المتواجدون الآن

انت الزائر رقم : 422414
يتصفح الموقع حاليا : 131

البحث

البحث

عرض المادة

نقد القرآن لا فهم القرآن

تنوعت أساليب العلمانيين وتعددت مشارعهم في نقد التراث الإسلامي وتفكيكه بغية زحزحته وتجاوزه. فهذا أركون سمى مشروعه نقد العقل الإسلامي، ويعني به القرآن والسنة وما تفرع عنهما. وهذا الجابري سمى مشروعه نقد العقل العربي، متحاشيا ذكر صفة «الإسلامي» مغازلا الإسلاميين، كما قال بعض نقاده. وهذا حسن حنفي سمى مشروعه التراث والتجديد، وجمع علي حرب بحوثه تحت مسمى نقد النص.

والعقل الإسلامي والعقل العربي والتراث والنص كلها مصطلحات لمعنى واحد، هو القرآن والسنة وما تفرع عنهما من علوم.

وإن كان الغالب على أركون نقد القرآن والسنة في حد ذاتهما، في حين رأى آخرون التترس خلف مفهوم النص من أجل نقد النص نفسه، كما فعل نصر حامد أبو زيد وآخرون.

والهدف طبعا للجميع هو النقد من أجل التجاوز، كما سيأتي شرحه. وقد أفصح نصر حامد أبو زيد عن حقيقة مشروعهم قائلا: الاتجاه الثاني هو اتجاه القطيعة مع التراث، وهو اتجاه يرى أن للتراث وجودا ضارا مسؤولا عن بعض جوانب الأزمة الراهنة، ويرى أن الحل يكمن في ضرورة تحليل هذا التراث أو تفكيكه سعيا لإحداث قطيعة معرفية تُحررنا منه ومن تأثيراته الضارة. دوائر الخوف (194).

وذكر قبله الاتجاه الإسلامي، والثالث: اتجاه تجديد التراث، واعتبره منهجا تلفيقيا، منهج حسن حنفي ومن معه (194).

وهذا كلام في غاية الوضوح.

وغالبا ما يعرض العلمانيون أنفسهم على أنهم متحررون من كافة الإيديولوجيات والمؤثرات الخارجية والمسبقة.

لنقرأ مثلا قول أركون في الفكر الإسلامي (213): وإنما كل ما أسعى إليه هو محاولة فرض قراءة تاريخية للنص القرآني، قراءة تمتنع منذ الآن فصاعدا عن أية عملية إسقاط إيديولوجية على هذا النص.

وغير خاف على أمثالنا أن النقد التاريخي الذي يتسلح به أركون هو إفراز غربي حداثي، له قيم وإيديولوجيا تقف خلفه، وله فلسفة للحياة ورؤية للكون تتحكم فيه.

يحاول أركون أن يوهمنا أن العلوم الإنسانية والنقد التاريخي شأنها شأن العلوم التجريبية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات فكما استقبلنا هذه بدون تحفظ، فعلينا استيراد الأولى كذلك. مع أننا نفهم الفرق بين هذا وهذا جيدا، وأن العلوم الطبيعية تجريبية تخضع لمعطيات محسوسة شبه ميكانيكية ولهذا لا تكاد تجد بينها خلافات جوهرية، فما يكتشفه المتدين الصيني أو المسيحي يطابق ما اكتشفه العلماني الفرنسي مثلا.

أما العلوم الإنسانية وعلوم الاجتماع والنقد التاريخي فهي فلسفات أكثر منها علوم، تختلف نتائجها حسب المدارس الفلسفية التي تتباها.

والنقد التاريخي مثلا ليس رجلا منزها معصوما ينطق، بل الذين يقرأون وينقدون هم بشر لهم أفكارهم وقناعاتهم ونسقهم الإيديولوجي والفلسفي وخلفياتهم المعرفية.

قال أركون في الكتاب المتقدم نفسه (230): أعتقد أن الألسنيات هي علم في طور التكوين والبحث عن مناهجه الخاصة، وأعرف عن طريق التجربة أن هناك خلافات كثيرة وصراعات عديدة بين علماء الألسنيات، وأنهم يجدون صعوبة كبيرة في التوصل إلى اتفاق ما.

