المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422422
يتصفح الموقع حاليا : 134

البحث

البحث

عرض المادة

العقائد الإسلامية

نبدأ أولا بجملة من النصوص التي تكذب أو تسخر من العقائد الإسلامية المجمع عليها، ثم نخص بالذكر مجموعة من العقائد القطعية الثابتة كوجود الله والملائكة ورسله واليوم الآخر وغير ذلك مما سيأتي إن شاء الله.

قال محمد أركون: ولا نريد أن نحمي بأي ثمن تلك القيم أو العقائد الموروثة عن الماضي كما يفعل بعض المحافظين الذين يحنون رجعيا إلى الوراء، لا نريد أن نحمي من سلاح النقد تراثا قدسته الأزمنة المتطاولة، كما ولا نريد أن نحمي الهوية الدينية أو القومية ونضعها بمنأى عن كل تفحص نقدي (1).

وأكد على ضرورة إعادة النظر في كل المسلمات والعقائد الدينية حول القرآن والوحي والتحريف وكون الله حكما في قضايا البشر (2).

القيم والعقائد والهوية الدينية تحت رحمة مطرقة محمد أركون.

في حين اعتبر صادق جلال العظيم في نقد الفكر الديني (50) أن المعتقدات الدينية كالإيمان بالقضاء والقدر والثواب والعقاب والإيمان بعدل الله فيها تناقضات عقلية صريحة لا يسعنا إلا رفضها.


(1) قضايا في نقد العقل الديني.
(2) الإسلام الأخلاق والسياسة (185 - 188).

أما عبد المجيد الشرفي فيرى أن كثيرا من عقائد المسلمين ما هي إلا أساطير فقط، لا أنها حقائق واقعية، قال: واعتبارا للغاية الكامنة وراء حديث القرآن عن آدم وحواء وعن إبليس والجن والشياطين والملائكة وعن معجزات الأنبياء لا يضير المؤمن أن يرى في كل هذا الذي ينتمي إلى الذهنية الميثية رموزا وأمثالا، لا حقائق تاريخية (1).

الذهنية الميثية أي: الأسطورية.

فلم يوجد في الواقع آدم وحواء وإبليس والملائكة والأنبياء، إنما هي أساطير محكية ترمز إلى أشياء معينة، وهي لضرب المثل فقط.

وهكذا يُكذِّب القرآن والسنة والإجماع بأتفه الشبهات، ويبدو أن الشرفي خُدر إلى درجة رهيبة.

وفي مكان آخر يحدثنا أن هذه العقائد الموروثة ليست معلومة من الدين بالضرورة، لكنها أشياء ارتأتها الفئة الغالبة.

فقد أكد على أنه لا يجب على المسلم التسليم بأن العقائد الموروثة المتعلقة بعدم خلق القرآن والإيمان بالقدر خيره وشره ورؤية الله وعذاب القبر ومنكر ونكير وعصمة الصحابة وغيرها معلومة من الدين بالضرورة، وإنما هي أشياء ارتأتها الفئة الغالبة تاريخيا (2).

وكذا اعتبر صادق العظم في نقد الفكر الديني (25) أن كلام القرآن عن خلق آدم وسجود الملائكة له وامتناع إبليس وطرده من الجنة أسطورة تناقض تناقضا صريحا المعارف العلمية.

واعتبر (26) الجن والملائكة وإبليس وغيرها مجرد كائنات أسطورية خرافية لا أساس لها من الصحة.

ولا مكان عنده للإيمان بآدم وحواء والجحيم والنعيم وأن موسى شق البحر الأحمر بعصاه (20).


(1) الإسلام بين الرسالة والتاريخ (61).
(2) نفس المرجع (124).

واعتبر القمني الجن والعفاريت مجرد خرافات (1).

بينما صرح حسن حنفي في تجديده (61) أنه ليس للعقائد صدق داخلي في ذاتها، بل صدقها هو مدى أثرها في الحياة وتغيير للواقع.

وكل العقائد الإسلامية ومصطلحاتها يجب تجاوزها في دين «التراث والتجديد» فأكد أن ألفاظا مثل: الله والجنة والنار والآخرة والحساب والعقاب والصراط والميزان والحوض كلها ألفاظ يجب تجاوزها وزاد: فألفاظ الجن والملائكة والشياطين، بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تُجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال (2).

وذكر قبل (119) أن ألفاظا مثل الإيديولوجية والتقدم والحركة والتغير والتحرر والجماهير والعدالة ألفاظ معبرة لها رصيد عند الجماهير خلافا للألفاظ الدينية.

وسيتحول علم أصول الدين إلى علم الإنسان، فبدل الحديث عن الله والشياطين والملائكة، سنتحدث عن الإنسان (3).


(1) انتكاسته (315).
(2) التراث والتجديد (121).
(3) نفس المرجع (122).

وقال: وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله، وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة التمركز حول الإنسان، وهي المرحلة الحالية (1).

ويمكن في شريعة «التراث والتجديد» تبديل اسم الله بالإنسان الكامل مثلا (124).

وقال: فكل ما وصفوه (أي علماء التوحيد) على أنه الله إن هو إنسان مكبر إلى أقصى حدوده.

وماذا عن أسماء الله وصفاته؟

أجاب صاحب «التراث والتجديد» على الفور: فكل صفات الله مثل العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة كلها هي صفات الإنسان الكامل، وكل أسماء الله الحسنى تعني آمال الإنسان وغاياته التي يصبو إليها (124).

ثم قال بكل خفة وطيش: فالإنسان الكامل أكثر تعبيرا عن المضمون من لفظ الله (124).

فحسن حنفي يريد أنسنة كل ما هو إلهي، وهذا هو جوهر العلمانية.

وعلى ضوء ما تقدم فالإيمان والإلحاد لا مكان لهما في دين «التراث والتجديد»، قال: إن مقولتي الإلحاد والإيمان مقولتان نظريتان لا تعبران عن شيء واقعي لأن ما يظنه البعض على أنه إلحاد قد يكون جوهر الإيمان، وما يظنه البعض الآخر على أنه إيمان قد يكون هو الإلحاد بعينه (61).

