة تأتي بعد الطعام في ترتيب الأولوية للإيفاء بالحاجات الإنسانية .
قال كثير من العلماء ( يجزئ ثوب واحد لمسكين ، لنه يقال فيه كسوة ، وقال مالك : إنما يجزئ ما تصح به الصلاة ، فللرجل ثوب واحد ، وللمرأة قميص وخمار)
ثالثا : عقوبة (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) والقصد منها فكاك الأسير من الأسر ، أو تحرير عبد من رق العبودية حسبة لله تعالى ، ولا شك أن لذلك العمل ثواب عظيم ، بل هو في مقدمة أعمال الخير ، ولكن لكلفته ذكر به ثالثا تخفيفا على المكلفين
رابعا : العقوبة البديلة (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) فهي فعل سلبي تربوي يهذب الحانث فلا يعجل في إطلاق أيمان لا يقدر على الوفاء بها ، فيكون صومه تأديب له وزاجر له عن ذلك ، بهذا نرى أن الإسلام حريص على تعليم المسلمين مسئولية الكلمة ، ووجوب الإيفاء بها ، حتى وإن كان الناذر أو الحالف قد أطلق يمينه أو نذره بينه وبين نفسه دون تعهد لأحد .
وفي قوله (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ) المقصود بحفظ الأيمان كما قال ابن جزي (أي احفظوها فبروا فيها ، ولا تحنثوا) ، قال الماوردي أي فيه وجهان (أحدهما : يعني احفظوها أن تحلفوا ، والثاني : احفظوها أن تحنثوا) .
وقيل (ولا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً من البر والإصلاح) ، وهو من باب سد الذريعة أي (الامتناع من اليمين، فلا يحلف ما استطاع) ، أي (لاَ تَبْذُلُوهَا فِي أتْفَهِ الأُمُورِ وَأحْقَرِهَا ، وَلاَ تُكْثِرُوا مِنَ الأَيْمَانِ الصَّادِقَةِ)
وقد أشرنا من قبل إلى أن الحنث في اليمين يكون واجبا إذا حلف بعمل شيء نهى الشرع عنه أو ترك شيء أمر الشرع به ، كما في قوله تعالى (قَدْ فَرَضَ اللهُ تَحِلّةَ أَيْمَانِكُم) عندما حرم النبي على نفسه ما أحل الله له ، فعوتب على ذلك ، قال مقاتل (فأعتق النبى رقبة فى تحريم مارية).
قوله (..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) قال الشعراوي (هذه التشريعات تستحق منا الشكر؛ لأنها جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه ، ولأنها جعلت اليمين الذي عقَّدته له كفارة ، وفي كل من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله)، فمناط الشكر في هذه الآية أن بين الله تعالى أن شريعة الإسلام شريعة وسطا ، قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة/143) ، وأنها شريعة ميسرة لا تشديد فيها ولا غلو ، قال رسول الله (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ) .
قال ابن حجر (والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب ، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية ، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع) ، قال رسول الله (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) ، (معنى هذا الحديث أن الإنسان إذا يسر الله عليه وجعل له رخصة فلا ينبغي أن يعدل عنها) ، ففي العدول عن الرخص الشرعية وقوع في المشقة والعنت المفضيان إلى الوقوع في المعصية بعد ذلك ، وفي الأخذ بالرخص تفريج وتيسير يساعدان على نهوض الهمم والزيادة في الشكر .
-
السبت AM 11:04
2025-12-13 - 137