وحدثنا أركون كذلك بأن علم الفيلولوجيا كان علما رائدا في زمن ما ثم تجاوزه الباحثون، قال: ينبغي العلم بأن علم الفيلولوجيا أوفقه اللغة التاريخي كان قد تربع لفترة طويلة على عرش العلوم الإنسانية، كانت الفيلولوجيا ملكة العلوم المستخدمة في المنهجية التاريخية النقدية والطباعة النقدية للنصوص القديمة.

ثم بيَّن أركون أن هذه المنهجية أفل نجمها بعد مجيء البنيوية. نحو نقد العقل الإسلامي (67).

وحكى أركون مرارا أن المستشرقين الألمان يرفضون إلى الآن وبعد ظهور البنيوية ترك الفيلولوجيا، وأكد أنه تحدث معهم مرارا حول هذا ورفضوا.

والنقد التفكيكي الذي أسسه نيتشه ثم تلاه هيدغر، وهو واضع الاسم، ثم ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز (1).

وإذا كان التفسير والتأويل ينظران في مراد المؤلف، فإن التفكيك يقطع الصلة مع المؤلف ومراده، ومع المعنى واحتمالاته (2)، وهو يتجاوز منطوق الخطاب إلى ما يسكت عنه ولا يقوله إلى ما يستبعده ويتناساه (3).

مثال على ذلك: لا حكم إلا لله.

فالمؤول يتجه إلى معرفة القصد منها كأن يقول:


(1) الممنوع والممتنع (23).
(2) الممنوع والممتنع (150) والمرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك (91).
(3) الممنوع والممتنع (150).

لا سلطة لأحد على أحد لأن الله هو صاحب السلطة الحقيقية.

وأما المفكك فيرى أن القول المذكور يتأسس على حجب مضاعف إذ هو يخفى سلطته على سامعه بقدر ما يخفي إرادة قائله بالسيطرة على سواه (1).

ونفى التفكيكيون كل الفلسفات التي تقدمتهم، واعتبر مخالفوهم كهابرماس التفكيكية عبثا ونزعة عدمية (2).

في حين يرى الماركسيون أن المنهج الجدلي الديالكتيكي هو أرقى المناهج التي عرفها الفكر البشري.

فكيف نترك كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بين أنياب ومخالب المناهج الغربية التي ينقض بعضها بعضا ويسفه أكثرها أقلها.

مع أننا في غنى عن هذه المناهج المحدثة المضطربة، بمناهج علمائنا المعروفة كعلوم القرآن وأصول الفقه وفقه اللغة وغيرها.

ينسج أبو زيد نسجا غريبا وشاذا في محاولاته اليائسة لقطع الطريق أمام النص.

فدندن مرارا في كتبه حول أنه لا يوجد منهج إلهي أو شرع إلهي مقابل منهج بشري أو شرع بشري، بل هو بشري مقابل بشري، لأن الشرع الإلهي إنما يفهمه البشر، فينقلب من إلهي إلى بشري، ويعتبر أن الخطاب الديني يتجاهل هذه الحقيقة الكبرى. نقد الخطاب الديني (67).

مع أن الخطاب الديني كما يعبر هو، والخطاب الإسلامي كما نعبر نحن، لا يتجاهل هذه الخرافة الكبيرة والزعم الباطل. لأنه يعرفها ويعرف تهافتها وتفاهتها، ويعلم أنها حيلة تكتيكية وعباءة إيديولوجية لا غير لا تمت إلى العلم والحقيقة بصلة.

وقد تحدث الخطاب الإسلامي مرارا أن الشرع منه قطعيات معلومة من الدين بالضرورة، اتفق عليها السلف والخلف، بل وفي كثير منها سائر الفرق، بما فيها الفرقة التنويرية حسب المنظور العلماني: المعتزلة، وابن رشد وغيره ممن يسبح بحمده التيار العلماني، مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة والحجاب والولاء والبراء من الكفار والمشركين وإقامة الحدود الشرعية، وتطبيق الشريعة، وتحريم الربا والخمر، وعشرات المسائل.