وقال: فالإلحاد هو المعنى الأصلي للإيمان لا المعنى المضاد (62).

وقال: الإيمان هو الحفاظ على الموروث والإبقاء على الوضع الراهن والدفاع عن التقليد وحماية مصالح الطبقة ... ويكون الإلحاد هو كشف القناع وفضح النفاق وتعرية الواقع وعود إلى المعنى الأصلي ورفض للتواطئ وقبول للشهادة (62).


(1) التراث والتجديد (1

وهكذا في أشياء كثيرة من هذا العبث والتلاعب الدال على المراهقة الفكرية، والموقف العدائي المتشنج من كل ما هو موروث.

لا يكتفي حسن حنفي بإحداث قطيعة معرفية ابستمولوجية مع مفاهيم العقيدة الإسلامية (الله، النبي، الجنة، النار، الثواب، العقاب ... )، بل يتعدى ذلك إلى حذف هذه المصطلحات من التداول العلمي والشعبي واستبدالها بمفاهيم أخرى ذات حمولة تقدمية ماركسية.

إذن نحن أمام طمس للتراث وتجديد للغنوصية، لقد جرت عادة العرب بحذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مقامه، والعكس، لدلالة السياق أو الحال عليه. وهذا ما فعل صاحب التراث والتجديد.

فهو يقصد بالتراث: طمس التراث والإجهاز عليه، ويقصد بالتجديد: تجديد الغنوصية.

من هنا -حسب إلياس قويسم- تحولت العقائد التي هي جوهر النص القرآني إلى مجرد تصورات ذهنية موجهة للسلوك بعد أن كانت دليلا على وجود إله مفارق رقيب ... (1)

فالعقل هو الذي يتصور وجود هذه العقائد، لا أنها موجودة في الواقع.


(1) استبدال هويّة النصّ القرآني، نسخة رق

وقال إلياس قويسم كذلك: اعتبار أن كل المفاهيم ذات البعد الماورائي ليست الا محض خيال تغذّت بها الذاكرة القروسطية ذات النزعة التقليدية (1).

الله سبحانه.

تقدم معنا دعوة حسن حنفي إلى تجاوز هذا المصطلح بمفهومه إلى مفهوم الإنسان الكامل.

وقد استند حسن حنفي إلى مجموعة من الأسباب في دعوته لتغيير اللغة التقليدية إلى لغة تقدمية، منها:

إنها لغة إلهية تدور الألفاظ فيها حول الله (2).

وهذا يغضبه ويزعجه.

ومنها أن لفظ «الله» يحتوي على تناقض داخلي في استعماله (3).

وهذا لا يمكن قبوله.

ثم استمر في تحقير لفظ الجلالة والاستهزاء به، فالله حسب شريعة «التراث والتجديد» عند الجائع هو الرغيف، وعند المستعبد هو الحرية، وعند المظلوم هو العدل، وعند المحروم عاطفيا هو الحب، وعند المكبوت هو الإشباع ...

فإذا كان الله هو أعز ما لدينا وأغلى ما لدينا فهو الأرض والتحرر والتنمية والعدل، وإذا كان الله هو ما يقيم أوَدَنا وأساس وجودنا ويحفظنا فهو الخبز والرزق والقوت والإرادة والحرية، وإذا كان الله ما نلجأ إليه حين الضرر. وما نستعيذ به من الشر فهو القوة والعتاد والاستعداد (4).


(1) تشتت النص القرآني، نسخة رقمية.
(2) التراث والتجديد (112).
(3) نفس المرجع (112).
(4) نفس المرجع (113).

ولسان حال حسن حنفي يقول كما قال مشركو قريش: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} ص5.

ومن أدلته كذلك قوله: ولا يمكن إيصال أيّ معنى بلفظ «الله» لأن اللفظ حوى كثرة من المعاني لدرجة أنه يدل على معاني متعارضة (1).

وقال: فإذا كان لفظ «الله» يحتوي على تناقض داخلي في الإيصال، بالإضافة إلى تضارب معانيه (2).

وكما أثار غضبه واشمئزازه لفظ الله، كذلك لفظ «دين» فزعم أن له معاني متناقضة (3).

ولفظ إيديولوجيا أولى منه، لأن الأول يشير إلى مقدس وما وراء الطبيعة، وهذا ما لا يحب حسن حنفي، بينما الثاني يشير إلى أفكار بشرية لا عقائد سماوية (4).

وهكذا لفظ «الإسلام» نفسه فلفظ «السلام» خير منه.

وفي الحقيقة فحسن حنفي عنده أزمة حقيقية اتجاه الإسلام، لا مجرد محاولة تجديد. فهو يكره كل ما يمت إلى الإسلام بصلة ولو كان مجرد ألفاظ، ويريد أن يقطع مع الماضي ولو كان لغة معبرة.

ومشيئة الله وإرادته عند حسن حنفي ليست إلا نظام الطبيعة لا ما يظنه العامة (5).


(1) نفس المرجع (114).
(2) نفس المرجع (115).
(3) نفس المرجع (115).
(4) نفس المرجع (1
(5) مقدمته لرسالة اللاهوت والسياسة (68).

وعنده كذلك لم يعد الإنسان الحديث في حاجة إلى الإيمان بقوى علوية تتحكم فيه وتحميه، فلا يحميه إلا الوعي الفردي وتجنيد الجماهير، والجماهير هي الدرع الواقي لا قوى سماوية (1).

واعتبر أن أكبر آفاتنا هو انتظار العطاء والمن من الله. وأننا لسنا في حاجة إلى حمد الله على نعمه، بل نحن في حاجة للتضجر والغضب (2). 

وعوض بسم الله الرحمن الرحيم سيبدلها حسن حنفي إلى: بسم الأمة. وعوض الدفاع عن الله كما عند القدماء، سيدافع حسن حنفي عن الأرض (3).

وإذا كان القدماء يريدون ثوابا في الجنة أو إنقاذا من النار فهو يريد صلاح الأمة وتحرير أراضيها وإعادة توزيع ثرواتها (4).

