المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422403
يتصفح الموقع حاليا : 160

البحث

البحث

عرض المادة

تاريخية القرآن

تاريخية القرآن (1).

هذا الفرع مندرج في الذي قبله ورأيت إفراده بالبحث لأن العلمانيين يحاولون من خلال هذا المصطلح التعمية على مقصدهم بالتاريخية.

وقد أفرد الدكتور أحمد الطعان هذا البحث بمؤلف ضخم، وهو كتاب جيد جدا في بابه. وما ذكرته هنا من اجتهادي الشخصي والحمد لله رب العالمين.

لكن ماذا يقصدون بتاريخية القرآن أو تاريخية النصوص الدينية؟

وما هي آلياتها؟

وما الهدف منه؟

تلك هي المباحث التي سنحاول عرضها هنا إن شاء الله.

المراد بتاريخية القرآن.

تاريخية القرآن أو تاريخية النصوص لها بُعدان اثنان:

1 - تاريخية القرآن من حيث بِنيته، وكونه إفرازا ثقافيا لمجتمع معين أو بعبارة أوضح: كونه منتجا بشريا بعيدا عن التعالي والتقديس.

2 - تاريخية القرآن من حيث أحكامه وتشريعاته أي: كونه استجابة لظروف وملابسات اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة.

ومع تغيرها لم تعد هناك حاجة لها.

وقد أكد أركون ونصر أبو زيد وتيزيني والمؤدب على هذين البعيدين، كما سيأتي.

وقد يقتصر بعضهم على الثاني كالعشماوي في تحديث العقل الإسلامي.


(1) انظر علاوة على ما سأشير له من مراجع أثناء البحث: تحديث الفكر الإسلامي (95) ورب الزمان (225).

قال أركون: التاريخية تخص بنية الحقيقة المطلقة ذاتها، كما وتخص الشروط أو الظروف السياسية والثقافية لإنتاجها ولبلورتها ولاندماجها في فكر وسلوك كل مؤمن. هذا يعني أن كل مجتمع يصوغ الوجه المتغير بالضرورة لحقيقته (1).

وأكد تيزيني أن البعد التاريخي في القرآن ليس تأويلا فقط ولكن تنزيلا (2).

فالقرآن تاريخي تنزيلا وتأويلا.

1 - تاريخية القرآن نفسه.

يقف أركون وتلميذه هاشم صالح ونصر أبو زيد على رأس المدافعين بقوة عن هذه المسألة، بل يمكن اختزال مشاريعهم (3) في إثبات هذه التاريخية.

ولنبدأ بأركون:

فقد أكد على تاريخية القرآن، وأن هذا شيء غير مفكر فيه أي: غير مسموح بالتفكير به (4).

وحسب أركون فالقرآن برع في التغطية على هذه التاريخية عن طريق ربط نفسه باستمرار بالتعالي التي يتجاوز التاريخ الأرضي كليا أو يعلو عليه (5).

وذكر في الصفحة قبلها خطأ الاعتقاد أن الوحي كما يزعم المسلمون إلهي سماوي لا علاقة له بالشؤون الأرضية، ولكن علم التاريخ الحديث كشف عن علاقة بين الكتب المقدسة وبين الحضارات التي وجدت فيها. وذكر أن هذا الاكتشاف الهام لا يقل خطورة عن اكتشافات داروين وكوبرينكوس (6). يقصد أن للبيئة دخلا في إنشاء القرآن وإحداثه، وليس هو بالضرورة شيئا علويا مفارقا.


(1) الإسلام الأخلاق والسياسة (179).
(2) الإسلام والعصر (135). وانظر (104) منه.
(3) مع أن هاشم صالح لا مشروع له إلا ممارسة «التبشير» العلماني.
(4) القرآن من التفسير الموروث (21 - 37 - 47 -
(5) القرآن من التفسير الموروث (21).
(6) القرآن من التفسير الموروث (20).

وباختزال شديد هذا الكشف العلمي الهام (!!) هو ما قاله المشركون من قبل: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} الفرقان5.