وعلى ضوء تحليلات أبي زيد إن هناك فرقا بين هذه الثوابت القطعية وبين شرع الله.

انظر إلى حجم السفسطة والتهافت التي يهذي بها أبو زيد.

فإذا قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} المائدة90.

فإذا قلنا: إن الله في هذه الآية يحذرنا من شرب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام. يكون قد انقلب بشريا بعدما كان إلهيا.

أليست هذه قمة السفسطة والتخرص والجعجعة من غير طحن.

بل العكس هو الصحيح تماما، عندما يقول أبو زيد: إن مراد الله بهذه الآيات البيئة العربية البدوية في الجزيرة، فهذا مجاز ورمز فقط، والميسر أصبح من أصول الاقتصاد الحر، والخمر يعد بطريقة طبية عالية الجودة.

هنا ينقلب الإلهي بشريا.

فانظر كيف يقلب الحقائق ويزور الاتهامات، ثم ما دخل أبي زيد -الذي حكمت بردته وتطليقه من زوجته محكمة قضائية مصرية محترمة مشهود لها بالنزاهة- بفهم الدين وعلومه، وهو متخصص في الأدب العربي.


(1) نفس المرجع (54).
(2) الممنوع والممتنع (45).

لا بد من «تحطيم أصنامكم وكسر المحرم القرآني الأعظم، لا يحق لكم أن تنصبوا كتابكم المقدس ككتاب لا يناقش ولا يمس، لا يحق لكم أن تعتبروه حاملا لكلام إلهي أزلي أبدي غير مخلوق، يتضمن الحقيقة الكلية والنهائية ولا يخضع لأي تساؤل، ما أشد سذاجتكم أيها المسلمون» (1).

هكذا يخاطب الحقير التونسي عبد الوهاب المؤدب في كتابه «مرض الإسلام» (16) المسلمين، يجب نقد القرآن ونقضه وإسقاط قداسته. ولأنه يصعب الآن تجاوزه كليا، فالحيلة في نظره هو ضرب القرآن بعضه ببعض على طريقة السم والترياق على حد تعبير هاشم صالح (2).

والقرآن حسب العروي كمصحف يتصفح، كمجموع حروف وكلمات وعبارات، وثيقة مادية كباقي الوثائق، لا اعتراض على إخضاعها لجميع أنواع النقد المعاصر. الأمر مشروع ... (3)

وعادة ما يقوم العلمانيون بتغطية مشروعهم لنقد الوحي ونقد القرآن والسنة بالدعوة إلى نقد فهم الوحي أي: الفصل بين الوحي والتاريخ وبين المثال والتطبيق، وهي لا تعدو أن تكون حيلة كما سماها علي حرب (4)، تحاشيا للاصطدام وأملا في خلق فضاء معين ينطلقون من خلاله إلى الفضاء الأسمى والأهم هو نقد النص نفسه لا نقد فهمه.

وهذا مشروع أركون كما نص عليه علي حرب (5).


(1) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (131).
(2) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (354).
(3) السنة والإصلاح (124).
(4) نقد النص (64).
(5) نقد النص (65).

لا يكتفي أركون بتفكيك الانساق الفقهية والمنظومات العقائدية، بل يتوغل في نقده وتفكيكه وصولا إلى الأصل أي: إلى الوحي القرآني أو الحدث القرآني، على ما يسميه أحيانا (1).

فهو «يستهدف بالنقد الجانب اللاهوتي القدسي، ممثلا بالوحي القرآني والممارسة النبوية ... أما الجابري فإنه يستبعد خطاب الوحي والنبوة من مجال النقد، لأنه يرى أن النقد اللاهوتي لم يحن أوانه بعد في العالم العربي» كما قال علي حرب (2).