والحديث عن الله اغتراب لا ينبغي وتعمية تدل على نقص، بل الواجب هو الحديث عن المجتمع والعالم (5).

واعتبر أن إثبات إله موجود قبل الأجسام مصادرة على المطلوب. ولا معنى في نظره للسؤال عن النشأة والمصدر والأصل (6)، وتساءل: لماذا لا نتعبر الإنسان علة كل شيء؟ وأن يكون غيره أقدر منه على الفعل؟ (7)


(1) من العقيدة إلى الثورة (1/ 10 - 11).
(2) من العقيدة إلى الثورة (1/ 11).
(3) من العقيدة إلى الثورة (1/ 30).
(4) من العقيدة إلى الثورة (1/ 43).
(5) من العقيدة إلى الثورة (1/ 84).
(6) من العقيدة إلى الثورة (2/ 30).
(7) من العقيدة إلى الثورة (2/ 31).

ووصف حجج الفلاسفة حول إنكار حدوث العالم بكونها حججا منطقية وواضحة وقوية يسهل اقتناع الإنسان بها (1). ودافع عن الدهريين الملاحدة، واعتبر أن تصور الفلاسفة والطبائعيين أقرب إلى التصور العلمي من تصور المتكلمين (2).

وهكذا ينتصر حسن حنفي للمنكرين لوجود الله تحت ستار التجديد.

واعتبر أن إثبات صُنعِ الله للكون وخلقه له له مخاطر وآثار سلبية عظيمة على الحياة الاجتماعية والسياسية، إذ يتم تصوير العالم فيه في حالة ضياع وأن الله هو الماسك له (3). وأننا لم نعد بحاجة إلى الدفاع عن عقيدة خلق الله للكون، وأن عقيدة قدم العالم لم تعد تشكل خطرا على الأمة، بل الخطر الذي يهددها هو الاعتقاد بخلق العالم من عدم (4). بل تؤدي عقيدة الخلق من عدم في نظره إلى تدمير العالم (5).

والواجب والقديم والموجود بذاته ليس هو الله، بل الواجب هو الواجب الأخلاقي، والقديم هو العمق التاريخي للإنسان، والموجود بذاته هو الشعور بالاستقلال، ويكشف أي دليل على إثبات وجود الله على وعي مزيف (6).

وبراهين وجود الله ليست فقط افتراضات ذهنية، وتعبير إنشائي لا حقائق علمية (7).


(1) من العقيدة إلى الثورة (2/ 34).
(2) من العقيدة إلى الثورة (2/ 36 -
(3) من العقيدة إلى الثورة (2/ 39).
(4) من العقيدة إلى الثورة (2/ 40).
(5) من العقيدة إلى الثورة (2/ 41).
(6) من العقيدة إلى الثورة (2/ 44).
(7) من العقيدة إلى الثورة (2/ 60).

وذكر أبو زيد في إطار إظهار إيجابيات مشروع حسن حنفي أن العقائد الإسلامية مجرد تصورات ذهنية، أكثر من كونها عقائد دالة على وجود مفارق، وأن الله ليس ذات موجودة مفارقة للوعي الإنساني، بل هو مبدأ معرفي خالص (1).

فالله ليس إلا مجرد افتراض ذهني محض ومبدأ معرفي خالص.

وتقدم عن عبد المجيد الشرفي وصادق جلال العظم أن الله مفهوم أسطوري فقط لا دليل على وجوده حقا.

والله سبحانه في نظر إلياس قويسم تبعا لنصر أبي زيد مجرد مجاز وأسطورة يتوهم الإنسان الخرافي وجوده. قال: بمعنى أيّ العالميْن «عالم الإله» أو «عالم الإنسان-الهنا» يمثّل الحقيقة والآخر يمثّل المجاز ... وقال: واعتبار العالم الفوقي الكامن في الوعي عالما مجازيا ... وقال: هذا يؤكد التصور الجديد القاضي بإقرار الوجود في الـ «هنا» لا في عالم آخر غير عالمنا هذا، فـ «أسطورة» العالم الفوقي وجب تجاوزها،) فحركة التشخصن ... تخوّلنا من التفكير في تعال، دون التجاء إلى عالم الغيبيات ... (2).

وحسب إلياس قويسم دائما تهدف العلمانية إلى تحويل الإلهيات إلى إنسانيات واللاهوت إلى أنثروبولجيا والانخراط في نسق تأويل العقائد على أساس أنها جهد من الإنسان لتجاوز اغترابه في هذا العالم فيخلق في شعوره كائنا من داخله لا آتيا من الخارج المتعالي، ويضفي عليه صفات الكمال التي يفتقر إليها، ومن ثم يحوّل الإله من ذات مشخصة لها وجود مفارق للوعي إلى مجرد حضور


(1) نقد الخطاب الديني (184).
(2) استبدال هويّة النصّ القرآني، نسخة رق

معرفي يجسد جهد الإنسان للوصول إلى النموذج أو المثال الذي يطمح إليه (1).

فالله صنع بشري محض يهدف به لتجاوز اغترابه في هذا العالم فيخلق في شعوره كائنا من داخله لا آتيا من الخارج المتعالي.

بمعنى كما يقول العلماني إلياس قويسم عن صديق دربه نصر أبي زيد أن الأشياء المؤلهة ذات أصول واقعية-طبيعية، والناس بوهمهم «يُغدقون» عليها صفة التعالي والقداسة (2).

فلا وجود لإله مفارق، وإنما الإنسان هو الذي يخلق الإله ويصبغ عليه رداء التعالي والتقديس. لا يمل أبو زيد من ترديد مقالات سيده ماركس في كون الأفكار والتصورات والاعتقادات مجرد انعكاس للأوضاع الاقتصادية.

فالحرمان والعجز والقهر والخوف هو الذي ولّد عند الإنسان البدائي فكرة الله والتدين عموما، والذي تطور عبر الزمن من الخرافة إلى تعدد الآلهة إلى التوحيد.