وبيَّن تلميذه ومترجمه بإشرافه أن مفهوم التاريخية يعني أن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وليس القوى الغيبية، والتاريخ كله بشري من أقصاه إلى أقصاه، كما قال (1).

وأكد أركون أنه في ظل ما سماه التاريخوية الوضعية «وحدها الأحداث أو الوقائع أو الأشخاص الذي وُجدوا حقيقة والذين دلت على وجودهم وثائق صحيحة» يمكن أن يقبلوا كمادة للتاريخ الحقيقي الفعلي (2).

يعني استبعاد الماورائيات والغيبيات، أي: استبعاد مسألة «الله» «والوحي» و «جبريل» وما إلى ذلك.

وهو ما عبر عنه أركون بغير وجل بعد كلامه السابق مباشرة فقال: وهذا يعني استبعاد كل العقائد والتصورات الجماعية التي تحرك المخيال الاجتماعي أو تنشطه من ساحة علم التاريخ (3).

وهذا كلام في غاية الوضوح.

لكن أركون ومع إعجابه بهذه المنهجية إلا أنه أخذ عليها إهمالها أن هذه العقائد رغم تاريخيتها فلا يمكن تجاهل دورها الحاسم في تغذية الديناميكية التاريخية، وبالتالي تجاهلت المكانة الانتربولوجية للخيال (4).

فالخيال في نظره هو مصدر كل هذه الأساطير والماورائيات والغيبيات، وأحيانا يسميه المخيال.


(1) نفس المرجع (47).
(2) نفس المرجع (49).
(3) نفس المرجع (49).
(4) نفس المرجع 

والفرق بين المدرستين أن الوضعية تعتبر الخيالات والتصورات والعقائد أشياء وهمية لا تستحق الاهتمام، بينما يرى الآخرون أن لها أهمية في مسار التاريخ مع اتفاقهما جميعا على خرافيتها.

وقال عن القرآن بعد أن سماه الموديل النموذجي: يمكننا الكلام عن إنتاج هذا الموديل النموذجي وليس عن إنتاجيته، أقصد يمكننا التحدث عن توليده واللحظة التي ولد فيها. باختصار يمكننا التحدث عن تاريخيته (1).

وقال هاشم صالح: لقد آن الأوان للكشف عن تاريخية النص القرآني وإنزاله من تعاليه الفوقي إلى الواقع الأرضي المحسوس، آن الآوان للكشف عن علاقته بظروف محددة تماما في شبه الجزيرة العربية وفي القرن السابع الميلادي (2).

ونقل عن هانز كونغ (78 - ووافقه هو مؤكدا ص 80) تشكيكه في نزول القرآن من عند الله، وأن تأتير اليهودي والمسيحي واضح فيه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن أميا. قال هاشم معلقا: هذا في حين أن القرآن مفعم بأصداء اليهودية والمسيحية وقصص عيسى وموسى ومريم وزكريا ويوسف وداوود ويعقوب والأسباط ... إلخ. يريدون تنظيف التراث من الإسرائيليات والقرآن نفسه مليء بالإسرائيليات (78).

وأكد تبعا للمستشرق هانز كونغ أن أخبار أنبياء اليهود والمسيحيين المذكورة في القرآن تلقاها النبي - صلى الله عليه وسلم - شفاهيا في مكة، وأن هذا ما يؤكد تاريخية القرآن طبقا لمنهج النقد التاريخي وإن صدمت الوعي الإسلامي.


(1) الفكر الإسلامي (107).
(2) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (248).

هكذا يصطف المرعوب طول حياته -كما قال عن نفسه- في صف أعداء الإسلام وملاحدة الغرب طاعنا في دينه وقرآنه.

أما أبو زيد فطرحه قريب من طرح أركون.

يقول: الواقع إذن هو الأصل ولا سبيل لإهداره، من الواقع تكوَّن النص، ومن لغته وثقافته صيغت مفاهيمه، ومن خلال حركته بفعالية البشر تتجدد دلالته، فالواقع أولا والواقع ثانيا والواقع أخيرا (1).