وأكد هاشم صالح أنه لا مفر من تطبيق المنهج التاريخي عليه كما فعل المسيحيون في أوروبا بالتوراة والإنجيل، وكما فعل المستشرقون بالقرآن ذاته. وزاد: هذا يعني أن التعرية الأركيولوجية سوف تصل هذه المرة إلى القرآن نفسه ولن تكتفي بتفكيك السنة أو السيرة النبوية أو الحديث النبوي أو كلام الفقهاء الكبار أو كتب الملل والنحل ... إلخ. فالتفكيك إما أن يكون عاما شاملا أو لا يكون (3).

«إذن لا يستبعد أركون خطاب الوحي من مجال النقد التاريخي» (4).

وهذا رأي أغلب العلمانيين، فعلي حرب مثلا يرى أنه لا بد من نقد النص القرآني والنبوي وتشريحه وتحليله وتفكيكه، فلا ينبغي لشيء أن يقف حائلا دون حرية البحث والنقد (5).


(1) نقد النص (62).
(2) نقد النص (116).
(3) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (314).
(4) نقد النص
(5) نقد النص (71 - 203).

فليس كونه من عند الله مانعا من نقده وتفكيكه، في نظر علي حرب، وعليه فلا بأس بتوجيه ضربات موجعة له لأنه نص من النصوص، ولأنه نص تاريخي (1).

فالنصوص عنده سواء بغض النظر عن قائلها أو كاتبها (2) ولأن النص يتصف بالخداع والمخاتلة، وله ألاعيبه السرية وإجراءاته الخفية كما قال (3)، التي يمارس من خلالها آلياته في الحجب والتبديل (4)، فلا ينبغي في نظره التعامل مع النصوص بما تقوله وما تخفيه وتستبعده (5).

وهكذا يرى نصر أبو زيد، فالقرآن عنده نص لغوي، مثله مثل أيّ نص أدبي آخر، يقرأ كما يقرأ أيّ نص شعري أو نثري وينقد بل ينقض ويزيف، ولا تحفظ له أيّة حرمة أو قداسة، أو بمعنى آخر: إن دراسته إنما تخضع لمعطيات الدرس الأدبي (6).

وعلي حرب يرى في منهج نصر أبي زيد هذا أنه في منتهى الخفة والتهور (7).

لا لأنه ينقد كلام الله، ولكن لأنه يكتفي باستخدام منهج واحد في الدراسة والنقد، وكان عليه في نظر حرب استخدام كافة الأدوات والمناهج الحديثة كالمنهج السيميائي والأركيولوجي والتحليل السوسيولوجي والنقد التاريخي كما يفعل أركون.

كان علماؤنا المتقدمون يقرأون القرآن بمناهج ابتكروها وأنشأوها دون أية مؤثرات خارجية، ودون الحاجة إلى استيراد مناهج معينة من دول معادية للأمة، وقفت على مدار تاريخها ضد مصالحها.

زد على هذا أن المناهج الغربية ليست مناهج بريئة، وليست كالعلوم التجريبية كالطب والجيولوجيا وغيرها.

لأنها مناهج مرتبطة بثقافة غربية وإفراز ثقافي في ظل أوضاع كنيسية معينة وفي وسط شروط ولدت من رحم الصراع الكنيسي العلمي، من هنا جاءت الحاجة إلى قراءة الإنجيل قراءة تفكيكية.

ولم يبلور رجال الدين المسيحي مناهج دقيقة وعلمية لقراءة تراثهم، بل كانت مناهج البحث تشكلت خارج التراث المسيحي منذ القديم مع الفلسفة، وقبل ظهور العلمانية.

أما في تجربتنا فالأمر مختلف تماما، فأوضاعنا مختلفة، وحضارتنا مختلفة، ولعلمائنا عبر قرون متباعدة مناهج علمية راقية وقواعد منضبطة اعترف الغرب بكفاءتها وقدرتها على التحليل.

فكيف نهجر هذه المناهج العلمية النابعة من تراثنا وثقافتنا ونستبدلها بمناهج ولدت في بيئة مغايرة وأوضاع مغايرة، إنها الهزيمة النفسية لا غير، والاستلاب الحضاري والانبهار الحضاري.