وقال: وبهذا نصل إلى نتيجة أخرى، وهي أن نصر حامد يريد الكشف عن زيف التعالي الذي أضيف إلى الظواهر المادية ... (3)

وقال صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (19): فهل من عجب إذن أن نسمع نيتشه يعلن في القرن الماضي أن الله قد مات، وهل باستطاعتنا أن ننكر أن الإله الذي مات في أوروبا بدأ يحتضر في كل مكان.

فهل بعد هذا يقول لنا علماني كعصيد ولكحل إن العلمانيين مسلمون يؤمنون بالله ولا يتعرضون للدين بشيء وأنهم يكنون له كل الاحترام والتقدير، وأنهم إنما ينتقدون التوظيف السياسي للدين؟

وزاد العظم قائلا: إن الاشتراكي الحقيقي لن يكون مسرورا عندما يكتشف أن أهم مبدأ في عقيدته هو الإيمان بالله (32).

وذكر أن وجود الله وعدمه بالنسبة له سيان (49). وأنه لا توجد أدلة وبينات ترجح وجود الله من عدمه (53).

واعتبر أن الله ناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة عندما أمر إبليس بالسجود لآدم مع أمره بتوحيده (69).

وأكد أركون أننا لم نعد في حاجة إلى الله، وأصبح فرضية لا جدوى منها.

قال في نحو نقد العقل الإسلامي (267): ينبغي العلم بأنه فيما يخص الحداثة فإن الخيار لم يعد بين القبول بالدين أو رفضه، وإنما الله نفسه أصبح فرضية لا جدوى منها أو لا حاجة إليها.

وقال (267): وبعد انتصار الحداثة فلم يعد هذا الشيء ضروريا لأننا وكما قلنا أصبحنا قادرين على الاستغناء عن الله إذا شئنا من دون أن يجبرنا أحد على ذلك بالطبع.

فالإنسان في عصر الحداثة أصبح يتحمل مسؤولية نفسه وقدره ومصيره بنفسه، أصبح مستقلا بذاته عن القدرة الفوقية. وذلك بعد أن أحل مخيال التقدم بواسطة العلم محل مخيال النجاة الأبدية في الدار الآخرة بواسطة الدين.

ونعى أركون (269) على المسلمين كيف أنهم لا زالوا يعتقدون بوجود إله أو ما سماه المشروعية الإلهية أو الحاكمية التي تتحكم بالبشر على الأرض. وذكر أنهم يستندون إلى القرآن والسنة، ثم قال: أما المؤرخ الحديث أو علماء الاجتماع والانتربولوجيا والألسنيات فإنهم يتحدثون عن الموضوع بطريقة أخرى إنهم يعتقدون على العكس بوجود قطيعة ثقافية وروحانية وعقلية مع ذلك الخيار المقدم للإنسان في معاهدة الميثاق المعقود بين الله والإنسان.

 


(1) نفس المرجع.
(2) نفس المرجع.
(3) نفس الم

ولهذا فالفاعل الحقيقي في الإسلام هو محمد وليس الله. قال في الفكر الإسلامي (105): ذلك الفاعل المعقد الذي دعوناه سابقا بالبطل المغير أو بطل التغيير (أي الله بحسب المؤمنين ومحمد بحسب المؤرخ النقدي).

وذكر في الفكر الإسلامي (102) أن مفهوم الله لا ينجو من ضغط التاريخية وتأثيرها، وزاد شارحا: أقصد أنه خاضع للتحول والتغير بتغير العصور والأزمان.

أي: لكل زمان إلهه، وهذا يلتقي مع كلامه السابق عن أن إله العصر هو الأمل.

فالإله الموصوف في الأديان تجاوزه الزمن.

ويستطيع الإنسان خلق كائنات حية في أنبوب الاختبار، وبالتالي هُجر عندئذ الفضاء الساحر والخلاب الذي ولدت فيه الآيات القرآنية المتعلقة بقضية خلق الوجود، كما أكد أركون كذلك (1).

ولذلك سيكون من المضحك كما يقول أشرف عبد القادر أن نأخذ بنظرية خلق الكون التوراتية التي تبنتها آيات القرآن الكريم، بينما العلم يقدم لنا نظرية الانفجار الكبير الذي لم يدم سبعة أيام، كما تقول الأسطورة التراثية، نقلا عن الأسطورة البابلية، بل دام أقل من ثانية (2).

ثم سخر من كون آدم وحواء هما أصل البشرية، بل الصواب أن الحياة تكونت من بكتريا وحيدة الخلية (3).

وكل هذا تكذيب للقرآن والسنة ثم يزعمون أن العلمانية هي فقط عدم إقحام الدين في السياسة؟


(1) الفكر الإسلامي (1
(2) العلمانية مفاهيم ملتبسة (10).
(3) نفس المرجع (10).

ثم نقول لهذا المكذب: إن نظرية الخلق لا تعارض نظرية الانفجار الكبير، فالخلق له أسباب طبيعية وقد يكون منها الانفجار الكبير، ألا ترى أن الطفل تلده أمه وفق أسباب بيولوجية معروفة، مع أن الله هو الذي خلقه، لأنه هو الذي هيأ له أسباب الوجود.

ثم الانفجار الكبير وإن وقع في لحظة فتكوُّن الكواكب وتخلقها مر بأزمنة أطول.

ثم وبعد هذا كله، ما رأيك فيما يقوله علماء الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن الانفجار الكبير أشار الله إليه في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء30. فالسماوات بما فيها من كواكب ونجوم ومجرات كانت مجتمعة مع الأرض، ففتق الرتق، أي: انفصل كل جزء منها بمفرده. وهذا هو الانفجار الكبير.

أم أن أسلوب السخرية والاستهزاء بالإعجاز العلمي هو الأسلوب الأمثل للتهرب من الجواب؟.

وليكن في علم جهلكم أن مؤتمرات هذا العلم يحضرها عدد من كبار العلماء الغربيين الذين تدينون لهم بالولاء.

أما طيب تيزيني فالله تطور هو الآخر من آلهة أخرى وله جذور وثنية.