وبإهمال الواقع الذي تكَوَّن منه النص القرآني سنكون أمام كارثة حقيقية كما يقول أبو زيد، قال: إهدار الواقع لحساب نص جامد ثابت المعنى والدلالة يحول كليهما إلى أسطورة، يتحول النص إلى أسطورة عن طريق إهدار بعده الإنساني والتركيز على بعده الغيبي (2).

فالقرآن حسب نصر أبي زيد تشكل من الواقع وخرج منه، لا أنه نزل من السماء.

وقد غفل علماء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وعلماء القرآن وآلاف العلماء في شتى التخصصات عن كل هذا حتى أنقذنا الله بمن حكمت محكمة القاهرة بردته من هذا الضلال المبين!!.

وإذا كان القرآن خرج من الواقع الثقافي المعرفي للوعي العربي في القرن السابع، ما هي أهم المؤثرات التي كانت خلف تشكله؟.


(1) نقد الخطاب الديني (106). وانظر مفهوم النص له (67).
(2) نقد الخطاب الديني (106).

يجيبنا أبو زيد بأن الحنيفية كدين سائد وشعر شعراء الصعاليك لا يمكن التغافل عن مدى تأثيرها في النص القرآني (1).

وكذا نصوص الكهانة والسحر، فقد وظف آليات تعبيرية وأسلوبية تنتمي لها (2).

وأما القصص الشفاهية فقد قام القرآن باستيعابها، وإعادة توظيفها وتأويلها تأويلا ناطقا بإيديولوجية النص.

وأما النصوص الدينية الأخرى فقد اعتمد القرآن والسنة الانتقائية وإعادة التوظيف والتأويل (3).

إذن فالقرآن حسب أبي زيد تتداخل فيه مؤثرات معاصرة له كثيرة: الدين القرشي السائد، وشعر الصعاليك، وثقافة الكهانة والسحر، والحكايات الأسطورية، ونصوص الديانات الأخرى كالتوراة والإنجيل.

فالقرآن خليط من كل هذا.

ولا حديث عند نصر أبي زيد عن الله والوحي وجبريل.

فكل هذه المفاهيم تنتمي إلى الخطاب الميثي الأسطوري يتَرَفع الناقد الحديث عن التعريج عليها أو الحديث عنها كقوى غيبية متعالية تقف خلف القرآن.

وإذا كنا نحن المسلمون نعتقد أن الإسلام جاء ليحارب الكهانة ويقطع معها أية صلة، فإن نصرا أبا زيد له رأي آخر، قال بعد أن ذكر أن العرب كانوا يعتقدون بالكهانة والاتصال بالجن: ظاهرة الوحي -القرآن- لم تكن ظاهرة مفارقة للواقع أو تمثل وثبا عليه وتجاوزا لقوانينه، بل كانت جزءا من مفاهيم الثقافة ونابعة من مواضعاتها وتصوراتها (4).


(1) النص والسلطة والحقيقة (100).
(2) النص والسلطة والحقيقة (101).
(3) النص والسلطة والحقيقة (101).
(4) مفهوم النص (34).

ويستنتج أبو زيد أن الإسلام لم يلغ الكهانة، بل استند إليها لسببين:

الأول: إن إلغاء الكهانة يستلزم إلغاء أساس النبوة الوجودي، ومن ثم تصبح ظاهرة النبوة ذاتها في حاجة إلى تفسير جديد.

والثاني: إن الكهانة والعرافة كانتا معيارا لدى العرب ما قبل الإسلام لإثبات حقيقة النبوة من جهة، وكانت وسيلة للتنبؤ بالنبي الجديد المرتقب من جهة أخرى (1).

وهكذا تقلب الحقائق رأسا على عقب، وكل هذا لا يهم في نظر أبي زيد ما دام يحقق الهدف المطلوب، إنه ما سماه بعض العلمانيين بإرادة الإيديولوجيا، بدل إرادة المعرفة.