ثم العلمانيون الذين ينتهجون هذه المناهج الغربية ذوو خلفية إلحادية مغرضة، أي: ليس همهم المعرفة، بل الإيديولوجيا.

وبالتالي فالقراءة ليست علمية، بل إيديولوجية. أي: هي غير بريئة، وليس هدف العلمانيين إعادة قراءة النص القرآني والنبوي بالمناهج العلمية التي أسسها علماء الإسلام استجابة لمتطلبات العصر، كعلم أصول الفقه، وعلوم اللغة، وعلوم القرآن، وعلم الحديث، بل هذه في نظرهم قراءة تراثية تقليدية، بل هدفهم كما بين علي حرب استخدام المناهج الغربية الحديثة في التحليل بدل المناهج الإسلامية.


(1) نقد النص (71).
(2) نقد النص (11 - 12).
(3) نقد النص (16 - 18).
(4) نقد النص (18).
(5) نقد النص (15 - 20).
(6) نقد النص (208).
(7) نقد النص (208).

وبيّن حرب أنه عوض مفاهيم العموم والخصوص والمحكم والمتشابه والظاهر والباطن والناسخ والمنسوخ سنستخدم مفاهيم جديدة كالدلالة والرمز والمجاز والمخيال والأسطورة والبنية وشبكة العلاقات (1).

فقصص الأنبياء مثلا سننظر إليها في ظل المناهج الغربية الجديدة على أنها مجموعة من الأساطير القابلة للتفكيك والنقد وإعادة القراءة وُظفت دينيا لأغراض سياسية وإيديولوجية معينة.

والحدود الشرعية في القراءة الجديدة رمز للعقوبات فأي عقوبة تيسرت كالسجن مثلا فهي معبرة عن هدف القرآن. والجمود على النص دوغمائية تعود لثقافة القرون الوسطى.

والحجاب دلالة ورمز للعفة، والعفة مفهوم اجتماعي يتغير بتغير الأوضاع والثقافات والمفاهيم.

والعفة في زماننا تعني التسامح والتعايش، فلا معنى لثوب أو غطاء أو حجاب، لأنه رمز للتمييز ضد المرأة في الثقافة القروسطية.

بل مفهوم البكارة والزنا كلها ستغدو في القراءة الجديدة مفاهيم متجاوزة في ظل المساواة والحرية.

بل كثير من العلمانيين يريدون تجاوز حتى المصطلحات الإسلامية ولو بعد تفريغها من محتواها الديني، وقد تقدم عن حسن حنفي ذلك.

وهذا أركون يسمي القرآن المدونة النصية، ويسمي الآية: المنطوقة أو العبارة اللغوية.

وبيَّن مترجمه سبب ذلك فقال: وسبب ذلك هو أنه يريد تحييد الشحنات اللاهوتية التي سرعان ما تستحوذ على وعينا عندما نتحدث عن القرآن، فالقداسة اللاهوتية أو الهيبة اللاهوتية العظمى التي تحيط بالقرآن منذ قرون تمنعنا من أن نراه كما هو: أي: كنص لغوي مؤلف من كلمات وحروف وتركيبات لغوية ونحوية وبلاغية ... القرآن من التفسير الموروث (119).


(1) نقد النص (78).

كان علي حرب صريحا مع نفسه ومع قرائه، فهو يتحدث بلغة صريحة ولا يركب على عواطف الجماهير، وليس في حاجة إلى التصريح بأنه يستلهم القيم الروحية للإسلام، أو بأنه لا يهدف إلى نزع صفة القداسة على النصوص، قال متعجبا من اللف والدوران الذي يحاول إيهامنا به بعض العلمانيين: فكيف نقرأ النصوص قراءة نقدية تاريخية ونزعم أننا لا ننزع عنها صفة التعالي والقداسة؟ لا مجال إذا للمداورة والالتفاف، بل الأحرى والأولى مجابهة المشكلة بدلا من الدوران حولها (1).

[أهداف النقد]

النقد العلماني للقرآن ليس نقدا بريئا، فهو تغلب عليه إرادة الإيديولوجيا على إرادة المعرفة. وهو مشبع بترسانة من الأفكار المسبقة والجاهزة والمهيمنة، يدور الباحث حولها ويبحث عن سبل نصرها.