لنتابع جهالات تيزيني التي حسبها تحليلات علمية، قال: وجدير بالتبصر أن الله إذ أخذ يحقق حضورا كثيفا متزايدا في مكة وغيرها من مناطق الجزيرة العربية فإنه كان في الوقت نفسه يحصد ثمار تطور آلهة أخرى لصالحه ... والهام أن نشير إلى أن الله حيث كان سائرا باتجاه الهيمنة، لم يُزل الآلهة الأخرى من طريقه بصيغة إقصائها كلا وجزءا من الساحة وإنما بمعنى تمثلها وظيفيا (1).


(1) مقدمات أولية (134).

أي قام بأدوارها، كأنك تقرأ مسلسلا كارتونيا للأطفال، على كل حال لنتابع تحليلات تيزني الماركسية: ولقد استمدت الإلهات الإناث ألوهيتهن من أنهن كن بنات الله والشفيعات عنده. ولكنهن يبدأن بفقد تلك الصفة إطلاقا بعد هيمنة الله، بمثابة الإله الذكري الأعظم. ولنلاحظ أن تصورات البنوة والأبوة والأمومة التي هيمنت طويلا ضمن مراحل الاختلاط القرابي الجنسي في مجتمع يجعل من الخصب الزراعي والطبيعي عموما على ضحالته خصبا جنسيا، تنحل لصالح تصور واحد، هو الألوهية الذكرية الأحادية، وإن لم يصف نهائيا.

وهذا ما سنلاحظه ضمنا في النص القرآني الذي يتحدث عن روح الله وكلمة الله. لقد كان على الآلهة الأنثوية أن تخلي- مع الآلهة الأخرى- الساحة أمام الله الأعظم، ولكن بعد عملية استبدال بنيوي ووظيفي، تطرأ على هؤلاء جميعا. فحفاظا على التوحيد الإلهي الجديد نلاحظ أن قسما كبيرا من الآلهة السابقة يتحول إلى ملائكة، خاضعة لهيمنة الرب- السيد الجديد .. (1).

إلى أن قال: وعلى هذا يمكن القول إن الله الإسلامي اللاحق لم يفقد جذوره الوثنية المكية بصورة تامة (2).

وصور لنا محمد الشرفي الله والنبي والإسلام تصويرا بأسلوب تهكمي فقال: ولقد خضع الأصوليون لعمليات تمذهب مارسها عليهم منظروهم ومرشدوهم بحيث حُشيت أدمغتهم بتاريخ مشوه غاية التشويه ومثالي موغل في المثالية، فالله في زعمهم قد خلق الإنسانية لأجل أن تطيعه، واختار النبي محمدا، وهو رجل كامل ليبلغ أوامره إلى هذه الإنسانية، وقد تبعته قلة قليلة من المخلصين، وجميعهم


(1) مقدمات أولية (136 - 137).
(2) نفس المرجع (143).

خيرون كرماء متفانون وقد حارب النبي جيشا عرمرما من الأشرار الكافرين الذين كانوا جميعا متعاظمين كذابين مفسدين جشعين ... ولكن تغلبت بعون الله قوى الخير رغم قتلها على قوى الشر رغم عددها وعتادها. وبهذه الصورة يتحول التاريخ الإسلامي إلى ملحمة مانوية (1).

ولا تدري ما الذي يثير شكوك السيد الوزير في حكومة الديكتاتور الطاغية شين العابدين بن علي.

وحسب عبد الله العروي فهناك علاقة وثيقة بين التوحيد الإسلامي وبين الاستبداد: فالله في نظره يجلس على عرشه يحيط به أعوان وموال حسب ترتيب محكم ومراسيم دقيقة (2).

فالله في نظره حاكم مستبد!!.

أما القمني فقد اعتبر في انتكاسته (158) أن القول بإله غيبي ميتافيزيقي تصور وهمي وأنه لما جاء العلم الإنساني الحديث «خرج الرب وأنبياؤه وكهنته من الموضوع. وحل العلماء (3) محل الأرباب بعد أن أثبتوا بالآيات البينات الواضحات مساندتهم الحقيقية لبني الإنسان في مواجهة الطبيعة القاسية التي ظلوا رهن نزواتها وكوارثها وجوائحها وأوبئتها طول الأزمنة الخوالي».

وخَلْق الله للكون ليس إلا أسطورة في نظر دكتور الأساطير (4).


(1) الإسلام والحرية (51).
(2) السنة والإصلاح (165 - 166).
(3) أي الغربيون.
(4) الأسطورة والتراث (155).

قال مستهزئا بخالقه: دون تفسير واضح لعدم تدخل الله لصالح أمته التقية، رغم تدخله من قبل في أمور أهون مثل دفاعه بالطير الأبابيل عن مكة ... ومع ذلك فإن الله لم يتدخل حتى تاريخه لحماية أولى القبلتين ومسرى النبي وثالث الحرمين، ولم يدافع عن عاصمة الرشيد أمام الأمريكان (1).

بهذه اللغة الاستهزائية يتهكم على خالقه ولكن ماذا نفعل مع من لا مبدأ له إلا افتراس القمامة.

وقريب منه خليل عبد الكريم، فقد قال آخذا على الكتب الإسلامية: ... والاعتماد على الغيبيات والماورائيات واللامحسوسات. وضرورة ربط كل ما يدور على الأرض إن على المستوى الفردي أو المجتمعي وفي كل الشؤون بدون تفرقة، ربطها على بكرة أبيها بقوى غير منظورة وأنه لن ينصلح أيّ معوج إلا إذا كانت العلاقة مع هذه القوى الجبارة على أحسن ما يرام ولتصبح القوى في ذروة الرضا!! (2).

وعلامات التعجب منه. وزاد بعدها مباشرة: فإذا سألت أحدهم وفيهم أكاديميون وأساتذة جامعات وحاملو إجازة الدكتوراه من أرقى جامعات أوروبا وأمريكا، ما بال أمم أخرى علاقتها مع هذه القوى (3) بالغة السوء، بل وبعضها ينكر وجودها ويسخر ممن يؤمن بها. ومع ذلك فهي في القمة؟ رد عليك بثقة تغبطه عليها: هذه الأمم لا تدخل في حساب القوى ولا تعبأ بها، فلذا تتركها تستوفي حظها الآن، ولكن فيما بعد ستوفيها ما تستحقه من جزاء!! مع أن المنطق يحتم أن تكون الأمة التي ترعاها القوى وتكلأها بعنايتها وتفضلها على غيرها من الأمم هي الأقوى والأرقى (4).