لكن لا بأس أن نقف على شهادات لثلاثة علمانيين في أطروحة نصر أبي زيد هذه، لنؤكد من خلالها مذهب الرجل الذي ناضل طول حياته لنصره والذوذ عنه، وهو بشرية القرآن الكريم.

الأولى: يبين لنا إلياس قويسم في النص التالي كيف حاول أبو زيد رفع الصبغة الإلهية عن الوحي وربطها بأنساق مادية تاريخية، قال: نجد أن نصر حامد من خلال السيميوطيقا ينظر إلى البعد الأول «الوحي» على أنه تجربة إنسانية، وأنه مجموعة من العناصر تتآلف وتتسق طبقا لقوانين منضبطة، فلا بد من تحليل تلك العناصر الكامنة وراء ظاهرة الوحي، وهذا التحليل يؤدي إلى استخلاص العلاقات التي تربط هذه العناصر ببعضها، ومن ثم معرفة النظام الكامن وراء الوحي، ونعني به الثقافة: الكهانة والعرافة والشعر


(1) مفهوم النص (39).

والسحر ... ومن ثمّ لم تعد غاية نصر حامد البحث في ظاهرة الوحي ذاتها بل أصبحت له غاية أعمق، وهي الكشف عن النظام المادي الذي يحكم الظاهرة، إنه سعي وراء التجريد، وراء البحث عن النظم الخفية التي تسير الظواهر والتي يعتقد العامي أو الفقيه السلفي أنها ظواهر عُلوية مفارقة (1).

وقال: ممّا ورد ندرك أن نصر حامد بتشبثه بمقولة الواقع وتقديمها على مقولة المتعالي المفارق يبتغي تسطيح تعالي الوحي، وهذا نقيض النظرية المتداولة، وهذا الهجوم على النظرية التقليدية في نظره أساسي لتحرير الفكر الديني من التعالي الزائف والوهمي والرجوع به إلى أرض الواقع، أرض الحقيقة (2).

والثانية: يشرح لنا فيها العلماني اللبناني علي حرب مقصد أركون بتاريخية القرآن، وأنه يريد أنه نص بشري لا إلهي.

قال عنه: وذلك بتعامله مع النص القرآني على أنه نتاج ثقافي، أنتجه الواقع الذي تشكل فيه، أي: واقع العرب اللغوي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي في زمن النبوة (3).

وقال عن ترديده عبارات قد يفهم منه اعترافه بألوهية مصدره: بيد أن هذا التصريح هو ضرب من التقية، أي: آلية دفاعية يلجأ إليها أبو زيد بوعي أو بغير وعي، لكي يدرأ عنه تهمة الإنكار (4).


(1) تشتت النص القرآني. نسخة رق
(2) نفس المصدر.
(3) الممنوع والممتنع (173).
(4) نفس المرجع (173).

وقال: فالباحث المصري يتعامل في النهاية مع النص القرآني كنتاج ثقافي مرتبط بالثقافة التي تشكل من خلالها، تماما كما يتم التعامل مع أيّ خطاب بشري (1).

وقال: يعتبر أبو زيد أن القرآن نتاج ثقافي لا يفارق قوانين الواقع ولا يسبق بوجوده وجود هذا الواقع، أي: لا يوجد على نحو مسبق ذلك الوجود الغيبي الماورائي في اللوح المحفوظ (2).

والثالثة: لتركي علي الربيعو فقد رد على نصر أبي زيد ادعاءاته حول القرآن (3).

ومما استدل به أن الأبحاث الحديثة في علم الإناسة التي طالت النصوص المقدسة أنه نص مقدس وليس نصا أدبيا يماثل النصوص الشعرية، إنه أكثر من نص حسب تعبير كلود ليفي ستروس (4).

وليس القرآن انعكاسا لواقع أو أنه ثمرة تفاعل جدلي بين اللغة والواقع، كما يحلو للدكتور أبو زيد الركض وراء هذا الصنم الفكري (5).