وطبعا ليس أمام العلماني العربي إلا ما شيده ذاك الآخر من مناهج وأدوات للقراءة.

ولهذا بدت أهداف العلمانيين من قراءتهم للتراث بادية للعيان، بل مصرح بها من قبلهم منصوص عليها في كتبهم.

ويمكن إجمالها فيما يلي:

أولا- نزع القداسة عن القرآن والسنة واعتبارهما نتاجا ثقافيا كباقي النصوص، تنقد وتساءل كما تنقد نصوص الشعر والنثر والأساطير والخرافات.


(1) نقد النص 

في ظل النقد التاريخي لا ينظر للقرآن والسنة باعتبارهما وحيا مفارقا أو لهما علاقة ما بجهة متعالية مقدسة، فكل هذه المفاهيم من ثقافة الماضي التي تجاوزها النقد الحديث.

قال علي حرب: لا مراء أن النقد كما يمارسه أركون والآخرون يؤدي إلى نزع هالة القداسة عن الوحي بتعريته آليات الأسطرة والتعالي التي يمارسها الخطاب في تعامله مع الأحداث والوقائع التاريخية أو مع التجارب والممارسات الإنسانية (1).

والعلمانيون يعبرون عن هذا الهدف إما: بنزع القداسة أو نزع الأسطرة، أو تاريخية القرآن والسنة.

وأحيانا من باب التعمية يزعمون أنهم يحاولون فهم النص علميا لا فهما غيبيا أسطوريا، كما يفعل نصر أبو زيد، وذلك بالتعامل معه باعتباره منتجا ثقافيا كما قال علي حرب (2).

في ظل النقد التاريخي لن تكون للقرآن أية قداسة أو اعتبار، فالبحث العقلي التاريخي هو الأول والآخر والظاهر والباطن.

فسورة التوبة مثلا في نظر أركون مستخدما ترسانته المعرفية لها لهجة جدالية حادة، كما قال (3).

وقال: تبين لنا هذه السورة كيف أن الطائفة الجديدة الوليدة (يقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه) قد انخرطت بعد فتح مكة في عملية بناء المؤسسات، وهي تستطيع أن


(1) نقد النص (203).
(2) نقد النص (209).
(3) القرآن من التفسير الموروث (49).

تنقض العهود أو الاتفاقيات الموقعة سابقا مع الفئات المعارضة وتفرض عليها شروطها الجديدة تحت التهديد بإشعال الحرب ضد كل هؤلاء المشركين الذين يرفضون شرع الله ورسوله (1).

هكذا يصور نبينا - صلى الله عليه وسلم - كرجل سياسي متغطرس ديكتاتوري متعطش للدماء ينقض العهود ويفرض الشروط.

وزاد أن الأعراب قد أدينوا بقسوة في تلك السورة (2). وأن من تاب بعد ذلك فلا يتمتع بنفس الحقوق السياسية داخل الجماعة الجديدة المنتصرة (3).

ثانيا- إعادة النظر في المسلمات العقائدية الإسلامية. أو كما قال علي حرب: خلخلة الاعتقادات وزحزحة القناعات (4). ذلك أنه يلامس بنقده مناطق محرمة وبطَرْق أبواب يصعب طرقها (5). ويكشف بل يفضح المسلمات (6). وتتم فيه إعادة النظر في المعتقد (7) ...

سيتم من خلال هذا النقد تجاوز مفاهيم مترسخة في أذهان المسلمين مثل وجود الله، والملائكة والجن واليوم الآخر والوحي وغير ذلك.

ثالثا- غربلة التراث من أجل حذف كل العناصر الضارة منه، والإبقاء على الصالح في نظر العلمانية مثل الحرية والعقل والمساواة.


(1) نفس المرجع (49).
(2) نفس المرجع (49 - 50).
(3) نفس المرجع (50).
(4) نقد النص (72).
(5) نقد النص (76).
(6) نقد النص (74).
(7) نقد النص (73).