(1) شكرا ابن لادن (1
(2) الأسس الفكرية (117).
(3) أي: الله.
(4) الأسس الفكرية (117 - 118).

وأما علي حرب فيرى أن الله يمارس امبريالية واستبدادا بخلقه، فقال: أما في اللاهوت فالعنصر الغالب هو خضوع الإنسان للأمر الإلهي لكائن أعلى يمارس امبرياليته واستبداده بخلقه (1).

الملائكة.

الاعتقاد بوجود الملائكة والشياطين والجن والعفاريت وغيرها خرافات يجب التخلص منها كما يرى صادق جلال العظم في نقد الفكر الديني (52).

واستهزأ هاشم صالح بمنكر ونكير وملك الموت، ودعا إلى التخلص من هذه الكوابيس المرعبة (2).

وقال: أكاد أقول بأن العالم الإسلامي كله مقبور الآن تحت ركام من التصورات القروسطية والكوابيس العقائدية وعذاب القبر وأفكار الخوف والرعب التي تمنعه من التحرر والانطلاق، فمتى سنخرج من هذا القبر الجماعي لكي نرى النور لأول مرة ونتنفس الهواء الطلق، متى سنفهم الدين بطريقة أخرى مختلفة تماما أو حتى معاكسة؟ (3).

وسخر القمني من دعم الملائكة للمؤمنين (4).

وزعم عبد المجيد الشرفي بأن ما ورد في القرآن عن آدم وحواء وإبليس والجن والشياطين والملائكة ومعجزات الأنبياء ليست إلا تماشيا مع الذهنية الميثية الأسطورية، وأنها رموز وأمثال لا حقائق تاريخية (5).

أي: هي أشياء غير موجودة في الواقع، وإنما تصورات ذهنية خرافية.

[إبليس]

الشيطان في عرف العلمانيين شخصية أسطورية خرافية لا وجود لها.

فهذا صادق جلال العظم اعتبر في كتابه نقد الفكر الديني أن إبليس كائن أسطوري غير موجود ولا حقيقي وشخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية (57 - 58).

وقال: كذلك عندما نقول «طرد الله إبليس من الجنة» يجب ألا نظن بأن مثل هذه الحادثة وقعت في تاريخ هذا الكون، لأن مغزى هذا الكلام ومعناه يكمن في كونه رمزا، لا في كونه وصفا لأحداث وقعت بالفعل (59).

لكن نبهنا إلى أن معالجته لقصة إبليس إنما هو في إطار التفكير الميثولوجي الأسطوري لا أنه يؤمن بهذه الخرافة، كما يدرس الباحثون أساطير اليونان والسومريين والساميين وغيرهم (92). وكذا أن كلامه عن الله وإبليس والجن والملائكة والملأ الأعلى لا يفهم منه أنه يؤمن بهذه الأشياء (59).

ولنستمع قليلا لشيء من التهريج الفكري مع صادق جلال العظم.

ولنتابع جهالات الرجل التي سطرها في كتابه المذكور: قال عن امتناع إبليس من طاعة أمر الله في السجود لآدم: نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في أصفى معانيه وأنقى تجلياته (61).

واعتبر أن احتجاج إبليس بقوله: أنا خير منه. تعني من نور وخلقته من طين، بأنه تبرير منطقي واضح (62).

واعتبر أن هذا ليس تكبرا ولكنه حقيقة أساسية في الفرق بين الأشياء ومراتبها (62).

وأن النار بطبيعتها وجوهرها أفضل من الصلصال، ثم استمر مهرجنا في تحليلاته الدقيقة فقال: تنطوي مفاضلة إبليس بين جوهره وبين جوهر آدم على نظرة فلسفية معينة لنظام الكون وترتيب الطبائع وفقا لدرجات الكمال التي تتصف بها، لذلك كان إبليس على حق في جوابه، لأن الخالق جعل الأشياء على ما هي عليه من درجات الكمال والسمو (62).

ودافع عن جده إبليس في عدم سجوده لآدم، وأنه محق في هذا (62 فما بعدها).

وقال: إن إبليس اجتاز التجربة التي ابتلاه الله بها بنجاح تام (75).

وزاد: وبما أن الله كافأ إبراهيم وأيوب على صبرهما ونجاحهما وتمسكهما بواجبهما المطلق نحوه يجوز لنا أن نستنتج بأنه سيكافئ إبليس على نجاحه وتضحيته ويعوض عليه ما تكبده من خسارة مفجعة وما عاناه من شقاء وبلاء وغربة (77).

هكذا بكل جرأة ووقاحة.

 


(1) نقد الحقيقة (144).
(2) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (22 - 23 - 24).
(3) نفس المرجع
(4) الأسطورة والتراث (15).
(5) الإسلام بين الرسالة والتاريخ

واعتبر أن إبليس أول بطل مأساوي في الكون، وأن آدم أول انتهازي في الكون (83).

وجزم بأن نهاية حبيبه إبليس ستكون نهاية سعيدة ومرضية (84).

ودعا إلى رد الاعتبار لإبليس، وتغيير نظرتنا التقليدية له، والكف عن كيل السباب والشتائم له، بل ويجب أن نطلب منه الصفح ونوصي الناس به خيرا، بعد أن اعتبرناه زورا وبهتانا مسؤولا عن جميع القبائح والنقائص (85).

ليخلص المهرج إلى النتيجة التي رسمها منذ البداية، وهي: إذا ثبتت براءة إبليس، فلا حاجة ولا فائدة من وجود جنة ونار ولا دين، بل ولا إله كذلك، وبطلت العقائد الدينية جملة وتفصيلا (85 - 86 - 87).