(1) نفس المرجع (173).
(2) نفس المرجع (173).
(3) الحركات الإسلامية (150 - 151).
(4) الحركات الإسلامية (150).
(5) الحركات الإسلامية (151).

وقال عن ادعاءات أبي زيد أن النص القرآني ثمرة لتفاعل جدلي بين النص والواقع: تفضح الخلفية المرجعية للباحث، وتثبت بالمقابل هيمنة قَبْليات المعرفة وغياب كل شروط وإمكانيات انبعاث الفكر. إن اتكاء أبو زيد على الدراسات الألسنية عند جاكبسون وسوسير مع إعادة توظيفها لصالح ماركسوية هرمة وشائخة تظهر بصورة مضمرة في خطاب أبو زيد مرة، وعلنية مرات عديدة، عندما يتحدث عن جدلية العلاقة بين النص والواقع التي هي بمثابة صنم فكري لما يمل الفكر العربي المعاصر من عبادته. وهذا ما قاده إلى الابتعاد عن المفاهيم الحديثة وأقصد المنظومات الجمالية في عصر ما بعد الحداثة تحت وطأة إرادة الإيديولوجيا ببعدها السياسي المكشوف الحاضر بكل عريه في خطاب أبو زيد (1).


(1) الحركات الإسلامية (153).

تاريخية الأحكام.

المراد بتاريخية أحكام القرآن أن أحكام القرآن كانت استجابة لواقع معين، وبالتالي فهي صالحة لذلك العصر بشروطه التاريخية والمعرفية والثقافية، لكن التطور التاريخي نسخ هذه الصلاحية، ولم تعد أحكام القرآن صالحة لهذا الزمان ويتعين تجاوزها وإهمالها.

بل عمم العلمانيون هذه التاريخية لتشمل العقيدة ومنظومة القيم ودلالات القصص القرآني (1).

وهذه التاريخية مبنية على التاريخية الأولى، لأن القرآن لما كان منتجا ثقافيا للواقع، والواقع متغير دائما وأبدا، فإن أحكام القرآن العقدية والتشريعية والأخلاقية متغيرة ومتبدلة (2).

فسر أركون مرة التاريخية بقوله: بمعنى أن كل شيء يتغير أو يتطور مع التاريخ أو مع مرور الزمن، ولا شيء ثابتا أو معطى بشكل جاهز مرة واحدة وإلى الأبد كما يتوهم المؤمن التقليدي (3).

وقال هاشم صالح: تعني كلمة التاريخية دراسة التغير من خلال الزمن، أي: التغير الذي يصيب الأفكار والأخلاق والمؤسسات بحسب اختلاف العصور والمجتمعات (4).


(1) انظر الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (60).
(2) نفس المرجع (62).
(3) نحو نقد العقل الإسلامي (347).
(4) تاريخية الفكر العربي (74). وانظر الإسلام والانغلاق اللاهوتي (148).

أغلب العلمانيين يصفون الشريعة الإسلامية بشريعة البداوة، إشارة لتاريخيتها، أي: تجاوزها التطور التاريخي الذي تجاوز مجتمعات البداوة (1).

وواضح أن كل هذه التفاهات تتساقط إذا أكدنا على البعد الإلهي للقرآن وللنصوص الدينية، لأنه ما دام أن الله هو مشرعها ومنشؤها فهو أعلم بما يصلح لعباده، وهو أعرف بالثوابت والمتغيرات، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.

لكن لما كانت هذه المقاربة تكر على الطرح العلماني بالإبطال وتجتثه من أصله تسارع العلمانيون إلى التأكيد على بشرية القرآن وكونه ابن بيئته، ووليد ثقافة عصره.

ولهذا فأنا أقول: إن العلمانية تدور على الإلحاد لا غير، ويستحيل وجود مؤمن علماني، إلا إذا كانت تجتمع فيه المتناقضات، وإلا فإن من يكون علمانيا يستحيل أن يكون مؤمنا.

لأن الإيمان ذو مرجعية غيبية ما ورائية، أو لنقل لا عقلانية (2)، والعلمانية تناقض هذه المبادئ مناقضة تامة لا وساطة بينهما، فإما الإيمان وإما الإلحاد.