يقول أركون: المهمة العاجلة تتمثل في ما يلي: إعادة قراءة كتب التراث الإسلامي على ضوء أحدث المناهج اللغوية والتاريخية والسوسيولوجية والأنتربولوجية (أي: المقارنة مع بقية التراثات الدينية، وبخاصة ما حصل في الغرب المسيحي) ثم القيام بعدئذ بتقييم فلسفي شامل لهذا التراث لطرح ما أصبح ميتا فيه ومعرقلا لحركة التطور والإبقاء على العناصر الصالحة من أجل استخدامها في البنيان الجديد (1).

إخضاع القرآن والسنة لمناهج النقد الغربية المحملة بالمضامين الفلسفية الغربية، مع مقارنتها بباقي الديانات اليهودية والمسيحية والبوذية، لنستخلص دينا جديدا ترضى عنه العلمانية وتباركه.

وماذا عن سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة الصحابة في نقد أركون؟

يجيب: كما وتنبغي دراسة سيرة النبي وشخصيات الصحابة الأساسيين على ضوء علم التاريخ الحديث، وذلك لفرز العناصر التاريخية فيها عن العناصر التبجيلية التضخيمية (2).

أي: سنحصل على سيرة فيها وقائع تاريخية محضة، أما كل ما يدل على تبجيل النبي أو احترامه وتعظيمه، فنقد أركون كفيل بحذف هذه العناصر الضارة والتي لا ترضى عنها العلمانية.

رابعا- تفكيك الهوية وضياع المشروع الحضاري، ومن ثم الإلحاق بالحضارة الغربية.

ولذلك فإننا نقول دوما: إن العلمانيين هم طلائع الاستعمار وآليات الهيمنة الغربية وامتداد للسيطرة الغربية.

والمفكر عندما يقع تحت تأثير الاستيلاب الثقافي، ويسبح في بحوره، يحس بتحرر وهمي وباستقلال في التفكير، ويشعر في قرارة نفسه أنه يمارس مشروعا فكريا أو نقدا علميا من خلال مناهج البحث في علوم الاجتماع والنقد التاريخي، وهو ينسى أن هذه المناهج إفراز ثقافي إيديولوجي غربي، ذو حمولة فلسفية غربية، وبالتالي فهو ينخرط في المشروع الامبريالي شعر بذلك أم لم يشعر.


(1) قضايا في نقد العقل الديني (292).
(2) قضايا في نقد العقل الديني (2

[نماذج من النقد التاريخي للقرآن]

يرى أركون أن في سورة التوبة وسور أخرى في القرآن مفاهيم «دين الحق» «الدين القويم» «الإسلام» محركة من قبل فاعلين ذوي مصالح مباشرة، يقومون بالمزايدة على نفس رهانات الحقيقة والنجاة لدى فئات أخرى كاليهود والمسيحيين والمشركين والكفار والمنافقين (1).

هكذا يصور أركون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكرام: أصحاب مصالح يقومون بالمزايدة على مخالفيهم.

ثم زادنا من تحليلاته النقدية التي تغوص إلى أعماق المفاهيم ولا تقف عن الظواهر والشكليات كما هو شأن الفقهاء والأصوليين الدوغمائيين فقال: ونلاحظ أن مفهوم الله الواحد مبلور ليس من أجل مضامينه الخاصة، وإنما أولا وقبل كل شيء من أجل تسفيه طريقة استخدامه من قبل أهل الكتاب، تقول السورة: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة30 (2).

إذن الهدف هو تسفيه الآخرين، وليس المقصود إيضاح معنى الألوهية وما يجب لله من التنزيه.

ونقرأ في كتاب آخر له نموذجا آخر من تشكيكاته في القرآن تحت ستار القراءة التاريخية، ولننقل النص بتمامه قال: نضرب على ذلك مثلا كلمة «عزير» الواردة في الآية الثلاثين من سورة التوبة المذكورة آنفا، فالآية تقول بأن اليهود يعترفون به


(1) القرآن من التفسير الموروث (70).
(2) نفس المرجع.