ولقد أحسن العلماني تركي علي الربيعو في قوله عن قراءة العظم هذه لمأساة إبليس: إنه يساهم في إنتاج دين جديد، لنقل إنه دين الشيطان هذه المرة ... أو بصورة أدق: فإنه يساهم في بعث اجتهادات إحدى الفرق الباطنية في الإسلام من عبدة الشيطان إلى الواجهة من جديد (1).

أما القمني فيرى في كتابه الأسطورة والتراث أن إبليس أسطورة (33)


(1) أزمة الخطاب التقدمي 

تحول مع مرور الزمن من إله للشر عند المصريين القدماء (33) والفرس (34) واليهود (37) ليتحول بفضل تطور العقل البشري من تعدد الآلهة إلى التوحيد في المسيحية إلى مخلوق متمرد (39).

وهكذا في الإسلام (40) تحول إلى مخلوق يمتلك قدرات خارقة يقترب فيها من كونه إلها (43).

وقال: وإذا كان إبليس في العقائد القديمة إلها للشر تحول مع التطور العقلي إلى ملاك عاص أو إلى جني (42).

إذن فإبليس أسطورة اخترعها الإنسان تفسيرا للخوف من الظواهر الطبيعية، تحولت وتطورت مع مرور الزمن، وليس كما يعتقد المسلمون السذج حقيقة واقعية.

وأكد على هذا المعنى كذلك حسن حنفي في مداخلته آخر كتاب الأسطورة والتراث، حيث قال بعد أن تحدث عن أسطورة الشيطان في الثقافات والديانات القديمة إلى عهد الإسلام: أي: إن الأسطورة موجودة ولكنها تتشكل طبقا للثقافة وطبقا للظرف والعصر (287).

ونصَّ القمني في انتكاسته (268) أن إبليس لما امتنع من السجود إنما مارس حريته، تمسكا منه بتوحيد الله وتنزيهه، بل هو موافق لتركيب إبليس الخلقي.

وكذا أنكر عبد المجيد الشرفي وجوده، واعتبره أسطورة غير حقيقية، كما تقدم (1).

وكل هذا تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.


(1) الإسلام بين الرسالة والتاريخ (61).

[اليوم الآخر]

لا تؤمن العلمانية إلا بالحياة الدنيا، واليوم الآخر أو الآخرة مجرد معتقدات دينية أسطورية. وهي تهدف إلى استبدال الخلاص الديني الأخروي بالخلاص الأرضي الوضعي، ويريد العلمانيون تحقيق جنتهم وفردوسهم في هذه الدنيا بدل الآخرة.

قال أركون في القرآن من التفسير الموروث (74): في نظام الحداثة لا توجد إلا حياة واحدة هي التي نعيشها.

وفي كتاب تاريخية الفكر العربي (81) جعل قبول العقل المؤمن بوعود الحياة الأبدية في الآخرة قبولا ساذجا.

وكان شلبي شميل ينكر الخلق والمعاد. آراء الدكتور شلبي شميل (64 - 69).

وقال شاكر النابلسي عن العلمانية: ولا تعير انتباها كثيرا للحياة الآخرة الغائبة والمجهولة، وتطلب من الناس ألا يشغلوا بالهم بها (1).

وعند خليل عبد الكريم استبدلت العلمانية خلاص الآخرة بخلاص الأرض (2).

وقال القمني في رب الثورة أوزيريس (10): كما أن العالم الآخر عالم غيبي لا دليل عليه سوى ما ورد عنه في بعض السطور في بعض الصحائف المقدسة، دون بعضها في ديانات أخرى، فأصبح موضوعا مختلفا عليه وعلى ماهيته ومواصفاته، بل وعلى وجوده أصلا بين الغيبيين أنفسهم، مما يجعله موضوع تصديق وتكذيب ليستمر قلقا بين الوجود والعدم.


(1) العلمانية مفاهيم ملتبسة (141).
(2) التفكير في العلمانية 

هكذا يقول من يزعم أنه مسلم، يكذب باليوم الآخر ويزعم أنه ورد في بعض السطور في بعض الصحف المقدسة دون بعضها. ثم هو مختلف فيه.

هكذا يقول دكتور الأساطير.

وفي كتابه «الأسطورة والتراث» اعتبر أن الإنسان هو الذي اخترع فكرة اليوم الآخر، قال القمني: وفي هذا الزمان البعيد (عهد السومريين) لم يكن الإنسان قد وصل بعد إلى اختراع فكرة عالم آخر فيه بعث ثم ثواب أو عقاب، ترغيبا وترهيبا (57).

وعَدَّ من الأساطير في الإسلام التي انتقلت إليه من المصريين القدماء: فكرة البعث والحساب والجنة والنار والصراط والميزان وشهادة الجوارح على الميت (1).

وعند مراد وهبة نشأ الاعتقاد باليوم الآخر مع عبادة الشمس عند المصريين القدامى ونشأت فكرة الخلود مع الدين الرسمي أو دين الدولة (2).

لهذا الاعتبار لما عرفت دائرة المعارف البريطانية (9/ 19) العلمانية تحت مادة ( Secularism) قالت: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. وذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ( Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية، وبإمكانية تحقيق مطامعهم في هذه الدنيا القريبة، وظل هذا الاتجاه يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله، باعتبارها


(1) السؤال الآخر (317).
(2) ملاك الحقيقة (299).

حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية (1).

وأما حسن حنفي فيقول: فقد لا يكون البعث واقعة مادية تتحرك فيها الجبال وتموج فيها البحار وتخرج لها الأجساد، بل يكون البعث هو بعث الحزب وبعث الأمة وبعث الروح، فهو واقعة شعورية تمثل لحظة اليقظة في الحياة لحظة الموت والسكون (2).

فالبعث في هذه الدنيا لا في دنيا أخرى مفارقة.

ولا خلود عند حسن حنفي إلا في الأرض، قال في فقرة الخلود في الأرض: والحقيقة أن أمور المعاد كلها خطأ في تفسير النصوص وتحويل للصور الفنية إلى وقائع حادثة، فأمور المعاد لا تشير إلى وقائع مادية وحوادث فعلية وعوالم موجودة بالفعل في مكان ما يعيشها الإنسان في زمان ما، بل هي بواعث سلوكية ودوافع للفعل للتأثير على السلوك، والحث على الطاعة ترغيبا تارة وترهيبا تارة أخرى (3).