وأغلب العلمانيين ملاحدة، وبعض العلمانيين الذين قد يصرحون بإسلامهم وإيمانهم لا يخرجون عندي عن أحد أمور:

أولا: أن يكون ذلك من باب التقية فقط، لكي لا يصدم الجماهير المؤمنة وبالتالي يكون لذلك آثار سلبية عليه أو على دعوته.

فالحاجة للتواصل مع الجماهير تكون مقدمة على الاصطدام معها، وبالتالي الإضرار بالعلمانية.

وقد صرح القمني وأركون وغيرهما بهذا.


(1) الإسلام بين الرسالة والتاريخ (109).
(2) العقل هنا بمفهومه العلماني.

وثانيا: إطلاق لفظ الإسلام أو الإيمان على غير المعنى الذي نفهمه نحن، بمعنى مسلم باعتبار البلدة والنشأة لا اعتقادا.

وهذا قد يفعله أركون أحيانا وعلي حرب.

وثالثا: من باب الجهل إما بالعلمانية أو بالإسلام أو كليهما.

فيتعامل مع الأمر تعاملا ساذجا بغير قصد.

وهذا حال كثير من العلمانيين البسطاء وبعض السياسيين والصحفيين الذين لا يفهمون من العلمانية غير فصل الدين عن الدولة.

الهدف من التاريخية.

لا يخفي معظم العلمانيين أن هدفهم من التأكيد على تاريخية القرآن هو تجاوز المفاهيم والتشريعات والأحكام التي يدل عليها القرآن من جهة ومن جهة أخرى نزع القداسة عنه حتى يعامل كباقي النصوص نقدا ونقضا.

أو لنقل بعبارة أوضح: إنهم يريدون وضع القرآن في خانة الفلكلور أو كجزء من الحفريات التي يدرسها المختصون بعلم الآثار، لا أنه كتاب يقود ويسود ويحكم.

قال علي حرب مبينا مقصد أركون بتاريخية الفكر الإسلامي: فالتعامل مع الفكر الإسلامي بوصفه نتاجا تاريخيا معناه نزع هالة القداسة عن ذلك الفكر، أي: تمزيق الحجاب وهتك السر، هذا هو صلب القضية، كيف نقرأ التراث والقرآن تحديدا (1).

يقصد بتمزيق الحجاب وهتك السر، نزع صفة الألولهية عنه، وإحلال البشرية عليه.


(1) نقد النص (76).

وشرح هاشم صالح ذلك بقوله: أي: وضعها ضمن سياقها التاريخي، وربطها بظروف قديمة مضت وانقضت ولم تعد هي ظروفنا. وبالتالي فهذه الآيات لم تعد ملزمة في العصر الحالي (1).

وقال: فالشيء ما إن تنكشف تاريخيته حتى يصبح من السهل تجاوزه (2).

وبيّن أن معنى أرخنة القرآن هو موضعته ضمن سياقه التاريخي ليبطل مفعوله بالنسبة لعصرنا، لأن الظروف اختلفت (3).

وقال أركون: عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن (4).

وبيّن علي حرب أن أركون يهدف إلى الكشف عن تاريخية القرآن الأكثر مادية ودنيوية وأكثر يومية وعادية، بل الأكثر شيوعا (5).

وزاد أن هدفه من قراءة القرآن ليس تقويم المعنى ولا إعادة الاعتبار إلى الظاهرة المعجزة التي يمثلها الوحي القرآني، وإنما هدفه تفكيك المعنى بالبحث عن أصوله وتبيان كيفية إنتاجه (6).

أي: بلغة واضحة بينة: يريد أركون بيان بشريته وأنه منتج بشري أرضي في ظل شروط تاريخية.


(1) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (350).
(2) نفس المرجع (48).
(3) نفس المرجع (354).
(4) الثقافة الجديدة عدد 26 - 27/ 1983 نقلا عن الممنوع والممتنع (119).
(5) الممنوع والممتنع (119).
(6) نفس المرجع (120).