كابن لله. فما هي حقيقة الأمر يا ترى؟ ينبغي الاعتراف هنا بأن المفسرين المسلمين القدامى كانوا جديين، وكانت لهم ميزة التساؤل عن هوية عزير هذا. بل ويصل الأمر بالطبري إلى حد القول بأنه ليس من المعتاد أن يعبر اليهود عن اعتقاد كهذا. أما البحث الأكاديمي الحديث فيقول لنا بعد طول تنقيب وتبحر (1) في الموضوع بأن عزير هذا ما هو إلا الحاخام الأكبر عزرا الذي ساهم في إعادة بناء المعبد اليهودي بعد عودة اليهود من منطقة وادي الرافدين إلى أورشليم (القدس) في فلسطين. ولكن هذه المعلومة التاريخية لم تعد تخطر على بال أغلبية المسلمين المعاصرين. لماذا لا يهتم المسلمون المعاصرون بمثل هذه المعلومات الدقيقة عن الآية؟ (2) لأن القراءة التاريخية للقرآن أو قل التفسير التاريخي لآياته يؤدي إلى التشكيك بذلك التصور الأرثوذكسي المرسخ في الوعي الجماعي عن القرآن بصفته كلام الله الحرفي النازل من السماء على الأرض والمنقول من فم الله كلمة كلمة إلى البشر عن طريق النبي. هذه الصورة المرسخة في الوعي الجماعي الإسلامي تهتز إذا طبقنا التفسير التاريخي على القرآن. ولذلك فإنهم يتحاشونه بأي شكل ويتهمون المستشرقين الفيلولوجيين بمحاولة تدمير الإسلام (3).

وهذا كلام في غاية الوضوح، فهو يريد أن يقول إن قول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ}، كذب على اليهود فلم يقولوا هذا أبدا، وقد أثبت البحث التاريخي أن عزيرا حاخام كبير فيهم فقط.

إلى هذه الدرجة يسلب الرجل عقله واعتداله.

وما المانع أن يكون اليهود اعتقدوا في هذا الحاخام أنه ابن الله؟ هذا إذا سلمنا بهذه المعلومة التاريخية!!.

أما وكُل المعلومات التاريخية عن العصور ما قبل الإسلام في موضع الشك لأنها لم تنقل بالأسانيد الصحيحة، بل كلها بين ناقلها وأصلها عشرات السنوات بل القرون.

فكيف يكذب كلام الله وتصحح تلك الروايات البعيدة كل البعد عن الصحة والصدق؟.

أم مادامت تخدم المشروع العلماني فهي صحيحة وصادقة؟ بينما إذا تعلق الأمر بما نقله المسلمون عن ربهم أو نبيهم فتلك أخبار مشكوك فيها دخلها الوضع والكذب.

وفي كتابه الفكر الإسلامي (94) ذكر نموذجا آخر للقراءة السيميائية الدلالية لأية أخرى من سورة التوبة، صور فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بطلا عربيا يستفيد من التناقضات الموجودة في البيئة العربية لتكريس سلطته من خلال خلق ما سماه العصبية المقدسة (103 - 105) وأن صراعه مع مخالفيه صراع إيديولوجي (104).

وهكذا في تفاهات من هذا الشكيلة، كلها تدور على نزع صفة النبوة عن النبي والتعامل معه على أساس أنه قائد سياسي همه الصراع وتحقيق مآرب سياسية.

 


(1) هكذا يضخم الأمر، وكأن الموضوع مراقب بمجهري ضخم أو تحت تحليل مخبري معقد.
(2) لأنها لا دليل على صحتها في نظرهم. وعلى فرض صحتها لا مناقضة بينها وبين ما ذكره المفسرون ومنهم الطبري أن عزيرا هذا كان عابدا فيهم كتب التوراة بيده كاملا من حفظه فلما عارضوه بنسخ كانت عندهم وجدوها مطابقة لها، فزعموا أنه لابد أن يكون ابنا لله.
(3) نحو نقد العقل الإسلامي (68 - 69).

  • الخميس PM 11:34
    2022-08-04
  • 1287
Powered by: GateGold