فلا وجود لعالم آخر يحاسب الناس فيه وتوزن أعمالهم حسب حسن حنفي، بل هو انعكاس لحالة العجز والظلم والقهر، فيتمنى العاجز والمظلوم والمقهور أو يتصور وجود يوم ينعم فيه ويُنتقم من ظالميه.

قال: إن أمور المعاد في نهاية الأمر ما هي إلا تعبير عن عالم بالتمني عندما يعجز الإنسان عن عيشه بالفعل في عالم يحكمه القانون ويسوده العدل. لذلك تظهر باستمرار في فترات الاضطهاد وفي لحظات العجز وحين يسود الظلم ويعم القهر كتعويض عن عالم مثالي يأخذ فيه الإنسان حقه، ويرفع الظلم عنه، أمور المعاد في أحسن الأحوال تصوير فني يقوم به الخيال تعويضا عن حرمان في الخبز أو الحرية، في القوت أو الكرامة، في الرزق أو الحق في عالم يحكمه القانون


(1) نفس المصدر (43).
(2) من العقيدة إلى الثورة (4/ 508).
(3) من العقيدة إلى الثورة (4/ 599).

ويتحقق فيه العدل (1).

وأمور المعاد عند حسن حنفي إنما تعبر على طريقتها الخاصة وبالأسلوب الفني الذي يعتمد على الصور والخيال عن أماني الإنسان في عالم يسوده العدل والقانون ... إنها تعبير عن مستقبل الإنسان في عالم أفضل (2).

ولا تعدو الجنة الموعودة عنده أن تكون عبارة عن نعيم الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها.

قال: فهناك دنيا واحدة وآخرة واحدة هي نفسها الدنيا، فالجنة والنار هما النعيم والعذاب في هذه الدنيا وليس في عالم آخر يحشر فيه الإنسان بعد الموت، الدنيا هي الأرض، والعالم الآخر هو الأرض، الجنة ما يصيب الإنسان من خير في الدنيا، والنار ما يصيب الإنسان من شر فيها (3).

وزاد مؤكدا أن أمور المعاد هي الدراسات المستقبلية بلغة العصر والكشف عن نتائج المستقبل ابتداءا من حسابات الحاضر (4).

أما صادق النيهوم فالعالم الآخر عنده عالم مجهول من ابتداع الكهنة (5).

وعند العروي: فكرة الرب الديان الذي يحاسب خلقه ويجازي المحسن ويعاقب المسيء إنما عادت للواجهة تحت ضغط واقع إنشاء الدولة الجديدة في المدينة (6).


(1) من العقيدة إلى الثورة (4/ 600).
(2) دراسات إسلامية (104) نقلا عن قراءة النص الديني لعمارة (71).
(3) من العقيدة إلى الثورة (4/ 601).
(4) من العقيدة إلى الثورة (4/ 605).
(5) الإسلام في الأسر (80).
(6) السنة والإصلاح (122 - 123).

فعقيدة اليوم الآخر ليست إلا فكرة تم استثمارها في إبانها لتحقيق أهداف سياسية.

وحسب عزيز العظمة فالحور العين من صنع أشخاص ذوي عقلية اغتصابية لا غير، قال: «إن أخبار الحور العين في الجنة إنما هي بنات أفكار وتصور مخيلة اغتصابية، تزيح عن صاحبها الرغبة لتضع مكانها الشهوة» (1).

الصراط ونعيم الجنة.

أنكر القمني الصراط واعتبره شأنا فسيفسائيا مجهولا (2).

واعتبر أن ذكر الحور والخمور في الجنة: الرشوة المقدمة في عالم الأبدية (3).

وعَدَّ من الأساطير في الإسلام التي انتقلت إليه من المصريين القدماء: فكرة البعث والحساب والجنة والنار والصراط والميزان وشهادة الجوارح على الميت (4).

أما نصر حامد أبو زيد الذي حكمت بردته محكمة القاهرة، فكل الغيب عنده بما في ذلك اليوم الآخر تصورات أسطورية، وليست حقائق في نفس الأمر: فقد تعجب كيف أن المسلمين ما زالوا يؤمنون باللوح المحفوظ والله بعرشه وكرسيه وجنوده الملائكة، وبالإيمان بالشياطين والجن والسجلات التي تدون فيها الأعمال. 


(1) العنف والمقدس والجنس (132) نقلا عن عزيز العظمة: سمفونية الملذات، مجلة الناقد العدد 61 ص 20 - 30.
(2) أهل الدين والديمقراطية (104).
(3) السؤال الآخر (12).
(4) نفس المرجع (317).

قال: والأخطر من ذلك تمسكه بحرفية صور العقاب والثواب وعذاب القبر ونعيمه ومشاهد القيامة والسير على الصراط ... إلى آخر ذلك كله من تصورات أسطورية (1).

وتعجب من الإيمان بحرفية الدلالات التي وردت في النصوص الدينية عن الله كالعرش والكرسي والملائكة، وما ورد عن الآخرة كالصراط والحوض وعذاب القبر وناكر ونكير، وما ورد عن المسيح الدجال وغير ذلك من أشراط الساعة. في حين هي لا تعدو في نظره مجازا وليس حقائق موجودة (2).

وكل العقائد الإسلامية ومصطلحاتها يجب تجاوزها في نظر حسن حنفي، فأكد أن ألفاظا مثل: الله والجنة والنار والآخرة والحساب والعقاب والصراط والميزان والحوض كلها ألفاظ يجب تجاوزها وزاد: فألفاظ الجن والملائكة والشياطين، بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تُجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال (3).


(1) النص والسلطة والحقيقة (135).
(2) نفس المرجع (211).
(3) التراث والتجديد (121).

  • الجمعة AM 12:49
    2022-08-05
  • 1239
Powered by: GateGold