وليس هدف العلمانيين من إعادة القراءة هو فهم أكثر للنص أو رد الاعتبار له إن الهدف بكل بساطة هو التحرر من النص نفسه بغية تجاوزه، يقول نصر أبو زيد: ولا خلاص من تلك الوضعية إلا بتحرير العقل من سلطة النصوص الدينية وإطلاقه حرا يتجادل مع الطبيعة والواقع الاجتماعي والإنساني، فينتج المعرفة التي يصل بها إلى مزيد من التحرر فيصقل أدواته ويطور آلياته (1).

فالهدف مرسوم وواضح، لكنهم أحيانا ومن باب التكتيك الهجومي يقولون إنهم يريدون من إعادة القراءة فهما أعمق للنص، وأكثر تعبيرا عن روح الشريعة، أو يقولون إنهم ليسوا ضد النص ولكن ضد فهم العلماء للنص.

وبيَّن نصر أبو زيد هدفه من التأكيد على تاريخية النص فقال: نزع قناع القداسة عن وجهه، وهو ما يؤدي في نهاية الشوط إلى طرح كل الأسئلة الممكنة بلا خوف ولا تردد ولا تواطئية تبريرية.

وزاد: إن ممارسة هذه الحرية في نقد التراث تعد شرطا ضروريا في مشروع النهضة سعيا لتغيير بنية العقل من حالة الإذعان والتقبل السلبي إلى حالة التساؤل وإنتاج المعرفة (2).

يعني التعامل مع القرآن كنص بشري لا يحظى بأي احترام أو تقديس، وعدم التعامل معه كنص له حرمة ما أو قداسة ما.

وليس المقصود بتاريخية النصوص أو البعد التاريخي للنصوص: أسباب النزول وعلم الناسخ والمنسوخ وتغير الأحكام لتغير الظروف والملابسات كما أكد أبو زيد بنفسه (3).


(1) مقال: ثقافة التنمية وتنمية الثقافة. الإمام الشافعي لنصر أبي زيد (43).
(2) النص والسلطة والحقيقة (48).
(3) نقد الخطاب الديني (87).

ثم استطرد مبينا المراد بها بقوله: فإن البعد التاريخي الذي نتعرض له هنا يتعلق بتاريخية المفاهيم التي تطرحها النصوص من خلال منطوقها وذلك نتيجة طبيعية لتاريخية اللغة التي صيغت بها النصوص (1).

ثم يزيد: ولا خلاف في أن تاريخية اللغة تتضمن اجتماعيتها الأمر الذي يؤكد أن للمفاهيم بعدها الاجتماعي الذي يؤدي إهداره إلى إهدار دلالات النصوص ذاتها (2).

وهدفه طبعا من كل هذه التعقيدات واضح جدا، وهو ما يؤكده لنا بقوله: وليس ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص، بل، لكل قراءة- بالمعنى التاريخي الاجتماعي- جوهرها الذي تكشفه في النص (3).

بمعنى أن النص يصبح نصا مطاطا يتشكل فيه كل ما يريده القارئ.

فالشيوعي سيقرؤه قراءة ماركسية، والليبرالي كذلك، بل والمسيحي واليهودي. ليس هناك شيء ثابت في النصوص، وليس هناك ثوابت، الكل متحرك ومتغير كالحديد المنصهر، يمتد حسب الرغبة والطلب.

هذه هي أهداف تاريخية النصوص، أو بعبارة أوضح: نصوص القرآن والسنة كانت استجابة لبيئة بدوية صحراوية ذات خصائص معينة، ذات بعد تاريخي واجتماعي معين.

أما في عصرنا فلم تعد تلك الأحكام تناسب عصر الصواريخ وعلم الجينات والطاقة النووية. فلا بد من تجاوزها وإلغائها.

ولا يقتصر أبو زيد على النصوص التشريعية، بل يتعداها إلى العقائد والقصص القرآني، كما صرح بنفسه (4). 


(1) نقد الخطاب الديني (87 - 88).
(2) نفس المرجع (88).
(3) نفس المرجع (88).
(4) نفس المرجع (88).

بل اعتبر الجانب التشريعي شريحة رقيقة من النصوص (1).

أي: الشريحة الأغلظ التي ستطالها ترسانة أبي زيد النقدية ليتم تجاوزها وتحويلها إلى متحف التاريخ هي العقائد والغيبيات والقصص القرآني.

وهذا علماني آخر يقول: نحن نؤمن بتاريخية النصوص وبربطها بأسباب ورودها وبالفترة الزمنية التي ظهرت فيها وبالبيئة التي انبعثت منها وبالمجتمع الذي ولدت فيه، بل وبالظروف الجغرافية التي واكبتها وبالدرجة الحضارية للمخاطبين بها وبمداهم المعرفي وأفقهم الثقافي (2).

هكذا يقول الشيوعي الملتحي أو الشيخ الأحمر خليل عبد الكريم. وهو يقصد بالدرجة الحضارية والمدى المعرفي والأفق الثقافي أن جيل الصحابة الذين ظهر فيهم القرآن كان له مستوى حضاري وثقافي ومعرفي معين، يؤمن بالخرافة والأساطير والغيبيات بل والكهانة كما تقدم عن أبي زيد، وبالتالي يجب تجاوز مسألة الله والوحي والملائكة والجن والشياطين، بل والجنة والنار، لأن هذه المفاهيم تتناسب مع الفكر الميثي الأسطوري الذي كان غالبا في ذلك العصر. أما في عصر الطاقة الذرية والانترنيت فلا حاجة للحديث عن هذه المفاهيم لأنها لا تناسب الدرجة الحضارية لمجتمعنا.

بل حديثنا سيكون عن المساواة بين الجنسين وحقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق الشواذ والدعارة والتنمية والمنفعة.

أما القيم والأخلاق فضلا عن العقائد والأديان فلم تعد مناسبة لدرجة الوعي الحضاري لمجتمعنا.


(1) نفس المرجع (89).
(2) الأسس الفكرية (108).

وطبعا يتسلح كل من أبي زيد وخليل عبد الكريم بالسلاح الماركسي العتيق فيما طارحاه من تاريخية.

فالأديان والأفكار والمعتقدات هي انعكاس للأوضاع الاقتصادية.

فلما كانت البيئة صحراوية بدوية لها نمط إنتاج بدائي يعتمد على الرعي، جاء الدين الإسلامي بعقائده وتشريعاته انعكاسا لهذه الأوضاع.

ومع تغير وسائل الإنتاج من الزراعة إلى الصناعة ومن الإنتاج البدائي إلى الإنتاج اللآلي المتطور ومن المجتمع القبلي إلى المجتمع المدني الحديث، فلم يعد الدين ولا أحكامه مناسبة لهذه الأوضاع.

وهذه هي التاريخية.

وقد ضرب لنا الشيخ الأحمر مثالا لاعتماد التاريخية في نقض الأحكام الشرعية، باعتماد ما سماه: المغزى من الأحكام، واعتبره هو الجوهر واللب والعصارة (1).

فالحجاب مثلا في نظر الشيوعي الملتحي مفتى الماركسية شُرِع للفصل بين الحرائر والإماء لكي لا يتعرض لهن الفساق.

أما وقد تحررنا من الرق، فلم يعد لهذا الحجاب من معنى.

وزاد مؤكدا: فإذا انتهى هذا التمايز وأصبحت النسوان كلهن حرات، ليست بينهن عبدات غدا التمسك بالحجاب فهما مغلوطا للنصوص يتعين المسارعة إلى تصحيحه حرصا على النصوص ذاتها، لأن عافيتها لن تستمر إلا بمعرفة المغزى الذي جاءت به (2).


(1) الأسس الفكرية (110).
(2) نفس المرجع (1

  • الجمعة AM 12:18
    2022-08-05
  • 1775
Powered by: GateGold